وسيلة التبليغ:
وعلى الرغم من تطور وسائل الاتصال في العصر الحديث التي تستخدم في بث الأفكار والدعوة لمبدأ ما فإن الاتصال عن طريق اللغة والمقابلة
стр. 387
الشخصية ما زال هو العامل الأساسي في توصيل آية دعوة, لأن اللغة تمثل أهم طريقة للتفاعل الاجتماعي بين الأفراد, وعن سبيلها يمكن الإلمام بمعرفة أحوال الناس والمشاركة في الأفكار والمشاعر والمعتقدات, ونتيجة لهذا يمكن تحديد وتشخيص وحل المشكلات في المجتمع١.
وقد نشطت الدراسات الاجتماعية الحديثة في تصوير وسائل الاتصال بالجماعة عن طريق اللغة التي تعتبر وسيلة أساسية فعالة في توصيل المبادئ للناس.
وقد توصل الدارسون الغربيون والشرقيون إلى وضع عدة وسائل منها:
١- المناقشة في الجماعة الصغيرة, وقد حاولوا وضع تعريف لها فقالوا: إنها تبادل الأفكار والآراء وجها لوجه بين أعضاء جماعة صغيرة نسبيا "وتكون عادة من خمسة إلى عشرين".
وحددوا سمات لهذه الوسيلة منها: إنها تتيح الحد الأقصى من التفاعل المتبادل بين الأعضاء، وأنها تعلم الأعضاء التفكير في حيز إطار الجماعة الذي ينمي الإحساس بالمساواة، وإنها تساعد على انبثاق قيادة٢، ولقد سبق رسول الله ﷺ هذه الدراسات منذ أن توجه إلى تبليغ دعوة الله.
стр. 388
ففي أسباب النزول للواحدي: أن النبي ﷺ كان يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام وعباس بن عبد المطلب وأبيا وأمية بن خلف ويدعوهم إلى الله تعالى, ويرجو إسلامهم فقام ابن أم مكتوم وقال: يا رسول الله! علمني مما علمك الله, وجعل يناديه ويكرر النداء, ولا يدري أنه مشتغل مقبل على غيره١.
٢- جماعة الطنين: وهي وسيلة بديلة عن وسيله "الحابل والنابل" التي تتفتت الجماعة فيها إلى وحدات صغيرة لتيسير المناقشة٢.
وطريقة الطنين هذه يقتصر فيها على عضوين اثنين فقط لمناقشة موضوع ما، وقد سبق القرآن الكريم هذه الدراسة منذ فجر الدعوة حيث دعا المخاصمين إلى أن يقوموا قومة خالصة لله مثنى وفرادى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ٣.
٣- الندوة: وهي طائفة من الأحاديث والكلمات أو المحاضرات يعرضها أشخاص لموضوع مشكلة واحدة٤.
стр. 389
وقد سلف أن النبي ﷺ لما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ أقام لهم ندوة مرتين تكلم أبو لهب في الأولى وعرض وجهة نظره وتكلم رسول الله ﷺ في الثانية وشرح لهم دعوته١.
٤- المناظرة: هي محاورة تجري بين شخصين من ذوي المعرفة القادرين على الحديث عن موضوع معين٢.
وقد سبقت الدعوة الإسلامية بهذا الأسلوب في العمل لتبليغ الدعوة كما وقع بين الرسول ﷺ وحصين٣، وسبق أن ذكرت كيف أسلم ضماد٤ وقد أسلم عمرو بن عبسة السلمي٥ نتيجة محاورة بينه وبين الرسول ﷺ غير أن عنصر المحاورة هنا كان طبيعيا لا يحمل صفة التعصب أو التعنت وهو أمر غير سهل في العصر الحديث.
٥- المقابلة٦: وهي وسيلة متعددة الأساليب بالزيارة أو بالراديو والتلفزيون ... إلخ.
وقد كان رسول الله ﷺ دائما حريصا على أن تتم المقابلة بينه وبين خصوم الدعوة فإنه رغم الأذى الذي كان
стр. 390
يدأب على تقديمه عقبة بن أبي معيط إلا أن رسول الله ﷺ كان يكثر من مجالسته, ولما دعا النبي ﷺ لوليمة في بيته أثر عودته من سفر استجاب له رسول الله ﷺ وما أكل حتى أنطقه شهادة التوحيد١.
٦- المؤتمرات المؤقتة٢: وقد استخدم النبي ﷺ المؤتمر المؤقت في أسلوب الدعوة حين صعد على الصفا يوم أن نزل قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ ، وناداهم فاجتمع الناس إليه وكانوا بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسولا عنه, ثم قال لهم: "لو أخبرتكم أن خيلا بسفح الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ " , قالوا: نعم، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" ٣.
المؤتمرات الدورية وهي مواسم الحج:
وقد كان النبي ﷺ يمر على الناس في أسواق الحج يقول لهم: "يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا" ٤.
وقد كانت هذه الوسيلة هي ركيزة العمل التمهيدي لنقل الدعوة من مكة إلى طابة المدينة المنورة.
стр. 391
إن وسائل الدعوة التي استخدمها رسول الله ﷺ هي أمنية العاملين في الحقل الاجتماعي في العصر الحديث.
وما يزيد المبشر في المجتمعات البدائية عن هذه الطريقة التي سنتها الدعوة الإسلامية كأسلوب ووسيلة لنشر دين الله، إلا أنه ينفذها فقط.
