← Сира

Сира · id 11736

الدعوة الإسلامية في عهدها المكي مناهجها وغاياتها

رؤوف شلبي

Полный текст (713 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الخطوة الثانية: سيدنا إبراهيم وعباد الأصنام ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا، قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا، وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ ١. بهذا اللطف في الحديث والأدب الجم في الخطاب يتوجه سيدنا إبراهيم إلى أبيه الذي يحاول أن ينقذه من الضلالة ويهديه إلى الخير الذي هُدي إليه وعلمه الله إياه٢. وبألفاظ المحبة والنداء الرخي، يا أبت يسأل في حنان الابن البار لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا؟ فالأصل في عبادة الإنسان أن يتوجه بها إلى من هو أعلم وأقوى وأعظم من الإنسان، فكيف تتوجه بالعبادة إلى صنم أصم أبكم أخرس قعيد لا ينفع ولا يضر فهو في مرتبة أدنى من الحيوان.

стр. 72

ثم يعزز هذه الدعوة المؤدبة بأنه لا يقول هذا من عندياته إنما هو العلم الذي جاءه من عند الله فهداه, وهو وإن كان ابنا، ولكن المدد الإلهي وهبه من الفقه والمعونة والمدد ما جعله يفقه ويعرف الحق، فهو ينصح أقرب الناس إليه، ولا غضاضة في أن يتبع الوالد ولده، ما دام الولد قد جاءه من العلم ما لم يأت الوالد١. وبهذا كشف سيدنا إبرهيم لأبيه عن حالتين: الأولى: تفاهة الأصنام وحقارتها عقليا وواقعيا. الثانية: المصدر الذي يتلقى منه الدعوة ويعتمد عليه في التبليغ، فينتقل إلى الغاية من الدعوة. إن الطريق الذي يسير فيه والده هو طريق الشيطان وإبراهيم يريد أن يهديه طريق الرحمن. ولكن اللطف اللطيف في هذه الدعوة لم يصل إلى قلب المشرك العاتي فجابهها بالاستكبار والتهديد ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ . جهالة قاسية في مقابل قول مؤدب مهذب رقيق حليم ولكن الداعية لم يغضب ولم يرد أن يفقد بره مع أبيه فرد عليه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ فلا مراء ولا جدل ولا أذى ولا رد مني على التهديد ولكن سأتوجه إلى ربي بالدعاء لعله يهديك٢.

стр. 73

وبذلك تتحدد خطوات الداعية في التعامل مع الناس دائما، أن يقدم الدعوة بقلب صادق واثق، وأسلوب رفيع مهذب، وأن لا يجابه التحديات بعنف أو بمثيل لها، وأن يتخذ موقفا ذاتيا حازما، ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ليستمر على طريقته التي يدعو الناس إليها. يقول ابن كثير حول هذا الموقف: "واتل على قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام واذكر لهم ما كان من خبر إبرهيم خليل الرحمن الذين هم من ذريته ويدعون أنهم على ملته وقد كان صديقا نبيا مع أبيه كيف نهاه عن عبادة الأصنام. فقال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررا: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ وإن كنت من صلبك وتراني أصغر منك لأني ولدك فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه ولا جاءك ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ طريقا مستقيما١. واستمر سيدنا إبراهيم وفيا يستغفر لأبيه فلما تبين أنه عدو لله تبرأ منه. لقد تبرأ سيدنا إبراهيم من أبيه ومن قومه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢.

стр. 74

هكذا يقولها إبراهيم لأبيه وهو الموصوف في القرآن الكريم ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ سمح لين رضي الخلق ولكن، الأمر هنا أمر حزم وتمييز بين الحق والباطل فهي العقيدة التي تعلو وتسمو فوق روابط الأبوة والبنوة وفوق مشاعر السماحة واللين والحلم، وإبرهيم قد أراده الله أن يكون هو القدوة للمسلمين، لمن بعده جميعا يأتسون به ويأتسون بموقفه فأعلنها: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . وتطوف بنا آيات سورة الأنبياء حول المعركة الصاخبة التي دارت بين سيدنا إبراهيم ﵇ وقومه وهو يحاجهم بالحسنى والقول الواضح ليهديهم السبيل السواء يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ، قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ، قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ، قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .

стр. 75

﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ . فهو واثق وثوق الذي يشهد على واقع لا شك فيه أبدا أن الله الحق هو رب الناس ورب السموات ورب الأرض, فالأمر من الوضوح والثبات والاستقرار في نفسه ﵇ بلغ حد أنه يشهد على ذلك وهو واثق متأكد، فإن كل ما في الكون ينطق بوحدانية الخالق الأعظم المدبر، وأن كل ما في الكيان الإنساني ليهتف به: أحد أحد فرد صمد لا شريك له ولا ولد. فقابل سيدنا إبراهيم شك التائهين في متاهات الشرك بيقين الصادقين المتثبتين من وحدانية الله الفرد الصمد وهو على ذلك من الشاهدين. وعندما تصل الأمور إلى هذا الحد فلا بد من موقف إيجابي تجاه هذا الباطل المتمرد فعزم على أن يكيد لهم, وهنا تجيء آيات سورة الصافات لتشرح الحالة النفسية لسيدنا إبراهيم التي جعلته يتخذ هذا الموقف الإيجابي من قومه ومن الأصنام: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ، فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ، فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ، فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ، مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ، فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ ١.

