هكذا يجيش القرآن الكريم أنواع الأدلة.
أدلة تهدي العقل المستنير.
أدلة تجذب البصيرة المعافاة من أمراض التقليد.
أدلة تطهر النفس الخبيثة وترجعها إلى حظيرة الفطرة والإيمان حتى لا تكون للناس حجة ولا تكون بعد البيان معذرة فإذا ما جحد الناس وضلوا وأصروا على هذه الضلالة وعادوا الدعوة وخاصموها كان لها بعد ذلك مندوحة في منهج جديد.
стр. 177
طريقة استخدام المنهج
مدخل
...
طريقة استخدام المنهج:
دلل القرآن الكريم على دين إبراهيم كعقيدة عاقبة بعد سيدنا إبراهيم جد العرب فكشف لهم بذلك عن طبيعة الدين الذي يدعون النسبة إليه ويفتخرون بالنسب إلى صاحبه.
ثم كشف عن بصائرهم غطاء الغفلة بما يتبعونه من سنة الآباء والأجداد، وعاب عليهم التقليد واتباع الظن.
﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ .
ونصب لهم أدلة التوحيد في عدة نماذج.
ولم يترك القرآن الكريم الجانب العاطفي الوجداني فحشد له نماذج من نعم الله ونقمه تاريخ إهلاك المشركين من الضالين السالفين.
تلك الخطوات كلها مجتمعة أو بعضها تعالج قضية التوحيد والتنزيه وتخاطب المستويات الإنسانية كلها، في الشخص الواحد أو في الجماعة الواحدة فالناس معادن.
معدن تكفيه الكلمة الطيبة وتكفيه المعاريض.
ومعدن مقيد بأمجاد الآباء مفتخر بالنسب حريص على استمرار فقه أبيه.
ومعدن يحب الترف العقلي يناقش أو يجادل يحاجج.
стр. 178
ومعدن عاطفي وجداني قد يلين جانبه بالموعظة الحسنة أو تخضع كبرياؤه للتجربة القاسية.
وقد يكون الفرد الواحد هو صاحب نفوس تحتاج إلى هذا الحظ من الأدلة فقدمها القرآن الكريم سهلة ميسرة.
ولكن القرآن الكريم لا يترك الناس على جهالة لا يعرفون كيف يستخدمون هذا المنهج.
لم يتجاهل القرآن طبيعة الإنسان، فقد خلق الإنسان ضعيفا يحتاج إلى معونة، ومع هذا فقد كان أكثر شيء جدلا.
والقرآن يقدم مع المنهج الفكري طريقة استعماله وكيفية الانتفاع به.
стр. 179
أولا: الدعوة إلى البحث في حقائق التاريخ
دعاهم إلى البحث في حقائق التاريخ والكشف عن الضربات القاصمة التي كانت جزاء المارقين من السابقين الذين يمرون عليهم مصبحين وممسين، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تحث على النظر والدراسة في تاريخ الأمم الماضية المجاورة.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ١.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا
стр. 180
عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ١.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ ٢.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ ٣.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٤.
إن القرآن هنا يسألهم لينشطهم للسير في الأرض بعين مفتوحة، وحس متوفر وقلب بصير؛ لينظروا, ويتدبروا ما كان في الأرض قبلهم من آثار وما تعرضوا له من تدمير؛ لأنهم أشركوا بالله ولم يقدروا قدره.
وبعد أن يسأل لينشط يأمر ويكلف بالنظر.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٥.
стр. 181
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٢.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٣.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ ٥.
كان العرب يسيرون في الأرض وينتقلون في أرجائها، رحلة الشتاء والصيف ولكنه كان سيرا متعلقا بالعيش، بالرعي بالصيد بالتجارة، ولما عارضوا الدعوة لم يفكروا جديا في حرية بعيدة عن الجاهلية والعمى فنبههم القرآن الكريم إلى تعدين أهداف السير.
لقد سألهم أن يسيروا للتدبر والاعتبار ثم أمرهم أن يبحثوا في آثار الأمم الماضية التي تحل قريبا من دارهم حتى يعرفوا سنن الله وقد تحققت كقانون سرمدي يجربه الله دائما على كل المعاندين.
стр. 182
إن الحوادث شاخصة في الآثار فليسيروا إليها لينظروا جبروت السالفين تأثيرا وأثارا وكيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها.
