مدّة يجول في البلدان ويطلب موضعا يلجأ إليه، وعلم الفضل بن يحيى بمكانه في بعض النواحي فأمره بالانتقال عنه وقصد الديلم، وكتب له منشورا لا يتعرّض له أحد، فمضى متنكّرا حتى ورد الدّيلم. .»، ويظهر هذا الخبر تواطئا واضحا من الفضل بن يحيى، وقد عزت بعض المصادر نكبة البرامكة إلى مساعدتهم للعلويين [١].
على أي حال، من المؤكد أن يحيى وصل الديلم سنة ١٧٥ وأنّ خروجه هناك كان في سنة ١٧٦/ ٧٩٢ [٢].
١٠.٣. ظهوره في الديلم ومبايعته
وفي رواية ابن سهل الرازي بسنده عن عمر بن شبة عن المدائني [٣] أن يحيى لمّا ظهر بالديلم «علا صوته في الآفاق وكثر الدّعاة إليه وأجابه الناس. . . وكان له سبعون رجلا من علماء زماننا دعاة إليه وإلى نصرته يتفرقون القرى، يدعون إلى حكم الكتاب ونصرة الدين ودفع الجور ومنع الظالمين وإظهار الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. . .»، وذكر ستة عشر رجلا فيهم الإمام الشافعي، وهم بحسب ترتيبهم الألفبائي:
١) إبراهيم بن إسحاق: لم استطع الاهتداء إليه.
٢) بشر بن المعتمر: الأرجح أنّه المعتزلي (-٢١٠/ ٨٢٥)؛ ولم يذكر بشر بن المعتمر في الزيدية، وذكر ابن المرتضى أنّه اتّهم بالرفض فحبسه الرشيد فقال رجزا بيّن فيه موقفه. وذكر الأشعري قوله في التحكيم فقال: «قالت الزيدية وكثير من المرجئة وابراهيم النظّام وبشر بن المعتمر. . .»، فلم يعده مع الزيديّة [٤].
стр. 72
٣) حبيب بن أرطاة؛ ويبدو أن الاسم اختلط هنا والأصح أرطاة بن حبيب كما في مقاتل الطالبيين (حيث ورد أرطاة فقط). وهو من الرواة عن جعفر الصادق، كما روى عن إبراهيم بن أبي يحيى أحد دعاة يحيى بن عبد الله [١].
٤) حسن بن حسين العرني: له كتاب عن جعفر بن محمد في الرجال، وروى عن شريك وجرير [٢].
٥) سعيد بن خثيم: توفي بين ١٨٠/ ٧٩٦ و ١٩٠/ ٨٠٥، كان من دعاة زيد بن علي وخرج معه، وعمّر طويلا فيما يبدو فخرج مع إبراهيم بن عبد الله أخي النفس الزكيّة ومع الحسين الفخّي. روى عنه الإمام أحمد بن حنبل ووثقه ابن معين، رغم ما اتهم به من تشيع وقول بالقدر [٣].
٦) سليمان بن جرير: يبدو أنّه الرقي أحد متكلمي الزيدية ورؤوسهم، واتّهم بأنه هو الذي سم إدريس بن عبد الله [٤].
٧) عبد العزيز بن يحيى الكناني: الأرجح أنّه هو صاحب «كتاب الحيدة»، توفي في حدود سنة ٢٤٠/ ٨٥٤. درس على الشافعي واشتهر بصحبته وذهب معه إلى اليمن [٥].
стр. 73
٨) فليت بن إسماعيل: لم أستطع التعرّف إليه؛ وكنت في مقالتي السّابقة لمحّت إلى احتمال أن يكون هو نفسه تليد بن سليمان وإن لم تكن القرائن واضحة تماما [١].
٩) محمد بن عامر: لم أستطع الاهتداء إليه [٢].
١٠) محمد بن أبي نعيم: قد يكون ابن موسى الواسطي (-٢٢٣/ ٨٣٧) (٢).
١١) مخوّل بن إبراهيم: هو ابن راشد الكوفي (٢).
١٢) منصور البخاري: لم أستطع الاهتداء إليه.
١٣) يونس بن إبراهيم الرازي: لم أستطع الاهتداء إليه.
١٤) يونس البجلي: لم أستطع الاهتداء إليه.
١٥) ابن عون اللهبي: لم أستطع الاهتداء إليه.
١٦) وكان ابن سهل الرازي قد ذكر محمد بن أبي إبراهيم في الدعاة ليحيى، وهو الذي كتب الرسالة إلى محمد الحضرمي بمصر.
كما ذكرت المصادر الزيديّة بين دعاته:
١٧) عبد ربّه بن علقمة [٣].
وعدّد أبو الفرج الإصبهاني (والناطق بالحق في الإفادة) ثلاثة أسماء أخرى:
١٨) سهل بن عامر البلخي [٤].
١٩) عامر بن كثير السرّاج [٥].
٢٠) يحيى بن مساور (٥).
стр. 74
والديلم هي المنطقة الجبلية التي تمتد على طول الساحل الجنوبي لبحر الخزر (Caspian sea) من جيلان إلى مازندران وجرجان شمال همدان والرّي، وهي في الإقليم الرابع طولها ٧٥ درجة وعرضها ٣٦ درجة و ١٠ دقائق. وقد سكن هذه المنطقة أقوام كثر من غير الشعوب الآرية وهم القادوسيّون (Cadusians) ومنهم الجيل أو الجيلان (Geloi) والديلم ومن بينهم قامت مملكة آل جستان وكان مركزها طرّم (Ta?rum) أو روذبار [١]. نزل يحيى عند جستان ملك الديلم وأعلن دعوته هناك، فأهمّ الرشيد الأمر وعيّن الفضل بن يحيى على كور الجبال والري وجرجان وطبرستان وولاه أمر يحيى بن عبد الله، فتوجّه الفضل إلى الجبال ونزل بالنهرين وواتر كتبه على يحيى وكاتب صاحب الدّيلم، واستخلف كاتبه منصور بن زياد في الرّقة مسؤولا عن كل ما يرده من الفضل بخصوص يحيى [٢]. ففرّق الفضل الأموال ووالى برّه لجستان وراسل يحيى إلى أن أجابه إلى الصلح [٣]. ويذكر ابن سهل الرّازي بسنده عن المدائني رسالة طويلة ليحيى أرسلها إلى الرشيد تناول فيها تاريخ العلوييّن وأحقّيتهم بالخلافة وثوراتهم ضد الأمويين والعباسيين ودعواهم مقابل الدعوة العباسيّة [٤]؛ كما يذكر في روايته خبر إرسال الرشيد لأبي البختري وهب بن وهب، قاضي القضاة، واحتياله في القبض
стр. 75
على يحيى [١]. ويذكر في سياق خبره روايتين عن مصدرين محلييّن يكمل بهما رواية المدائني؛ ويتفرّد بذكر نصّ كتابي الأمان اللذين أملاهما يحيى على الرشيد والفضل [٢].
وتدعم المصادر ما يذكره ابن سهل الرازي، وإن كان خبره أكثر تفصيلا وأغنى معلومات، إذ يتفرّد بذكر رواية طويلة عن المدائني وعن مصادر محليّة.
١٠.٤. الرّقة والحجاز
لم يقم يحيى في الرقّة/أو بغداد طويلا بعد حصوله على الأمان، بل اتّجه إلى الحجاز يحمل معه عطايا الرشيد والفضل بن يحيى وغيره من البرامكة. ويذكر ابن سهل الرازي عن الإمام محمد بن القاسم الرسّي أنّ نزوله كان ناحية سويقة.
ويجمع كلا ابن زبالة والإمام محمد بن القاسم على أنّ يحيى أخذ يفرّق الأموال على أشراف الحجاز وأنّ الناس أخذوا يختلفون إليه. ويذكر كلاهما أن بكّار بن عبد الله بن مصعب، وكان واليا على المدينة، قد سعى بيحيى عند هارون الرشيد وأوغر صدره عليه. وذكر محمد بن القاسم عن أبيه أنّ بكارا كتب إلى الرشيد: «أن بالحجاز خليفة يعظمه الناس ويختلفون إليه من جميع الآفاق ولا يصلح خليفتان في مملكة واحدة، وذكر أنه يكاتب أهل الآفاق وكثّر عليه في أمره، وهو على الغدر فليحذره أمير المؤمنين وأشار برفعه إليه وإلا فتق عليه فتقا عظيما، فوقع الثانية بهذا السبب فكان في الحبس حتى كان من أمره ما كان».