стр. 76

كان للقوم عيد يخرجون فيه يومها إلى الحدائق والبساتين بعد أن يضعوا بواكير الثمار بين يدي أصنامهم لتباركها وبعد أن يتنزهوا يعودون إلى الأصنام ليأخذوا طعامهم المبارك١. فلما كان ذلك اليوم وكان سيدنا إبراهيم قد يئس من استجابتهم للحق الأبلج وأيقن من انحراف فطرتهم وأن إصلاحها صار عسيرا اعتزم أمرا. فلما دعوه يوم عيدهم إلى الخروج معهم, قلب نظره إلى السماء, وقال لهم: إني سقيم لا طاقة لي بالخروج معكم إلى المتنزهات, فالذي يخرج إليها إنما هو طالب اللذة والمتعة خالي القلب، وقلبي لم يكن في راحة من أمركم ولا يستروح مشاركة الراحة معكم. ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ تصوير لمدى ما بذله معهم من الجهد ليخرجهم من الظلمات إلى النور فأبوا. ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ إنه مخلص صادق في مواجهة قوم بلداء الحس كاذبي الوجدان. وذهب سيدنا إبراهيم إلى الأصنام والثمار الجنية أمامهم طيبة شهية كما هي لم يأكلوا منها شيئا فقال لهم متهكما مستهزئا: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ ؟

стр. 77

ويستمر سيدنا إبراهيم في تهكمه وهو ممتلئ بالغيظ: ما لكم لا تنطقون؟ ولم تجبه الآلهة الكاذبة فراغ عليهم ضربا وتكسيرا يشفي نفسه من السقم والهم والضيق١، لقد جعلهم سيدنا إبراهيم جذاذا إلا كبيرا لهم كما تتلوا علينا آيات سورة الأنبياء. لقد تحولت الآلهة المعبودة في يوم العيد إلى قطع صغيرة من الحجارة والخشب وتحول المعبد المقدس إلى مخزن لأكوام من الحجارة والأخشاب المهشمة. وترك سيدنا إبراهيم الصنم الأكبر دون تكسير لعلهم إليه يرجعون. يرجعون إلى الإله الأكبر يسألونه أحد سؤالين أو هما معا: ١- هل أنت الذي ثرت على الآلهة الصغيرة؟ ٢- فإن لم تكن أنت فلماذا وأنت الإله الأكبر لم تتحرك لتدافع عن قداسة الآلهة؟ إنك أيها الأكبر مذنب في كلتا الحالتين. ومجرد الرجوع إلى الصنم الأكبر تبطل فكرة ألوهيتهم؛ لأن العابد يحاكم المعبود والأدنى يحاكم الأعلى وإذن فقد فسدت قضية التقديس المزعومة للأصنام. ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ . لعلهم يراجعون القضية من أساسها بعد أن تهشمت الأصنام فيعودون إلى صوابهم ورشدهم ويدركون سخف وتهافت وتفاهة عبادتهم للأصنام٢.

стр. 78

﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ، قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ، فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ، ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ، قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ، قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ ١. لقد هدى الله سيدنا إبراهيم إلى التوحيد وعلم جل شأنه أنه أهل لحمل الأمانة وتوصيل الرسالة ودلت على ذلك٢ مقالته لأبيه وقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ فسماها تماثيل ولم يصفها بما يدعون لها من وصف الألوهية. واستنكر عكوفهم على عبادتها عكوفا وجدانيا قلبيا وهي سخرية بقلوبهم التي تتحرك بحب حجر قعيد أصم ولكنهم كانوا أغبياء لم يعللوا هذا العكوف وتلك المحبة بمنطلق موزون أو علة كريمة بل قالوا: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ .

стр. 79

وهو جواب ينطق بالبلادة وتحجر العقل وعمى القلب وقوقعة نفوسهم في قوالب ميتة من التقاليد، لقد حكموا على أنفسهم بالسجن ورفضوا حرية الإيمان وانطلاق العقل من عقال التقاليد والموروثات المتحجرة وإزاء هذا كان الرد الصارم، قال: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . إن عبادة الآباء لا تكسب هذه التماثيل قيمة، ولا تخلع عليها قداسة هي غير مستحقة لها في الأصل ولا في الفكر ولا في الواقع المشهود، والقيم أيها القوم لا تنبع من تقاليد الآباء الأقدمين وإنما تصدر عن تقويم طليق موزون يحترم العقل وتوافق عليه الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وكأنما أحس وجدانهم المتبلد بشيء من نور الحقيقة زعزع الفساد الذي انطوت عليه صدورهم فاتجهوا إلى سيدنا إبراهيم. قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ . وهو سؤال ينبئ عن عدم اطمئنان وتعطل في الفكر وتبلد في الروح بسبب الوهم الذي تراكم على قلوبهم من تعظيم التقاليد فهم لا يدرون، أحق ما قاله إبراهيم أم لعب؟ وذلك هو التيه الذي يعيش فيه كل من لا يدين بالتوحيد الخالص الناصع ويقبله العقل المستقيم المستنير، ولقد كان إبراهيم كامل العقل والاستنارة فرد عليهم.