وهذه نقلة جديدة في حياة الفكر العربي بل الإنساني كله، التوصل إلى الحقيقة عن طريق دراسة وتحليل حوادث التاريخ وأنه الطريق الوحيد الذي يأخذ بأيديهم من سفح الجاهلية الهابط إلى قمة الهداية السامقة١.
стр. 183
ثانيا: ولكن كيف ينظرون ؟
إن التفكير وسط الازدحام على الأغلب فيه تشويش على الخاطر وتعويق للفهم وتخليط في الكلام١، والتفكير مع الجماعة مقيد متهم فقد يكون في الجماعة منحرف يخشاه الفرد وقد تكون الجماعة متخلفة عن الفرد فتتهمه بعيب، كيف إذن يتم النظر؟
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ٢.
فهي أولا تجريد من الهوى والرأي الشخصي والتبعية لأهواء الآباء والأجداد إنها تحرر من كل قيد على النفس والعقل وتبرئة من المصلحة الخاصة، فهي قومة بعيدة عن ملابسات الأرض، بعيدة
стр. 184
هواتف الحاجة ودوافع الأنانية تلك التي تشتجر في القلب فتنئيه عن رحاب الله.
إنها قومة بعيدة عن التأثر بالتيارات البيئية والمؤثرات المشحونة بها الجماعة البشرية.
إنها دعوة إلى التعامل مع الواقع البسيط لا مع الأقيسة والقضايا والدعاوى التي تروج في وسط المجتمعات، ولا هي عبارات مطاطة تبعد العقل أو القلب أو الوجدان عن مواجهة الحقيقة في بساطتها وقربها ووضوحها، دعوة إلى منطق الفطرة الهادئ الصافي البريء من آفات التعصب، السليم من أمراض المجتمع، دعوة بعيدة عن الضجيج والخلط واللبس والتشدق والاضطراب والغبش الذي يحجب الفطرة ويحجب صفاء الحقيقة، إنها وقفة أو قومة واحدة إن تحققت صح المنهج واستقام الطريق.
إنها أن تقوموا لله، لا لغرض، ولا لهوى، ولا لمصلحة، ولا لقبيلة، ولا لقومية، ولا لمال، ولا لجاه، ولا لملك، لا لشيء من مثل الأرض، وإنما هي قومة خالصة متجردة لوجه الله.
ثم يفكروا ويتدبروا بعيدا عن المؤثر الخارجي فليعيشوا أثناء التدبر في مواجهة خالصة مع الحقيقة القائمة.
تدبر خاص في جو خاص يضمن للتفكير سلامته وتجرده ويكفل للمفكر حريته أن تقوموا لله مثنى وفرادى.
стр. 185
مثنى ١:
ليراجع الصديق صديقه في إخلاص وأمانة ويأخذ معه ويعطي في غير ما تأثر بعقلية الجماهير الفوضوية الغوغائية التي تهرع وراء الانفعال الطارئ الخاطئ ولا تستعد لتسمع حجة ولا تقبل أن تبدأ لتنصرف بالتي هي أحسن.
وفرادى:
مع النفس وحدها في مقابلة ذاتية يحاسب المرء نفسه يمحص الحقائق في عمق وهدوء. يقلب القضايا، يسترجع التاريخ. يقارن التصرفات.
ما بصاحبكم من جنة؛ فما عرف عنه إلا العقل الراجح والرزانة الوقورة والتدبير الموزون لقد كان قبل بعثته الأمين على الأسرار والودائع، وكان أشرف الناس خلقا وأجودهم سخاء وأنبلهم سلوكا.
لقد كان فوق القمة من الأخلاق والسلوك والمروءة والشجاعة ولم يعرف عنه غير ذلك البتة.
وما يقوله الآن بعد البعثة ليس شيئا يدعو إلى التظنن برشده وعقله، إن هو إلا قول رسول كريم.
стр. 186
إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد، إنه هاتف يحذر من حريق يكاد يعم قبيلتهم، القبيلة كلها, وهو لمس على شغاف القلوب لعلها تلين١.
هكذا تتحدد في سهولة ويسر طريقة استخدام المنهج:
١- أن يقوموا لله قومة صادقة.
٢- أن يتجردوا في هذه القومة من كل مؤثر خارجي أو أناني.
٣- أن يتكاشف الصديقان بإخلاص.
٤- أو أن يحاسب الفرد نفسه ويكاشف سريرته.
فسوف يسمعون جميعا النداء الحق الأمين ﴿أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ .
стр. 187
الفصل الثاني: منهج العمل مع الجماعة
مدخل
...
الفصل الثاني: منهج العمل مع الجماعة
الدعوة الإسلامية حركة بناء لمجتمع يحقق الخلاقة عن الله في عمارة هذه الأرض بواسطة جهود الإنسان المؤمن الذي يسلم وجهه لله وهو محسن، حركة بناء هي عمل مع الجماعة الإنسانية. والعمل مع الجماعة الإنسانية في العصر الحديث أخذ شوطا بعيدا في الدراسة والتوصيف والتخطيط والإعداد.
والمنهج الإسلامي الذي قدمته الدعوة الإسلامية في عهدها المكي للعمل مع الجماعة هو المنهج الرائد للمعارف الاجتماعية كلها وهو الأصل الذي تدين له جميع الدراسات الاجتماعية المعاصرة فيما يتعلق بالصلة بين الرائد صاحب الدعوة والفكرة والجماعة التي يريد أن ينقل إليها دعوته أو فكرته.
لقد تناولت الدراسات الحديثة في توصيف منهج العمل مع الجماعة مجموعة من المبادئ أو الخطوات التي يلتزم بها الرائد الاجتماعي، وهي بأفرادها أو بمجموعها لقطات من العمل الإسلامي في العهد المكي.
لقد تحدث الكاتبون في الدراسات الاجتماعية عن ثقة الداعية بنفسه، وتحديد أهدافه، وحسن عرضه للمبادئ التي يدعو إليها، وإيجاد استقطاب حول دعوته, والتعرف على المجتمع وتنظيم قيادة
стр. 188
محلية١ ... إلخ، ومجيء هذه الدراسات مؤخرا يفرض عليها صفة التلمذة للمنهج الإسلامي من جانب، وصفة القرض من جانب آخر، وقد شهد بهذا النطق بصفة عامة كاتبان من الغرب.
إن منهج العمل مع الجماعة الذي قدمته الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة هو وحدة المنهج الأول الذي احترم عقل الإنسان وكرامة الجماعة وقدم خطواته مع الصدق والحق بعيدا عن بريق الدعايات الكاذبة والبيانات المضللة والتمثيليات التي يتقمصها رواد العمل الاجتماعي في العصر الحديث، وقلب معايير الحقيقة وخداع الرأي العام بما لديهم من قدرة إعلامية تخدع الأذن، وتزكم الحس وتشوش على الفكر وتجمد الذكاء٢.
والمنهج الذي قدمته الدعوة الإسلامية في العهد المكي للعمل مع الجماعة قدمته وطبقته وهو المنهج الوحيد الذي أنتج إنتاجا دائما خالدا، هذا المنهج يقوم على ثماني قواعد:
القاعدة الأولى: ثقة الداعية.
القاعة الثانية: تحديد الهدف.
القاعدة الثالثة: التعرف على المجتمع.
стр. 189
القاعدة الرابعة: تربية قيادات تعمل معه.
القاعدة الخامسة: عرض الدعوة عرضا واضحا.
القاعدة السادسة: إحداث استقطاب كامل حول الدعوة.
القاعدة السابعة: السلوك المطابق للدعوة.
القاعدة الثامنة: الصبر والتحمل حتى تظهر حقيقة الهدف من الدعوة.
стр. 190
أولا: ثقة الداعية
الحديث عن ثقة الداعية هنا، يشتمل على عنصرين:
العنصر الأول: ثقة الداعية في نفسه.
العنصر الثاني: ثقة المجتمع في الداعية.
أما فيما يتعلق بثقة الداعية في نفسه، فقد عبر عنها النبي ﷺ أصدق تعبير:
"والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته" ١.
إن الجو الذي قيلت فيه هذه الجملة المنهجية جو الكثرة العاتية التي تهجم بكلكلها على النبي ﷺ فلو كانت شخصية الرسول ﷺ لا تساوي في وزنها الاجتماعي ثقل المجتمع
стр. 191
الميكأكئ عليه بالخيل والرجال والرأي والحفيظة لما أمكن أن يضع هذا المعيار الخالد الذي يصور المستوى السامق في عزة النفس والثقة بالله وبالإسلام وبما يدعو إليه مما ينبغي أن يتسلح به الداعية.
