← Сира

Сира · id 11736

الدعوة الإسلامية في عهدها المكي مناهجها وغاياتها

رؤوف شلبي

Полный текст (713 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فبدأ دعوته إلى الله١. واتخذت الدعوة أربع مراحل على نحو ما جاء في القرآن الكريم: ١- ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ٢. ٢- ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٣. ٣- ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٤. ٤- ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٥. وهي: مرحلة إعداد القيادة. مرحلة الأهل والأقارب. مرحلة العرب عامة. مرحلة البشرية كلها. وأشهد أنه قد بلغ الدعوة بهذه المراحل كلها, وهو ما زال في ظلال مكة والبيت العتيق.

стр. 317

ضابط التقسيم: ما هو أول ما نزل من القرآن؟ هل هو ﴿اقْرَأْ﴾ . هل هو ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرْ﴾ . لقد دافع ابن حجر في فتح الباري عن رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن لما سأله يحيى بن أبي كثير عن أول ما نزل فقال: سألت جابر بن عبد الله ﵄ عن ذلك, وقلت له مثل الذي قلت, فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال: "جاورت بحراء, فلما قضيت جواري هبطت, فنوديت, فنظرت عن يميني, فلم أر شيئا, ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا, ونظرت أمامي فلم أر شيئا, ونظرت خلفي فلم أر شيئا, فرفعت رأسي فرأيت شيئا, فأتيت خديجة فقلت: دثروني, وصبوا علي ماء باردا"، قال: "فدثروني وصبوا عليّ ماء باردا" , قال: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ . قال ابن حجر في هذه الرواية نقلا عن الكرماني: استخرج جابر أول ما نزل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ , باجتهاد وليس هو من روايته, والصحيح ما وقع في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. ثم قال: ويحتمل أن تكون الأولية في نزول ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يفيد السبب أي هي أول ما نزل من القرآن بسبب متقدم, وهو ما وقع من التدثر الناشئ عن الرعب، وأما اقرأ فنزلت ابتداء بغير سبب متقدم

стр. 318

وهو احتمال بعيد في نظر ابن حجر كذلك هنا رأي آخر في أن أول ما نزل "المزمل" أن فيها ذكر قيام الليل, وغير ذلك مما تراخى عن ابتداء نزول الوحي. بخلاف "المدثر" فإن فيها ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ١ ... إلخ. ما ذكره ابن حجر في الدفاع عن هذه الروايات ليرجح أن أول ما نزل هو "اقرأ" كما جاء في رواية السيدة عائشة ﵂ في بدء الوحي٢. وإذا كانت معرفة ما نزل بتاريخه في هذه الفترة المكية قد شاء الله تعالى أن يستأثر بعلمها, فلم يبق لي بعد أن كثر الحديث بين العلماء في تحديد أول ما نزل إلا ما اتفق عليه العلماء, وهو ترتيب سور القرآن الكريم على نحو ما ذكره علماء علوم القرآن٣. وقد لاحظت أن اتخاذ ترتيب السور على نحو ما ذكره علماء علوم القرآن وحده كضابط لتقسيم مراحل الدعوة, قد لا يساعد على تحقيق

стр. 319

فائدة، إذ في سورة متقدمة يوجد ذكر للدعوة العامة قبل الدعوة الخاصة, فسورة الأعراف مثلا تأخذ في التسلسل المتفق عليه عند العلماء رقم ٣٩, والشعراء ٤٧, ومع هذا ففي الشعراء: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ , وفي الأعراف: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ . فأضفت إلى ترتيب السور الذي اتفق عليه العلماء دلالة الآية على الأمر بالتبليغ, أو بأنها إخبار عن حدوده, ومعالمه, وآفاقه. وعلى هذا فالضابط الذي سأعتمد عليه -إن شاء الله- في تقسيم مراحل تبليغ الدعوة هو: الترتيب المتفق عليه بين العلماء لسور القرآن الكريم. ومدلول الآية: أمر هو أو إخبار؟ فإن اجتمع الترتيب, والدلالة على الأمر بالتبليغ كانت الآية علامة مرحلة من مراحل تبليغ الدعوة. وهي في نظري قدر ما وصلت إليه كالآتي:

стр. 320

مراحل تبليغ الدعوة: ١- ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ١ المدثر "٧٤". وهذا دور العمل السري واختيار الرعيل الأول وإعداد القيادة التي تتحمل مع النبي ﷺ نشر الدعوة.

стр. 321

٢- ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ الشعراء "٤٧". وهو بدء بالعمل الجهري بعد أن أمر النبي ﷺ بالجهر بالدعوة. قال في إرشاد الساري: لأن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم٢. ٣- ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٣ الشورى "٦٢". وهو على ما قاله الطبري مكة ومن حولها شرقا وغربا٤. وهو دور دعوة العرب. ٤- ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٥ إبراهيم "٧٢". وهو دور العمل على المستوى الإنساني كله. وقد اخترت هذه الآيات كضابط لمراحل تبليغ الدعوة لأنها في سورها المتسلسلة حسب اتفاق العلماء فيها أمر بالإنذار, وفيها سير طبيعي مع منهجية القرآن الكريم التي تأخذ بالتدرج في التربية, والإعداد حتى في العصر المدني نجد التدرج سمة التشريع الإسلامي٦ على نحو ما ذكره الكاتبون في تاريخ التشريع الإسلامي.