ويا ليت شعري لو أن بعثات الأزهر الشريف في آسيا وأفريقيا, وهم يكتسبون رزقا واسعا ومركزا جليلا، ليت شعري لو أنهم أخلصوا العمل لله فامتثلوا والتزموا وأحيوا سنة رسول الله ﷺ في نشر الدعوة بهذه الوسيلة، والله ما أعوذ الناس يومها بعد ذلك جرعة دواء من يد كافر، ولفتح الله لنا ولدينه في بلاد الله خيرا كثيرا.
وكما قالها رسول الله ﷺ :
"لقد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة".
ولكن متى كان لليت جواب؟
أو لعل أن يكون لها جواب إن شاء الله.
стр. 392
الفصل الرابع: معالم في طريق الدعوة
المجابهة
مدخل
...
الفصل الرابع: معالم في طريق الدعوة
أ- المجابهة:
المجال الذي تعمل فيه الدعوة مجال دقيق وحساس، إنه مجال يمس التقاليد والعادات ويمس الوجدان والفكر، ومع أن الرسول ﷺ كان حريصا على تنقية المجتمع من الشرك, ووضح هدفه وغايته بأسلوب رفيع كريم, وتبرأ من كل غرض مادي دنيوي يتنافس عليه من البشر إلا أن القوم كفروا.
لقد كانوا ينتسبون إلى إبراهيم ﵇ وهو نبي موحد ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
وكان النبي ﷺ يذكِّرهم بهذه الحقيقة، وكانوا هم كذلك يقرون له بأنه يُكلم من السماء.
قال في الحلبية:
صار كفار قريش غير منكرين لما يقول, فكان ﷺ إذا مر عليهم في مجالسهم يشيرون إليه: إن غلام بني عبد المطلب ليُكلم من السماء, وكان ذلك دأبهم حتى عاب آلهتهم, وسفه عقولهم, وضلل آباءهم حتى أنه مر عليهم يوما وهم في المسجد الحرام
стр. 393
يسجدون للأصنام فقال: "يا معشر قريش! والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم"، فقالوا: إنما نعبد الأصنام حبا لله لتقربنا إلى الله١.
وهنا يجد الباحث مركز صعوبة العمل في التبليغ عندما يركب الناس هوى النفس, ويقدسون ما كان عليه الآباء والأجداد.
فهم متفقون مع النبي ﷺ على أصلين:
إنهم من نسل إبراهيم.
وإنهم خالفوا التوحيد الذي كان عليه أبوهم إبراهيم.
وإذن فلماذا يجحدون؟
إن النبي ﷺ أعلنها واضحة صريحة:
"ما جئت أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني رسولا، وأنزل عليّ كتابا, وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به, فهو حظكم في الدنيا والآخرة, وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" ٢.
وبهذا يتحدد للقارئ أو الباحث أن الرسالة الإسلامية لم تكن تهدف إلى مال أو جاه, ولكنها كانت تريد أن تكرم بني البشر بخضوعهم إلى توحيد الله وتنزيهه, فهي لا تأخذ من أحد ماله ولا تعطي لأحد جاها.
стр. 394
لا هي مؤممة لأموال الناس، ولا هي مصدر لتمويل البشر، ولكنها نظام الله الذي يجب أن يعيش عليه البشر, ولهذا حدد القرآن الكريم قضيتين رئيستين:
الأولى: أن النبي ﷺ لم يسأل الناس شيئا من أموالهم، يقول الله تعالى:
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ١.
﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٢.
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ٣.
إنه لا يطلب أجرا وهو كذلك لا يعطي مالا.
﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٤.
﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٥.
стр. 395
الثانية: أن القرآن الكريم رفض كل اقتراح مادي فيما يتعلق بطلب المعجزات كثمن لدخولهم في الإسلام.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ, وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُون, وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ١.
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ ٢.
وإلى جوار هاتين الحقيقتين القرآنيتين يقرر التاريخ موقفين:
الأول: رفض رسول الله ﷺ كل مساومة تتجه بالرسالة إلى غير هدفها الأسمى ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ وفي هذا يحفظ التاريخ المقالة الخالدة لرسول الله ﷺ وقد تكأكأ عليه القوم في منزل أبي طالب:
"والله لو وضعوا الشمس في يميني, والقمر في يساري, ما تنازلت عن هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه" ٣.
стр. 396
الثاني: أن القرشيين مع مجابهتهم دعوة الله, فقد اعترفوا بالرسالة للنبي ﷺ على نحو ما ذكره أبو جهل والنضر بن الحارث١، ولكنهم مع هذا جابهوا الدعوة, ووقفوا لها بالمرصاد, وصبوا عليها جام غضبهم مع ما تحلى به رسول الله ﷺ من رفيع الخلق، وكريم السجايا، وعظيم الحلم، وطول الصبر، فكانت تلك المجابهة تحدد ظاهرة طبيعية في العمل من أجل الدعوة.
لقد أصبح من مظاهر العمل للدعوة الإسلامية أنه لا بد وأن تعاني مجابهة وخصومة، وقد تكون المجابهة القاسية من أقرب الناس إلى الداعية.
ومن واقع الأحداث التاريخية التي شنها القرشيون على الدعوة تبدو معالم الطريق دائما, وهي كما وقعت منذ فجرها تدور حول:
١- الداعية واتباعه وما قدمه المشركون في مكة من صنوف الأذى للدعوة والداعية, وهي تصوير للمعالم التاريخية للدعوة في عهدها المكي.
٢- الأسباب التي دفعت بهم إلى هذه المجابهة, وتشكل خطا دائما في بقاء هذه المواجهة.
