← История

История · id 117366

أخبار فخ وخبر يحيي بن عبد الله وأخيه إدريس بن عبد الله

أحمد بن سهل الرازي

Полный текст (380 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ويوسف يخبره أن قد اكترى له، ثم توارى عنه وذهب بالمال. قال أبو الحسن النوفلي: فلما وقف حسين على ما صنع يوسف طلب الكراء فلم يجده لضيق الوقت، فلم يزل يحتال للمال وللإبل حتى وجد في ذلك ما وجد وقد فاته الوقت. وقدمت (١) الجيوش مكّة ممن خرج من البصرة والكوفة وبغداد، وخرج معه ممن تبعه ومن أهل بيته زهاء ثلاثمائة رجل، فلما قربوا من مكة، وصاروا//إلى فخ ويلدح (٢) تلقّته الجيوش. رجعنا إلى رواية غيره: فأتاهم إدريس بن عبد الله بن الحسن، وأخوه سليمان بن عبد الله بن الحسن الأفطس، وعلي بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن فباتوا ليلتهم، فلمّا كان السحر (٣) خرجوا إلى المسجد وقد أذّن من المؤذنين مؤذّن واحد، فحين أذّن الثاني فبلغ التشهّد أحسّ بهم (٤)، فقطع الأذان لما سمع الأصوات، وتوافوا في المسجد وهم خمسة وسبعون رجلا، الفاطميّون منهم سبعة والباقون ثمانية وستون؛ فلمّا طلع الفجر دخل الناس المسجد من كلّ ناحية، فأقام يحيى بن عبد الله الصلاة، وتقدّم الحسين فصلّى بالناس، ثم انصرف إلى المنبر فخطب الناس ودعاهم إلى البيعة فتفرّقوا عنه ولم يعرّج عليه أحد من أهل المدينة، ودخل ناس من أهل خراسان وغيرهم فسمعوا مقالته، فمنهم من تقدّم فبايعه ومنهم من لم يفعل.

стр. 282

قال: وتصايح الناس واعتزل أحبّاء آل العباس واجتمعوا إلى خالد البربري وهو يومئذ قائد الجند بالمدينة (١) وكانوا مائتي (٢) رجل، وصار إليه وزير بن إسحاق الأزرق وكان (٣) على صوافي الخاصة، ومحمد بن واقد مولى أمير المؤمنين وكان شريكا للعمري في الأعمال وإليه ديوان العطايا، فأقبل خالد البربري فيمن معه وخرج معه حسن بن جعفر بن حسن بن حسن على حمار له حتى دخل المسجد وأتى من ناحية موضع (٤) الجنائز، فحمل عليه (٥) أولئك المبيّضة فأمرهم الحسين بالكفّ عنه وإخراجه من المسجد-يعني حسن بن جعفر-وأقبل خالد البربري ومن معه من ناحية بلاط الفاكهة، فخرج الحسين وأصحابه إلى رحبة دار القضاء، فجلس فيها وجلس معه أصحابه إلاّ من تقدّم منهم للقتال، وهم زهاء ثلاثين رجلا فإنهم تقدّموا في نحور أصحاب خالد فرموهم بالنشّاب، وأقبل خالد راجلا سالا سيفه يصيح بالحسين ويشتمه ويقول: «قتلني الله إن لم أقتلك»، فلمّا دخل الرّحبة وثب إليه يحيى وإدريس إبنا عبد الله، وبدره يحيى وكان شديد الكف والذراع مجتمع القلب، فضربه على أنف البيضة فقطعه وخلص السيف إلى أنفه فشرقت عيناه بالدم، وقد ضرب خالد يحيى بسيفه فأسرع في (٦) الترس حتى وصل إلى إصبعه الوسطى والتي تليها من يده اليسرى؛ قال: ولما ثار الدم في عين

стр. 283

خالد/برك وعلواه بأسيافهما حتى برد، وأخذ إدريس درعين كانتا عليه وسيفه وعمود حديد كان في منطقته، ثم جرّا برجله فطرحاه بالبلاط على باب مروان. قال مصعب: وكان/خالد متعلقا بستر من شعر يعتصم به فإذا حمل عليه يحيى تراجع، ثم يحمل هو على يحيى فيتراجع، وقد نال كلّ واحد من صاحبه جرحا؛ ثم إنّ إنسانا من أهل الجزيرة كان مع الطالبيين خرج مصلتا سيفه متوجها نحو القتال، وخالد يراه، ولم يرياه يقصده، فحمل خالد على يحيى وهو لا يعلم ما يريد الجزيري، فعطف عليه الجزيري من ورائه وهو لا يشعر فضرب ساقيه وعرقبه ونزع البيضة عن رأسه، فضربه يحيى حتى قتله. قال مصعب: وكان هذا الجزيري أشجع من كان معهم، وقطعت يده ليلة المسابرة ثم قتل بفخّ في المعركة. ثم حمل (١) يحيى وإدريس ومعهما أولئك المبيّضة وعبد الله ابن الحسن الأفطس فقتلوا من الجند الذين كانوا مع خالد في رحبة دار يزيد ثلاثة عشر رجلا، وانهزم الناس وتفرّقوا في كل وجه، والحسين جالس محتب ما حلّ حبوته. قال: ولم يقم يومئذ سوق بالمدينة. قال: فركب إدريس في نحو من ثلاثين من أولئك المبيّضة، وقد كانت الجراح فشت فيهم للرمي الذي نالهم بالحجارة والنّشّاب، فداروا ساعة في المدينة، فأشرف لهم رجل من بني مخزوم أو غيره من قريش، فسألوه الكفّ عنهم وعن غشيان دورهم ومنازلهم ففعل، ورجع إلى الحسين فأخبره.

стр. 284

قال: فأقاموا ذلك اليوم، فلمّا كان من الغدّ جاءهم عمر بن حسن ابن علي بن علي بن الحسين، وإبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسن، وإسماعيل وهو طباطبا، وحسن بن محمد بن عبد الله بن حسن. قال: ولزم أهل المدينة منازلهم فلم يأتوا المسجد ولم يصلّوا فيه، وغدا إليهم ذلك اليوم جماعة من موالي آل العباس وأحبابهم، وخرج معهم عبد الله بن عثمان المخرمي، /وعمرو بن الزبير وغيرهما، فقاتلوا المبيّضة مراماة. قال: وقد كان سليمان بن أبي جعفر مع موسى بن عيسى، فتلقّاهم الخبر فأقاموا وتقدّم موسى بن عيسى في جماعة من مواليه حتى نزل بطن نخل، وأمر مبارك التركي أن يمضي إلى المدينة، فنزل ببئر المطّلب على خمسة أميال من المدينة، ثم أرسل إلى أهل المدينة رسولا يقول: من كان يرى لأمير المؤمنين طاعة فليخرج إلى مبارك، فغدا إلى مبارك: زيد بن حسن بن علي بن حسين، وغدا إليه علي بن عبد الله بن جعفر وغيرهما من الناس، وجاءه العمري وابن واقد ووزير بن إسحاق والمخرمي، فاجتمعوا إليه، فقال مبارك لزيد بن حسن: إن كنت جئت سامعا مطيعا تريد قتال القوم فقد رأستك على/هؤلاء فتقدّم فقاتل، فقال له زيد: والله ما انصفتني، تأمرني أن أقاتل بني (١) عمّي وإخوتي بين يديك، وأنت متخلّف لا تقاتل عن سلطانك وعن مولاك، ولكن يدك في يدي، ويدي في يدك حتى تعلم أجئت سامعا مطيعا أم لا، فقال

