← Сира

Сира · id 11736

الدعوة الإسلامية في عهدها المكي مناهجها وغاياتها

رؤوف شلبي

Полный текст (713 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

علمية المنهج الإسلامي في العمل مع الجماعة بصورة أجل, وأسمى, وأشمل, وأوسع؛ لأنها تأخذ في مفهوم التعرف على المجتمع التبادل المعرفي بين طبيعة المجتمع وطبيعة الداعية. لقد تعرف النبي ﷺ على طبيعة المجتمع بأسلوب الممارسة والاشتراك, وهو نمط أقوى في إدراك حقائق الأمور من الدراسات المستعجلة التي يحاول إتقانها الأخصائيون في العصر الحديث. لقد عاش النبي ﷺ مع المجتمع الذي سينقل إليه الدعوة عيشة المستوعب لثقافة البيئة دون أن يغامس حياة المجتمع في اتجاهاتها التي تؤثر مستقبلا عليه, فهو لم يغفل, ولم ينغمس فيها بل عاش حياة المجتمع الفاضلة, فكان راعيا للغنم عند أمه حليمة. وكان راعيا للغنم عند قريش على قراريط١. وكان تاجرا معهم في السوق٢. وكان قاضيا لهم في مدلهمات الأمور عند وضع الحجر الأسود٣، واشترك معهم في حلف الفضول٤.

стр. 212

لقد عاش معهم الحياة الاجتماعية في مستواها العفيف. وعاش معهم الحياة السياسية في مستواها العادل الواضح. وعاش معهم الحياة الاقتصادية في مستواها الأمين الحلال. ومع هذا فما سجد لصنم قط، ولا حلف باللات والعزى، ولا احتفل بعيد لهم, ولا شرب لهم خمرا, ولا طعم لهم ذبيحة ذبحوها على النصب١. لقد عصمه الله جل شأنه منذ اختاره لهداية البشر رسولا مبشرا ونذيرا. لقد كانت لديه ممارسة كاملة بالجانب الرفيع من ثقافة المجتمع, وكانت عنده حصانة فطرية لا يقدر معها على الانجذاب إلى ثقافة لا تتفق مع سويته التي خلق ليكون للعالمين نذيرا. فهو لم يندمج كليا فيغامس حياة المجتمع كلها. ولم ينعزل عنها فيجهلها كلها. لقد كان موجودا في أوساطها لا في وسطها, فهو في المجتمع يشترك مع فضليات الأخلاق, وعظام الأمور, وهو في المجتمع يرى وينأى عن شرور البشر.

стр. 213

لقد كان إيجابيا مع الحياة الفاضلة. وكان سلبيا بالطبع مع الحياة التي لا تتفق مع طبيعته، فقد عصمه الله من كل سوء. لقد كان منفتحا على المجتمع كله بذاته وطهارته, وكان هو كذلك معروفا للمجتمع، لقد كان معروفا منذ اللحظة الأولى التي ولد فيها. وكان معروفا في فترة رضاعه. وكان معروفا في فترة حضانته مع أمه. وكان معروفا في فترة حضانته مع جده وعمه. لقد كان معروفا وهو طفل. وكان معروفا وهو غلام. وكان معروفا وهو شاب. معروفا بالأمانة, والخلق الرفيع, وكان محل الإكرام والتقدير والتبجيل من كل أطراف المجتمع. ولم يحظ نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام, ولم يحظ قط زعيم من الزعماء في الغابر والحاضر والمستقبل بانكشاف تام لحياته الفاضلة، وتعرف كامل على شخصيته الكبيرة الفذة إلا محمد ﷺ . لقد قال فيه أبوه من الرضاع وهو لا يزال طفلا صغيرا: والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة١.

стр. 214

وقالت فيه أمه حليمة: لما دخلت به ﷺ إلى منزلي لم يبق منزل من منازل بني سعد إلا شممنا منه ريح المسك وألقيت محبته ﷺ واعتقاد بركته في قلوب الناس١. وقالت أمه آمنة: والله ما للشيطان عليه سبيل وإن لابني لشأنا٢. وقال فيه رجال من نصارى الحبشة: إن هذا الغلام كائن له شأن نحن نعرفه٣. وقال فيه جده عبد المطلب: يا بركة لا تغفلي عن ابني, فإن أهل الكتاب يزعمون أنه نبي هذه الأمة٤. وقال عمه أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... فمال اليتامى عصمة الأرامل٥

стр. 215

وقال بحيرى: فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتبنا, ورويناه عن آبائنا، واعلم أني قد أديت لك النصيحة١. وقالت خديجة ﵂: يابن عم! إني قد رغبت فيك لقرابتك, وسطتك في قومك, وأمانتك, وحسن خلقك, وحسن حديثك٢. وقال له ورقة: ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه٣. وقد كان الخصوم معه أشهد الناس بكماله وسموه ورفعته وطهارته. يقول أبو جهل: والله إن محمد لصادق وما كذب محمد قط٤. وقال النضر بن الحارث: قد كان محمد فيكم غلاما أرضاكم فيكم, وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة٥.

