← Сира

Сира · id 11736

الدعوة الإسلامية في عهدها المكي مناهجها وغاياتها

رؤوف شلبي

Полный текст (713 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قال في الخصائص: وأخرج الواقدي, وأبو نعيم عن عبد الله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده قال: جاءنا رسول الله ﷺ بمنى فدعانا فما استجبنا له ولا خير لنا, وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسي, فقال لنا: أحلف بالله لو صدقنا هذا الرجل وحملناه حتى نحل به وسط رجالنا لكان الرأي, فأحلف بالله ليظهرن أمره حتى يبلغ كل مبلغ, فأبى القوم وانصرفوا, فقال لهم ميسرة: ميلوا بنا إلى فدك, فإن بها يهود نسائلهم عن هذا الرجل, فمالوا إلى اليهود, فأخرجوا سفرا لهم, فوضعوه, ثم درسوا ذكر رسول الله ﷺ النبي الأمي العربي يركب الحمار ويجتزئ بالكسرة وليس بالطويل ولا بالقصير ولا بالجعد ولا بالبسط في عينيه حمرة مشرب اللون, فإن كان هو الذي دعاكم فأجيبوه وادخلوا في دينه, فإنا نحسده ولا نتبعه, ولنا منه في مواطن بلاء عظيم, ولا يبقى أحد من العرب إلا اتبعه أو قتله, فقال ميسرة: يا قوم إن هذا الأمر بين، فأسلم في حجة الوداع١. قال في المواهب: وكان ﷺ -يطوف على الناس في منازلهم يقول: "إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا"، وأبو لهب يقول: يا أيها الناس هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم"٢.

стр. 352

إن رسول الله ﷺ لم يأل جهدا في توصيل دعوة الله إلى العرب. فقد أتى كلبا في منازلهم فدعاهم إلى الله, وعرض عليهم نفسه حتى إنه ليقول لهم: "يا بني عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم" , فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم. وأتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم كذلك إلى الله, وعرض عليهم نفسه فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه ردا منهم١. كذلك عرض رسول الله ﷺ نفسه على بني عامر فدعاهم إلى الله , ولكنهم أرادوا أن يتخذوا الدعوة فيما بعد ملكا عضودا لهم, فرفض رسول الله ﷺ يقول ابن هشام: فقال رجل منهم يقال له "بيحرة بن فراس" والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش؛ لأكلت به العرب, ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: "الأمر إلى الله حيث يشاء"، قال: فقال له: أفتهدف نحورنا للعرب دونك, فإذا أظهرك الله كان أمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه٢.

стр. 353

ومرة أخرى يتضح أن هدف الدعوة دائما كان غاية في النقاء من أعراض الدنيا وأن الرسول ﷺ كان دائما يؤكده ولا يساوم فيه أبدا, وقال ابن سعد في الطبقات: فدعا الناس إلى الإسلام يوافي المواسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم في المواسم بعكاظ، ومجنة، وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة, فلا يجد أحدا ينصره ولا يجيبه حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول: "يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب, وتذل لكم العجم, وإذا آمنتم كنتم ملوكا في الجنة"، وأبو لهب وراءه يقول: إن تطيعوه فإني صابر, فيردون على رسول الله ﷺ أقبح رد ويؤذونه ويقولون: أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك, ويكلمونه ويجادلونه ويكلمهم ويدعوهم إلى الله, ويقول: "اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا". فكان من سمي لنا من القبائل الذين آتاهم رسول الله ﷺ ودعاهم, وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة, وقرارة, وغسان, ومرة، وحنيفة، وسليم، وعبس، وبنو نضر، وبنو المكاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعذرة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد١.

стр. 354

وفي سبيل تبليغ الرسالة طاف الرسول ﵊ بعيدا يدعو الناس في ديارهم, لقد ذهب إلى الطائف, وعمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير. ومسعود بن عمرو بن عمير. وحبيب بن عمرو بن عمير. لقد جلس إليهم رسول الله ﷺ يدعوهم إلى الله، كلمهم بما جاءهم به من الحق والهدى وطلب نصرته على الإسلام, فتفلسفوا عليه لقد ركبوا عقولهم وامتطوا أهواءهم. قال له متشدقهم: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟ وقال فيلسوفهم: والله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول, لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام. ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك. لقد رفضوا نصرة النبي ﷺ فطلب منهم مبدأ عاديا هو مبدأ خلقي يلتزمه الفرد العادي لقد طلب منهم أن يكتموا أمره. ولكنهم لم يفعلوا وأفشوه وتمادوا في الضلالة, وأغروا به عبيدهم وسفهاءهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة وهما فيه١.