١٠.٥. سعاية الزبيري به
ويجدر بنا هنا أن نتوقّف قليلا كي نحاول تحديد التواريخ؛ لقد خرج يحيى بالديلم سنة ١٧٦، ولا نعلم متى كان صلحه مع الرشيد. فقد أورد الطبري خبر يحيى
стр. 76
بطوله في أخبار عام ١٧٦ [١]، ومن المؤكد أن يحيى لم يمت/يقتل في ذلك العام، وأنّ حبسه قد استغرق وقتا طويلا، وقد اقترن ذكر محنة يحيى ومقتله باسم الزبيري الذي كان شاهدا على يحيى عند الرشيد [٢]. وقد اختلط الأمر على المصادر في اسم هذا الزبيريّ؛ ففي أخبار فخ والطبري [٣] بسند واحد عن ابن النّطاح عن المدائني عن الضبيّ صاحب الأمثال عن بعض النوفلييّن أنّ بكار بن مصعب هو الذي كان في حضرة الرشيد وأنّ يحيى اتهمه بالخروج مع أخيه محمد النفس الزكيّة وأنّه قال قصيدتين في التحريض على الخروج معه. غير أنّ الطبري يورد في رواية أخرى بسنده عن ابن زبالة [٤] هاتين القصيدتين على أنّهما لعبد الله بن مصعب وليس لبكار بن مصعب، وهما تنسبان لعبد الله كذلك في مقاتل الطالبييّن وغيره من المصادر [٥]. وورد اسم هذا الزبيري في رواية أخرى في «أخبار فخ» تتصل بعمر بن فرج الرخجي، على أنّه عبد الله ابن مصعب [٦]؛ وأجمعت سائر المصادر على أنّه عبد الله بن مصعب كذلك [٧] وذكر المسعودي اسمه كاملا فقال: عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، غير أنه ذكر أنّ الخبر وقع بينه وبين موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، ثم قال في آخره: «وقيل إنّ صاحب هذا الخبر هو يحيى بن عبد الله
стр. 77
أخو موسى. . .» [١]؛ فيما تجنّب ابن الطقطقا تحديد الاسم فقال: «أحد الزبيريين» [٢]. ويجدر التنبيه هنا أنّه لم يعرف في الزبيريّين من اسمه بكار بن مصعب إنّما هناك بكار بن عبد الله بن مصعب وهو ابن عبد الله بن مصعب بن ثابت ووالد الزبير بن بكار صاحب «جمهرة النسب».
ويمكننا تحديد تاريخ تولّي بكار بن عبد الله بن مصعب للمدينة بشيء من الاطمئنان، إذ يذكر الفسوي أنّ عبد الله بن مصعب كان واليا على المدينة سنة ٧٩٨/ ١٨٢ وانّ ابنه بكار ولي سنة ١٨٣/ ٧٩٩ [٣]؛ غير أنّ هذا التاريخ ليس دقيقا تماما إذ ولي بكار المدينة حينما عيّن الرشيد والده على اليمن [٤]؛ وقد عدّد خليفة بن خيّاط عمّال الرشيد على اليمن وذكر فيمن ذكره. . . العباس بن سعيد (مولى الرشيد) ثم عبد الله بن مصعب ثم إبراهيم بن عبيد الله الحجبي [٥]، أي أن ابن مصعب اديل بإبراهيم الحجبي الذي قدم صنعاء بحسب الهمداني سنة ١٨٢ فأقام بها سنة وشهرا ثم صرف [٦]، ممّا يوحي أن بكارا ولي المدينة قبل عام ١٨٢؛ ويذكر ابنه أنّه أقام عاملا على المدينة اثنتي عشرة سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما [٧]، ولا نعرف متى صرف عن المدينة تجديدا، إلا أنّ أبا البختري وهب بن وهب كان العامل عليها بعده [٨] إلى أن صرفه محمد بن هارون سنة ١٩٤ [٩]؛ ويبدو أنّ أبا البختري ولي على المدينة سنة ١٩٣/ ٨٠٨ مما يظهر بعملية حسابيّة بسيطة أنّ ولاية بكار على المدينة تعود إلى أوائل
стр. 78
عام ١٨١، هذا يناسب ما ذكره الهمداني من أن الحجبي قدم اليمن سنة ١٨٢؟؟؟ عبد الله بن مصعب، فيكون ابن مصعب أقام في اليمن نحوا من سنة وهذا ما تذكره المصادر الأخرى. غير أن هذه المصادر تجعل بداية؟؟؟ ١٨٠/ ٧٩٦ و ١٨١/ ٧٩٧ [١]. لنعد إلى يحيى بن عبد الله فقد وشى به بكار بن عبد الله بن مصعب وكان واليا على المدينة-كما مرّ معنا-يعني في وقت بين أوائل سنة ١٨١ إلى ١٨٣ وقبل ١٨٤ لأنّ عبد الله بن مصعب الذي شهد ضدّه عند الرشيد في بلاطه بالرقّة توفي يوم الأحد لثلاث ليال بقين من شهر ربيع الأوّل سنة ١٨٤ في الرقّة [٢].
لقد كان لكلا الزبيرييّن، الأب والابن، دور في السّعاية بيحيى، فالابن بكّار وشى به حين ولايته المدينة والأب سعى عليه وشهد ضدّه، إذ كان بعد تركه لولاية اليمن من صحابة الرشيد في بلاطه.
وثمّة «أدلة خارجية» قد تفيدنا في التأكّد من أنّ عبد الله بن مصعب كان هو الذي شهد على يحيى عند الرشيد، أعني رسائل بشر بن أبي كبار البلوي، إذ يظهر نصّ الرسائل نقائص فاضحة في شخصية عبد الله بن مصعب من فسالة وحقارة وبخل وحنث في الحلف [٣]. والرسائل الأربع التي أوردها بشر بن أبي كبار في عبد الله بن مصعب ليست وليدة فترة واحدة: فالأولى التي يذكر أنه ارسلها للإمام الشافعي تعود لفترة تولّي عبد الله لليمن أي حوالي سنة ١٨١/ ٧٩٧ كما يوحي النص [٤]. أمّا الرسائل الثلاث الأخرى فهي تعود لفترة تالية لم يكن فيها عبد الله
стр. 79
واليا إذ أنّ الثانية والثالثة تبدأ بصيغة «فكان» [١] مما يشير إلى زمن مضى حينما كان عبد الله واليا ولم يعد كذلك عند كتابة الرسالة؛ أما الرسالة الرابعة فلا نستطيع أن نجزم بزمن كتابتها رغم أنّها تظهر أنّه كان ما زال حيّا. ويبدو لي أنّ الرسالتين الثانية والثالثة قد كتبتا في فترة ما بين الوشاية بيحيى والسعي به عند الرشيد من قبل بكار ابن عبد الله ووالده وبين موت عبد الله سنة ١٨٤/ ٨٠٠. وهاتان الرسالتان ليستا موجّهتين إلى شخص بعينه، فهل لنا أن نفترض أنهما كانتا جوابا على رسائل من الامام الشافعي، الذي عرفت عنه ميول علوية والذي ذكر المدائني والمصادر الزيديّة أنّه كان من دعاة يحيى بعد أن درس عليه في اليمن في وقت ما حوالي سنة ١٧٤ كما بيّنا.
وقد تنبّهت الدكتورة قاضي أن البلوي كان يرى القيام ضدّ الظلم وأنّه يلمّح إلى أن استعمال السيف ليس مستحيلا [٢]؛ ونحن نعرف أنّ الزيديّة كانت ترى الخروج بالسيف. غير أنّ الدكتورة قاضي رأت أنّ البلوي كان يقول بشرعية الخلافة وأنّه «ينطلق من منطلق «سنّي». . وتسنّنه لا شك فيه» [٣]، وقد حدا بها لهذا الافتراض أمران استدلت عليهما من نصّ رسائله، أولهما: قوله في رسالة له في عبد الله بن مصعب «برأي جدّه خرجت أمّنا، وبشؤم والده هدمت قبلتنا» [٤]؛ وهذا لا يشير بالضرورة إلى ميول سنيّة، فعائشة خرجت على الإمام علي، وابن الزبير ادّعى منصب الخلافة وهو لا يستحقّه فبشؤمه هذا هدمت الكعبة؛ وثانيهما: هو عداؤه لهشام بن يوسف الابناوي القاضي، الذي رأت في عداء البلوي له عداء للأبناء عامّه وعدم استطاعته كسني «أن يتعاطف مع أي حركة علوية فكيف به مع
стр. 80
حركة علوية خارجية يسندها الأبناء وترتكب باسمها الجرائم والآثام» [١]. وهذه الحركة العلوية هي حركة إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق [٢] الذي ولي اليمن لأبي السرايا ووصلها بعد مقتل أبي السرايا ومحمد بن محمد العلوي. وإبراهيم هذا حسيني وليس حسنيا، ويبدو أنه أخذ يعمل لحسابه الخاص بعد فشل ثورة أبي السرايا ومحمد بن محمد بن زيد، ويذكر الطبري خبرا يوحي أنه هو الذي خرج من مكة إلى اليمن مع من كان معه من أهل بيته وذلك حين بلغه خبر أبي السرايا وأنّ أحدا لم يكلّفه بذلك [٣]. ونراه يرسل بعض ولد عقيل بن أبي طالب من اليمن في موسم الحج سنة ٢٠٠/ ٨١٥ ليحجّ بالناس [٤]، كما أنه ضرب دنانير باسمه [٥]. وقد عينّه المأمون على الحج في سنة ٢٠٢/ ٨١٧ فدعا لأخيه علي الرضا بولاية العهد بعد المأمون [٦]. كل هذا يشير إلى أنّ إبراهيم بن موسى لم يكن زيديا؛ إذن فعداء البلوي لم يكن عداء للعلويين بعامّة، وليس في رسالته أو رسائله ما يشير إلى «تسنّنه»، أمّا عداؤه لهشام بن يوسف الأبناوي فقد كان ذا طابع شخصي، ولا ننسى أن هشاما كان ممن تقرّب من السلطان [٧]، أي أنّه لم يجار بقيّة الأبناء ميولهم العلويّة. وقد ذكرنا أنّ الإمام يحيى نزل عند أحد الأبناء حينما كان في صنعاء، ولم يكن كلّ الأبناء ذوي ميول علوية.
