← Сира

Сира · id 11736

الدعوة الإسلامية في عهدها المكي مناهجها وغاياتها

رؤوف شلبي

Полный текст (713 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ١. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢. إن معرفتهم بالله الخالق البارئ المصور موجودة ولكنهم يعبدون الأصنام، لقد عبدوها على حسب ما ادعوه: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٣. وهي علة واهية تستند إلى خنوعهم لجبرية التقاليد وعشقهم تبعية الآباء. ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ، فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ٤. وقد اعترفوا بذلك صراحة: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ ٥. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ٦. ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ ٧.

стр. 107

﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ١. ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ٢. ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣. ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٤. وكذلك مبلغ الظن، وقد عاب القرآن هذا المنطق الأعوج الذي يستند إلى الظن. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ٥. ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ٦. ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ٧. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ٨. ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٩.

стр. 108

﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ ١. ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ٢. فهم مسرفون في إيمانهم بالله، مشوشون في فهم العبودية، لجلاله فأشركوا مع جلاله الجن والملائكة والكواكب والأوثان والأصنام والنصب. ولقد كان في البيئة قبل البعثة رهبان وأحبار ومثقفون يبشرون بالنبوة الخاتمة. لقد آمن ورقة والنجاشي وكلاهما تعلم المسيحية وتبحر فيها. وآمن بحيرا ونسطورا وهما من رجال الدين المتخصصين. وآمن عبد الله بن سلام وهو من كبار علماء اليهود. وآمن خلق من البشر الذين عاشوا فترة التوعية والتمهيد للدعوة دون أن يقيم الرسول ﷺ لهم دليلا ولا طلبوا منه برهانا. فالجو الإيماني بالله موجود ولكنه مشوش في إدراكه وتنزيهه لله ﷻ . وإذن فالقرآن عندما يواجه هؤلاء القوم يواجههم على مقتضى حالهم ودعاويهم وأفكارهم، إنه يواجه موجة إسراف في الإيمان بآلهة

стр. 109

ويواجه موجة تبذير في العبودية لله، وذلك يتطلب رد هؤلاء المسرفين إلى الاعتدال في التوحيد والتنزيه فيصحح لهم العقيدة ويحدد لهم أسلوب العبادة إنه إله واحد١، خلق فسوى وقدر فهدى، فالق الإصباح جعل الليل سكنا والنهار مبصرا وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا للعباد. فحق العباد تجاهه أن يعبدوه وحده لا يشركون به شيئا. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢. وهم لا ينكرون هذا أبدا ولكنهم يخلطون، والقرآن يحاول أن يهذب فكرتهم تجاه الله الحق الموجود وذلك ما حاولته آيات السور المكية وقررته على مدى ثلاثة عشر عاما مدة العهد المكي للدعوة الإسلامية فأثبتت وحدانية الله جل شأنه وسلطانه الكامل وصفاته الحسنى. إن القرآن لم يحاول أن يثبت وجود الله لأن وجود الله حق في ذاته والمنطقة العربية في أم القرى ومن حولها لا تعاني من أجل هذه القضية جهدا، فالله موجود عقيدة يؤمن بها كل من في الجزيرة العربية من أصحاب الديانات اليهودية والمسيحية والوثنية. ولكن التوحيد كان هو المعركة الأساسية لإزالة الشرك وتعليم العباد كيف يعبدون الله الواحد الفرد الصمد الذي لا شريك له ولا ولد.

стр. 110

ولا أقصد بهذا إعلان فكرة جديدة تعارض الاتجاهات الفلسفية التي أنفقت كثيرا من الجهد والعرق والاطلاع والتدوين والطباعة والنشر في التنافس على الأولوية في القدرة على إثبات وجود الله فليس في ذلك شرف لمسلم ولا لباحث، لأن سير الدراسات هذه يملي علينا حقيقة واضحة, أن المجتمع في أم القرى وما يجاورها لم يكن ملحدا بل كان مشركا والإشراك في مفهومه العادي إسناد الألوهية إلى أكثر من واحد واعتقاد أن الله له شريك، والإشراك كان في العبادة لا في الخلق ولهذا توجه القرآن الكريم لتنقية الإيمان بالله من شوائب هذا الشرك ويتضح هذا جليا في أسلوب الدعوة أثناء العهد الملكي. فالرسول ﷺ طول العهد المكي كله لم يستخدم أسلوبا واحدا يثبت به وجود الله ولم يثبت عنه مرة واحدة أنه سئل أو أجاب على سؤال يتعلق بوجود الله. وما سأل واحد من الصحابة أو من غيرهم في هذا العهد عن وجود الله. لقد انتهى العهد المكي وليس ثمة سؤال أو جواب عن وجود الله. بل كان مثله العهد المدني، وقد جاءت وفود اليهود والنصارى إلى الرسول ﷺ ولم يثبت تاريخيا ولا علميا أن وجود الله كان مدار حديث بينهما، وما تطوع رسول الله ﷺ نفسه بالتحدث عن إثبات وجود الله حتى نودي إلى الرفيق الأعلى.

стр. 111

لقد مضت حياة الرسول كلها في العهدين: المكي والمدني بكاملها ولم يثبت مرة واحدة أن تحدث الرسول ﷺ عن وجود الله لا بطريق الإجابة عن سؤال، ولا بطريق التطوع والتبليغ. والقضية في حد ذاتها لو عرضت لكانت مثار دهشة المجتمع نفسه؛ لأن الإيمان بالله موجود إلى حد الإسراف فيه والتبذير حتى صارت الآلهة أفنانا فلأية علة تثار أدلة وجود الله؟ والقرآن نفسه لم يتخذ إلى ذلك سبيلا بل كل ما فيه من الآيات والدلائل إنما تتوجه إلى إثبات التوحيد وإلغاء الإسراف والكثرة في الإيمان وإذا تأملنا هذه الآيات نجد أنها جاءت لإثبات صفات الله الموجود. ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .

стр. 112

﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ . فالآيات هنا تنزه الله جل شأنه عن الشريك وتضفي على العقل الإنساني هيمنة الله الأحد وتهدهد على عقول البشر بنعمائه وآلائه وتقرر أنه وحده ﷻ المنفرد بتدبير هذه الآلاء وأن الذين تدعون من دون الله عجزة لا يخلقون شيئا بل هم مخلوقون خاضعون لسلطانه وجلاله.

стр. 113

ونستأنس هنا لتأكيد ما وصلت إليه هذه الدراسات في عدم وجود محاولة من القرآن نحو إثبات وجود الله برأي فضيلة مولانا العارف بالله الدكتور عبد الحليم محمود، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وجه الإسلام الأذهان في عنف وفي قوة إلى التوحيد لا إلى إثبات الوجود، لقد وجه الأذهان إلى أن الله لا يحتاج في إثباته وفي وجوده إلى دليل وصور -على العكس- هو الدليل على غيره، فغيره ثابت به، والعالم ثابت به، والسموات والأرض والعرش والكرسي، كل ذلك موجود بوجوده ثابت بثباته، والوجود بأكمله محتاج في كل لحظة إليه فضلا عن احتياجه إليه في نشأته الأولى ووجوده الأصلي. أما في القرآن مما تخيله بعض الناس استدلالا على وجود الله فليس إلا بيانا لمظاهر قدرة الله وعنايته بالعالم ومن ذلك مثلا: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . إن ذلك وكثيرا غيره إنما يذكر ليبين عظمة الله وجلاله وقدرته، ويبين رحمته بعباده وعنايته بهم. وما من شك في أنه يمكن أن يؤخذ من ذلك أدلة كثيرة على وجود الله. وما من شك في أن الأدلة التي تؤخذ من ذلك يمكن أن تصاغ في أسلوب منطقي في قياس يشتمل على المقدمات والنتائج، ويكون

стр. 114

متفقا مع قواعد المنطق الأرسطي ومبادئه ولكن ذلك لن يكون قط تصويرا لهدف من أهداف القرآن الكريم. فالقرآن الكريم لا يضع قط وجود الله موضع الشك حتى يحتاج إلى الاستدلال عليه. ومن القصص التي تروى على أنحاء شتى وبأساليب مختلفة تتفق في الجوهر وتختلف في الرسم، ما يحكى من أن بعض مشاهير العلماء ألف كتابا ضخما في إثبات وجود الله فأقام له أصدقاؤه حفلة تكريم من أجل عمله هذا الضخم، ومر بهم بعض الصالحين فأخذوا يحدثونه عن عبقرية المؤلف فسأل. ومتى غاب الله حتى يكون في حاجة إلى إثبات؟ فوجم الجميع، ولم يستطع المؤلف الإجابة وتركهم الرجل الصالح وهو يردد: قل: الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون١. هذه شهادة عالم متخصص عاش الفلسفة حياتها بالطول والعرض والعمق والغاية انتهى إلى أن القرآن لا يستشير الإنسان في أية قضية من القضايا التي جاء بها الوحي، ولا يحتكم الوحي إلى الإنسان باعتباره حكما في أي مبدأ من مبادئه، ولا يطلب منه مشورة في أية قاعدة من القواعد التي شرعها. بل هذه الأوهام لا تدور بخلد المتدين قط.

стр. 115

ذلك أن الوحي نزل على أنه رسالة السماء النهائية إلى العالم ونزل يبلغ أن هذه الرسالة صدق كلها، حق جميعها، ليس فيها مبدأ مشكوك فيه، ولا قضية تحتمل الصدق والكذب، وليس فيها جملة زائدة ولا كلمة ليست في موضعها ولا حرف كان يحسن ألا يوجد، كلا، إنها الحق الخالص من اتبعها فقد اهتدى، ومن حاد عنها فقد انحرف ومن ابتغى الهدى في غيرها أضله الله ومن تركها من جبار قصمه الله، لأنها صراط الله المستقيم ونوره اللألاء. وكل ما ذكره من التفكير والنظر والتدبر إنما أراد به الاعتبار وأراد أن يقول: تفكروا لتروا أن ذلك هو الحق، انظروا لتعلموا أن ذلك هو الخير، أما إذا رأيتم غير ذلك فإنما العيب في بصركم أو في بصيرتكم، إذا رأيتم غير ذلك فإن الفساد في عقولكم وفي تفكيركم. إذا رأيتم غير ذلك فاعلموا أن فطرتكم فسدت لانحرافكم وأن قلوبكم ران عليها الإثم فضلت وأن عقولكم قد صدئت فأصبحت لا ترى الحق حقا ولا الخير خيرا وأصبحت من الضلال بحيث ترى الخير شرا، والشر خيرا وأصبح أصحابها كالأنعام بل هم أضل سبيلا، كل ذلك لانحرافكم عن الصراط المستقيم١ ... إلخ. تلك نظرة متخصص في الدراسات الفلسفية زهاء ثلث قرن تقريبا نستأنس بها في نفي ما أنفق فيه المخلصون من المنافحين عن الإسلام

