موكب تحفه الملائكة، وتغشاه الرحمة، وتنزل عليه السكينة، وتحرسه جنود الله، ويتصدره النبي الأمين الكريم ﷺ ويأخذ الموكب اتجاهه نحو الكعبة, وعمر في المقدمة يكبر: الله أكبر الله أكبر، فتنخلع قلوب الكفرة وتموت شهامتهم من رعدة الخوف التي ألمت بهم, وبهذا يكتسب الإسلام "آديولوجية" جديدة, وتتخذ الدعوة لها وضعا خاصا فيه نشوة وعافية وراحة, وتبدو الصورة بعد هذا الموكب الكريم:
١- انتشار الإسلام وسط الأمة العربية اتخذ طريقه رغم أنف قريش.
٢- وانتشاره خارج الوسط العربي إلى حدود الحبشة تحت رعاية ملك كريم مؤمن مسلم رد سفراءهم بالخيبة والندم والحسرة.
٣- صناديد المجابهة وكبراء العمل العدائي للدعوة بدءوا يدخلون في دين الله عن طواعية وحب وتعقل.
٤- احتضان النجاشي لبعض رجالات قريش ونسائها من طغيان قريش نفسها إذا قيس بالخلقية العربية فيه مرارة عار على قريش وخزي لهم.
ولكنهم بدلا من أن يتعقلوا المسائل ويوازنوا الأمور خسارة وربحا ويحصوا ما أراقوه من عرق وتفكير وجلد وحبس وطرد وسب ولعن وحرمان دون فائدة ما، والدعوة لا تزال تعيش وتنمو وتتحرك وتتمدد حتى خرجت من البطون العربية السمراء إلى بطون من الحبشة رحبوا
стр. 422
بها وآنسوها وهدهدوا على مصابها بالأمن والطمأنينة بدل كل هذا ركبت قريش رأسها, واتخذت طريقا مخبولا لا يقدره فكر دبلوماسي واع، ولا يقدم عليه عقل سياسي حصيف، فقررت الحصار الاقتصادي والاجتماعي على الدعوة والداعية والأتباع ومن لاذ بهم من غير المسلمين.
فما زادت قريش بهذا الخبل تقدما ولا أحرزت نصرا بل انتكست على أعقابها كما تنتكس في كل مرة وكما ينتكس المجابهون للدعوة دائما في كل عصر ومكان، فقد مشى هشام بن عمرو بن الحارث العامري إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وأمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال: يا زهير! أرضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت لا يبايعون ولا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟
أما إني أحلف بالله لو كان أخوال أبي الحكم بن هشام, ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا، قال: ويحك يا هشام؟ فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد, والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها قال: وجدت رجلا؟ قال: من هو؟ قال: أنا، قال له زهير: أبغنا ثالثا فذهب إلى المطعم بن عدي بن نوفل ابن عبد مناف فقال له: يا مطعم! أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف, وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه؟
أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا قال: ويحك فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، قال: وجدت ثانيا, قال: من هو؟ قال: أنا, قال: أبغنا ثالثا, قال: قد فعلت, قال: من هو؟ قال:
стр. 423
زهير بن أبي أمية قال: أبغنا رابعا. فذهب إلى ابن البختري بن هشام, فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدي, فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم, قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك, قال: أبغنا خامسا, فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد, فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم, فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعو إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمى له القوم فاتعدوا له "خطم الحجون" الذي بأعلى مكة, فاجتمعوا هنالك وأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها١.
وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها, فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ما كان "باسمك اللهم"٢.
وهكذا عندما يسلم الداعية أمره لله, ويبلغ رسالات ربه, ويخشاه, ولا يخشى أحدا إلا الله تأتي أسباب النصر، وينقسم المجابهون على أنفسهم، وينصر الله دعوته بمثل هذا الرجل الفاجر، ويبقى للداعية أنه احتسب جهاده لوجه الله الكريم.
٧- مهاترات بطلب المعجزات:
لم تكن دعوة الإسلام دعوة لقوم أو لجنس، كذلك لم تكن دعوة جيل أو زمن محدد معلوم.
стр. 424
وهي كذلك لم تعتمد في عملها على القهر, والتسلط على العقل أو المشاعر.
إنها دعوة عامة للبشر وهي دين الله الخاتم للناس جميعا، ثم هي دعوة قائمة على الحجة الواضحة والبيان النير، لقد كانت دعوة بالدليل الذي يحترم العقل وقدمت له وسائل المعرفة واضحة جلية متعددة الألوان مثاني تلون البراهين؛ ليستجيب العقل والقلب والوجدان والإحساس حتى يكرم الإنسان ذاته بالإيمان بالله، ويقدر قدر نفسه بعيدا عن الشركة العامة مع الحيوانات إن لم يكرم نفسه بالإيمان بربه الذي خلقه وعدله, وأكرمه, في أحسن صورة ما شاء الله ركبه، ثم جعل له عينين ولسانا وشفتين وهداه النجدين، وبعث في مشاعره إحساسا فطريا بالحنين إلى الإيمان بالله الأحد الفرد الصمد.
ومع أن القوم لا يختلفون في هذا مع الدعوة والداعية, وأنهم دائما يفتخرون بالنسب إلى "إبراهيم" ﵇, ولكنهم جابهوا الدعوة بعنف متغيظ محموم, فلما فشلت المجابهة بألوانها المتعددة واستعلت الجماعة الإسلامية بإيمانها فوق كل ضغوط العمل العدائي من كفار قريش لم يسع قريش إلا أن يسلكوا سبيل المهاترات فاتجهوا إلى أسلوب منحرف على المنهج الإنساني الكريم, لقد سألوا رسول الله ﷺ أن ينزل على هواهم, ويعمل في الأرض لهم معجزات، لقد طلبوا آيات مادية، وزعموا أنها إن جاءتهم يؤمنون.