стр. 397
٣- النماذج التاريخية التي قدمها القرآن الكريم في هذا الفجر؛ لتبين للناس أن هذه المعالم طبيعية مستمرة في حقل العمل للدعوة.
وحول هذه الدوائر الثلاث نستعين بالله جل شأنه في توضيح هذه المجابهة التي صارت فعلا مضادا لحركة التبليغ.
стр. 398
أولا: المعالم التاريخية للمجابهة في العهد المكي
١- رفض الدعوة مباشرة دون نظر:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ .
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ , ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا فهتف: "يا صباحاه! " , فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا عليه فقال: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ " , قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب عظيم"، قال أبو لهب: تبا لك، ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام, فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ١، والنص واضح في ثلاث حقائق:
١- أن النبي ﷺ وصل لهم القول وجمعهم بأسلوب علمي متفق مع قواعد المنهج للدعوة, وقد استنطقهم ثقتهم فيه.
٢- أنهم اعترفوا للنبي ﷺ بالصدق في حاضره وماضيه.
стр. 399
٣- أنهم لووا رءوسهم لما دعاهم إلى دين الله دون نظر.
فلماذا رفضوها دون نظر؟
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ ١.
ما أكثر الآيات الدالة على وحدانية الله جل شأنه المعرِّفة لجلال قدرته؟ إنها مبثوثة في تضاعيف الكون معروضة للأبصار والبصائر في السموات وفي الأرض وفي النفس ذاتها ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ولكنهم لا يرونها ولا يسمعونها ولا يحسون بها.
أما لماذا قالها أبو لهب وهو عم النبي ﷺ ؟
لقد قالها ليشعر بأنه انتقم لنفسه من محمد ﷺ فقد قيل: إن أبا طالب لاحى أبا لهب, فقعد أبو لهب على صدر أبي طالب, فجاء النبي ﷺ فأخذ بضبعي أبي لهب, فضرب به الأرض, فقال له أبو لهب: كلانا عمك، فلم فعلت بي هذا؟ والله لا يحبك قلبي أبدا٢.
وهو وإن كان منطقا صبيانيا غير أنه مقبول في وسط قوم يتناحرون على الشرف والكرامة, ولهم مفاهيم خاصة لمعنى الشرف والكرامة.
стр. 400
لقد خبأها أبو لهب في صدره زمنا طويلا حتى جاءت لحظة التحويل العظيم من الجاهلية بكل مفاهيمها إلى الإسلام بنورانيته الجليلة, فلم يجد أبو لهب في صدره غير الغل القديم، فنافس الدعوة وطمس قلبه وأعمى عينيه, فكانت هذه واحدة من أسباب المجابهة والكفر معا.
٢- إغراء أبي طالب:
استمر النبي ﷺ في دعوته, ومضى يظهر دين الله, ويدعو إليه على بصيرة حتى شرى الأمر, فاحمرت وجنتا المجابهين للدعوة وفكروا في التماس طريق للصد عنها, وكان في مقدمة محاولاتهم إغراء أبي طالب, فسعوا عنده ثلاث مرات:
١- في الأولى قالوا له:
يا أبا طالب! إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا, فإما أن تكفه عنا, وإما أن تخلي بيننا وبينه, فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه، ولكن أبا طالب ردهم ردا رقيقا وانصرفوا وما لإغرائهم عنده أدنى أثر، لقد ضاع جهاد أبطال المجتمع هباء في هذه المرة التي تصدى للعمل فيها مشيخة العرب:
عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف.
وأبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
وأبو البحتري: العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب.
стр. 401
والأسود بن المطلب بن عبد العزى بن قصى بن كلاب.
ثم أبو جهل، عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب١.
لقد خابت جولتهم الأولى وردهم الله على لسان أبي طالب بوجوه صفر.
٢- وفي المرة الثانية وقد أخذت الدعوة الإسلامية طريقها إلى القلوب والعقول, فآمن الذين هداهم الله وكتب لهم النجاة واستحقوا العقبى، ورأت قريش في تزايد المسلمين خطرا عليها، واندثارا لدينها الباطل فتجمعوا في مظاهرة متبرمة وقالوا لأبي طالب: "إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين"٢.
وكانت المظاهرة حادة فقالوا كلمتهم, ثم انقلبوا راجعين دون أن يسمعوا من أبي طالب جوابا فعظم على الرجل فراق أهله وعداوتهم, وتلك حالة شعورية في نفس كل فرد عندما يجابه من كبار قومه, وهو فيهم ذو شرف ومنزلة، ولكنه في نفس الوقت يعز عليه كثيرا ولا تطيب نفسه أبدا أن يسلم لهم رسول الله ﷺ فأراد الرجل أن يهدئ من ثقل الجاذبية عليه فبعث إلى رسول الله ﷺ فقال له:
стр. 402
يابن أخي: إن قومك قد جاءوني, فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك, ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.
وذلك منطلق لين تبدو منه ضعضعة أبي طالب فظن الرسول ﷺ أن عمه قد ضعف عن نصرته, والقيام معه, وأنه قد بدا له فيه بداء.
فحدد الرسول ﷺ موقفه ليكون قانونا سرمديا لكل داعية يواجه جاذبية المجتمع الثقيلة:
"والله لو وضعوا الشمس في يميني, والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته".
إنها لقاعدة توزن بالحياة كلها إن تكأكأ المجتمع على الداعية, فهو يساوي في ثقله ثقل الثقيل ريشة على كتف بعير أورق هو سيد حمر لنعم, فإذا أبو طالب وقد لمسته شرارة من هذا النور المتوهج يعدل عن لينه ويقول: اذهب يابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا١.