стр. 322

حقيقة هناك آيات تدل على عالمية الدعوة في سورة الأعراف "٣٩" آية رقم "١٥٨"، ولكنها أخبار عن أبعاد الرسالة وشمولها للناس كافة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ , والأخبار ليس كالأمر بالتبليغ في اتخاذه ضابطا يصطلح عليه في تقسيم مراحل تبليغ الدعوة كذلك في سورة الفرقان "٤١" آية رقم "١" دلالة على هذا العموم, ولكنه كذلك إخبار عن حدود الرسالة وآفاقها العالمية. وفي سورة سبأ "٥٨" آية رقم "٢٨", وهي في نفس الاتجاه الذي يعلن ويخبر أن الإسلام رسالة للعالمين لا لبيئة ولا لقومية خاصة. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . وكذلك في سورة الأنبياء "٧٣" آية رقم "١٠٧": ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . وفي سورة الأنعام "٥٥" آية رقم "٩٢" ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ مما يفيد تبليغ الدعوة إلى العرب ولكنها جاءت في وسط الآية التي تتوجه إلى الإخبار عن صفة القرآن الكريم, أنه كتاب مبارك مصدق الذي بين يديه.

стр. 323

وإذن فلم يبق على ما وصلت إليه بعون من عند الله إلا الآيات الدالة على الأمر بالتبليغ حسب ورودها ووجودها في السور المتسلسلة باتفاق العلماء، ولعله مما يقوي هذا الضابط الذي أذهب إليه الحديث الشريف الذي أورده شارح الشفاء١: "بعثت إلى الناس كافة, فإن لم يستجيبوا لي فإلى العرب, فإن لم يستجيبوا لي فإلى قريش, فإن لم يستجيبوا لي فإلى بني هاشم, فإن لم يستجيبوا لي فإليّ وحدي". ذكره السيوطي في جامعه الصغير. ففي الحديث خمس دعوات: واحدة للناس كافة. وواحدة للعرب. وواحدة لقريش. وواحدة لبني هاشم. وواحدة لذاته الشريفة.

стр. 324

فإذا استثنينا الدعوة الأخيرة؛ لأن الله تعالى فتح به لدينه في كل صوب وحدب بقيت أربع دعوات، للناس كافة وللعرب ولقريش ولبني هاشم. فإذا ما تتبعنا أحداث التاريخ, وجدنا قريشا وبني هاشم, قد أدخلهما النبي ﷺ في عشيرته الأقربين يوم أن صعد على الصفا وجعل ينادي: "يا معشر قريش! -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف! لا أغني عنكم شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، ويا عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد ﷺ سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا" ١. قال ابن جرير في شرح الحديث في رواية موسى بنت طلحة عن أبي هريرة عنه مسلم واحد: دعا رسول الله ﷺ قريشا فعم وخص, فقال: "يا معشر قريش! أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب كذلك، يا معشر بني هاشم كذلك، يا معشر بني عبد المطلب كذلك ... " الحديث، وقد ذكر صاحب الحلبية أنهم بنو هاشم وبنوا المطلب وبنو عبد شمس وبنو نوفل٢.

стр. 325

فكان ذلك عونا لي على أن أجعل قريشا, وبني هاشم المذكورين في الحديث السالف مرحلة واحدة داخلة ضمن ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ . وعلى هذا فأطوار الدعوة في مكة زمنيا اثنتان: ١- الدعوة وهي في ظل العمل السري ومدتها ثلاثة أعوام. ٢- الدعوة وهي في ظل العمل الجهري ومدتها عشرة أعوام١. ومراحل تبليغها أربعة: ١- مرحلة واحدة في دور العمل السري وهي مرحلة إعداد القيادة وثلاث مراحل بعد قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهي: ١- ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ .٢- ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ . ٣- ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ . أما ما ذكره صاحب زاد المعاد في فصل ترتيب الدعوة, ففيه تداخل إذ قد جعل إنذار قومه مرحلة ثالثة، وجعل ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ مرحلة سابقة عليها، وهما واحد لا فرق بينهما كما أنه

стр. 326

جعل النبوة مرحلة داخل أقسام الدعوة مع أن الدعوة هي وظيفة النبوة على الرأي القائل بالفرق بين الدعوة, وهي الرسالة وبين النبوة، ولهذا لم أحظ بشرف التبعية لابن القيم الجوزية في تقسيمه للدعوة, ونص عبارته: "فصل في ترتيب الدعوة، ولها مراتب": المرتبة الأولى: النبوة. المرتبة الثانية: إنذار عشيرته الأقربين. المرتبة الثالثة: إنذار قومه. المرتبة الرابعة: إنذار قوم ما آتاهم من نذير من قبلهم وهم العرب قاطبة. المرتبة الخامسة: إنذار جميع من بلغته من الجن والإنس إلى آخر الدهر١. ولو أنه قصد بمرحلة النبوة مرحلة العمل الفردي السري للدعوة الإسلامية, وجعل المرحلة الثانية والثالثة مرحلة واحدة هي: دعوة أهله وأقاربه كما هو واضح من تحديد الرسول ﷺ لمدى الأهل والأقربين في ندائه لقريش, وبطونها يوم نزلت هذه الآية، لكان متمشيا مع النصوص القرآنية التي توحي بمدلولها