стр. 285

العمري وابن واقد (١): صدقك الرجل وأنصفك، فتقدّم أنت فإنه أحرى أن يقاتل الناس معك إذ رأوك وأن يخرج إليك من لا يجترأ على الخروج إذا لم يرك؛ قال: فأقبل مبارك معهم واجتمع (٢) إليه خلق كثير حتى كانوا زهاء ثلاثة آلاف رجل مع من ضوى (٣) إليهم؛ والمبيضة نحو من أربعمائة رجل فيهم الخراساني والكوفي والجبلي، وأقبل الآخرون كالمقتدرين عليهم فارتموا ساعة. قال: وأتوهم من نحو دار يزيد، وخرج عليهم المبيّضة قد أصلتوا سيوفهم، فحملوا عليهم حملة محقّقة فقاتلوهم على باب الزوراء، وذلك يوم الإثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، حتى انتصف النهار، ثم قال لهم مبارك: لا بدّ من الراحة والقائلة، فلما تفرّق الناس عنه جلس على رواحله فلحق بموسى بن عيسى ببطن نخل، فأعطاه الخبر وذكر له من أتاه ومن تخلّف عنه، ومضى العمري وابن واقد ووزير بن إسحاق الأزرق فصاروا إلى معدن بني سليم حتى لقوا العبّاس /ابن محمد وكان القوم بالرّبذة إلى أن قدم عليهم مبارك، فمضوا جميعا يريدون مكة، فأقاموا بالمعدن ثلاثا وهمّوا بالرجوع إلى العراق حين ورد عليهم كتاب محمد بن سليمان يأمرهم بالمضي، فلمّا ورد موسى غمرة ونزلها كتب إليهم منها أن العجل العجل، فتوافوا بغمرة وأمروا العمري بالانصراف نحو المدينة وأن يكون مقيما على ليلة منها، فإذا خرج منها الحسين دخلها بعد خروجه.

стр. 286

وأقام الحسين بالمدينة وأصحابه في المسجد ودار مروان، ولزم أهل المدينة منازلهم وتركوا حضور المسجد، لا يجتمعون (١) معهم. وخرجت الأشراف في اليوم الرابع من القتال فتسوّقوا، وقدم الحاج، ومرّ عظم الناس من الحاج (٢) على طريق نجد وتركوا المدينة، وأخذ أهل الشام وأهل مصر على الساحل إلى مكة، فأقاموا إلى أربع وعشرين ليلة مضت من ذي القعدة، وكان عدّة أيّام مقامهم بالمدينة ثلاثة عشرم يوما، ثم توجّهوا إلى مكة، فتبعهم ناس من الأعراب (٣)، من جهينة ومزينة وغفار وضمرة وغيرهم، ولقيهم عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن حسن بالأبواء، وكان/غائبا فلم يكن حضر مخرجهم. وترأس على العباسيّين العبّاس بن محمد فهو يدبّر أمرهم، فلمّا قدموا مكّة وجدوا بها من أحبابهم ومواليهم مع من قدم مع سليمان بن علي؛ وبعث العباس العيون والطلائع. وأقبل الحسين في أصحابه، فلمّا كانوا بسرف تلقّته أوائل الخيل، وجنح إلى العباس بن محمد مولى لمحمد بن سليمان كان مع الحسين، فساروا حتى إذا صاروا بفخ تلقّاهم العباس بن محمد بالخيل والرجل. وكان ممّن اجتمع إلى الطالبيّين سبعمائة رجل، فصفّوا لهم على الطريق؛ قال: فدعاهم العبّاس إلى الأمان وضمن للحسين قضاء دينه والأمان لمن معه من أهل بيته، ولم يترك شيئا من حسن العرض إلاّ بذله له؛ فأبى ذلك أشدّ الإباء.

стр. 287

قال مصعب: كان الرئيس سليمان بن أبي جعفر لأنّه كان على الموسم، فأمر موسى بن عيسى بالتعبئة فصار/محمد بن سليمان في الميمنة، وموسى في الميسرة، وسليمان بن أبي جعفر والعبّاس بن محمد في القلب. فكان أوّل من بدأهم موسى فحملوا عليه، فاستطرد لهم شيئا حتى انحدروا في الوادي، وحمل عليهم (١) محمد بن سليمان من خلفهم وطحنهم طحنة واحدة. وقال النوفلي: إنّهم لما صاروا بفخ قدّم موسى بن عيسى بين يديه محمد بن سليمان وقال له: قد عرفت فرارك وفرار أخيك من إبراهيم بن عبد الله، وإنّما تداري هؤلاء القوم وتبغي عليهم لأنهم أخوالك، فألهبه بهذا القول. فأقبل محمد في خيله (٢) ومن ضمّ إليه من الجند، فأرسل موسى إلى حسين يخيّره (٣) خصلة من خصال ثلاث: أن يعطيه الأمان، ويضمن له على الخليفة القطائع والأموال، أو أن ينصرف إلى المدينة حتى ينقضي الحج؛ أو أن يهادن بعضهم بعضا، فيدخل فيقف ناحية ويقفون ناحية، فاذا انقضى الحج تناظروا فإمّا كانوا سلما أو حربا؛ فأبى ذلك كلّه وتهيّأ للحرب، ونقض هو وأصحابه الإحرام ونشبت بينهم الحرب بفخ، واقتتلوا أشدّ قتال (٤)، أصحاب محمد وأصحابه؛ وصبر المبيّضة فلم ينهزم منهم أحد حتى إذا أتي (٥) على أكثرهم جعل أصحاب محمد يصيحون لحسين «الأمان الأمان» يبذلونه له، فيحمل عليهم

стр. 288

ويقول: «الأمان أريد»، حتى قتل وقتل معه رجلان من أهل بيته. ورمي الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن [١] بنشّابة فأصابت عينه، فجعل يقاتل أشدّ قتال والنّشابة مرتزة في عينه، فصاح به محمد: يا ابن خال اتّق الله في نفسك، فلك/الأمان، فقال: أتؤمنني على أن تمنعني ممّا تمنع به نفسك؟ فأعطاه على ذلك العهود والمواثيق، فألقى سيفه وأقبل نحوه، فأمر بالنّشابة فنزعت من عينه وأمر بقطنة فغمست في دهن بنفسج وماء ورد، ووضعت في عينه وعصبت، فاستسقى فأمر محمد أن يسقى سويق لوز بثلج، ثم أرسل إلى موسى بن عيسى يخبره بأمره، فقال موسى: أتقطع أمرا دون العبّاس بن محمد، وكان العباس (١) متقدما لموسى، بينه وبين محمد، فبعثه يستشيره في أمره، /فقال العبّاس: لا ولا كرامة، أنت أمير الجيش وليس لمحمد إمرة يعطي فيها أحدا أمانا، ووجّه بالرسالة إلى موسى مع ابنه عبيد الله (٢)، فقال موسى: القول ما قال العبّاس، يقتل ولا ينفذ له أمان؛ فجاء عبد الله يركض مسرورا بذلك فلما صار حيث يرونه استعجل، فجعل يريهم يده أن قد أمر بقتله، وبعث العباس إلى محمد أن (٣) أبعث به إلينا، فجدله وبعث به فأمر بضرب عنقه. فلما فرغ منهم انصرف الجيش إلى مكّة.