стр. 116

عمرا طويلا في إثبات وجود الله، تلك القضية التي لم تواجهها الدعوة الإسلامية عند بدئها. لقد بدأت الدعوة الإسلامية بالأمر الإلهي، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وهذه الآية الكريمة التي بدأ بها الله الوحي ليس فيها شيء اسمه الاستدلال على وجود الله، وهي بعيدة كل البعد عن جو الاستدلال على وجود الله. ومسألة الاستدلال على وجود الله والتي كانت تنتظر في مبدأ الوحي -فرضا- والتي لم يكن مبدأ الوحي فيها "العالم حادث" "وكل حادث لا بد له من محدث"، لم يكن هذا أول الوحي، أو هو آية في الوحي أو آية في القرآن. مسألة وجود الله إنما هي ثقافة انحراف ابتدعها الملاحدة وتشبثوا بها، إن الفطرة تعترف تلقائيا بوجود الله. ومن الملاحظ عبر التاريخ أن الأنبياء جميعا كانوا يأتون لبيان الاعتقاد في وجود الله إذا أمكن هذا التعبير بمعنى أن آدم ﵇، أتى التوحيد ثم انحرفت الإنسانية من بعده. إلى أي شيء انحرفت؟ لم تنحرف إلى إنكار الله. ولكنها انحرفت إلى التعدد. وأتى نوح ﵇ بالتوحيد، ثم انحرفت الإنسانية إلى التعدد أيضا.

стр. 117

وطهر الله الإنسانية تطهيرا كاملا في عهد سيدنا نوح ﵇ وبقي من بقي على التوحيد الخالص، ثم انحرفت الإنسانية فيما بعد إلى التعدد. وإذن فانحراف البشرية دائما إلى التعدد لا إلى الإنكار، والإنكار لم ينشأ إلا في العصور الحديثة، والله يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ . وأنت إذا تصفحت الأناجيل على ما هي عليه من التحريف والتبديل لا تجد فيها مطلقا ما يشير إلى مشكلة اسمها، مشكلة إثبات وجود الله. وإذا تصفحت التوراة على ما هي عليه من التبديل والتغيير لا تجد فيها مشكلة، اسمها مشكلة إثبات وجود الله. وإذا تصفحت القرآن الكريم أيضا لن تجد فيه ذلك. إنما يتحدث القرآن الكريم عن صفات الله، عن هيمنته عن علمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، عن علمه بكل ورقة تسقط، عن علمه بالسر وما هو أخفى من السر، عن إرادته الشاملة عن قدرته التامة. ولكن ذلك ليس حديثا عن إثبات وجود الله١. فالقرآن الكريم لم يضع وجود الله موضع الاحتمال والفرض.

стр. 118

والاستدلال بالآيات الكونية وغيرها لا يقصد بها نفي طرف في قضية لها طرفان ليثبت الطرف الآخر، وإنما القصد من هذه الاستدلالات توجيه المدارك العقلية والمشاعر الوجدانية إلى جلال سلطانه وعظمة تدبيره١. إن أمر وجود الله لا يحتاج إلى دليل، إنه أظهر من كل شيء وأوضح من كل أمر، وكما قال بعض الصالحين: ومتى غاب حتى يكون في حاجة إلى إثبات وكما قال العارف بالله العلامة الثقة أبو الحسن الشاذلي: ومن أعجب العجب أن تكون الكائنات موصولة إليه فليت شعري هل لها وجود معه حتى توصل إليه؟ أو لها من الوضوح ما ليس له؟ حتى تكون هي المظهرة له؟ يقول الألوسي: فلا تثبتوا لأنفسكم وجودا مع وجوده لأنه الذي أظهر تعيناتكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا٢. إن مجرد البدء في إثبات وجود الله هو بدء في الاعتراف بمشروعية إنكاره أو احتمال ذلك وهو غير متصور في بيئة كان فيها من أسلم شعره وكفر قلبه، وكان فيها من سيبعث يوم القيامة أمة وحده، وكان فيها من يقول: "الله أحد".

стр. 119

لهذا فإنا سنجنب هذه الدراسة الإملاءات التي غصت بها كتب الفلاسفة من علماء الإسلام احتراما منا لمجرى البحث في جوه القرآني واستيثاقا بأن وجود الله أقوى من كل دليل وأكمل من كل مستويات الفكر الإنساني كلها١. وسأستعين بالله في تحسس الحركة الفكرية التي دعا إليها القرآن الكريم معاندي الدعوة بعد أن وضح لهم ملة إبراهيم حنيفا مسلما إن كانوا حقا صادقين في الانتساب إليه. وشدهم من نواصيهم ليخلعوا ثياب التقاليد ويحررهم من ربقة الاستبداد الصنمي. ثم قدم إليهم آيات في الكون الفسيح عساهم يتهيئون لمرحلة جديدة في علاقاتهم مع الدعوة ينعمون النظر في ملكون الله ونعمه وآلائه خلقا وتنسيقا وتدبيرا أو ترابطا وعناية وقصدا. فيشاهدون في آثار قدرة الله وحدانيته في الذات والصفات المنفردة

стр. 120

بتدبير هذا الملكوت ويستنبطون بعقولهم ما شاءوا من معاني الأدلة: * دليل الخلق والإيجاد١ Cosmological Argument. * أو دليل الإبداع٢ Teleological Argument. * أو دليل الكمال والسمو٣ Ontological Argument. فإن فكرة الألوهية في الإسلام هي الفكرة الصحيحة التي بلغت المثل الأعلى في صفات الذات الإلهية وتضمنت تصحيحا دقيقا لتفكير العقول البشرية على اختلاف مستوياتها وعصورها وقررت بالثقة والطمأنينة ما يجب لله جل شأنه من الكمال والإيمان بوحدانيته وجلال سلطانه وليس من السهل ولا من الممكن أن تخضع الآيات القرآنية لهذا التقسيم الذي نقلناه عن العلماء٤, فإن القرآن لا ينزل على هوى البشر. ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ ولكننا ذكرناه تمشيا مع هذا الاتجاه لكي يرى أصحابه أن أدلة القرآن أصدق في دلالاتها من محاولات البشر. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ .

стр. 121

أدلة التوحيد والتنزيه: أولا: وحدانية الذات: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ ١. ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٢. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ،

стр. 122

أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ . هذه جولة واسعة في صفحة الكون وفي أقطار النفس الإنسانية لا يملك المعاندون إنكار وجودها، ولا يملكون تعليلها بغير التسليم بوجود الخالق الواحد ليس الكثرة التي يدعونها من دون الله. ويعرض القرآن الكريم هذه المشاهدات في إيقاعات تملك على العقل مناحي فكره وتلزمه بالحجة، فهو يسأل في تلاحق لا يدع له مجالا للشك. من خلق السموات والأرض؟ من أنزل من السماء ماء فأنبت به هذه الحدائق ذات البهجة؟ من جعل الأرض قرارا، وجعل خلالها أنهارا، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزا؟ من يجيب المضطر إذا دعاه؟ من يكشف السوء؟ من يجعل البشر خلفاء في هذه الأرض؟ من يهدي الإنسان في ظلمات البر والبحر؟ من يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمة الله؟

стр. 123

من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ ثم يرزقكم من السماء والأرض؟ وفي كل مرة يسأل القرآن يقرعهم باستفهام يحوي جميع معاني الاستفهام فهو تقريع للمعاندين، وهو تقرير للموقنين، وهو إرشاد للطالبين ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ . وبحكم عقيدتهم لا يملكون جوابا يردون به أن هناك مع الله إلها يفعل هذا، وإذن فلماذا تكثر الأرباب من دون الله؟ إن السموات والأرض حقيقة قائمة لا يملك المعاندون إنكارها, ولا ادعاء مشاركة الأصنام والكواكب والجن والملائكة، وما يشركونها في العبادة في خلقها، فالبداهة تصرخ في وجه هذا الادعاء وترده وترفضه، بل ما كان واحد من المشركين يزعم أن هذا الكون قائم بنفسه كما يدعي التافهون في العصر الحديث، وإذن فخلق السموات والأرض على هذا النحو فيه القصد والإبداع, وفيه كذلك التدبير, ويظهر فيه التناسق المطلق الذي لا يمكن أن يكون فلتة ولا مصادفة، وهو فيه التناسق المطلق الذي لا يمكن أن يكون فلتة ولا مصادفة، وهو تناسق ملجئ بذاته والتفكر فيه إلى الإقرار بوجود الخالق الواحد, تتضح وحدانيته في آثاره فإن هذا التصميم والتناسق والتدبير لهذا الكون, لا تعدد في طبيعته, ولا تعدد في اتجاهه, ولا تعدد في مصدره, فلا بد وأن يكون صادرا عن إرادة واحدة غير متعددة, إرادة قاصدة لا يفوتها القصد في الكبير ولا في الصغير. والماء النازل من السماء حقيقة كذلك يستحيل على المعاندين أن ينكروها ولا يمكن لهم تعليلها بغير الإقرار والإذعان بخالق مدبر وفق

стр. 124

الناموس الطبيعي الذي خلقه وقدره ﷻ لنزول المطر بهذا القدر الذي توجد به الحياة، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة، والالتفات هنا إلى المتكلم دون إيراد الضمير لنفي شبهة عودة الضمير إذا ذكر على غير الخالق الأعظم الفرد الصمد الواحد الأحد. وتدبر آثار الإبداع الإلهي في الحدائق كفيل بتمجيد الصانع الذي أبدع هذا الجمال العجيب فأمواج من الألوان تتداخل في خطوط متشابكة متناسقة, ووريقات تنظيم متكاثفة مرتبة منمقة تتقاصر دونها عبقرية الفن حديثا وقديما فضلا عن سر تعدد الألوان في الزهرة وفي الورقة الواحدة، ونمو الحياة في الشجر والجذور والأغصان ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ فما يزال سر الحياة في النبات بل وفي الإنسان مستغلقا على المتخصصين فما يملك واحد منهم أن يقرر كيف جاءت هذه الحياة إلى الزهرة أو الحشرة أو الحيوان أو الإنسان فهل مع الخالق الأعظم إله؟ أإله مع الله؟ وإذن فلم يعدلون ويسوون في العبادة بين الخالق الأعظم، وما يزعمون من إشراك؟ والأرض التي جعلها الله قرارا للحياة لو تغير وضعها من الشمس أو من القمر أو تغير شكلها أو حجمها أو دورانها أو محورها أو تغيرت عناصر الجو فيها. لما كانت الأرض صالحة للحياة والأنهار والرواسي فيها عوامل النماء والحياة وعوامل الاستقرار والثبات١.