стр. 425
يقول ابن هشام:
قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا, فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به, فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا, وليبسط لنا بلادنا, وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول: أحق أم باطل؟ فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك, وعرفنا به منزلتك من الله, وأنه بعثك رسولا كما تقول١.
ولكن الرسول ﷺ يرد عليهم بقوله:
"ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بيني وبينكم".
فيعودون لمثل ما قالوا, قالوا:
فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك: سل أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي, فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم٢.
стр. 426
فقال لهم رسول الله ﷺ :
"ما أنا فاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم".
ولكنهم يستمرون في المهاترات فيقولون: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل.
فقال لهم رسول الله ﷺ :
"ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل".
قالوا: يا محمد أفما علم ربك أنا سنجلس معك, ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب, فيتقدم إليك, فيعلمك ما تراجعنا به, ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا؟ إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له: "الرحمن"، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، أو تهلكنا١.
عندئد لا مجال للرد عليهم ولا الاستماع منهم.
يقول ابن هشام:
فلما قالوا ذلك لرسول الله ﷺ قام عنهم٢.
стр. 427
ولكن بقية من هذا الفكر الرجعي الجاهلي ما زالت تريد أن تلاحق الرسول ﷺ تطيل في المماحكة والمراء والمهاترة.
لقد قام مع النبي ﷺ عبد الله بن أبي أمية ابن المغيرة وهو ابن عمة النبي -صلى الله على وسلم- أمه عاتكه بنت عبد المطلب، وكان المفروض أن يقول عبد الله هذا كلاما لينا يسري به عن رسول الله ﷺ بحكم القرابة القريبة وصلة الرحم، ولكنه كان واحدا من الرجعيين لقد كان منكرا رجعيا ممتازا فقال: يا محمد! عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، فوالله لا أومن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك١.
وإذن فلم يطلب عبد الله بن أبي أمية معجزة؟ إن كان الأمر هو الإصرار على المماحكة والمجابهة وإغلاق العقل وقفل البصيرة وكراهية الحق؟
стр. 428
لقد كشفت هذه المقالة عن دوافع طلب المعجزة، وفضحت المخطط الفكري الرجعي تجاه الدعوة الإسلامية: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُون﴾ ١.
ولم تكن مقالة عبد الله بن أمية مقالة يتيمة لقد كانت رأس فتنة يتحدث بها الرجعيون لقد قالها زمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث والأسود بن عبد يغوث. وأبي بن خلف، والعاص بن وائل، قالوا: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس, ويرى معك٢, فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم:
﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ٣.
ويسجل القرآن هذه المرحلة من العمل العدائي الذي واجه به الرجعيون دعوة الإسلام يقول الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا، وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ
стр. 429
وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا، وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ١.
لقد قصروا إدراكهم عن التطلع إلى آفاق الإعجاز القرآني فراحوا يطلبون تلك الخوارق المادية ويتعنتون في اقتراحاتهم الدالة على الطفولة العقلية، أو يتبجحون في حق الذات الإلهية بلا أدب ولا تحرج، لم ينفعهم تصريف القرآن للأمثال, والتنويع فيها؛ لعرض حقائقه في أساليب شتى تناسب شتى العقول والمشاعر وشتى الأجيال والأطوار، فأبى أكثر الناس إلا كفورا، وعلقوا إيمانهم بالرسول ﷺ على تعللات مادية: يفجر لهم من الأرض ينبوعا ... إلخ.
فتبدو طفولة الإدراك والتصور الرجعي الجاهلي في هذا التعنت الساذج، وتبدو معالم تخبطاتهم ومماحكاتهم في تسويتهم بين بيت من زخرف وعروج إلى السماء، أو بين تفجير ينبوع من الأرض ومجيء الله جل شأنه وتعالى جده ومعه الملائكة قبيلا٢ إن الذي يجمع في تصوره بين هذه المقترحات كلها إنما هو رجل مختل العقل فاقدا لعنصر الاتزان والتعقل في تفكيره.
يقول السهيلي:
وذكر ما سأله قومه من الآيات وإزالة الجبال عنهم، وإنزال الملائكة عليه وغير ذلك جهلا منهم بحكمة الله تعالى في امتحانه
стр. 430
الخلق وتعبدهم بتصديق الرسل, وأن يكون إيمانهم عن نظر وفكر في الأدلة, فيقع الثواب على حسب ذلك، ولو كشف الغطاء وحصل لهم العلم الضروري بطلت الحكمة التي من أجلها يكون الثواب والعقاب, إذ لا يؤجر الإنسان على ما ليس من كسبه كما لا يؤجر على ما خلق فيه من لون وشعر ونحو ذلك، وإنما أعطاهم من الدليل ما يقتضي النظر فيه العلم الكسبي, وذلك لا يحصل إلا بفعل من أفعال القلب، وهو النظر والدليل وفي وجه دلالة المعجزة على صدق الرسول، وإلا فقد كان قادرا سبحانه أن يأمرهم بكلام يسمعونه ويغنيهم عن إرسال الرسل إليهم، ولكنه سبحانه قسم الأمر بين الدارين, فجعل الأمر يعلم في الدنيا بنظر واستدلال وتفكر واعتبار؛ لأنها دار تعبد واختيار، وجعل الأمر يعلم في الآخرة بمعاونة واضطرار١.
يقول صاحب الحلبية:
وإذا كانت الحجج والبراهين لم تفدهم شيئا من الهدى, فطلب الهدى منهم بتلك الحجج تعب لا يفيد شيئا، وإذا ضلت العقول عن طريق الحق مع علم منها بتلك الطرق, فأي قول يقوله العظماء٢.
وقد جاءت هذه الآيات في سورة الإسراء بعد قوله تعالى:
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ .
стр. 431
قال الواحدي:
سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعون, فقيل له:
إن شئت أن تستأتي بهم لعلنا نجتبي منهم وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا, فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم؟ قال: لا، بل أستأتي بهم, فأنزل الله : ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ ١.