لقد كانت ثقة الرسول ﷺ بنفسه كداعية أسلم وجهه لله وهو محسن تفوق قدرة البشر حتى ولو تقدموا علميا أو تكنولوجيا واستطاعوا أن يخلعوا قرص الشمس من فلكها وينتزعوا القمر من هالته وحاولوا أن يقنعوه فيما بعد لو صح لهم أن يضعوا هذه الشمس المخلوعة من فلكها في يمينه، وهذا القمر المنتزع من هالته في يسراه، ما قبل وما وثق وما رضي ولاستمر على دعوته لأنها أحق مما وصلوا إليه لو كانوا يقدرون.
والرسول ﷺ بهذا يحدد مستوى الثقة بالنفس للداعية الإسلامي الذي يضطلع بأعباء العمل للدعوة الإسلامية، وفي نفس الوقت يشاء الله أن يكون هذا المستوى من الثقة بالنفس خاصا بالداعية الإسلامي، لأنه مستند في ثقته بالنفس إلى الإيمان بالله العلي الكبير ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
لقد كانت ثقة الأنبياء ولم تكن ثقة الزعماء. إن ثقة الأنبياء رحمة وحنان وثقة الزعماء قسوة وطغيان.
стр. 192
ولله در المناجي:
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال:
﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ، ولو دعوت علينا لهلكنا من عند آخرنا فقد وطئ ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا، وقلت: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون١.
إنها ثقة الذي نعتته السماء:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ ٢.
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ ٤.
وأما ثقة المجتمع بالداعية فقد أجمع الناس طرافي مكة المكرمة على أن يفردوه وحده بلقب الأمين, وعادة المجتمع الجاهلي فارغة من الألقاب خالية من تقاليد النياشين، لقد كانت الفروسية وأمارة الشعر تنتزع انتزاعا من ساحات الوغى وأسواق القريض ومعارض الفكر.
стр. 193
ولكن الأمانة لم يكن لها سوق ولا معرض ولا ساحة.
غير أن ثقة المجتمع في أخلاق محمد ﷺ قبل أن يبعث ألزمت المجتمع أن يحمي هذه الشخصية الفريدة فيه فأجمعوا على أن يلقبوه "بالأمين".
يقول ابن هشام:
وكانت قريش تسمي رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين١ وعبارة زاد المعاد تضفي على أبعاد هذه الأمانة أنوارا تبرز قسماتها.
وأما الأمين: فهو أحق العالمين بهذا الاسم فهو أمين الله على وحيه ودينه وهو أمين من في السماء وأمين من في الأرض ولهذا كانوا يسمونه قبل النبوة بالأمين٢.
ولم يكن اسما أو لقبا خاليا من وضعه على محك الأحداث والتجارب فقد اختبرت قريش نفسها في مقدار ما تكنه لهذا الاسم من التقدير والثقة, فلما استحكم الخلاف بينهم عندما تم بناء الكعبة, ووصل الأمر إلى قاب قوسين أو أدنى من الحرب الضروس التي تهلك النسل والحرث وتخرب الديار وتدمر البلاد, ارتضوا أول داخل عليهم ليكون حكما بينهم.
стр. 194
إنهم ما كانوا يفكرون في شخصية الداخل بقدر ما حملهم النزاع على أن ينتهوا من هذا النزاع الذي شحن الجو بدخان الحرب، ولو كان غير محمد ﷺ , لاندلعت الفتنة من جديد, وربما قامت الحرب، ولكنها كلمة قالوها وشاء الله أن تكون عليهم حجة إلى يوم القيامة فلما دخل محمد ﷺ قالوا:
هذا الأمين، رضينا، هذا محمد١
هذا الأمين, قد رضينا بما قضى بيننا٢
هذا الأمين, قد رضينا به٣
هذا الأمين, رضينا، هذا محمد٤
هذا الأمين, رضينا, هذا محمد٥
هذا الأمين, وقد رضينا بما قضى بيننا٦
هذا الأمين, قد رضينا به فحكموه٧
стр. 195
لقد ابتدءوا بالإشارة إليه باللقب الذي منحوه إياه ثم أعقبوه باسمه الشريف الكريم ثم ارتضوا أي شيء يحكم به بينهم، فقد عرفوه عادلا منصفا لا يداري ولا يماري فأسلموا له القيادة والقيادة، فقالوا: أتاكم الأمين فقاموا له فوضعه في ثوب، ثم دعا بطونهم فأخذوا بنواحيه معه، فوضعه هو ﷺ ، وأشهدوا التاريخ على أنفسهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم١ قبل البعثة هو الأمين عليهم في مدلهمات الأمور.