وبهذا يتحدد الموقف من الجانبين: من جانب الكفرة، رفض مطلق للرسالة واقتراح حرب عائلية حتى يتقرر لمن يكون النصر.
ومن جانب النبي ﷺ تصميم على الاستمرار في الدعوة وتصميم عمه على ألا يسلمه لشيء أبدا.
стр. 403
٣- لقد خابت مساعي مشيخة العرب, وأحسوا بالندامة لعجزهم عن فعل شيء مع أبي طالب, فمشوا مرة ثالثة ومعهم بديل، معهم "عمارة بن الوليد بن المغيرة" وقالوا له: "هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولدا فهو لك, وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم, فنقتله فإنما هو رجل برجل".
هكذا قالوها في حمق "سلم ابن أخيك نقتله، وخذ ابننا عندك يحيا في كنفك واتخذه ولدا".
منطلق أعمى واقتراح أناني فاسد لم يطقه أبو طالب الذي لا يقل تحمسا للدفاع عن ابن أخيه من حبهم لولدهم عمارة, فقال لهم:
"والله لبئس ما تسومونني! أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدا"١.
ولو أنهم أعطوه عمارة بن الوليد ليقتله أبو طالب نظير قتلهم ابن أخيه لكان حقا ما يقولون: "فإنما هو رجل برجل" فأي شيء يسر أبا طالب إن قتل ابن أخيه وعاش ولدهم في خيرات أبي طالب؟
"وإنه لمن الغريب حقا أن يقول المطعم بن عدي بعد مقالة أبي طالب: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكرهه, فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا".
стр. 404
فقال أبو طالب: والله ما أنصفوني, ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليّ فاصنع ما بدا لك.
أي إنصاف هذا يا مطعم؟ ولد يغذى وولد يقتل؟ وأي شيء كان يكرهه أبو طالب؟
ولو كان يكره محمدا ﷺ ما طالت معه محاولاتكم في شأن ابن أخيه. إنها الأنانيات العمياء والعواصف الخبيثة التي يمتطيها إبليس فتزين السوء للمعتدين.
ومن هذه السفارات الثلاث تظهر حقيقة تاريخية في هذا الصبح المبكر للدعوة؛ إنها ليست دعوة عنصرية ولا قومية ولا إقليمية ولا محلية, فقد جحدها بادئ بدء أبناء قصي وعبد مناف, وهاجرت الدعوة ديارهم ووكل الله بها قوما ليسوا بها بكافرين, فكانت يثرب هي طابة المنورة التي ترعرع فيها لدين الله مجتمع إسلامي كبير.
٣- مساومة النبي ﷺ :
لقد فشلت جهود مشيخة العرب مع أبي طالب وما زال الإسلام ينمو ووجهاء من القوم يدخلون في دين الله، فلقد أسلم حمزة بن عبد المطلب إثر معركة مع أبي جهل, انتصر فيها حمزة لابن أخيه١، فغيرت قريش أسلوب المواجهة بالمواعدة إلى المواجهة بالمساومة مع النبي ﷺ مباشرة وقد تعددت مرات هذه المساومة.
стр. 405
فأرسلوا عتبة بن ربيعة, وكنيته "أبو الوليد", فكلم النبي ﷺ وعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها, فيعطوها له ويكف عنهم,
وقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: "يابن أخي! إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة, والمكان في النسب, وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم, فرقت به جماعتهم, وسفهت به أحلامهم, وعبت به آلهتهم ودينهم, وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها؛ يابن أخي! إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب, وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه, فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه".
لقد كان عتبة بهذا العرض يتحدث باسم مشيخة العرب, فقد فوضوه في حسم الأمر والاتفاق مع محمد ﷺ على أي أمر يحب.
يقول ابن هشام:
"اجتمع عتبة بن ربيعة, وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، وأبو البحتري بن هشام، والأسود بن المطلب،
стр. 406
وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام, وعبد الله بن أبي أمية، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان، وأمية بن خلف أول من اجتمع منهم قال: اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة, ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه, فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأتهم, فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا, وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء, وكان حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم فقالوا له: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة, فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك, فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب نبرئك منه أو نعذر فيك"١.
هذا النص يؤكد أن سفارة عتبة بن ربيعة كانت سفارة عن مشيخة القوم على أن النص المروي عن عتبة آنفا في صدره عبارة تفيد هذه الوكالة.
стр. 407
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال:
حدثت أن عتبة بن ربيعة, وكان سيدا قال يوما, وهو جالس في نادى قريش ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش؟ ألا أقوم إلى محمد فأكمله وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها, فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟
وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ -يزيدون ويكثرون فقالوا: بلى يا أبا الوليد١.
وإذن فسفارة عتبة سفارة مفوضة من وجهاء القوم وكبارهم.
ولكن الرسول ﷺ يقول لعتبة بعد أن فرغ: "أقد فرغت يا أبا الوليد؟ " , ثم يتلو رسول الله ﷺ الآيات الأولى من سورة فصلت, ويستمع إليها عتبة بإصغاء تام, ثم يعود لقومه ناصحا لكنه غير أمين على وجدانه, فلم يفلح.