стр. 81
هل نستطيع أن نخرج من كل هذا أنّ البلوي كان ذا ميول زيديّة. وإن لم تكن واضحة تمام الوضوح في رسائله؟ لقد نبّهت الدكتورة قاضي إلى أن البلوي كان قد «أبعد قسريا» عن خدمة الدولة، ورغم ذلك فقد استطاع أن يظلّ امرأ ذا نفوذ بعد الخروج من السلطة بمعنى أنّه كان يكاتب ليؤخذ رأيه في أمور الولاة [١]؛ وممّن كاتبه الشافعي ويحيى البرمكي. هل كان «إبعاده القسري» إذن بسبب من ميوله الزيديّة؛ وهل هذه الميول العلوية هي التي كانت تجمعه بالشافعي والتي حدت بالأخير أن يكتب للبلوي إثر سعاية الزبيري به في المدينة؟ إذا كان افتراضنا صحيحا فإنه يفسّر لنا رأي البلوي السلبي في عبد الله بن مصعب وحقده الشديد عليه وعلى الزبيريين عامّة.
لنعد إلى مصير يحيى بن عبد الله بعد هذه الوقفة التي وقفناها لنناقش مسعى عبد الله بن مصعب الزبيري وابنه بكار ضده والتي كانت سببا مباشرا في سجنه وموته/مقتله.
١٠.٦. نقض الأمان وسجنه
تجمع المصادر أن يحيى بن عبد الله بقي في سجن هارون بالرقّة بعد هذه السعاية. وتقرن موت عبد الله بن الزبير (يوم الأحد لثلاث بقين من شهر ربيع الأوّل سنة ١٨٤/ ٨٠٠، كما ذكر ابنه [٢] بيمين غموس أمرّها عند تحليف يحيى إيّاه في حضرة الرشيد أنّه لم يقل أشعارا في التحريض على العباسييّن عند خروج النفس الزكيّة [٣]. وقد عمل الرشيد على الاحتيال لإيجاد وجه ينقض به الأمان الذي أعطاه ليحيى فعرضه على كبار فقهاء بلاطه محمد بن الحسن الشيباني [٤] ووهب بن وهب
стр. 82
أبي البختري، والحسن بن زياد. ويورد ابن سهل الرازي خبرين يذكران أن أبا يوسف كان بينهم [١]، وقد توفي أبو يوسف سنة ١٨٢/ ٧٩٨ فلا يعقل أن يكون حاضرا. على أن المصادر تتّفق أن أبا البختري كان هو الذي تولّى نقض الأمان وتخريقه. وقد كان لأبي البختري دور في الاحتيال عند جستان لتسليم يحيى قبل تأمين الرشيد له. بقي يحيى فترة في حبس الرشيد، الذي أخذ يحاول أن يعرف منه أسماء أصحابه السبعين الذين طلب لهم يحيى الأمان مع نفسه، ويورد ابن سهل الرازي خبرا عن المدائني عن حال يحيى في حبسه هو أشبه بالقصص.
١٠.٧. موت يحيى/مقتله
يجد الدارس صعوبة في تحديد سبب موت يحيى وطريقته وتاريخه إذ أكثر ما ذكر في ذلك يدخل في باب الحكايات. ولا نعرف تأريخا مؤكدا ليحيى بعد مناظرته مع عبد الله بن مصعب الذي مات سنة ١٨٤. ويمكننا تقسيم هذه الأخبار في صنفين:
الأول صنف يذكر أنّه قتل في محبسه دون تحديد تاريخ واضح وباختلاف حول طريقة موته؛ والثاني يقرن موته بتهريب جعفر بن يحيى البرمكي له ويربط ذلك بنكبة البرامكة.
أ-فيذكر الطبري عن أبي الخطّاب أنّ يحيى مات في حبس الرشيد بعد أشهر من نقض أبي البختري للأمان [٢]. أما أبو الفرج الإصبهاني فيورد عدّة أخبار عن مصادر مختلفة [٣]:
-مات في الحبس بعد أن ضرب وانقصت جراية طعامه؛
стр. 83
-خنق؛
-سمّ؛
-بنيت عليه أسطوانه بالرافقة وهو حي؛
-ألقي للسباع فأكلته.
وقال المسعودي [١]: «وروي من وجه آخر، على حسب تباين النسخ وطرق الرواية في ذلك في كتب الانساب والتواريخ، أن يحيى ألقي في بركة فيها سباع قد جوّعت فأمسكت عن أكله ولاذت بناحية وهابت الدنوّ منه، فبني عليه ركن بالجصّ والحجر وهو حيّ»؛ ولا يخفى هنا (Topos) السّباع وخوفها بما يؤدّيه من وظيفة تؤكد كرامة المعني وولايته.
ويروي ابن سهل الرازي عن المدائني خبرا طويلا عن حاله في سجنه ثم يذكر أنّ أسلم أبو المهاصر، خادم الرشيد والمتولي أمر يحيى في الحبس، أجاعه فمات [٢].
ب-والمجموعة الثانية هي التي تقرن مقتله بالبرامكة. فيروي [٣] الطبري عن أبي محمد اليزيدي أنّ الرشيد دفع يحيى إلى جعفر بن يحيى البرمكي وأن هذا رقّ له فأخرجه من السجن ووجّه معه من أدّاه إلى مأمنه، ولا يذكر شيئا عن موته؛ وفي رواية أخرى عن الطبري [٤] أنّ رجلا عرض للرشيد وأخبره أنه رأى يحيى ومعه جماعة
стр. 84
بخان من خانات حلوان [١]. مع كل واحد منهم منشور يأمن به إن عرض له، قال:
«ولم يعلم بحال الرجل أحد ولا بما كان ألقى إلى الرشيد، حتى كان من أمر البرامكة ما كان» [٢].
وينفرد ابن سهل الرّازي بذكر خبر طويل فيه شيء من التفصيل، ويرويه بسنده عن عبد العزيز بن يحيى الكناني [٣]-وقد سمّاه في دعاة يحيى عند ذكره لهم-وهو يتّفق مع خبر الطبري عن اطلاق جعفر بن يحيى ليحيى بن عبد الله وكتابة منشور أمان له، ثم يعطي تفصيلات أخرى فيذكر أن يحيى خرج من فوره فأتى ثغر المصيصة فأخذ بها وحمل إلى محمد بن خالد البرمكي، فذهب به إلى الرشيد بمكة أثناء الحج وأخبر الفضل بن الربيع بخبره، وكان عدوا للبرامكة، فأخبر الرشيد وكان هذا سبب نكبة البرامكة. ويضيف عبد العزيز الكناني أنّ الرشيد استبقى يحيى بن عبد الله عند مسرور الخادم؛ ثم حمله معه إلى خراسان في خرجته الأول إليها وأمر بحفر قبر له في قرية من قرى الريّ يقال لها أرنبوية. وهنا ينتهي خبر الكناني ليكمله ابن سهل عن طريق رواة آخرين. ولنقف قليلا عند هذا الخبر قبل أن نكمل: فالقسم الأخير عن استبقاء الرشيد ليحيى ثم الخروج به إلى خراسان يبدو مزيدا على خبر الكناني والبقية التي يذكرها ابن سهل عن مصادره تحمل سمات أسطورية واضحة.
أما خبر الكناني فيربط مصير يحيى بالبرامكة بشكل واضح ويؤخّر مصرع يحيى حتى سنة ١٨٦/ ٨٠٢، السنة التي حج فيها الرشيد [٤]، وكان الايقاع بالبرامكة سنة
стр. 85
١٨٧/ ٨٠٢؛ وهذا التاريخ ١٨٦/ ٨٠٢ هو آخر تاريخ يمكن القبول به لمقتل يحيى وقد ربطت المصادر كما رأينا بين مقتله وبين الايقاع بالبرامكة [١].
ولن أقف طويلا عند تتمّة الخبر كما أورده ابن سهل الرازي، عن حمل الرشيد ليحيى معه في خرجته الأولى إلى خراسان (أي سنة ١٨٩/ ٨٠٤) [٢]. وهو يروي عن مصادر محليّة من أهل أرنبوية [٣] فعلامات الوضع ظاهرة فيه وكذلك السمات الاسطورية: من دفن في القبر (موت مؤقت)، ثم غسله بالنهر (عمادة وحياة جديدة)، ثم تزوّجه من جديد وانجابه الخ [٤]. . .
١١. الخطاب «الايديولوجي»
١١.١. يمكننا تصنيف الكتاب الذي بين يدينا
من ضمن كتب الأخبار التأريخية التي تعنى بالتاريخ ل «دعوة» ما من خلال الفهم «التاريخي» لأهل الدعوة أنفسهم بعد أن غدت دعوتهم «فرقة»، أي بعد أن صارت الدعوة «مؤسسّة» [٥]. وقد عرف هذا النوع منذ فترة مبكرة ولم يقتصر على فرقة بعينها. وتمتاز هذه الكتب بأنّها تتضمّن «رؤية» الفرقة لبداياتها عبر إعادة ترتيب الأخبار التاريخيّة التي تناقلها الرواة، الذين هم في الغالب الأعمّ من أهل الفرقة نفسها، أيّ أنّ هذه المادة التاريخية هي مادة «خاصة» تنوقلت شفاها من قبل أجيال من الرواة قبل أن تدوّن، وهي تخضع للآليّات نفسها التي تنسحب على سائر الأنواع التي مرّت بمرحلة طويلة من الشفاهية، وأعيد تناقلها محررة كمصادر كتابيّة قبل أن تبلغ مرحلة الاستقرار ككتاب إخباري/تاريخي. فهي بذلك تغترف من معين معجم كبير من البنى
стр. 86
السّرديّة الجاهزة ومن حوافز إخبارية/حكائية تعدّ بمثابة، Topoi ومن خطاب/خطابات تاريخية تشترك فيها «الجماعات» الاسلاميّة، ويلفّه/يلفّها فضاء «ايديولوجي» واحد.