стр. 216

وقال له عتبة: يابن أخي! إنك منا حيث قد علمت من السعة في العشيرة والمكان في النسب١. ويقول الوليد بن المغيرة: إن لقوله لحلاوة, وإن أصله لعذق, وإن فرعه لجناة٢. لقد كان معروفا لأبناء مجتمعه القريب, وكان معروفا لأبناء مجتمع دعوته البعيد, فقال فيه النجاشي: أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى٣. وقال فيه كسرى: فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه٤. والقرآن الكريم يضع هذا الانفتاح بكلتا شطريه في موضع الاستدلال على صدق نبوته ﷺ . يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٥. ﴿لَبِثْتُ﴾ فوجودي مشهود كله لكم. ﴿فِيكُمْ﴾ وأنتم مشهودون لي.

стр. 217

والحياة مكشوفة بيننا, وأنتم تعرفون عني كل شيء, حتى كيف تزوجت؟ وكيف سافرت؟ وكيف عاشرتكم؟ وأنتم مكشوفون لي عادة وسلوكا وأخلاقا. ولهذا نفى القرآن عنهم في هذا الاستفهام التأنيبي المزلزل, نفى عنهم التعقل، فإن حياة محمد ﷺ معلومة لهم لا تحتاج في إدراك نبوته إلى علم, فأمانته وصدقه وسطته ونسبه مشهورة معروفة معلومة, وهي كلها تؤهل مع تاريخه المجيد لأن يكون للعالمين رسولا. ولكنهم لا يعقلون ما يعلمون. يقول الأستاذ الندوي: وحياة محمد ﷺ من ميلاده إلى ساعة وفاته معلومة للذين عاصروه وشهدوا عهده, وقد حفظها التاريخ عنهم لمن بعدهم، وهو في حياته لم يحتجب عن عيون قومه. إن جميع شئون وأطوار حياته: من ولادته, ورضاعه, وطفولته إلى أن صار يافعا وشابا، كل ذلك ظاهر أمره، معلومة تفاصيله، وقد علم التاريخ عن هذا النبي ﷺ باشتغاله في التجارة وكيفية زواجه، وعلم الناس سجاياه في صداقته وفي وفائه للناس قبل النبوة. واتصلوا به حين اتخذوه أمينا وأقاموه حكما فيما اختلفوا فيه من نصب الحجر الأسود في موضعه من الكعبة, ثم وقفوا على أمره حين حبب

стр. 218

الله إليه الخلوة فاعتزلهم في غار حراء، ثم علموا حاله حين نزل عليه الوحي من رب العالمين، وحين بدأ أمر الإسلام يظهر للوجود أخذ يدعو الناس إليه ويبلغ ما أنزل عليه١. فليست هناك لحظة من حياة الرسول ﷺ ولا لحظة من حياة المجتمع الجاهلي غابت عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام, ولا غاب عن المجتمع, فكان التعرف على المجتمع شاملا بالممارسة التي تعوز فن خدمة العمل مع الجماعة في العصر الحديث. وبات ذلك المنهج نظريا وتطبيقيا خالصا بالأسبقية التاريخية, والعملية ملكا للدعوة الإسلامية تبز به جميع أنماط العمل مع الجماعات.

стр. 219

رابعا: تربية قيادة مدخل ... رابعا: تربية قيادة دار الأرقم بن الأرقم. اختيار القيادة. الجهر بالمبادئ فجأة عملية خطيرة مراهقة لا يوصى بها المشتغلون في حقل الخدمة الاجتماعية. وإعداد القيادة داخل المجتمع قبل إعلان المبادئ جزء من منهج العمل مع الجماعة توصي به, وتؤكده الدراسات الاجتماعية التي نيط بها وظيفة التغيير الاجتماعي المرغوب فيه١.

