والله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه، مغدق في أسفله وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو وما يعلى عليه١.
تقول الروايات: إن عتبة بن ربيعة أمسك بفم رسول الله ﷺ وناشده الرحم أن يكف عن القراءة عندما وصل قوله تعالى:
﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُود﴾ ٢.
وقال لقومه: قد علمتم أنه لا يكذب أبدا فخفت نزول العذاب عليكم فأطيعوني واعتزلوه٣.
وصدق الله العلي العظيم:
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٤.
قال في الشفاء:
فإنهم لا يكذبونك، لا ينسبونك إلى الكذب ولا يتهمونك به ولا ينكرون أمانتك وديانتك.
قال علي كرم الله وجهه: قال أبو جهل للنبي ﷺ : إنا لا نكذبك في الصدق والأمانة ولكن نكذب بما جئت به من القرآن٥
стр. 247
قال ابن كثير في تفسيرها:
لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر, ولكنهم يعاندون الحق, ويدفعونه بصدودهم١.
وأما شمول الدليل على عناصر الإقناع فقد عرضنا نماذج لها في الفصل الأول من هذا الباب شملت:
أدلة التوحيد والتنزيه.
ووحدانية الصفات.
ووحدانية التدبير.
ووحدانية التصرف في الملك.
كما شملت بعث الوجدان الفطري لإدراك وحدانية الله ﷻ ... إلخ.
وهي كلها أدلة للخلق والقصد والإبداع والتدبير.
وهي كلها دون تحذلق أو تشدق تشمل كل أنواع الأدلة:
العقلية.
والوجدانية.
والفطرية الأولى.
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ,
стр. 248
فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١.
إن هذا السياق يشبه في تدافعه وإيقاعاته على العقل والحس مجرى النهر, وهو يتدافع بالأمواج المتلاحقة لا تفر واحدة منها حتى تأتيها لاحقة تدفعها من الخلف, وتتشابك معها في مجراها المتصل.
وهي كلها في تدافعها وتشابكها تسمو فوق حد الروعة الباهرة, وتأخذ على النفس كل أقطارها, وتغلق على النفس كل دروب الهرب وهي تهزها بالروعة الباهرة, والحيوية الدافعة, وتقول للإنسان: هذا
стр. 249
هو ربك الذي خلق فسوى, وقدر فهدى, فيشاهد السامع كأنما الآي تنبثق عن مدلولاتها في التماع لآلاء مشرق تتجلى للحواس والقلب والعقل في بهاء أخاذ يبلغ آفاق الروعة.
واللفظ القرآني في آيه قوي الدلالة على كل ما تزخر به الحقيقة الأصيلة في عقيدة الإسلام.
ها هو ذا المرء يقف أمام الخارقة المعجزة التي تقع في كل لحظة من الليل ومن النهار، إنها خارقة انبثاق الحياة النابضة من هذه المواد الهامدة.
﴿فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى﴾ لا ندري كيف ينبثق؟ ولا ندري من أين جاءت؟ اللهم إلا إنها من عند الله وانبثقت بقدرته.
وها هو ذا المرء يقف أمام دورة الفلك العجيب الدائبة السرمدية الدقيقة ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحَ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ .
ويقف كذلك أمام نشأة الحياة في النبات ويشاهد من التدفق النوراني للآيات, يشاهد الأمطار الهاطلة والزروع النامية, وأثماره اليانعة تحشد له الحياة حشدا ليتأمل, ويشاهد ليعي الحس المتحفز, والقلب المتفتح.
وكأنما الوجود يرى لأول مرة حيا شابا مزهرا معطرا متحركا تدب أوصاله الحركة, ينطق بذاته عن وحدة خالقه, دالا بآياته على انفراده جل شأنه بالربوبية والملك والتدبير.
стр. 250
حتى ليبدو للعاقل -والسياق يواجه بهذه الآيات جماعة المشركين- أن الشرك غريب على الفطرة، غريب على فطرة الوجود وغريب على فطرة الإنسان, فينطق القلب السليم, ويشهد الحس الواعي وتنشد العواطف الكريمة إلى تلك الحقيقة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ١.
ومع هذا فقد قدم القرآن الكريم عرض الدعوة في أسلوب عبقري التسلسل في مجموعة السور المكية التي سجلت حياة الدعوة الإسلامية في ظلال البيت العتيق.
ففي سورة الأنعام عالج القرآن قضية العقيدة على أنها القضية الكبرى، والقضية الأساسية فهي القاعدة الرئيسية للعبودية الصحيحة لله رب العالمين.
وعالج مع قضية العقيدة قضية الطعام. فالطعام يغذي القلب بالدم والقلب محل الاعتقاد, فإذا ما طهر مما ذبح على الأصنام والأوثان والنصب, فقد خلص القلب لنور الحقيقة, أما إذا تغذى القلب بلحوم النصب والأصنام, فقد قسي وأظلم. وقد سمعت فضيلة مولانا الدكتور عبد الحليم محمود أثناء زيارته للكلية الإسلامية بماليزيا أستاذا زائرا، أن أكل لحم الخنزير مفسد للأخلاق يجعل العرض والشرف أمرا هينا.
ولهذا عالجت سورة الأنعام قضية الطعام لأنه ذا صلة بالاعتقاد صحة وفسادا.