٤- أذى النبي ﷺ :
لقد فشلت قريش وضاقت ذرعا بهذا الفشل، وأشعة الإسلام في كل يوم تمتد إلى قلب أو تدخل بيتا، والمسلمون يتزايدون صلابة وصبرا، ومستويات سفاراتهم كلها قد انتكست وفشلت مساعيهم, فعبروا عن خيبتهم بسلوك صبياني.
стр. 408
فأبو لهب يرى في تطليق ابنتي الرسول ﷺ رقية وأم كلثوم من ولديه عتبة -وقد أسلم فيما بعد يوم الفتح- وعتيبة، بردا يشفي غليله ويهدئ من ثورته١، وكان يتتبع النبي ﷺ ليكذبه٢.
وركانة بن عبد يزيد بن هشام، كان شديد العداوة للدعوة٣ أراح شقوته بمصارعة النبي ﷺ فقال له: يابن أخي بلغني عنك أمر ولست بكذاب, فإن صرعتني علمت أنك صادق، ولم يكن يصرعه أحد فصرعه النبي ﷺ ثلاث مرات, فلما غلب دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام فتقاعس وتعلل٤ وطلب معجزة, ثم تنطع واستمر كافرا.
وعقبة بن أبي معيط بن عمر بن أمية بن عبد شمس يستريح في مناوأته لرسول الله ﷺ عندما يلقي سلا جزور على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد حتى تأتي فاطمة الزهراء البتول فتلقيه عن أبيها٥.
стр. 409
وفي الحلبية أن عقبة بن أبي معيط وطئ على رقبته ﷺ وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان، ومرة وضع ثوبا على عنقه وخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- وأخذ بمنكبيه ودفعه عن رسول الله ﷺ وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ ١
ويستمر عقبة بن أبي معيط في أفعاله الصبيانية فيبصق في وجه النبي ﷺ استجابة لرغبة صديقه اللدود أبي بن خلف لما بلغه أن عقبة نطق بشهادة التوحيد إرضاء لرسول الله ﷺ في وليمة كان أعدها عقبة إثر عودته من سفر ودعا إليها الرسول ﷺ ورفض الرسول أن يأكل منها حتى يسلم, فلما بلغ ذلك أبي بن خلف، قال له: وجهي من وجهك حرام إن لم تأته فتتفل في وجهه ففعل عقبة فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ٢.
قال في الحلبية: قال الضحاك: لما بزق عقبة لم تصل البزقة إلى وجه النبي ﷺ بل وصلت إلى وجهه هو كشهاب نار, فاحترق مكانها وكان أثر الحرق في وجهه إلى الموت٣.
وكانت أم جميل "أروى بنت حرب بن أمية" زوجة أبي جهل وهي سيدة من كبار بيوتات قريش أخت أبي سفيان بن حرب من
стр. 410
أماجد سلالة حرب بن أمية، كانت تتولى بنفسها جمع القاذورات من الطريق لتلقيها على باب منزل النبي ﷺ كتعبير عن انفعالاتها السيئة نحو المبعوث رحمة للعالمين١.
ويأتي دور سيد الجهلاء والجاهليين، المغيرة بن هشام المخزومي المعروف في التاريخ بكنيته المشهورة "أبو جهل" لقد كان سفسطائيا في منطقه وسلوكه.
قال أبو جهل يوما لقريش: يا معشر قريش! إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتنا, وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضحت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني, فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم.
قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدا فامض لما تريد.
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره, وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، وكان رسول الله ﷺ بمكة, وقبلته إلى الشام فكان إذا صلى، صلى بين الركن اليماني والحجر الأسود.
وجعل الكعبة بينه وبين الشام فقام رسول الله ﷺ يصلي، وقد غدت قريش، فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل
стр. 411
فاعل, فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزما ممتقعا لونه مرعوبا, قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده, وقامت إليه رجال قريش فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟
قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة, فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته، ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط, فهم بي أن يأكلني١.
لقد كانت بطولة أبي جهل بطولة خيالية، وكان تشدقه بالتوعد تشدقا سفسطائيا، ولم تكن مرة واحدة ينتكس فيها على عقبيه بل كانت مرارا، يرويها صاحب الحلبية وابن كثير في السيرة منها:
أن الأراشي، كان رجلا من رجال خثعم، باع لأبي جهل أجمالا فمطله فدلته قريش على رسول الله ﷺ لما يعلمونه من شدة عداوة أبي جهل للدعوة وصاحبها، عليه أفضل الصلاة والسلام، فلما ذكر الأراشي حاله لرسول الله ﷺ قام معه لينصفه من أبي جهل، فلما ضرب باب أبي جهل، خرج وهو ممتقع الوجه حتى لكأنه النقع, وهي الصفرة مع كدرة، فقال له النبي ﷺ أعط هذا حقه، فقال أبو جهل: نعم لا تبرح حتى أعطيه الذي له. فدفعه إليه.
стр. 412
فلما سأله قومه: ويلك ما رأينا مثل ما صنعت؟ قال: ويحكم! والله ما هو إلا ضرب على بابي, وسمعت صوته, فملئت رعبا, ثم خرجت إليه, وإن فوق رأسي فحلا من الإبل ما رأيت مثله قط، لو أبيت أو تأخرت لأكلني١.
لقد كان في كل مرة تحيط به الزبانية, وكان ينتكس ويخيب, ولكنه ما زال سادرا في غيه.
لقد كان يقول:
والله لا نصالحك ما بل بحر صوفة٢.
وكان إذا سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وخزاه.
هكذا اجتمعت الأصهار والأنساب والرجال والنساء من وجهاء القوم في مكة على مجابهة الدعوة والداعية بعديد من الأذى وصنوف من المساومات.