стр. 355

وفي لحظة الكرب تبدو طبيعة الداعية أن أمره كله لله وأمره كله خير فهو يفعل ما يؤمر به وينفذ ما جاءه, أما أن يستجيب الناس فتلك مشيئة الله. وتبدو طبيعة الداعية وقد ارتبطت بالجو الرباني يدعو رسول الله ﷺ دعاءه الخاشع بكلماته الرخية التي ترطب الفؤاد، وتحل فيه السكينة، وتذهب عن القلب همومه: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين! أنت أرحم الراحمين، وأنت رب المستضعفين، إلى من تكلني؟ إلى عدو بعيد يتجهمني, أم إلى صديق قريب ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك, أو يحل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى, ولا حول ولا قوة إلا بك" ١. وتظهر كذلك طبيعة الداعية وصفاء نفسه وارتفاعها فوق الآلام, وعفوها عن كل زلات المحجوبين عن رحمة الله. لقد استجاب الله لدعاء نبيه الكريم, وجاء ملك الجبال ليدمرها على ثقيف, ولكن الرسول ﷺ يحنو عليهم ويرأف بهم, فيقول في عفو كريم: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له"،

стр. 356

قال في شرح المواهب: وهذا من مزيد شفقته وحلمه وعظيم عفوه وكرمه١. ولم تكن جهودا ضائعة ولا دعوة فارغة بل كانت واجبات تؤدى وثمارها مطوية مكنونة في علم الله, فقد استجاب في هذه الحملات رجال من أهل طيبة استروحوا لنسائهم الإيمان في صدورهم, فحملوها إلى قومهم في يثرب طيبة وكان في مقدمة هذه البشائر: سويد بن الصامت: أخو بني عمرو بن عوف من الأوس قدم مكة حاجا أو معتمرا فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام والإيمان, فقال للنبي ﵊ لعل الذي معك مثل الذي معي, فقال له رسول الله ﷺ : "وما الذي معك؟ ". فقال: مجلة لقمان يعني حكمة لقمان، فقال رسول الله ﷺ : "أعرضها علي"، فعرضها عليه، فقال: "إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل منه، قرآن أنزله الله عليّ هو هدى ونور". فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه وقال: إن هذا لقول حسن، ثم انصرف, فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتلته الخزرج, وكان رجال من قومه يقولون: إنا لنرى أنه قتل وهو مسلم٢.

стр. 357

قال صاحب الحلبية: وفي كلام بعضهم أنه آمن بالله ورسوله وسافر حتى دخل المدينة إلى قومه, فشعروا بإيمانه فقتلته الخزرج بغتة١. وإياس بن معاذ وهو فتى من فتيان بني عبد الأشهل قدم مكة مع أبي الحيسر أنس بن رافع الذي جاء يلتمس من قريش حلفا على قومهم من الخزرج عندما تصدى لهم رسول الله ﷺ كعادته ليبلغهم الإسلام ويدعوهم إلى الإيمان، قال إياس وهو غلام حدث: يا قوم هذا والله خير مما جئتم له, فغضب عليه شيخ الوفد أبو الحيسر, فأخذ حفنة من تراب البطحاء فضرب بها وجهه٢. قال في الحلبية: فلما دنا موت إياس صار يحمد الله ويسبحه ويهلله وتكبره حتى موت٣. قال البيهقي: قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضرني من قومي أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره، ويحمده، ويسبحه، حتى مات وكانوا لا يشكون أنه قد مات مسلما. كان قد استشعر من الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ما سمع٤.

стр. 358

وهكذا تنتقل الدعوة وئيدة حسب طبيعتها لتقرر مبدأ عاما "لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم". ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ١. وتستمر ثمرات هذا الكفاح المضني, والجهد الشاق الذي بذله رسول الله ﷺ في تبليغ الدعوة في هذه المرحلة, فتنتقل الثمرات من إنتاجها الفردي إلى إنتاج جماعي لكأنما شاء الله لها في عهدها المكي أن تبدأ فردية, وتنتقل إلى الجماعة جهرية وشاء لها كذلك أن تكون ثمارها هكذا واحدة, ثم جماعة قد اختارهم الله واختصهم دون ذلك القوم الذين دعوا فلم يستجيبوا. يقول ابن هشام: فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه ﷺ -وإنجاز وعده له خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار, فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم, فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا. قال لهم رسول الله ﷺ : "من أنتم؟ " قالوا: نفر من الخزرج, قال: "أمن موالي يهود؟ " قالوا: نعم، قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ " قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله , وعرض عليهم الإسلام, وتلا عليهم القرآن. قال: وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم, وكانوا أهل كتاب

стр. 359

وعلم وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان, وكانوا قد غزوهم ببلادهم إذا كان بينهم شيء, قالوا لهم: إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر, ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه, فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام, وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم, فعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك, ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا١. وهذا النص يوضح عدة حقائق سبق عرضها في هذ الدراسة ومنها: أهمية مرحلة التمهيد بالدعوة فقد كان حديث اليهود وتوعدهم لهذا البطن من الخزرج جعلهم يتبادلون الشورى فيما بينهم ليسبقوا اليهود ويفسدوا عليهم خطتهم فآمنوا وصدقوا.

стр. 360

وإن هؤلاء النفر لما عادوا تحملوا مسؤلية العمل للدعوة, وهو جزء أساسي في منهج التبليغ, والعمل مع الجماعة, وقد حمل التاريخ الإسلامي لهؤلاء النفر مجهودا مشكورا ونشاطا رائعا مخلصا، في نشر الدعوة بعد عودتهم إلى يثرب طيبة. يقول ابن هشام: فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم يبقى دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ . وبذلك فقد تم توصيل الدعوة إلى أصقاع الأمة العربية, نعم رفضها المطموسون بظلام الجاهلية, ولكن قبلها المشرقون بصفاء النفس الممنوحون نعمة السمع, وشاء الله لهم أن يكونوا لها أجنادا مصطفين أخيارا. والله ذو الفضل العظيم١.