стр. 251
وتأتي سورة الأعراف, فتعالج موضوع العقيدة بطريق آخر، إنها تعرض العقيدة في مجال التاريخ البشرى، مجال رحلة البشر كلها من آدم وقصته، مع المدى المتطاول تسير السورة مع موكب الإيمان من لدن آدم إلى سيدنا محمد ﵊، تعرض هذا الموكب وهو يحمل "لا إله إلا الله" ويمضي بها على مدار التاريخ مواجها بها البشرية جيلا بعد جيل، ويرسم سياق السورة في تتابعه: كيف استقبلت البشرية هذا الموكب وما معه من الهدى؟ وكيف خاطبها هذا الموكب وكيف جاوبته؟
وكيف وقف الملأ منها لهذا الموكب بالمرصاد؟ وكيف تخطى هذا الموكب أرصادها ومضى في طريقه إلى الله؟
وكيف كانت عاقبة المكذبين, وعاقبة المؤمنين في الدنيا والآخرة؟ ١
وسورة الفرقان:
فيها أدلة الرسالة وضحد لافتراءات الكافرين.
وسورة الشعراء:
فيها إثبات للرسالة بطريق آخر، إنها تثبت الرسالة بالجوار والتسلسل والقرابة.
وسورة النمل:
إثبات للوحي كفضل من عند الله يمنحه لمن يشاء كما منح داود وسليمان ملكا ونبوة.
стр. 252
وسورة القصص:
تحديد لمدى ما يملكه البشر بالمال والسلطان إن جاءه محق الله وغضبه.
وسورة العنكبوت:
تعرض حاصل نتائج الدعوة التي بلغها الأنبياء وعاقبة المكذبين.
وسورة الروم:
تدريب للعواطف على تخير صداقة الجانب الإلهي, وفيها محاصرة للفرد بعديد من الأدلة على صدق رسالة سيدنا محمد ﷺ .
وسورة لقمان:
رد على المواجهة الثقافية وتعليم للبشر وتحديد لقدرتهم بالنسبة لسلطان الله وجلاله.
وسورة سبأ:
حصر الحمد لله وحده, ودعوة الكافرين للتفكير المنظم، ليصلوا إلى الحق الذي يجحدونه ظلما وعلوا.
وسورة فاطر:
بيان كامل عن السلطان الإلهي، وأن الناس جميعا فقراء إلى الله.
وسورة يس:
مثل عملي للطائعين بالفطرة، وإن لم يأتهم دليل، ولا أقيمت لهم حجة، ومثل كذلك للمعاندين الجاحدين دين الله للهوى والبغي..
وسورة الصافات:
تصفية وجلاء لحقيقة الدين من العبث البشري.
стр. 253
وسورة ص:
مقارنة بين أحوال المؤمنين الطائعين وأحوال الكافرين الذين ردوا الحق انحرافا وعبثا وغيا.
وسورة الزمر:
تحديد لموقف المسلم وبيان لطبيعة سلوكه ومداه.
وسورة غافر:
النموذج العملي لهذا الموقف الذي حددته من قبل سورة الزمر.
وسورة فصلت:
إثبات للرسالة في إطار السلطان الإلهي.
وسورة الشورى:
توضيح لحقيقة الدين ووحدته وهيمنة الرسالة المحمدية على كل ما سبقها من رسالات.
وسورة الزخرف:
بيان لهيمنة الكتاب الكريم الخاتم على كل الكتب السماوية الأولى ومعالجة لعديد من قضايا التدين التي ابتدعها البشر انحرافا وجذافا..
وسورة الدخان:
قرع للمشاعر وهز عنيف للقلوب، وجذب للبشر من نواصيهم ليدخلوا في دين الله الحنيف.
стр. 254
وسورة الجاثية:
هجوم على القلب، وضرب في الأحاسيس والمشاعر ليستيقظ ضمير الإنسان وتسلم فطرته حتى يعود إلى رحاب ربه حيث الأمان والراحة.
وسورة الأحقاف:
تقريع وتأنيب للمعاندين المتجافين مع الفطرة والطبع المتزن الذي أحست به الجن, فأسلموا لما سمعوا كتابا يهدي إلى الحق, وإلى طريق مستقيم دون أن يطالبوا النبي ﷺ بدليل أو برهان.
لقد فهمت الجن معاني القرآن فآمنوا ورجعوا إلى قومهم يدعونهم إلى الإيمان.
﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١.
لقد عرضت الدعوة الإسلامية عرضا واضحا تفردت به على طول الزمن.
لقد فهمها الجن قبل البشر ولسانها هو لسان القرآن، عربي مبين.
ولقد أحاط اللفظ القرآني بجميع جلال المعاني في جاذبية انسيابية حلوة تستجيب لها العاطفة النيرة، وينشد إليها القلب الصادق، ويتلذذ حلاوتها الوجدان السليم.
لقد عرض اللفظ القرآني الدعوة مستوعبا لكل أجزاء الموضوع متخذا كل زاوية من زوايا الفكر والوجدان والتاريخ في جملة ما ساقه، حتى لا تكون للناس حجة بعد هذا التوضيح الواضح.
стр. 255
وليس هناك أدنى شك في أن عرض الدعوة الإسلامية امتاز وحده بالوضوح الدائم على طول الزمن الممتد، وأن غيرها من الدعوات لم ينل هذا الحظ؛ لعجز البشر عن توضيح هدفه, وفساد صنعة التعبير التي تصدر عن الإنسان فشتان ما بين وحي معصوم هو كلام الله المجيد.