قال السهيلي:
إن التكذيب بالآيات نحو ما سألوه من إزالة الجبال عنهم, وإنزاله الملائكة يوجب في حكم الله ألا يلبث الكافرين بها, وأن يعاجلهم بالنقمة كما فعل بقوم صالح وبآل فرعون، فلو أعطيت قريش ما سألوا من الآيات وجاءهم بما اقترحوا ثم كذبوا لم يلبثوا، ولكن الله أكرم محمدا في الأمة التي أرسله إليهم، إذ سبق في عمله أن يكذب به من يكذب ويصدق به من يصدق وابتعثه رحمة للعالمين، بر وفاجر، أما البر، فرحمته إياهم في الدنيا والآخرة وأما الفاجر، فإنهم أمنوا من الخسف والغرق وإرسال حسبان عليهم من السماء٢.
لهذا فإن الدعوة الإسلامية لم تعتمد على إعجاز مادي؛ لأنها خالدة إلى يوم القيامة, وعامة لكل جيل من البشر في أي مكان على وجه البسيطة.
стр. 432
والمعجزات المادية تأتي لرسالات محدودة وقوم مخاطبون بإصلاح أنفسهم من نبي خاص لهم فإذا لم ينصاعوا حقت عليهم الإبادة كمثل الذين خلوا من قبل.
على أن الخوارق ليست مما يغني النبي في دعوة المكابر المفتون, فإنه يزعم أنها ضرب من السحر١.
ولقد انصدع قلب أبو جهل رعبا لما طرق النبي ﷺ بابه وأمره أن يسدد الدين الذي عليه للأراشي. وأطاع وخضع ودفع الدين, ولكنهم فسروا هذا الانصياع بالسحر.
ومرة أخرى يتوعد أبو جهل رسول الله ﷺ بإلقاء حجر عليه ويمضي ليفعل فإذا هو راجع يلبس ثوب الخوف وخفي الهلع, فلما سئل وأجاب عما رآه قالوا لقد سحرك.
وعقبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة لما سمعا القرآن ورقت أفئدتهما وهشوا وبشوا للكتاب العزيز, قالوا لهما: لقد سحركما.
وقد ضرب القرآن الكريم أمثلة للذين كانوا يشاهدون الآيات ثم لم يؤمنوا بها، لقد ضرب المثل بقوم ثمود الذين جاءتهم الناقة وفق ما طلبوا واقترحوا وكانت آية واضحة لكنهم ظلموا بها وأوردوها مورد الهلكة فأخذهم الله أخذة رابية، وأهلكوا بالطاغية.
هذه التجارب اقتضت أن تجيء الرسالة الأخيرة غير مصحوبة بخوارق مادية؛ لأنها رسالة الإنسان على وجه الأرض، إنها رسالة
стр. 433
الأجيال المتعاقبة جميعا، وهي رسالة الرشد البشري تخاطب في الإنسان مداركه وعقله ووجدانه جيلا إثر جيل، إنها رسالة تحترم الإنسان وتميزه ببشريته عن كل ما خلق الله من ذي روح ونفس رطبة.
وآية هذا الخطاب هي معجزة القرآن ذاته وهو كتاب مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أبدا, إنه يرسم منهجا كاملا للحياة، ويخاطب الفكر والقلب ويلبي الفطرة القوية، ثم يبقى مفتوحا للأجيال المتعاقبة كلها تقرؤه وتتدبره وتؤمن به وتطبقه إلى يوم القيامة لتحظى في الدارين بالسعادة ورضوان الله١.
أما الخوارق التي وقعت للرسول ﷺ فإنها لم تتخذ إطار المعجزة التي تقوم برهانا على صدق الرسالة والنبوة، وفي مقدمتها انشقاق القمر.
فهو على الرغم من أنه حدث وقع تاريخيا وثبت بالسنة على نحو ما رواه البخاري: انشق القمر ونحن مع النبي ﷺ بمنى فقال: "اشهدوا" , وذهبت فرقة نحو الجبل. وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله: انشق القمر بمكة. وتابعه محمد بن مسلم عن ابن نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله٢.
стр. 434
وهو حادث واجه به القرآن الكريم جماعة المشركين في حينه, ولم يُرو عنهم تكذيب لوقوعه, فهو قد وقع فعلا بصورة يتعذر معها التكذيب، حتى ولو على سبيل المراء الذي كانوا يتذرعون به, غير أنه روي عنهم أنهم قالوا: سحرنا، ولكنهم أنفسهم اختبروا الأمر فعرفوا أنه ليس سحرا، قال في الحلبية:
فقال رجل منهم: إن محمدا إن كان سحر القمر أي بالنسبة إليكم فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها، فاسألوا أهل الآفاق، وفي لفظ: انظروا ما يأتيكم به السفار, حتى تنظروا هل رأوا ذلك أم لا؟ فأخبروا أهل الآفاق, وفي لفظ: فجاء السفار وقد قدموا من كل وجه, فأخبروهم أنهم رأوه منشقا, فعند ذلك قالوا: هذا سحر, فأنزل الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ١.
لكن كون هذا لانشقاق تم كاستجابة لطلب المشركين في مكة فذاك قدر لا يصح التسليم به؛ لأن النصوص القرآنية الصريحة تمنعه، ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ , فمفهوم هذه الآية أن حكمة الله اقتضت منع الاستجابة لهم بالخوارق المادية لما كان من تكذيب السابقين الأولين بها.
стр. 435
وفي كل مناسبة طلب المشركين آية من رسول الله ﷺ كان الرد بالرفض.
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَأُهُ﴾ ١.
تلك هي المطالب:
فأما الجواب فهو: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ .
فالقول بأن انشقاق القمر كان استجابة لطلب المشركين خارقة قول متجاف مع النص القرآني والموقف النبوي الذي وضحته آيات سورة الإسراء ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ .
ويقوي هذا الفهم موقف الإمام ابن حجر من طرق الحديث التي تذكر أن انشقاق القمر كان عقب سؤال المشركين، قال ابن حجر: "ولم أر في شيء من طرقه أن ذلك كان عقب سؤال المشركين إلا في حديث أنس"٢.
стр. 436
وعلى ذلك فقوله في روايته: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية من المراسيل كما قال ابن حجر لأن أنسا لم يدرك هذه القصة، وقد جاءت هذه القصة من حديث ابن عباس وهو أيضا ممن لم يشاهدها لكن روايته ليس فيها الصدر الذي جاء في رواية أنس١.
وعلى هذا فطلب المعجزات لم يلب من الله ولا من رسوله ﷺ لأنه اتجاه يبعد الرسالة الخاتمة من أساسياتها وينئيها عن وظيفتها ويبعد العقل والقلب عن آيات الله القائمة في النفس والآفاق وفي التاريخ والكون.
أما ما وقع لرسول الله ﷺ فكان إكراما من الله لرسوله ﷺ لا دليلا لا ثبات رسالته ونبوته.
يقول: المسلم الفرنسي اتين دينه
إن معجزة الأنبياء الذين سبقوا محمدا كانت في الواقع معجزات وقتية وبالتالي معرضة للنسيان السريع بينما نستطيع أن نسمي معجزة الآيات القرآنية "المعجزة الخالدة" ذلك أن تأثيرها دائم ومفعولها مستمر، ومن اليسير على المؤمن في كل زمان وفي كل مكان أن يرى هذه المعجزة بمجرد تلاوة كتاب الله، وفي هذه المعجزة نجد التعليل الشافي للانتشار الهائل الذي أحرزه الإسلام ذلك الانتشار الذي لا يدرك سببه الأوربيون؛ لأنهم يجهلون القرآن، أو لأنهم لا يعرفونه إلا من خلال ترجمات لا تنبض بالحياة فضلا عن أنها غير دقيقة.
стр. 437
أن الجاذبية الساحرة التي يمتاز بها هذا الكتاب الفريد بين أمهات الكتب العالمية لا تحتاج منا نحن المسلمين إلى تعليل ذلك أننا نؤمن بأنه كلام الله أنزله على رسوله١.
ومن ثم فإن هذا الرجل الفرنسي العظيم يقول عن انشقاق القمر:
أننا لا نستطيع تصديق تلك المعجزة المزعزعة؛ لأنها تتنافى صراحة مع الكثير من آيات القرآن يقول الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ .
وما أقل تأثير المعجزات فيما مضى من التاريخ, لقد عبد بنو إسرائيل العجل بعد أن أنقذهم موسى بمعجزته من لجة البحر, ومن طغيان فرعون, وما كان أهل مكة المشركون ليتأثروا بالمعجزة أكثر من غيرهم من بني البشر فإن الطبيعة الإنسانية واحدة. اهـ٢.
غير إنني لا أملك أمام الكثرة الكثيرة من الأحاديث الصحيحة إلا أن أقول: إنه ليس في الوسع تكذيب حادثة انشقاق القمر لكنها وقعت لا على أنها دليل في مواجهة مطالب المشركين لإثبات الرسالة، بل هي وقعت كما تقع خوارق كثيرة لرسول الله ﷺ .
ولو سلمنا بأن حادثة انشقاق القمر كانت استجابة لمطلب المشركين لبقي سؤال عسير الجواب، لماذا لم يستجب القرآن ورسول الله ﷺ لباقي مطالب القوم فيا ربما كانوا يسلمون؟
стр. 438
وهذا هو ما نفته الآيات البينات: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ .
ولم ترسل الآيات لتحمل الناس على الإيمان وإنما ترسل كما قال الله جل شأنه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ .
على أن القوم كانوا لا يكذبون رسول الله ﷺ ولا يعتقدون في قرارة أنفسهم أنه ليس رسولا, فلقد كانوا يقولون إذا مر عليهم: إن غلام بني هاشم هذا ليكلم من السماء, فكانوا على ذلك حتى عاب آلهتهم التي كانوا يعبدون, وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا كفارا, فغضبوا لذلك وعادوه١.
فالقوم ليسوا في حاجة إلى معجزة مادية وخارقة تخسف بهم الأرض حتى يصدقوا ويؤمنوا، فإنهم ليعرفونه نبيا رسولا كما يعرفون أنفسهم وأولادهم, ولكنهم مهاترون مكابرون, وصدق الله العلي العظيم:
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٢.
стр. 439
ثانيا: لماذا كفرت قريش ؟
تدل المرحلة التمهيدية في الباب الأول والثاني١ على أن مرحلة التوعية كانت لها وظيفة هامة في توعية المجتمع؛ لاستقبال الرسالة الخاتمة والحياة الدينية في مكة في هذا الوقت السابق على البعثة كان فيها نظام حنيفي موحد.
والقوم كانوا ينتسبون إلى جدهم الأكبر إبراهيم المسلم الحنيف.
والمنهج الذي ملكته الدعوة له أصالة ذاتية في الحصول إلى ثمار جيدة النوع والمحصول، ولكن قريشا جابهت الدعوة مجابهة عنيدة عنيفة فلماذا؟
لما رفضت قريش دعوة الله؟
أرفضتها عن اعتقاد في عدم صحتها؟
أم رفضتها لأسباب أخرى؟
أما الإجابة على السؤال الأول: فإنها لم ترفض الدعوة اعتقادا في عدم صحتها.
فالوليد بن المغيرة يشهد ويقسم:
والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة٢.
стр. 440
وعتبة بن ربيعة يقول لقومه:
قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم١.
والنضر بن الحارث وهو رأس العداء للدعوة يقول لقومه وقد أصابتهم "حيرة وتلجلج": "يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم ساحر، لا، والله ما هو بساحر"٢.