стр. 361

مرحلة التبليغ الرابع: لتخرج الناس من الظلمات إلى النور "عالمية الدعوة " قال في الحلبية: فجمعهم رسول الله ﷺ ثانيا وخطبهم ثم قال لهم: "إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس جميعا

стр. 362

ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة"١. ويقول كذلك على لسان سيدنا علي ﵁: ثم جمعتهم له ﷺ فأكلوا حتى شبعوا وشربوا حتى نهلوا ثم قال لهم: "يا بني عبد المطلب إن الله قد بعثني إلى الخلق كافة وبعثني إليكم خاصة" ٢. منذ اللحظة الأولى للدعوة الإسلامية وهي عالمية. إنها قانون الله للإنسان. ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٣. هذا قانون خاص بالشمس والقمر، والليل والنهار٤. ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ٥. ذلك قانون النهر والبحر وكثافة المياه٦.

стр. 363

﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ ١. ذلك قانون الرياح والأمطار٢. كل شيء في الوجود يسير وفق قانون رباني: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر﴾ ٣. ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ ٤. ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ٥. تلك بعض القوانين الإلهية التي تحكم الكون الذي يعيش فيه الإنسان والدين هو قانون الله إلى البشر، وقد تمت عموميته بالرسالة الخاتمة. ومن هنا فإن النبي ﷺ يحدد وهو في البيئة الأولى، والخطوة الأولى، والحركة الأولى للدعوة الإسلامية، أن الإسلام دعوة الله إلى الناس كافة. ولم تكن آمالا يطمح إليها فالظروف في مكة كانت قاسية, وليس أمام البصر العادي للناس أن يتنبئوا بعموم رسالة تحارب من الناس في أم القرى, لو كانت دعوة محمد بن عبد الله ﷺ دعوة

стр. 364

مصلح أو زعيم أو قائد ما كان يمكن أن يطرح على بساط الخيال يومها يوم ضيقها وعسرتها، أنها تكون للناس كافة. أما وهي ربانية. أما وهي قانون الله إلى الناس كافة. أما ويحملها نبي عارف حدود رسالته ودعوته. فقد أعلنها: "إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة". ذلك لأنه يملك على هذا الصدق الذي يبلغه: أمر تبليغ. ونصوص أدلة. أما أمر التبليغ الذي كلفه وهو في مكة بالدعوة العامة للناس كافة, فقول الله جل شأنه: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ١. وأما النصوص التي اعتصم بها الرسول ﷺ هذا التبليغ العام فهي: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢.

стр. 365

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١. ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٤. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٥. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٦. ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٧. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٨. وهذه كلها سورة مكية تأتي فيها هذه النصوص أضواء على الحدود الشاملة العامة الكاملة لمحيط الكرة الأرضية كميدان لتبليغ الدعوة، وهي لا تزال في مكة تقابل من الجحود والنكران ألوانا ولكنها في

стр. 366

هذا الضيق المستحكم من البشر تعلن أنها "للناس كافة" فتلك طبيعتها وحقيقتها وأبعادها التي يحددها القرآن في أسلوبين منذ الأيام المبكرة في ظل الكعبة المشرفة: أسلوب الأمر بالتبليغ. وأسلوب الأدلة والنصوص. وهي هكذا شاملة لجنس البشر؛ لأنها قانون الله له لا تعرف وطنا ولا قوما ولا لغة ولا مناخا ولا إقليما. لا تعرف إلا الكرة الأرضية تملكها لتكون كلها في طاعة الله كقانون يجب أن يسود ويطبق في حياة الإنسان أي إنسان على هذه الأرض؛ لأنه واحد من هذا الكون الذي يسير وفق قوانين ربانية لا يحيد عنها إلا بإرادة الله يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات. هكذا أرادها الله وهكذا اتجهت الدعوة منذ أيامها الأولى, وكذلك تتجه في كل عصر ووطن إلى آخر الزمان, وحتى يرث الله الأرض ومن عليها. والله وحده الذي أرادها هكذا, وهو صاحبها وراعيها, وهو وحده المدافع عنها وحاميها, وقد بدأ رسول الله ﷺ التبليغ العام بالهجرة إلى الحبشة وينبغي أن نتصور الأمور هنا بمقاييس الزمن الذي كانت تقع فيه الأحداث لا بمقاييس العصر الحاضر. لقد كان النبي ﷺ يعلم أن الله قد هيأ لدينه أناسا وأن النجاشي رجل لا يظلم أحد عنده, وأنه يؤمن بأن عيسى نبي

стр. 367

قد بشر به فوجه البعثة١ الأولى من المهاجرين إلى الحبشة؛ ليعيشوا هناك بدينهم الجديد بعيدا عن سطوة الجبارين من كفار قريش, ولعل المسلمين بسلوكهم وإيمانهم يتركون أثرا, ولو كان قليلا وسط بيئة تعلم أن نبيا خاتما قد أظل زمانه, وفيهم من ينتظر قدومه ومبعثه. وفي هجرة سيدنا جعفر بن أبي طالب في المرة الأولى٢ دليل واضح على أن الهجرة أريد منها كذلك أن يسمع الناس عن الإسلام بالإضافة إلى بعد المسلمين عن مواطن الأذى. إذ إن جعفر بن أبي طالب أخا علي بن أبي طالب وعلي لم يهاجر, وأبوهما أبو طالب يدافع عن الدعوة ما قصر يوما في حمياتها، ولا آذى عليا يوم أن رآه يصلي مع رسول الله ﷺ خفية بل قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى الخير فالزمه٣. وإذن فلماذا يهاجر جعفر بن أبي طالب في السنة الخامسة من المبعث ووالده ما زال حيا وما زال منافحا مدافعا عن الدعوة؟ إن أمر هجرته هو أمر تبليغ الدعوة بالطريقة الذاتية لها, وهو ابن عم النبي ﷺ وأعلم الناس به وأعرفهم بأحواله وأحقهم بحمل رسالته؛ ولهذا كان هو المتحدث مع النجاشي في شأن الفتنة التي تودها قريش لما أرسلت رسوليها في طلب المهاجرين إلى الحبشة.

