إن الحقيقة المحمدية كالحقيقة الإسلامية أبعد من كل مدى يملكه مجهر مكبر بشري, وقصارى ما يملكه راصد لعظمة محمد ﷺ التي يراها ولا يقدر على تحديدها أنه كان لهذه الرسالة نبيا فلولاه ما كانت لغيره ولو كانت ما كانت إلا له.
إن محمدا ﷺ وحده هو الذي يرقى إلى هذا الأفق من العظمة إنه وحده الذي يبلغ قمة الكمال الإنساني المجانس لنفحة الله في كيانه هو، هو الذي أعد خاصة لهذه الرسالة الكونية العالمية حتى لتتمثل في شخصيته الحية، إنه وحده أهل لهذا المقام الرفيع ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه﴾ ولهذا فقد كان خلقه القرآن، وكان وصفه العظيم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ وليس غير محمد ﷺ يطيق هذا الثناء من جلال الله وهو ثابت لا ينسحق تحت ضغطها الهائل ولا تأرجحت شخصيته فوق كل دليل، وتلك هي السوية البشرية للأنبياء، وكان هو وحده الأسوة الحسنة التي يتأسى بها الدعاة في كل عصر وحين.
ولقد شهد في العصر الحديث بهذه الأسوة وتطبيق مبادئ الدعوة رجل من الأذكياء المنصفين من متمذهبي البراهمة سئل: بماذا كان رسول الإسلام عندك أكمل رجال العالم؟ فأجاب: لأني أجد في رسول الإسلام خلالا مختلفة وأخلاقا جمة وخصالا كثيرة لم أرها اجتمعت في تاريخ العالم لإنسان واحد في آن واحد، فقد كان ملكا دانت له أوطانه كلها يصرف الأمر فيها كما يشاء، وهو مع ذلك متواضع في نفسه يرى أنه لا يملك من الأمر شيئا, وأن الأمر كله بيد ربه.
стр. 282
وتراه في غنى عظيم تأتيه الإبل موقرة بالخزائن إلى عاصمته, ويبقى مع ذلك محتاجا, ولا توقد في بيته نار لطعام الأيام الطوال, وكثيرا ما يطوي على الجوع.
ونراه قائدا عظيم يقود الجند القليل العَدد الضعيف العُدد, فيقاتل بهم ألوفا من الجند المدجج بالأسلحة الكاملة, ثم يهزمهم شر هزيمة, وتجده محبا للسلام مؤثرا للصلح, ويوقع شروط الهدنة على القرطاس بقلب مطمئن, وجأش هادئ, ومعه ألوف من أصحابه كل منهم شجاع باسل وصاحب حماسة وحمية تملأ جوانحه.
ونشاهده بطلا شجاعا يصمد وحده لآلاف من أعدائه غير مكترث بكثرتهم, وهو مع ذلك رقيق القلب رحيم رءوف متعفف عن سفك قطرة دم.
وتراه مشغولا بجزيرة العرب كلها بينما هو لا يفوته أمر من أمور بيته وأزواجه وأولاده, ولا من أمور فقراء المسلمين ومساكينهم, ويهتم بأمر العالم كله، وهو مع ذلك متبتل إلى الله منقطع عن الدنيا فهو في الدنيا وليس فيها؛ لأن قلبه لا يتعلق إلا بالله وبما يرضي الله١.
لقد كان رسول الله ﷺ أسبق الناس إلى عمل ما يأمر به، يقول الشيخ الندوي:
ومن أفضل سيرته وأعلاها أنه بعدما أوحي إليه لم يأمر أتباعه وأصحابه بأمر إلا وقد سبقهم إلى العمل به٢.
стр. 283
ولقد حدد بذلك رسول الله ﷺ قاعدة من قواعد منهج العمل مع الجماعة, وهي اتحاد السلوك مع المبادئ التي يدعو إليها, ولهذا استحق هذا المنهج صبرا طويلا على مشقة التبليغ وعداوة المكابرين.
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ ١.
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر﴾ ٢.
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ٣.
من أساسيات العمل مع الجماعة أن تبرز الأهداف التي يُدعى إليها في جو طبيعي، بعد أن يتحلى بها الدعاة سلوكا عمليا.
وقد التزمت القيادة في ظلال العمل المكي بالسلوك المطابق للمبادئ الإسلامية، تنقية للدعوة في صورتها العملية من أدنى شائبة تحسب عليها، ذلك بأن الفرد المسلم هو مرآة الإسلام.
ولهذا فإن الدعوة الإسلامية في عهدها المكي قد تجنبت صداما مسلحا حتى تعطي فرصة كاملة لإبراز معالم الدعوة وحقيقة الإسلام، ولذلك التزمت بالصبر الإيجابي الذي يزاول العمل في إخلاص مع التحمل لشدائد الأمور.
ولو سمح القرآن الكريم للجماعة الإسلامية بالدفاع عن النفس في هذه المرحلة، لما أمكن للدعوة أن تُري للناس على طول الحياة أنها دعوة لخير الإنسانية، ولكانت مشادات في محيط الأسرة بين الولد ووالده والعبد وسيده والمرأة وزوجها، ولصح للكافرين يومها أن يقولوا: إن محمدا ﷺ يفرق بين المرء وزوجه وبين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه.
стр. 287
وليس ذلك هو الهدف ولا هو المنهج كذلك، ولذلك أكد القرآن في هذا العهد المكي ضرورة التحلي بالصبر كمنهج، وهو صبر إيجابي يزاول أعمال الدعوة مع التحمل لأذى الكافرين.
ماذا يكون يا ترى لو وقعت المعارك في كل بيت؟ أيكون هذا هو الإسلام؟ أيكون ذلك هو الهدف الذي يدعو إليه محمد ﷺ ؟
لقد قيلت دون حرب أو مقتلة أو معركة: إن محمدا يفرق بين المرء وزوجه.