стр. 327

ووجودها في السور بتسلسلها على التدرج في التبليغ وهو المنهج الطبيعي الذي دائما يستخدمه القرآن الكريم وهو كذلك منهج يتمشى مع طبائع الأشياء يتدرج من الأدنى إلى الأعلى، ويتصاعد من القليل إلى الكثير, حتى يشمل الدائرة التي يهدف إليها. ولكن ابن القيم الجوزية قسم مراتب الدعوة هكذا دون اعتماد على أصل أو ضابط, ولعل عذره أن العمل الأكاديمي للدعوة الإسلامية لما يتهيأ له بعد الجو العلمي الذي يسمح بمثل هذه الدراسات وعلى كل فجزاه الله خيرا ونفع بعلمه. كذلك لم أحظ بشرف المتابعة للتقسيم الذي ذكره شيخي فضيلة الدكتور المرحوم العلامة محمد بن فتح الله بدران طيب الله ثراه وتغمده برحمته وأفسح له في قبره وتقبل عمله في الصالحين. لأنه وصل مرحلة إعداد القيادة وهي مرحلة العمل السري للدعوة بمرحلة، ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وهي المرحلة التي نفذ بها الرسول ﷺ أمر الله تعالى بأن يصدع بما يؤمر قال ابن هشام: ثم إن الله أمر رسوله ﷺ أن يصدع بما جاءه منه, وأن يبادئ الناس بأمره وأن يدعو إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله ﷺ أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين, فيما بلغني من مبعثه. ثم قال الله تعالى له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ ١.

стр. 328

قال في شرح المواهب: ما زال النبي ﷺ مستخفيا هو والمسلمون في دار الأرقم حتى نزلت: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فجهر هو وأصحابه١. فدل ذلك على أن العلاقة بين قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ . وقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ هي علاقة التنجيز للأمر، قال في المواهب: قيل معناه أفرق بين الحق والباطل لأن الصدع الفرق بين الشيئين٢. فجعل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ مرحلة. وجعل: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ مرحلة قسيمة للمرحلة الثانية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾ ، مع أن ﴿فَاصْدَعْ﴾ ليست مرحلة التبليغ بل هي مرحلة زمنية في التبليغ، والفرق بينهما أن مرحلة التبليغ لها حد تعمل فيه كالأفراد، أو البيئة الخاصة أو البيئة العامة أو الناس جميعا. أما مرحلة في التلبيغ فهي المرحلة الزمنية الفاصلة بين أسلوبي العمل للدعوة أسلوب العمل بالطريقة السرية، أو بالطريقة الجهرية. والذي يمثل المرحلة في التبليغ هو ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ لأنه يأمر النبي ﷺ أن ينتقل بالعمل من طريقته السرية إلى طريقة جديدة وهي الجهر الذي يفصل بين الحق والباطل. كذلك جعل فضيلته الإسراء والمعراج مرحلة في الدعوة مع أنهما معجزتان للنبي ﷺ ولهما أسرار خاصة في مجال

стр. 329

العمل للدعوة, وليسا قسما من أقسام الدعوة لا من حيث العمل لها أو من حيث تبليغها. وعلى كل حال فإن تقسيم فضيلته مراحل الدعوة في العهد المكي -حسبما استخلصته -إلى خمس مراحل١، كان له أثر طيب في إلقاء أضواء على تفهمي خاصة لهذا التقسيم, فجزاه الله خيرا وغفر له ورفعه مكانا عليا إن شاء الله. وفضيلة الدكتور محمد أبو شهبة يذكر للدعوة طورين: الطور السري والطور الجهري٢، ولكنه لم يتحدث عن مراحل التبليغ. فقد أصاب المحز في جانب تقسيم الدعوة إلى طورين حسب العمل الزمني, ولكنه ترك تقسيمها من الناحية التوجيهية، وهي مراحل التبليغ، ولعل العذر الذي يلتمس لفضيلته أنه اتخذ المنهج التقليدي المألوف للكاتبين أسلوبا لعرضه السيرة النبوية في مجال تخصصه من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. فلم يكن لي كذلك شرف متابعته في التقسيم الزمني فقط؛ لأنه وضع تاريخي لا مفر منه لمن يتصدى لدراسة هذه الفترة المكية في عمر الدعوة الإسلامية. وأيما كان فجزاه الله خيرا ونفع بعلمه وهدى بفقهه إلى سواء السبيل.

стр. 330

مرحلة التبليغ الأول: إعداد القيادة مدخل ... مرحلة التبليغ الأول: إعداد القيادة انتشارها وعملها: بالنبوة المعصومة والرسالة الممنوحة من الله تعالى لسيدنا محمد ﷺ دعا إلى الإسلام في بدء أمره سرا, وهذه الدعوة في هذه المرحلة جزء أساسي من منهج العمل مع الجماعة، وقد رأينا في الفصل السابق إلى أي حد وصل مستوى هذا الإعداد، لقد ارتفع المسلمون الأوائل بدعوة الإسلام إلى أرفع مستوى تهون دونه الحياة نفيسها وجليلها. لقد كانت غايتهم القصوى هي الله وحده, وقائدهم المعصوم هو محمد ﷺ لا غيره, وكان القرآن الذي يترى دستورهم المفدى. لقد استعذبت أرواح هؤلاء الأوائل رسالة الإسلام فمنحوها النفس والنفيس, وآثروها على كل الوجود, وسموا بأنفسهم فوق المجتمع الجاهلي بمادياته ومعنوياته. هذه القيادة التي رباها سيدنا محمد ﷺ لتتحمل نشر الدعوة الإسلامية, أريد لها أن تنتشر في ربوع الجزيرة, والإسلام ما زال في مكة يسير وئيدا بين الأصفياء المختارين حتى إذا ما ظهرت الدعوة جهرا وأذن للنبي ﷺ بأن يصدع بها كانت القيادة في شتى أنحاء الجزيرة العربية وخارجها