стр. 220

وهذا المبدأ قد أسسته من قبل الدعوة الإسلامية في "دار الأرقم بن الأرقم" حيث اختار النبي ﷺ الأشخاص الذين توسم فيهم الاستجابة للدعوة١، ثم تعهدهم بعيدا عن المجتمع وثقافته بالتربية والإعداد. وأول من اختارهم رسول الله ﷺ ألصق الناس به من آل بيته وأصدقائه, فآمنت خديجة ﵂, وزيد بن ثابت مولاه, وعلي بن أبي طالب, وصديقه الحميم أبو بكر, وورقة بن نوفل٢. ثم راح رسول الله ﷺ ينتخب الأخيار المصابيح ويدعوهم إلى الإسلام يعاونه في ذلك سيدنا أبو بكر ﵁, فقد تعرف على وظيفته بفطرته, فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه٣. واتخذت هذه المرحلة دورا سريا حتى تكتمل التربية للقيادة بعيدا عن جاذبية المجتمع التي تضغط دائما على المبادئ في مهدها لتموت، ولذا فقد كان النبي ﷺ يتخير الأشخاص أولا، ثم ينبئهم عن الضغط الاجتماعي, حتى تسربت مبادئ الإسلام إلى المجتمع كالنور يقهر الظلام رويدا رويدا.

стр. 221

يقول في ذلك ابن هشام: ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به، ثم إن الله أمر رسوله ﷺ أن يصدع بما جاء به١. وتأتي هذه القضية واضحة في قصة إسلام سيدنا علي ﵁. روى البيهقي: ثم إن علي بن أبي طالب ﵁ جاء بعد ذلك فوجدهما يصليان فقال علي: ما هذا يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : "دين الله اصطفى لنفسه, وبعث به رسله, فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له, وإلى عبادته وتكفر باللات والعزى". فقال علي: هذا أمر لم أسمع به من قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب, وكره رسول الله ﷺ أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره فقال له: "يا علي إذا لم تسلم فاكتم" , فمكث على تلك الليلة حتى جاء فقال: ما عرضت علي يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى وتبرأ من الأنداد"، ففعل علي وأسلم فمكث علي يأتيه على خوف من أبي طالب, وكتم علي إسلامه, ولم يظهره٢.

стр. 222

واستمر على هكذا مستخفيا يصلي مع رسول الله ﷺ في شعاب مكة بعيدا عن أعين الناس, حتى عثر عليهما أبو طالب يوما وهما يصليان, فقال أبو طالب لعلي: أي بني! ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال: يا أبت آمنت بالله ورسوله، وصدقت بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته، قال ابن هشام: فزعموا أنه قال له: إنه لم يدعك إلا إلى الخير فالزمه١.

стр. 223

مستوى تربية القيادة: وكانت تربية النبي ﷺ لهذا الرعيل على المستوى الرفيع سيكولوجيا ووجدانيا ويقدر ما أتيح له ﵇ ماليا واقتصاديا. لقد أخذ الداعية الأول ﷺ على نفسه مسئولية إعداد قيادة يصل بها الفكر إلى أرفع مستويات العقيدة وضوحا وشمولا. كما أخذ على نفسه مسئولية حمايتها من الجو الذي تتعرض له إن عنَّ لواحد منها في هذه المرحلة شيء من ذلك. أما المستوى الوجداني الذي وصلت إليه التربية فإن سعد بن أبي وقاص ﵁ وهو شاب في التاسعة عشر من عمره يمثله، وقد كرهت أمه دخوله في الإسلام، وكان بها بارا رفيقا مهذبا،

стр. 224

فهددته, لا تأكل ولا تشرب حتى يكفر ويرتد, وإلا ماتت فعير بها, فيقول لها: تعلمين والله يا أمه، لو كان لك مائة نفس تخرج نفسا نفسا ما تركت دين هذا النبي ﷺ فكلي إن شئت أو لا تأكلي، فأكلت١. لقد كان روحانية سعد أكبر من تقاليد المجتمع وروحانية المعاني القديمة للأسرة, لقد تزيا قلبه بثوب قشيب من الإيمان, فخلع رداء المعادات الأسرية وبات كلام أمه: "لا أقرب طعاما ولا شرابا حتى أموت وتعيرك العرب بأنك قاتل أمك" سفسطة لا معنى لها، وبات كذلك رأي المجتمع في مفهوم آصرة القرابة فارغا من معنى الحق ما لم يقم على أساس العقيدة والإيمان. ولقد بلغت الحماسة الدينية بسعد هذا أن كان أول من أراق دما في الإسلام ففي تاريخ الطبري: فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب النبي ﷺ في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين, وهم يصلون, فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم, فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحي جمل فشجه فكان أول دم أهريق في الإسلام٢.