стр. 368

يقول الأستاذ محمد شديد: إن الذين هاجروا جميعا إلى الحبشة كانوا جميعا من ذوي القوة والمنعة الذين كان لهم من عصبتهم ما يدفع الأذى عنهم إلى حد كبير١، أما الموالي المستضعفون الذين كانوا يتلقون معظم التعذيب, فلم يهاجر منهم أحد, وظلوا في مكة حتى نهاية العهد, وقد كانوا أحق بالهجرة والنجاة. فلماذا هاجر الأقوياء وبقي المستضعفون إن كان الفرار هو الهدف من الهجرة؟ ولماذا هاجرت نساء من بين أشراف قريش, ولم تتعرض إحداهن لأذى أو فتنة؟ ولماذا هاجر أبو موسى الأشعري ومؤمنو اليمن, ولحقوا بإخوانهم بالحبشة، وقد كانوا بعيدا عن مكان المعركة؟ ولماذا بقي معظم المهاجرين بالحبشة ومعهم جعفر حتى السنة السابعة من الهجرة بعد أن أصبح٢ للإسلام دولة قوية في المدينة وقويت فيها شوكة المسلمين؟ أما جوابي: فقد كانت تلك جهود في تبليغ الدعوة على صعيدها العالمي الطبيعي، بل إن محاولة قريش استرداد المهاجرين هو نفسه دليل على ما أدركوه من إمكان انتشار الإسلام بهذه الهجرة في الحبشة, وخوفهم من بناء قاعدة إسلامية تناهض القرشيين في مكة وإلا فهجرة

стр. 369

المسلمين من مكة كانت راحة لهم من هم تكاثرهم في داخل أم القرى، غير أن الأمر لم يكن في خاطرهم مسألة راحة من أشخاص بقدر ما هو سد الطريق على الدعوة حتى لا تنتشر وتنمو وتفشو، ولقد سقط في يد قريش عندما رجع رسولاها بخفي البعير في يوم مطير, وقرروا أن يتعاقدوا على بني هاشم وبني عبد المطلب. يقول صاحب زاد المعاد: ثم أمر النجاشي فرد عليهما هداياهما ورجعا مقبوحين، فلما رأت قريش أمر رسول الله ﷺ يعلو والأمور تتزايد أجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم, وبني عبد المطلب, وبني عبد مناف أن لا يبايعوهم ولا يناكحوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ وكتبوا بذلك صحيفة١. وعبارة ابن هشام في ذلك صريحة, قال: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا بلدا أصابوا بها أمنا وقرارا, وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم وأن عمر قد أسلم فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله ﷺ وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني عبد المطلب٢.

стр. 370

وعبارة ابن الأثير جلية كذلك يقول: ولما رأت قريش الإسلام يفشو ويزيد, وأن المسلمين قووا بإسلام حمزة وعمر, وعاد إليهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أمية من عند النجاشي بما يكرهون من منع المسلمين عنهم وأمنهم عنده ائتمروا في أن يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على أن لا ينكحوا بني هاشم١. وعبارة ابن سعد واضحة في ربط المقاطعة بخيبة قريش في مساعيها عند النجاشي قال: لما بلغ قريشا فعل النجاشي لجعفر وأصحابه وإكرامه إياهم كبر ذلك عليهم وغضبوا على رسول الله ﷺ وأصحابه وأجمعوا على قتل رسول الله ﷺ وكتبوا كتابا على بني هاشم ألا يناكحوهم٢. هذه النصوص فيها ربط بين كتابة الصحيفة وفشل قريش في مساعيها عند النجاشي وازدهار المهاجرين هناك وانتشار الإسلام. وعلى هذا فالتفسير المعقول لهجرة سيدنا جعفر بن أبي طالب بالإضافة إلى بعد المسلمين عن الأذى هو إيصال الدعوة إلى أهل الحبشة, وقد أسلم النجاشي بمجرد أن سمع عرض الإسلام من جعفر بن أبي طالب ﵁.

стр. 371

وعلى هامش الموضوع فإن السؤال الذي ردده الدكتور هيكل في كتابه: ومن حق مؤرخ محمد أن يسأل: كيف أمن محمد على أصحابه هؤلاء أن يذهبوا إلى أرض الحبشة, والنصرانية دين أهلها, دين كتاب, ورسولها عيسى يقر الإسلام رسالته, ثم لا يخاف عليهم فتنة كفتنة قريش, وأن تكون من نوع آخر١ يبدو في غير محله؟ والجواب عليه أن الحبشة لها دين وكتاب، ولكن أهلها, وجانب من قساوستها كانوا ينتظرون هذه البعثة المحمدية، ولقد خضلوا اللحى من دمع عيونهم لما قرأ عليهم جعفر سورة مريم, فالمقاييس التي يقاس بها السؤال هي مقاييس عصر المسيحية الاستعمارية الصليبية لا الدين السمح الذي كان أهله ينتظرون محمدا رسولا خاتما كما عرض في مرحلة التمهيد, ومواقف بحيرا ونسطورا. إن عبارة النجاشي: مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، فإنه الذي نجد في الإنجيل، وإنه الذي بشر به عيسى بن مريم، انزلوا حيث شئتم والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه وأمر بهدايا الآخرين فردت إليهم٢.