стр. 125

والفاصل بين مياه البحرين من الكثافة أو البرزخ الحاجز بين البحرين، فقد جعل الله النهر أخف كثافة من ماء البحر فيظل مجرى كل منهما منفصلا مميزا عن الآخر لو التقيا لا يمتزجان ولا يبغيان، فمن فعل هذا كله؟ أإله مع الله؟ إنهم قوم لا يعلمون، ومصدر الإيمان هو العلم وإدراك النواميس الإلهية ومنها هذا الوحي أساسه العلم فالمعاندون منكرون لهذا الوحي لأنهم لا يعلمون كما أنهم لا يعلمون شيئا عن حقيقة الكون، ثم تتجه الآيات إلى لمسة وهمسة في الوجدان والمشاعر. من يجيب المضطر؟ في لحظات الكربة والضيق لا يجد البشر لهم ملجأ إلا الله يدعونه فيكشف عنهم السوء عندما يشتد الكرب، وتضعف القوى وتتخاذل الهمم، وتتهاوى المؤزرات ولا يجد الفرد الإنساني له قوة ولا لخلاصه سبيلا، فيتجه إلى الله رب الكون كله فيصرف عنه السوء. إن لحظة الكرب توقظ الفطرة فتلجأ تلقائيا إلى بارئها فتجده برا رحيما، وتلك حقيقة كائنة في الفطرة الإنسانية يسوقها القرآن الكريم للمعاندين في مجال حقائق الكون كله لعلهم يستبصرون أإله مع الله؟ كلا.

стр. 126

وتمضي اللمسة القرآنية تستحث المشاعر نحو استخلاف الجنس البشري لهذه الأرض يخلف بعضهم بعضا. إن هذه الخلافة تذكرهم بقصتين: أ- الطوفان الذي طهر الله به الأرض من الكفرة عبدة الأوثان، والأصنام في عهد نوح. والمعاندون على هذه الصفة وأسباب إهلاكهم قائمة ومماثلة. ب- التناسل وهو من منح الله وعطاياه لو شاء لجعل المعاندين عقما. إن نواميس الاجتماع والاستخلاف مرتبطة بالتناسق الفذ الذي أوجده الله في هذا الكون. والله هو الذي قدر الموت والحياة واستخلف جيلا بعد جيل ولو لم يحدث هذا الاستخلاف لأبطأ سير الحياة وتعطل عمل العقل والتفكير لأن تجدد الأجيال هو الذي يسمح بالمحاولات والتجارب وتجدد أنماط الحياة دون تصادم بين طريقة التفكير للسالفين وطريقة التفكير للحاضرين فلو عاش الكل لتضخم التصادم، وكثرت الاعتراضات وازدحمت الحياة بالشلل وتوقف الركب عن السير. لعلها حقيقة موجودة يلمسها الفكر ولكنكم قليلا ما تذكرون؟ وهم يسلكون فجاج الأرض، برا وبحرا ويضربون في الأرض بتجارتهم ليلا ونهارا برا وبحرا، فمن يهديهم في ظلمات البر والبحر؟ من أودع في كيانهم القوى المدركة للتعرف على سبل الهداية؟

стр. 127

من سخر لهم النجوم ليهتدوا بها وجعلها علامات؟ من وصل فطرتهم وقدرتهم وطاقتهم بفطرة هذا الكون. من هداهم هذا العقل وتلك الحواس التي تدرك وتعي وتفهم وتستنبط وتنتفع بما سخره الله في هذا الكون من آلاء. أإله مع الله؟ كلا، تعالى الله عما يشركون. وتلك الرياح مهما قيل في أسباب تكوينها فلكيا وجغرافيا يبقى تسييرها إلى أماكنها التي قدرت لها حاملة الرزق مبشرة بأسبابه تتجلى رحمة من رحمات الله. فمن الذي فطرها وسبب لها أسبابها. أإله مع الله؟ كلا تعالى الله عما يشركون. وهذه الحقيقة حقيقة الخلق واقع ملموس يشهدون به إذا سئلوا فلا يملكون إنكارا ولا يقدرون على تعليل له غير وجود إله واحد لأن آثار صنعته ملجئة للإقرار بوحدانيته. من الذي يبدأ الخلق ثم يعيده. أإله مع الله؟ كلا. والرزق في السماء هو آثار تابعة لمالك الخلق بدءا وإعادة, ورزق الناس من الأرض يتمثل في صور منها: انفلاق الحب والنوى. وصب الماء من المزن صبا. واستخراج كنوز البحر والبر.

стр. 128

وقوانين طبيعية وكيماوية أودعها الله الواحد القهار في هذه البسيطة فمن ذللها وهيأها؟ أإله مع الله؟ كلا. ورزق الناس من السماء يتمثل في صور منها: الضوء والحرارة. والمطر. والمد والجزر في البحار. والهواء والرياح. من الذي سخرها وأهداها؟ أإله مع الله؟ كلا. إنهم ليعجزون عن إقامة برهان وهو عجز مستمر منذ طرح هذا السؤال في البيئة الأولى لمولد الدعوة حتى يوم القيامة وفي كل عصر وزمن فإن الفطرة السليمة تنطق ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ . إنه الله الواحد الأحد الفرد الصمد لا شريك له ولا ولد وهكذا يجلو القرآن الكريم فطرة الإنسان؛ لتصفو صفحة العقل من ترهات التقاليد والعادات, وتتخلص خلايا المخ من مواريث الآباء والأجداد, وهنا يظهر المنهاج القرآني الذي استخدم في هذه المرحلة. إنه كشف حقائق الكون وحقائق النفس حتى لكأنها تبدو إطارا واحدا يأخذ بالقلوب ويوقظ الفطرة ويجلو العقل ويستجيش الوجدانات ويبرز مركوز الحقائق في المشاعر التي تغشيها الغفلة