لقد قيلت مع الأمر بالكف عن القتال، لقد قيلت مع الأمر بالتزام الصبر فماذا يقال يا ترى لو أن القرآن الكريم أذن بالقتال في هذا العهد؟ هنا تبرز حكمة التذرع بالصبر كواحدة من أساسيات العمل مع الجماعة وهذا هو الداء الذي تعانيه الدعوة الإسلامية في العصر الحديث.
إنه لا بد من مرحلة طويلة يبرز فيها بالسلوك العملي، أن دعوة الإسلام دعوة لخير الإنسان ولكرامته وعزته واحترامه، ولن تبرز هذه المعالم، إلا إذا صفى الدعاة أنفسهم من كل شبهة تعوق هذه المعالم عن الظهور، ولهذا يتكرر الأمر بالصبر في السور المكية على النحو الذي ذكرنا له نماذج، ليعلم المشتغلون بالدعوة الإسلامية أن من منهج العمل مع الجماعة لتبليغ الدعوة "الصبر الطويل" الذي يمكن الغير من التعرف على امتيازات الإسلام.
стр. 288
وقد جعل الله ابتلاء الدعاة في كل عصر تدريبا تربويا ليخلصهم إلى طاعته وينقيهم من كل شبهة ويمحصهم من كل آفة.
﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ .
توجد هذه المظاهرة كقانون إلهي.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ .
وهي اختيار واختيار يصفي الله به العاملين والمبلغين رسالاته، ولقد كان من معالم هذا الطريق.
أن سيدنا نوحا ﵇ لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى توحيد الله جل شأنه وهو عمر يتيم في حياة الدعوة، لم يتكرر بعد -والله أعلم- ولكن قومه وضعوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا، فأخذهم الطوفان وهم ظالمون.
وسيدنا إبراهيم ﵇ لبث عمرا مديدا لم يحدده القرآن الكريم، وكانت نتيجة جهاده, فآمن له لوط فقط، وترك قومه وتبرأ منهم وقال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .
وسيدنا موسى ﵇ ترهق حياته أعصاب المتتبع لها، فهو يولد في جو يشيع فيه فرعون الرعب والإرهاب والذعر، وتقوم حكومته بإعدام أطفال بني إسرائيل ويولد موسى في هذا الجو القاسي
стр. 289
الرهيب ويرمي في البحر في تابوت من الخشب ويلقيه اليم إلى ساحل فرعون العاتي القاسي المتجبر الذي أصدر أوامر الإعدام على الأطفال الرضع، وإذن فكيف ينجو موسى؟
ويلقي الله العلي العظيم في قلب آسيا رقة ورأفة بموسى فتقول لهم: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ , وهي إشارة بعيدة إنها هي المتحدثة هي القائلة: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ فالمنفعة لها لصنفها لمؤمنات مثلها.
ويعاف موسى الأثداء كلها, وكانت أخته تقصه ثم تدخل القصر وتقول لهم: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ .
ويعود موسى إلى أمه كما وعد الله جل شأنه.
كيف كانت أخت موسى تقصه؟
وكيف استطاعت أن تصل إلى مستوى المشورة والتناصح للقصر الفرعوني؟
وكيف لا يشك في موسى وقد عاد إلى بيت من بيوت بني إسرائيل؟
ذلك كله أمر الله وجلاله وقدرته يقدمها القرآن في العصر المكي نموذجا لمضايق العمل الإسلامي, وكيف ينقيها الله من عتو الجاهلين.
ثم يشب موسى ويدعو إلى الإصلاح, وتضطره الظروف إلى الهجرة وفي الطريق لا تتركه الأحداث هادئا فيرى على ماء مدين
стр. 290
امرأتين تذودان والناس في شح لم يرحموا ضعفهما ولا قلة حيلتهما، وهو رجل عابر سبيل فتأخذه الشفقة والرحمة امتثالا لمبادئه العليا فيسقى لهما ويبرز هنا كذلك سؤال: كيف استطاع موسى أن يمنع الناس عن الماء وهم جمع في بلادهم وهو رجل غريب؟ وكيف انصاع الناس له؟ ذلك أمر الله وقدره، يلحظ فيه الداعية كيف ييسر الله للمخلصين كل سبيل يسهل إلى الخير ويحقق النفع للناس.
وفي مدين يمكث عشر حجج يرجع بعدها مع أهله فتأتيه الرسالة بطريق الخطاب المباشر دون قدرة على الرؤية ويتحمل قولا ثقيلا:
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ .
ويبدأ موسى بتنفيذ أمر ربه وتكون طريقة الخلاص من فرعون جد شاقة فيؤمر من عند ربه: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ .
وحتى بعد الخلاص أثناء السير قال له أصحابه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ من شدة الهلع والخوف.
حتى إذا ما نجو قالوا: ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ .
فتمر دعوة موسى ﵇ في تسلسل من الصعوبات والامتحانات والابتلاءات ذلك لأن طبيعة الدعوة دائما تحتاج إلى صبر في عرضها وصبر على مجابهة خصومها, ولهذا رفض رسول الله ﷺ أن يستنصر بالدعاء على كفار مكة أن يبيدهم الله بهلاك من عنده نظير ما فعلوه في جماعة المسلمين، ففي البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا بيان وإسماعيل قالا: سمعنا قيسا
стр. 291
يقول: سمعت خبابًا يقول: أتيت النبي ﷺ وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: "لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك دينه، ويوضع المنشار على ما مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله" , زاد بيان: "والذئب على غنمه" ١.
وفي رواية زاد: "ولكنكم تستعجلون" ٢.
لقد كانت المدرسة النبوية تربي القيادة على أمثل مستوى يجردها من كل هوى وشائبة لتخلص الطوايا والنفوس لله رب العالمين، وكانت هذه التربية تتمشى مع التوجيه القرآني: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ .
فكانت توجيه القلوب والحواس إلى رضوان الله وإلى الصبر والتحمل حتى يأذن الله بما يشاء لهذه الطليعة الأولى في حياتها الدنيا وفي حياتها الأخرى على السواء.