стр. 331

أعلام هداية تساند وتؤيد وتصدق وتدعو وتنشر دعوة الله, فتظهر رقعة العمل للدعوة على مساحة شاسعة مترامية الأطراف، وقد وجدت في كل ناحية منها داعية يثق في صدق برسالته، ويجاهد في صدق لنشر دعوته، فتشتعل الجزيرة ساعتئذ بمشاعر من النور, والإيمان تتلاقى مع صوت الحق الذي يصدع به رسول الله ﷺ في مكة "أم القرى" ومركز الإرشاد لجميع الدعاة. وهنا نجد قيادة الدعوة بعد أن أعدت القيادة كمنهج للعمل مع الجماعة أمرت بعضهم بالتوجه إلى ديارهم يدعون إلى الإسلام, حتى يسمعوا بظهور النبي ﷺ فيلحقوا به، ويتضح هذا في عدة نماذج منها:

стр. 332

النموذج الأول: في مكة المكرمة كانت ظاهرة اشتراك القيادة التي أعدها ورباها سيدنا رسول الله ﷺ قوية الدلالة على منهجيتها في العمل للدعوة. فسيدنا أبو بكر ﵁ يدعو إلى الإسلام كل من يتوسم فيه خيرا ويعرف عنه صلاحا من أمره، لقد كرس جهده الكريم لنشر الدعوة الإسلامية، وقاد أصدقاءه إلى مركز الإرشاد إلى سيدنا رسول الله ﷺ ليعلمهم الإسلام, ويتلو عليهم القرآن, ويمنحهم من فيوضات النبوة قبسا ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. وكان النجاح حليف سيدنا أبي بكر ﵁, فقد أسلم بدعايته عثمان بن عفان.

стр. 333

والزبير بن العوام. وسعد بن أبي وقاص١. وكان يتحمل مؤنة الضيوف الذين يفدون على رسول الله ﷺ فقد كانت له ضيافات لا يفعلها أحد، وعندما سمع قصة أبي ذر الغفاري, وأنه بات عديدا من الأيام يعيش على ماء زمزم استأذن رسول الله ﷺ في أن يستضيفه عنده. يقول في الحلبية: "إن أبا بكر قال يا رسول الله ائذن لي في إطعامه الليلة, قال أبو ذر: فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف, فكان ذلك أول طعام أكلته"٢. قال الطبري في تاريخه: "ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة الصديق، فلما أسلم أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله، قال: وكان أبو بكر رجلا مؤلفا لقومه محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها، وبما كان فيهم من خير أو شر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر: لعلمه، وتجاربه، وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه وجلس إليه فأسلم على يديه

стр. 334

فيما بلغني عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ حين استجابوا له, فأسلموا وصلوا فكان هؤلاء الثمانية النفر الذين سبقوا إلى الإسلام، فصلوا وصدقوا برسول الله ﷺ "١. ولقد كانت أعمال أبي بكر رضي الله تعالى عنه للدعوة الإسلامية أبعد من نشرها بالموعظة والحكمة والبيان والشرح, وأبعد من إيواء الضيوف فقد تجاوزت أريحيته الكريمة هذه الحدود, فوظف ثروته لشراء العبيد الذين ارتفعوا بقلوبهم المؤمنة على مستوى أسيادهم الأحرار الذين غاظهم هذا السمو العقلي, والروحي في إيمان عبيدهم, فراحوا يسمونهم العذاب ألوانا وأشكالا. يقول ابن هشام: "ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب، بلال سابعهم, عامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها, وأم عيسى، ولبيبة جارية بني مؤمل المؤملية، وزنيرة". وذكر في شرح المواهب اللدنية أنه أعتق: أبا فكيهة، وأم بلال٢.

стр. 335

وتستمر هذه الأريحية القائدة تعمل للدعوة بذكائها وجاهها ومالها، فأبو بكر رضي الله تعالى عنه هو الذي اشترى راحلة السفر لهجرة رسول الله ﷺ ودفع ثمن أرض المسجد الأول الذي أسس على التقوى من أول يوم في المدينة المنورة. ويوم تبوك تبرع بكل ما يملكه وما ترك لأولاده إلا الله ورسوله. قال فيه النبي ﷺ : "إن أَمنَّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر" ١.