ولكتاب «أخبار فخ» خاصيّة أخرى كذلك، وهي اقترابه في عرضه من كتب «المقاتل»، التي وجدت بداياتها كصنف تأليفي مع الإخباري أبي مخنف (-١٥٧/ ٧٧٥) وأتمّ تطوّره مع أبي الفرج الإصفهاني (-٣٥٦/ ٩٦٦) في كتابه «مقاتل الطالبيين» [١].
وأبو الفرج معاصر لابن سهل الرازي ويصغره بقليل-كما بيّنت في هذه الدراسة- وهما مشتركان في الأخذ عن مصادر واحدة أحيانا. ويظهر سياق السرد التاريخي لكتاب «أخبار فخ» اشتراكه مع سائر مصنفات هذا النوع في Topoi و Stock description كانت قد أصبحت شائعة في أواخر القرن الثالث/أوائل القرن الرابع الهجري. ورغم أنّ كتاب «أخبار فخ» يؤرخ لخروج الحسين الفخي ويحيى وإدريس ابني عبد الله، إلا أنّه لا يتطرّق لا من قريب ولا من بعيد لأخبارهم قبل الخروج [٢]. وكأنّه يفترض من القارئ/السّامع أنّه ملم بهذه الأخبار. وعنايته هذه بأخبار الدعوة والخروج خاصة توحي أنّه كتب أساسا لاتباع الفرقة نفسها (بعد أن غدت مؤسسة). وقد عاصر المؤلّف، وهو مروي، فترة إمامة الناصر للحقّ الحسن الأطروش (٢٨٤/ ٨٩٧ - ٣٠٤/ ٩١٦) والداعي الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي (٣٠٤/ ٩١٦ - /٣١٦/ ٩٢٨) في الديلم [٣]، فهو-فيما يخيّل إليّ-يوجّه كتابه لأشياع الدعوة في الديلم بعد أن استقرّت دولة الزيديّة هناك.
ويتميز كتاب «أخبار فخ»، كسائر كتب الأخبار، بأنّه حفظ لنا مجموعة من الرسائل المبكرة للفرقة، وهي تتناول «الدعوة» و «رؤية» مؤسسي الفرقة الأوائل
стр. 87
للتاريخ وفهمهم لأنفسهم ولدورهم في هذا التاريخ المقدّس. (Heilsgeschichte /Salvation History) وتحفل مجاميع التاريخ والمصادر المبكرة بهذا النوع من الرسائل «الايديولوجية» أو البرامج السياسيّة (Dogmatic Epistles) لمختلف الفرق والدّعاوى. وقد بيّنت في دراسة سابقة لي أنّ هذه الرسائل أخذت تعرف منذ أوائل القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي تحت اسم «سيرة» (١)، كما أوضحت أنّ هذا المصطلح تطوّر عن هذا الاستعمال ليستخدم فيما بعد كعنوان لصنف قائم بذاته عرف باسم «سيرة الرسول»، بما هي سيرة مثال لصاحب الدعوة الاسلاميّة؛ وأنّ مصطلح «سيرة» أخذ يطلق كذلك منذ منتصف القرن الثاني الهجري على نوع فقهي يعنى بالقواعد والأسس التي ينبغي على الإمام-أي إمام-اتّباعها في مواجهة أهل البغي والمشركين، أي السيرة بمفهومها التقني الحربي، بما هي قواعد مأخوذة ومستنبطة من «سيرة الرسول» المثال (٢).
فالزيديّة والإباضيّة وقبلهم المرجئة أطلقوا على هذه الرسائل اسم «سيرة» واستمر هذا التقليد لفترة متأخّرة خاصة عند الزيديّة والإباضيّة في مشرق العالم الإسلامي ومغربه على حدّ سواء. وقد يطلق الزيديّة على هذا النوع من الرسائل اسم «دعوة» كذلك فلزيد بن علي دعوة، وكذلك لمحمد النفس الزكيّة دعوتان واحدة للعامّة وأخرى للخاصّة [٣]. وقد وصلتنا رسائل كثيرة من القرون الثلاثة الأولى
стр. 88
للهجرة لفرق متعدّدة وتناولها الباحثون بالدّرس والمقارنة [١].
١١.٢. والرسائل والنصوص التي ترد في مخطوطتنا هذه تندرج ضمن هذا النوع
وهي ليست موجودة في أيّ مصدر آخر-سوى نصّ بيعة الحسين الفخّي التي ترد في مقاتل الطالبيين؛ كما ينفرد كتاب المصابيح بذكر رسالة إدريس بن عبد الله إلى أهل مصر- وقد وردت رسالتان في كتاب «الحدائق الورديّة» للمحلي وهو ينقل عن «أخبار فخ».
وليست كل هذه النصوص رسائل بالمعنى الحرفي أيّ أنها مرسلة لأشخاص محدّدين، فبعضها لا يعدو كونه خطبا ألقيت في مناسبات معيّنة. وقد ارتأيت إفرادها هنا للانطلاق منها في دراسة «الخطاب الايديولوجي» لأئمة الزيدية هؤلاء: الحسين الفخي ويحيى وإدريس ابني عبد الله. ويجدر بي أن أذكر هذه القطع قبل أن أتعرض لدراستها:
١ - نصّ بيعة الحسين بن علي الفخّي.
٢ - الخطب:
أ-خطبتان للحسين بن علي الفخي قبل المعركة؛
ب-خطبة ليحيى قبل المعركة؛
ج-خطبة ليحيى في وجوه أهل الجبل؛
стр. 89
٣ - الرسائل:
أ-رسالة إبراهيم بن أبي يحيى لأبي محمد الحضرمي في مصر؛
ب-رسالة إدريس بن عبد الله إلى البربر؛
ج-رسالة إدريس بن عبد الله إلى أهل مصر (عن كتاب المصابيح)؛
د-رسالة يحيى بن عبد الله لهارون الرشيد حين عرض عليه الأمان.
تندرج هذه القطع إذا ضمن ثلاثة أصناف ١) نصّ بيعة،٢) خطب ذات مضمون سياسي تحريضي،٣) رسائل في الدعوة والعقيدة، فينبغي معالجة كلّ صنف منها على حدة لما يطرحه كلّ صنف منها من مشكلات وتساؤلات خاصة به. ففيما لا يتجاوز نصّ البيعة بضعة أسطر يمكن حفظها، خاصة لما تلقيه من التزام عقائدي على المبايع، يختلف الفضاء الدلالي للخطب، فمنها خطب تحريضية لا تتجاوز بضعة أسطر، ومنها خطبة تتجاوز الستّة صفحات. أمّا الرسائل فهي من «أدبيّات الدعوة» وهي وثائق مكتوبة يمكن حفظها وتداولها واستنساخها. ونحن نعرف أنّ دعاة يحيى كانوا منتشرين في البلاد وأنّه كان يهمهم تداول هذه الرسائل، كما أنّه قيّض لكلا يحيى وإدريس أن يعيشا لمدّة طويلة بعد إنفاذ هذه الرسائل، كانا خلالها حرّين طليقين مما أتاح لهما إيصال هذه الرسائل لعدد كبير من الاتباع والدعاة-فيما نقدّر وربّما إعادة صياغتها كذلك.
وسوف أتناول كل واحدة من هذه القطع والرسائل بالدراسة على حدة [١].
١١.٣. بيعة الحسين الفخّي
وردت هذه البيعة في مصدرين هما:
стр. 90
١ - أخبار فخ (ص ١٣٩) بسنده عن عيسى بن مهران، قال، حدّثنا محمد بن مروان، قال: حدّثنا أرطاة بن حبيب: كانت بيعة الحسين بن علي الفخّي، ﵀، «أبايعكم على كتاب الله وسنّة نبيّه، والعدل في الرّعية والقسم بالسّويّة، نحل ما أحلّ القرآن والسنّة العادلة، ونحرّم ما حرّم القرآن والسنّة العادلة. على ذلك دعوانا بجهدنا وطاقتنا، وتتسلّحوا معنا وتجاهدوا عدوّنا، فإن وفينا لكم وفيتم لنا، وإن خالفنا فلا طاعة لنا عليكم، وعليكم عهد الله أن تجاهدونا فيمن جاهدنا إن نحن خالفنا، ثمّ قال: اللهم اشهد به».
٢ - مقاتل الطالبييّن (٤٤٩ - ٤٥٠ - ط.٢ ٣٧٧ - ٣٧٨) بسنده عن الحسن [بن محمد المزني]: وحدّثني محمد بن مروان عن أرطاة، قال: لما كانت بيعة الحسين بن علي صاحب فخ قال: «أبايعكم على كتاب الله وسنّة رسول الله، وعلى أن يطاع الله ولا يعصى، وأدعوكم إلى الرضا من آل محمّد، وعلى أن نعمل فيكم بكتاب الله وسنّة نبيّه، ﷺ ، والعدل في الرّعيّة والقسم بالسويّة، وعلى أن تقيموا معنا وتجاهدوا عدوّنا، فإن نحن وفينا لكم وفيتم لنا، وإن نحن لم نف لكم فلا بيعة لنا عليكم».