وإنشاء مرذول هو كلام البشر الوضيع.
стр. 256
سادسا: إيجاد استقطاب حول الدعوة
من عوامل منهج التغيير الاجتماعي إيجاد استقطاب من البيئة حول الدعوة أو المبادئ.
والدراسات الاجتماعية تركز اهتماما بالغا في منهج العمل مع الجماعة على حدوث تغيير في البيئة، ينشد به الناس حول المبادئ المرغوب في تنفيذها، كعنصر أساسي من عناصر النجاح المطلوب.
والاستقطاب أنواع فقد يكون جزئيا، وقد يكون كليا حسب مقدار الداعية وثقله الاجتماعي والفكري.
ولا تعرف الحياة الإنسانية والفكرية على السواء داعية قط أحدث استقطابا كاملا حوله وحول دعوته غير سيدنا محمد ﷺ فلقد أنشد نحوه ونحو دعوته أجيال من العلماء والمفكرين منذ نشأ في جوار البيت العتيق حتى أذن له بالجوار في الرفيق الأعلى.
لقد استقطب محمد ﷺ حوله الفكر الإنساني كله سواء المسلمون الصادقون أو المسلمون المتهوكون أو الكافرون المنصفون أو الكافرون المتعصبون.
стр. 257
لقد ألف في سيرته ومبادئه خلق كثير.
لقد ألف فيه كاتبو اللسان العربي.
وألف في كاتبو اللسان الإنجليزي.
وألف فيه كاتبو اللسان الفرنسي.
وألف فيه كاتبو اللسان الأندونيسي.
وألف فيه كاتبو اللسان الماليزي.
وألف فيه كاتبو اللسان الفارسي.
وألف فيه كاتبو اللسان الصيني والياباني.
وألف فيه كاتبو اللسان الأوردي ... إلخ.
ولقد بلغت هذه المؤلفات في كل لغة حدود المئات, حتى صار في كل مكتبة ومعهد وجامعة ودولة وجنس ولغة كتاب عن الإسلام, وعن نبيه الكريم.
فصار أمر الإسلام واضحا كل الوضوح ليس فيه سر مكتوم، ولا أحاجي يغمض تفسيرها, ففي أيدي الناس على اختلاف ألسنتهم وجنسياتهم تاريخه ودعوته ومبادؤها وسلوكه ومنهاجه, وهم يعلمون من أمر محمد ﷺ كل صغيرة وكبيرة منذ ولادته ورضاعه وشبابه حتى بعثته.
стр. 258
وأن قبره المعطر الكريم لأثبت في سنده التاريخي من كل تواريخ العظماء وجميع أصحاب الدعوات.
فماذا يعرفه الناس عن ذرادشت وكوفشيوس؟
وماذا يعرفه التاريخ عن سولون وسقراط؟
وماذا يعرفه التاريخ عن موسى وعيسى؟
أما قبر محمد ﷺ فهو منزله الذي كان يعيش فيه، وتلقى فيه الوحي، وخرج منه للجهاد الخالص في سبيل الله، وهو المشكاة التي شع نورها على الدنيا بأسرها.
ولا يزال المسلمون ينشدون إلى الروضة الشريفة وهم على ثقة أن هنا كان يجلس النبي ﷺ وكان يستقبل الوفود، ويدرب الجيش على السلاح, ويلقي مواعظه وتوجيهاته, فتنشد قلوبهم الطيبة مع الذكريات العظيمة, وهم يؤمنون أن هنا كان النبي محمد ﷺ معلم البشر أجمعين١.
ومنذ القدم والرسول ﷺ قد رسم للعمل مع الجماعة منهج الاستقطاب كعامل مثير مغير للبيئة إلى الاتجاه الأفضل المرغوب فيه.
لقد قلقلت الدعوة الإسلامية كل الثقافات الموروثة في البيئة العربية؛ لتحل محلها تصورا جديدا في العقيدة, والأخلاق, والمعاملات. وقد أنشد المجتمع تلقائيا إلى هذا الاستقطاب الذي أحاط بالمنطقة كلها منذ فجر الإرهاصات بالنبوة.
стр. 259
يروي ابن هشام: أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من من قريش وكان ذا سن فيهم, وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم, وفود العرب ستقدم عليكم فيه, وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا, ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا, ويرد قولكم بعضه بعضا.
قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس! فقل وأقم لنا رأيا نقول به. قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: نقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول: شاعر؟ قال: ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر. قالوا: نقول: ساحر. قال: ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل, وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته, فتفرقوا على ذلك١.
стр. 260
إن معنى هذا أن النبي ﷺ أحدث استقطابا حول الدعوة وصل إلى أطراف البيئة, إذ خشيت جماعة الكافرين في مكة من انجذاب الحجاج القادمين من الخارج الذين سمعوا عن الإسلام إلى الدخول فيه, فألهب ذلك قلوب قريش خوفا وهلعا وحيرهم في التعرف على رأي يتفقون عليه؛ ليكون وسيلة إعلام مضادة يشككون بها في دعوة الإسلام.
وما تحير الوليد بن المغيرة على علو منزلته وشرفه في القوم إلا لمعرفته بالحق الذي جاء به محمد ﷺ ولكنه العمى الذي يختم به الشيطان على القلوب والصدور, ومع أنه قد نفى السحر أولا لكنه لم يجد له مخرجا من استخدامه إفكا وتعنتا ضد الدعوة الإسلامية.