стр. 129

ويحجبها الجمود وتطمسها موروثات الآباء والأجداد، حتى تظهر الحقيقة حية ثابتة في تصميم هذا الكون وفي أغوار النفس واضحة قوية لا يملك لمعاند معها مراء ولا جدالا, فتنطق وقد صفيت من الركام المعنكب ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ١. وهكذا تبرز طريقة القرآن في منهاج التفكير متسقة مع الفطرة الإنسانية مغايرة لمقولات المناطقة الفاسدة فلا تستطيع أن تجعل آية دالة على الخلق دون القصد, ولا آية دالة على القصد دون العناية ولا آية دالة على العناية دون التدبير للرحمة والرأفة بالعباد، وأن مجرد إثبات الخلق إلى الله يكفي في إثبات القصد والترابط والعناية والتدبير. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ ٢. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ ٣. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ ٤. فكل آية في كتاب الله جل شأنه سيقت لإثبات الوحدانية في الذات هي دليل كوني ودليل رباني، ودليل استعلائي. وتلك صفة ممتازة للأسلوب القرآني بالإضافة إلى أنه يتوجه إلى: ١- العقل يوقظه عن طريق استجاشة الفطرة.

стр. 130

٢- وإلى الوجدان يستحثه لينتفض العقل من ثباته. ويهيج المشاعر بحقائق الكون وحقائق النفس ويضعها جميعا أمام مشاهدات الحس والوجدان. ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١. ذلك رد على سؤال سابق: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ . وهو سؤال استنكار وتهكم؛ لأنهم يعرفون أن آلهة الأرض اتخذت زلفى، ولكن تسميتها آلهة وهي عاجزة عن الفعل بالمشاهدة والواقع هو ما يريد القرآن أن يلفت أنظارهم إليه. إن الوصف بالألوهية مرتبط بالفعل وانتظام الكون لا يصدر إلا عن إرادة واحدة والإرادة الواحدة لا تصدر إلا عن إله واحد. والكون قائم على ناموس واحد وترتبط جميع أجزاء الكون بهذا الناموس الواحد، وهو من صنع إرادة واحدة لآله واحد, فلو تعددت الذوات لتعددت الإرادات. إذًا تعددت النواميس تبعا لتعدد الإرادات, والإرادة هي مظهر الذات والناموس مظهر الإرادة النافذة, فإذا ما تعددت النواميس التي تنسق الجهاز الكوني تتصادم وتختلف وتضطرب الموجودات فيفسد العالم على فرض وجوده, وذلك شعور يحس به الفرد إذا تعددت إرادته البشرية نحو فعل شيء معين.

стр. 131

وتحس به الأسرة إذا ازدوجت فيها الإرادة المنظمة، وتحس به الدولة إذا تعددت فيها الرياسة، وذلك الإحساس في الواقع البشري إحساس فطري, فما بال هذا الكون عاليا وسافلا وقد أودع من القوانين ما تربط بين أجزائه قوة واحدة صانتها إرادة نافذة واحدة، هي إرادة إله وحد، أتستقر أمور هذا الكون لو تعددت الإرادات النافذة لتعدد الآلهة. أيعيش الفرد متصفا بالاتزان عند الناس إذا عرف عنه التردد لتعدد إرادته نحو: هل يفعل أولا يفعل؟ أتسعد الأسرة إذا ازدوجت فيها إرادة التنظيم؟ وإذن فكيف يكون العالم علوية وسفلية إذا تعددت الإرادات بتعدد الآلهة؟ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . إن الفطرة السليمة البريئة من أمراض المواريث الاجتماعية لتشهد شهادة فطرية بوحدة الناموس للوجود كله، ووحدة الإرادة النافذة التي أوجدته ووحدة الخالق المدبر لهذا الكون المنسق المنظم المرتب الذي لا يطرأ عليه خلل ما دام في رعاية الله١. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ٢. وإذن يأتي التكليف الطبيعي للبشرية عامة.

стр. 132

﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ١. هنا يأمر الله أنه لا ينبغي أن يعبد إله سواه؛ لأنه وحده مالك كل شيء وخالق كل شيء ورب كل شيء والتعبير هنا متجه إلى التقرير ولهذا أتى بالوصف "اثنين" لنفي التعدد مطلقا وإتاحة الفرصة للعقل ليفهم مفاد القصر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ويتبع قصر الوحدانية على الذات بقصر آخر لازم للأول وهو قصر الرهبة عليه وحده ﷻ دون واسطة أو شبيه أو نظير٢. إنما هو إله واحد وإنما هو كذلك مالك واحد، وله ما في السموات والأرض, ولا دين منذ الأزل إلا دينه، وله الدين واصبا لازما مستمرا، وهو منعم واحد. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤.

стр. 133

ثانيا: وحدانية الصفات: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١. ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٢. ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٤. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٥. ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٦. ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ٧.

стр. 134

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١. ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢. العلم: الذي يتتبع آثار علم الله في إرجاء الكون الفسيح ينطلق خياله من وراء هذا النص القصير مرتادا آفاق المعلوم والمجهول متخطيا عالم الغيب وعالم الشهود وراء هذا الكون المشهود، وأنه في هذا التتبع ليرتعش وهو يستقبل الصور والمشاهد من كل فج وهو يرتاد أستار الغيوب المختومة في الماضي والحاضر والمستقبل, ومفاتحها كلها عند الله لا يعلمها إلا هو ويجول وهو يرتاد بعقله وفؤاده وخواطره في مجاهل البر وغيابات البحر المكشوفة كلها لعلم الله الواسع المحيط بكل أبعادها وخفاياها وأسرارها، ويتتبع الأوراق الساقطة من أشجار الأرض فلا يكاد يحصيها عدا, ولا يعرف زمن سقوطها وعلاته, وعين الله على كل ورقة تسقط هنا وهناك ويلحظ المتجول كل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض أنها لا تغيب عن عين الله طرفة عين، ويرقب كل رطب ويابس في عرض هذا الكون وفي طوله يجده لا يستطيع أن يند عنه شيء عن علم الله المحيط.