стр. 336

النموذج الثاني: لما أسلم الطفيل بن عمر الدوسي على الرغم من الجهد الذي بذلته قريش حتى لا يدخل الطفيل في دين الإسلام، أدرك الطفيل أنه بدخوله في هذا الدين صار متحملا مسئولية العمل له, فقال للنبي ﷺ : يا نبي الله، إني امرؤ مطاع في قومي, وأنا أرجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام, فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا فيما أدعوهم إليه. فقال: "اللهم اجعل له آية" ١. هنا نجد مسألتين: الأولى: أن الرجل حمل نفسه مسئولية العمل للدعوة, وأنه يطلب عونا من الله يساعد في نشرها.

стр. 337

الثانية: أن الرسول ﷺ دعا له الله أن يجعل له الآية التي تعينه على نشر الرسالة. وإذا مضينا نستطلع عمل الطفيل كداعية نجده قد دعا إياه وزوجته, ثم دعا قومه, وما زال بأرض دوس, حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدم على النبي ﷺ بمن أسلم معه من قومه وكانت عدتهم تقرب من ثمانين بيتا من دوس. وتستمر الحماسة القيادية في نفس الطفيل, فبعد فتح مكة يطلب من رسول الله ﷺ أن يرسله إلى صنم عمرو بن حممة ليحرقه، فأحرقه وجعل يقول: يا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا إني حشوت النار فؤادكا١ واستمر الطفيل رائدا مجاهدا مخلصا للدعوة حتى كان أحد أبطال الجيش الإسلامي الذي حارب طليحة الكذاب في حروب الردة عهد خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه٢.

стр. 338

النموذج الثالث: ولما أسلم أبو ذر الغفاري قال له النبي ﷺ : "اكتم هذا الأمر وارجع إلى قومك, فأخبرهم يأتوني, فإذا بلغك ظهورنا فأقبل" ١. يقول البيهقي: فقال رسول الله ﷺ : "إني قد وجهت إلى أرض ذات نخل لا أحسبها إلا يثرب, فهل أنت مبلغ عني قومك لعل الله أن ينفعهم بك وبأجرك فيهم؟ ". فانطلق أبو ذر بهذه الشحنة من التوجيه النبوي يدعو إلى الله. قال البيهقي يحكي جهاده وتنفيذه لما أمر به النبي ﷺ : فانطلقت حتى أتيت أخي أنيسا فقال لي: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني أسلمت وصدقت، قال: فما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت قال: ثم احتملنا حتى أتينا قومنا غفار, فأسلم نصفهم قبل أن يقدم رسول الله ﷺ -المدينة وكان يؤمهم خفاف بن أيما بن رحضة الغفاري, قال: وكان سيدهم يومئذ، وقال بقيتهم إذا قدم رسول الله ﷺ المدينة فأسلم بقيتهم.

стр. 339

وجاءت أسلم, فقالت: يا رسول الله أخواننا, نسلم على الذي أسلموا عليه, فأسلمنا, فقال رسول الله ﷺ : "غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله" ١. هكذا تبدو أهمية نشر القيادة في أنحاء الجزيرة العربية وتبدو أهمية مساهمتها في العمل للدعوة الإسلامية فقد خفف الطفيل بن عمرو الدوسي وأبو ذر الغفاري عن مركز الإرشاد في مكة أعباء ثقل العمل في تلك الديار وكانوا رصيدا بشريا محترما عندما هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة فكانوا بذور شجر يترعرع في سرعة, وينمو بقوة في ظلال النبوة الكريمة عندما أذن الله لرسوله ﷺ بالهجرة ليستبدل منهجا جديدا بعد أن وضعت لبنة البناء العظيم للأمة الإسلامية في مكة المكرمة. وهكذا يبدأ التبليغ بإعداد القيادة في مدة أعوام ثلاثة من العمل السري للدعوة, ويتم فيها عليا تواؤم الدعوة مع الطبيعة الإنسانية فلا يبقى لمعترض تعلة فقد آمن بيت الرسول ﷺ جميعا. وآمن صديقه أبو بكر، وغلامه زيد, والمنتظرون لبعثته الشريفة منذ زمن، مثل: ورقة، وبحيرا، ونسطيرا، وعلماء النصارى،

стр. 340

فلم يبق لواحد من بعد ذلك شبهة اعتراض لو كان ما يدعو إليه محمد حقا لكان أولى الناس به زوجه وغلام بيته وصديقه١. أما وقد آمن هؤلاء جميعا وآمن معهم خلق آخر بدعوتهم إياهم, فقد انسد باب الافتراض والتعلة وأغلق كل ثقب شيطاني للالتواءات الإبليسية التي يتذرع بها المطمسون عن نور الحقيقة المحجوبون عن خيرات الإسلام، وبات الحق واضحا يدلل على وضوحه وصدقه إيمان السيدة خديجة منذ اللحظة الأولى، وإيمان ورقة منذ أن علم بالوحي إلى رسول الله ﷺ وإيمان الصديق ساعة أن دعى دون كبوة أو تردد، وإيمان علي دون مشورة أبي طالب، وإيمان زيد بن حارثة دون بحث أو نظر، وإيمان الطفيل رغم الدسيسة وإيمان أبي ذر وتحديه لمجتمع مكة. وبذلك فقد اكتمل للدعوة في كل موطن قيادة تعمل وتجاهد في سبيل نشر الإسلام الحنيف وهي تثق في لحظة الظهور التي وعدهم بها رسول الله ﷺ . ومن هنا فقد حان للدعوة بعد هذا أن تأخذ طريقها للانطلاق والظهور, فأذن الله جل شأنه لنبيه أن يصدع بما يوحي إليه, فابتداء الركب النوراني يأخذ مراحله الثلاثة: لعشيرته الأقربين. للعرب. للعالمين جميعا.