ومع هذا فإن الأحداث التي وقعت فيما بعد تبرهن على فشل المواجهة التي شنها الكافرون وأن الاستقطاب الذي أحدثته الدعوة الإسلامية حول مبادئها قد أثمر.
ففي الخصائص الكبرى: أن الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله ﷺ بها فمشى إليه رجال من قريش وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا, فقالوا له: إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرق جماعتنا وشتت أمرنا, وإنما قوله كالسحر يفرق بين المرء وأبيه, وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجه, وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما دخل علينا, فلا تكلمه ولا تسمعن منه.
стр. 261
قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت على أن لا أسمع منه شيئا, ولا أكلمه حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شيء من قوله, فغدوت إلى المسجد, فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة, فقمت قريبا منه, فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله, فسمعت كلاما حسنا, فقلت في نفسي: إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟
فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلت, وإن كان قبيحا تركت, فمكثت حتى انصرف إلى بيته فتبعته, فقلت: إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا, فاعرض علي أمرك فعرض علي الإسلام, وتلا القرآن, فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه, ولا أمرا أعدل منه, فأسلمت١.
لقد اختار القوم كلمة السحر كدعاية مشوهة، ولكن الاستقطاب الذي نشرته الدعوة كان له جاذبية أقوى، فانشد الطفيل على الرغم مما قالوه عنده وانجذب إلى معرفة الحق الذي جاء به سيدنا محمد ﷺ فلما سمع وهو رجل لبيب شاعر لا يغيب عنه تمييز الحق من الباطل أسلم, وكان إسلامه خيرا عميما على الإسلام.
стр. 262
والنضر بن الحارث اللبيب المتفيهق, وهو من أشد الأعداء للإسلام ونبيه ﵊ تزلزله جاذبية الاستقطاب, فيقول في حيرة وغيظ وكمد:
يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، فقد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم, وأصدقكم حديثا, وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم: كاهن لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهنة وتخالجهم، وسمعنا سجعهم، وقلتم: شاعر والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه، وقلتم: مجنون لا والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما هو بحنقه ولا وسوسته ولا تخليطه، يا معشر قريش! فانظروا في شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم١.
هكذا كان عمق الاستقطاب في النفوس تصديقا وجدانيا داخليا متفقا عليه من جميع الكافرين.
إنه ليس مجنونا ولا كاهنا ولا شاعرا ولا ساحرا. ولكنهم مع هذا الانجذاب الوجداني يكابرون ويجادلون بالباطل, ولكن القافلة تسير غير آبهة بمعوق.
قدم ضماد مكة, وهو رجل من أزد شنوءة, وكان يرقي من الرياح فسمع سفهاء الناس يقولون: إن محمدا مجنون فقال: آتي هذا الرجل
стр. 263
لعل الله أن يشفيه على يدي. قال: فلقيت محمدا فقلت: إني أرقي من هذه الرياح وإن الله يشفي على يدي من يشاء فهلم. فقال رسول الله ﷺ : "إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونؤمن به, ونتوكل عليه, ونعوذ به من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلله فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأن محمدا عبده ورسوله". فقال ضماد: أعدهن علي, فأعادهن. فقال: والله لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشرك فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات, ولقد بلغن قاموس البحر فهلم يدك أبايعك على الإسلام فبايعه١.
لقد فشلت أسلحة الدعاية وخابت مساعي المتهوكين وما زالت القافلة تسير غير آبهة بمعوق.
ففي السيرة لابن هشام: أن عشرين رجلا, أو قريب من ذلك من النصارى قدموا على رسول الله ﷺ وهو بمكة حين بلغهم خبره من الحبشة فوجدوه في المسجد فجلسوا إليه وكلموه وسألوه عن رجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة.
فلما فرغوا من مساءلة رسول الله ﷺ عما أرادوا دعاهم رسول الله ﷺ إلى الله وتلا عليهم
стр. 264
القرآن فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه, وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش, فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل, فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال, ما نعلم ركبا أحمق منكم. أو كما قالوا. فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم١.
لقد خرج أبو جهل وجماعته على حدود الأدب في مجابهة هذا الوفد الكريم الذي جاء مستجيبا لنداء الله وانجذب بالروحانية التي استقطب بها نبي الدعوة سيدنا محمد ﷺ بيئات الدعوة في مكة وخارجها.
ولئن كانت أطراف الجزيرة من بعيد قد أنشدت في وثاق حبيب إلى الدعوة فإن القوم في داخل مكة قد أنشدوا إليها كذلك غير أنهم يحملون صدور أصدئة وقلوبا مظلمة وعقولا متحجرة، وآذانا صماء وعيونا عمياء، وأفئدة خاوية.
فقد روى ابن هشام:
أن أبا سفيان بن حرب, وأبا جهل بن هشام, والأخنس بن شريق خرجوا ليلة؛ ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي من الليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع
فيه وكل لا يعلم
стр. 265
بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود, فتعاهدوا على ذلك, ثم تفرقوا.
فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى وصل أبا سفيان في بيته, فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟
فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به كذلك.
قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا, وأعطوا فأعطينا حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي
стр. 266
رهان, قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه١.