стр. 289

قال: وكان موسى بن جعفر، ﵇، شهد الحج ذلك العام، فأرسل إليه موسى بن عيسى ليحضر (١) الأمر، فجاء متقلدا سيفه على بغل-أو بغلة-فوقف مع موسى بن عيسى حتى انقضى أمر القوم. قال النوفلي ، قال أبي: وكان سليمان بن عبد الله بن حسن مضعوفا، فلما انهزم من انهزم بعد أن قتل أكثر القوم، انهزم وصعد جبلا قريبا من موضع الوقعة، فلمّا جاء ابن أخيه الحسن بن محمد بن عبد الله إلى محمد بن سليمان في الأمان قال له: هذا ابن خالك سليمان بن عبد الله وقد عرفت ضعفه وقد سلك هذا الجبل، وأخاف أن يلقاه من يقتله، فإن رأيت أن ترسل إليه من يؤمنه ويأتيك به، فصاح محمد بخيله (٢): ويحكم الرجل في الجبل (٣)، اذهبوا إليه فأعطوه الأمان وأتوني به، فصعدوا وقتلوه وجاءوا برأسه. وروى النوفلي قال، حدّثني شيخ من الشيعة قال: كنت جالسا (٤) مع موسى بن جعفر بن محمد فإذا رجلان قد أقبلا، أحدهما على برذون أدهم والآخر على برذون أشهب، وفي يد كل واحد منهما رمح، على أحد الرمحين رأس الحسين وعلى الآخر رأس الحسن بن محمد. وروي: أنّ حماد التركي كان فيمن حضر وقعة الحسين صاحب فخّ فقال للقوم وهم في القتال: أروني حسينا (٥)، فأومؤا إليه فرماه بسهم فقتله (٦)، فوهب له محمد بن سليمان مائة ألف درهم ومائة ثوب. وروي عن/بعضهم ، قال: كنّا بالعقيق فمرّت بنا جماعة زهاء

стр. 290

أربعين فيهم الحسين بن علي متوجّها نحو مكّة، وأصحابه قد خذلوه، وهو على بغلة له على رأسه برطلة من الشمس، وأخته بين يديه في قبّة، وحواليه الجماعة وعليهم السلاح، فلمّا كان من الغد، خرج جواري أهل/المدينة في العقيق، فإذا هذه جاءت بذرع وهذه ببيضة وهذه بساعد، وإذا الصحابة قد خذلوه، فلمّا صار إلى العقيق جعلوا ينزعون سلاحهم ويدفنونه في الرمل، وتفرقوا عنه كي لا يعرفوا. وكان شعارهم ذلك اليوم: «يا وفاء»، جعلوا ذلك علامة بينهم وبين المبيّضة الذين عقدوا بينهم ما عقدوا من أهل الكوفة ليعرف كلّ رجل منهم صاحبه لينصره فما أتوهم ولا وفوا لهم (١). وروي عن سفيان بن عيينة: أنّه حدث يوما بحديث علي بن أبي طالب، ﵇، أنّه قال: «يأتيكم صاحب الرّعيلة (٢) قد شدّ حقبها بوضينها لم يقض نفثا من حج ولا عمرة يقتلونه، فتكون شرّ حجّة حجّها الأولون والآخرون»؛ فقال سفيان: هذا الحسين بن علي بن أبي طالب، فقال له بعض من حضر: يا أبا محمد على رسلك الحسين بن علي خرج من مكة محلا غير محرم متوجّها إلى العراق، وإنما قال: لم يقض نفثا من حج ولا عمرة، قال: فمن تراه؟، قال: الحسين بن علي صاحب فخ، قال: فامسك ساعة، ثم قال: «اضربوا عليه». ويقال: إنّه سمع على مياه غطفان كلّها ليلة قتل الحسين بن علي هاتفا يهتف ويقول [١]: [من الطويل]

стр. 291

ألا يا لقومي للسواد المصبح ... ومقتل أولاد النبيّ ببلدح ليبك حسينا كلّ كهل وأمرد ... من الجنّ إذ لم تبكه الأنس نوّح وإنّي لجنّي وإنّ معرّسي ... لبلبرقه (١) السّوداء من دون رحرح فسمعها الناس لا يدرون ما الخبر، حتى أتاهم قتل الحسين. [قال النوفلي: حدّثني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور عن الطلحي، قال] (٢)، سمعت ابن السوداء يقول [١]: تأخر قوم بايعوا الحسين بن علي صاحب فخّ، فلما فقدهم في وقت المعركة أنشأ يقول: وإنّي لأنوي (٣) الخير سرا وجهرة ... واعرف معروفا وأنكر منكرا ويعجبني المرء الكريم نجاره ... ومن حين أدعوه إلى الخير شمّرا يعين على الأمر الجميل وإن ير ... فواحش لا يصبر عليها وغيّرا قال المدائني: وخرج مع حسين من أهل بيته: يحيى وسليمان/ وإدريس بنو عبد الله بن حسن/وعلي بن إبراهيم بن (٤) الحسن بن الحسن، وإبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا [، وحسن بن محمد بن عبد الله، وعبد الله وعمر ابنا الحسن بن علي وهما ابنا الأفطس] (٥)، ولقيهم في الطريق عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن

стр. 292

الحسن بن الحسن فصار معهم، فلمّا التقوا كان الذين قتلوا (١) في المعركة الحسين (٢) وهو الرئيس (٣)، وسليمان بن عبد الله، والحسن بن محمد بن عبد الله وهو أبو الزّفت (٤) قتل صبرا، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم. وتفرّق الآخرون وأخذ بعضهم واستؤمن لهم (٥) ومنهم من حبس فأفلت، فممّن حبس فأفلت من الحبس: عبد الله بن الأفطس، وموسى بن عبد الله [١]، أفلت من الحبس فدخل على موسى بن عيسى فجلس في أخريات النّاس وعن يمينه موسى بن جعفر وعن يساره الحسين (٦) بن زيد، فقال موسى بن عيسى: كيف ترى صنع الله بكم؟، فقال موسى بن عبد الله (٧): قلت شعرا (٨) وهو: [من الطويل] فإنّ الأولى تثني عليهم تعيبني ... أولاك بني عمّي وعمّهم أبي (٩) وإنّك إن تمدح أباهم بمدحة ... تصدّق وإن تمدح أباك تكذّب فأمر به موسى، فضرب بين العقابين (١٠) خمسمائة صوت، فما تأوّه

стр. 293

من ذلك، ثم أمر به فقيّد وأتى فطرق كعابه بالمطرقة فما نطق بحرف، فقالوا له: لم لا تتكلّم؟، فقال [١]: [من الطويل] وإنّي من القوم الذين يزيدهم ... شماسا وبأسا شدّة الحدثان ثم استأمن عبد الله بن الأفطس فأومن؛ واستأمن علي بن إبراهيم فأومن؛ ولحق يحيى بن عبد الله بالديلم بعد استخفائه بالكوفة ثم ببغداد وبعد أن جال (١) البلاد؛ ولحق إدريس بن عبد الله بأقصى المغرب. وأنشد بعضهم يرثي من قتل بفخ [٢]: [من البسيط] يا عين بكّي بدمع منك منحدر ... فقد رأيت الذي لاقى بنو حسن/ صرعى بفخ تجرّ الريح فوقهم ... أذيالها وغوادي دلّج (٢) المزن حتى عفت أعظم لو كان شاهدها ... محمد ذبّ عنها ثم لم تهن ماذا يقولون والماضون قبلهم ... على العداوة والشحناء والإحن ماذا نقول إذا (٣) قال الرسول لنا (٤): ... ماذا صنعتم بهم في سالف الزمن لا الناس من مضر حاموا ولا غضبوا ... ولا ربيعة والأحياء من يمن يا ويحهم كيف لم يرعوا لهم حرما ... وقد رعى الفيل حقّ البيت والركن/

стр. 294

خبر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈ وأمه [قريبة] (١) بنت محمد بن أبي عبيدة (٢) بن عبد الله بن زمعة، تزوجها عبد الله بن حسن بعد هند بنت أبي عبيدة عمتها (٣)، فهند أم محمد وإبراهيم وموسى وزينب وفاطمة بني عبد الله بن الحسن، وأمّ يحيى بنت أخيها. وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الميلي قال، حدثنا محمد بن القاسم بن إبراهيم عن مشايخ أهله من آل الحسن وآل الحسين (٤). خبر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈ ، قالوا: خرج/يحيى بن عبد الله في سنة سبعين ومائة في ولاية موسى أطبق، وبايعه أهل الحرمين وجميع أهل الحجاز وتهامة وأرض اليمن وأرض مصر والعراقين، وبثّ دعاته في جميع الآفاق، وصحّت إمامته، ووردت الكتب بإجابته من أهل المشرق والمغرب من الفقهاء والعلماء والوجوه والقواد والعامة.