٥- فتنة الأتباع:
لقد كانت المجابهة مخططا متوجها نحو الداعية ودعوته وأتباعه، فقد حرصت قريش بعد فشلها في التوصل مع النبي ﷺ إلى حل يرضي شهوة كفرها على أن تواصل المواجهة ضد الأتباع.
стр. 413
يقول ابن هشام:
ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله ﷺ من أصحابه, فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين, فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، سيما من استضعفوا منهم يفتنوهم عن دينهم١.
ومن نماذج ذلك:
١- بلال بن رباح:
كان مملوكا لأمية بن خلف، ولكنه كان صادق الإسلام، طاهر القلب، قوي العقيدة، متين الإيمان، وكان أمية كافرا عنيدا أسود القلب غليظ المشاعر دفعته غلظته إلى تعذيب رجل رقيق الحال يملكه كما يملك أي متاع, فكان يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره حتى يرجع عن إسلامه, ويقسم أمية: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى٢.
يقول ابن هشام:
وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة, ثم يأمر بالصخرة
стр. 414
العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى١.
قال في المواهب:
وإن بلالا هانت نفسه عليه -في الله فلم يبال بتعذيبهم وصبر على أذاهم وهان على قومه -أي مواليه- فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد، وزاد مجاهد في قصة بلال، وجعلوا في عنقه حبلا ودفعوه إلى الصبيان يلعبون به حتى أثر الحبل في عنقه ليرجع إلى الكفر، والله يعيذه وحسبه بهذا منقبة٢.
قال ﷺ لبلال: سمعت دف نعليك في الجنة٣.
كان بلال -رضي الله تعالى عنه- يعرف أن ذلك التعذيب ظاهرة طبيعية في حياة الدعوة فنسي جلده الذي يعذب، وسقاه الله شرابا طهورا فارتفعت أحاسيسه فوق سياط الجلادين، وكلما استشاط غيظهم كانت الكلمات الحلوة النورانية تجوب الفضاء، وتتجاوب معها أجواء البيت العتيق: "أحد أحد" فكانت على أسماع الكافرين سياطا أشد لذعا وأقوى إيلاما وأعنف مواجهة.
ويأتي دور الأخوة الإسلامية، ذلكم الرباط المقدس الذي صنعته
стр. 415
عقيدة التوحيد فيساوم أبو بكر ﵁ أمية بن خلف ويُعتق بلال وينجو١, وبه تزيد جماعة المسلمين, ويكثر سوادها وتبقى إلى الأبد قصة بلال وأمية هي قصة المواجهة بين أتباع الحق وهمزات الشياطين.
٢- عمار بن ياسر:
كانت أسرة عمار بن ياسر، كلها تعذب:
سمية أم عمار، وياسر بن عامر، أبو عمار، وعبد الله أخو عمار.
كانوا جميعا في "زنازن" التعذيب القرشي.
يقول في المواهب:
مات ياسر في العذاب.
وأعطيت سمية لأبي جهل, فطعنها طعنة في موضع يعافه الرجل الأبي فقتلها.
ورمي عبد الله فسقط.
وأما عمار فقد فرج الله عنه بعد طول تعذيبه وقد كان يعذب حتى لا يدري ما يقول, رؤي في ظهره أثر كالمخيط, فسئل فقال: هذا ما كانت تعذبني قريش في رمضاء مكة، وجاء أنهم أحرقوه بالنار٢.
стр. 416
وتفنى الأسرة كلها فداء لدين الله, وتتأبى أسرة عمار بن ياسر على كبرياء قريش, وتقدم للدعوة نموذجا حيا في مكافحة شهوة الكفر, فتستعذب العذاب في سبيل الله، وتنجو من راحة الجسد في كنف الشيطان وتفوز بهذا الوعد الكريم.
عن أم هانئ قالت: فمر بهم النبي ﷺ فقال: "صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة. اللهم لا تعذب من آل ياسر أحدا بالنار" ١.
وفتح آل ياسر بشهادة سمية بابا للنصر لا يعرفه إلا الأوفياء المخلصون في الجهاد لتكون كلمة الله وحدها هي العليا, فكانت سمية أول شهيد في الإسلام.
٣- خباب بن الأرت:
خباب بن الأرت من بني تميم أو من خزاعة سبي في الجاهلية, فاشترته امرأة تسمى أم أنمار وكان حدادا يصنع السيوف، صدق برسول الله ﷺ فعذبته أم أنمار مشتركة بتعذيبه في الموجة العامة التي شنتها قريش على ضعفاء المسلمين من التعذيب والإرهاب، وقد تناقلت كتب السيرة والحديث شكوى خباب بن الأرت إلى النبي ﷺ من كثرة ما يلاقيه وأصحابه من التنكيل, ففي البخاري: عن خباب بن الأرت ﵁ قال:
стр. 417
شكونا إلى رسول الله -صلى عليه وسلم- وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: "كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه, فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين, وما يصده ذلك عن دينه, ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعلجون" ١.