стр. 372

هذا النص كاف في منع افتراض سؤال مثل الذي أثاره الدكتور هيكل باشا. لقد بلغ رسول الله ﷺ الدعوة بقدر ما أذن الله له ومنحه من الفيض والبركة وما أكرمه به من العون والمدد، وإني لأشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حق جهاده -صلى الله عليك وسلم- يا سيدي يا رسول الله فقد نشرت رسالة ربك على العالمين وكنت لهم رحمة أجمعين.

стр. 373

أسلوب التبليغ ووسيلته مدخل ... أسلوب التبليغ ووسيلته: أسلوب التبليغ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١. ما هو الأسلوب الذي استخدمه رسول الله ﷺ في تبليغ دعوة الله, وهو ينقل الدعوة بمنهج عملها مع الجماعة ومنهج التفكير الذي رسمه القرآن الكريم سالفا؟ مناهج الدعوة فكريا واجتماعيا هي الطريقة التي سنها القرآن لتبليغ دعوة الله، فما هو الأسلوب؟ وما هو نوع الكلمة التي نقل بها الرسول ﷺ مبادئ الإسلام إلى الناس وهو يتخذ مناهج الدعوة طريقا؟

стр. 374

الحكمة: إن القرآن الكريم يجيب على هذا التساؤل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ . الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن هي الأسلوب, وهو نوع الكلمة التي بلغ بها رسول الله ﷺ دعوة الله إلى الناس في جميع مراحلها. وبمنتهى البساطة يدرك الداعية مقدار التواؤم بين المناهج السالفة وطريقة استخدامها في عملية التبليغ بهذا الأسلوب. ففي المناهج وأسلوب أو نوع الكلمة المستخدمة في التبليغ عنصر أساسي جامع، وهو السلام المطلق والصبر الطويل، حتى يمكن للدعوة أن تبدو على حقيقتها في ثوبها الطبيعي وأهدافها السامية دون تزيين أو انحراف عن جادتها. والحكمة التي توصف بها الكلمة التي تستخدم للتعبير عن مبادئ الدعوة هي في حيز قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ ١.

стр. 375

ففي القرآن الكريم كل شفاء وغناء يقول الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. يقول شيخنا العارف بالله الدكتور عبد الحليم محمود: ولكن القرآن لم يكن يلقي القول على علاته وإنما يأتي بالقضية مبرهنا عليها بالدليل تلو الدليل, فيرضي العقل ويطمئن النفس ويقود الضمير إلى الإذعان٢. ويقول الإمام الغزالي في كتابه "إلجام العوام": فأدلة القرآن مثل الغذاء ينتفع به كل إنسان. بل أدلة القرآن كالماء الذي ينتفع به الصبي الرضيع, والرجل القوي وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرة, ويمرضون بها أخرى ولا ينتفع بها الصبيان أصلا٣. ففي القرآن الكريم كل كفاية؛ لتوصيل دعوة الله, وتحقيق وحدات المنهج يقول شيخنا الدكتور عبد الحليم محمود: إن رسول الله ﷺ والصحابة بأجمعهم ما سلكوا في المحاجة مسلك المتكلمين في تقسيماتهم وتدقيقاتهم لا لعجز منهم عن ذلك، فلو علموا أن ذلك نافع لأطنبوا فيه ولخاضوا في تحرير الأدلة خوضا يزيد على خوضهم في مسائل الفرائض وإذا عارضوا اليهود

стр. 376

والنصارى عارضوهم بكلام الله في أوثق نص من نصوصه المنزلة وهو القرآن١. إن الحكمة هنا هي كما استخدمها رسول الله ﷺ مع الحصين. لقد كان الحصين رجلا تعظمه قريش وتجله, فأرسلوه إلى رسول الله ﷺ ليكلمه حتى ينتهي عن دعوته, فلما جاء إلى النبي ﷺ قال: "أوسعوا للشيخ". فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك أنك تشتم آلهتنا وتذكرها؟ فقال رسول الله ﷺ : "يا حصين! كم تعبد من آله؟ " , قال: سبعة في الأرض وواحد في السماء, فقال: "فإذا أصابك الضر لمن تدعو؟ " , قال: الذي في السماء، قال: "فإذا هلك المال من تدعو؟ " قال: الذي في السماء، قال: "فيستجيب لك وحده وتشرك به؟ أسلم تسلم" , فأسلم, فقال رسول الله ﷺ لأصحابه شيعوه إلى منزله٢. والحكمة من الأسلوب الذي واجه به النبي ﷺ عتبة بن ربيعة لما عرض على رسول الله ﷺ أشياء حتى إذا فرغ منها ما ناقشها رسول الله ﷺ ولا جادله فيها, ولكن قال له: "أفرغت يا أبا الوليد؟ " قال: نعم. قال: "اسمع مني" , فتلا رسول الله ﷺ ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ

стр. 377

الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ , ومضى رسول الله ﷺ يقرؤها, فلما سمع بها عتبة أنصت لها, وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدا عليها ليسمع منه١ حتى انتهى رسول الله ﷺ وقام عتبة, وقد تغيرت معالم وجدانه وتقاسيم وجهه, وقال فيه قومه لما رأوه من بعيد: "نحلف بالله، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به". نعم، لقد جاءهم بوجه رق للإسلام ولقد قال لهم صراحة: "والله لقد سمعت قولا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة يا معشر قريش! أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل, وبين ما هو فيه واعتزلوه, فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ, فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم, وإن يظهر على العرب, فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به"٢. والحكمة كأسلوب ووصف الكلمة التي تنتقل بها الدعوة هي أسلوب يؤدي به الداعية رسالته دون فضل يتحدث به أو شهوة في شهرة يعرف بها, وليس له منة على الدعوة, بل الله يمن عليه أن هداه إلى الإيمان.

стр. 378

إن النظر في أحوال المخاطبين وظروفهم والقدر الذي ينبغي أن يستخدمه الداعية كل مرة في تبليغ رسالته بحيث لا يثقل ولا يشق بالتكاليف قبل أن تستعد النفوس للتحمل الشامل للدعوة، وطريقة المخاطبة والتنويع في الأسلوب حسب مقتضيات الأحوال هو الحكمة التي تريدها الدعوة في العصر الحديث كبديل للحماس المتزايد والاندفاع الملتهب الذي يتجاوز حدود الحكمة فيضر الدعوة على السواء١. وهي في أدق موازينها؛ العيش في الجو القرآني والهدي النبوي الكريم.

стр. 379

الموعظة الحسنة: طبيعة الكلمة العاطفية التي تدخل إلى القلوب برفق وأناة وهدوء فتلطف من حرارة الصدر وتعمق المشاعر بلطف وتنعش الوجدان في تؤدة، وتدفع إلى استشعار روحانية الدعوة, فهي ترطيب الفكر الثائر وحل لعقد التقاليد الصعبة, وإنقاذ من حيرة لا شعورية موهومة, وطمأنية تسكن ثورة الجموح، وكثيرا ما هديت القلوب الشاردة بالموعظة الحسنة, وإنها مع الطبائع الخيرة أفضل من الزجر والتأنيب والتوبيخ والتجريح. وقد حرص القرآن الكريم كثيرا على الموعظة الحسنة كأسلوب ووصف للكلمة التي يتلفظ بها الداعية.

стр. 380

ومع قسوة العذاب والتنكيل التي شنها أعداء الدعوة في عهدها المكي كان القرآن دائما يحرص على الوصية بالموعظة الحسنة, يقول الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ١. فليس للداعية أن يرد بالسيئة إذ لا تستوي آثار السيئات وآثار الحسنات، كما لا تستوي كذلك قيمة كل منهما، فإن الصبر والتسامح والاستعلاء على رغبة النفس في مواجهة الشر بمثله قد يرد النفوس الجامحة إلى الهدوء والثقة فتنقلب من الخصومة إلى الولاء، ومن الجماح إلى اللين، وكم تصدق هذه القاعدة فينقلب الهياج إلى وداعة, والغضب إلى سكينة, والتبجح إلى حياء؟ إن الكلمة الطيبة تبقى قاعدة, وأسلوبا في تبليغ الدعوة ترد بنبرتها الهادئة وبسمتها الحانية غاضبا متبجحا مفلوت الزمام. فإن لم ترده هذه الكلمة الطيبة, فقد بقي للدعوة أنها كانت, ولا تزال تحب له الخير غير أنه هو الذي لا يريد لنفسه ذلك. وبالموعظة الحسنة يظهر للدعاء أن هدفهم هو حب الخير للناس بهذا الدين وحماية مستقبلهم في الدنيا والآخرة من الضنك والضياع, ثم يظهر لمعارضي الدعوة أو معارضي الخير لأنفسهم سؤال: لم لا يرد الدعاة السيئة بمثلها وهم قادرون عليها؟

стр. 381

إن الذي يمنع الدعاة هو الأسلوب المفروض عليهم، ادفع بالتي هي أحسن السيئة. وتلك الوظيفة تحتاج إلى سماحة تستعلي على دفعات الغيظ وشحنات الغضب وتحتاج إلى قوة توازن بين الدفع بالتي هي أحسن وبين السماحة التي تستعلي على الآلام والغضب والغيظ. وهي معادلة دقيقة وصعبة جدا ولكنها لازمة في تبليغ الدعوة حتى يستمر الداعية نشيطا تدفعه الحسنى في المعاملة إلى مزيد من العمل دون حساب لسيئات المناهضين للدعوة. وفي الإنسان -وخاصة الإنسان العربي- طابع الحياء والشهامة التي تحب أن تعود وتعترف به كفضيلة خلقية لها، ولهذا أشاد القرآن الكريم بالموعظة الحسنة كأسلوب ووصف لنوع الكلمة التي يستخدمها الداعية في تبليغ الدعوة لأنها تتلاءم مع طابع الحياء أو الشهامة التي يتحلى بها الإنسان غالبا ولقد كان من نفحاتها إسلام عمر بن الخطاب، وحمزة بن عبد المطلب١، فقد أرجعتهم إلى صوابهم حسنات المسلمين فانقلبت ضرواتهم على الإسلام له تحمسا وانتصارا, وفتح الله بهما للمسلمين فتحا كريما. وما أحوج الدعوة في هذا العصر إلى الموعظة الحسنة وخاصة في المجتمعات البدائية التي لا تحتاج في نشر الإسلام إلى أكثر من السلوك الطيب والكلمة الطيبة والمعاملة الطيبة والمعاملة بالمعروف.