стр. 295

قال أبو العباس الحسني [١]: فمن (١) العلماء عبد ربّه بن علقمة، ومحمد بن إدريس الشافعي ، ومحمد بن عامر، ومخوّل بن إبراهيم (٢)، والحسن بن الحسين (٣) العرني، وإبراهيم بن إسحاق، وسليمان بن جرير، وعبد العزيز بن يحيى الكناني، وبشر بن المعتمر، وفليت بن إسماعيل، ومحمد بن أبي نعيم، ويونس بن إبراهيم، ويونس البجلي/ وسعيد بن خثيم (٤)، وغيرهم من الفقهاء. قال غيره: والحسن بن صالح بن حي. وصار يحيى بن عبد الله بنفسه إلى اليمن وأقام بها مدة، ثم صار إلى مصر وأرض المغرب ونواحيها، فاشتدّ له الطلب من موسى أطبق، ومات موسى سنة إحدى وسبعين ومائة، واستخلف هارون بن محمد أخوه وهو شرّ (٥) منه، فأنفذ في طلب يحيى بن عبد الله ودسّ إليه الرجال وبذل لهم (٦) الأموال. وانصرف يحيى بن عبد الله إلى العراق ودخل بغداد، وعلم به هارون فأخذ عليه الطرق والمراصد (٧) وفتّش المنازل والقصور والأسواق والسكك والمحالّ بجميع (٨) بغداد، فنجا منه وخرج

стр. 296

إلى الرّي فأقام بها شهرا وزيادة، ثم صار إلى خراسان، ثمّ صار (١) إلى ناحية جوزجان وبلخ، فاشتدّ به الطلب من هارون-وكان صاحب خراسان حينئذ هرثمة بن أعين قريبا (٢) من ثلاث سنين-وصار يحيى (٣) إلى وراء (٤) النهر، ووردت كتب هارون إلى صاحب خراسان بطلبه، فصار إلى خاقان ملك الترك [ومعه من شيعته وأوليائه ودعاته من أهل المدينة والبصرة والكوفة وأهل خراسان مقدار مائة وسبعين رجلا، فأكرمه خاقان ملك الترك وأنزله أفضل منازله وقال له: «ممالكي كلها لك وأنا بين يديك»، وأوسع عليه وعلى أصحابه من الخيرات والمعونة بكلّ ما يحتاجون إليه، حتّى اتصل الخبر بهارون بمكانه عند خاقان، فأنفذ إلى خاقان ملك الترك] (٥) رسولا يقال له النّوفلي، وسأل خاقان أن يسلم إليه يحيى بن عبد الله، فأبى ملك الترك ذلك وقال له (٦): لا أفعل ولا أرى في ديني الغدر والمكر وهو رجل من ولد نبيكم عالم (٧) زاهد قد أتاني والتجأ إلي وهرب منكم وهو عندي عزيز مكرم. فأقام يحيى بن عبد الله عنده سنتين وستة أشهر ثم خرج، وقال له ملك الترك: «لا تخرج/فلك عندي ما تريد»، فقال يحيى بن عبد الله: لا يسعني المقام في ديني وقد رجع إليّ دعاتي وثقاتي وقد

стр. 297

بايعني أهل المشرقين (١) والعراقين وخراسان/ووردت كتبهم عليّ، وجزاه خيرا. وكان يحيى بن عبد الله لم يزل يعرض عليه الإسلام والتوحيد ويرغبه فيما عند الله في السر والعلانية فأسلم سرا، وقال له: لا أجسر أن أظهر الإسلام خوفا على نفسي من أصحابي وقوادي وأهل مملكتي، فإنّهم إمّا أن يقتلوني (٢) أو يزول هذا الملك عني. فخرج يحيى بن عبد الله من عنده، وصار إلى قومس ودخل إلى جبال طبرستان التي (٣) كان يملكها شروين بن سرخاب (٤)، ثم خرج إلى ملك الديلم. ووقع الخبر إلى العراق بمصيره إلى هناك، فأنفذ هارون في طلبه الفضل بن يحيى البرمكي وأنفذ معه ثمانين (٥) ألف رجل وقاضيه وهو أبو البختري (٦)، فنزلوا الري وكاتبوا ملك الديلم وخدعوه بالأموال الخطيرة حتى انخدع. قال أبو الحسن النوفلي ، قال أبي: قلت ليحيى لمّا قدم العراق وقد أعطي الأمان: كيف كانت حالتك بالديلم، ولم قبلت الأمان؟ فقال: أما صاحب الديلم فكانت زوجته غالبة على أمره فلم تكن أموره تورد ولا تصدر إلا عن رأيها، فلم تزل به حتى تقاعد عن معونتي وحتى

стр. 298

انخذل عني وكره مقامي عنده، حتّى خفته على نفسي واختلف عليّ (١) أصحابي. فكتب له الرشيد أمانا محكما وحلف له بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك والأيمان المغلّظة أن لا يناله منه مكروه، وكتب له نسختين نسخة عنده ونسخة عند يحيى. فلما خرج إليه أظهر برّه وإكرامه وأعطاه مالا وهو ألف ألف درهم، فلم (٢) يزل آمنا إلى أن سعى به إلى الرشيد (٣) الزّبيري وأصحابه. قال النوفلي: وحدثني أحمد بن سليمان عن أبيه (٤): أنه حج في السنة التي قدم فيها يحيى بن عبد الله بعد الأمان وقد أذن له في الحج، قال: فرأيته جالسا في الحجر/وبإزائه بعض مواليه وموالي أبيه ونعليه (٥) بين يديه، وأنا لا أعرفه غير أني ظننت أنه من ولد فاطمة رضوان الله عليها، وهو أسمر نحيف خفيف العارضين، فشغل قلبي الفكر فيه وأنا في ذلك الطواف إذ مرّت بي عجوز من عجائز أهل المدينة تطوف (٦)، فلما وقعت عينها عليه أثبتته فقالت: بأبي وأمي أنت يا ابن رسول الله، الحمد لله الذي أرانيك في هذا الموضع آمنا، فلما عرفه الناس ازدحموا عليه فمدّ يده إلى نعليه فانتعلهما وخرج من المسجد إلى منزله. قال أبو إسحاق إبراهيم بن رباح في حديثه: سمعت عبد الله بن

стр. 299

محمد بن الزبير، وكان أبوه/خاصة الرشيد، وذلك أنه كان صاحب رقيق بالمدينة وكان الرشيد يبتاع منه الجواري، فصار عدّة منهن (١) أمهات أولاد. وكان الفضل بن الربيع يأنس به. قال إبراهيم: فحدثني (٢) عبد الله عن أبيه قال: دخلت مع الفضل يوما إلى الرشيد فرأيت يحيى بن عبد الله بين يديه والرشيد يقرّعه ويعتدّ عليه بأشياء وفي كمّ يحيى كتب، فجعل يحيى (٣) يدخل يده فيخرج كتابا ثم يناوله الرشيد ويأخذ بطرفه ويقول: اقرأ هذا يا أمير المؤمنين، فإذا أتى على قراءته أدخله كمه وأخرج كتابا آخر، ففعل (٤) مثل ذلك، قال: واعلم أن تلك الكتب حجج ليحيى، فعرض لي أن تمثلت بقول الشاعر [١]: [من البسيط] أنّى أتيحت (٥) له حرباء تنضبة (٦) ... لا ترسل الساق إلا ممسكا ساقا [٢]

стр. 300

قال: فأقبل علي الرشيد مغضبا فقال: تؤيده وتلقّنه وتؤازره، فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين ما هكذا أنا ولا كنت على هذا قط، ولكني رأيته فعل شيئا في هذه الكتب أذكرني هذا الشعر، يناول الكتاب فلا يخليه في يدك ويمسك طرفه بيده ثم يرده إلى كمه ويخرج غيره فأذكرني هذا البيت قال: فلما فرغ من قراءة تلك الكتب قال له: دعني من هذا أيّنا أحسن وجها (١) أنا أو أنت؟ فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين أحسن وجها وأنصع لونا وأتم قامة وأحسن خلقة، وما أنا من هذه الطريق في شيء، قال الرشيد: فندع ذا، أينا أسخى أنا أو أنت؟ فقال يحيى: أجبتك يا أمير المؤمنين في الأولى (٢) بما قد علمه الله وعلمه/ كل مستمع وناظر، فأما في هذه (٣) فأنا رجل أهتمّ بمعاشي أكثر السّنة التي تأتي عليّ، وأتقوّت ما يصير إليّ على حسب السّعة والضيق، وأنت يا أمير المؤمنين يجبى إليك خراج الأرض، والله ما أدري ما أجيب به (٤) في هذا؛ قال: لتجيبنّي وما بهذا عليك جفاء (٥)، قال: والله صدقتك يا أمير المؤمنين ما أدري كيف ذاك؟، قال: فندع هذا، فأيّنا أقرب إلى رسول الله، ﵌، قال يحيى: يا أمير المؤمنين النسب واحد وله أصل واحد والطينة واحدة (٦)؟ وأنا أسألك يا أمير المؤمنين/ لما أعفيتني من (٧) الجواب في هذا، فحلف له بالطّلاق والعتاق والصدقة