كان الرسول ﷺ يرى عمارا وأمه وأباه ﵃ يعذبون أشد العذاب في مكة فما كان يزيد على أن يقول لهم: "صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة".
стр. 292
وفي رواية: "صبرا آل ياسر! اللهم اغفر لآل ياسر" ١.
إن العمل للدعوة الإسلامية يرتبط بمنهج الصبر وقانون التحمل للمشاق ذلك بأن الصبر جهاد والجهاد فريضة والصبر واحد من ألوان هذا الجهاد.
إن جهاد النفس على وساوس الشيطان نوع من الجهاد.
والجهاد بالصبر على المكاره في مواجهة أعداء الإسلام نوع من الجهاد والتغلب على شهوة الحياة الدنيا العاتية نوع من الجهاد.
والدعوة الإسلامية في دور العرض تحتاج إلى نوع خاص من الجهاد هو جهاد الصبر لتمحص المسلم وتجرده من كل شهوة وهوى، وتتأكد من صلاحيته للعمل الإسلامي، بعيدا عن كل لون ثقافي يتأثر به، مثل:
الثأر، والعصبية للجنس والوطن, أو حب الدنيا وإيثار الراحة.
إن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد لقوم معينين وسط ظروف معينة, هي ظروف المجتمع العربي الجاهلي الذي يؤثر في حياته مواريث الآباء والأجداد، فكان من أهداف هذه التربية تدريب الذات العربية على الصبر واحتمال الشدائد التي لا يصبر عليها بالعادة من الضيم على شخصيته أو من يلوذون به حتى يخلص جسده وعقله وقلبه ووجدانه وفكره لله رب العالمين, وحتى يتجرد من ذاته وذات من
стр. 293
يلوذون به فلا تكون الذات هي المحور لحياته, ولا هي الدافع لتحركه في وجوده.
وكانت كذلك تربية على ضبط الأعصاب حتى لا يندفع الرجل العربي وراء حماسته لأي مؤثر يشعل حميته، وحتى لا يهتاج لأول مهيج وذلك حتى يتم الاعتدال في طبيعته وحركته.
وكانت كذلك تربية على أن يتبع أسلوب حياة جديدة تحت قيادة جديدة يرجع إليها في كل شيء, ويأخذ عنها جميع أمور حياته ولا يتصرف إلا وفق ما تأمره به مهما يكن الأمر مخالفا لمألوفه وعادته ومواريثه، وقد كان ذلك هو حجر الأساس في إعداد شخصية الرجل العربي لإنشاء نواة المجتمع الإسلامي الذي يخضع لقيادة موجهة من الوحي بعيدا عن السلطان البشري الضال المزيف.
إن إعداد النفوس وتربيتها بناء صعب يحتاج إلى زمن طويل وصبر طويل لكي يعطي فرصة واسعة لمن وضع نفسه في موضع الخصومة ليتفكروا ويتأملوا ويبحثوا أسباب ردهم للدلائل والبراهين التي طال شرحها وطال عرضها، ويبحثوا كذلك أسباب تخلق المسلمين بالصبر مع القدرة على اتخاذ موقف دفاعي كما حدث من عمر بن الخطاب ﵁ الذي بدل عنفه على المسلمين قوة لهم، وغير ظلمه إياهم عدلا لمبادئهم ودعوتهم بعد أن استروحت نفسيته عبير الدعوة واستنشقت رئتاه نسيم الإيمان، فتذوق حلاوة الإسلام، فانقاد في قوة عارمة وعاد من تجبره ليكون للمسلمين عونا ومعينا ومساعدا ونصيرا, وتلك واحدة من آثار منهج الصبر, وشاء الله أن يكون ذلك دائما هو
стр. 294
طابع العمل في الدعوة لما يعلمه جل شأنه من أن بعض المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم ويعذبونهم ويؤذونهم هم بأنفسهم سيكونون من جند الله, ومن قادة الدعوة المخلصين.
هذه الخلقية التي تحتاجها الدعوة في مرحلة العرض تحتاج كذلك إلى إيمان بالتفويض المطلق إلى الله جل شأنه في تسيير مجريات النصر وأسبابه للدعوة الإسلامية, فإن النصر معناه ووقته وسببه والذين سيشهدون ملابساته أمور موكولة إلى الله وحده, فإنها مقادير عليا تخضع للسلطان الإلهي فحسب ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ .
وما على الدعاة إلا أن يخلصوا للعمل لوجه الله حسب منهاج الدعوة وإن يؤدوا واجبهم ثم يذهبوا وواجبهم هنا هو أن يختاروا الله ورسوله والقرآن الكريم، غاية وزعيما ودستورا، وأن يؤثروا العقيدة على كل متاع الحياة في أوج عظمتها وأن يستعلوا بالإيمان على المفتنة في أشد قسوتها وأن يصدقوا الله في العمل والنية ثم بعد ذلك ليفعل الله بهم وبأعداء دينهم ما يشاء.
وإذن فإنه لمن الخطأ الكبير في عصرنا الحديث أن نسأل متى نصر الله؟
إن نصر الله لا بد آت إنه وعده الكريم ولن يخلف الله وعده أبدا ولكن مفهوم النصر ليس هو التسلط ولا الحكم وليس هو المال والجاه، وليس موطنه الحياة في الأرض فقط.