ويسجل الشعر العربي هذه الحادثة بانفعالاتها وتوجساتها والخوف من سوء عاقبتها فيقول هبيرة بن أبي وهب المخزومي:
تشاجرت الأحياء في فصل خطة ... جرت بينهم بالنحس من بعد أسعد
تلاقوا بها بالبغض بعد مودة ... وأوقد نارا بينهم شر موقد
فلما رأينا الأمر قد جد جده ... ولم يبق شيء غير سل المهند
رضينا وقلنا العدل أول طالع ... يجيء من البطحاء من غير موعد
ففاجأنا هذا الأمين محمد ... فقلنا رضينا بالأمين محمد٢
стр. 196
وبيت القصيد في هذا الرضا.
أولا: أن أبا أمية بن المغيرة هو الذي اقترح التحكيم لأول داخل، وهو يومئذ أسن قريش كلها.
وقبول رجل مثل هذا له وزنه الاجتماعي والتاريخي.
ثانيا: أن المتخاصمين لم يشذ منهم واحد في قبول التحكيم.
ثالثا: أنهم لم يناقشوا الرسول ﷺ في تحديد طرف الثوب لكل وكيل قبيلة.
رابعا: أنه هو وحده الذي رفع الحجر من الثوب أو من ثوبه ووضعه بيده المباركة الشريفة الطاهرة.
صحيح وقع نزاع من رجل شاء أن يعاون الرسول ﷺ بحجر يشد به الركن عندما نحاه العباس وقدم هو الحجر، ولكنه نزاع بعد الرضا بالتحكيم وتنفيذه وهو نزاع لم يثر شبهة ما حول إجماع الناس على قبولهم حكم رسول الله ﷺ .
ثم هو نزاع من رجل إبليسي، أو هو إبليس تشبه برجل كما ذهب إلى ذلك ابن١ سعد في الطبقات والأرزقي٢ في أخبار مكة.
لقد كانت صيحة أخرس وفعلة شيطان وكانت خرقاء جوفاء لم تحمل في أعقابها أثرا، واستقرت الثقة الكاملة من المجتمع في محمد ﷺ , هذا الأمين قد رضينا به.
стр. 197
ويضع الناس أنفسهم مع رسول الله ﷺ مرة أخرى في بدء الدعوة- على محك الثقة تجاهه لما ناداهم:
"يا بني فهر! يا بني عدي! أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا١.
لقد أراد أن يتفق معهم على شرط يكون عليهم حجة قبل أن يبلغهم رسالة الله وقد علموا أنه نبي مرسل وأنه ليكلم من السماء فوضع فرضا من الفروض، لو أنه أخبرهم خبرا خطيرا يهدد مستقبل حياتهم أكانوا مصدقين؟ فأجابوه: نعم، وأجابوها مع دليل يقويها ويؤكدها أجابوه بتاريخه المعروف المشهور الواضح الثابت المستقر عندهم "ماجربنا عليك إلا صدقا".
وتستمر هذه الثقة حتى مع وجود النزاع الحاد والخصومة المستحكمة التي بدءوا بها واستمرءوها.
لقد قال لهم النضر بن الحارث يوما، وهو من أشد المتحمسين لعداء الدعوة وله دور إيجابي في معاندة آيات الوحي الصادق، قال لهم: قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم ساحر، لا والله ما هو بساحر٢ ... إلخ.
стр. 198
ولقد قالها أبو سفيان لهرقل, حين سأله:
هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
فقال له: لا.
قال: فهل يغدر؟
فقال له: لا١.
لقد وقفوا منه موقف الخصم الفاجر, وقلبوا له جميع الاتهامات إلا الكذب والغدر, لقد شهدوا له بالأمانة والصدق، وتأكدوا من سموا أخلاقه, وحتى مع نذالتهم هم في خصومتهم معه كانوا يتركون ودائعهم عنده بعد أن آذوا أصحابه, وحبسوه ثلاثة أعوام في شعب بني هاشم وأرادوا قتله، وكانت مع كل هذه المواقف المتغطرسة في لجاجة الباطل من جانبهم كانوا يتأكدون أنه الأمين الصادق وكانت ودائعهم عنده، وخلف عليا ﵁ في فراشه ليلة الهجرة ليرد ودائعهم إليهم.