стр. 301

أن لا يعفيه، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين بحق الله وبحقّ رسوله وقرابتك منه (١) لما أعفيتني، قال: قد حلفت بما علمت فهبني أحتال لكفارة اليمين في (٢) المال والرقيق، كيف الحيلة في الطلاق وبيع أمهات الأولاد؟ فقال يحيى: إن (٣) في نظر أمير المؤمنين وتفضله علي ما يصلح هذا، قال: لا والله لا أعفيك. قال: أما إذا لا بدّ يا أمير المؤمنين فأنا أنشدك الله لو بعث فينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله الساعة أكان له أن يتزوج فيكم، فقال (٤) الرشيد: نعم، قال يحيى: أفكان له أن يتزوج فينا، قال الرشيد: لا، قال يحيى: فهذه حسب (٥)؛ قال: فوثب الرشيد ومضى فقعد غير ذلك المجلس. وخرج الفضل وخرجنا معه وهو ينفخ غما فسكت مليا ثم قال: ويحك سمعت شيئا أعجب مما كنا فيه قط؟ والله لوددت أني فديت هذا المجلس بشطر ما أملك/. وذكر في غير هذه الرواية: أنه (٦) لما انقضت مناظرة الرشيد يحيى، سأل (٧) الرشيد الفقهاء عن أمانه وأمرهم بالنظر فيه، فقال محمد بن الحسن الفقيه: بعث إليّ أبو البختري وإلى عدّة (٨) من الفقهاء، فيهم عبد الله بن صخر قاضي الرقة، فأتيناه فقال: إن أمير المؤمنين

стр. 302

باعث إليكم أمان يحيى بن عبد الله فاتقوا الله وانظروا لأنفسكم وقولوا الحق، قال (١): فغدونا فبدىء (٢) بنا في الإذن، فلما سلّمنا وجلسنا، ألقى الأمان إلينا، فنظرنا فيه فقلنا جميعا ما نرى فيه شيئا يخرجه من أمانه، فأخذه أبو البختري/فنظر فيه، ثم قال: ما أراه إلا خارجا من أمانه، فأمرنا بالقيام فقمنا وانصرفنا، فلما كان من الغد (٣) بعث الرشيد بالأمان مع مسرور الخادم إلى أبي البختري فأتاه، فقال: إن أمير المؤمنين يقول لك: إني ظننت أنك قلت في أمان يحيى بعض ما ظننته يقرب من موافقتي، ولست أريد فيه إلا الحقّ، فأعد (٤) النظر فيه فإن رأيته جائزا فاردده، وإن لم تره جائزا فخرّقه. قال مسرور: فأبلغته الرسالة، فقال: أنا على مثل قولي فيه (٥) بالأمس، فقلت له: هذا الأمان معي، فنظر إليه، ثم قال: ما أرى فيه إلا ما قلته، فقلت له: فخرقه إذا، فقال (٦): يا غلام هات المدية (٧) فقلت لغلام (٨) كان معي يقال له محبوب: يا محبوب هات سكينا، فأخرجها من خفّه فدفعها إلى أبي البختري فشق بها الأمان ويده تضطرب حتى جعله سيورا، فأخذته ووضعته في كمي، ثم أتيت به هارون، فقال: ما وراءك؟ فأخرجته إليه (٩)، فقال لي: (١٠) يا مبارك، قال: ثم حبس يحيى بعد ذلك بأيام.

стр. 303

قال محمد بن الحسن الفقيه: لما ورد الرشيد الرقّة وكنت قلدت القضاء، دخلت أنا إليه والحسن بن زياد اللؤلؤي وأبو البختري وهب بن وهب، فأخرج إلينا الأمان الذي كتبه ليحيى بن عبد الله بن الحسن فدفعه إليّ فقرأته، وقد علمت الأمر الذي أحضرنا له وعلمت ما ينالني من موجدة الرشيد إن لم أطعن عليه، فآثرت أمر (١) الله والدار الآخرة، فقلت: هذا أمان مؤكّد لا حيلة في نقضه، فانتزع الصكّ من يدي ودفع إلى اللؤلؤي، فقرأه فقال كلمة ضعيفة لا أدري أسمعت أم لم تسمع: هو أمان؛ فانتزع من يده ودفع (٢) إلى أبي البختري، فقرأه ثم قال: ما أوجبه الله وما أمضاه، هذا رجل قد شقّ العصا وسفك/دماء المسلمين وفعل ما فعل لا أمان له، ثم ضرب بيده إلى خفه-وأنا أراه- (٣) فاستخرج منه سكينا، فشقّ الكتاب نصفين، ثم دفعه إلى الخادم، ثم التفت إلى الرشيد فقال: اقتله ودمه في عنقي يا أمير المؤمنين، قال: فنهضنا عن المجلس وأتاني رسول الرشيد أن (٤) لا أفتي أحدا ولا أحكم. فلم أزل/ على ذلك إلى أن أرادت أم جعفر أن تقف وقفا، فوجّهت إليّ في ذلك، فعرّفتها أنّي قد نهيت عن الفتيا وغيرها (٥)، فكلّمت الرشيد فأذن لي (٦)، قال محمد بن الحسن: فكنا وكل من كان في دار الرشيد نتعجب من أبي البختري وهو حاكم وفتياه بما أفتى به وتقلده (٧) دم رجل من المسلمين،

стр. 304

ثم من حمله في خفّه سكينا، قال: ولم يقتل الرشيد يحيى في ذلك الوقت وإنما (١) مات في الحبس بعد مدة. قال محمد بن سماعة: وقرّب الرشيد محمد بن الحسن بعد ذلك وتقدّم عنده وأحضره ليوليه قضاء القضاة؛ قال: وأشخصه معه إلى الري فاعتلّ (٢) وتوفي هو والكسائي (٣) فماتا في يوم واحد، فكان الرشيد يقول: دفنت الفقه والنحو بالري. وذكر أن محمد بن الحسن لما أفتى (٤) بصحّة أمانه ثم أفتى أبو البختري بنقضه وأطلق (٥) له دمه، قال له يحيى: يا أمير المؤمنين يفتيك محمد بن الحسن وموضعه من الفقه موضعه بصحّة أماني ويفتيك هذا بنقضه، وما لهذا والفتيا؟ إنما كان أبو هذا طبّالا بالمدينة. قال النوفلي، حدثني زيد بن موسى قال، سمعت مسرورا الكبير يقول: إن لآل أبي طالب أنفسا عجيبة؛ أرسلني الرشيد إلى عبد الملك بن صالح (٦) حين أمر (٧) بحبسه، فجئته (٨) فقلت له: أجب، فقال: يا أبا هاشم وماذا، وأظهر جزعا وخوفا شديدا، فقلت له (٩): لا