ونلاحظ ما بين النصين من اختلاف يتجاوز الفروق الشكلية، ونحن هنا أمام نصيّن يلتقي سندهما عند الحلقة الثانية: محمد بن مروان، ولم أستطع الاهتداء لترجمته بعد. أمّا أرطاة بن حبيب الراوي الأوّل لنصّ البيعة، فهو أسدي كوفي، روى عن الإمام جعفر الصّادق وله كتاب [١]. ويبدو أنّه توفيّ في الربّع الأول من القرن الثالث الهجري، إذ أنّ الرواة المباشرين عنه توفوا في النصف الثاني من القرن الثالث،
стр. 91
مثل محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب الزيّات [١] (-٢٦٢/ ٨٧٥) [٢]، وعبّاد بن يعقوب الرواجيني [٣] (-٢٥٠/ ٨٦٤) [٤]، ويحيى بن زكرياء بن شيبان [٥]. وورد في كتاب «أخبار فخ» [٦] اسم حبيب بن أرطاة كأحد دعاة يحيى بن عبد الله، وارجّح أنّه هو نفسه أرطاة بن حبيب المذكور هنا في السند بعد أن عكس الاسم أحد الرواة أو النّسّاخ، سهوا على الأرجح، ويظهر اسم حبيب بن أرطاة هذا في «مقاتل الطالبييّن» [٧] كراو عن إبراهيم بن أبي يحيى (-١٨٤/ ٨٠٠)، أحد دعاة يحيى بن عبد الله.
ويفيدنا تحديد الزمن الذي عاش فيه أرطاة بن حبيب في تعيين الطبقة التي ينتمي إليها الراوي عنه: محمد بن مروان، مما يجعلنا نرجّح أنه توفي في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري. ويتفرّع الاسناد بعد مروان بن محمد:١) عيسى بن مهران في سند «أخبار فخ»، و ٢) الحسن بن محمد المزني في سند «مقاتل الطالبييّن». وعيسى بن مهران هو أبو موسى المستعطف بغدادي فيما يبدو أو أنّه نزلها. وله عدّة كتب كلّها تدلّ على تشيّعه وإن لم تسعفنا عناوينها في معرفة اتجاهه، منها: «كتاب مقتل عثمان»، و «كتاب الفرق بين الآل والأمّة»، و «كتاب المهدي» [٨]. ويذكر الخطيب البغدادي أنّ له كتابا في الطعن على الصحابة [٩]، وقال عنه الذهبي «رافضي كذّاب» ونقل عن ابن عدي (-٣٦٥/ ٩٧٥) قوله: «حدّث بأحاديث موضوعة، محترف في
стр. 92
الرفض. . .» [١]، ويبدو أنّ هذا النبز بلقب «الرافضي» كان يطلق على اتباع سائر فرق الشيعة ما عدا الزيديّة أثناء القرن الثالث الهجري [٢]. ويروي أبو الفرج في «مقاتله» [٣] عدّة روايات عن عيسى بن مهران بواسطة الحسن بن علي الخفّاف [٤] وأحمد بن عبد الله ابن عمّار الثقفي (-٣١٤/ ٩٢٦ أو ٣١٦/ ٩٢٨) [٥]. أما الحسن بن محمد المزني فهو أحد مصادر علي بن إبراهيم الجواني العلوي صاحب كتاب «أخبار صاحب فخ» وكتاب «أخبار يحيى بن عبد الله» [٦]. ويتصل سند الحسن بن محمد المزني في «مقاتل الطالبيين» مرّتين ببكر بن صالح الرازي عن طريق علي بن محمد بن إبراهيم [٧]، وبكر بن صالح هذا هو أحد الرواة في كتاب «أخبار فخ» الذي بين يدينا [٨].
هذا بالنسبة لسند البيعة، فلنعد إلى نصّها. إن الناظر لصيغة النصّ في روايتيه بشكل عام يجد أنّه يماثل أي نص لبيعة أخرى من القرنين الثاني والثالث للهجرة، فالمصطلح غدا تقليديا ويكاد يكون مكرورا.
فالدعوة إلى البيعة على «كتاب الله وسنّة رسوله (نبيّه)»، قد تكررّت في «خطاب» الفرق الاسلامية وأدبيّاتها على مختلف مشاربها وأهوائها منذ النصف الثاني من القرن الأوّل الهجري. ولا يكاد خطاب عقائدي/سياسي، معارضا كان أو
стр. 93
مواليا، يخلو من استخدام هذا المصطلح منذ حصر عثمان يوم الدّار ثم في التحكيم بين علي ومعاوية [١]؛ ووردت في خطبة عبيد الله بن عبد الله المرّي أحد الدعاة مع سليمان بن صرد زعيم التوابين [٢]، كما وردت في بيعة المختار الثقفي [٣]، ودعا إليها غيلان الدمشقي [٤] وعبد الله بن إباض في رسالته لعبد الملك [٥]، والمرجئة أواخر عصر بني أمية [٦] والحارث بن سريج [٧]، وعدد من ثوار الخوارج [٨]، كما وردت في بيعة زيد بن علي [٩] ثم دعا إليها الحزب الهاشمي [١٠].
وكذلك مصطلح «العدل بالرعية والقسم بالسويّة»، اتّفق عليه أكثر أطراف المعارضة من أهل الأمصار منذ نقموا على عثمان بن عفّان سيرته واتهموه بأنه استأثر بالفيء وجعله خالصا لأهل بيته، كما أخذوا عليه تجميره البعوث إلى آخر ما نقموه
стр. 94
عليه [١]؛ وقد ورد في بعض الأخبار أنّ عبد الله بن عباس استخدم هذا المصطلح في خطبة له أمام معاوية بن أبي سفيان [٢]؛ وغدا هذا المطلب شعارا رئيسا في خطاب أطراف المعارضة زمن عمر بن عبد العزيز، كما ورد في خطبة لأبي حمزة الخارجي [٣]. أمّا زيد بن علي فكانت «قسمة الفيء بين أهله بالسّواء وإقفال المجمّر» من شروط بيعته [٤].
أمّا العبارة الأخيرة «فإن نحن وفينا لكم وفيتم لنا. . .»، بما تظهره من الخضوع لرأي الجماعة، فقد استخدمها يزيد بن الوليد بن عبد الملك (جمادى الآخرة ١٢٦/ ٧٤٤ - ذو الحجة ١٢٦) الناقص في خطبته الأولى عندما تولّى الحكم [٥]، وقد كان يزيد قدريا ولقي دعما من الغيلانية والقدريّة الذين وجدوا فيه امكانية لتحقيق برنامجهم، وهذا ما يفسّر استعداده للالتزام بقرار الجماعة واختيارها الحرّ [٦].
غير أنّ ثمّة اختلافين رئيسين بين نصي البيعة، فعبارة «على أن نعمل فيكم بكتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ »، التي وردت عند أبي الفرج في «مقاتله» توحي بأنّها تكرار إذ أنّه ذكر في أوّل البيعة «أبايعكم على كتاب الله وسنّة نبيّه»؛ وقد ورد في نص «أخبار فخ» بدلا منها «. . . نحلّ ما أحلّ القرآن والسنّة العادلة، ونحرّم ما حرّم القرآن والسنّة العادلة»، وهذه الصيغة تأتي بتفصيل جديد يبرّر ورودها، وليس كذلك الجملة التي وردت في نصّ «المقاتل».
стр. 95
وتستوقفنا هنا عبارة «السنّة العادلة»، وقد وردت هذه العبارة كمصطلح في كتاب التحكيم بين علي ومعاوية-الذي ذكر قبل-وهو بحسب نصّ الجاحظ «. . وما لم نجده في كتاب الله مسمّى فالسنّة العادلة الجامعة غير المفرّقة فيما اختلفنا فيه»، وقد وردت العبارة هناك مرّتين [١]. كما نقل عن عمر بن عبد العزيز قوله في آخر خطبة له في خناصرة: «ولكنه من الله كتاب ناطق وسنّة عادلة دلّ فيهما على طاعته ونهى عن معصيته» [٢].
ولا بدّ هنا من الوقوف عند مفهوم «السنّة» أولا، الذي يتكرر كثيرا-كما مرّ معنا-في الخطاب «الايديولوجي» منذ القرن الأوّل. وقد بيّن M .Bravmann في دراسة له حول استخدام هذا المصطلح في القرن الاسلامي الأوّل [٣]، أنه يعني كلّ عمل أو فعل استنه الرسول، ومورس من بعده بشكل دائم فأصبح ملزما للجماعة.
وقد يكون هذا العمل كان شائعا قبل البعثة النبوية «كسنّة» سابقة إلا أن تبنيه من قبل الرسول جعله سنّة إسلامية [٤]، كما قد يكون هذا العمل من سنّة الخلفاء بعده، «فالسنة» إذا هي مجموعة أعراف أو عادات (Consuetudo) الجماعة التي غدت متّبعة وملزمة. [٥] (Statutum) وهذا المصطلح هو مصطلح عربي استخدم منذ ما قبل
стр. 96
الاسلام وكان يستخدم كذلك بمعنى «سيرة» [١]، إلا انه تميّز في الاسلام كمصطلح ارتبط بأعراف الجماعة الاسلامية الأولى وعاداتها منذ زمن مبكر، وهو يدحض بذلك نظرية شاخت التي قال فيها ان هذا المصطلح أسس على اعتبارات عقائدية متأخرة [٢].