стр. 341

فتسلسلت مراحل التبليغ؛ لتكون كل واحدة منها كالتمهيد, التقديم لما بعدها أخذا بالتدرج الذي انتهجته الدعوة في كل عمل تشريعي يبني ويهذب ويعلم. وما أحوج الدعوة الإسلامية هنا في جنوب شرقي آسيا إلى مثل هذه القيادة؛ لتحد من الإسراف في عبادة الأصنام التي ما زالت تشكل جاهلية كاملة في مفهوم العقيدة حيث تكثر وتتعدد دور عبادة الأصنام للهنود والصينيين والسيلانيين وينفق على بنائها مال كثير١، إن الأصوات التي تعلو هنا بإنشاء دولة إسلامية لما تعرف بعد، إن أول خطوة يجب أن تتخذ هي إنهاء سلطة الأصنام وتنزيه عبادة الله جل شأنه من هذا الشرك التافه الذي لا يتفق مع كرامة الإنسان ووظيفته ولا يتلائم مع منطق العقل ومشاعر الوجدان. ولو أن الدراسات التي تجري هنا في جنوب شرقي آسيا تعتمد على طبيعة منهج الدعوة الإسلامية لاتخذت سياسة إعداد القيادة أسلوبا جديا لمناهضة الأصنام التي تملأ الشوارع والحقول, وتفسد على الناس علاقتهم بالله الحق الذي له ملك السموات والأرض وهو على كل شيء قدير. إن مرحلة بناء القيادة جزء أساسي في منهج العمل مع الجماعة لنشر الدعوة, وهو في نفس الوقت مرحلة أساسية لتبليغ الدعوة قبل الجهر بها حتى تجد الفكرة لها أنصارا يحمونها, ويدافعون عنها, ويضحون

стр. 342

من أجلها فيضمن لها بذلك قاعدة في داخل المجتمع تعمل لها, وتدعو إليها, وتخفف عن الداعية الرائد كثيرا من الأعباء. وأن ذلك لمن أحوج ما تحتاج إليه الدعوة في العصر الحديث. قيادة تؤمن في صدق وإخلاص بأن الله غايتها, والرسول زعيمها, والقرآن الكريم وحده هو دستورها, والجهاد الخالص لوجه الله سبيلها, والموت في سبيل الله أسمى أمانيها، وإذا وجدت تلك القيادة فيومها يبدأ الطريق إلى تحقيق رسالة الإسلام التي تتركز في قوله تعال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ ١.

стр. 343

مرحلة التبليغ الثاني: وأنذر عشيرتك الأقربين قال البيهقي في دلائله: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ : "عرفت أني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره, فصمت عليها, فجاءني جبريل ﵇, فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك ربك"، قال علي: فدعاني، فقال: "يا علي، إن الله قد أمر أن أنذر

стр. 344

فصمت عن ذلك, ثم جاءني جبيل ﵇ فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك"، قال: "فاصنع لنا يا علي رجل شاة على صاع من طعام وأعد تعب لبن, ثم اجمع لي بني عبد المطلب" , ففعلت فاجتمعوا له وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث, فقدمت إليهم تلك الجفنة, فأخذ رسول الله ﷺ منها قطعة فشقها بأسنانه, ثم رمى بها نواحيها وقال: "كلوا باسم الله"، فأكل القوم حتى نهلوا عنه، ما يرى إلا آثار أصابعهم, والله إن كان الرجل منهم يأكل مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ : "اسقهم يا علي"، فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا، وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله, فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لهدما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ : "يا علي! عد لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب, فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما قد سمعت قبل أن أكلم القوم"، ففعلت ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس فأكلوا حتى نهلوا عنه, ثم سقيتهم فشربوا من ذلك القعب حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها, ثم قال رسول الله -صلى الله

стр. 345

عليه وسلم "يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة" ١. هذه محاولة أولى مع عشيرته الأقربين وخطوة أساسية في وسيلة تبليغ الدعوة عن طريق اللقاء الشخصي, وهو أجدى وسائل العمل الاجتماعي في كل عصر وحين، ولهذا كرر النبي ﷺ اللقاء بعشيرته في الحلبية: فجمعهم رسول الله ﷺ ثانيا وخطبهم، ثم قال لهم: "إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون, ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا، والله يا بني عبد المطلب ما أعلم شابا جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة" , فتكلم القوم كلاما لينا غير أبي لهب فإنه قال: يا بني عبد المطلب هذه والله السوأة، خذوا على يده قبل أن يأخذ على يده غيركم فإن أسلمتموه حينئذ ذللتم وإن منعتموه قتلتم. فقالت أخته صفية عمة رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنها: أي أخي! أيحسن بك خزلان ابن أخيك.