стр. 382

وجادلهم بالتي هي أحسن: لا تحامل على المخالف. ولا ترذيل له ولا تقبيح لفكره, وما دام يريد أن يصل إلى الحق؛ فالمجادلة بالتي هي أحسن صفة الكلمة التي ينبغي أن يستخدمها الداعية مع هذا اللون من الناس، ليس هدف الداعية الغلبة ولا المخاصمة ولا الشهرة بالتفلسف. ولكن هدفه توصيل دعوة الله, فإذا احتاج الداعية مع صنف من الناس إلى جدال فليكن الجدال بالتي هي أحسن بالإقناع الموصل إلى الحق في قالب الكلمة الطيبة بعيدا عن الحماس الشارد عن الحجة البيضاء، وكثيرا ما يختلط على النفس البشرية قيمة رأيها وقيمته عند الناس حتى ليصبح التنازل عن الرأي تنازلا عن الهيبة والكيان. فحدد القرآن الكريم أسلوب التبليغ مع هذا الصنف "الجدال بالحسنى" فإنه هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة, ويشعر المجادل بأن ذاته مصونة وقيمته محفوظة وكرامته موقرة، وأن ما يقصده الداعية من مجادلته هذه إلا كشف الحقيقة في ذاتها والاهتداء إليها حسبة لله لا ابتغاء نصر لرأيه وهزيمة لرأي الآخر١. وبالتي هي أحسن قيد مهم غفل عنه المسلمون, فوقعوا في شباك مكيدة كانت مبيتة للأمة الإسلامية تواطأ عليها أعداؤهم من خارجها, ومن داخلها حتى أضناها الخلاف وضيعها التشدق والجدال٢.

стр. 383

ثم هو قيد مهم كذلك لأخلاق الداعية الذي أريد له أن يخرج عن إطار المنهج, فيستقر حتى ينفد صبره فيفسد منهجه, ولكي يطامن الداعية من حساسيته واندفاعه كان هذا القيد: التي هي أحسن. ثم كان ختام الآية الكريمة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ . فلا ضرورة إذن للجاجة في الجدل ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ والأمر بعد ذلك لله رب العالمين. هذا هو أسلوب الدعوة ودستورها في التبليغ ما دام الأمر في دائرة الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فإذا ما تغير الموقف وصار الأمر من جهة الخصوم كلاما بالسلاح كان للدعوة أسلوب ومنهج يتفق مع موقف المعاندين بعد أن أفصحت الدعوة لهم عن سموها وأخلاقها وحنوها عليهم طول سنين١. وقد ذكر الإمام الغزالي ﵁ في كتابه "القسطاس المستقيم": أن المدعو إلى الله تعالى بالحكمة قوم، وبالموعظة قوم, وبالمجادلة قوم وعلل لذلك بقوله: "فإن الحكمة إن غذي بها أهل الموعظة أضرت بهم كما تضر بالطفل الرضيع التغذية بلحم الطير, وإن المجادلة إن استعملت مع أهل الحكمة اشمأزوا منها كما يشمئز طبع الرجل القوي من الارتضاع بلبن الآدمي.

стр. 384

وإن من استعمل الجدال مع أهل الجدال لا بالطريق الأحسن كما تعلم من القرآن كان كمن غذى البدوي بخبز البر, وهو لم يألف إلا التمر، أو البلدي بالتمر، وهو لم يألف إلا البر١. وهو تصنيف مقبول من جانب إذا نظرنا إلى الأساليب الثلاثة مجزأة، الحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ولكن إذا نظرنا إلى أحوال الشخص الواحد, وأنه قد تعتريه حالات ثلاث: حالة الفطنة. وحالة الوجدان والعاطفة. وحالة الكبرياء والذاتية. أدركنا أن هذه الأساليب الثلاثة تصح لرجل واحد قد يكون في حالة تستدعي الخطاب بالحكمة, أو تستدعي الخطاب بالموعظة الحسنة، أو تستدعي الخطاب بالجدال بالتي هي أحسن. وقد استخدم النبي ﷺ هذه الأساليب مع مفاوضي قريش. ففي المرة الأولى قرأ عليهم آيات فصلت. وفي المرة الثانية قال لهم واعظا ومجادلا بالتي هي أحسن: "ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم, ولا الشرف فيكم, ولا الملك عليكم

стр. 385

ولكن الله بعثني إليكم رسولا, وأنزل علي كتابا, وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا, فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم, وإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة, وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم"١. يقول أستاذنا الفاضل الدكتور محمود حب الله: وبما أن الإسلام دين عام، وهو دين منطق وحكمة ولا يهدف نحو تربية حاسة واحدة من حواس الإنسان، بل نحو قوى الإنسان كلها من قلب وعقل وعاطفة, كان من الطبيعي له أن يخاطب كل هذه القوى النفسية ويهذبها لتتضامن جميعها في الإيمان وفي تربية الشخصية الإنسانية الحقة٢. وبهذا يمكن أن ندرك أن الأسلوب الذي دعت إليه الآية الكريمة هو أسلوب يصلح لطوائف الناس عندما تبرز هذه الخصائص متفرقة, كما أنها كذلك تصلح لواحد من الناس تقويما لجميع قواه العقلية والقلبية والعاطفية, وبذلك تنفرد الدعوة الإسلامية بأسلوبها الخاص بها في استخدام مناهج الفكر والعمل مع الجماعة بأسلوب غاية في التهذيب والبناء لجميع قوى الإنسان الذي تنقل إليه الدعوة ليكون ربانيا في دنياه وآخرته على السواء.