إن مجال المعركة ليس هو الأرض وحدها وليس هو الحياة الدنيا وحدها وشهود المعركة ليسوا هم الناس في جيل من الأجيال, بل
стр. 295
إن الملأ الأعلى يشاركه في أحداث الأرض ويشهد عليها, ويزنها بميزان خاص غير ميزان الأرض في نوع من أجيالها بل في أجيالها جميعا، والملأ الأعلى يضم مع الأرواح الكريمة أضعاف أضعاف ما تضم الأرض من الناس، وما من شك أن ثناء الملائكة والملأ الأعلى وتكريمه أكبر وأعظم وأجل وأنفس وأرجح في أي ميزان من رأي أهل الأرض وتقديرهم وموازينهم على الإطلاق, وبعد ذلك هناك الآخرة وهي المجال الأصيل الذي يلحق به مجال الأرض إن طوعا وإن كرها, ثم هو لا ينفصل عنه لا في الحقيقة الواقعة ولا في الحس المؤمن فيما يتعلق بهذه الحقيقة, فالمعركة إذن لم تنته, وخاتمتها الحقيقية لم تجئ بعد, والحكم عليها بالجزء الذي عرض منها في الأرض في وقت ما أوفى الأوقات كلها غير دقيق, بل وغير صحيح لأنه حكم على الشطر الصغير الأدنى والشطر الزهيد الطائش وصدق الله العظيم:
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ١.
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ ٢.
стр. 296
نعم لم تعد الحياة الدنيا هي الخاتمة للمطاف ولا هي موعد الفصل في الخلاف, كما أن الحياة وكل ما يتعلق بها من لذائذ وآلام ومتاع وحرمان لم تعد هي القيمة العليا في الميزان.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١.
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ٣.
ومرة أخرى نعود إلى مفهوم النصر لنراه قضاء مقضيا ووعدا نافذا من الله تعالى:
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ٤.
بينما يشاهد الناس أن الرسل منهم من يقتل ومنهم من يهاجر من أرضه وقومه مطرودا مكذبا, وأن المؤمنين فيهم من يسام العذاب وفيهم من يلقى في الأخدود وفيهم من يستشهد، وفيهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد وضيق في الرزق فيسألون: فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا؟
стр. 297
ويدخل الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل ويفعل بها الأفاعيل، ولكن الناس يخطئون إذ يقيسون الأمور بميزان ظاهري محدد ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق كثيرة في التقدير.
إن الناس يقيسون بفترة قصيرة من الزمن وحيز محدود من المكان. وهذه مقاييس بشرية صغيرة.
فأما المقياس الشامل فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة في الزمان والمكان ولا يضع الحدود بين عصر وعصر ولا بين مكان ومكان, ولو نظرنا إلى قضية الإيمان في هذا المجال لرأيناها تنتصر من غير شك وانتصارها مرتبط بانتصار أصحابها إذ ليس لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها وأول ما يطلبه منهم الإيمان أن يفنوا فيه ويختفوا هم ويبرز هو.
والناس كذلك يقصرون معنى النصر على صورة معينه معهودة قريبة الرؤية والمنال لأعينهم، ولكن النصر له صور شتى، وقد يلتبس بعضها بصورة الهزيمة عند النظرة القصيرة أو السطحية.
فسيدنا إبراهيم ﵇ وهو يلقى في النار هو من غير شك في منطق الإيمان أنه كان على قمة النصر عندما ألقاه الكفار في النار كما أنه انتصر مرة أخرى عند ما قيل للنار: كوني بردا وسلاما على إبراهيم.
هذه صورة والأولى صورة وهما في الظاهر بعيد من بعيد أما في الحقيقة فهما قريب من قريب وكلاهما نصر من عند الله.
стр. 298
والحسين ﵁ وهو يستشهد، كان في تلك الصورة مفجعة عظيمة من جانب, ولكنها كانت من جانب آخر نصرا عظيما له.
في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة، فأما في الحقيقة وبالمقياس الكبير فقد كانت نصرا، فما من شهيد في الأرض تهتز له الجوانح بالحب والعطف، وتهفو القلوب له وتجيش بالغيرة والفداء من أجله كالحسين بن علي ﵁ يستوي في ذلك المتشيعون وغيرهم من كثير من المسلمين.
وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر إيمانه ودعوته ولو عاش ألف عام كما نصرها الحسين باستشهاده.
وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة ويحفز الألوف إلى الأعمال الجليلة بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه فتبقى دائما حافزا محركا للأبناء والأحفاد, بل ربما كانت محركا لخطا التاريخ كله على مدى الأجيال, وذلك نصر كبير بحمد الله.
إننا اليوم في حاجة كبيرة إلى أن نراجع ما استقر في تقديرنا من الصور والقيم لمعنى النصر قبل أن نسأل: متى نصر الله؟ وأين وعد الله؟
إن هناك حالات كثيرة يتم فيها النصر في صورته الظاهرة القريبة حين تتصل هذه الصورة الظاهرة القريبة بصورة باقية ثانية. لقد
стр. 299
انتصر رسول الله ﷺ لأن هذا النصر يرتبط بمضي إقامة العقيدة بحقيقتها الكاملة في الأرض، فإن هذه العقيدة لا يتم تمامها إلا إذا هيمنت على حياة الجماعة البشرية في كل تصرفاتها من قلب الفرد الواحد، حتى الدولة القائمة على الحكم بإذن الله, وقد شاء الله أن ينتصر صاحب هذه العقيدة عليه أفضل الصلاة والسلام في حياته؛ ليحقق هذه العقيدة في صورتها الكاملة ويتركها من بعده حقيقة مقرة في واقع تاريخي ملموس مشهود, ومن هنا اتصلت صورة النصر القريبة بصورة أخرى بعيدة, واتحدت الصورة الظاهرة مع الصورة الحقيقية؛ لأن الله أراد هذا ورتبه؛ ذلك لأن وعد الله قائم برسله والذين آمنوا معهم فلا بد أن توجد حقيقة الإيمان في القلوب التي ينطبق عليها هذا الوعد.
وثمة اعتبار آخر أن كثيرا ما يتجاوز الناس في إدراك حقيقة الإيمان, وهي لا توجد إلا حين يخلو القلب من الشرك في كل صوره وأشكاله, وأن هناك أشكالا من الشرك خفية لا يخلص منها القلب إلا حين يتوجه لله وحده، ويتوكل عليه وحده، ويطمئن إلى قضائه وحده، ويحس أن الله وحده هو الذي يصرفه، فلا خيرة له إلا ما اختاره الله له: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ربُّ العَالمينَ﴾ ١.