стр. 346

فوالله ما زال العلماء يخيرون أنه يخرج من بني عبد المطلب نبي، فهو هو، قال: هذا والله الباطل والأماني, وكلام النساء في الحجال، إذا قامت بطون قريش, وقامت معها العرب فما قوتنا بهم فوالله ما نحن عندهم إلا أكلة رأس، فقال أبو طالب, والله لنمعنه ما بقينا. ثم دعا النبي ﷺ جميع قريش, وهو قائم على الصفا وقال: "إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سنح" "سفح" هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم تكذبوني؟ ", قالوا ما جربنا عليك كذبا, فقال: "يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، إني لكم نذير مبين بين يدي عذاب شديد" ١. والنص الذي ساقه صاحب الحلبية يفيد أن النبي ﷺ كان يلح في دعوة أهله وعشيرته٢, وكان يزاوج في استخدامه لوسائل التبليغ بين الحديث الشخصي والندوة والمؤتمر المؤقت, فهو يتحدث إليهم في جو عائلي ويكرر هذا اللقاء, ثم يصعد على الصفا ويناديهم, ففي البخاري: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد النبي ﷺ على الصفا, فجعل ينادي: "يا بني فهر! يا بني عدي! " لبطون قريش حتى اجتمعوا, فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش فقال: "أرأيتكم

стр. 347

لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ ", قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: "إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ١. وبذلك يتم توصيل الدعوة إلى عشيرته الأقربين, وسورة النقاش التي دارت بين صفية بنت عبد المطلب, وأبي لهب "عبد العزى بن عبد المطلب" أثر طبيعي لدعوة الرسول ﷺ لهم وهو، انفعال أو تفاعل داخل الجماعة مطلوب حصوله؛ لأن الإقناع لا يتم إلا عن طريق المناقشة الضيقة التي تعطي وتأخذ وتقيم الأدلة وتناقش البراهين٢. وقد حجت صفية أخاها أبو جهل فلم يخرج من المأزق إلا بغلظة التعبير "كلام النساء في الحجال". لقد ثبت بهذه النصوص: أن نقل الدعوة من طورها السري إلى طورها الجهري، كان بإذن من عند الله حيث أمر ﷺ بأن ينذر عشيرته الأقربين، فثبت أن الدعوة تسير في رعاية الله وكنفه.

стр. 348

وأن الرسول ﷺ استخدم في هذه المرحلة وسيلتين للتبليغ: ١- اللقاء الشخصي فيما صنعه سيدنا علي ﵁ من طعام مرات تمكن في آخرها رسول الله ﷺ من تبليغ رسالته. وهذه الرواية على ما ذكره ابن كثير في سيرته أو ما ذكره الطبري في تفسيره تفيد حدوثها تاريخيا بغض النظر عن الزيادة التي لم يقبلها ابن كثير وصاحب الحلبية١. ٢- والوسيلة الثانية المؤتمر المؤقت على نحو ما ذكره الإمام البخاري فيما نقلته عنه سالفا. ٣- أخبار العلماء السابقين بنبوة سيدنا محمد ﷺ وذلك يؤكد مرحلة التمهيد للدعوة. لقد كلف رسول الله ﷺ بإنذار أهله بعد مرحلة التبليغ السري لإعداد القيادة حتى تكون عشيرته لمن سواهم عبرة, فهؤلاء مع قربهم وقرابتهم من النبي ﷺ يتهددهم العذاب لو بقوا على الشرك لا يؤمنون، وقد أخرج مسلم والترمذي بإسناده عن أبي هريرة ﵁، قال: لما نزلت هذه الآية

стр. 349

دعا رسول الله ﷺ قريشا فعم وخص, فقال: "يا معشر قريش! أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر كعب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة بنت محمد! أنقذي نفسك من النار, فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها". ففي هذه النصوص توضيح شفاف لكيفية تلقي الرسول ﷺ وكيف بلغه لعشيرته الأقربين، ونفض يديه الكريمتين من أمرهم، ووكل موقفهم وشئونهم إلى ربهم, وبين لهم أن قرابتهم له لا تنفعهم شيئا إذا لم ينفعهم عملهم، وبأنه لا يملك لهم من الله شيئا وهو رسول الله، وهذا هو الإسلام في نصاعته: أنه يتقي الوساطة بين الله وعباده، حتى ولو كانوا أقرباء إلى رسول الله ﷺ ما لم يكونوا مسلمين١. ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ٢.

стр. 350

مرحلة التبليغ الثالث: لتنذر أم القرى ومن حولها "العرب ": قال ابن هشام: "كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب يدعوهم إلى الله, ويخبرهم أنه نبي مرسل, ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين لهم الله ما بعثه به"١. وينقل ابن إسحاق عن ربيعة بن عباد ما سمعه في صغره قال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى ورسول الله ﷺ يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: "يا بني فلان! إني رسول الله إليكم, فأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به" , قال: وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان عليه عدنية، فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله وما دعا إليه, قال ذلك الرجل: يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفائكم من الجن من بني مالك بن أفيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة, فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه قال: فقلت لأبي: يا أبت من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب، أبو لهب٢