ينطق النص بمقدار العمق الذي أحدثه الاستقطاب حول الدعوة الإسلامية حتى أنشد إليها ثلاثة من كبار القوم ومن فحول الكفر دون إرادة ولا وعي ودون موعد ولا اتفاق, فلما كشفهم الصباح مرات ثلاث تعاهدوا وحلفوا على الكفر والضلالة.
ومفهوم هذا النص أنه ليس في الوجود الفكري والإصلاح الاجتماعي رجل قط غير محمد ﷺ استطاع أن يحدث استقطابا لا شعوريا حول الدعوة والداعية إلى درجة شد الخصوم من عناقيد أفكارهم بالليل ليباتوا ثلاث ليال سويا يستمعون فيها القرآن حتى أحسوا بلذة روحانية ملكت عليهم مشاعرهم فعاودوا الكرة مرات ثلاث حتى عاودهم ما ران على قلوبهم من قبل, فأغمضوا أعينهم عن نور الحقيقة وأغلقوا قلوبهم عن دخول الإيمان.
ولقد أكسبت هذه المعارضة الدعوة الإسلامية انتشارا في البلاد والقبائل التي كانت تفد للحج كل عام.
يقول ابن هشام:
تفرقوا, فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره، وجعلوا يقولون
стр. 267
ذلك في رسول الله ﷺ لمن لقوا من الناس وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها١.
وفي الخصائص عن مسلم عن أبي ذر قال: انطلق أخي أنيس إلى مكة ثم أتاني فقال: لقيت رجلا بمكة يزعم أن الله أرسله، قلت: ما يقول الناس؟ قال: يقولون: إنه شاعر وساحر وكاهن، وكان أنيس أحد الشعراء فقال: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وصفت قوله على أقراء الشعراء, فوالله ما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر, ووالله إنه لصادق وإنهم لكاذبون٢.
فساعدت قريش بهذه المعارضة على توسيع رقعة الاستقطاب، والناس فطريا مجبولون على حب الاستطلاع، وكل قاطن في بيته بعيد عن الجاذبية القرشية, فهو طليق التفكير من ضغط العادات, وجاذبية التقاليد, فسوف يفكر بأسلوب سليم نقي من غوغائية الجهالة الجاهلة التي يعيش, فيها أبو جهل والوليد وعتبة والنضر وأبو سفيان والأخنس بن شريق.
لقد آمن ضماد من أزد شنوءة ومثيله في الصحة النفسية والسلامة العقلية الطفيل بن عمرو من أول مرة يستمعون فيها إلى آي الذكر الحكيم وقد جاءوا من بعيد, كما آمن معهم وفد نجران الذي قال لأبي جهل وهو يسفه عليهم: سلام عليكم.
стр. 268
ولم يؤمن النضر بن الحارث ولا أبو جهل ولا الوليد, وقد اتفقوا على أن الذي يقوله محمد ليس مثل كلام البشر, وأنه لا يكذب قط أبدا. فقد حاولوا أن يخلعوا أنفسهم من استقطاب الإيمان الذي حاصرهم وجدانيا, فأغلقوا دونه القلوب والأسماع، ولكنهم فتحوا بهذا الموقف العنيد آفاقا فسيحة, ونشروا بهذا الجحود والمكابرة والمواجهة استقطابا شاملا في أنحاء البيئة من قريب ومن بعيد، يقول ابن هشام:
فلما انتشر أمر رسول الله ﷺ في العرب وبلغ البلدان, ذكر بالمدينة ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله ﷺ حين ذكر, وقبل أن يذكر من هذا الحي من الأوس والخزرج, وذلك كلما كانوا يسمعون من أحبار اليهود وكانوا حلفاءهم ومعهم في بلادهم، فلما وقع ذكره بالمدينة, وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف.
قال أبو قيس بن الأسلت أخو بني واقف -وكان يحب قريشا- قصيدة يعظم فيها الحرمة, وينهى قريشًا فيها عن الحرب ويذكر فضلهم وأخلاقهم, ويأمرهم بالكف عن رسول الله ﷺ ويذكرهم بآلاء الله عندهم ودفعه عنهم الفيل وكيده عنهم١.
هكذا آثار الرسول الكريم ﷺ بيئة الدعوة باستقطاب شامل كامل ساعدت في اتساع رقعة الجبهة المعارضة ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ , وتلك واحدة من امتيازات الدعوة الإسلامية يوم أن تكون خالصة لوجه الله يأتيها نصره من حيث لا نعلم.
стр. 269
وما أحوج الدعوة الإسلامية في العصر الحديث إلى هذا المستوى من العمل ينجذب إليها الناس كافة, إذ يسمعون عنها سلوكا مطبقا ووجودا عيانا فيه الخلاص والطمأنينة والأنس والسعادة, تعلو فيه أسماء الله الحسنى, وتخضع فيه النفوس كلها لجلال الله العظيم.
стр. 270
سابعا: السلوك المطابق للمبادئ
"أفرغت يا أبا الوليد؟ ".
بهذا الأدب الجم واستعمال الكنية في مخاطبة عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وبنداء رخي هادئ يتحدث الرسول ﷺ إلى عتبة مجيبا عليه بعد أن تحدث طويلا, وأفرط في الحديث, وذكر كلاما يثير الحليم ويهيج العفيف ويغضب الحر. لقد تحدث عتبة بكلام بذيء غير موقر، لقد عرض فيما عرض على النبي ﷺ :
"أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا وأخذا.