стр. 80

وعاد القوم ليروا آلهتهم جذاذا إلا كبيرا لهم، وكان ينبغي أن يرجعوا إلى الصنم الأكبر يسألوه، كيف تحطمت هذه الآلهة وأنت لا تزال هكذا؟ أأنت الذي فعلت؟ أم غيرك؟ ولماذا لم تدافع عن حماك وقدسيتك وأخواتك الصغار من الآلهة؟ كان ينبغي أن يسألوا "الكبير" هذا السؤال ويحاسبوه ويحاكموه لفعلته هذه، ولكن الخرافات التي آمنوا بها قد عطلت عقولهم عن التفكير, وسدت التقاليد عليهم منافذ الفكر كله، وأفسدت المواريث القديمة عن الآباء طريق التأويل والتدبر فإذا بهم يتوجهون بالسؤال إلى مجهول: من فعل هذه بآلهتنا؟ ولأن الكفر مصدر الظلم فقد حكموا عليه بأنه: ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . وكان المجتمع كله هكذا غبيا معطل الحس فاسد العقل أعمى البصيرة وتذكر من تذكر إيعاد سيدنا إبراهيم للأصنام فقالوا: ﴿سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ وهو أسلوب متساوق مع تفاهة متلفظيه فإبراهيم رفيع الشأن على المنزلة. قالوا: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ . لقد أرادوا التشهير به وإعلان فعلته على رؤوس الأشهاد، وهكذا كان المجتمع كله في جانب مع الأصنام المهشمة وكان إبراهيم وحده في جانب مع الله الحق. وسألوه: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ؟ وهو سؤال الغبي العاجز المتعجل فهل الهشيم المتحطم ما زال يحمل اسم الآلهة؟ وهل يسأل بشر مثلهم أنه حطم آلهة عدة؟

стр. 81

وهل يسأل بشر مثلهم أنه تمكن من تحطيم هذه الآلهة في حضرة الإله الكبير؟ ويجيب سيدنا إبراهيم ﵇ متهكما: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ . وهي إجابة تتفق مع مستوى عقولهم لا كذب فيها ولا افتراء وإنما هي إجابة متهكم يوجههم إلى العبث في وصف أكوام الحجارة والخشب بآلهة، ويريد أن ينبههم إلى أن هذه التماثيل لا تدري من حطمها أهو أنا أم هو هذا الصنم الكبير الذي ما زال باقيا؟ وأنتم كذلك مثل هذه الأصنام لا تدرون هل أنا الذي حطمها أم كبيرهم، فإذا كان الإله هو مصدر المعرفة والحق فاسألوهم هم لا تسألوني أنا. وكأنما ومضة نور قد سطعت في غياهب ظلمات قلوبهم فتدبروا جواب سيدنا إبراهيم. فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ، لماذا تحكمون بالظلم على الفاعل قبل أن تتأكدوا منه ومن فعلته؟ ولماذا تظلمون إبراهيم؟ ١ ولكن الظلام الدامس يذيب هذه الومضة في غياهبه المتراكمة فينتكسون.

стр. 82

﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ؟ وإذن فما معنى هذا يا قوم؟ هل تكون الأصنام آلهة؟ يضيق إبراهيم بهم ذرعا ويجيب في عنف: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ؟ تلك الأصنام ميتة يابسة صلبة خرساء لا تملك لكم شيئا من نفع ولا من ضرر وقد رأيتموها مهشمة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا. ولا تملك أن تقول عندكم كلمة من فعل هذا بها؟ فلماذا؟ تعبدونها من دون الله أليس لكم عقل تفكرون به؟ أف لكم إنها أنة الداعية وقد ضاق صدره، وبخع نفسه على قومه حسرات من أجل أن يهديهم إلى الصراط المستقيم١. وتلزمهم الحجة ويعجزون عن الرد، فلا يملكون إلا الأسلوب الغوغائي. قالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ فما أحقرها من آلهة تعجز عن دفع الضرر عن نفسها وينتصر لها المتحجرون قلبا الأغبياء عقلا من الضالين من بني البشر. وتتجمع قوى الضلالة وتتحمس جماهير الكفر قالوا: ﴿حَرِّقُوهُ﴾ .

стр. 83

ولكن كلمة أخرى قد قيلت من الله العلي العظيم: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ١. وكانت: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ ٢. ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ ٣. وإذًا فيستقر في ذهن السامعين لهذه الدعوة حقيقتان: الأولى: تهافت وتفاهة وعبث عقيدة الأصنام. الثانية: أن السبب الكامل لا ينتج بنفسه مهما كان عظيما. فقد ألقي إبراهيم في النار وهي على عظمها لم تكن له إلا بردا وسلاما. فليترقب المخاصمون في مكة إذن تكسيرا لأصنامهم كما تكسرت الأصنام قديما بيمين جدهم إبراهيم وليعلموا ضعف مكرهم تجاه الدعوة وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال٤. الخطوة الثالثة: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ وإذن فقد تحدد الموقف: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . ﴿رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ .

стр. 84

وهذه الشهادة تأخذ مجرى مستفيضا من سيدنا إبراهيم في توحيده لله تعالى وجعل هذا التوحيد من ورائه تركة لأبنائه من بعده. يقول الله تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ، قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ، قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ١. إن كفار مكة يزعمون أنهم على دين أبيهم إبراهيم وأنهم من زرعه والقرآن هنا يتلو عليهم نبأ جدهم الذي استنكر عبادة الأوثان من أبيه وقومه. لقد خالف إبراهيم أباه وقومه في عبادتهم الأصنام وخالفهم في شركهم، وأنكر عليهم ما كانوا عليه من الضلال.

стр. 85

وناقشهم بالحسنى ليوقظ قلوبهم الغافلة ويستجيش أفئدتهم المتبلدة. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ . ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ . فأقل ما يتوفر في الإله الذي يعبد أن يكون سميعا أو له سمع على أقل تقدير يكون على مستوى من الحياة مثل الذي يعبد, فهل تسمع أصنامكم؟ ويعترفون بأن أصنامهم صماء, ويتعللون بأنهم وجدوا آباءهم كذلك يعبدون. يقول الآلوسي: فكأنهم قالوا: لا يسمعون ولا ينفعوننا ولا يضرون وإنما وجدنا آباءنا يفعلون مثل فعلنا ويعبدونهم مثل عبادتنا فاقتدينا بهم١. فهم إذًا لا يملكون حجة وجوابهم مخجل، قالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فهو الإشراك في كل زمن في مكة أو فيما قبلها لا يملكون جوابا حريا بالاحترام, ولا يخجلون من كشف عورة عقولهم وتعفنها بارتباطها بما فعل الأولون المنحرفون على غير هدى أو بصيرة. وأمام هذا التحجر العقلي والخيبة النفسية التي لا يرجى إصلاحها لم يسع سيدنا إبراهيم إلا أن يعلن في حزم: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ .

стр. 86

فلا مجاملة في العقيدة ولا ضعف أمام المجتمع المنحرف. وهكذا يعلم القرآن الإنسانية في هذا الفجر السحيق أن الآصرة الباقية المحترمة هي آصرة العقيدة وأن القيمة الأولى في موازين العلاقات الإنسانية هي قيمة الإيمان. فأعلن إبراهيم استنكاره لما يفعله أبوه وقومه بل وما يفعله آباؤهم الأقدمون، أن كل شرك هو عدو لإبراهيم ويجاهر ﵇ بهذه العداوة لآلهتهم وعقيدتهم هم وآباؤهم الأقدمون. ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ فقد كان في الآباء الأقدمين بعض آمن بالله فاستثنى لذلك احتياطا حتى لا ينسحب الحكم على كل ما عبد الأولون المؤمنون الموحدون, ثم هو تحديد للربوبية التي تعهد أنها خاصة برب العالمين ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ ، ويأخذ سيدنا إبراهيم في وصف هذا الرب الذي يدبر الأمر كله وهو موئل كل حجة وإليه المرجع والمصير في كل شيء. ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ، هو أعلم بي وبتكويني ومشاعري وحالي ومآلي فهو إذن الذي يهبني الهداية إلى الدين القويم وإلى المنهاج الذي ينبغي أن أسير عليه ليس الآباء الأقدمون هم الذين يهبوننا طريقة التدين أو الصراط السواء. ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ ، فهو الكفيل الحاني الرءوف الودود البر الرحيم يهب وسائل الحياة كلها. ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ، إذا لحقني مرض فإنما الشفاء من عنده هو وذلك نموذج لإعلان مفهوم الاعتقاد، فقد نسب إلى الله

стр. 87

تعالى كل شيء هو في مقام الأنعام والأفضال. "يطعمني, ويسقيني, ويشفيني". وتأدب مع ربه فنسب المرض إلى نفسه. ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ ذلك هو أمر إبراهيم جد العرب الذي يفتخرون بالنسب إليه ويدعون زورا أنهم على ملته. ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ، فالله الحق هو الذي يملك الموت والحياة وهذا أصل من أصول العقيدة وهو الإيمان بالبعث. كذلك عرف إبراهيم ربه حق المعرفة وما كان يطمع إلا في: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ . إنه الشعور بالربوبية وإدراك جلالتها وسلطانها وأية خطيئة لإبراهيم؟ ولكنه لا يبرئ نفسه لأنه في مقام دون مقام الربوبية وإن كان نبيا معصوما. إنه للأدب والحياء الذي تحلى به إبراهيم وهو شعور التقوى وشعور التحرج وشعور التقدير لنعمة الله تعالى وإدراك أن عمل العبد ضئيل جدا إذا قوبل بإنعام الله وإفضاله ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ . وهكذا يجمع سيدنا إبراهيم عناصر العقيدة الصحيحة: توحيد الله رب العالمين.

стр. 88

الإقرار بتصريفه لشئون البشر. البعث والحساب بعد الموت١. فضل الله وتقصير العبد مهما كان أوابا. وتلك هي محط النزاع بين المكيين ورسول الله محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام. قال ابن كثير في تفسيرها: هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم ﵇ إمام الحنفاء، أمر الله تعالى رسوله محمدا ﷺ أن يتلوه على أمته ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل وعبادة الله وحده لا شريك له والتبرؤ من الشرك وأهله٢، وجعلها سيدنا إبراهيم كلمة باقية في عقبه. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٣.