يقول ابن هشام:
"أما علي فإن رسول الله ﷺ فيما بلغني, أخبره بخروجه, وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله ﷺ ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته ﷺ "٢.
стр. 199
وما تنتهي ثقتهم فيه أبدا حتى مع الحروب التي أثاروها على الدعوة بعد الهجرة فما زالوا في قرارة أنفسهم يعتقدون أنه صادق وأنه أمين وأنه على الحق ففي الشفاء للقاضي عياض..
أن الأخنس بن شريق لقي أبا جهل يوم بدر فقال: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد؛ أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ههنا غيري وغيرك، فقال له: والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط١.
فيقسم ويؤكد ويثبت الصدق بطريقين: الإيجاب والسلب معا ثم يؤكد ذلك بالتأكيد الأخير "قط".
لقد كانت ثقة المجتمع في الداعية مبنية على وضوح في سلوكه ومعرفة تامة بأخلاقه ومعاملة مستمرة تظهر في كل يوم جليل خلقه، ونفيس صدقه، وعظيم وفاته، ورفيع محبته للناس جميعا.
ولقد كانت ثقة الداعية بنفسه قائمة على ثقته بربه، وثقته بالحق الذي يدعو إليه وثقته بنصر الله.
وتلك هي التي تعوز جميع قادة العمل الاجتماعي في العصر الحديث, وتلك التي امتازت بها نظم العمل مع الجماعة في منهج الدعوة الإسلامية منذ ذلك الفجر البعيد٢.
стр. 200
ثانيا: تحديد الهدف
لقد جمعهم رسول الله ﷺ في مؤتمر عائلي خاص وأعطاهم من الأمان والراحة ما أنسهم ثم قال لهم: "الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له" , ثم قال:
"إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعلمون، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا" ١.
فهو نبي لهم وللناس عامة.
يدعو إلى توحيد الله.
والإيمان بالبعث والحشر والحساب والجنة والنار.
وهو في سبيل هذا لا يسألهم أجرا وقد حدد لهم هذا بوضوح:
"ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم, ولا الشرف فيكم, ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا, فبلغتكم رسالات ربي, ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به, فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله, حتى يحكم الله بيني وبينكم" ٢.
стр. 201
لقد عرضوا عليه فعلا الدنيا بحذافيرها.
لقد عرضوا عليه الملك.
وعرضوا عليه المال.
وعرضوا عليه الرياسة والشرف١.
فرفضها كلها.
لقد رفضها رفضا قويا، لأنها ليست واحدة من أهداف الدعوة.
لقد رفضها بأسلوبه النبوي الأخاذ ورفضها بما أوحي إليه من عند ربه.
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ٢.
﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٣.
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ٤.
﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ٥.
стр. 202
يقول الطبري في معنى بعض هذه الآيات:
ما أتبع إلا وحي الله الذي يوحيه إلي وتنزيله الذي ينزله علي في كل ما أقول لكم وأدعوكم إليه١.
إني لم أسألكم على ذلك جعلا فتتهموني وتظنوا أني إنما دعوتكم إلى اتباعي لمال آخذه منكم٢.
يقول البغوي:
لا أسألكم أجرا فتتهموني، ومعنى قوله "فهو لكم" أي لا أسألكم شيئا كقول القائل مالي من هذا، فقد وهبته لك يريد ليس لي فيه شيء٣.
إنما الذي يريده هو اهتداء الإنسان إلى ربه وتقربه إلى الله الحق، إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا. هذا وحده هو أجره، يرضى قلبه الطاهر ويستريح وجدانه النبيل أن يرى أهله والناس عامة قد اهتدوا إلى صراط الله العزيز الحميد.
وينفي الرسول ﷺ ذلك مرة أخرى في إطار منهج الدعوة العام الذي سلكه موكب الأنبياء من قبل.
стр. 203
فيردد لقريش وللدنيا كلها من بعد ما قاله إخوانه الأنبياء: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
لقد قالها نوح.
وقالها هود.
وقالها صالح.
وقالها لوط.
وقالها شعيب.
وهو نص واحد لا يتغير ولا يتبدل:
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
لقد طمأنهم النبي ﷺ أنه لا يريد شيئا من حطام الدنيا فما له فيها من مأرب وما يطلب منهم أجرا جزاء دعوتهم وهدايتهم إلى الله, إنما هو يطلب أجرا من رب الناس الذي كلفه دعوة الناس إلى الصراط المستقيم.