ويلتقي هذا كله بالثقة والطمأنينة والرضا والقبول, وحين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة فلم يجد في نفسه محلا لسؤال يقدمه بين يدي الله العلي العظيم, ولن يجد من نفسه جرأة يقترح على الله صورة
стр. 300
معينة من صور النصر أو صور الخير التي تريدها نفسه, بل إنه ليكل كل شيء إلى جناب الله صاحب الملك والتصرف, ويلتزم ويتلقى كل ما يمليه عليه أنه خير, وذلك وحده نصر على الهوى والذات والشيطان, وهو النصر الداخلي الذي لا يتم نصر خارجي بدونه١، وأساس ذلك النصر الداخلي هو الصبر الطويل واحتمال الشدائد حسبة لوجه الله الكريم، ويضرب القرآن الكريم في العهد المكي لهذه المعاني مثلا أصحاب الأخدود في سورة البروج.
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ٢.
لقد استحق أصحاب الأخدود هذا الغضب من الله في حالة السلطان الذي كانوا يملكونه, وهذه صورة ظاهرة لمفهوم نصر الكافرين, ولكنها صورة الهزيمة المنكرة.
وكانت صورة المؤمنين الظاهرة صورة هزيمة, ولكنها في الحقيقة واحدة من صور النصر, فوزن الحادثة وما استحقته من نقمة وغضب لم ينته بعد, فوراءه حساب الله الكبير المتعال.
وتبقى في التاريخ روعة الإيمان المستعلي على الفتنة المنتصر بالعقيدة على الطغيان.
стр. 301
ويبقى تجرد المؤمنين من لذائذ الحياة نصرا فوق الشهوة ويبقى استعلاؤهم فوق الآلام نصرا على قوة المعتدين.
ومن هنا فإن بلاء الدعوة في العصر الحديث هو تكرار هذا السؤال: متى نصر الله؟
إن قيم الجهاد لا ترتبط بثمن يقبض أو رجاء ينتظر، إن قيم الجهاد هي فقط لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.
وإنه من الخطأ أن يفهم الدعاة أن معنى النصر هو تحقيق مطالب الحياة بالحكم أو بالجاه أو بالمال، إنه من الخطأ أن يجعل الدعاء موازين النصر موازين الأرض المحدودة السطحية الفانية، بل إن المعنى الذي يجب أن يفهم عن النصر هو المعنى الذي تقدمه سورة "أصحاب الأخدود" الذين انتصرت أرواحهم على الخوف والألم, وانتصرت أجسادهم على جاذبية الحياة ونعمها.
وانتصرت قلوبهم على الفتنة الطاغية, فكانوا شرفا للجنس البشرى كله. ذلك ما تحتاجه الدعوة والداعية في العصر الحديث, وذلك ما طبقته طلائع التبشير هنا في منطقة جنوب شرقي آسيا, إذ يعيش الواحد منهم أربعين عاما في قرية صغيرة في الغابات يعيش معهم بخلق طيب ويقدم لهم المساعدات ويدعوهم في رفق ويستقطبهم حوله حتى يحبوه, ثم يجعلهم بعد ذلك مسيحيين.
ولقد شاهدت في يناير سنة ١٩٧١ أثناء السيول التي اجتاحت عاصمة ماليزيا "كوالا لمبور" رجال الكنيسة من المبشرين وهم
стр. 302
يخوضون لجج الفيضانات، ويحملون الغذاء والكساء والدواء للمصابين، وعلماء الإسلام في بيوتهم يتختمون بالذهب ويجلسون في هدوء آمنين, فلما انتهى البلاء واستوت على الجودي لهج الناس المسلمون بالثناء على المبشرين، وثاروا ساخطين على علماء الإسلام, فهل يملك رجل الكنيسة منهج عمل مع الجماعة مثل ما يملك العالم الإسلامي؟
إن الفارق الوحيد هو الإعداد والتربية وذلك هو داء الداعية الإسلامي وواجب معاهد الإسلام في العصر الحديث.
قال رسول الله ﷺ :
"عجبا لأمر المؤمن, إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن, إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" ١.
وقد تكفل الله لهذا المؤمن أن سيجعل له منزلة ورضوانا ومحبة.
стр. 303
الفصل الثالث: مراحل الدعوة
تمهيد:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ١.
إنها أول ما نزل على الإطلاق تبدأ باسم الله. وتوجه الرسول ﷺ أول ما توجهه في بعثه رسولا يبلغ دعوة الله التي اختير لها، وتوجهه وقد اتثقت بالوحي صلته بالملأ الأعلى، توجهه إلى أن يقرأ باسم ربه، فهو مصدر الخير كله والكمال كله ولا تتحقق للإنسان ذاتيته البشرية المعتدلة إلا إذا كان فعله وعمله من عند ربه وابتغاء وجه ربه، فيتحول بذلك خط التاريخ كله تحولا ما وقع قط، ولن يقع مثله فيما بعد أبدا.
وكان ﴿اقْرَأْ﴾ مفرق الطريق بين علم الضلالة الجاهلية ولو كانت في أرقى حضارات المادية وبين علم الربوبية، فإن فيه النقلة البعيدة من الظلام إلى النور، ومن الباطل إلى الحق، ومن الشك إلى اليقين، فإن مصدر التعليم الرباني هو الله ﷻ , منه يستمد الإنسان كل ما يعلم وكل ما يفتح به من أسرار هذا الوجود، وأسرار نفسه وأسرار الحياة التي يعيشها.
стр. 304
من ذلك المصدر الوحيد باسم ربك يتلقى البشر علمهم في أول لقاء مشهود بين الوحي والرسول النبي؛ ليبدأ في تعليم البشر إياها.