وقد أرسلت قريش وفدا منها إلى أحبار اليهود يسألونهم عن محمد ﷺ لقد بعثوا وفدا مكونا من عضوية النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط, وكلاهما يكن للدعوة والداعية بغضا وكرها ويريد بجدع الأنف أن يصل إليهما بسوء, وسألا أحبار اليهود, فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن, فهو نبي مرسل, وإن لم يفعل فالرجل متقول, فروا فيه رأيكم.
سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم، فإنه قد كان لهم حديث عجيب.
стр. 441
وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟
وسلوه عن الروح ما هي؟
فإذا أخبركم بذلك, فاتبعوه فإنه نبي, وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم١.
ورجع الوفد وسألوا النبي ﷺ ونزل القرآن الكريم حسبما شاء الله أن يوحي إلى نبيه، وعرفوا أنه الحق, ولكنهم مع ذلك لم يؤمنوا.
وإذن فقريش رفضت دعوة الإسلام لا عن اعتقاد في عدم صحتها، ولكنها رفضت الدعوة لعلل وأسباب أخرى يمكن تركيزها في الأسباب الرئيسية التالية:
١- الاستعلاء والتكبر.
٢- جبرية التقاليد والعادات.
٣- العنصرية القبلية أو القومية الخاصة.
٤- جاهلية المقاييس.
٥- الحساسية الخاصة: الحسد، والخوف على مصير الآباء.
٦- ضعف الإرادة أمام تعاليم الإسلام.
стр. 442
تلك هي جملة من الأسباب التي يمكن أن تفسر لنا لماذا كفرت قريش وردت دعوة الله, وهم يعلمون أنها الحق المبين من ربهم ورب جدهم إبراهيم ﵇.
١- الاستعلاء والتكبر:
في أوبة من رحلة بعيدة دار حديث بين أمية بن أبي الصلت, وأبي سفيان بن حرب.
قال أمية لأبي سفيان:
يا أبا سفيان هل لك أن تتقدم على الرفقة فنتحدث؟
قال أبو سفيان: نعم.
وفعلا الرجلان وتحدثا عن شأن النبوة القادمة المنتظرة.
قال أمية: إني كنت أجد في كتبي نبيا يبعث من حرتنا هذه فكنت أظن, بل كنت لا أشك أني أنا هو، فلما دارست أهل العلم إذا هو من بني عبد مناف, فنظرت في بني عبد مناف فلم أجد أحدًا يصلح لهذا الأمر غير عتبة بن ربيعة, فلما أخبرتني بسنه عرفت أنه ليس هو حين جاوز الأربعين ولم يوح إليه.
قال أبو سفيان: فضرب الدهر ضربة فأوحى إلى رسول الله ﷺ وخرجت في ركب من قريش أريد اليمن في تجارة, فمررت بأمية فقلت له كالمستهزئ به: يا أمية قد خرج النبي الذي كنت تنعته؟
قال: أما أنه حق فأتبعه.
قلت: ما يمنعك من اتباعه.
стр. 443
قال: ما يمنعني إلا الاستحياء من نساء ثقيف إني كنت أحدثهن أني هو ثم يرينني تابعا لغلام من بني عبد مناف١.
إنه الحسد والكبر إنه كان يريد أن يكون هو النبي، وأراد أن يكون النبي من قبيلته، ثم هو يتكبر أن يتبع محمدا ﷺ خوفا على كبريائه من فتيات قريش يعيرنه أنه صار تابعا بعد أن كان يدعي أنه النبي المنتظر.
واستمع رجال ثلاثة من قريش إلى النبي ﷺ في جوف الليل، وهو يصلي ويقرأ القرآن وعاودوا هذه المرة ثلاثا دون اتفاق منهم على اللقاء على الرغم من اتفاقهم على عدم العودة وهؤلاء الثلاثة هم: أبو سفيان بن حرب وأبو جهل والأخنس ابن شريق.
فلما كانت المرة الثالثة وتعاهدوا ألا يرجعوا إليها ذهب الأخنس بن شريق يسأل أبا جهل رأيه فيما سمع, فقال أبو جهل:
"ماذا سمعت: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا, وحملوا فحملنا, وأعطوا فأعطينا حتى إذا تحاذينا على الركب, وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى تدرك مثل هذه, والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه"٢.
стр. 444
هي عنصرية قبلية وحسد قومي واستعلاء وتكبر أن يخضع بنو مخزوم لبني عبد مناف, ولكن الرسالة أسمى من كل ما جال في خاطر أبي جهل١.
ومرة أخرى يتنفس أبو جهل الصعداء, ويقول وهو محموم الصدر إلى الوليد بن المغيرة:
والله إني لأعلم أنه صادق.
فقال له الوليد: "مه" وما دلك على ذلك؟
قال: يا أبا عبد شمس كنا نسميه في صباه الصادق الأمين, فلما تم عقله وكمل رشده نسميه الكذاب الخائن؟ والله إني لأعلم أنه صادق.
قال الوليد: فما يمنعك أن تصدقه وتؤمن به.
قال أبو جهل: تتحدث عني بنات قريش أني اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة، واللات والعزى إن اتبعته أبدا.
إن أبا جهل يخشى بنات قريش كما كان يخشاهن أمية أنه ترفع تدفع إليه مقاييس عاطفية تضع في حسابها كلام النساء, فترتعد منهن وتتأبى على الله ورسوله من أجل كلامهن فما أبخس المقياس, وما أتعس حظ الجاهلين:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا، اسْتِكْبَارًا
стр. 445
فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ ١.
٢- جبرية العادات والتقاليد:
﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ ٢.
﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُون﴾ ٣.
كانت الدعوة الإسلامية نقلة جديدة لحياة الإنسان في التصور والسلوك في العقيدة والأخلاق والمعاملات، وقد درج الأولون على أسلوب خاص ارتبط في أذهانهم ومشاعرهم بالمواريث الاجتماعية التي يمجدون فيها الآباء والأجداد.