стр. 89

تقول قريش: المعاندة للتوحيد الذي جاء به محمد ﷺ إنها من ذرية إبراهيم وفي خطبة أبي طالب: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد١. فهذه النسبة حق. وتدعي قريش أنها على ملة إبراهيم وهذا ما ليس بحق فقد أعلن إبراهيم كلمة التوحيد قوية واضحة لا لبس فيها ولا غموض, ومن أجلها هجر أباه وقومه, وأعلن عدوانه لكل شرك, ووصى بنيه من بعده أن يقولوا: لا إله إلا الله صافية بريئة من شبه الشرك. وإذن فدعوة التوحيد التي ينكرها المجتمع المكي هي دعوة أبيهم إبراهيم٢. فلئن كانوا مستمسكين بما كان يعبده آباؤهم فها هو ذا أبوهم إبراهيم الذي يفتخرون بالنسب إليه نبي موحد خالص في التوحيد وقد جعل التوحيد من بعده تركة لأبنائه. يقول الآلوسي: "والكلام تمهيد لما أهْلُ مكة فيه من العناد والحسد والإباء عن تدبر الآيات وأنهم لو قلدوا آباءهم لكان الأولى أن يقلدوا أباهم الأفضل الأعلم الذين هم يفتخرون بالانتماء إليه وهو إبراهيم عليه السلام٣،

стр. 90

لعلهم يرجعون إلى "لا إله إلا الله" فليتزموا بها كما التزم بها أبوهم إبراهيم وبعث بها إليهم محمد الأمين. وبذلك وضحت عقيدة إبراهيم ولزمت الحجة للمعادنين وكان ذلك سبيل القرآن في معالجة هذه القضية؛ لأنها سوف تكون المنهاج الدائم مع اليهود في مستقبل الدعوة, إذ هم يدعون أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا، وهم كذلك ينتمون إلى أصل إبراهيم, فإذا ما ثبت في مكة أن أصول عقيدة إبراهيم هي التوحيد الخالص كان ذلك حجة على الآخرين مستقبلا ممن يدعون أنهم من ذرية سيدنا إبراهيم, ثم لا يسلمون. فقد كان إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين فهو منهاج يقرر في مكة ليكون في المدينة أمرا ثابتا لا يحتاج إلى مناقشة أو تدليل.

стр. 91

ثانيا: دعوة المعاندين إلى التجرد من المواريث الثقافية التي تبعدهم عن التفكير السليم في التوصل إلى الحقيقة رد العرب أيديهم في أفواههم ورفضوا دعوة التوحيد متعللين بأنهم وجدوا آباءهم على أمة وأنهم على آثارهم مهتدون, وقد ناقش القرآن الكريم في العهد المكي هذه القضية، وعلى طريقة المنهج القرآني في معالجة القضايا, فقد تصدى إليها, واستوى مناقشا من الجذر الأساسي. فلم يكن العرب وحدهم هم الذين اخترعوا هذه التعلة: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ , بل هي تعلة رددها الذين استحبوا العمى على الهدى، من قبل.

стр. 92

لقد قالها قوم نوح: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ ١. فقد رفض قوم نوح الإيمان بنبوته؛ لأنه لم يأتهم خبر من أسلافهم أن النبوة تكون لواحد من البشر. وهكذا يطمس التقليد على حركة الفكر وحرية القلب فلا يهتدي الناس لما بين أيديهم من الحق الواضح لأنهم ما زالوا متشبثين بركام الماضي وأوهامه. ومن المؤسف أن القرآن يدعوهم إلى التحرر من هذا السجن, ويعلمهم ألا يحيلوا أعذارهم على آباءهم وأجدادهم, بل إن القرآن لينعي على هؤلاء أن أعفوا أنفسهم من مؤنة التفكير والعقل؛ لأنهم ورثوا من آبائهم وأجدادهم عقيدة لا عقل فيها ولا شفاء للصدور٢. ويا ليت هؤلاء يدركون أنهم جامدون متحجرون، إنما هم يتهمون دعاة التحرر والانطلاق بالجنون أو بالسحر ... إلخ. ولما أصر هود على معالجتهم بكل وسيلة أيأسوه وقالوا له: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ وتعللوا لهذه السخافة٣: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ .

стр. 93

وإذن فمثل هؤلاء الجامدين لا يستحقون الحياة ولا العيش فجاءهم نصيبهم: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . لقد انتهى أمرهم في كلمتين: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ وطوي قوم عاد الجبارون, وطويت مصانعهم, وطوي معهم ما كانوا فيه من نعيم, وما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون١. وقالها من بعدهم قوم إبراهيم. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ ٢. فلم يكن لهم جواب ولا حجة سوى أنها صنيع آبائهم صنعة الضلال والغي، ويتكرر السؤال: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ ٣. فلم يكن لهم جواب غير: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ٤.