يبدو لي إذن أن الدعوة إلى «سنة رسول الله» من قبل الأطراف المعارضة كانت تعني الرغبة في تصحيح السياسة الامويّة التي استنّت أعراف وتقاليد جديدة لم تكن الجماعة الاسلامية الأولى قد تعارفت عليها؛ ومن ذلك مثلا، قسمة الفيء، وتجمير البعوث اللذين يتكرران بالحاح في هذا الخطاب المعارض، وغيرها من التفاصيل التي أخذت عليهم كتأخير الصلاة وإطالة الخطبة، والخطبة جلوسا الخ. غير أنّ فهم هي «السنة» كان خاضعا كذلك لاعتبارات اجتهادية خاصة بكل «جماعة» من الجماعات، فقد اختلف المسلمون الاوائل في أمور من السنّة كالمسح على الخفّين ورفع اليدين في الصلاة، مثلا، وزواج المتعة وحدّ شارب الخمر، وعلى أمور أخرى ذات طبيعة سياسية، كتولية الامام وشروط الإمامة إلى غير هذا من المسائل المهمة.
ولهذا كلّه يبقى هذا المصطلح غير واضح تماما وخاضعا للتأويل والاجتهاد الدائم.
أمّا الاختلاف الثاني في نصّ البيعتين فهو ما يرد في رواية أبي الفرج الاصفهاني من الدعوة «إلى الرضا من آل محمد»، وهو أمر يبدو مستغربا إذ كانت هذه الدعوة هي دعوة الفئات المعارضة للأموييّن، الذي اعتبر اجتماع الأبواء تاريخا فاصلا لانتظامها سويا في إطار الدعوة الهاشمية بفرعيها العلوي والعباسي [٣]، وباسمها
стр. 97
استأثر العبّاسيّون بالسلطة وجيّروا هذا الشعار لأنفسهم [١]. وأرى أنه من المستغرب أن يستخدم الحسين الفخي هذا الشعار مجدّدا في دعوته خاصة أنه يدعو لنفسه ولا حاجة في التمويه على اسم من يدعو له. غير أننّا نجد هذا الشعار مستخدما من قبل زيدية الديلم في النصف الثاني من القرن الثالث، ولكن استخدامه ينحصر بين «دعاة» لم يبلغوا درجة الإمامة [٢] فتكون دعواهم هذه باسم الامام الذي يدعون إليه كما في حالة الحسن بن زيد الذي ثار سنة ٢٥٠/ ٨٦٤ [٣]، وكالحسين بن أحمد الكوكبي الذي ثار سنة ٢٥٢/ ٨٦٦ [٤]. كذلك دعا أبو السرايا في بيعته لمحمد بن إبراهيم سنة ١٩٩/ ٨١٤ إلى «الرضا من آل محمد» [٥]. وقد يكون ورود هذا الشعار في نص البيعة كما ذكرت عند أبي الفرج بسنده عن الحسن بن محمد المزني هو من زيادة المزني نفسه-قياسا ربّما-على ما كان سائدا في عصره ولم يتنبّه إلى أنّ هذا المصطلح استخدم في عصره من قبل «دعاة» وليس من قبل فاطمي يدعو للامامة لنفسه كما في حال الحسين الفخي. ويبدو لي لهذه الاسباب مجتمعة أن نصّ البيعة الذي ذكره ابن سهل الرازي في «أخبار فخ» هو الأكثر موثوقية ودقّة. ولا أجد بدا من التذكير هنا مرّة أخرى بأن هذه المصطلحات كانت قد غدت شائعة في النصف الثاني من القرن الثاني وفي القرن الثالث الهجري عندما ابتدأ بتدوين كتب التاريخ
стр. 98
ومجاميعه، وأصبح من العسير، بغياب وثائق مبكرة، الجزم بأنها قد استعملت فعلا في رسالة ما تحت الدرس، أو أنها مجرّد «شعار» غدا نوعا من Stock description فالشك يبقى قائما دون أن يوقعنا في نوع من «العدميّة» التاريخية.
١١.٤. الخطب
أورد ابن سهل الرازي أربع خطب في كتابه، إثنتان منها للحسين الفخّي قالها قبل المعركة، واثنتان ليحيى، واحدة قبل معركة فخ، وأخرى له طويلة قالها في جمع من وجوه أهل الجبل قبل مفاوضته مع الفضل للحصول على الأمان من هارون الرشيد.
١١.٤.١. وخطبة الحسين الاولى قصيرة
، ذكر أبو الفرج الاصفهاني أوّلها وخاتمتها في «مقاتله» [١]. وسند أحمد بن سهل الرازي هو التالي: «قال الحسن بن عبد الواحد، حدّثني أحمد بن كثير، قال حدّثني اسحاق بن إبراهيم»، وهي عند أبي الفرج عن «الحسن بن محمد [المزني]، حدّثني كثير [كذا] عن إسحاق بن إبراهيم». واسم كثير الذي ورد هنا هو تصحيف إذ ذكر أبو الفرج خبرا آخر عن خروج الحسين الفخي بالسند نفسه وهو هناك «الحسن بن محمد، عن أحمد بن كثير الذهبي، قال حدّثنا إسحاق بن إبراهيم القطّان [وفي نسخة: العطّار]. . .» [٢].
والخطبة قصيرة قائمة على ثنائية بسيطة وواضحة إذ أنها تخدم وظيفة تحريضية مباشرة قبل البدء بالقتال: فإما النصر أو الشهادة، والنصر يعني تطبيق العمل «بكتاب الله وسنّة نبيّه» (وهو مصطلح تناولناه قبل صفحات) وما يترتّب على ذلك من عدالة اجتماعية تستدعي استحضار صورة اليتيم والأرملة واكتفائهما؛ أمّا الشهادة فتعني للحاق بالسلف الصالح في الجنة وهذا يشعر المشتركين في القتال بانتمائهم لمن
стр. 99
سبقهم من «صنعة» هذا «التاريخ المقدّس».
١١.٤.٢. أمّا الخطبة الثانية
فلم ترد سوى في «أخبار فخ»، ويرويها أحمد بن سهل الرازي بسند يرقى الى سعيد بن خثيم الهلالي. وسعيد هذا من كبار محدّثي الزيديّة، خرج مع زيد بن علي حينما كان شابا، ثم اشترك في ثورة إبراهيم بن عبد الله في البصرة، وفي ثورة الحسين الفخّي بعد أكثر من ربع قرن، وقد توفي بين سنتي ١٨٠/ ٧٩٦ و ١٩٠/ ٨٠٥. وتذكر المصادر الإماميّة أنّه حمل العلم عن الأصبغ بن نباتة، أحد صحابة علي بن أبي طالب؛ كما أثنت عليه المصادر السنيّة وأخذ عنه أحمد بن حنبل، وحين ذكر أمام يحيى بن معين أنّه قدري، أجاب: «شيعي ثقة وقدري ثقة» [١]. ويتصل سند أحمد بن سهل الرازي به عن طريق أحمد بن حمزة الرازي، ولم أستطع الاهتداء إلى ترجمته ويبدو أنّه مروي كالمؤلّف؛ وهو يروي بدوره عن أحمد بن رشيد ابن أخت سعيد بن خثيم. ويصدّر سعيد الخطبة بقوله:
«كنت مع الحسين بن علي، ﵀، فاجتمعنا إليه قبل اللقاء، فقام فينا خطيبا ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال»، مما يظهر أنّ سعيدا كان شاهد عيان واشترك في المعركة، وتبدأ خطبة الحسين «بأمّا بعد» [٢]، إذ كان بحسب نقل سعيد، قد حمد الله وأثنى عليه؛ بعكس خطبته الأولى التي لم يذكر الراوي فيها لا حمد الله ولا «أما بعد». وهو يوجّه الخطاب إلى «إخوتي وإخواني وشيعة أبي-يعني علي بن أبي طالب-ومحبّي جدّي رسول الله». وتظهر الخطبة عسف العباسيين، لا بل خروجهم من الدين. والحسين يعدّد أعمالهم السيئة بشكل تصاعدي، صابّا معجم المآخذ التي غدا ذكرها تقليديا عند فرق المعارضة منذ عهد الأموييّن «الفسق والفجور، سيرتهم في أمّة محمد، ارتكابهم المحارم وتعطيلهم الحدود. .
стр. 100
الخ». وقد وردت هذه الصفات في خطب للحسين بن علي [١] وأبي حمزة الخارجي [٢]؛ وكذلك قوله «دعاهم الشيطان فأجابوه. . .»، هو صورة وردت في خطبة للحسين بن علي وفي أخرى لأبي حمزة الخارجي [٣]، وقد حملت «الإجابة» في القرآن دائما معنى الهداية والخلاص فهي إجابة لداعي الله ولرسله أو أنّها إجابة من الله سبحانه لعباده [٤]؛ وإجابة الشيطان هنا تظهر نقيض الإجابة المذكورة في القرآن لتؤكد على الكفر.
أمّا ما ورد في خطبة الحسين من «تولية اليهود والنصارى وشرب الخمور وإتيان الذكور»، فهي صفات غدت مكرورة [٥]، وهذا التصعيد في جمع الصفات السلبيّة الذي يطاول تأثيرها الجماعة كلّها «يقتلون خياركم ويستذلّون فقهاءكم، ويقضون بالهوى ويحكمون بالرّشا ويولّون السفهاء. . .» يتيح فسحة للحسين كي يستثير غضب جماعته الذين سمّاهم «أهل القرآن» في خطبته الأولى كما يسمح له بالتصعيد من جديد والإتيان بمعان جديدة «قد درس الكتاب فاوّل على غير تأويله، وغنّي به على المعازف فحرّف عن تنزيله، فلم يبق من الإسلام إلاّ اسمه، ولا من القرآن إلاّ رسمه. .» (٥).