فإذا تليت عليهم آيات الله البينات قالوا:
﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ ٤.
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ ٥.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ٦.
стр. 446
إنهم دائما يتعللون:
﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١.
وقد ظهر ذلك في سلوكهم وأقوالهم:
كان عتبة بن ربيعة سيدا في قومه قال لهم يوما وهو جالس في نادي قريش:
يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه, وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها, فنعطيه أيها شاء ويكف عنا, فقالوا له: بلى يا أبا الوليد قم إليه فكلمه٢.
وقام عتبة وعرض ما عرض على رسول الله ﷺ حتى إذا فرغ, قرأ عليه النبي ﷺ آيات من سورة "فصلت" وصغى إليها عتبة جيدا وعاد إلى قومه, وقد هش وجدانه وبش قلبه يتذوق ما لحلاوة الإيمان، ولكنه ما أسلم ولا آمن ولا رضي عنه، لأنه أوثق نفسه بأغلال ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ .
وكذلك شأن الوليد بن المغيرة ريحانة قريش ووحيدها في الشرف والسؤدد, اجتمع إليه نفر من قريش وقد حضر الموسم فقال لهم:
يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه, وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا, فأجمعوا فيه رأيا واحدا
стр. 447
ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا, ويرد قولكم بعضه بعضا قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به.
قال: بل أنتم فقولوا أسمع؟
قالوا: نقول كاهن.
قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه.
قالوا: فنقول مجنون.
قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته.
قالوا: فنقول شاعر.
قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر.
قالوا: فنقول ساحر.
قال: ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم, فما هو بنفثهم ولا عقدهم.
قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟
قال: والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة, وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل وإن أقرب القول
стр. 448
فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته, فتفرقوا عنه بذلك١.
الآن يثبت الوليد بن المغيرة صفة السحر مع أنه كان قد نفاها ونفى كل صفة قدمها القوم من قبل وحكم بأنهم لن يقولوا قولا مما قالوه إلا عرف بأنه باطل, ثم وصف القرآن بأن له الحلاوة وأن فرعه لجناة ... إلخ.
فلماذا انتكس الوليد؟
لقد انتكس كما انتكس ابن أخيه أبو جهل في حمأة التقاليد وجبرية العادات, فما استطاعوا أن ينقبوها ليخلصوا إلى دين الله الحق المبين.
٣- العنصرية القبلية "القومية":
كان أمية بن أبي الصلت ينتظر نبوة في العرب لقد كان يتمناها لنفسه, فلما بعث رسول الله ﷺ أخبره أبو سفيان بن حرب صديقه ونديمه ثم سأله:
فأين أنت منه يا أبا عثمان؟
فقال أمية: والله ما كنت لأؤمن برسول من غير ثقيف أبدا٢.
стр. 449
إنها كلمة الجاهلية: لكذاب ربيعة خير عندي من صادق مضر.
هي الداء الذي يعانيه الحق وأنصاره من العاطفيين القوميين أو العنصريين الأرضيين.
وكان لأبي جهل مثل هذا المنطق فيما يرويه المغيرة بن شعبة قال:
إن أول يوم عرفت رسول الله ﷺ إني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة إذ لقينا رسول الله ﷺ فقال رسول الله- ﷺ لأبي جهل: "يا أبا الحكم! هل إلى الله وإلى رسوله أدعوك إلى الله".
فقال أبو جهل: يا محمد هل أنت منته عن سب آلهتنا؟ هل أنت تريد أن نشهد أنك قد بلغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغت فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك.
إنه يقسم بالله أنه لو كان يعلم أن ما يقوله محمد ﷺ حق لاتبعه, فهل هو لا يعلم أنه حق؟ فلنرجع إليه ثانية لنراه بماذا يعقب على مقاله هذا في حديثه مع المغيرة حسبما يروي؟
فانصرف رسول الله ﷺ وأقبل علي فقال:
والله إني لأعلم أن ما يقول حق, ولكن يمنعني شيء أن بني قصي قالوا: فينا الحجابة, فقلنا: نعم, ثم قالوا: فينا السقاية, فقلنا: نعم, ثم قالوا: فينا الندوة. فقلنا: نعم, ثم قالوا: فينا اللواء،
стр. 450
فقلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منا نبي والله لا أفعل١.
إن أبا جهل يؤكد معرفته للنبوة وأن ما يقوله رسول الله ﷺ حق مشهود له, ولكنه ما زال يردد عصبيته لقومه وقبيلته، وأن النبوة شرف ضاع من بني مخزوم كما ضاع من بني ثقيف.
إن أبا أمية وأبا جهل معا يعرفان أن محمدًا رسول الله حقا وصدقا، ولكن قوميتهما وعنصريتهما وتعصبهما لقومهما أضاع عليهما نعمة الإيمان وحلاوة الإسلام.
٤- جاهلية المقاييس:
أ- اقتراح نبي خاص:
﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٢.
لقد كان رسول الله ﷺ من ذؤابة قريش, ثم كان من ذؤابة بني هاشم, وبنو هاشم في العلية من العرب, وكان رسول الله ﷺ سناما في الذؤابة العلية معروفا بسمو الخلق في بيئته قبل البعثة, لكنه ما كان زعيم قبيلة, ولا كان رئيس عشيرة لم يكن واحدا في مشيخة العرب وبيئتهم تعتز بمثل
стр. 451
هذه القيم فاعترضوا بقولهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وذلك تخبط في القيم والموازين, فاختيار الأنبياء واصطفاؤهم فضل يؤتيه الله لمن شاء من عباده ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ , وقد شاء الله جل شأنه أن لا يجعل لهذه الرسالة الأخيرة سندا من خارج طبيعتها ولا قوة من خارج حقيقتها, فاختار لها رجلا ميزته الكبرى الخلق، وهو من طبيعة هذه الدعوة، وسمته البارزة التجرد، وهو من حقيقة هذه الدعوة.