стр. 305

علم لي، قال: فدعني (١) أدخل وأجدّد طهورا، قلت: لا، قال: فدعني أوصي، قلت: لا؛ قال: فدعا بثياب يلبسها، فقلت: لا إلا ثيابك التي عليك، قال: فحملته معي على الدّابة (٢) وقنّعت رأسه بردائه ومضيت به سريعا، فناداني طول طريقه (٣): يا أبا هاشم الله لما أخبرتني لم دعي بي؟ فأعرض عنه، ثم أحضرته الباب، فأمر الرشيد بدفعه إلى الفضل بن الربيع بحبسه عنده. وقال مسرور: وأمرني بإتيان يحيى بن عبد الله/في اليوم الذي حبسه فيه، فجئته فقلت له: أجب، فو الله ما سألني عن شيء ولا قال أجدد طهورا/ولا ألبس قميصا، حتى نهض فركب معي فما كلمني في طريقه كلمة واحدة (٤) حتى صرت به إلى الباب؛ وأمرني الرشيد بحبسه عندي في سرداب ووكّلت به. وكنت أدخل إليه في كل (٥) يوم قوته، فبينما الرشيد يوما قد دعا بغدائه، إذ أقبل علي فقال: يا مسرور اذهب فانظر أيّ (٦) شيء يصنع يحيى بن عبد الله وأعجل إلي، فمضيت ففتحت عنه السرداب فوجدته يطبخ قدرة عدسية ببصل مع لحم (٧) أدخلناه إليه مما كنا نقوته به (٨)، قال: فأعرضت عنه وخرجت إلى الرشيد، فأخبرته فقال:

стр. 306

إذهب فقل له أطعمنا من قدرك، فجئته فقلت له ذلك، فتناول جويما كان بين يديه فأفرغ القدر فيه، قال: فغطيته ودفعته إلى خادم، فركض به حتى وضعه بين يدي الرشيد على مائدته، قال: فتشاغل والله الرشيد (١) بأكله عن الأطعمة كلّها، وأكل ما كان في الجام أجمع حتى لقد رأيته يمسح بلقمته بصلا قد (٢) لصق بجانب الجام فيأكله. ثم أقبل علي فقال (٣): يا مسرور أحضرني الساعة مائة خلعة من خاص ثيابي في مائة منديل، ولتكن من أصناف الثياب كلها من ثيابي المقطعة المخيطة، وائتني بمائة وصيف [، فأعجلت ذلك عليه، قال: ليحمل كل وصيف] (٤) منديلا وائت بها يحيى وقل له: أطعمتنا من طعامك ونكسوك من كسوتنا، فإن (٥) أبى أن يقبل منها شيئا فاعرضها عليه منديلا منديلا وثوبا ثوبا. قال: فمضيت بها إليه وأبلغته الرسالة، فقال (٦) يحيى: قل له يا أمير المؤمنين هذا من لباس أهل العافية ولست من أهلها، فليس بي إليها حاجة فاردده إلى موضعه، قلت: فإنه (٧) قد أحب أن تنظر إلى هذه الثياب، قال: إصنع ما بدا لك، قال: فجعلت أعرضها عليه ثوبا ثوبا، فما ينظر إليها ولا يحفل بها حتى فرغت منها، فأقبل علي فقال: يا أبا هاشم، أرى أمير المؤمنين قد ذكرني، فإن رأيت أن تخبره بما أنا (٨) فيه من الضيق وتسأله/الصفح %٤٢٣

стр. 307

والتفضل فافعل، فقلت له: لا ولا كرامة لك، لست لذلك بأهل مع خروجك على أمير المؤمنين وتمنّيك (١) ما ليس لك. ورجعت إلى الرشيد فخبرته بعرض الثياب عليه وبما قال لي (٢)، قال: فرآها/كلها؟ قلت: نعم: فبكى حتى رأيت الدموع تنحدر على خديه، فقلت له (٣): إنه قال كذا، فرأيته قد غضب وذهبت الرقة وقلصت الدموع من عينيه وارتفعت، ثم نهرني وقال: فما قلت له، فخبرته بما قلت، فسكن وقال (٤): أحسنت بارك الله فيك (٥). قال النوفلي وخبرني أبي وغيره: أنه أقام في الحبس حتى بعث إليه من خنقه فمات. قال إبراهيم بن رباح: أخبرني (٦) جماعة من القوّاد منهم سلم الأحدب، وكان يقول إنه مولى المهدي، وكان مع طاهر بالرقة، قال: لما صار طاهر إلى الرافقة احتاج إلى مرمّة المنازل السلطانية التي يسكنها (٧) وأن يهدم بعضها فيوسّع ما كان ضيقا فأمر بذلك، فكان فيما أمر بهدمه منارة مرتفعة من الأرض بجص وآجرّ لم ير لها معنى في وسط ذلك البناء، فلما هدمت أتاه القيم وهو مذعور، فقال: إني هدمت هذه المنارة فهجمت على رجل أقيم فيها ثمّ بنيت عليه، فقام طاهر حتى صار

стр. 308

إلى الموضع وأشرف عليه، فلما نظر إليه قال: نعم هذا يحيى بن عبد الله بن حسن، بلغنا أنه صيّر أيام الرشيد هاهنا بالرافقة، وأمر بدفنه رحمة الله عليه. قال الأمير أبو الفضل بن الداعي، ﵀: هذا الفعل من هارون يدلّ على حمقه وقلة تمييزه، هب (١) أنه قتل ابن عمه لأنه خاف على نفسه وملكه ولم يراقب الله فأية فائدة كانت في بناء منارة عليه؟ روى أبو العباس الحسني، ﵁ ، بإسناده عن يحيى بن خالد البرمكي، قال: بعث إليّ هارون ذات ليلة بعد العتمة فصرت إليه، فقيل لي إنه على السطح (٢)، فصعدت فإذا هو على كرسي حديد قاعد وجهه (٣) إلى المشرق وظهره إلى المغرب، /فوقفت بين يديه وسلمت (٤)، فرد عليّ السلام ثم قال لي: صر إلى ذلك الموضع الذي أومىء إليه، فما رأيت إلا خيال بياض في صحن الدار، [فانصرفت إليه فقال: ما رأيت؟ فقلت: ما رأيت إلا خيال بياض في صحن الدار] (٥)، فقال لي: إجلس، فجلست بين يديه فما زلت أسامره ويجيبني عن كلامي حتى قال: إن هذا الصبح قد تنفس، فقلت: يا أمير المؤمنين هذا العمود الأول، فقال لي: صر إلى ذلك الموضع فتطلع إلى الصحن/فانظر

стр. 309

ماذا ترى، قال فعدت إلى الموضع فلم أر إلا خيال ذلك البياض قائما (١) في صحن الدار، فقال: أو تدري (٢) ما ذلك؟ قلت لا، قال: ذلك يحيى بن عبد الله بن الحسن، إذا صلى العتمة سجد فلا يزال ساجدا حتى يقوم لصلاة الغداة يقطع (٣) ليله بسجدة واحدة. قال: فقلت في نفسي: انظر ويلك (٤) أن لا تكون المبتلى به، فقال لي: (٥) إذا كان كل يوم عند الغداء فأمر الطباخ أن يجمع على مائدة من كل شيء في المطبخ وأمر (٦) من يحملها إليه، وكن معه حتى يأكل بحضرتك. ففعلت ذلك أياما، فقال لي (٧) يحيى بن عبد الله يوما من الأيام: يا أبا علي، قلت: لبيك جعلت فداك، قال: إنّ لصاحبك هذا فينا (٨) إرادة، وهذه أمانة الله بيني وبينك على (٩) أن تكتم عليّ هذه القرطاسة حتى تمضي إرادته فينا، فإذا كان ذلك (١٠) فناولها إيّاه، قال: فأخذتها منه فإذا قرطاسة قدر أصبع مختومة، قال: فأخذتها منه، ثم قال: حرّجت عليك بوقوفك بين يدي الله لما كتمتها عليّ إلى ذلك الوقت، قال: فكتمتها وأحرزتها، قال (١١): فما مضى لذلك أيام حتى رفعت جنازة من الدار، وقيل جنازة يحيى بن