ذلك هو طريق الأنبياء جميعا وهو تنبيه يبدو أنه كان ضروريا للدعوة الصحيحة حتى تتميز عما عهده الناس من الكهان ورجال الأديان من استغلال الدين لسلب أموال العبادة, وهو توضيح لطبيعة الدعوة وبيان للشرف النبيل الذي يصطلح به الداعية المنتسب إليها٢.
стр. 204
وينفي الرسول ﷺ كذلك أن تكون الدعوة مصدر تمويل وارتزاق، لقد ضمن الله الرزق لكل مخلوق.
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١.
فالدعوة الإسلامية ليست هدفا يرتزق الناس بها.
﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.
فنفى أن هاتيك الخزائن مفوضة إليه يتصرف فيها كيفما شاء استقلالا أو استدعاء.
ونفى أنه لا يقول بعلم الغيب فذلك من خواص الألوهية.
ونفى أنه يدعي الملكية٣.
لقد نفى ذلك مع وضوحه تبريا عن كل باطل يشوش على هدف الدعوة التي تقصد إلى توحيد الله تعالى وتنزيهه.
وعرضوا عليه أن يكذب عن سب آلهتهم ثم يقتسموا معه العبادة سنة وسنة، لآلهتهم سنة وللذي يدعو إليه سنة أخرى٤.
стр. 205
ولكنه رفض.
ورفض بجزم يحيط بالذات والزمن معا.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ١.
فهو لا يعبد ما يعبدونه لما هو عليه من النبوة, وهم لا يعبدون ربه الذي يدعو إليه؛ لأنهم وقت الخطاب كافرون، فانتفى في زمن الخطاب معهم التقاء في العبادة الصحيحة التي يدعو إليها محمد ﷺ .
وبرهن على أن هذا النفي ليس تعصبا منه وذلك للصفة القائمة في كل طرف, فهو متصف بالنبوة فلا يمكن أن يكون عابدا لآلهتهم.
وهم متصفون بعبادة باطل منذ الجاهلية فلا لقاء, وإذن فلكلٍ دينه٢.
стр. 206
وهو فيصل التفرقة بين هدف الدعوة الصحيحة وكل دعوة ضالة تريد أن تخدع المخلصين ببريق الألفاظ ومعسول السموم.
ثم تلى عليهم الهدف من آيات الله البينات.
توحيد الله:
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ١.
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ٢.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ, ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٤.
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٥.
لقد حدد الرسول ﷺ هدف الدعوة بوضوح تام ونفى كل شبهة وجابه كل محاولة تريد الانحراف بهدف الدعوة وذلك التحديد للهدف والوضوح فيه هو ما يعوز جميع أنماط للعمل الاجتماعي في العصر الحديث.
وشتان ما بين هدف يتوجه إلى الله وهدف يريد أن يصيب دنيا أو امرأة ينكحها.
"إن الرائد لا يكذب أهله".
والله ما كذب أهله ولا كذب أحدًا من الناس بل كان لهم رحمة وهدى للعالمين.
стр. 210
ثالثا: التعرف على طبيعة المجتمع
التعرف على المجتمع: عاداته, وتقاليده, وأنماط الثقافة فيه جزء من وظيفة الأخصائي الاجتماعي الذي يؤهل للعمل مع الجماعة في حقل الخدمة الاجتماعية.
ووسيلة المتعرف على المجتمع هي الدراسة كما شرحها الكاتبون في فن خدمة الجماعة، ولكن التعرف الذي يحتاج إليه علم فن خدمة الجماعة١ هو تعرف سطحي ويحتاج إلى زمن، ثم هو تعرف على المجتمع من جانب الخادم الاجتماعي أو الأخصائي الاجتماعي وهنا تبرز
стр. 211
علمية المنهج الإسلامي في العمل مع الجماعة بصورة أجل, وأسمى, وأشمل, وأوسع؛ لأنها تأخذ في مفهوم التعرف على المجتمع التبادل المعرفي بين طبيعة المجتمع وطبيعة الداعية.
لقد تعرف النبي ﷺ على طبيعة المجتمع بأسلوب الممارسة والاشتراك, وهو نمط أقوى في إدراك حقائق الأمور من الدراسات المستعجلة التي يحاول إتقانها الأخصائيون في العصر الحديث.