стр. 225

لقد ارتفعت قيم العقيدة في صدور الرجال إلى درجة تفوق وتعلو وتسمو فوق كل المعاني الاجتماعية التي درج عليه القوم. دخل حصين على النبي ﷺ كواسطة من قبل قريش ليحدث رسول الله ﷺ في شأن الدعوة وكان ولده عمران ﵁ أحد تلاميذ مدرسة الأرقم بن الأرقم ضمن كتيبة الدعوة التي يربيها النبي ﷺ فما وقف لوالده ولا أحس باحترام في نفسه لرجل كافر قطعت العقيدة أواصر الود بينهما حتى ولو كان ذلكم الرجل هو أبوه. ويعرض الرسول ﷺ الإسلام على حصين فيسلم فيقوم إليه ولده عمران فيقبل رأسه ويديه ورجليه ويبكي النبي ﷺ من صنع عمران, وقال: دخل والد "حصين" وهو كافر فلم يقم إليه عمران، ولم يلتفت ناحيته، فلما أسلم وفى حقه وقد دخل من ذلك في نفس رسول الله ﷺ رأفة وإشفاقا١. وهكذا تعلو الصلة في الله فوق كل المعايير الاجتماعية والأسرية، وتبقى الرابطة الأساسية هي الرابطة في الله وهي العروة الوثقى مهما كان هناك انعطاف وتعاطف، وجداني بين الولد وأبيه وأمه فإن العقيدة أعلا وأسما ووشيجة الإيمان أقوى وآصل ... تقوى بالإيمان ويقطعها الكفر وتسقط الطاعة، وتعلو

стр. 226

وشيجة الإيمان بالمسلم فوق كل الأواصر وتنفد جميع وسائل الكفر التي تجاهد بسلطة الأبوة والأمومة ليرتد المسلم عن دينه. ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١. ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢. لقد بات ذلك واضحا في شعور سعد وعمران, وكل تلاميذ مدرسة الأرقم بن الأرقم. وكان ذلك هو مستوى تربية القيادة وجدانيا تلك التي قبلت عن رغبة تحمل أعباء الرسالة, ولو كان ثمن ذلك الأهل والوطن والأقربين. وكان إعداد القيادة فكريا شاملا لمستوى الرسالة والدعوة لقد كان النبي ﷺ يبلغهم الوحي، وكانوا بالسليقة والفطرة أقدر الناس على تفهم أسلوب القرآن, وكانت صدورهم أكرم وعاء طاهر نقي صاف, يعي ويحفظ ما جاء به الوحي الأمين, وكانت عقولهم وقرائحهم نقية صافية واسعة الفهم عميقة الإدراك يظهر ذلك

стр. 227

جليا في المناقشة التي دارت بين النجاشي وسيدنا جعفر بن أبي طالب ﵁ وكان موضوعها: ما هو هذا الدين؟ وما هو الرأي في عيسى؟ لقد شرح له جعفر بن أبي طالب حقيقة هذا الدين كما تعلمه في مرحلة تربية القيادة بمدرسة الأرقم بن الأرقم، لقد قال للنجاشي: بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا لتوحيد الله, وأن لا نشرك به شيئا, ونخلع ما كنا نعبد من الأصنام, وأمرنا بصدق الحديث, وأداء الأمانة, وصلة الرحم, وحسن الجوار والكف عن المحارم, والدماء. ونهانا عن الفحش, وقول الزور, وأكل مال اليتيم، وأمرنا بالصلاة والصيام، فآمنا به وصدقناه, وحرمنا ما حرم علينا, وحللنا ما أحل لنا فتعدى علينا قومنا فعذبونا١ ... إلخ. فيذكر جعفر للنجاشي النظرية والتطبيق معا. ثم يقرأ على النجاشي القرآن فيبكي هو وأساقفته ثم يقول مقالته التاريخية: "إن هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة".

стр. 228

ثم حدد له بآيات القرآن رأى الإسلام والمسلمين في عيسى أنه: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فيستدر هذا الشرح الواضح أريحية النجاشي فيقولها واضحة صريحة: "ما عدا عيسى ما قلت هذا العود"١. وقد يصاب الاتباع في هذه المرحلة بضيق اقتصادي حتى يعوزهم ما يسد الرمق، ويذهب حر الظمأ, فكان النبي ﷺ يتكفل في هذه المرحلة من إعداد القيادة بالإنفاق على من تدور عليه دائرة العوز، يقول البيهقي: وقد كان رسول الله ﷺ إذا أسلم الرجل والرجلان ممن لا شيء لهما ضمهما رسول الله ﷺ إلى الرجل الذي في يده السعة فينالا من فضلة طعامه٢. يشهد لذلك أن خالد بن سعيد لما أسلم انتهره أبوه وغضب عليه وحلف ليمنعنه القوت، فانصرف خالد إلى رسول الله ﷺ فكان يلزمه ويعيش معه٣. وقد قال خالد لأبويه: إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به.