وقد شكّل «تأويل القرآن» منذ أن ظهرت الفرق الاسلاميّة في النصف الأوّل من القرن الأول حافزا لكل فرقة كي تدّعي أنها صاحبة الفهم الصحيح والتأويل السليم [٦]، وأنّ من عداها هم الذين أساءوا التأويل وأخطأوه ابتغاء الفتنة، وإلى هذا المعنى أشار القرآن الكريم فَيَتَّبِعُونَ ماتَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ اَلْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ (آل
стр. 101
عمران ٣/ ٧). فالخلاف الأساسي بين الفرق هو على تأويل القرآن، وقد ذكر ذلك سلمان الفارسي في رجز ينسب إليه في معركة صفّين [١]:
نحن ضربناكم على تنزيله ... فاليوم نضربكم على تأويله
وذكر عن الإمام عليّ قوله: «هذا القرآن إنّما هو خطّ مستور بين الدفّتين لا ينطق بلسان ولا بدّ له من ترجمان» [٢]، وهو دعوة إلى التأويل. وفي رسالته إلى عبد الملك يردّ الحسن البصري عليه في توضيح موقفه من القدر مظهرا دور التأويل مدّعيا لنفسه حسن التأويل وإصابته [٣]. وفي كتاب «الصفوة» المنسوب لزيد بن علي يقول زيد لمخاطبه: «وقد رأيت ما وقع النّاس فيه من الاختلاف، تبرّأوا [من بعضهم] وتأوّلوا القرآن برأيهم على أهوائهم، اعتنقت كل فرقة منهم هوى ثم تولوا عليه، وتأوّلوا القرآن على رأيهم ذلك بخلاف ما تأوّله غيرهم، ثم برئ بعضهم من بعض، وكلّهم يزعم فيما يزيّن له أنّه على هدى في رأيه وتأويله وأنّ من خالفه على ضلالة أو كفر أو شرك» [٤]، ثم يوضح في رسالته أنّ «أهل البيت» وهم «الصفوة» و «الحبوة» و «الخيرة» هم الأولى بتأويل القرآن وفهمه. أمّا ما يذكره الحسين الفخّي هنا من أنّ «القرآن غنّي به على المعازف فحرّف عن تنزيله ولم يبق منه إلاّ رسمه. . .»، فالمقصود به-فيما أرى- التصعيد في لهجة الخطاب، ولا أجد إشارة تاريخيّة إليه، إلاّ أن يكون المقصود «التطريب» الذي عدّ بدعة وكان مثار جدل بين العلماء في أواخر القرن الثاني
стр. 102
وأوائل القرن الثالث كما يتبيّن من موقف الإمام أحمد بن حنبل [١]، ولا أعتقد أنّ هذا هو المقصود في خطبة الحسين. عند هذه النقطة من ذكر القرآن والتأويل يبلغ الحسين الفخّي غاية التصعيد فيوجّه خطابه «لأهل دعوته»: «فلو أنّ مؤمنا تقطّعت نفسه قطعا، ما كان ذلك لله رضا بل كان بذلك جديرا»، ويختم رسالته بالحث على الجهاد، لأنّ قتال القوم «فريضة».
نلاحظ أنّ معاني هذه الخطبة هي معان مشتركة في الخطاب المعارض وأن الحسين يحشدها هنا في نفس تصعيدي للحث على الجهاد ولتمييز أتباع فرقته واقناعهم بصواب جهادهم.
١١.٤.٣. والخطبة الثالثة هي ليحيى بن عبد الله
قالها على فرسه يحرض النّاس قبل القتال. وسندها هو التالي [٢]: «قال وحدّثني هارون الوشّاء، قال حدّثني عبد العزيز بن يحيى الكناني، ويقال إنّه كان من الدعاة إلى يحيى بن عبد الله، قال: لمّا صار الحسين إلى فخّ، خرج يحيى على فرسه يحرّض النّاس، قال بعد حمد الله. . .»، ويبدو لي أنّ «قال» في أول النصّ تعود إلى الحسن بن عبد الواحد الكوفي [٣]؛ ولم أستطع التعرّف على هارون الوشاء، وقد ورد أيضا باسم هارون بن موسى [٤]. أمّا عبد العزيز بن يحيى الكناني، فأرى أنّه المكّي الفقيه صاحب محمد بن الحسن الشيباني، وقد تفقّه بالإمام الشافعي واشتهر بصحبته وذهب معه إلى اليمن، وقدم بغداد في أيّام المأمون وجرت بينه وبين
стр. 103
بشر المريسي مناظرات في القرآن، وإليه ينسب كتاب «الحيدة» وقد توفي في حدود سنة ٢٤٠/ ٨٥٤ [١]. وورد هنا أنّه ذكر في دعاة يحيى، وليس ذلك بمستبعد، وبسند يرقى إليه ينقل أحمد بن سهل الرازي خبر نقض هارون الرشيد لأمان يحيى إذ كان عبد العزيز حاضرا للحادثة مع الحسن الشيباني وعيره [٢].
والخطبة دعوة تحريضيّة للجهاد لا تظهر أسلوبا خاصا، بل تقوم على «تمييز» أصحاب الدعوة «فإنكم أنصار الله وأنصار كتابه وأنصار رسول الله ﷺ ، وأعوان الحق، وخيار أهل الأرض، وعلى ملّة الإسلام ومنهاجه الذي اختاره لأنبيائه المرسلين وأوليائه الصابرين. . .»، ثم يردف بآية قرآنية طويلة في الحث على الجهاد (التوبة ٩/ ١١١ - ١١٢) اعتمدتها كذلك سائر الفرق الإسلاميّة، فيصبح الخطاب القرآني وكأنّه موجّه لهذه الفئة الخاصة المميّزة ويصبح تأثيره في نفوسهم -بعد أن تضخّمت صورة الذات-تأثيرا تطهيريا لا يجد منتهاه إلاّ في الجهاد.
ويستطرد يحيى بعد الآية إلى التأكيد لهذه الفئة المميّزة أنها ليست «معزولة» وكأنّه يريد منهم ألاّ تحول قلتهم بينهم وبين الجهاد «والله ما أعرف على وجه الأرض سواكم، إلا من كان على مثل رأيكم، حالت بينكم وبينهم المعاذير»، وهؤلاء على ثلاثة أنواع ١) فقير لا يقدر على ما يتحمّل به إلينا فهو يدعو الله في آناء ليله ونهاره،٢) غني بعدت داره فلم تدركه دعوتنا،٣) محبوس عند الفسقة وقلبه عندنا.
стр. 104
فالخطبة تقوم على فكرة «التمييز» وربطها بالنصّ القرآني لتشعر هذه الجماعة القليلة التي تبغي تطهيرا في الجهاد أنّها صفوة أولياء الله و «خيار أهل الأرض».
١١.٥. الرسائل
حفظ لنا كتاب أخبار فخ ثلاثة رسائل، ووردت رسالة رابعة في كتاب المصابيح. ويثور السؤال هنا عن صحّة نسبة هذه الرسائل، خاصّة أنها لا ترد في مصدر آخر، كما لم ترد أيّ إشارة لها في المصادر التاريخيّة غير الزيدية. ومسألة التحقّق من صحة الرسائل الدينيّة والعقيديّة ومن موثوقيتها أمر في غاية الدقّة.
وكنت أشرت فيما مضى إلى أن عددا من هذه الرسائل قد وصلتنا وأنّها كانت موضع درس ومقارنة من قبل جمهرة من الباحثين [١] اختطّوا طرائق في كيفية دراسة هذا النوع للتأكد من صحتّه ونسبته بالاعتماد على قرآئن داخلية وأخرى خارجيّة، وعلى دراسة المصطلح واللغة والبنية الفنيّة للرسائل. وقد درست هذه الرسائل من حيث أسانيدها ونسبتها وخطابها في بحث خاص [٢]، وسوف أكتفي هنا بإبراز أهم النتائج.
والرسالة الأولى مرسلة من إبراهيم بن أبي يحيى، أحد دعاة يحيى بن عبد الله، إلى أبي محمد الحضرمي في مصر وقد حملها إدريس معه إلى مصر [٣].
فهي رسالة خاصة موجّهة إلى شخص نجهل عنه أيّ شيء، سوى أنّه في
стр. 105
الحضارمة الذين نزلوا مصر. وقد عرف الحضارمة بتشيعهم للامام علي وقد تبوّءا عدد منهم مراكز ادارية مهمة في مصر. ولا نعرف ميول أبي محمد هذا الشيعية ويبدو من نصّ الرسالة أنه لم يكن زيديا. والرسالة قطعة ادبية فنية متميزة يحاول فيها إبراهيم بن أبي يحيى كسب تأييد أبي محمد الحضري لقضية يحيى بن عبد الله مؤكدا العقيدة في حبّ آل البيت وعصمتهم، ويحذره من الغلو في حبهم والافراط فيه والابتعاد عن «أهل الفرية من الرافضة الغلاه»، وقد بيّنت إلى أنّ هذا قد يشير إلى ميول أقرب إلى «التطرّف» عند أبي محمد الحضرمي. ويستلهم ابن أبي يحيى القرآن بكثرة في رسالته. ويظهر مصطلحها خطابا جاروديا. كما لاحظت غياب أي ذكر لإدريس بن عبد الله في الرسالة رغم أنّها كتبت لنصرته، ممّا قد يحملنا على الشك فيها.
أمّا الرسالة الثانية فهي موجّهة من إدريس بن عبد الله إلى البربر يدعوهم إلى نصرته وتأييده والجهاد معه، فهي «دعوة» أو «سيرة» للعامّة. وخطابها زيدي معتزلي بني على أصلي العدل والتوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهي كرسالة ابراهيم بن أبي يحيى محكمة البناء متينة اللغة، تفيدنا كثيرا في فهم تطور بعض العقائد الزيدية؛ ولم أجد ما يثير شكا أو ريبة في نسبة الرسالة وموثوقيتها.