وإن كان إنما بك من الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا"١.
هذا عرض رجل جاهل لا يعرف أقدار الناس, ولا منازل الرجال, فقد عرفت قريش محمدا ﷺ في شبابه أعف الرجال
стр. 271
نفسا وأطهرهم قلبا وأنقاهم خاطرا وما هفا هفوة صغيرة, فقد عصمه الله, وكان هو الأمين وحده دون سائر شباب قريش وشيوخها أجمعين.
لقد كان أرضاهم وهو صغير, فماذا حدث لعقولهم بعد أن جاءهم بالروح الأمين؟
مقالة شنعاء, وقحة, بذيئة, جافية, جامدة, عمياء, قالها عتبة بن ربيعة ويستحق في مقابلها ردا مساويا لها جفوة وقسوة وإيلاما, ولكن الداعية الأول ﷺ يقدم في رده برهانا على أنه لا يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه.
لقد أبرز النبي ﷺ مبادئ الدعوة في رده "أفرغت يا أبا الوليد" في هدوء هادئ, واتزان رزين, وصفح كريم, وعفو صادق.
يقولها رسول الله ﷺ معلنا بها أن مبدأ العمل مع الجماعة في نظر الدعوة هو مطابقة سلوك الداعية إلى المبادئ الإسلامية, فتلا عليه القرآن حتى وصل إلى قوله تعالى:
﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ .
فأمسك عتبة بفم رسول الله ﷺ خوفا من نزولها, فإنه يعلم أن محمدا لصادق, وأنه ما كذب أبدا, فبات ذلك في التاريخ شهادة عليه, وأن ساعة أن عرض ما عرضه على النبي ﷺ كان غير كريم السجية، وغير صادق في مسعاه, وأن رد النبي ﷺ بات في سجلات التاريخ
стр. 272
شهادة رائعة الدلالة على أن الإسلام ما يرجو للبشرية إلا خيرا يحقق لها السعادة والأمن والتكريم١.
ولم يكن ذلك الحلم مرة واحدة لقد كان منهجا في أسلوب العمل للدعوة, لقد ذهب رسول الله ﷺ إلى الطائف يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وهي دعوة صريحة في احترام الإنسان نفسه وتوقيره لذاته أن يتوجه بالعبادة إلى الله الحق الذي يملك السموات والأرض، وترفع الإنسان عن الانحطاط الذي يزاوله بالسجود إلى حجر أو خشب صنعه بيده، ثم هو لا يملك لنفسه قطميرا من خير أو شر، وهي دعوة تتفق مع العقل العادي الذي يفكر تفكيرا عاديا مستقيما، وكذلك هي دعوة إلى الحق فيما كان عليه الآباء الأطهار سالفا قبل الانحراف الذي جره عمرو بن لحي٢, ولكن القوم آذوا رسول الله ﷺ بصورة شنيعة قاسية لا تتفق مع الواجبات الأخلاقية لضيف أو قريب أو عابر سبيل.
لقد سلطوا عليه سفهاءهم وعبيدهم, فجعلوا يسبونه, ويصيحون به, ويرضخونه بالحجارة حتى أدموا رجليه, وهم يضحكون.
السلوك العادي هنا أن تنفجر النفس غيظا وحنقا, وأن يود الإنسان أن لو كان معه قوة السماء والأرض لينتصر لنفسه من هذه الأهزوءة
стр. 273
التي فعلها قوم ثقيف، وتأتي قوة السماء بجنودها وتستأذن رسول الله ﷺ في أن تطبق الأخشبين على قوم ثقيف, وهذه القوة إذ تأتي إنما تأتي في لحظة حرارة النفس والموقف ما زال ملتهبا، وتأتي وهي تقص عليه الوقائع التي حدثت كأنما تعلل مجيئها بإقامة العدل.
إن الله قد سمع قول قومك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.
ويقول ملك الجبال للنبي ﷺ :
أنا ملك الجبال, وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بما شئت، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين١.
ولكن الإسلام دعوة لصلاح الناس, والنبي ﷺ رحمة للعالمين، فهل تبقى المبادئ الإسلامية نظرية فقط؟ هنا يأتي دور التطبيق فيقول النبي ﷺ :
"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئا" ٢. ويصفح رسول الله الصفح الجميل ويدعو دعاء
стр. 274
نديا رخيا أخاذا بالنفس, والمشاعر والوجدان يعلم الداعية في كل زمن كيف يكظم غيظه، ويعفو عن قومه ويدعو ربه:
"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين، وأنت ربي, إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب, فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات, وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك, أو يحل علي سخطك, لك العتبى حتى ترضى, ولا حول ولا قوة إلا بك" ١.
وحق لملك الجبال أن يقول للنبي ﷺ : أنت كما سماك ربك رءوف رحيم٢.
وصدق صاحب الهمزية:
جهلت قومه عليه فأغضى ... وأخو الحلم دأبه الإغضاء
وسع العالمين علما وحلما ... فهو بحر لم تعيه الأعياء
ولم يكن ذلك في مكة فقط, وهي موضوع الحديث والدراسة، بل إن هذا المنهج استمر مع الدعوة في كل ظروفها يخلصها لله, ويجعل
стр. 275
كل حركة فيها ابتغاء وجه الله, ويبرهن في كل مصيبة يأتي بها الأعداء أن الدعوة ما تقصد إلا تكريمهم وتوقيرهم وإعزازهم واحترامهم، ففي الشفا:
روي أن النبي ﷺ لما كسرت رباعيته وشج وجهه الكريم يوم أحد شق ذلك على أصحابه, وقالوا: لو دعوت الله عليهم.
فقال ﵊:
"إني لم أبعث لعانا ولكن بعثت داعيا ورحمة, اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون" ١.
إنهم حقا لا يعلمون طريق الحق فما زالوا في غواية النفس، ولا يعرفون قدر النبي ﷺ فما زالوا في حجاب من الجاهلية الأولى ولا يعرفون حقيقة الإسلام فقد طمسوا قلوبهم بثقافة الأجداد، وجعلوا على سمعهم ختما, وران على قلوبهم ما كان به يأفكون.
لقد كان السلوك المطابق هو منهج العمل مع الجماعة الذي كان يوصي به رسول الله ﷺ القيادة التي تحمل معه في حقل الدعوة الإسلامية مسئولية العمل، لما أسلم الطفيل بن عمرو الدوسي وعاد إليه قومه يدعوهم إلى الإسلام, فأبطئوا عليه, فأنف الطفيل منهم ذلك الإبطاء, فهو رجل وجيه في قومه وإنه للبيب ذكي مشهور بالألمعية
стр. 276
والفطنة والرجاحة, وما كان يظن أن قومه يلبثون مليا إذا دعاهم إلى الإسلام حتى يجيبوا داعي الله, فلما أبطئوا عليه جاء إلى رسول الله ﷺ بمكة, فقال له: يا رسول الله! إنه قد غلبني على دوس الزنا فادع الله عليهم.
لقد ضاقت نفس الداعية, ونفد صبره, وكره من قومه الاستمرار في الضلالة والانحراف, ولكنه هو ذاتيا واثق من دعوته ومبادئه, فاستعان برسول الله ﷺ أن يدعو الله عليهم ليهلكهم.
ولكنه منطق لا يتفق مع عالمية الإسلام واستمراره إلى يوم القيامة, فليس بعد الإسلام دين آخر, حتى يهلك هؤلاء, ثم يأتي قوم آخرون, ولهم نبي آخر كما فعل بأشياع الكافرين في الغابر.
إنه دين خاتم ورسالة سرمدية إلى يوم القيامة, ومنهج يربي ويسوس ويبني لخير الإنسانية كلها.
ولهذا قال النبي ﷺ :
"اللهم اهد دوسا".
ثم قال للطفيل:
"ارجع إلى قومك, فادعهم, وارفق بهم" ١.
стр. 277
لقد كان الخلق الفاضل والمؤانسة والوداد والصفح هي أسلوب العمل مع معاندي الدعوة حتى تبرز معالم الإسلام وحقائقه وأفضاله؛ ولهذا كان الرسول ﷺ دائما ودودا، رءوفا صفوحا, وكان لا ينادي الواحد من أعداء الدعوة إلا بالكنية المؤدبة والاسم اللطيف.
ففي الخصائص الكبرى, عن المغيرة بن شعبة قال: إن أول يوم عرفنا رسول الله ﷺ أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة إذ لقينا رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ لأبي جهل: "يا أبا الحكم! هلمّ إلى الله وإلى رسوله, أدعوك إلى الله ... ".
إن سلطة محمد في قومه معروفة, ومكانته مشهورة, ومركزه وحده فريد في القوم، وأبو جهل واحد من كبار أعداء الله ورسالته، ولكن أسلوب التعامل هنا هو أن يظهر الداعية أخلاقيات الدعوة عمليا, فيناديه الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام: "يا أبا الحكم! " ١, إن اسمه المشهور به: عمرو بن هشام بن المغيرة ابن أخ الوليد بن المغيرة٢ من أسرة تعادي الله ورسوله وجماعة المسلمين, ولكن الداعية الأول ﷺ يبسط إليه القول في لين وسماحة ومودة كسلوك عملي لمحاسن الإسلام، وتطبيق وجودي لأخلاقياته حتى يظهر للخصم أن المعركة ليست أنانية, وإنما هي لخير الخصم نفسه أن يثوب إلى الله الذي خلقه وأنعم عليه بعديد الآلاء.
стр. 278
ولذا فما كانت تحمل نفس رسول الله ﷺ ألما لواحد من المجابهين للدعوة العتاة القساة في تصرفاتهم نحو المسلمين الأول، فلقد كان يدعو ربه أن يعز الإسلام بأحد الرجلين اللذين أطنبا في السخرية بالإسلام والمسلمين، ففي الدلائل للبيهقي:
"اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك" ١.
قال في الخصائص رواية عن الطبراني: عن أنس أن رسول الله ﷺ دعا عشية الخميس فقال:
"اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام". فأصبح عمر يوم الجمعة فأسلم٢.
ولقد كان عقبة بن أبي معيط من كبار المستهزئين بالإسلام وبالمسلمين وكان كثير الأذى لرسول الله ﷺ قال فيه ﷺ :
"كنت بين شر جارين أبي لهب وعتبة بن أبي معيط, إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي".
ومع هذا فإن صاحب الحلبية يروي أن رسول الله ﷺ كان يكثر من مجالسة عقبة بن أبي معيط٣، ليدعوه إلى الإسلام.
стр. 279
لقد كان رسول الله ﷺ على المستوى الرفيع. تحمل أعباء الرسالة، وكان عمله الكريم نبراسا لمنهجية العمل مع الجماعة في المستقبل، وقد أثبت القرآن الكريم ذلك بقول الله تعالى:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١.
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٢.
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِير﴾ ٣.
ولقد وصفه الله جل شأنه بقوله:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٤.
قال ابن كثير في تفسيرها: عن قتادة: سئلت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ قالت: كان خلقه القرآن٥.
стр. 280
يقول شيخنا العارف بالله فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود: وحقيقة الأمر أن رسول الله كان في كل ما يأتيه, وكل ما يدعيه قرآنا مطبقا، ومن هنا كان قوله في بيان ذلك في شأنه ﷺ :
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ١.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ .
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ﴾ ٣.
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ .
كانت تأتيه الدنيا فينفقها وهو جالس، أتى إليه صلوات الله وسلامه عليه سبعون ألف درهم فوضعها، كما يروي هارون بن رباب على حصير، ثم قام إليها يقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منها٤.
لقد كان رسول الله ﷺ مثالا وأسوة لتطبيق مبادئ الدعوة سلوكيا حتى كانت حقيقة نفسه الشريفة من حقيقة الرسالة, وكانت عظمة نفسه الزكية من عظمة هذه الرسالة.
стр. 281
إن الحقيقة المحمدية كالحقيقة الإسلامية أبعد من كل مدى يملكه مجهر مكبر بشري, وقصارى ما يملكه راصد لعظمة محمد ﷺ التي يراها ولا يقدر على تحديدها أنه كان لهذه الرسالة نبيا فلولاه ما كانت لغيره ولو كانت ما كانت إلا له.
إن محمدا ﷺ وحده هو الذي يرقى إلى هذا الأفق من العظمة إنه وحده الذي يبلغ قمة الكمال الإنساني المجانس لنفحة الله في كيانه هو، هو الذي أعد خاصة لهذه الرسالة الكونية العالمية حتى لتتمثل في شخصيته الحية، إنه وحده أهل لهذا المقام الرفيع ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه﴾ ولهذا فقد كان خلقه القرآن، وكان وصفه العظيم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ وليس غير محمد ﷺ يطيق هذا الثناء من جلال الله وهو ثابت لا ينسحق تحت ضغطها الهائل ولا تأرجحت شخصيته فوق كل دليل، وتلك هي السوية البشرية للأنبياء، وكان هو وحده الأسوة الحسنة التي يتأسى بها الدعاة في كل عصر وحين.
ولقد شهد في العصر الحديث بهذه الأسوة وتطبيق مبادئ الدعوة رجل من الأذكياء المنصفين من متمذهبي البراهمة سئل: بماذا كان رسول الإسلام عندك أكمل رجال العالم؟ فأجاب: لأني أجد في رسول الإسلام خلالا مختلفة وأخلاقا جمة وخصالا كثيرة لم أرها اجتمعت في تاريخ العالم لإنسان واحد في آن واحد، فقد كان ملكا دانت له أوطانه كلها يصرف الأمر فيها كما يشاء، وهو مع ذلك متواضع في نفسه يرى أنه لا يملك من الأمر شيئا, وأن الأمر كله بيد ربه.
стр. 282
وتراه في غنى عظيم تأتيه الإبل موقرة بالخزائن إلى عاصمته, ويبقى مع ذلك محتاجا, ولا توقد في بيته نار لطعام الأيام الطوال, وكثيرا ما يطوي على الجوع.
ونراه قائدا عظيم يقود الجند القليل العَدد الضعيف العُدد, فيقاتل بهم ألوفا من الجند المدجج بالأسلحة الكاملة, ثم يهزمهم شر هزيمة, وتجده محبا للسلام مؤثرا للصلح, ويوقع شروط الهدنة على القرطاس بقلب مطمئن, وجأش هادئ, ومعه ألوف من أصحابه كل منهم شجاع باسل وصاحب حماسة وحمية تملأ جوانحه.
ونشاهده بطلا شجاعا يصمد وحده لآلاف من أعدائه غير مكترث بكثرتهم, وهو مع ذلك رقيق القلب رحيم رءوف متعفف عن سفك قطرة دم.
وتراه مشغولا بجزيرة العرب كلها بينما هو لا يفوته أمر من أمور بيته وأزواجه وأولاده, ولا من أمور فقراء المسلمين ومساكينهم, ويهتم بأمر العالم كله، وهو مع ذلك متبتل إلى الله منقطع عن الدنيا فهو في الدنيا وليس فيها؛ لأن قلبه لا يتعلق إلا بالله وبما يرضي الله١.
لقد كان رسول الله ﷺ أسبق الناس إلى عمل ما يأمر به، يقول الشيخ الندوي:
ومن أفضل سيرته وأعلاها أنه بعدما أوحي إليه لم يأمر أتباعه وأصحابه بأمر إلا وقد سبقهم إلى العمل به٢.
стр. 283
ولقد حدد بذلك رسول الله ﷺ قاعدة من قواعد منهج العمل مع الجماعة, وهي اتحاد السلوك مع المبادئ التي يدعو إليها, ولهذا استحق هذا المنهج صبرا طويلا على مشقة التبليغ وعداوة المكابرين.