٤- زنيرة الرومية:
أمة رقيقة الحال ضعيفة الحول معدومة الكنف آمنت بالله وبرسوله ﷺ عذبها أبو جهل عذابا مريرا حتى إنه لكان يتعجب من صبرها وصبر أخواتها. يقول في المواهب:
وكان أبو جهل يقول: ألا تعجبون إلى هؤلاء وأتباعهم لو كان ما أتى محمد خيرا وحقا ما سبقونا إليه أفتسبقنا زنيرة إلى رشد؟ ٢
لقد عذبوها وهم أحرار ليستعبدوا قلبها, فرفضت أن تبيع عبوديتها لله إرضاء للأسياد الأحرار, وظلوا يعذبونها حتى عميت, فقالوا: ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: والله ما هو كذلك وما يدري اللات والعزى من يعبدهما، ولكن هذا أمر من السماء وربي قادر على أن يرد علي بصري, فرد الله عليها بصرها صبيحة تلك الليلة, فقالت قريش: هذا من سحر محمد, فاشتراها أبو بكر فأعتقها.
стр. 418
فإلى متى سيظل سحر محمد له جاذبية يتشوق الناس إليها؟
وإلى متى سيظل سحر محمد يؤثر على النفوس والقلوب والعقول؟
وإلى متى سيظل سحر محمد حتى يبني لله دولة الحق الأمين؟
هكذا واجهت قريش الدعوة الإسلامية مواجهة سافرة عنيفة استخدمت فيها أسلحة الحرب الدعائية.
والضغط الاجتماعي.
والأذى البدني والأدبي.
ولكن ذلك كله كان واحدا من معالم الطريق عرفها السابقون الأولون فتحملوها وتذوقوا آلامها احتسابا, فقننوا بذلك طريق الدعوة وطوبى لمن صبر وبشرى لمن احتمل.
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ١.
٦- الحصار الاقتصادي:
فشلت قريش في اكتساب نصر ضد الدعوة الإسلامية. وأضيف إلى فشلها هذا اتساع العمل الإسلامي, وخروجه من النطاق العربي إلى النطاق العالمي حيث هاجر المسلمون إلى الحبشة واستقبلهم النجاشي بروح طيبة, ورد سعاية قريش حافية القدمين, فاستقرت جماعة المهاجرين من السابقين في الإسلام في ظل ملك لا يظلم عنده أحد, وهي أرض صدق٢ واستقرت عند النجاشي حقيقة الإسلام, فمكن للمسلمين
стр. 419
من إقامة سعيدة طيبة هادئة, فأرهقت كرامة قريش بهذا الاستقرار وزادها رهقا أن دخل حمزة بن عبد المطلب في الإسلام.
يقول الطبري:
فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز وأن حمزة سيمنعه١.
وغاظهم كثيرا خيبة عمرو بن العاص وصاحبه عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي في عدم التمكن من العودة بقافلة النور من المهاجرين, وزادهم حنقا إسلام عمر بن الخطاب. يقول الطبري:
فوجهوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي إلى النجاشي مع هدايا كثيرة, وأمروهما أن يسألا النجاشي تسليم من قِبَله وبأرضه من المسلمين إليهم، فلم يصلا إلى ما أمل قومهما من النجاشي, فرجعا مقبوحين, وأسلم عمر بن الخطاب ﵀, فلما أسلم وكان رجلا جلدا جليدا منيعا، وكان قد أسلم قبل ذلك حمزة بن عبد المطلب, ووجد أصحاب رسول الله ﷺ في أنفسهم قوة, وجعل الإسلام يفشو في القبائل وحمى النجاشي من ضوى إلى بلده منهم، اجتمعت قريش, فأتمرت بينها أن يكتبوا كتابا٢.
هكذا تبدو ظاهرة الفشل وقد زلزلت عقل قريش, وتخبطوا في أساليب الانتقام من الدعوة والداعية, فتعاهدوا على أن يقيموا حصارا
стр. 420
اقتصاديا يشمل جماعة المسلمين وأقرباءهم، يقول ابن الأثير في الكامل:
ولما رأت قريش الإسلام يفشو ويزيد, وإن المسلمين قووا بإسلام حمزة وعمر, وعاد إليهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أمية من النجاشي بما يكرهون من منع المسلمين عنهم وآمنهم عنده ائتمروا في أن يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على:
ألا ينكحوا بني هاشم وبني المطلب.
ولا ينكحوا إليهم.
ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم شيئا.
فكتبوا بذلك صحيفة وتعاهدوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا لذلك الأمر على أنفسهم فلما فعلت قريش ذلك انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب, فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا١.
وما أشبه اليوم بالبارحة، فالمضايقات الاقتصادية والتحفظ في السجون والضغط الاجتماعي على البيوت المؤمنة هو نفس الأسلوب القديم الذي استعملته المواجهة القرشية ضد الدعوة والداعية.
إن شاب قريش وفتاها عمر بن الخطاب قد أعلن إسلامه بطريقة مجاهرة تتحدى جاذبية قريش ومجابهتها, فقد تظاهر المسلمون في
стр. 421
موكب تحفه الملائكة، وتغشاه الرحمة، وتنزل عليه السكينة، وتحرسه جنود الله، ويتصدره النبي الأمين الكريم ﷺ ويأخذ الموكب اتجاهه نحو الكعبة, وعمر في المقدمة يكبر: الله أكبر الله أكبر، فتنخلع قلوب الكفرة وتموت شهامتهم من رعدة الخوف التي ألمت بهم, وبهذا يكتسب الإسلام "آديولوجية" جديدة, وتتخذ الدعوة لها وضعا خاصا فيه نشوة وعافية وراحة, وتبدو الصورة بعد هذا الموكب الكريم:
١- انتشار الإسلام وسط الأمة العربية اتخذ طريقه رغم أنف قريش.
٢- وانتشاره خارج الوسط العربي إلى حدود الحبشة تحت رعاية ملك كريم مؤمن مسلم رد سفراءهم بالخيبة والندم والحسرة.