стр. 135

إنها جولة تدير الرءوس وتذهل العقول، جولة في آماد من الزمن وفي آفاق من المكان، وفي أغوار من المناظر المنظورة والمحجوبة، المعلومة والمجهولة، إنها جولة بعيدة مترامية موغلة ترسم دقائق هذا الكون في جمل قصيرة يعيا عنها الفكر البشري، ذلك أنه إذا أراد أن يتحدث عن مثل هذا العلم الشامل المحيط فإنه لا يستطيع أن يصور هذا الارتياد في مجموع هذه الآفاق فإن مطارح الفكر البشري وانطلاقاته في هذا المجال لها طابع آخر ولها حدود مرتبطة بقدرته البسيطة ومعارفه القليلة القلة فإنه ينتزع تصوراته من اهتماماته وهو عادة لا يهتم بإحصاء الورق الساقط من الشجر في كل أنحاء العالم وجهات الأرض، فتأتي الإشارة هنا إلى أن علم الله شامل ومحيط ومحص لكل شيء حتى الورقة التي تسقط من غصنها ... إلخ. إن هذا المشهد والمشاهد التي بعده. الحب المخبوء في أغوار الأرض والرطب واليابس في أرجاء البسيطة لا تلحظه البشرية ولا تلم به ولكن هذا المشهد بكلياته وجزئياته منكشف تماما بجملته وأسراره لعلم الله وحده فهو ﷻ المشرف على كل شيء المحيط بكل شيء. الحافظ على كل شيء الذي تتعلق مشيئته وقدرته بكل شيء الصغير مثل الكبير والحقير مثل الجليل، والمخبوء مثل الظاهر والبعيد مثل القريب، والمزاولون لهذا الإحساس من بني البشر يدركون جيدا أن مثل هذا المشهد لا يخطر على القلب البشري فتدرك أن مصدر هذا الكتاب من عند علام الغيوب الذي وسع علمه كل شيء١.

стр. 136

والعين الخائنة تجتهد دائما في إخفاء خيانتها ولكنها لا تخفى على الله، والسر المستور تخفيه الصدور ولكنه مكشوف لعلم الله، حتى السر الذي لا تدركه العقول مما سيخفيه المرء مستقبلا ولايدركه في يومه مكشوف لعلم الله إنه يعلم السر وأخفى. إن الله له ملك السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، لله ما في الوجود كله, وإذن، فيعلم السر وأخفى، جزء من هذا الذي له ويملكه في السموات وفي الأرض، وما بينهما وما تحت الثرى، وبين المستور في كل هذا والمستور في الصدر انسجام يتسق في الفكر يصور مفهوم العلم لله جل شأنه أنه لا يدع شاردة ولا واردة إلا أحصاها١. ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ ٢. ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٣. قال ابن كثير: "أي يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض والحب والبذور والكامن فيها، ويعلم ما يخرج منها من ذلك عدده وكيفيته وصفاته أي الجميع مندرج تحت علمه فلا يخفى عليه شيء"٤.

стр. 137

فكم من شيء في اللحظة الواحدة يلج في الأرض ويخرج منها وكم من شيء في اللحظة الواحدة ينزل من السماء ويعرج فيها؟ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض إنه وصف أعلى من مستوى تفكير البشر فأنى لهم أن يتحدثوا عن شمول العلم وإحاطته ودقته بمثل ما صورته هذه الآيات وأنها لتدل بألفاظها وأبعادها البعيدة في آفاق الكون والنفس إن الذي يصف نفسه ويصف علمه بما يعلم من الأوصاف التي لا تخطر للبشر على بال١ واحد في كل شيء فهل ما يعبدون من دون الله لهم شيء من هذا؟ كلا, إنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ . لا تدركه الأبصار: لم يوهب الإنسان قدرة على إدراك ذات الله ذلك لأن الحادث الفاني بتركيبه يعجز عن أن يرى الأزلي الأبدي. ووظيفة الإنسان على الأرض هي عمارتها باسم الله, وتلك الوظيفة قد أعين عليها الإنسان ووهب مستلزماتها, ورؤية الله لا تدخل في هذه المستلزمات, ويستمر هذا الدليل في كل عصر باقيا قويا مقنعا, ففي العصر الحديث يكثر الحديث عن الذرة وعن الكهرباء والبرتون والنيوترون ولكن واحدا منهم لم ير ذرة ولا كهربا ... إلخ. فالجهاز المكبر الذي يضبط هذه الكائنات ليراها المتحدثون جميعا لم يوجد بعد ومع هذا فهي مسلمة لهم مع أن الذرة حادثة والكهرب حادث وهي قوانين مودعة في الكون كل ما يفعله الإنسان أن يكتشفها فقط ومع وجودها فهم

стр. 138

لا يرونها ويثقون في وجودها عن طريق آثارها. فالله لا تدركه الأبصار وتدركه البصيرة في آثاره ونعمائه ومخلوقاته: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ ١. كن فيكون: كل أمر يريده جل شأنه لا يحتاج في إيجاده إلى زمن ولا مكان ولا مادة إنه يوجد في لمح البصر أو أقرب، إن كل أمر يريده الله تعالى عظم عظمة السموات والأرض أو صغر صغر التلفظ بالنون والفاء مدغمتين على طريقة تجويد آيات القرآن الكريم. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢. فهل لما يشركونه بالله في العبادة له شيء من هذا؟ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ ٣. ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.