стр. 229

وتلك قاعدة أساسية في تربية الدعاة أن يعزفوا عن الحياة وزينتها ويرغبوا إلى الله وما عنده، وهو أيضا مستوى مفروض في تربية الداعية توصل إليه تلاميذ المدرسة الأولى للدعوة في دار الأرقم بن الأرقم. ولقد سأل النبي ﷺ أبا ذر وقد جاء من بعيد يستطلع أمر الإسلام دون أن يسأل أحدا من كفار قريش وبات ما شاء الله له أن يبيته في مكة, فلما قدم على النبي ﷺ قال له: "فمن كان يطعمك؟ " , قال: ما كان من طعام إلا ماء زمزم١. وهو سؤال يكشف عن منهج خاص في إعداد القيادة, وهو رعاية الجانب الاقتصادي بالقدر الذي يكفل لهم الحياة الإنسانية, ويبلغهم القدرة على أعباء العمل والجهاد. لقد كان النبي ﷺ في المرحلة الأولى من تلقيه الرسالة يجهز قيادة تحمل معه مسؤلية نشر الدعوة حتى لا تجابه الدعوة بادئ بدء بالإعراض من كل أفراد المجتمع، واتخذت تربية هذه القيادة جوا سريا. اختار فيهم الأفراد الصالحين للإعداد. وأبعدهم عن الضغط الاجتماعي حتى تصفو نفوسهم وقرائحهم وتنجلي صدورهم وأفئدتهم بالقرآن والمشاهدة النبوية. وعرض لهم الدعوة في شمول فسيح فيما يتعلق بالعقيدة والإيمان.

стр. 230

ووصل بهم إلى الدرجة الطبيعية أن اختاروا الله ورسوله على جميع القيم والمعايير والأوامر في المجتمع الجاهلي. وهيأ لهم القدر المالي الذي يسعفهم على العيش لينئيهم عن ضغط المعاندين وأذى الكافرين. وفي هذا الجو من العرض تبدو هنا ظاهرة واضحة, هي أن الدعوة لم تكن سرية كما ذكر ذلك جلة الكاتبين في التاريخ والسيرة. فقد كانت مكة كلها على علم بأن محمدا يكلم من السماء. وقد نقل أبو سفيان إلى أمية بن الصلت خبر نبوة محمد بعد أن رجع إلى مكة, وأخبرته هند بأمر النبوة. وكان "ورقة" يستعجل نبوة محمد بشعر مستفيض. وزيد بن عمرو، وبحيرا ونسطورا وميسرة وخالد بن سعيد وجمع غفير من الناس يعلمون أن نبوة خاتمة ستظهر. قال في الخصائص: قال العباس: خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب فيهم أبو سفيان بن حرب, فورد كتاب من حنظلة بن أبي سفيان فيه أن محمدا أقام بالأبطح فقال: "أنا رسول الله أدعوكم إلى الله" , ففشا ذلك في مجلس اليمن, فجاءنا حبر من اليهود, فقال: بلغت أن فيكم عم هذا الرجل الذي قال ما قال؟ قال العباس: فقلت نعم: قال أنشدك هل كانت لابن أخيك صبوة وسفهة؟ قلت: لا وإله عبد المطلب, ولا كذب, ولا خان, وإن كان اسمه عند قريش "الأمين".

стр. 231

قال: فهل كتب بيده؟ قال العباس فظننت أنه خير له أن يكتب, فأردت أن أقول: نعم, فخشيت من أبي سفيان أن يكذبني ويرد علي، قلت لا يكتب، فوثب الحبر وترك رداءه، وقال: ذبحت يهود١. قال في الوفا: عن ابن عفيف الكندي عن أبيه عن جده, قال: كنت امرأ تاجرا فقدمت للحج فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة، قال: فوالله إني لعنده بمنى إذا رجل خرج من خباء قريب منه ينظر إلى الشمس, فلما رآها قام يصلي، ثم خرجت امرأة من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل, فقامت خلفه تصلي, ثم خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخباء, فقام معه يصلي. قال: فقلت للعباس: يا عباس ما هذا؟ قال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. قلت: من هذه المرأة؟ قال: امرأته خديجة بنت خويلد. فقلت: من هذ الفتى؟ قال: علي بن أبي طالب ابن عمه. قلت: فما هذا الذي يصنع؟