٣- صناديد المجابهة وكبراء العمل العدائي للدعوة بدءوا يدخلون في دين الله عن طواعية وحب وتعقل.
٤- احتضان النجاشي لبعض رجالات قريش ونسائها من طغيان قريش نفسها إذا قيس بالخلقية العربية فيه مرارة عار على قريش وخزي لهم.
ولكنهم بدلا من أن يتعقلوا المسائل ويوازنوا الأمور خسارة وربحا ويحصوا ما أراقوه من عرق وتفكير وجلد وحبس وطرد وسب ولعن وحرمان دون فائدة ما، والدعوة لا تزال تعيش وتنمو وتتحرك وتتمدد حتى خرجت من البطون العربية السمراء إلى بطون من الحبشة رحبوا
стр. 422
بها وآنسوها وهدهدوا على مصابها بالأمن والطمأنينة بدل كل هذا ركبت قريش رأسها, واتخذت طريقا مخبولا لا يقدره فكر دبلوماسي واع، ولا يقدم عليه عقل سياسي حصيف، فقررت الحصار الاقتصادي والاجتماعي على الدعوة والداعية والأتباع ومن لاذ بهم من غير المسلمين.
فما زادت قريش بهذا الخبل تقدما ولا أحرزت نصرا بل انتكست على أعقابها كما تنتكس في كل مرة وكما ينتكس المجابهون للدعوة دائما في كل عصر ومكان، فقد مشى هشام بن عمرو بن الحارث العامري إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وأمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال: يا زهير! أرضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت لا يبايعون ولا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟
أما إني أحلف بالله لو كان أخوال أبي الحكم بن هشام, ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا، قال: ويحك يا هشام؟ فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد, والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها قال: وجدت رجلا؟ قال: من هو؟ قال: أنا، قال له زهير: أبغنا ثالثا فذهب إلى المطعم بن عدي بن نوفل ابن عبد مناف فقال له: يا مطعم! أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف, وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه؟
أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا قال: ويحك فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، قال: وجدت ثانيا, قال: من هو؟ قال: أنا, قال: أبغنا ثالثا, قال: قد فعلت, قال: من هو؟ قال:
стр. 423
زهير بن أبي أمية قال: أبغنا رابعا. فذهب إلى ابن البختري بن هشام, فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدي, فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم, قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك, قال: أبغنا خامسا, فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد, فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم, فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعو إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمى له القوم فاتعدوا له "خطم الحجون" الذي بأعلى مكة, فاجتمعوا هنالك وأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها١.
وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها, فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ما كان "باسمك اللهم"٢.
وهكذا عندما يسلم الداعية أمره لله, ويبلغ رسالات ربه, ويخشاه, ولا يخشى أحدا إلا الله تأتي أسباب النصر، وينقسم المجابهون على أنفسهم، وينصر الله دعوته بمثل هذا الرجل الفاجر، ويبقى للداعية أنه احتسب جهاده لوجه الله الكريم.
٧- مهاترات بطلب المعجزات:
لم تكن دعوة الإسلام دعوة لقوم أو لجنس، كذلك لم تكن دعوة جيل أو زمن محدد معلوم.
стр. 424
وهي كذلك لم تعتمد في عملها على القهر, والتسلط على العقل أو المشاعر.
إنها دعوة عامة للبشر وهي دين الله الخاتم للناس جميعا، ثم هي دعوة قائمة على الحجة الواضحة والبيان النير، لقد كانت دعوة بالدليل الذي يحترم العقل وقدمت له وسائل المعرفة واضحة جلية متعددة الألوان مثاني تلون البراهين؛ ليستجيب العقل والقلب والوجدان والإحساس حتى يكرم الإنسان ذاته بالإيمان بالله، ويقدر قدر نفسه بعيدا عن الشركة العامة مع الحيوانات إن لم يكرم نفسه بالإيمان بربه الذي خلقه وعدله, وأكرمه, في أحسن صورة ما شاء الله ركبه، ثم جعل له عينين ولسانا وشفتين وهداه النجدين، وبعث في مشاعره إحساسا فطريا بالحنين إلى الإيمان بالله الأحد الفرد الصمد.
ومع أن القوم لا يختلفون في هذا مع الدعوة والداعية, وأنهم دائما يفتخرون بالنسب إلى "إبراهيم" ﵇, ولكنهم جابهوا الدعوة بعنف متغيظ محموم, فلما فشلت المجابهة بألوانها المتعددة واستعلت الجماعة الإسلامية بإيمانها فوق كل ضغوط العمل العدائي من كفار قريش لم يسع قريش إلا أن يسلكوا سبيل المهاترات فاتجهوا إلى أسلوب منحرف على المنهج الإنساني الكريم, لقد سألوا رسول الله ﷺ أن ينزل على هواهم, ويعمل في الأرض لهم معجزات، لقد طلبوا آيات مادية، وزعموا أنها إن جاءتهم يؤمنون.
стр. 425
يقول ابن هشام:
قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا, فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به, فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا, وليبسط لنا بلادنا, وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول: أحق أم باطل؟ فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك, وعرفنا به منزلتك من الله, وأنه بعثك رسولا كما تقول١.
ولكن الرسول ﷺ يرد عليهم بقوله:
"ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بيني وبينكم".
فيعودون لمثل ما قالوا, قالوا:
فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك: سل أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي, فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم٢.