لقد عاش النبي ﷺ مع المجتمع الذي سينقل إليه الدعوة عيشة المستوعب لثقافة البيئة دون أن يغامس حياة المجتمع في اتجاهاتها التي تؤثر مستقبلا عليه, فهو لم يغفل, ولم ينغمس فيها بل عاش حياة المجتمع الفاضلة, فكان راعيا للغنم عند أمه حليمة.
وكان راعيا للغنم عند قريش على قراريط١.
وكان تاجرا معهم في السوق٢.
وكان قاضيا لهم في مدلهمات الأمور عند وضع الحجر الأسود٣، واشترك معهم في حلف الفضول٤.
стр. 212
لقد عاش معهم الحياة الاجتماعية في مستواها العفيف.
وعاش معهم الحياة السياسية في مستواها العادل الواضح.
وعاش معهم الحياة الاقتصادية في مستواها الأمين الحلال.
ومع هذا فما سجد لصنم قط، ولا حلف باللات والعزى، ولا احتفل بعيد لهم, ولا شرب لهم خمرا, ولا طعم لهم ذبيحة ذبحوها على النصب١.
لقد عصمه الله جل شأنه منذ اختاره لهداية البشر رسولا مبشرا ونذيرا.
لقد كانت لديه ممارسة كاملة بالجانب الرفيع من ثقافة المجتمع, وكانت عنده حصانة فطرية لا يقدر معها على الانجذاب إلى ثقافة لا تتفق مع سويته التي خلق ليكون للعالمين نذيرا.
فهو لم يندمج كليا فيغامس حياة المجتمع كلها.
ولم ينعزل عنها فيجهلها كلها.
لقد كان موجودا في أوساطها لا في وسطها, فهو في المجتمع يشترك مع فضليات الأخلاق, وعظام الأمور, وهو في المجتمع يرى وينأى عن شرور البشر.
стр. 213
لقد كان إيجابيا مع الحياة الفاضلة.
وكان سلبيا بالطبع مع الحياة التي لا تتفق مع طبيعته، فقد عصمه الله من كل سوء. لقد كان منفتحا على المجتمع كله بذاته وطهارته, وكان هو كذلك معروفا للمجتمع، لقد كان معروفا منذ اللحظة الأولى التي ولد فيها.
وكان معروفا في فترة رضاعه.
وكان معروفا في فترة حضانته مع أمه.
وكان معروفا في فترة حضانته مع جده وعمه.
لقد كان معروفا وهو طفل.
وكان معروفا وهو غلام.
وكان معروفا وهو شاب.
معروفا بالأمانة, والخلق الرفيع, وكان محل الإكرام والتقدير والتبجيل من كل أطراف المجتمع.
ولم يحظ نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام, ولم يحظ قط زعيم من الزعماء في الغابر والحاضر والمستقبل بانكشاف تام لحياته الفاضلة، وتعرف كامل على شخصيته الكبيرة الفذة إلا محمد ﷺ .
لقد قال فيه أبوه من الرضاع وهو لا يزال طفلا صغيرا:
والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة١.
стр. 214
وقالت فيه أمه حليمة:
لما دخلت به ﷺ إلى منزلي لم يبق منزل من منازل بني سعد إلا شممنا منه ريح المسك وألقيت محبته ﷺ واعتقاد بركته في قلوب الناس١.
وقالت أمه آمنة:
والله ما للشيطان عليه سبيل وإن لابني لشأنا٢.
وقال فيه رجال من نصارى الحبشة:
إن هذا الغلام كائن له شأن نحن نعرفه٣.
وقال فيه جده عبد المطلب:
يا بركة لا تغفلي عن ابني, فإن أهل الكتاب يزعمون أنه نبي هذه الأمة٤.
وقال عمه أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... فمال اليتامى عصمة الأرامل٥
стр. 215
وقال بحيرى:
فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتبنا, ورويناه عن آبائنا، واعلم أني قد أديت لك النصيحة١.
وقالت خديجة ﵂:
يابن عم! إني قد رغبت فيك لقرابتك, وسطتك في قومك, وأمانتك, وحسن خلقك, وحسن حديثك٢.
وقال له ورقة:
ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه٣.
وقد كان الخصوم معه أشهد الناس بكماله وسموه ورفعته وطهارته. يقول أبو جهل: والله إن محمد لصادق وما كذب محمد قط٤.
وقال النضر بن الحارث:
قد كان محمد فيكم غلاما أرضاكم فيكم, وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة٥.