لم يختره ولم يجعله زعيما لقبيلة ولا رئيسا لعشيرة ولا صاحب جاه أو ثراء، حتى لا تلتبس قيمة من قيم هذه الأرض بقيم الدعوة الربانية النازلة من السماء، ولكي لا تزدان هذه الدعوة بحلية من حلى هذه الأرض لا تتفق مع حقيقتها في شيء, ولكي لا يكون هناك مؤثر مصاحب لها خارج عن ذاتها المجردة، ولكي لا يدخلها طامع ولا يتنزه عنها متعفف.
ولكن القوم كانت قد غلبت عليهم مقاييس الأرض, وضلوا في شعاب هذه المقاييس, فلم يدركوا الدعوة, فخلطوا في القيم والموازين: قيم الأرض وموازينها وقيم الدعوة وموازينها, وظنوا أن الوحي ينزل على هواهم فاقترحوا أحد رجلين للرسالة: الوليد بن المغيرة عم أبي جهل أو عروة بن مسعود الثقفي١، فرد الله عليهم موازينهم.
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ؟
стр. 452
يا عجبا ما لهم هم ورحمة الله وهم لا يملكون لأنفسهم شيئا ولا يحققون لأنفسهم رزقا؟ ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١.
فحتى رزق هذه الأرض الزهيد نحن الذين أعطينا هم إياه, وقسمناه بينهم وفق حكمتنا وتقديرنا لعمران هذه الأرض ونمو الحياة٢.
فما بالهم يدسون أنوفهم في نعمة عليا, اصطفى الله جل شأنه لها من ربى لها وأعد لرسالتها, وكانت له منذ الأزل, وكان هو لها منذ كان علم الله العزيز الحميد.
لقد كان القوم يعيشون في ظل مقاييس الجاهلية؛ إن الرياسة مرتبطة بالجاه والثروة, وإن الشرف بالأغنياء فقط, فضلوا بذلك عن سواء السبيل, وتلك واحدة من أسباب إعراض قريش عن دعوة الله.
الخوف من الضياع الاجتماعي والاقتصادي.
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
стр. 453
قال الواحدي:
"نزلت في الحارث بن عثمان بن عبد مناف, وذلك أنه قال للنبي ﷺ إنا لنعلم أن الذي تقول الحق، ولكن يمنعنا من اتباعك أن العرب تتخطفنا من أرضنا لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم١.
قال الخازن: نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف, وذلك أنه قال للنبي ﷺ إنا لنعلم أن الذي تقول حق ولكن إن اتبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرض مكة، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ .
وذلك أن العرب كانت في الجاهلية يغير بعضهم على بعض ويقتل بعضهم بعضا وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم٢.
فهي نظرة سطحية أرضية محدودة تمليها المقاييس الجاهلية وتوحي بها شيطانية الفروض العقلية والهوى النفسي.
فهم لا ينكرون أن الذي جاء به محمد هو الهدى ولكنهم يخافون.
مجرد خوف.
مجرد ظن.
стр. 454
مجرد شعور كاذب, يخافون أن يتخطفهم الناس, إنهم كانوا أيام الجاهلية في أمان ورد الله أبرهة الأشرم عن البيت الحرام, وهم يومئذ في تشوش من التوحيد, ومع هذا فقد آنسوا فضل الله ورحمته. إنه وحده الحامي وهو وحده المدافع.
وإن قوى الأرض كلها لا تملك أن تتخطف ريشة من جناح طائر ما لم يأذن بذلك الله, وهي في كنف الله وفي رحاب البيت العتيق, فلماذا يخافون أن تتخطفهم الناس؟
إن قوى الأرض كلها لا تملك أن تنصرهم إذ خذلهم الله، وهي كذلك لا تملك أن تضرهم إذا نصرهم الله.
إن العلة هي أن الإيمان لم يخالط قلوبهم, ولو خالطهم لتبدلت نظرتهم لمفهوم القوى, ولاختلف تقديرهم للأمور, ولعلموا أن الأمن لا يكون إلا في جوار الله, وأن الخوف لا يكون إلا في البعد عن هداه. وأن هدى الله موصول بالعزة, وأن هذه الوصلة حقيقة منشؤها أن الله هو الخالق, وهو المدبر, والذي يتبع هداه يستمد منه العون والحول والقوة, ويأوى بذلك إلى ركن شديد في واقع الحياة١.
٢- احتقار صنف من الناس:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ٢.
стр. 455
قال في المواهب:
كان أبو جهل يقول: ألا تعجبون إلى هؤلاء واتباعهم لو كان ما أتى محمدًا خيرا وحقا ما سبقونا إليه, أفتسبقنا زنبرة إلى رشد؟ ١ لقد كان إسراع الفقراء والموالي إلى الإسلام مغمزا في نظر الكبراء المستكبرين فراحوا يقولون: لو كان هذا الدين خيرا ما كان هؤلاء أعرف منا به ولا أسبق منا إليه, فنحن في مكاننا وسعة إدراكنا وحسن تقديرنا أعرف منهم بالخير.
لقد كان الاعتزاز الأجوف بالمراكز الاجتماعية والمنازل الاقتصادية
حاجبا لهذه الحفنة من الإيمان, وهو تصور لا يتفق مع معايير الإسلام, فإن الحقيقة التي يجاهد الإسلام في تركيزها في تصور البشر أن تستمد الأرض موازينها من الدعوة من السماء من عند الله, وهو أمر عظيم جدا عسير على الناس أن يتقبلوه إلا بمعركة، كانت العقيدة هي بدؤها حتى يخلص الناس لربهم ويتطهروا من قيم الأرض, وجلابيب العادات والتقاليد.
إن الميزان الذي ثقل على القوم هو: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
فهي القيمة الحقيقية التي يزن بها الإسلام أقدار الناس, وهي المعيار الذي يتفاضل الناس به, وما سوى ذلك فهو قتاد لا وزن له ولا معنى وإذن فقولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ﴾ تعلة مرتبطة
стр. 456
بجاهلية المقاييس التي لا تقرها قواعد, ولا تقيم لها وزنا, وقد قالها الذين كفروا من قبل فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون.