стр. 139

يخلق ما يشاء ويختار: إن الله جل شأنه يخلق ما يشاء وليس في الكون كله من يملك أو يقدر أن يقترح على الله شيئا، ولا أن يزيد أو ينقص في خلقه شيئا، ولا أن يعدل أو يبدل فيه شيئا. إنه وحده جل شأنه يختار من خلقه ما يشاء ومن يشاء لم يريد من الوظائف والتكاليف والمقامات وليس لأحد الخيرة لا في شأن نفسه ولا في شأن غيره ومرد الأمر كله إلى الله. ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ١. فهل ما يشركه المشركون مع جلال الله في العبادة له شيء من هذا؟ ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢. ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ٣. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ﴾ . هذا الكون على اتساعه وانفراج ما بين أبعاده ما نعلم منه وما لا نعلمه ما نراه وما لا نراه، كل هذا الكون كله، كله، كله، هالك زائل ذاهب؛ المال والجاه والسلطان، والقوة والحياة والمتاع, الأرض

стр. 140

ومن عليها والسموات ومن فيها وما بينهما مما لا يعلمه إلا الله هالك زائل ويدخل في ذلك ما يعبدونه من دون الله. ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ ١. ويبقى وجه ربك وله الحكم يقضي بما يشاء ويحكم كما يشاء، ولا يشركه في حكمه أحد ولا يرد قضاءه أحد ولا يقف لأمره أمر. ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ ٢. غافر الذنب: يعرف الله عباده بصفاته ذات الأثر الموجود في حياتهم ووجودهم. وتلمس آيات القرآن الكريم مشاعر القوم وقلوبهم فيثير الرجاء فيهم أو الخوف والخشية، ويشعرون بأنهم في قبضة رب عزيز لا يغلب ويصرف الأمور بإرادته هو. ولا معقب لحكمه وهو رب عليم يدبر الأمر على خبرة وعلم محيط. محيط بأرجاء الكون كله. وهو مع هذا غافر الذنب وقابل التوب بر رحيم يعفو عن كثير ويفتح باب التوبة بلا حجاب. ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ ٣.

стр. 141

ومع عفوه وبره وحلمه فهو شديد العقاب يدمر المتكبرين ويعاقب المارقين الذين لا يعودون ولا يستغفرون. إنه ذو الطول يعطي بغير حساب. فهل لما يشركون من هذه الصفات شيء؟ إنهم لا يعرفون عن آلهتهم وصفا مضبوطا ولا يتبينون ماذا يسخطها وماذا يرضيها فيعيشون معها في قلق، فهم لا يدرون موضع سخطها ولا موضع رضاها. إن كل ما يقدمونه من الضحايا والذبائح والرقى والتمائم يدفع إليه وهم وتخمين لعلها ترضى! وجاء الإسلام واضحا ناصعا يصل الناس بخالقهم الواحد يعرفهم صفاته ويبصرهم بمشيئته ويعلمهم كيف يتقربون إليه، وكيف يرجون منه الرحمة ويخشون عذابه ويسألونه العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة١. ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ ٢. وله الكبرياء في السموات والأرض: إنه صوت التحميد والتمجيد ينطلق معلنا ربوبية الله وحده في هذا الوجود سمائه وأرضه، إنسه وجنه، طيره ووحشه، علويه وسفليه، نباته وجماده وسائر ما فيه ومن فيه فكلهم في رعاية رب

стр. 142

واحد يدبرهم ويرعاهم وله الحمد على الرعاية والتدبير وله الكبرياء كذلك, الكبرياء المطلقة في هذا الوجود حيث يتصاغر الكل وينحني الجميع ويستسلم كل متمرد. ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ١. ومع الكبرياء والربوبية فلله القدرة القادرة والحكمة المدبرة، وهو العزيز الحكيم، والحمد لله رب العالمين٢.

стр. 143

ثالثا: وحدانية التدبير وتصريف الملك: أ- التدبير: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾ ٢. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ٣.

стр. 144

﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ، وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ، وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. تلك محاولة يعالج بها القرآن الكريم الاتجاه الفكري عند المعاندين وهي محاولة تتوجه إلى تخليص العبد من هموم ليست في قدرته ولا في استطاعته أن يفعل فيها شيئا مهما تعاون البشر طرا أو انفردوا آحادا.

стр. 145

إن الذي يشغل المرء ويفسد عليه قلبه هو انشغاله بما ليس في استطاعته والقرآن في هذه النماذج من الآيات المكية يوضح للعقل منهاج تفكير منظم. إنه -أي القرآن الكريم- سيقدم له تحديدا لارتباط الإنسان بهذا الكون الذي يعيش فيه وخضوع الكون كله لله رب العالمين. والارتباط أو العلاقة بوجود الإنسان في هذا الكون مجالها: الرزق. والعمر. والأولاد. وقد ضمن الله له الثلاثة وليس في مقدور أحد من البشر أن يعبر بالزيادة أو النقص ... منها شيئا ما. والرزق والعمر والأولاد دائرات في فلك الكون، والكون كله ساجد مسخر بإرادة الله جل شأنه، فهل لمن يشركونهم في عبادة الله من أصنام وجن وملائكة شيء في هذا التدبير الإلهي؟ الرزق: أودع الله الأرض التي يعيش عليها كل من يدب الإمكانات القادرة على تلبية حاجات هذه المخلوقات الهائلة الجمة جميعا، وأودع لله في هذه المخلوقات القدرة على الحصول على رزقها من هذا المودع في الأرض بأية صورة من صور الإنتاج قديما أو حديثا حتى إن بعض
следующие страницы →