стр. 94

لم تكن لديهم حجة غير أن يكشفوا عن التحجر الذي يصيب المقلدين بلا وعي ولا تفكير١. إن الإسلام يرفض أن يستخدم الإنسان التعلة بالتبعية لما كان عليه الآباء في مقابل احترام العقل الذي وهبه الله ليكرم الإنسان به نفسه. وليقوم به الأشياء بقيمها الحقيقة والإيمان بالله هو أسمى الغايات التي يسعى إليها المرء وهم يعترفون بوجود الله إذا ما سئلوا لكن تحجبهم عن حقيقة الإيمان به سلطة العادات وجبرية التقاليد، وفي مقابل هذا يأمر الإسلام الفرد أن يستقل بمستواه العقلي عن الاستبداد الاجتماعي الموروث في التقاليد والعادات، فليس الإنسان تركة تورث وإنما هو إرادة تعمل ولن تبلغ إرادة الإنسان به مستوى التكريم إلا إذا آمنت بالله إيمانا خالصا من شوائب العادات، والتقاليد وجبرية مواريث الآباء والأجداد. لقد قالوا لسيدنا إبراهيم: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ . نفس المرض الاجتماعي والتعلة الفاسدة التي تعلل بها من قبل قوم نوح وهود ومنذ الزمن السحيق وهذه العلة مرفوضة لأنها قيد وهمي وكابوس خرافي على العقل الممنوح من الله للإنسان ليفكر به ويستقبل به ما يوحيه الله إلى الأنبياء من أجل هدايته.

стр. 95

وبعدما تصل المسألة إلى العرب المعاصرين لبدء الوحي فإن القرآن يحاول أن يخلع هذه العادة من جذورها الغائرة في أعماق النفس فيلومهم على ما كانوا يفعلونه قديما من حقوق ابتدعوها على مشركي العرب الذين يفدون لحج بيت الله، وأقاموا هذه الحقوق على تصورات اعتقادية زاعمين أنها تركة من عند آبائهم حللها إليهم الله١، عندئذ يكذبهم الله ويلغي هذه التبعية الباطلة كما جاء في سورة الأعراف: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢. وتمضي الآيات المكية تحطم هذا البيت العنكبوتي الذي طمس البصر، وضلل العقل فتنفي آيات سورة لقمان تعللهم بمسلك آبائهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ٣. إن هذا الموقف استجابة لدعوة إبليسية شيطانية مصيرها العذاب فهل هم سائرون في الطريق وراء آبائهم حتى جهنم؟ إنها لمسة مخيفة

стр. 96

مزعجة موقظة منبهة تعيد الرشد إلى فاقد الوعي، ولكن لمن ألقى السمع وهو شهيد١. وتطيل آيات الزخرف مع القوم مناقشة هذ التحجر البليد: بل قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢. قال ابن كثير في تفسيرها: ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد بأنهم كانوا على أمة. ثم بين جل وعلا أن مقالة هؤلاء قد سبقتهم إليها أشباههم ونظائرهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل تشابهت قلوبهم٣. فالقرآن في سورة الزخرف يربط مقالتهم بالمقالات السابقة من الأمم التي أهلكها الله بسبب هذا التحجر المتبلد: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٤. فيجلى طبيعة المعارضين عن الهدى إنها طبيعة واحدة تستخدم أسلوبها واحدا ليس هناك حجة لأنهم سدوا منافذ العقل، وألغوا وظيفة.

стр. 97

الفكر، وارتبطوا في حبال بالية واهية قائمة حتى ولو جاءهم بما هو أهدى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ١. فهي عقول طمس عليها وقلوب سدت منافذها. والقرآن يحاون أن يكشف عنها الغطاء ويقطع حبال التبعية الإبليسية فيعقب على مواقف السالفين دائما بعقاب صارخ صارم: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٢. ﴿مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ . إنها مقالة الذين يريدون علوا في الأرض وفسادا ولا يحبون الخير والهدى للناس لقد قالها المتعجرفون من آل فرعون وأذنابه إلى سيدنا موسى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٣. ولهذا فإن القرآن يجاهد في هذه المرحلة ليخلع معاندو الدعوة أغشية العمى وأتمال التقاليد وصدأ المواريث الثقافية التي حملوها أثقالا ثقالا من الآباء والأجداد الذين لا يعقلون، وتلك خطوة رئيسية

стр. 98

يحاولها القرآن بعد أن أوضح لهم ملة جدهم إبراهيم الذي يدعون النسبة إليه في النسب والتدين، حتى إذا ما انتهى دور التخلية وتجرد المعاندون من الهوى الموروث وتخلصوا من جبرية العادات وتحرروا من عبودية التقاليد صح لهم أن يرجعوا إلى أنفسهم ويشاهدوا دلائل التوحيد والتنزيه. ولذلك يأخذ القرآن الكريم في تصوير عواقب هذه التبعية لكل الذين يتعللون بما وجدوا عليه آباءهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ، ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ، إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ، فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ، وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ١. إنهم أصحاب عراقة في الضلالة؛ ضلالة التقليد والطاعة العمياء بلا دليل ولا تفكير ولا روية. فذلك مآبهم مزيج من حميم وغساق يشربونه مع الزقوم جزاء اتباعهم لما وجدوا عليه آباءهم من الضلالة دون تفكير أو برهان، فهم على آثار آبائهم يهرولون وهم سفهاء ملعونون٢. يقول شيخنا فضيلة الإمام الدكتور عبد الحليم محمود, ولكن العرب قابلوها بصراع فاتخذت الدعوة الإسلامية من أجل هدايتهم أحكم الوسائل.