ولقد كانت هذه الحقيقة التي تلقاها قلب الرسول النبي ﷺ في اللحظة الأولى المشهودة هي التي ظلت تصرف شعوره ولسانه وعمله واتجاهاته طول حياته بوصفها قاعدة الإيمان الأولى:
﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ، وقد عرف العلماء السابقون هذه الحقيقة، أن الرسول النبي الذي سيحمل العلم الرباني إلى البشرية كلها هو المنعوت في كتبهم بسمات خاصة.
وقد نطق بالرسالة من قبل مجيئها راهب في الطريق هو "جرجيس": بحيرا مترهب نصراني على ما يرويه صاحب التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ﷺ :
فجاء الراهب وهم يحملون رحالهم فصار يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي ﷺ وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول الله رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين١.
стр. 305
وتتكرر المقالة من راهب آخر هو "نسطورا" على ما رواه صاحب السيرة الحلبية:
فدنا إلى النبي ﷺ سرا من ميسرة, وقبل رأسه وقدمه وقال:
آمنت بك وأنا أشهد أنك الذي ذكره الله في التوراة، ثم قال: يا محمد! قد عرفت فيك العلامات كلها خلا خصلة واحدة وأوضح لي عن كتفك, فأوضح له فإذا هو بخاتم النبوة يتلألأ فأقبل عليه يقبله ويقول:
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله النبي الأمي الذي بشر بك عيسى بن مريم١.
وقد نطق بتلك الوحدة بين الرسالة والنبوة "ورقة بن نوفل" وهو عالم جليل، في الأديان قال في الحلبية:
فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر, فإني أشهد أنك الذي بشر بك ابن مريم, فإنك على مثل ناموس موسى, وأنك نبي مرسل وأنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك, ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك٢.
والروايات في كتب السنة والسيرة تفيد أن الحجر كان يلقي السلام على رسول الله ﷺ قبل البعثة بصفة الرسالة.
стр. 306
قال في التاج:
وقال علي رضي الله تعالى عنه: كنت مع النبي ﷺ بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول:
السلام عليك يا رسول الله.
وابن هشام يؤكد هذه الرواية في سيرته، يقول:
كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت, ويفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها فلا يمر رسول الله ﷺ بحجر ولا شجر إلا قال:
السلام عليك يا رسول الله.
قال ابن كثير في سيرته:
قال: "فرفعت رأسي إلى السماء, فأنظر, فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد! أنت رسول الله وأنا جبريل، فوقفت أنظر إليه, فما أتقدم وما أتأخر, وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء, فما أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي, وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي, فبلغوا مكة ورجعوا إليها, وأنا واقف في مكاني ذلك, ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة, فجلست إلى فخذها مضيفا إليها
стр. 307
فقالت: يا أبا القاسم! أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ؟ ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت: أبشر يابن عم واثبت, فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة"١.
لقد كان مفهوم النبوة والرسالة متحدا في الماصدق، متحدا في الوظيفة التي بعث من أجلها خير المرسلين وخاتم النبيين؛ لأن العقل في هذه المرحلة كان يتلقى معلوماته من ثقافته العربية التي ليس فيها هرأ المنطق الأرسطي.
ويؤكد وحدة الرسالة والنبوة مفهوما وماصدقا ما رواه الإمام مسلم ﵁ في باب إسلام عمرو بن عبسة, وهو يسأل النبي ﷺ عن معنى النبي, فقال له رسول الله ونص الفقرة من الحديث الشريف.
فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: ما أنت؟ قال: "نبي" , فقلت: وما نبي؟ قال: "أرسلني الله" , فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: "أرسلني بصلة الأرحام, وكسر الأوثان, وأن يوحد الله لا يشرك به شيء" , قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: "حر وعبد" , فقلت: إني متبعك٢.
стр. 308
وما دام الاستعمال قديما قد جرى على اتحاد النبوة والرسالة في الماصدق والمفهوم وصح عن سيدنا رسول الله ﷺ تفسيره كلمة "نبي" بمعنى "رسول", فلماذا جنح العلماء إلى المفارقة بينهما؟
ليجنح علماء الكلام١ إلى التفرقة بين الرسول والنبي بعموم وخصوص مطلق, فإنهم قد جهلوا بترك لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطو.
ولكن لماذ يجنح إلى هذه التفرقة علماء السيرة؟
لقد قال في السيرة الحلبية:
يا ليتني فيها جذعا, أي يا ليتني في زمن الدعوة إلى الله, أي إظهارها الذي جاء به بناء على تأخر الدعوى التي هي الرسالة عن النبوة٢.
وهو تفسير مراعي الحد المنطقي ولهذا أعاد الضمير في كلمة "فيها" إلى الدعوة ولو أنه أعاده على ما يفهم من السياق وهي المعارك التي ستدور بين النبي ﷺ وبين الكفار, والتي يتمناها ورقة لينصر الله نصرا مؤزرا، "لكان أجود وأفضل واللغة تجريه والقرآن نفسه يسمح به في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاء﴾ ٣.
стр. 309
وكذلك في المواهب اللدنية يجعل الرسالة متأخرة على النبوة, فيقول: نبوته ﵊ كانت متقدمة على إرساله؛ لأن نزول ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إنما كان بعد النبوة١.
وكان يمكن التسليم بهذا التفسير لو افتتحت السورة بيا أيها النبي قم فأنذر, لكنها لم تفتتح بذلك بل بـ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ .
والمدثر هو صاحب الرسالة التي يؤمر بتليغها بقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ويدل على ترجيح هذا التفسير أسلوب صاحب المواهب وشارحها, وهو يرى مقالة ورقة، يقول:
إنه -أي ورقة- قال: أبشر فأنا أشهد -أقر وأذعن- أنك الرسول الذي بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل تأكيد زيادة في تطمينه, وأنك ستؤمر بالجهاد -علم ذلك من الكتب القديمة لتبحره في علم النصرانية- وإن أدرك ذلك لأجاهدن معك. وفي آخر هذا الحديث: فلما توفي, قال ﷺ : "لقد رأيت القيس في الجنة عليه ثياب الحرير؛ لأنه آمن بي وصدقني" , فهذا تصريح منه بتصديقه برسالة محمد -صلى الله عليه وسلم٢.