стр. 310

عبد الله، فلما فرغ من دفنها حملت القرطاسة إليه وأخبرته الخبر (١) ففكّها، فإذا فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، يا هارون: المستعدي قد تقدّم والخصم بالأثر (٢) والقاضي لا يحتاج إلى بيّنة». فبكى حتى بلّ طرف ذيله، ثم قال لي: ألا ناولتنيها في/حياته، فقلت: إنه خرّج عليّ بالعظيم من الأيمان. قال زيد بن الحسين أبو أحمد: حدثت صالح بن هامان بهذا الحديث كاتب عبد الله بن طاهر، فقال لي: رفعت الجنازة يا أبا أحمد؟ ولا (٣) والله ما كانت جنازة يحيى بن عبد الله، فقلت: وكيف (٤) ذلك؟ قال: لما قدمنا مع المأمون بغداد أمر بخراب الخلد والقرار، قصري أم جعفر، فوكّلت بخرابهما (٥)، فكان فيما خربت مجلسا، فإذا يحيى بن عبد الله في جوف بعض الأساطين، مصحفه معلق في عنقه. وذكر أنه لما أمر الملقب بالمعتضد بخراب قصر جدّه أبي جعفر المعروف بقصر الذهب، ليزيده في مسجد جامع أهل بغداد الغربي، وكّل شيخ بخراب القصر، ففيما يهدم (٦) من البيوت (٧) والمجالس ظهر بيت

стр. 311

في قبلة مسجد الجامع (١) الغربي الأول، وكان يلي (٢) قصر الذهب/ينزل إلى ذلك البيت بمراق وهو أزج، وإذا في (٣) ذلك الأزج آثار رجال قد سمّروا في حيطانه، وإذا المسامير في مواضع الأيدي والأرجل والرؤوس، وإذا (٤) العظام بالية قد نخرت وتناثرت إلى الأرض وبعضها منوط بالمسامير في الحائط، وإذا قباب صغار مبنية في ذلك الأزج من أوله إلى آخره، فهدم بعضها فإذا رجال في الحديد مقيّدين ومغلّلين قد بنيت عليهم وهم جلوس، وإذا في البيت جابية ضيقة الرأس، وإذا فيها رجل قد بلي وانتثرت عظامه بعضها من بعض، وإذا جمجمة في الجابية، فجهدت أن أخرج الجمجمة من تلك الجابية فما قدرت على ذلك. فقال لي بعض من كان معي: فكيف أدخل هذا الميت إلى (٥) هذه الجابية مع رأسه، والرأس لا يخرج بعد أن بلي؟ فقلت له: لم يدخل إلا بجهد جهيد ومشقة على المدخل (٦). فكتب في ذلك/مؤامرة (٧) إلى السلطان فأخبره الخبر، فأجابه (٨) بتوقيع في مؤامرته: أن سدّ باب هذا البيت وأدخله (٩) في البناء، فهو اليوم في وسط مسجد أهل بغداد الغربي.

стр. 312

خبر إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (١)، عليهم السلام، صاحب المغرب وذكر رسالته إلى أهل مصر حدثني أبو العباس الحسني ﵁ بإسناده عن (٢) إدريس بن عبد الله بن الحسن ﵈: بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد، فالحمد لله ربّ العالمين، لا شريك له الحيّ القيوم، والسّلام على جميع المرسلين وعلى من اتّبعهم وآمن بهم أجمعين. أيّها الناس إنّ الله ابتعث محمدا، ﵌، بالنبوّة وخصّه بالرسالة، وحباه بالوحي، فصدع بأمر الله وأثبت حجّته وأظهر دعوته، وإنّ الله جلّ ثناؤه، خصّنا بولادته وجعل فينا ميراثه، ووعده فينا وعدا سيفي به؛ فقبضه الله إليه محمودا لا حجّة لأحد على الله ولا على رسوله، ﵌ فَلِلّهِ اَلْحُجَّةُ اَلْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ فخلفه الله، جلّ ثناؤه، فينا بأحسن الخلافة، غذانا (٣) بنعمته صغارا وأكرمنا بطاعته كبارا، وجعلنا الدّعاة إلى العدل العاملين (٤) بالقسط،

стр. 313

المجانبين للظلم، ولم (١) نملّ من دفع (٢) الجور طرفة/عين من نصحنا لأمّتنا، والدّعاء إلى سبيل ربّنا، جلّ ثناؤه، فكان ممّا خلفته أمّته فينا أن سفكوا دماءنا وانتهكوا حرمتنا وايتموا صغيرنا وقتلوا كبيرنا وأثكلوا نساءنا وحملونا على الخشب، وتهادوا رؤوسنا على الأطباق، فلم نكلّ ولم نضعف، بل نرى ذلك تحفة من ربّنا، جلّ ثناؤه، وكرامة كرمنا بها؛ فمضت بذلك الدهور واشتملت عليه الأمور، وربّي منّا عليه الصغير، وهرم عليه الكبير، حتى ملك الزنديق أبو الدوانيق، وقد قال/رسول الله، ﵌: «ويل لقريش من زنديقها، يحدث أحداثا يغير دينها ويهتك ستورها ويهدم قصورها ويذهب سرورها»، فسام أمّتنا الخسف، ومنعهم النصف، وألبسهم الذل وأشعرهم الفقر؛ وأخذ أبي عبد الله شيخ المسلمين، وزير المؤمنين وابن سيد النبيّين، ﵌، في بضعة (٣) عشر رجلا من أهل بيتي وأعمامي، صلوات الله عليهم ورحمته وبركاته، منهم علي بن الحسن بن الحسن بن علي المجتهد والمحب؛ وأبو الحسين (٤) المستشهد بفخ بالأمس، صلوات الله عليهم أهل البيت إنّه حميد مجيد، فأخرج بهم أبو الدوانيق الزنديق، فطبق عليهم بيتا حتى قتلهم بالجوع، وبعث أخي محمد بن عبد الله بن الحسن، صلوات الله عليه، ابنه عليا إليكم فخرج بمصر، فأخذ فأوثق وبعث به إليه، فغلق رأسه بعمود حديد، ثم

стр. 314

قتل أخوي محمدا وإبراهيم، صلوات الله عليهما، العابدين العالمين المجتهدين، الذائدين عن محارم الله، شريا والله أنفسهما لله جلّ ثناؤه، فنصب رؤوسهما في مساجد الله على الرماح، حتّى قصمه قاصم الجبّارين؛ ثم ملك بعده ابنه الضّال فانتهك الحرمات واتّبع الشهوات، واتّخذ القيّنات، وحكم بالهوى، واستشار الإماء ولعبت به الدّنى، وزعم أنّه المهدي الذي بشّرت به الأنبياء، فضيّق على ذريّة محمد، ﵌، وطردهم وكفل من ظهر منهم وعرضهم طرفي النّهار، حتى انّ الرجل ليموت من ذريّة محمد، ﵌، فما يخرج به حتى يتغيّر؛ ثمّ بعث إليّ (١) وقيّدني وأمر بقتلي، فقصمه قاصم الجبّارين، وجرت عليه سنّة الظالمين فخسر الدّنيا والآخرة، ذلِكَ هُوَ اَلْخُسْرانُ اَلْمُبِينُ (الحج ٢٢/ ١١)؛ ثم ملك بعده ابنه الفاسق في دين الله، فسار/بما لا تبلغه الصّفة من الجرأة على ربّ العالمين، ثم بعث/ليأخذ نفرا منّا (٢) فيضرب أعناقهم بين قبر (٣) رسول الله ﵌ ومنبره (٤)، فكان من ذلك ما لا أظنّه إلاّ قد بلغ كلّ مسلم، ثم قتل أخي سليمان بن عبد الله، وقتل ابن عمّي الحسين بن علي، صلوات الله عليه، في حرم الله، وذبح ابن أخي الحسن بن محمد بن عبد الله في حرم الله بعدما أعطي أمان الله. وأنا ابن نبيّكم، ﵌، أدعوكم إلى كتاب الله