стр. 351

قال في الخصائص: وأخرج الواقدي, وأبو نعيم عن عبد الله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده قال: جاءنا رسول الله ﷺ بمنى فدعانا فما استجبنا له ولا خير لنا, وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسي, فقال لنا: أحلف بالله لو صدقنا هذا الرجل وحملناه حتى نحل به وسط رجالنا لكان الرأي, فأحلف بالله ليظهرن أمره حتى يبلغ كل مبلغ, فأبى القوم وانصرفوا, فقال لهم ميسرة: ميلوا بنا إلى فدك, فإن بها يهود نسائلهم عن هذا الرجل, فمالوا إلى اليهود, فأخرجوا سفرا لهم, فوضعوه, ثم درسوا ذكر رسول الله ﷺ النبي الأمي العربي يركب الحمار ويجتزئ بالكسرة وليس بالطويل ولا بالقصير ولا بالجعد ولا بالبسط في عينيه حمرة مشرب اللون, فإن كان هو الذي دعاكم فأجيبوه وادخلوا في دينه, فإنا نحسده ولا نتبعه, ولنا منه في مواطن بلاء عظيم, ولا يبقى أحد من العرب إلا اتبعه أو قتله, فقال ميسرة: يا قوم إن هذا الأمر بين، فأسلم في حجة الوداع١. قال في المواهب: وكان ﷺ -يطوف على الناس في منازلهم يقول: "إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا"، وأبو لهب يقول: يا أيها الناس هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم"٢.

стр. 352

إن رسول الله ﷺ لم يأل جهدا في توصيل دعوة الله إلى العرب. فقد أتى كلبا في منازلهم فدعاهم إلى الله, وعرض عليهم نفسه حتى إنه ليقول لهم: "يا بني عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم" , فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم. وأتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم كذلك إلى الله, وعرض عليهم نفسه فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه ردا منهم١. كذلك عرض رسول الله ﷺ نفسه على بني عامر فدعاهم إلى الله , ولكنهم أرادوا أن يتخذوا الدعوة فيما بعد ملكا عضودا لهم, فرفض رسول الله ﷺ يقول ابن هشام: فقال رجل منهم يقال له "بيحرة بن فراس" والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش؛ لأكلت به العرب, ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: "الأمر إلى الله حيث يشاء"، قال: فقال له: أفتهدف نحورنا للعرب دونك, فإذا أظهرك الله كان أمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه٢.

стр. 353

ومرة أخرى يتضح أن هدف الدعوة دائما كان غاية في النقاء من أعراض الدنيا وأن الرسول ﷺ كان دائما يؤكده ولا يساوم فيه أبدا, وقال ابن سعد في الطبقات: فدعا الناس إلى الإسلام يوافي المواسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم في المواسم بعكاظ، ومجنة، وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة, فلا يجد أحدا ينصره ولا يجيبه حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول: "يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب, وتذل لكم العجم, وإذا آمنتم كنتم ملوكا في الجنة"، وأبو لهب وراءه يقول: إن تطيعوه فإني صابر, فيردون على رسول الله ﷺ أقبح رد ويؤذونه ويقولون: أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك, ويكلمونه ويجادلونه ويكلمهم ويدعوهم إلى الله, ويقول: "اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا". فكان من سمي لنا من القبائل الذين آتاهم رسول الله ﷺ ودعاهم, وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة, وقرارة, وغسان, ومرة، وحنيفة، وسليم، وعبس، وبنو نضر، وبنو المكاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعذرة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد١.

стр. 354

وفي سبيل تبليغ الرسالة طاف الرسول ﵊ بعيدا يدعو الناس في ديارهم, لقد ذهب إلى الطائف, وعمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير. ومسعود بن عمرو بن عمير. وحبيب بن عمرو بن عمير. لقد جلس إليهم رسول الله ﷺ يدعوهم إلى الله، كلمهم بما جاءهم به من الحق والهدى وطلب نصرته على الإسلام, فتفلسفوا عليه لقد ركبوا عقولهم وامتطوا أهواءهم. قال له متشدقهم: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟ وقال فيلسوفهم: والله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول, لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام. ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك. لقد رفضوا نصرة النبي ﷺ فطلب منهم مبدأ عاديا هو مبدأ خلقي يلتزمه الفرد العادي لقد طلب منهم أن يكتموا أمره. ولكنهم لم يفعلوا وأفشوه وتمادوا في الضلالة, وأغروا به عبيدهم وسفهاءهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة وهما فيه١.

стр. 355

وفي لحظة الكرب تبدو طبيعة الداعية أن أمره كله لله وأمره كله خير فهو يفعل ما يؤمر به وينفذ ما جاءه, أما أن يستجيب الناس فتلك مشيئة الله. وتبدو طبيعة الداعية وقد ارتبطت بالجو الرباني يدعو رسول الله ﷺ دعاءه الخاشع بكلماته الرخية التي ترطب الفؤاد، وتحل فيه السكينة، وتذهب عن القلب همومه: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين! أنت أرحم الراحمين، وأنت رب المستضعفين، إلى من تكلني؟ إلى عدو بعيد يتجهمني, أم إلى صديق قريب ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك, أو يحل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى, ولا حول ولا قوة إلا بك" ١. وتظهر كذلك طبيعة الداعية وصفاء نفسه وارتفاعها فوق الآلام, وعفوها عن كل زلات المحجوبين عن رحمة الله. لقد استجاب الله لدعاء نبيه الكريم, وجاء ملك الجبال ليدمرها على ثقيف, ولكن الرسول ﷺ يحنو عليهم ويرأف بهم, فيقول في عفو كريم: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له"،
следующие страницы →