стр. 386

وسيلة التبليغ: وعلى الرغم من تطور وسائل الاتصال في العصر الحديث التي تستخدم في بث الأفكار والدعوة لمبدأ ما فإن الاتصال عن طريق اللغة والمقابلة

стр. 387

الشخصية ما زال هو العامل الأساسي في توصيل آية دعوة, لأن اللغة تمثل أهم طريقة للتفاعل الاجتماعي بين الأفراد, وعن سبيلها يمكن الإلمام بمعرفة أحوال الناس والمشاركة في الأفكار والمشاعر والمعتقدات, ونتيجة لهذا يمكن تحديد وتشخيص وحل المشكلات في المجتمع١. وقد نشطت الدراسات الاجتماعية الحديثة في تصوير وسائل الاتصال بالجماعة عن طريق اللغة التي تعتبر وسيلة أساسية فعالة في توصيل المبادئ للناس. وقد توصل الدارسون الغربيون والشرقيون إلى وضع عدة وسائل منها: ١- المناقشة في الجماعة الصغيرة, وقد حاولوا وضع تعريف لها فقالوا: إنها تبادل الأفكار والآراء وجها لوجه بين أعضاء جماعة صغيرة نسبيا "وتكون عادة من خمسة إلى عشرين". وحددوا سمات لهذه الوسيلة منها: إنها تتيح الحد الأقصى من التفاعل المتبادل بين الأعضاء، وأنها تعلم الأعضاء التفكير في حيز إطار الجماعة الذي ينمي الإحساس بالمساواة، وإنها تساعد على انبثاق قيادة٢، ولقد سبق رسول الله ﷺ هذه الدراسات منذ أن توجه إلى تبليغ دعوة الله.

стр. 388

ففي أسباب النزول للواحدي: أن النبي ﷺ كان يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام وعباس بن عبد المطلب وأبيا وأمية بن خلف ويدعوهم إلى الله تعالى, ويرجو إسلامهم فقام ابن أم مكتوم وقال: يا رسول الله! علمني مما علمك الله, وجعل يناديه ويكرر النداء, ولا يدري أنه مشتغل مقبل على غيره١. ٢- جماعة الطنين: وهي وسيلة بديلة عن وسيله "الحابل والنابل" التي تتفتت الجماعة فيها إلى وحدات صغيرة لتيسير المناقشة٢. وطريقة الطنين هذه يقتصر فيها على عضوين اثنين فقط لمناقشة موضوع ما، وقد سبق القرآن الكريم هذه الدراسة منذ فجر الدعوة حيث دعا المخاصمين إلى أن يقوموا قومة خالصة لله مثنى وفرادى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ٣. ٣- الندوة: وهي طائفة من الأحاديث والكلمات أو المحاضرات يعرضها أشخاص لموضوع مشكلة واحدة٤.

стр. 389

وقد سلف أن النبي ﷺ لما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ أقام لهم ندوة مرتين تكلم أبو لهب في الأولى وعرض وجهة نظره وتكلم رسول الله ﷺ في الثانية وشرح لهم دعوته١. ٤- المناظرة: هي محاورة تجري بين شخصين من ذوي المعرفة القادرين على الحديث عن موضوع معين٢. وقد سبقت الدعوة الإسلامية بهذا الأسلوب في العمل لتبليغ الدعوة كما وقع بين الرسول ﷺ وحصين٣، وسبق أن ذكرت كيف أسلم ضماد٤ وقد أسلم عمرو بن عبسة السلمي٥ نتيجة محاورة بينه وبين الرسول ﷺ غير أن عنصر المحاورة هنا كان طبيعيا لا يحمل صفة التعصب أو التعنت وهو أمر غير سهل في العصر الحديث. ٥- المقابلة٦: وهي وسيلة متعددة الأساليب بالزيارة أو بالراديو والتلفزيون ... إلخ. وقد كان رسول الله ﷺ دائما حريصا على أن تتم المقابلة بينه وبين خصوم الدعوة فإنه رغم الأذى الذي كان

стр. 390

يدأب على تقديمه عقبة بن أبي معيط إلا أن رسول الله ﷺ كان يكثر من مجالسته, ولما دعا النبي ﷺ لوليمة في بيته أثر عودته من سفر استجاب له رسول الله ﷺ وما أكل حتى أنطقه شهادة التوحيد١. ٦- المؤتمرات المؤقتة٢: وقد استخدم النبي ﷺ المؤتمر المؤقت في أسلوب الدعوة حين صعد على الصفا يوم أن نزل قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ ، وناداهم فاجتمع الناس إليه وكانوا بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسولا عنه, ثم قال لهم: "لو أخبرتكم أن خيلا بسفح الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ " , قالوا: نعم، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" ٣. المؤتمرات الدورية وهي مواسم الحج: وقد كان النبي ﷺ يمر على الناس في أسواق الحج يقول لهم: "يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا" ٤. وقد كانت هذه الوسيلة هي ركيزة العمل التمهيدي لنقل الدعوة من مكة إلى طابة المدينة المنورة.
следующие страницы →