стр. 99

نبهتهم إلى أنه ليس من المنطق أن يكون الإلف، وأن تكون العادة، أو العرف مقاسا للحق، فليس من المنطق إذا قيل لهم: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أن يقولوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ . لأنه من الجائز أن يكون آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون. وليس من المنطق أن يقولوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ . ثم أضاف الإسلام إلى ذلك تقدير المسئولية الفردية ليجتث بذلك كل محاولة من الفرد لإلقاء التبعة على الجماعة أو على البيئة أو على الآباء والرؤساء. ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ١. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٢. ومن ثم فقد آثار القرآن الكريم شعورهم نحو الإحساس بهذه المسئولية فإن فردية التبعة ذات أثر حاسم في الشعور الأخلاقي وفي السلوك العملي، فشعور كل فرد بأنه مجزي بعلمه لا يؤاخذ بكسب غيره ولا يستطيع هو أن يتخلص من كسبه، لهو عامل قوي في يقظة

стр. 100

قلبه وعقله ووجدانه ومحاسبة نفسه وفي دفعه للتخلي عن كل أمل خادع في أن ينفعه شيء غير ما عملت يداه. والآيات القرآنية تصور هذه الحقيقة من جانبين: جانب أن: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . وجانب أن الإنسان لا يتحمل وزر الآخرين فلا قلق ولا خوف ولا بأس ما دام قد أدى واجبه بقدر ما يملك وما يستطيع. إن تعبيرات القرآن الكريم وهي تحاول أن تنقذ العرب المعاندين للدعوة تصور المشهد كأنهم قافلة كل من فيها يحمل أثقال نفسه ويمضي في طريقه وحده واحدا واحدا يسعون حتى الوقفة الحازمة أمام الوزان, وهي وقفة فيها جهد وتعب وهم وثقل وانشغال عن الأهل والأقارب ولا يملك لقريبه عونا فالكل قد شغله حاله وأعيته أثقاله١، ويقول الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ٢. ويبرز القرآن الكريم هذه المسئولية في إطار الناموس الكوني والقوانين المستقرة الدائمة ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ .

стр. 101

﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١. فكل إنسان قرين ما عمل لا يفارقه، ولا يملك التخلص منه ولا يستطيع كتمانه فهو منشور مكشوف ولا يقدر على تجاهله فهو في عنقه وكفى بنفسه في ذلك اليوم شهيدا على سلوكه. إنها المسئولية الفردية التي تربط كل إنسان بنفسه إن اهتدى فلها، وإن ضل فعليها وليس في مقدور أحد أن يخفف حمل أحد ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ٢. ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ٣. ولقد كان ذلك قضاء مبرما وقانونا ثابتا ودينا شرعه الله في صحف إبراهيم الذي وفى. ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ٤. لقد وفى إبراهيم جد العرب المعاندين بكل التزاماته مع ربه، حتى استحق هذا الوصف المطلق ومن جزئيات ما وفى به وبلغه، ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ، فلا تحمل نفس حمل غيرها لا تخفيفا ولا تثقيلا فلا تطوع بل لا تملك نفس هذا التطوع.

стр. 102

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ . فالله غني عن العباد لا يزيد ملكه بإيمانه ولا ينقص منه شيء لكفرهم. ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ . يحبه لكم ويعجبه منكم ويجزيكم عليه، وكل مجزى بعمله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ . وفي النهاية إليه المرجع والمآب: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ١. هذه هي العاقبة وهذه هو مفرق الطريق ولكل أن يختار عن بينة وتدبر وتفكير، فهل كان لديهم علم أو استعملوا -ولو مرة- والتدبر والتفكر؟ ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ٢.

стр. 103

قال ابن كثير: "ليس لهم مسند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ نفوسهم في رياستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين"١. وإذن فهم خلو من المعرفة وهم براء من التفكير والتدبر. وفي الالتفاتة من المخاطب إلى الغائب "سميتموها" "إن يتبعون إلا الظن" منتهى الاستخفاف بعقولهم فكأن حضورهم لا كحضور فقد ألغوا عقولهم ونكسوا على رؤوسهم فأنى يكون لهم احترام أو تقدير؟ وقد جاءهم من ربهم الهدى، وتستمر سورة النجم في كشف سلوكهم العقلي ومستواهم التفكيري: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى، وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ٢. ليس لهم على صحيح بهذه الدعاوى التي أطلقوها من خيالهم بل هو كذب وزور وافتراء وكفر شنيع. والظن أكذب الحديث لا يقوم أبدا مقام الحق ولا يجدي عنه شيئا.

стр. 104

فأولى لهم: أن يخلعوا هذه المواريث: التبعية للآباء. الخضوع للعادات والتقاليد. اتباع الظن الذي لا يغني من الحق شيئا. أولى لهم، وقد جاءهم من ربهم الهدى، وألا تزر وازرة وزر أخرى، أن ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون؟ أولى لهم أن يفكروا, ويتدبروا.

стр. 105

ثالثا: دعوة المعاندين للتفكير بالمشاهدة في آثار قدرة الله جل شأنه وتعريفهم طريقة استخدام هذا المنهج ... ثالثا: دعوة المعاندين للتفكير بالمشاهدة في آثار قدرة الله جل شأنه وتعريفم طريقة استخدام هذا المنهج ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٣.

стр. 106

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ١. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢. إن معرفتهم بالله الخالق البارئ المصور موجودة ولكنهم يعبدون الأصنام، لقد عبدوها على حسب ما ادعوه: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٣. وهي علة واهية تستند إلى خنوعهم لجبرية التقاليد وعشقهم تبعية الآباء. ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ، فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ٤. وقد اعترفوا بذلك صراحة: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ ٥. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ٦. ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ ٧.

стр. 107

﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ١. ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ٢. ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣. ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٤. وكذلك مبلغ الظن، وقد عاب القرآن هذا المنطق الأعوج الذي يستند إلى الظن. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ٥. ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ٦. ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ٧. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ٨. ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٩.

стр. 108

﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ ١. ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ٢. فهم مسرفون في إيمانهم بالله، مشوشون في فهم العبودية، لجلاله فأشركوا مع جلاله الجن والملائكة والكواكب والأوثان والأصنام والنصب. ولقد كان في البيئة قبل البعثة رهبان وأحبار ومثقفون يبشرون بالنبوة الخاتمة. لقد آمن ورقة والنجاشي وكلاهما تعلم المسيحية وتبحر فيها. وآمن بحيرا ونسطورا وهما من رجال الدين المتخصصين. وآمن عبد الله بن سلام وهو من كبار علماء اليهود. وآمن خلق من البشر الذين عاشوا فترة التوعية والتمهيد للدعوة دون أن يقيم الرسول ﷺ لهم دليلا ولا طلبوا منه برهانا. فالجو الإيماني بالله موجود ولكنه مشوش في إدراكه وتنزيهه لله ﷻ . وإذن فالقرآن عندما يواجه هؤلاء القوم يواجههم على مقتضى حالهم ودعاويهم وأفكارهم، إنه يواجه موجة إسراف في الإيمان بآلهة

стр. 109

ويواجه موجة تبذير في العبودية لله، وذلك يتطلب رد هؤلاء المسرفين إلى الاعتدال في التوحيد والتنزيه فيصحح لهم العقيدة ويحدد لهم أسلوب العبادة إنه إله واحد١، خلق فسوى وقدر فهدى، فالق الإصباح جعل الليل سكنا والنهار مبصرا وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا للعباد. فحق العباد تجاهه أن يعبدوه وحده لا يشركون به شيئا. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢. وهم لا ينكرون هذا أبدا ولكنهم يخلطون، والقرآن يحاول أن يهذب فكرتهم تجاه الله الحق الموجود وذلك ما حاولته آيات السور المكية وقررته على مدى ثلاثة عشر عاما مدة العهد المكي للدعوة الإسلامية فأثبتت وحدانية الله جل شأنه وسلطانه الكامل وصفاته الحسنى. إن القرآن لم يحاول أن يثبت وجود الله لأن وجود الله حق في ذاته والمنطقة العربية في أم القرى ومن حولها لا تعاني من أجل هذه القضية جهدا، فالله موجود عقيدة يؤمن بها كل من في الجزيرة العربية من أصحاب الديانات اليهودية والمسيحية والوثنية. ولكن التوحيد كان هو المعركة الأساسية لإزالة الشرك وتعليم العباد كيف يعبدون الله الواحد الفرد الصمد الذي لا شريك له ولا ولد.

стр. 110

ولا أقصد بهذا إعلان فكرة جديدة تعارض الاتجاهات الفلسفية التي أنفقت كثيرا من الجهد والعرق والاطلاع والتدوين والطباعة والنشر في التنافس على الأولوية في القدرة على إثبات وجود الله فليس في ذلك شرف لمسلم ولا لباحث، لأن سير الدراسات هذه يملي علينا حقيقة واضحة, أن المجتمع في أم القرى وما يجاورها لم يكن ملحدا بل كان مشركا والإشراك في مفهومه العادي إسناد الألوهية إلى أكثر من واحد واعتقاد أن الله له شريك، والإشراك كان في العبادة لا في الخلق ولهذا توجه القرآن الكريم لتنقية الإيمان بالله من شوائب هذا الشرك ويتضح هذا جليا في أسلوب الدعوة أثناء العهد الملكي. فالرسول ﷺ طول العهد المكي كله لم يستخدم أسلوبا واحدا يثبت به وجود الله ولم يثبت عنه مرة واحدة أنه سئل أو أجاب على سؤال يتعلق بوجود الله. وما سأل واحد من الصحابة أو من غيرهم في هذا العهد عن وجود الله. لقد انتهى العهد المكي وليس ثمة سؤال أو جواب عن وجود الله. بل كان مثله العهد المدني، وقد جاءت وفود اليهود والنصارى إلى الرسول ﷺ ولم يثبت تاريخيا ولا علميا أن وجود الله كان مدار حديث بينهما، وما تطوع رسول الله ﷺ نفسه بالتحدث عن إثبات وجود الله حتى نودي إلى الرفيق الأعلى.
следующие страницы →