стр. 315

وسنّة نبيّه، ﵌، وأذكّركم الله، جلّ ثناؤه، وموقفكم بين يديه غدا، وفزعكم إلى محمد، ﵌، تسألونه الشفاعة وورود الحوض؛ وأنّ تنصروا نبيّكم، ﵌، وتحفظونه في عترته، فو الله لا يشرب من حوضه ولا ينال من شفاعته من حادّنا (١) وقتلنا وجهد على هلاكنا. هذا في كلام طويل دعاهم فيه إلى نصرته. وروى محمد بن علي بن خلف العطّار وغيره عن سليمان بن سليمان الأسود مولى آل حسن، قال: خرج إدريس بن عبد الله بن الحسن إلى المغرب بعد وقعة فخ، ومعه ابن أخيه محمد بن سليمان بن عبد الله، كان سليمان قتل بفخ، فلمّا تمكّن إدريس ببلاد المغرب استعمل محمد بن سليمان على أداني المغرب من تاهرت إلى فاس، قال: فبقي محمد بن سليمان بهذه النواحي إلى اليوم، وهي إلى إبراهيم بن محمد بن سليمان، وبينها وبين إفريقية مسيرة أربعة عشر يوما، ثم يتلوه أحمد بن محمد بن سليمان أخوه، ثم إدريس بن محمد بن سليمان، ثم سليمان بن محمد بن سليمان، كل واحد من هؤلاء مملك على ناحية، لا يدعوا واحد منهم (٢) لآخر؛ ثم يصيروا (٣) إلى عمل بني (٤) إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن (٥) إلى آخر المغرب.

стр. 316

وروى أبو العبّاس الحسني، ﵁، عن رجاله قال [١]: لما انفلت إدريس بن عبد الله من وقعة فخّ صار (١) إلى مصر، وعلى بريدها واضح مولى صالح بن أبي جعفر، وكان يتشيّع، فحمله على البريد إلى أرض طنجة فخرج بها، فلمّا أفضت الأمور إلى هارون بعد أخيه موسى ضرب عنق واضح صبرا، ودسّ إلى إدريس الشماخ (٢) اليمامي مولى أبيه المهدي، وكتب له/إلى ابن الأغلب عامله على أفريقية، فخرج حتى صار إلى إدريس، فذكر أنّه متطبّب وأنّه من شيعتهم، فشكا إليه إدريس وجعا يجده في أسنانه (٣)، /فأعطاه سنونا وأمره (٤) أن يستنّ به من عند الفجر، وهرب تحت الليل، فلمّا طلع الفجر استنّ إدريس بالسنون فقتله، فلمّا اتصل الخبر بهارون ولّى الشماخ بريد مصر. وقال في ذلك شاعرهم [٢]: [من الكامل] أتظنّ يا إدريس أنّك مفلت ... كيد الخليفة أو يقيك فرار (٥)

стр. 317

فليدركنّك أو تحلّ ببلدة ... لا يهتدي فيها إليك نهار (١) ملك كأنّ الموت يتبع أمره ... حتى يقال تطيعه الأقدار قال محمد (٢) بن منصور المرادي، قلت (٣) لأحمد بن عيسى بن زيد بن علي، ﵇، حدّثني رجل عن أبي الرعد عن أبي البركة عن هرثمة عن هارون الملقّب بالرشيد: أنّه أعطى سليمان بن جرير مائة ألف (٤) درهم على أن يقتل له إدريس بن عبد الله [١]. فحدّثني أبو عبد الله أحمد بن عيسى بن زيد قال: كنت عند عمّي الحسين بن زيد بمنى في مضربه (٥)، إذ جاءه جماعة من البربر من أهل المغرب من عند إدريس، فجلسوا ناحية وجاء رجل منهم إلى الحسين فسلّم عليه وأكبّ عليه فناجاه طويلا، ثم إنّ الرجل خرج وقال لنا عمّي: أتدرون من هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا رجل من أهل المغرب من عند إدريس، قال لي: جاء رجل من عندكم يقال له سليمان بن جرير، فكان مع إدريس فخالفه في شيء، ودخل إدريس إلى الحمّام، فلما خرج أرسل إليه سليمان بسمكة، فحين أكل منها أنكر نفسه وقال (٦): بطني،

стр. 318

أدركوا سليمان في منزله، فطلب سليمان في منزله فلم يوجد، فسألناه عنه فقالوا (١): قد خرج، فأعلمناه فقال: أدركوه (٢) فردّوه، قال: فأدركناه فامتنع علينا فقاتلناه وقاتلنا، فضربناه على وجهه ضربة بالسيف (٣)، وضربناه على يده فقطعنا إصبعه وفاتنا هربا، ثم قال لنا الحسين بن زيد: رأيتم هذا الأثر؟ قال أحمد بن عيسى: رأيته مضروبا على وجهه شبيها بما وصف البربري، وأومأ أحمد بن عيسى من حد موضع السجود إلى الحاجب، /ورأيناه وفي يده ضربة قد قطعت إصبعه الإبهام. قال أحمد بن عيسى: وهو قتل إدريس لا شكّ فيه. وسليمان هذا كان من رؤساء الشيعة ومتكلّميهم، فمن يوثق بعده من النّاس؟ وروي عن/بعض الناس: أنّ إدريس أقام بالمغرب عشر سنين يقيم الأحكام، ثم دسّ هارون شربة سمّ في سويق على يدي رجل من أهل العراق، فأقام عنده واستأنس به إدريس واطمأن إليه، وكان قد ضمن (٤) هارون خمسمائة ألف درهم لهذا الرجل، فسقاه فمات إدريس من ذلك بعد ثلاثة أيّام. وأوصى إلى ابنه إدريس ابن إدريس فأقام بعد أبيه يعمل بالكتاب

стр. 319

والسنّة ويقتدي بأبيه، وهو واحد (١) الشجعان، وبقي بعد أبيه أحد وعشرين سنة، تملّك أرض المغرب وبربر وأندلس ونواحيها، وفتح فتوحا كثيرة من بلاد الشّرك، وحاربته المسوّدة فلم يقدروا عليه إلى أن مات، ﵀. ثم أوصى إلى ابنه إدريس بن إدريس بن إدريس بن عبد الله فقام مقام أبيه يعدل بين الناس على سيرة آبائه وأجداده؛ وهو أحد علماء آل محمد، وهم إلى هذه الغاية يتوارثون أرض المغرب وبربر ويعملون بالحق.

стр. 320

ثبت المصادر والمراجع - أحكام أهل الذمّة، لابن قيّم الجوزيّة محمد بن أبي بكر (-٧٥١/ ١٣٥٠)، تحقيق صبحي الصالح،١ - ٢، ط.٢، دار العلم للملايين، بيروت ١٩٨٧. -أخبار أبي حنيفة وأصحابه، للصيمري حسين بن علي (-٤٣٦/ ١٠٤٤)، ط.٢، عالم، الكتب، بيروت ١٩٨٥/ ١٤٠٥. -أخبار الأئمّة الرستمييّن، لابن الصغير (بعد ٢٩٢/ ٩٠٤)، تحقيق محمد ناصر وإبراهيم بحاز، دار الغرب الإسلامي، بيروت ١٩٨٦/ ١٤٠٦. -أخبار أئمّة الزيديّة في طبرستان وديلمان وجيلان. نصوص تاريخية، جمع وتحقيق فيلفرد مادلونغ، المعهد الألماني للدراسات الشرقية، سلسلة نصوص ودراسات، رقم ٢٨، بيروت ١٩٨٧. -أخبار الدّول المنقطعة (تاريخ الدولة العبّاسية)، لعلي بن ظافر الأزدي (-٦١٣/ ١٢١٦)، تحقيق ودراسة محمد بن مسفر بن حسين الزهراني، مكتبة الدّار، المدينة المنوّرة ١٩٨٨/ ١٤٠٨. -أخبار الدولة العبّاسية-أخبار العبّاس وولده. -أخبار العبّاس وولده، لمؤلّف مجهول من القرن الثالث الهجري، تحقيق عبد العزيز الدّوري وعبد الجبّار المطلبي، دار الطليعة، بيروت ١٩٧١. -أخبار المدينة المنوّرة-تاريخ المدينة المنوّرة.
следующие страницы →