стр. 232

قال: يصلي فهو يزعم أنه نبي ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الفتى، وهو يزعم أنه تفتح له كنوز كسرى وقيصر. وكان عفيف -وهو ابن عم الأشعث بن قيس- يقول -وأسلم بعد ذلك فحسن إسلامه: لو أن الله رزقني الإسلام يومئذ فأكون ثانيا مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه١. بل إن صاحب السيرة الحلبية يجعل دخول دار الأرقم بن الأرقم نتيجة أو إثر حادث التقاتل الذي وقع بين المسلمين ونفر من المشركين الذين عابوا على المسلمين صلاتهم, وشح فيها سيدنا سعد بن أبي وقاص رجلا وأراق دمه فيقول: فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا منهم بلحي بعير فشجه فهو أول دم أريق في الإسلام، ثم دخل ﷺ وأصحابه مستخفين في دار الأرقم بن الأرقم بعد هذه الواقعة فإن جماعة أسلموا قبل دخوله ﷺ دار الأرقم٢. قال ابن كثير: ثبت في صحيح البخاري من حديث همام بن الحارث عن عمار بن ياسر. قال: رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر.

стр. 233

وروى الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عاصم بن أبي النجود عن زر عن ابن مسعود قال: أول ما أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه سمية وبلال والمقداد١. ولقد ثبت أن أناسا كانوا يأتون رسول الله ﷺ وهو مستخف منهم عمرو بن عبسة السلمي. قال فيه ابن كثير: أتيت رسول الله ﷺ في أول ما بعث وهو بمكة وهو حينئذ مستخف فقلت: ما أنت؟ قال: "أنا نبي"، فقلت: وما النبي؟ قال: "رسول الله"، قلت: الله أرسلك؟ قال: "نعم"، قلت بما أرسلك؟ قال: "بأن تعبد الله وحده لا شريك له, وتكسر الأصنام, وتصل الأرحام"، قال: قلت: نعم ما أرسلك به، فمن تبعك على هذا؟ قال: "حر وعبد" يعني: أبا بكر وبلال، قال: فكان عمرو يقول: لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام٢. وهذا واضح في أن الدعوة نفسها كانت معروفة للناس ولكن الذي وصف بالسرية في هذه المرحلة هو العمل لها, وهو الذي نسميه مرحلة إعداد القيادة كجزء من منهج العمل مع الجماعة. وهذا واضح في النصوص التي ساقها العلماء.

стр. 234

قال صاحب الوفا١: عن الزهري قال: دعا رسول الله ﷺ إلى الإسلام سرا وجهرا فاستجاب لله من شاء من أحداث الرجال وضعفاء الناس حتى كثر من آمن به وكفار قريش غير منكرين لما يقول, فكان إذا مر عليهم في مجالسهم يشيرون إليه أن غلام بني عبد المطلب ليكلم من السماء. فالنص فيه تصوير لعمل الدعوة بمرحلتين: سرا وجهرا، أما الدعوة نفسها فمعروفة للناس ولم يقفوا منها موقف العداء إلا عندما اتسعت رقعتها وشكلت خطرا على المواريث الثقافية التي يؤلهها البشر. قال في الوفا تكملة النص السالف: فكان كذلك حتى عاب آلهتهم التي كانوا يعبدونها, وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكفر, فشاقوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم١. والدليل الواضح على أنه لا سرية في الدعوة, بل في العمل من أجلها أن الدعوة, حتى بعد أن صدع الرسول ﷺ بها ما زالت تعمل في جو الحذر والاستخفاء. قال ابن كثير: فأسلم عمر يوم الخميس فكبر رسول الله ﷺ وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة.

стр. 235

فقام عمر فقال: يا رسول الله علام نخفي ديننا ونحن على الحق؟ ويظهر دينهم وهم على الباطل؟ قال: "يا عمر! إنا قليل قد رأيت ما لقينا" ١. وكان إسلام عمر على ما هو معروف في السنة السابعة من البعثة، وهذا يبرهن على أن القوة الإسلامية كانت معروفة واضحة, ولكن العمل لها هو الذي كان سرا، وذلك منهج معروف في قواعد العمل مع الجماعة في العصر الحديث، وذلك ما تحتاجه الدعوة في الظروف المعاصرة٢. وإذن فليس من الجيد علميا أن يقال: سرية الدعوة فإن الحق الذي سجله التاريخ هو وضوح الدعوة واشتهارها, وسرية العمل لها إعداد القيادة وتربية لهم؛ ليحملوا مع الداعية وظيفة العمل عند الصدع بها عامة, والجهر بها للناس كافة.