٥- الحساسية:
أ- الحسد. يقول ابن هشام:
فلما جاءهم رسول الله ﷺ بما عرفوا من الحق، وعرفوا صدقه فيما حدّث، وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه عما سألوه عنه, حال الحسد منهم له بينهم وبين اتباعه وتصديقه, فعتوا على الله, وتركوا أمره عيانا, ولجوا فيما هم عليه من الكفر, فقال قائلهم:
﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه يوما غلبكم١.
كان التطلع إلى الشرف عامل من عوامل الانحراف، قوته مقاييس الجاهلية الأولى واستقبلته بعض النفوس بالأنانية السوداء المردية, وكان من صورتها ومن ضحاياها أمية بن أبي الصلت الذي ردد في شعره توحيدا خالصا, وتمنى نبوة تخبره بما بعد الموت:
ألا رسول لنا منا يخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس محيانا٢
ولكنه يكفر لأن النبوة لم تنزل عليه.
стр. 457
قال ابن كثير: إن أمية قدم المدينة بعد بدر يريد لقاء رسول الله ﷺ فلما قيل له إن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما ابنا خاله قد قتلا في غزوة بدر, وهما الآن يرقدان في القليب جدع أذني ناقته وقطع ذنبها وتهيج بشعر سفيه, ثم رجع إلى مكة وترك الإسلام١.
فيالها من تفاهة وياله من صدأ يفسد النفس التي نطقت غابرا بالتوحيد, فلما جاءها الحق الذي تعرفه حسدت الناس على ما أتاهم الله من فضله.
وما تزال الدعوة الإسلامية حتى يومنا هذا تعاني من هذا الداء الدفين "الحسد" وما أتى الله به بعض دعاته من التوفيق لخدمة رسالة نبيه محمد بن عبد الله ﷺ فهل لهؤلاء إلى خروج من سبيل؟
ب- الخوف على آبائهم في الآخرة: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ، تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ، أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ ٢.
كانت هذه الآيات ونظائرها مما يصور اليوم الآخر, وما فيه من عذاب شديد للكافرين تزعج قلب الرجل المكي؛ لأنه مرتبط في تدينه الوثني بما كان عليه الآباء والأجداد.
стр. 458
فكانت تتزلزل قوائم عقله إذا تتلى عليه آيات فيها مصير الذين مضوا على الكفر, وهي مغالطة سول لهم الشيطان بها أن يجابهوا الدعوة ويكذبوها حتى يسلم آباؤهم من هذا الوعيد الشديد.
لقد كانت المشاعر المنحرفة والعقلية الخطابية تريد أن تقاوم الدعوة بهذا الفقه الأعرج الأعمى؛ لتقنع نفسها أن آباءهم الذين مضوا كانوا على شيء من الدين, وتلك حساسية جوفاء فإن الرسالة الإسلامية قد قررت:
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ١.
وذلك قانون نظمته الدعوة حتى تخف هذه الحساسية المرهفة نحو الآباء الذين ماتوا قبل البعثة, وكانوا في حياتهم على ضلالة لعدم بعث رسول يهديهم إلى طريق الصحيح.
وهي فرصة نفسية تقدمها الدعوة ليتعرفوا منها على حقيقتها وطبيعتها؛ لينقذوا أنفسهم من الظلمات والجاهلية التي يتخبطون فيها، ولكنهم حلوا وزينوا لأنفسهم التعلل بما كان عليه الآباء وزينوا لأنفسهم بالمغالطة مجابهة الدعوة؛ لينقذوا آباءهم من يوم القيامة وما أعد فيه للكافرين فضروا أنفسهم بذلك في معمعة الشيطان, وغمرتهم الإبليسية بموجها العاتي, فغرقوا في الضلالة ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم.
стр. 459
٦- ضعف الإرادة أمام سمو التعاليم الإسلامية:
﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ١.
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢.
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٣.
لقد كانت تعاليم الإسلام ومبادئ الدعوة في هذا العهد المكي تنقية كاملة للإنسان من أوشاب الشرك وأوشاب الخرافة, وتنقية للمجتمع من ضلالات الجاهلية, وتنقية للحياة كلها من عبودية العباد, واتجاه بالحياة كلها إلى الله وحده.
لقد كان الشرك في كل صوره هو المحرم الأول وهو المنكر الأول.
стр. 460
وكان التوحيد على إطلاقه هو القاعدة الأولى التي لا غنى عنها ومن أجل ذلك جاءت تنقية الإنسان عقلا وقلبا, وتنقية المجتمع والحياة جميعا في ظلال هذا التوحيد, والخضوع الكامل لله وحده, فالتوحيد هو القاعدة التي يرتبط على أساسها الفرد بربه على بصيرة, وترتبط بها الجماعة بالمعيار المستقر العادل, فلا تطل فيها شهوة تعكر الأمن والإيمان, ولا تبرز نزوة تفسد المجتمع والحياة.
وكانت تلك النقلة تعني إقامة العدل لكل من في الحياة، وهو عدل قائم على أساس أن الله وحده هو المتصرف في الكون، وهنا تتصاغر النفوس التي تحب النشوز عن ربقة الخضوع لله، وتنطلق في حرية الفوضى والانزلاق لتعيش مع الشيطان والهوى، وترد دين الله ودعوته.
ولا تزال النفوس حتى اليوم وفي داخل الجماعة الإسلامية ترتعب من حكم الإسلام؛ لأنه قيد على انحرافاتها، وعدل يفضح ظلمها، وكمال يغطي نقصها ورحمة تخزي قسوتها وسمو يصغر نقصها.
ولقد تصاغرت نفوس الكفار أمام هذا السمو الجليل لمبادئ الدعوة.
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا، إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا، وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا