← Сира

Сира · id 11736

الدعوة الإسلامية في عهدها المكي مناهجها وغاياتها

رؤوف شلبي

Полный текст (713 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومع عفوه وبره وحلمه فهو شديد العقاب يدمر المتكبرين ويعاقب المارقين الذين لا يعودون ولا يستغفرون. إنه ذو الطول يعطي بغير حساب. فهل لما يشركون من هذه الصفات شيء؟ إنهم لا يعرفون عن آلهتهم وصفا مضبوطا ولا يتبينون ماذا يسخطها وماذا يرضيها فيعيشون معها في قلق، فهم لا يدرون موضع سخطها ولا موضع رضاها. إن كل ما يقدمونه من الضحايا والذبائح والرقى والتمائم يدفع إليه وهم وتخمين لعلها ترضى! وجاء الإسلام واضحا ناصعا يصل الناس بخالقهم الواحد يعرفهم صفاته ويبصرهم بمشيئته ويعلمهم كيف يتقربون إليه، وكيف يرجون منه الرحمة ويخشون عذابه ويسألونه العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة١. ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ ٢. وله الكبرياء في السموات والأرض: إنه صوت التحميد والتمجيد ينطلق معلنا ربوبية الله وحده في هذا الوجود سمائه وأرضه، إنسه وجنه، طيره ووحشه، علويه وسفليه، نباته وجماده وسائر ما فيه ومن فيه فكلهم في رعاية رب

стр. 142

واحد يدبرهم ويرعاهم وله الحمد على الرعاية والتدبير وله الكبرياء كذلك, الكبرياء المطلقة في هذا الوجود حيث يتصاغر الكل وينحني الجميع ويستسلم كل متمرد. ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ١. ومع الكبرياء والربوبية فلله القدرة القادرة والحكمة المدبرة، وهو العزيز الحكيم، والحمد لله رب العالمين٢.

стр. 143

ثالثا: وحدانية التدبير وتصريف الملك: أ- التدبير: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾ ٢. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ٣.

стр. 144

﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ، وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ، وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. تلك محاولة يعالج بها القرآن الكريم الاتجاه الفكري عند المعاندين وهي محاولة تتوجه إلى تخليص العبد من هموم ليست في قدرته ولا في استطاعته أن يفعل فيها شيئا مهما تعاون البشر طرا أو انفردوا آحادا.

стр. 145

إن الذي يشغل المرء ويفسد عليه قلبه هو انشغاله بما ليس في استطاعته والقرآن في هذه النماذج من الآيات المكية يوضح للعقل منهاج تفكير منظم. إنه -أي القرآن الكريم- سيقدم له تحديدا لارتباط الإنسان بهذا الكون الذي يعيش فيه وخضوع الكون كله لله رب العالمين. والارتباط أو العلاقة بوجود الإنسان في هذا الكون مجالها: الرزق. والعمر. والأولاد. وقد ضمن الله له الثلاثة وليس في مقدور أحد من البشر أن يعبر بالزيادة أو النقص ... منها شيئا ما. والرزق والعمر والأولاد دائرات في فلك الكون، والكون كله ساجد مسخر بإرادة الله جل شأنه، فهل لمن يشركونهم في عبادة الله من أصنام وجن وملائكة شيء في هذا التدبير الإلهي؟ الرزق: أودع الله الأرض التي يعيش عليها كل من يدب الإمكانات القادرة على تلبية حاجات هذه المخلوقات الهائلة الجمة جميعا، وأودع لله في هذه المخلوقات القدرة على الحصول على رزقها من هذا المودع في الأرض بأية صورة من صور الإنتاج قديما أو حديثا حتى إن بعض

стр. 146

المخلوقات يسر له أن يتنازل رزقه دما مهضوما، وهذا الرزق الممنوح من عطايا الله حق مؤكد مقسم عليه تفضلا من جلاله وكبريائه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ, فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ١. وهي لفتة عجيبة ترد بصر الإنسان ونفسه وعقله إلى مصدر الرزق الأعلى إلى السماء إلى الله ليتطلع الفرد إلى ما قسم له عند ربه فلا يسلم نفسه إلى أسباب الرزق العادية في الأرض, فتحول بينه وبين التطلع إلى المصدر الأول الذي أنشأ له جنات معروشات وغير معروشات في الأرض, وبذلك ينفك القيد الحديدي الذي تغلغلت فيه تلافيف الفكر وتنطلق إلى خالق الأسباب, ويدرك الإنسان السليم في عقله ووجدانه أن ما يدعونه من دون الله لا يقدرون على شيء، فهم صم بكم عمي لا يرجعون٢. والقوم مع جحودهم لم يستطيعوا إنكار هذه الحقيقة. ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ

стр. 147

وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ ١. العمر: تتردد كثيرا في القرآن الكريم الإشارة إلى النشأة الأولى من التراب والنشأة الثانية من النطفة ويتردد كذلك الإشارة إلى مراحل كل منهما وكلاهما عنصر لا حياة فيه تتساوق مع حياة الإنسان. فالتراب عنصر ميت برأي العين. والنطفة عنصر هامد مبتذل في العرف العادي. وإن كانت فيه حياة حسب الأبحاث الطبية الحديثة فهي حياة الميكروب الضعيفة العاجزة. إن تغيرت درجة حرارة الجو الذي تعيش فيه ماتت٢. وعلى كل كيف تلبست الحياة بالعنصر الأول وتلبست الحياة بالعنصر الثاني أما العنصر الأول فهو سر مغلق على البشر وهي حقيقة مشهودة قائمة لا مفر من الاعتراف بها والإقرار بدلالتها على قدرة المحيي القدير.

стр. 148

أما العنصر الثاني فهو نقلة بعيدة كيف انتقلت خلية مثل الميكروب حجما وحياة إلى خلقه كاملة سوية ثم تشكلت ذكرا أو أنثى حسب ما أودع في النطفة الأمشاج من خصائص أودعها الحكيم الخبير، هذه النقلة من النطفة على ضعفها إلى النوعين المتمايزين بعيدة المدى في إحداث رجة عنيفة في التفكير فأين الخلية الواحدة من ذلك الكائن المعقد التراكيب الدقيق التأليف الكثير الأجهزة المتعدد الوظائف، المختلف في العقل والمزاج واللون والطول والعرض والعواطف. أين الخلية الضعيفة التافهة من ذلك الإنسان الذي كرمه ربه ونعمه؟ وأين الذين يشركونهم مع الله في العبادة من هذا التدبير الإلهي؟ ومع هذا فما تحمل من أنثى مطلقا بشرا أو حيوانا ... إلخ, ولا تضع كذلك إلا بعلمه, وعلم الله بكل حمل وكل وضع في هذا الكون المترامي الأطراف شامل ومحيط. ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ . وكيف تصل عبقرية البشر إلى إدراك جميع الأحياء في هذا الكون من شجر وطير وحيوان وإنسان في البر والبحر أو في الهواء على اختلاف أجسامها وأشكالها وأنواعها وأجناسها وديارها وأزمنتها, ليتابع من عمر أو نقص من عمره؟

стр. 149

إن كل فرد من أفراد هذا الحشد لا يعلمه إلا الله خالقه ومدبر أمره، وإن ذلك العلم المحيط بكل ما في الوجود لا يكلف جهدا عسيرا ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ١. وعمر كل ما في الوجود إذا جاء أجله لا يؤخر ساعة ولا يستقدم ساعة. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ٢. ولا يملك أحد غير الله ﷻ أن يقدم أو يؤخر ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٣. فأين ما يعبدونه من دون الله وهذا التدبير البديع المحكم الفسيح؟ الأولاد: الأولاد أو الذرية مظهر من مظاهر العطاء والحرمان وعلامة من علامات المنح والمنع, فمن الذي يهب الذرية؟ إنها رزق من عند الله وهي زينة الحياة الدنيا, وجعلها الله قرينة النفس الإنسانية, فمن الذي يرزق الناس الأولاد؟ لقد افتتحت الآية بأن لله ملك السموات والأرض وهو افتتاح منبه للعقول؛ لإدراك كل جزئية تأتي فيما بعد في محيط هذه الملكية

стр. 150

الإلهية. وذكر ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ترشيح للإيحاء النفسي المطلوب من الافتتاحية بالملكية المطلقة لله تعالى, ثم رتب على ذلك تقسيم الرزق منوعا، وجعل الحرمان مقابلا له لتكتمل يقظة بتفقه الواقع الملموس. ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ وقد كانوا يكرهونها فكيف ينسبون مثلها إلى الله؟ ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ . وكل هذا خاضع للسلطان الإلهي، مرتبط بمشيئة الله وحده لا يتدخل في ذلك أحد سواه١. فأين ما يشركونه مع الله سبحانه من هذا العطاء المحمود؟ أو المنع الذي لا معطي له من بعده. ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . ب- وحدانية التصرف في الملك: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ، وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ .

стр. 151

وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ, وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ، إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ, أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ, وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ١. آية السموات والأرض والغيث حقيقة قاطعة في دلالتها على منشئ مدبر, واللمسات في هذه الآيات وفي آيات سورة الروم تحمل الإنسان بكل أقطاره لينتقل من حظيرة الكفر إلى حظيرة الإيمان بالله؛ لأنه أينما حل فهو في كنف الله جل شأنه. ينزل الغيث من بعد ما قنطوا, لقد غاب عنهم الغيث ولا غوث لهم بعد انقطاع المطر ووقفوا عاجزين عن سبب الحياة الأول وأدركهم اليأس, ولو دعوا آلهتهم ما سمعوا لهم ولو سمعوا ما استجابوا, فلا قدرة ولا إرادة ولا حركة ألبته، وفي لحظات إدراك اليأس ينزل الله الغيث وينشر رحمته فتحيا الأرض وتنفرج الأسارير وتنفتح القلوب وينبض الأمل ويفيض الرجاء ذلك أن الله هو الولي الحميد المتكفل بولاية خلقه المستحق الحمد بذاته.

стр. 152

والسفن الجواري في البحر كالجبال آية حاضرة مشهودة أنها آية تقوم على آيات كلها من صنع الله وتدبيره دون جدال. فمن الذي أنشأ البحر؟ مَنْ مِنَ البشر أو من آلهتهم؟ ومن الذي أودعه خصائص الكثافة والعمق والسعة وعلم الماء يجري ويحمل السفن الضخام؟ مَنْ مِنَ البشر أو من آلهتهم؟ والسفن ذاتها، من هدى الإنسان إلى صنعها؟ وخلق له مواد بنائها؟ وعلمه كيفية تركيبها؟ ثم من الذي حباها نعمة الطفو ومنحها القوة على التحرك؟ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ . والصبر والشكر هما قوام النفس الصادقة في السراء والضراء والتحلي بهما من دلائل الإيمان وعلاماته١. يخرج الحي من الميت، إنها عملية دائبة لا تتوقف هنيهة من ليل أو نهار، وفي كل مكان في الأرض أو في الفضاء أو في أعماق البحار في كل لحظة يتم هذا التحول يتحرك برعم ساكن من جوف حبة أو نواة فيفلقها ويخرج إلى وجه الحياة. أو يجف عود أو شجرة تستوفي أجلها فتتحول إلى حطام أو هشيم يخرج من خلاله حبة جديدة ساكنة تتهيأ بها حياة في المستقبل بالإثبات.

стр. 153

ويوجد غاز ينطلق في الجو فتتغذى به التربة ويتم به الإخصاب. وتدب الحياة في جنين: طير أو حيوان أو إنسان, إنها دورة دائمة رهيبة عجيبة لو تأملها الحس الواعي والقلب البصير؟ فمن المدبر ومن بيده ملكوت السموات والأرض؟ أما هم إذا سئلوا أجابوا خلقهن الله؟ والزوجية مشاعر مشتركة وصلة فطرية بين الجنسين من بني البشر, فمن الذي أودع في النفوس هذه العواطف والمشاعر المشتركة وجعل فيها سكنا ومودة وراحة للقلب والعقل والجسم والمشاعر, وربط استقرار الحياة والعيش بها؟ واختلاف الألسنة في البشر مع اتحاد مطالبهم ووحدة الغاية من اللسان وهو التعبير عن الحاجة وإدراكها آية بينة وهو اختلاف مرتبط بخلق السموات والأرض فاختلاف الأجواء على سطح الأرض فلكيا، واختلاف المناخ له علاقة باختلاف الألسنة والألوان حتى ولو اتحدت النشأة والأصل في بني الإنسان فمن الذي دبر هذا؟ والنوم بالليل والسعي بالنهار آية تجمع بين ظاهرتين تفضل الله بهما على عبادة وقد خلقهم جل شأنه متناسقين النوم في الليل والعمل في النهار فجعل العمل حاجة تلبيها أضواء النهار وجعل النوم حاجة تلبيها ظلمات الليل، والبشر مثلهم في هذا مثل جميع الأحياء على كوكب الأرض.

стр. 154

إن كل حي في الكون الأرضي يجد ما يلبي حاجته ويسمح له بالحياة. عمل بالنهار ليبتغي الحي من فضل الله، وراحته وسكينته بالليل لينام ويهدأ ليزاول بكرة نشاطه من جديد. فمن الذي يسمع لهذه الآيات؟ والبرق مصدر خوف وطمع وهما شعوران فطريان يتعاوران على النفس البشرية أمام تلك الظاهرة. والعربي في صحرائه الشاسعة أحوج ما يكون إلى قطرة الماء؟ والبرق علامة الغيث في السحاب ولكنه كذلك علامة الصاعقة التي دمرت قوم عاد. ففي البرق الخوف والرجاء يوقظان الشعور والتعقل ليدركوا من المدبر لهذا الملكوت الجليل. والسموات والأرض يقومان في انتظام سليم مقدر الحركات آية من آيات التدبير والتصريف الإلهي, فمن يملك أن يدعي أنه هو أو سواه مطلقا يفعل هذا التدبير والتصريف في قيام السموات والأرض؟ إن السموات والأرض تقومان بأمره ملبيتان طائعتان ساجدتان لأوامر الله جل شأنه دون انحراف أو اضطراب أو تلكؤ. وكل من الكون، في السموات أو في الأرض قانت إن طوعا أو كرها، إنهم جميعا محكومون بسنن الله في كونه حتى ولو كانوا عصاة مثل معاندي الدعوة في مكة المكرمة فإنما عقولهم تعصي وقلوبهم تكفر ولكنهم مع هذا العصيان والكفر محكومون بالناموس الإلهي

стр. 155

الذي تجري به السموات والأرض. إن الله هو الفعال لما يريد, وهم خلق من خلقه يتصرف فيهم وفق ما يريد تصرفه وتدبيره وهم لا يملكون إلا الخضوع والقنوت. وله المثل الأعلى في السموات والأرض فهو سبحانه المنفرد بالتدبير والتصرف في الملك, ومنفرد بصفاته الحسنى لا يشاركه فيها أحد وليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم القاهر المدبر بالحكمة والتقدير الرحيم١.

стр. 156

رابعا: بعث الوجدان الفطري وبعد هذه الاستفاضة الواسعة الفسيحة في أرجاء الكون وأعماق النفس وإبراز صفات الله بشتى أنواع الأدلة المحسوسة بالعين والمشاهدة بالبصيرة، والمدركة بالمشاعر: أدلة الخلق. وأدلة الترابط والقصد. وأدلة العناية والتدبير. التي توصل العقل السليم إلى الإيمان بوحدانية الخالق وكمال صفاته الحسنى التي لا يشاركه فيها أحد واستحقاقه وحده جل شأنه العبادة من البشر, بعد هذه الاستفاضة يعرج القرآن الكريم بالقوم بمعاندي الدعوة على نوع خاص من الأدلة هي بعث المشاعر والعواطف. يهدهد على عواطفهم تارة بكل ملطف ومنبه يمس شغاف قلوبهم باليد الرحيمة الرفيقة الودودة المنعمة لعلهم يستيقظون.

стр. 157

فلما لم يستجيبوا لنداء المودة والإحسان يجذبهم من نواصيهم جذبا مروعا ويشهدهم عاقبة المكذبين من قبل ويصور لهم الضنك والضيق يوم المحشر وأهوال يوم القيامة تلك اللحظات التي لا يملكون فيها شيئا ولو أنفقوا ما في الأرض جميا ما تقبل منهم ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا. وكثيرا ما تتغير النفوس بالقسر وقليلا ما تلين بالمعروف فزاوج القرآن بينهما؛ فالعبد يقرع بالعصى والحر تكفيه المقالة. ولقد كانت غاية القرآن الكريم في هذه المحاولة هي اطلاع المعاندين على الحق من كل زاوية وبكل وسيلة حتى لا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكفى بالله حسيبا وكفى بالله شهيدا. والقرآن في هذه الجولة من التدليل على وحدانية الله وصفاته الحسنى يقدم لنا نموذجين: الأول: إقناع الوجدان بالترغيب أو بالترهيب. الثاني: إقناع الوجدان بالتجارب التاريخية للسالفين من الأمم الكافرة. النموذج الأول: من آلاء الله؟ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين﴾ .

стр. 158

وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ, ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ , وَمِنَ الْأِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١. كان التدين الجاهلي قد عمد إلى بعض الزروع والأنعام فعزلها وقصرها على الآلهة وادعوا أن الله الخالق هو الذي حرم ذلك. فتأتي الآيات هنا لتصحيح فكرتين. الأولى: أن خالق هذه الجنات بنوعيها هو الله وحده: الجنات المعروشات التي ذللها الله للإنسان فنظمها وعرشها وتعهدها بالعرائس والحوائط. والغابات البريات التي نمت بقدرة الله دون تدخل من الإنسان وهي تحمل من الخيرات والجمال والفن ما لا تقدر عليه رعاية البشر في جناتهم المعروشات، وتلك واحدة من عالمية الدعوة.

стр. 159

إذ تصف نوعا خاصا من الغابات لم يعهده العرب ولم يروه وهو هنا في جنوب شرقي آسيا في أندونيسيا والهند الصينية والفلبين وماليزيا آيات بينات على قدرة الصانع وجلال سلطانه. والقرآن يسوق هذه الجنات بنوعيها لإقامة الدليل على وحدانية الله الذي خلق وأظهر تلك الجنات دون شريك له بأي وجه من الوجوه١ وهو دليل يحسه الفرد بمشاعره ووجدانه ويشعر به في نعم الله وهي تحيط به بما هيأه له من الذكاء والقدرة على العمل وبما سخره له من الشجر والأرض والماء والسحاب ليصنع له ﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ . وما أحاطه به من جنات برية يعجز بقدرته البشرية عن غرسها وسقيها ورعايتها وسبحان الله العظيم فالذي يلاحظ الناس هنا في جنوب شرقي آسيا وهي في ظلال الغابات التي يتساقط عليهم من ثمراتها، عليهم مسحة الكسل والركون إلى الدعة فالمطر ينزله الله من السماء والأرض تنبت ثمارا أشجارها بإذن الله ولا مدخلية للفرد هنا بجهد عظيم أو عادي يذكر. في حين أن أهل الجنات المعروشات قد حباهم الله من القوة والمناخ ما يسعفهم على التحرك والعمل والزرع والسقي والرعاية فقد علم الله أنهم لن يحصلوا على ثمار جنة معروشة إلا بكد وعرق وجهد فذلل لهم الجو بالمناخ ووهبهم القوة على العمل والسعي.

стр. 160

إن المنهج القرآني هنا يكثر من عرض حقيقة الرزق الذي يختص الله بمنحه للناس ليتخذ منه برهانا على ضرورة إفراد الله سبحانه بالتسلط والتصرف والحاكمية والعبادة لجلاله وحده فإن الخالق الرازق الكافل هو وحده الحقيق بأن تكون له الربوبية والسلطان والعبادة. الثانية: أن سلطة التشريع خاصة بالله وحده. وهنا يحشد السياق في هذه الآيات مشاهد الزرع والثمار. والأنعام وما فيها من نعم الله ليرد على عنجهية الجاهليين الذين يدعون أن الله حرم هذا وتلك هي الفكرة الثانية التي يريد القرآن أن يصححها في مجال العقيدة فيبرهن على أن الحاكمية والتحليل والتحريم ليس خاضعا لهوى الكهنة والسدنة والرؤساء، وإنما هو خاضع لسلطان الله جل شأنه على لسان نبيه الخاتم. وهنا يكشف السياق عن السخف الذي لا يمكن تعليله ولا الدفاع عنه فيستخرج مكامن الأوهام الجاهلية فيلقي ضوءا على ما أودعه الله في الأنعام من آلاء ونعم ليخجل الجاهليون من عقليتهم لو كانوا منصفين١. ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ... ﴾ الآيات. فهذه الأنعام التي يدور حولها الجدل نعمة الله إليكم وقد خلقها على سننه الكونية ليبقى لكم من نسلها نعم وأفضال ربانية تعيشون بها، من خلقها ومن حرثها؟

стр. 161

والجو الصحراوي حيث ينعدم التحرك الاقتصادي يلقي ظلالا واسعة على فهم هذه النعم حيث يجري الواحد منهم خلف ناقته باحثا لها عن مرعى فيدرك معنى السؤال نبئوني بعلم؟ هذه الشئون لا يكفي فيها الظن ولا التخمين فمن أين جاءكم هذا التحريم؟ هل شهدتم وصية من الله لكم خاصة بهذا التحريم؟ فيرتد الوجدان الصادق والعقل المدرك إلى صواب في العقيدة والعبادة؟ لقد ردهم القرآن بهذه الآيات إلى المصدر الحقيقي للحرث والأنعام التي يتنعمون بها ليعبدوه جل شأنه وذلك لصلاح حالهم ودينهم فالله غني عن العباد عبدوا أو جحدوا. ومع هذا البيان يبدو عرض نعم الله على عباده أخاذا بالنفوس مسيطرا على الوجدان تنفعل له الأسارير رغبا أو رهبا. ومع هذا الحنان والرفق تأتي حملة السياط التي تلدغ الوجدان بإيقاعاتها ورنينها وأدواتها الهائلة؛ السموات والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والبحار والأنهار والأمطار والثمار؟ يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ,

стр. 162

وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ . هنا لا تعرض قضية التوحيد عرضا فلسفيا ميتا فيزيقيا جافا ميتا إنما نعرضها الآيات في المجال الحركي المؤثر الموحي بالواقعية المشاهدة في الكون ولمسات الفطرة وبديهيات الإدراك مع جمال العرض واتساق النظم البديع. كل هذه الأكوان: السموات والأرض والماء الذي ينزله الله من السماء والثمرات التي ينبتها الله والفلك التي سخرها الله في البحر وسخر البحر ليحملها وسخر الأنهار تأكلون منها لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها. والشمس والقمر والليل والنهار وكل نعم الله التي لا تحصى كل هذا سخر للإنسان؟ فكل هذا الكون الهائل سخر لهذا المخلوق الصغير. وبعد ذلك أيجعلون لله أندادا؟ الخلقية العربية التي تعرف احترام الجميل وذكر المعروف تنكر هذه الآلاء التي منحها الله بلا حساب؟ وتقابلها بالجحود والنكران؟ الإنسان كمخلوق الله يعجز عن إدارة شئون حياته ما لم تدركه رحمة الله وفضله ويحس هذا في كيانه وظروف معيشته أيقابل نعم الله بالكفر والإشراك؟

стр. 163

هنا يستيقظ عقل خاص فيتطلع إلى الكون حوله فيراه مسخرا له: إما بقدرته المباشرة حيث ذلل الله لها الأرض، أو بالنواميس التي أودعها الله في الكون وتكفلت بسد حاجات البشر ثم يتدبر فيراه في رحمة الله مغموسا. لا يستطيع الخروج منها إلا إلى الموت وهنا يرتجف فؤاده ويخشع ويسجد لله شاكرا مسلما حنيفا إن كان من العاقلين١. وهكذا يقلب القرآن قلوب البشر بين رغبة ورهبة كأنما يهدهد تارة ويؤخر أخرى ليستثير فيهم آصرة الفطرة التي فطر الله الناس عليها ليؤمنوا بالله وحده ويعظموه فيردهم إلى مثل صغير من حياتهم تعجز عنه قواهم ويعجز عنه تصورهم وهو مثل يقع في كل لحظة من ليل أو نهار. ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . كل عالم وباحث ومفكر وفيلسوف وأديب وطبيب وصانع ماهر يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئا صغيرا أو كبيرا أو أدنى من ذلك, فما اكتسبه من خبرات أو علم أو فن بعد ذلك, فإنما هو هبة من نعم الله التي ينعم بها على البشر بالقدر الذي أراده لهم وخلقهم له, وركب فيهم من المدارك والقدرات والذكاء, وجعل لهم بهذا القدر كفاية

стр. 164

الحياة على هذه الأرض لعلهم يدركون قيمة هذه النعمة فيعبدون الله وحده ولا يشركون به أحدًا. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ ١. فينبههم القرآن الكريم بلطفه اللطيف وكأنه يربت على عقولهم وعواطفهم، بل كأنه يفتح لهم جفون أعينهم ويمسك بأيديهم إلى الدلائل فيقول لهم في استفهام شامل لكل المعاني: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢. وهو مشهد مكرر مألوف، ولكن القرآن هنا ينبههم إلى عجيبة من آثار القدرة الآلهية التي لا يتدبرونها. فمن الذي يمسك الطير في جو السماء؟ إنها النواميس الإلهية التي أودعها الله فطرة الطير وفطرة الكون، إنها نعمة الله التي وهبها للطير أن يطير وللجو أن يناسب طيرانه. فالقلب المدرك لهذه العجيبة المكررة يوميا يراها في كل يوم آية على وحدانية الخالق المتصرف في هذا الملكوت المنعم على خلائقه كلها بجليل النعم.

стр. 165

وهنا يهتز القلب وتقشعر جلود الذين يخشون ربهم. ويتسلل القرآن إلى المشاعر الإنسانية في كل مستوياتها فينقل الوجدان إلى إدراك أسرار الخلق وآثار نعم الله ومظاهر آلائه على الناس في البيوت، وسيان أصحاب الصحراء القاحلة أو أصحاب الغابات المتكاثفة فإنهم يحسون بقيمة البيوت حيث هي المأوى من الحر والبرد والمطر والرياح فتخطوا الآيات إلى النفوس من باب البيت والسكن لتريهم أي آيات الله ينكرون؟ ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ, وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ ١. الطمأنينة في البيوت نعمة يعرفها الآن المشردون من أوطانهم في الشرق الإسلامي خاصة، اللاجئون من أبناء فلسطين الحبيبة وأبناء باكستان الشرقية كما يعرف هذه النعمة المشردون في فتنام وكمبوجا، والعربي القديم يدركها والرجل المعاصر في الغابات اليوم يدركها, والمسافرون عندما تحل بهم آلام السفر يدركونها كذلك هي نعمة يحس بها الإنسان في أي عصر وفي أي مكان، ولكن مفهوم الحاجة إلى السكن

стр. 166

الذي يستجيش به القرآن أسارير البشر هي الحاجة إلى الراحة والاطمئنان والأمن والسلام والحاجة إلى حرمة البيت والحفاظ على أسراره وتلك قد ضمنها الله بالشرع وبالحياء الخلقي الذي أودعه في نفس الإنسان. وتستمر الآيات في تصوير منح الله للإنسان في نعمة البيت حيث مهد له في الجبال بيوتا وعلمه وسخر له جلود الأنعام ليتخذ منها بيوتا في الظعن وفي الإقامة وفي ثنايا هذه النعمة، ذكرهم بأن الأنعام لها فائدة أخرى، تتخذون من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين فتتناسق في الفؤاد نعمتا السكن والأثاث والثياب وكلها من حاجات الإنسان الضرورية له في الحياة. إنها نعم نأخذ بوجدان الإنسان إلى الشعور بنعمة الطمأنينة والراحة والشعور بها يؤدي إلى الشعور بالاستسلام والراحة والركون إلى خالقها والمنعم بها وفاء وشكرا واعترافا بالجميل ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ . ولكن الإلف والعادة منعتهم من الإسلام ومنعتهم كذلك من اليقظة فيكرر القرآن لهم النداء والدعوة ويسألهم: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ, قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ,

стр. 167

وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١. الناس يشتاقون بالطبع إلى مشرق الصبح حين يطول بهم ليل الشتاء ويحنون إلى ضياء الشمس بالحاجة عندما تتوارى عنهم فترات وراء مزن السحاب. فكيف فقدوا الضياء فكان الليل عليهم سرمدا إلى يوم القيامة؟ أما العلم الحديث فيجيب: إن الشمس هي مصدر كل حياة وحرارتها تبلغ ١٢.٠٠٠ فارنهايت مسطحا, وموقع الكرة الأرضية في بعد عنها يكفي لأن تمدنا هذه الحرارة بالدفء الكافي, ومسافة الأرض من الشمس ثابتة بشكل عجيب ولو أن درجة الحرارة على الكرة الأرضية قد زادت بمعدل ٥٠ درجة في سنة واحدة, فإن كل نبت يموت والإنسان يموت حرقا أو تجمدا والكرة الأرضية مائلة بزاوية قدرها ٢٣ درجة فلو تغيرت هذه الزاوية لحدثت أضرار عدة منها: ١- يكون القطبان في حالة غسق دائم. ٢- يصير البخار المنبعث من المحيطات مكدسا في الشمال والجنوب فقط صانعا قارات من الجليد، وقد يترك صحراء بين خط الاستواء والثلج. ٣- تغطي قاعات المحيط بطبقات من الملح لتكون مصبا لمنبع أنهار من صحراء خط الاستواء فتحدث ملاحات من الملح.

стр. 168

٤- ويؤثر ذلك في ثقل الكتلة على القطبين فيؤدي إلى فرطحة خط الاستواء أو فورانه. ٥- ويقل المطر في كافة أرجاء العالم١. والناس بالطبع كذلك يحنون إلى الليل حين يطول النهار في فصل الصيف، ويجدون في ظلام الليل وسكونه راحة وسباتا، وكل ما في الكون من حي يحتاج إلى هذه الراحة وذلك السبات فكيف بالناس لو كان النهار عليهم سرمدا إلى يوم القيامة؟ يجيب العلم: أ- لو زادت سرعة دوران الأرض حول نفسها أو قلت لأصبح طول النهار ١٢٠ عشرين ساعة ومائة ساعة فاحترق الزرع واختل ميزان العمل في النهار والراحة والنوم في الليل٢. إن رحمة الله جعلت الليل سكنا والنهار معاشا وجعل ذلك قانونا مسنونا لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. لقد هدهد القرآن على مشاعرهم وآنس قلوبهم وأيقظ فطرتهم وحشد لهم رصيدا من العلم واليقين لعلهم يهتدون. ب- من نقم الله: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ,

стр. 169

قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ، قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ ١. هنا نرى القرآن الكريم يحاكم المعاندين إلى فطرتهم التي تعرف حقيقة الألوهية وتلجأ إليها في ساعة الشدة والحرج والضيق ويرسم لهم في مشهد قصير سريع مشاعرهم أمام رؤية الهول والكرب الذي ترتعد له الفرائض فلا يتوجهون ساعتها إلى صنم ولا إلى كوكب ولا ملك وإنما يتوجهون إلى الله الذي تعرفه فطرتهم إلها خالقا بيده الأمر وإليه المصير وهو على كل شيء قدير. إن تصور الخطر وتذكر الهول يردان النفوس الجامحة ويرققان القلوب الفظة ويذكر أن النفس عند لحظة الضعف بالإنابة إلى الله واللجوء إلى سلطانه. وهي تجربة يعرفها كل من وقع في ضيق ومرات ضيق الإنسان كثيرة ومتعددة في ظلمات البر والبحر، وعندها تتعرى للإنسان حقيقة آلهته التي يعبدها من دون الله ويجدها خلوا من كل حول ولا يرى لنفسه نجاة إلا بالتضرع إلى الله دون شريك معه ولكنهم بعد هذا يشركون٢.

стр. 170

بعد ما شاهدوا هذه النعم الجليلة وخلاصهم من الكرب والضيق يعودون إلى نكسة الشرك والضلال فلا يوفون بالعهد ولا يحترمون ما كان منهم من إقرار١. ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الآية. قد يقدر الوهم للجاهليين أن يدفعوا عنهم العذاب إذا جاءهم من اليمين أو من الشمال فصورت لهم الآية الكريمة أن عذاب الله إذا جاء لا دافع له إنه عذاب غامر من فوق ومن تحت كل فوق سواء ساروا يمينا أو شمالا، وكل تحت سواء هربوا يمينا أو شمالا فهو عذاب غامر للفوقية والتحتية بكل جهاتها فلا مقاومة ولا دفاع ولات حين مناص. النموذج الثاني: من أحداث التاريخ وقد عرفت البشرية في فترات كثيرة من تاريخها ذلك اللون من العذاب: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ, فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ, وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ,

стр. 171

﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ, فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ١. هي وحدة الدعوة ووحدة الطريق والغاية وباختصار يصور القرآن تكذيبهم للرسل ثم أخذهم بالهلاك والتدمير على سنة الله في أخذ للمكذبين. لقد أخذوا برجفة زلزلت عليهم بلادهم إثر صيحة مدوية أسقطت قلوبهم في أكعابهم، لقد جاءتهم الصيحة من فوق وجاءهم الزلزال والرجفة من تحت فما كان لهم من ناصري، وكذلك أخذ ربك القرى وهي ظالمة إن أخذه شديد. لقد أخذ عادا حاصب وهي ريح صرصر عاتية وتطايرت معه حصباء الأرض فقتلهم فكانوا كأعجاز نخل خاوية. وثمود أخذتهم صيحة فأهلكوا بالطاغية. وقارون خسف به وبداره الأرض. وفرعون وهامان غرقا في اليم وجنودهما.

стр. 172

تلك هي مصارع العتاة البغاة من الكفرة والظلمة والفسقة على مدى القرون فما أغنى عنهم ما كانوا يشركون، فإلى أين تذهبون أيها المعاندون؟ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ١. إنه تصوير دقيق وعجيب لحقيقة القوى في هذا الوجود التي يسيء كثير من الناس تقديرهم لها وتختل في أيديهم موازينها فلا يعرفون إلى أين يذهبون أو إلى أين يتجهون وعند الحيرة والاضطراب تخدعهم قوة السلطان أو الحكم أو التقاليد والعادات فيحسبونها هي القوى التي تعمل في هذه الأرض فيتوجهون إليها جهلا. قد تخدعهم سلطة الحكم أو المال أو العلم إن في يد الفرد أو في يد الجماعة فيضلون وذلك هو الداء الذي يجعل الناس في جاهلية سوداء وينسون الاتجاه إلى الله الحق فليس هناك سواء من يحمي وينفع أو يضر، يميت ويحيي, إن كل ما عداه مما يشركون به كحشرة العنكبوت وكل ما لديهم من قوة فهي قوى خيط العنكبوت٢، وسوف يعلمون. ويكشف القرآن الكريم عن فطرة الإنسان وقد غسلتها المحن فلجأت إلى الله وعن وحدة الموقف من المعاندين دائما وعن سنة الله في محق هؤلاء الجبارين المشركين. ﴿فَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ,

стр. 173

قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ, فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ١. إنه نموذج مكرر للإنسان في كل عصر إذا فسدت فطرته وضلت واتبع شيطانه واغتر بدنياه هنا يأتي الضر ليغسل الفطرة من ركام الهوى والشهوة وينقيها من العوامل الوراثية المصطنعة التي تحجبها عن الحق الكامن في خلاياها. إن القرآن يكشف عن سر الابتلاء بالنعم فهي امتحان ليميز الله خبيث النفوس من طيبها، وينبههم إلى الخطر ويحذرهم من الفتنة حتى لا تكون للناس حجة ولا عذر بعد هذا البيان. ويعرض القرآن هذه المقالة في جوها العام كفلسفة للمشركين دائما في كل عصر قد قالها الذين من قبلهم هي هي الكلمة: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ قالها قارون ويقولها كل قارون في المستقبل ولكن النهاية التي يحذر منها القرآن هي ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ . لقد اختلت موازينهم وفسدت معايير الحياة التي يتعايشون عليها فضلوا طريق الحق فأخذهم العذاب من حيث لا يشعرون٢. ويكشف القرآن في آيات أخرى عن طبيعة هذا اللسان إذا مسه الضر وأحاطته المصائب فيلجأ إلى ربه ويتعرف عليه.

стр. 174

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ, فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١. لا يذكر الإنسان ربه إلا في ساعة العسرة والحرج ولا يثوب إلى فطرته إلا في ساعة الكرب وقد كشف البلاء عن بصيرته وعرت المحن فطرته فإذا أمن نسي وطغى إلا من رحم ربك. لقد فعلها قوم فرعون مع موسى. ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائيلَ، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ ٢. فعاقبهم الله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ ٣.

стр. 175

وكذلك فعلت قريش: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. قال ابن مسعود فيها: لما أبطأت قريش عن الإسلام واستعصت على رسول الله ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان، ودعوا الله جل شأنه وتعرفوا عليه وابتهلوا إليه، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، قال ابن مسعود فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم٢. وهكذا يدمدم عليهم القرآن الكريم ويقسو ويرهب ويتوعد لعل في هذا الأسلوب رادعة لغلو بعد أن ألان القول. وأطال في الأدلة ولون الخطاب. لقد ذكر لهم القرآن الكريم أنواعا من نعم الله تشعر بها النفس وتحتاج إليها أعضاء الجسم. وعرض عليهم مقالات المعاندين ونبههم إلى وحدة المصير وكشف لهم قرى النفس وطول الإنسان وسلطان الله وكيف أخذ بالسنين والنقص في الأموال والأولاد وخسف الأرض، ودمر بالصيحة والزلازل أقواما قالوا مقالة قريش فما أغنت عنهم آلهتهم من دونه من شيء وارتدوا على أدبارهم خاسرين.

стр. 176

هكذا يجيش القرآن الكريم أنواع الأدلة. أدلة تهدي العقل المستنير. أدلة تجذب البصيرة المعافاة من أمراض التقليد. أدلة تطهر النفس الخبيثة وترجعها إلى حظيرة الفطرة والإيمان حتى لا تكون للناس حجة ولا تكون بعد البيان معذرة فإذا ما جحد الناس وضلوا وأصروا على هذه الضلالة وعادوا الدعوة وخاصموها كان لها بعد ذلك مندوحة في منهج جديد.

стр. 177

طريقة استخدام المنهج مدخل ... طريقة استخدام المنهج: دلل القرآن الكريم على دين إبراهيم كعقيدة عاقبة بعد سيدنا إبراهيم جد العرب فكشف لهم بذلك عن طبيعة الدين الذي يدعون النسبة إليه ويفتخرون بالنسب إلى صاحبه. ثم كشف عن بصائرهم غطاء الغفلة بما يتبعونه من سنة الآباء والأجداد، وعاب عليهم التقليد واتباع الظن. ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ . ونصب لهم أدلة التوحيد في عدة نماذج. ولم يترك القرآن الكريم الجانب العاطفي الوجداني فحشد له نماذج من نعم الله ونقمه تاريخ إهلاك المشركين من الضالين السالفين. تلك الخطوات كلها مجتمعة أو بعضها تعالج قضية التوحيد والتنزيه وتخاطب المستويات الإنسانية كلها، في الشخص الواحد أو في الجماعة الواحدة فالناس معادن. معدن تكفيه الكلمة الطيبة وتكفيه المعاريض. ومعدن مقيد بأمجاد الآباء مفتخر بالنسب حريص على استمرار فقه أبيه. ومعدن يحب الترف العقلي يناقش أو يجادل يحاجج.

стр. 178

ومعدن عاطفي وجداني قد يلين جانبه بالموعظة الحسنة أو تخضع كبرياؤه للتجربة القاسية. وقد يكون الفرد الواحد هو صاحب نفوس تحتاج إلى هذا الحظ من الأدلة فقدمها القرآن الكريم سهلة ميسرة. ولكن القرآن الكريم لا يترك الناس على جهالة لا يعرفون كيف يستخدمون هذا المنهج. لم يتجاهل القرآن طبيعة الإنسان، فقد خلق الإنسان ضعيفا يحتاج إلى معونة، ومع هذا فقد كان أكثر شيء جدلا. والقرآن يقدم مع المنهج الفكري طريقة استعماله وكيفية الانتفاع به.

стр. 179

أولا: الدعوة إلى البحث في حقائق التاريخ دعاهم إلى البحث في حقائق التاريخ والكشف عن الضربات القاصمة التي كانت جزاء المارقين من السابقين الذين يمرون عليهم مصبحين وممسين، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تحث على النظر والدراسة في تاريخ الأمم الماضية المجاورة. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ١. ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا

стр. 180

عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ١. ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ ٢. ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ ٣. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٤. إن القرآن هنا يسألهم لينشطهم للسير في الأرض بعين مفتوحة، وحس متوفر وقلب بصير؛ لينظروا, ويتدبروا ما كان في الأرض قبلهم من آثار وما تعرضوا له من تدمير؛ لأنهم أشركوا بالله ولم يقدروا قدره. وبعد أن يسأل لينشط يأمر ويكلف بالنظر. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٥.
следующие страницы →