ولكن الذي يؤسف أن الشارح يستدرك على هذا الشرح الطبيعي المتسق مع الذاتية الإسلامية بقوله:
لكن يجوز أنه قاله قبل الرسالة لعلمه بالقرائن٣.
стр. 310
وهل القرائن التي كانت مصدر شهادة ورقة لديها تفرقة بين النبي والرسول؟ مع العلم بأن التفرقة حديثة لما دخل لسان أرسطو في لغة العرب فأفسد منطق المسلمين١.
ولقد عقد القاضي عياض ﵁ في كتاب الشفا فصلا عن النبوة والرسالة, وذكر اختلاف العلماء التقليدي في حقيقة النبي والرسول٢، وسار فيه على النمط الذي سلكه علماء الكلام مع أنه قد ذكر في جملة عابرة له معنى لطيفا لو سار عليه في توضيح مفهوم النبوة والرسالة, لكان أقرب للذاتية الإسلامية؛ لأنه يفيد الوحدة بين الرسالة والنبوة, وكان أبعد عن لسان أرسطو الذي جهل الناس به.
قال القاضي عياض:
وحط الله عنه عهدة أعباء الرسالة والنبوة لتبليغه للناس ما نزل إليهم.
ففي العبارة توضيح لمصدر الإرسال ولوظيفته.
فالنبوة تأخذ عن الله الوحي.
والرسالة تبلغ الناس ما جاءهم من عند الله.
وكذلك هو اتحاد الماصدق والمفهوم من حيث التبليغ, إذ هو يحتاج إلى مصدر يأخذ عنه وجهة ينقل إليها, وذلك هو ما يفهم من تفسير النبي ﷺ "نبي" بمعنى "رسول" في حديث
стр. 311
إسلام عمرو بن عبسة الذي رواه مسلم، وعلى هذا فقد كانت ﴿اقْرَأْ﴾ و ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ حقيقتان لمصدر الوحي والجهة التي سينقل إليها.
فالنبوة اصطفاء من عند الله.
والرسالة نقل ما أوحي إلى الناس.
وكلاهما كالنور وشعاعه.
وكلاهما في الجسد الواحد كاليد اليمنى واليد اليسرى تعطي وتأخذ.
وما جهل الناس بالاختلاف في حقيقة النبوة والرسالة إلا لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطو١.
لقد قال الحجر له قبل البعثة:
السلام عليك يا رسول الله.
وقال الراهب.
أشهد أنك رسول الله.
وقال له ورقة:
أشهد أنك نبي مرسل٢.
стр. 312
وقال له جبريل:
يا محمد أنت رسول وأنا جبريل.
وقالت خديجة ﵂:
والله إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.
والإضافة إلى الأمة فيها معنى الرسالة.
وقال هو ﷺ نبي يعني رسول الله.
فدل ذلك على أن الرسالة والنبوة متحدان في الماصدق. وليس من المعقول أن يكون هناك نبي غير رسول. فمهمة الأنبياء هي توحيد الله الذي يتعلق به الإرسال والبعث.
وقد ذكر في شرح الشفا١ أدلة القائلين بهذه الوحدة ومنها:
واستدلوا على تساويهما بقوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ .
لأنه علق فعل الإرسال بهما فإذا أرسل النبي لزم أن يكون الرسول نبيا والنبي رسولا, وإليه أشار بقوله: فقد ثبت لهما معا الإرسال.
وقد جرى الاستعمال القرآني في مكة والمدينة المنورة على هذا الأساس,
فجميع الأحكام الشرعية التي هي من سمات الرسالة فيما يدعيه علماء الكلام مبتدأ بنداء رخى كريم ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ .
стр. 313
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٢.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ ٣.
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ ٤.
فلو كان اصطلاح الرسول مرادا هنا لخاطبه بـ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ . إنها أحكام شرعية.
كذلك في مكة أول البعثة نزل عليه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ ٥.
وإذن فالنبي رسول والرسول نبي وقد بدأت الرسالة بالاصطفاء وأعد النبي ﷺ بمنهج تربوي خاص بالتكاليف ربانية خاصة قبل أن يبدأ دعوته وذلك هو طبيعة المنهج القرآني؛ أن يمهد ويخطو وئيدا ويتحرك متئدا؛ لأنه يربي ويبني ويرفق ويحنو, فلا يأخذ الناس جزافا, ولا يأتيهم بغتة, ولا يتصرف معهم على عجل، ولله در الشاعر:
داويت متئدا وداووا طفرة ... وأخف من بعض الدواء الداء
стр. 314
لقد كانت رسالة النبي محمد ﷺ هي نبوته, وكانت نبوة رسول الله ﷺ هي رسالته فهو خاتم الأنبياء وهو خاتم المرسلين, وكل نبي كذلك هو رسول ونبي ذاتا ووظيفة.
وبهذا الفهم نكون قد أبرزنا ذاتية المفهوم للنبوة والرسالة في الجو الإسلامي، وأغلقنا به شرا مستطيرا على من يدعي النبوة فيما بعد من أمثال الفئة الضالة من القاديانية وأشباهها.
واتقينا فتنة التفاضل بين النبوة والرسالة١. واسترحنا من خزعبلات العموم والخصوص.
وأوصدنا باب البحث عن صفة الذين آمنوا بالنبي ﷺ قبل أن يبدأ في تبليغ الدعوة٢, فقد انتقل حالهم إلى الله جل شأنه, وهو وحده صاحب الملك والتصريف, والبحث في هذه المسائل تهوكٌ وبعدٌ عن طبيعة الإسلام, وجريٌ وراء تفكه فكري لا يليق بإسلام الوجه لله.
لقد جاءت الرسالة أو النبوة؛ ليعيش أهل الأرض في كنف الله, ورعايته المباشرة يتطلعون في كل أمر من أمورهم إلى وحي من عند الله يتحركون به, ويحسون بيد الرحمة تمتد إليهم في كل حين لتنقل خطاهم خطوة خطوة إلى الصراط المستقيم.