تبقى رسالتان، الأولى منهما نسبت في «كتاب المصابيح» لإدريس بن عبد الله وأنّه أرسلها «إلى أهل مصر»، وقد أثبت أنّها موضوعة؛ والثانية وردت في «أخبار فخّ» حيث ذكر ابن سهل الرّازي أنّ يحيى بن عبد الله أرسلها إلى هارون الرشيد حينما عرض عليه الأخير الأمان. وهي رسالة طويلة يعرض فيها يحيى «للتاريخ» الزيدي، تاريخ الخروج. وهي شبيهة إلى حدّ ما بالرسائل التي تنسبها المصادر لمحمد النفس الزكيّة والتي خاطب بها أبا جعفر المنصور. وقد شككت
стр. 106
في نسبتها إذ تتضمن مغالطات تاريخية منها ذكر لهدم قبر الحسين وهذا أمر لم يحصل إلا في خلافة المتوكل العبّاسي.
وقد بيّنت في بحثي المشار إليه، إلى أنّه لا يمكننا دراسة الرسائل الزيديّة الأولى دراسة متأنّية قبل تحقيق المصادر الزيدية تحقيقا علميا، كما وضعت بعض الخطوط العامة والملاحظات الأوليّة التي تساعدنا في دراسة هذا النوع، وما يزال الطريق أمامنا طويلا.
стр. 107
١٢. وصف المخطوطات:
استعملت ثلاث مخطوطات في تحقيق هذا الكتاب:
١) واعتمدت مخطوطة برلين أصلا (ورمزت لها بحرف ر)؛ وهي الأقدم وقد نقلت كلتا المخطوطتين الأخريين عنها، وناسخها هو العلامة حميد بن أحمد المحلّي (-٦٥٢/ ١٢٥٤)، فرغ من نسخها سنة ٦٣٨/ ١٢٤٠ عن مخطوطة ضعيفة غير مهذّبة وقابلها على نسخة أخرى. وهي تقع بين الورقات ١٥٤ أ-١٨٤ ب من ضمن مجموع يضمّ كتاب «مقاتل الطالبييّن» لأبي الفرج الأصفهاني ورسائل زيدية أخرى، وهو كله بخط المحلّي. وقد وصف غ. شولر (G .SCHOELER) هذا المجموع في فهرست المخطوطات العربيّة المكتشفة حديثا في برلين [١]. وقد حصلت على مصوّرة (ميكروفلم) عن المخطوطة، فانتسختها وقارنتها على المصادر ثمّ توجّهت إلى برلين حيث اطّلعت عليها عن كثب وأعدت مقارنتها على الأصل. وخط المخطوطة شبيه بالنسخي، غير منقوط في الأكثر مما يشكل صعوبة في قراءة بعض الكلمات، وقد أصابت رطوبة بعض الصفحات فطمست كلمات، ويبدو أن أحد مالكي المخطوطة قد أعاد التأكيد على رسم الكلمات الباهتة أو المطموسة بحبر جديد يميل للون البني، كما يبدو أنّ المالك نفسه ربّما قد علّق في الهوامش أحيانا بخط مغاير على بعض الكلمات غير الواضحة موجها قراءتها. ويبدو خط الورقة الأولى (١٥٤ ب) للوهلة الأولى مغايرا لخط ما يتلوه من ورقات، إلاّ أنّ مقارنة متمعّنة تظهر أنّ الخط هو نفسه وأنّ القلم قد تغيّر فحسب. ومسطرة المخطوطة ١٣*٢٢ سنتم، ويتراوح عدد الأسطر في الصفحة الواحدة بين ٢٦ - ٢٩ سطرا، بمعدّل ١٢ - ١٣ كلمة في السطر الواحد. وكتب الناسخ حميد بن أحمد المحلّي في آخرها في الهامش الأيسر عرضا بين السطرين ٨ و ١٢ ما نصّه: «بلغ مقابلة على النسخة التي نقلت
стр. 108
منها وهي نسخة ضعيفة غير مهذّبة وقد اجتهدت في التصليح [. . .] على العجلة». وكتب على الهامش الأيمن طولا: «قوبل كذلك ثانيا على نسخة أخرى غرّة رجب المعظم سنة ثمان وثلاثين وستمائة، كتب حميد بن أحمد حامدا لله سبحانه ومصليا على محمّد سيدنا وآله ومسلما».
٢) كنت قد أنهيت الكتاب على النسختين «ر» و «ص» ودفعته للمطبعة حينما حصلت على مصوّرة (Photocopy) من مخطوطة بمكتبة السيّد أحمد الشامي بصنعاء (رمزت لها بحرف م) [١]، فقارنتها وأثبتّ فروق القراءة وأعدت ترقيم الهوامش، وتبيّن لي أنّها تشترك مع المخطوطة (ص) بنفس القراءات وكأنّ (ص) نسخة عنها. وتقع هذه المخطوطة (م) في ٢٦ صفحة ضمن مجموع لم أستطع التعرّف على محتوياته لأني لم أطّلع سوى على صورة كتاب «أخبار فخّ». وخطّها واضح ومنقوط وفرغ من نسخها وقت العصر يوم الأحد في ٢٢ ربيع الأوّل سنة ١٠٥٤/ ١٦٤٤. ومسطرتها ١١*٥,١٨ سنتم، وعدد الأسطر في الورقة الواحدة ٢٦ سطرا، ويتراوح عدد الكلمات في السطر بين ١٤ و ١٦ كلمة.
٣) مخطوطة الجامع الكبير بصنعاء (ورمزت لها بحرف ص) وتقع ضمن مجموع برقم ٢٣٤٧ يقع في ١٩٥ ورقة، ويرد كتاب أخبار فخّ في الورقات ١٤٦ ب إلى ١٩١ ب السطر التاسع، بينما يشغل «كتاب المصابيح» الورقات ١ - ١٤٦ أ. والمجموع بخط علي بن أحمد بن إسحاق وفرغ من نسخ «كتاب المصابيح» في تاسع عشر شهر شوّال سنة ١٣٣٧/ ١٩١٨، وفرغ من نسخ كتاب «أخبار فخّ» يوم الجمعة ١٩ ذي القعدة سنة ١٣٣٧/ ١٩١٨ [٢]. ومسطرة المخطوطة ٢٤*١٨ سنتم.
стр. 109
وقد ارتأيت أن ألحق بكتاب «أخبار فخّ» تراجم الحسين الفخّي ويحيى بن عبد الله وإدريس بن عبد الله منتزعة من «كتاب المصابيح» الذي يعدّ من أقدم المصادر الزيديّة وفيه نقل عن مؤلف أخبار فخ أحمد بن سهل الرّازي لم يرد في المخطوط الذي حقّقناه، كما أنّه تفرّد بذكر أخبار لم ترد في غيره من المصادر.
وكتاب المصابيح
وضع خطّته وابتدأ بتأليفه الإمام أبو العبّاس أحمد بن ابراهيم ابن الحسن الحسني الطالبي (-٣٥٢/ ٩٦٤) [١]، إلاّ أنّه توفي قبل أن يتمّه، وكان قد بلغ فيه إلى ذكر خروج الإمام يحيى بن زيد بن علي إلى خراسان، فأتمّه علي بن بلال على الخطّة التي وضعها أبو العبّاس بعد أن سأله إلى ذلك بعض الأصحاب، فأتى بالأخبار على حسب ما رتّبه أبو العبّاس، منتهيا عند آخر ترجمة الإمام الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش (-٣٠٤/ ٩١٦). ولا أعرف شيئا عن علي بن بلال هذا، وأقدّر أنّه توفي في أواخر القرن الرابع الهجري وأنّه كان من تلامذة الإمام أبي العبّاس الحسني، إذ أنّ الإمام الناطق بالحق يحيى بن الحسين (-٤٢٤/ ١٠٣٣) قد ذكر في كتابيه «الإفادة» و «تيسير المطالب» أخبارا عن «كتاب المصابيح» -وهو من مصادره-تعود للقسم الذي أتمّة علي بن بلال وهي موجودة بنصّها في مخطوطات الكتاب كما وصلنا.
وقد عدت إلى مخطوطتين من كتاب المصابيح كلاهما في المكتبة المتوكليّة بالجامع الكبير بصنعاء:
١) ورمزت لها بالحرف د، تقع في ١١٧ ورقة وخطها نسخي واضح وقد أصابها بلل أضرّ بصفحات كثيرة، وناسخها هو أحمد بن قاسم بن أبي السعود الطامي [٢]، نسخها لمولاه الإمام المنصور عبد الله بن حمزة (-٦١٤/ ١٢١٧)، ومسطرتها ٢٥*١٧
стр. 110
سنتم وهي برقم ٢١٨٥. وقد اعتمدت على صورة (ميكروفلم) لهذه المخطوطة من مقتنيات دار الكتب المصرية تحت رقم ٨١.
٢) رمزت لها بالحرف ص، تقع في ١٤٦ ورقة في نفس المجموع الذي يحتوي «أخبار فخ»، وناسخها هو علي بن أحمد بن إسحاق [١].
وما زال «كتاب المصابيح» بحاجة لدراسة متأنّية، خاصة أن المادة التي ذكرها علي بن بلال لا يمكن الركون إليها إذ نجده يقع أحيانا في تخليطات تاريخيّة.