стр. 236

خامسا العرض الواضح: نجاح أية دعوة واستمرارها يتوقف على مقدار عرضها واضحا صادقا يضمن لها الوضوح, والنفقة في المستقبل١. وواضح في العصر الحديث أن أهداف الدعوات لا يفصح عنه, ويستخدم الزعماء شعارات براقة يخفون وراءها الهدف الأسود حتى

стр. 237

إذا ما أتيح لهم إعلانه بأسلوب القهر أو السيطرة, وإلغاء العقل, والإرادة, والكرامة, فإنهم لا يألون جهدا في ذلك, ويفسرون نداءاتهم الأولى بعذب من الحديث المخادع الكاذب, وبذلك لا تلبث أن تنفض الناس, والجماهير من حولهم كما هي طبيعة الزبد يذهب جفاء, وتبقى الحسرة والغيظ والكمد والحيرة والآلام والضيق والعسر للناس من بعد. ولذلك فإن الدعوة الإسلامية حرصت, وهي تقعد منهج العمل مع الجماعة على أن يكون الهدف من الدعوة واضحا, اتخذ عرض الدعوة زمنا فسيحا زهاء ثلاثة عشر عاما على ما رواه العلماء١, واتخذت لذلك أسلوبا واضحا جليا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم. ووضوح العرض هنا يراد منه: وضوح الهدف. ووضوح الدليل. أما وضوح الهدف, فقد استفاض النص المعصوم أن القرآن الكريم، أو الأثر النبوي الشريف في تحديد المراد من الدعوة الإسلامية. لقد كان تحديد الهدف بارز المعالم، فصيح المنطق قوي الأسلوب. وكان مع ذلك جديا لا هزل فيه، وكانت جديته صريحة يعزب معها كل لون من التجاهل أو التناسي أو التعامي أو التغافل أو التثاقل

стр. 238

إلى هوى النفس ووسوسة الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس. لقد قال الرسول ﷺ في استفاضة طويلة يحكيها ابن هشام: "ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم, فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة, وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" ١. وتلا عليهم القرآن الكريم تلاوة مرتلة وحدد لهم الدعوة: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ, قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ, قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ ٢. ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ,

стр. 239

قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ١. ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣. ولقد نقى هذا الهدف من كل شائبة حتى صار قانونا سرمديا إذا حادت عنه الدعوة ضل القائمون عليها طريق الرشاد. لقد نقى رسول الله ﷺ هدف الدعوة من عرض الحياة الدنيا قل أو عظم, قل: ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ٤. كما نفى أن تتخذ الدعوة مصدرا للإثراء والتجارة.

стр. 240

﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ . لقد قال لهم في قوة وصرامة: ترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم. قال: فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منه بشعلة١. وأما وضوح الدليل فهو قائم على وضوح اللفظ وشمول الدليل على عناصر الإقناع، وهي قبول العقل لها، إحساس الوجدان بصدقها، تصويرها لحقائق مسلمة. واللفظ القرآني والنبوي قد اشتملا على هذه الركائز. أما عن اللفظ النبوي فقد أحاطه الله بالعصمة: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى﴾ , وأما اللفظ القرآني فقد استفاض القرآن نفسه في ألفاظه وآياته بذلك. ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ٢. ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ٣. ﴿تِلْكَ آَيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ,

стр. 241

إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ٢. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣. ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٤. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا، قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ ٥. ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ ٦. ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ٧. ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ، مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ, أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ،

стр. 242

أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ, أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ ١. ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِين﴾ ٢. ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ، أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ، وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣. ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ، هُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤. ﴿وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين﴾ ٥. ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٦.

стр. 243

﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١. ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ، هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ٢. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣. ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ﴾ ٤. ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٥. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ٦. ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ٧. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ٨.

стр. 244

﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ١. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٢. ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣. ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٤. ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ ٥. ﴿حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ٦. ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ٧.

стр. 245

﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ١. ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢. ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد﴾ ٣. ولقد شهد القوم بهذا. لقد قال فيه عتبة بن ربيعة: قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر, ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم. وقال فيه الوليد بن المغيرة: والله إن لقوله حلاوة، وإن أصله لعذق, وإن فرعه لجناة. إن عليه لطلاوة, وإن له لنورا, وإنه يعلو, وما يعلى عليه.

стр. 246

والله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه، مغدق في أسفله وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو وما يعلى عليه١. تقول الروايات: إن عتبة بن ربيعة أمسك بفم رسول الله ﷺ وناشده الرحم أن يكف عن القراءة عندما وصل قوله تعالى: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُود﴾ ٢. وقال لقومه: قد علمتم أنه لا يكذب أبدا فخفت نزول العذاب عليكم فأطيعوني واعتزلوه٣. وصدق الله العلي العظيم: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٤. قال في الشفاء: فإنهم لا يكذبونك، لا ينسبونك إلى الكذب ولا يتهمونك به ولا ينكرون أمانتك وديانتك. قال علي كرم الله وجهه: قال أبو جهل للنبي ﷺ : إنا لا نكذبك في الصدق والأمانة ولكن نكذب بما جئت به من القرآن٥

стр. 247

قال ابن كثير في تفسيرها: لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر, ولكنهم يعاندون الحق, ويدفعونه بصدودهم١. وأما شمول الدليل على عناصر الإقناع فقد عرضنا نماذج لها في الفصل الأول من هذا الباب شملت: أدلة التوحيد والتنزيه. ووحدانية الصفات. ووحدانية التدبير. ووحدانية التصرف في الملك. كما شملت بعث الوجدان الفطري لإدراك وحدانية الله ﷻ ... إلخ. وهي كلها أدلة للخلق والقصد والإبداع والتدبير. وهي كلها دون تحذلق أو تشدق تشمل كل أنواع الأدلة: العقلية. والوجدانية. والفطرية الأولى. ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ,

стр. 248

فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١. إن هذا السياق يشبه في تدافعه وإيقاعاته على العقل والحس مجرى النهر, وهو يتدافع بالأمواج المتلاحقة لا تفر واحدة منها حتى تأتيها لاحقة تدفعها من الخلف, وتتشابك معها في مجراها المتصل. وهي كلها في تدافعها وتشابكها تسمو فوق حد الروعة الباهرة, وتأخذ على النفس كل أقطارها, وتغلق على النفس كل دروب الهرب وهي تهزها بالروعة الباهرة, والحيوية الدافعة, وتقول للإنسان: هذا

стр. 249

هو ربك الذي خلق فسوى, وقدر فهدى, فيشاهد السامع كأنما الآي تنبثق عن مدلولاتها في التماع لآلاء مشرق تتجلى للحواس والقلب والعقل في بهاء أخاذ يبلغ آفاق الروعة. واللفظ القرآني في آيه قوي الدلالة على كل ما تزخر به الحقيقة الأصيلة في عقيدة الإسلام. ها هو ذا المرء يقف أمام الخارقة المعجزة التي تقع في كل لحظة من الليل ومن النهار، إنها خارقة انبثاق الحياة النابضة من هذه المواد الهامدة. ﴿فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى﴾ لا ندري كيف ينبثق؟ ولا ندري من أين جاءت؟ اللهم إلا إنها من عند الله وانبثقت بقدرته. وها هو ذا المرء يقف أمام دورة الفلك العجيب الدائبة السرمدية الدقيقة ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحَ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ . ويقف كذلك أمام نشأة الحياة في النبات ويشاهد من التدفق النوراني للآيات, يشاهد الأمطار الهاطلة والزروع النامية, وأثماره اليانعة تحشد له الحياة حشدا ليتأمل, ويشاهد ليعي الحس المتحفز, والقلب المتفتح. وكأنما الوجود يرى لأول مرة حيا شابا مزهرا معطرا متحركا تدب أوصاله الحركة, ينطق بذاته عن وحدة خالقه, دالا بآياته على انفراده جل شأنه بالربوبية والملك والتدبير.

стр. 250

حتى ليبدو للعاقل -والسياق يواجه بهذه الآيات جماعة المشركين- أن الشرك غريب على الفطرة، غريب على فطرة الوجود وغريب على فطرة الإنسان, فينطق القلب السليم, ويشهد الحس الواعي وتنشد العواطف الكريمة إلى تلك الحقيقة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ١. ومع هذا فقد قدم القرآن الكريم عرض الدعوة في أسلوب عبقري التسلسل في مجموعة السور المكية التي سجلت حياة الدعوة الإسلامية في ظلال البيت العتيق. ففي سورة الأنعام عالج القرآن قضية العقيدة على أنها القضية الكبرى، والقضية الأساسية فهي القاعدة الرئيسية للعبودية الصحيحة لله رب العالمين. وعالج مع قضية العقيدة قضية الطعام. فالطعام يغذي القلب بالدم والقلب محل الاعتقاد, فإذا ما طهر مما ذبح على الأصنام والأوثان والنصب, فقد خلص القلب لنور الحقيقة, أما إذا تغذى القلب بلحوم النصب والأصنام, فقد قسي وأظلم. وقد سمعت فضيلة مولانا الدكتور عبد الحليم محمود أثناء زيارته للكلية الإسلامية بماليزيا أستاذا زائرا، أن أكل لحم الخنزير مفسد للأخلاق يجعل العرض والشرف أمرا هينا. ولهذا عالجت سورة الأنعام قضية الطعام لأنه ذا صلة بالاعتقاد صحة وفسادا.
следующие страницы →