стр. 315
وكان القائد للبشرية كلها قد أعد بعد الرسالة بمنهج خاص.
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا، إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ ١.
هكذا دبر الله لمحمد ﷺ هذه الفترة التربوية يعده فيها لحمل الأمانة الكبرى بوسائل الإعداد الإلهية المضمونة، قيام الليل، ترتيل القرآن، ذكر الله ... إلخ.
فإن الاتصال بالملأ الأعلى سيستمر لتبليغ شرع الله إلى الناس كافة, وهذا الاتصال لا بد وأن تسبقه تهيئة خاصة يتم فيها التجرد المطلق لله؛ لتستوعب الروح الطاهرة فيوضات الأنس الإلهي والمدد الإلهي والصلة الإلهية، وحتى تذوب المعاني الأرضية كلها وتصفى النفس من كل صغيرة لا تتفق مع نورانية الحق وجلال الله الأكبر، كانت الأوامر الإلهية تربي سيدنا محمد ﷺ وتعده بمنهج تدريبي قوي يتصل فيه بالله والناس نيام, ويذكر فيه اسم ربه وقد سكن الوجود وغاب النائمون، ويرتل القرآن ترتيلا يصل بصوته النبوي أجواء الأرض بأسماع السماء.
ويمضي الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه يقوم الليل إلا قليلا، ويرتل القرآن ترتيلا، ويذكر اسم ربه بكرة وأصيلا حتى جاءه الحق بتنفيذ الوظيفة.
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ .
стр. 316
فبدأ دعوته إلى الله١.
واتخذت الدعوة أربع مراحل على نحو ما جاء في القرآن الكريم:
١- ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ٢.
٢- ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٣.
٣- ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٤.
٤- ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٥.
وهي:
مرحلة إعداد القيادة.
مرحلة الأهل والأقارب.
مرحلة العرب عامة.
مرحلة البشرية كلها.
وأشهد أنه قد بلغ الدعوة بهذه المراحل كلها, وهو ما زال في ظلال مكة والبيت العتيق.
стр. 317
ضابط التقسيم:
ما هو أول ما نزل من القرآن؟
هل هو ﴿اقْرَأْ﴾ .
هل هو ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرْ﴾ .
لقد دافع ابن حجر في فتح الباري عن رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن لما سأله يحيى بن أبي كثير عن أول ما نزل فقال: سألت جابر بن عبد الله ﵄ عن ذلك, وقلت له مثل الذي قلت, فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال:
"جاورت بحراء, فلما قضيت جواري هبطت, فنوديت, فنظرت عن يميني, فلم أر شيئا, ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا, ونظرت أمامي فلم أر شيئا, ونظرت خلفي فلم أر شيئا, فرفعت رأسي فرأيت شيئا, فأتيت خديجة فقلت: دثروني, وصبوا علي ماء باردا"، قال: "فدثروني وصبوا عليّ ماء باردا" , قال: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ .
قال ابن حجر في هذه الرواية نقلا عن الكرماني: استخرج جابر أول ما نزل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ , باجتهاد وليس هو من روايته, والصحيح ما وقع في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
ثم قال: ويحتمل أن تكون الأولية في نزول ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يفيد السبب أي هي أول ما نزل من القرآن بسبب متقدم, وهو ما وقع من التدثر الناشئ عن الرعب، وأما اقرأ فنزلت ابتداء بغير سبب متقدم
стр. 318
وهو احتمال بعيد في نظر ابن حجر كذلك هنا رأي آخر في أن أول ما نزل "المزمل" أن فيها ذكر قيام الليل, وغير ذلك مما تراخى عن ابتداء نزول الوحي.
بخلاف "المدثر" فإن فيها ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ١ ... إلخ.
ما ذكره ابن حجر في الدفاع عن هذه الروايات ليرجح أن أول ما نزل هو "اقرأ" كما جاء في رواية السيدة عائشة ﵂ في بدء الوحي٢.
وإذا كانت معرفة ما نزل بتاريخه في هذه الفترة المكية قد شاء الله تعالى أن يستأثر بعلمها, فلم يبق لي بعد أن كثر الحديث بين العلماء في تحديد أول ما نزل إلا ما اتفق عليه العلماء, وهو ترتيب سور القرآن الكريم على نحو ما ذكره علماء علوم القرآن٣.
وقد لاحظت أن اتخاذ ترتيب السور على نحو ما ذكره علماء علوم القرآن وحده كضابط لتقسيم مراحل الدعوة, قد لا يساعد على تحقيق
стр. 319
فائدة، إذ في سورة متقدمة يوجد ذكر للدعوة العامة قبل الدعوة الخاصة, فسورة الأعراف مثلا تأخذ في التسلسل المتفق عليه عند العلماء رقم ٣٩, والشعراء ٤٧, ومع هذا ففي الشعراء: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ , وفي الأعراف: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ .
فأضفت إلى ترتيب السور الذي اتفق عليه العلماء دلالة الآية على الأمر بالتبليغ, أو بأنها إخبار عن حدوده, ومعالمه, وآفاقه.
وعلى هذا فالضابط الذي سأعتمد عليه -إن شاء الله- في تقسيم مراحل تبليغ الدعوة هو:
الترتيب المتفق عليه بين العلماء لسور القرآن الكريم.
ومدلول الآية: أمر هو أو إخبار؟
فإن اجتمع الترتيب, والدلالة على الأمر بالتبليغ كانت الآية علامة مرحلة من مراحل تبليغ الدعوة.
وهي في نظري قدر ما وصلت إليه كالآتي:
стр. 320
مراحل تبليغ الدعوة:
١- ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ١ المدثر "٧٤".
وهذا دور العمل السري واختيار الرعيل الأول وإعداد القيادة التي تتحمل مع النبي ﷺ نشر الدعوة.