← Медицина

Медицина · id 11738

نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين

آمال صادق

Полный текст (770 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

جدول "٤-١": تصميم تتابعي على نسق "بل" ان مراجعة امكانية المقارنة والاستمرار لمجموعتي العمر تتم في ضوء أداء المجموعتين في سن العشرين، وكذلك في ضوء اتجاه التغيرات عند اعادة الملاحظة والقياس في كل مرة داخل المجموعتين، فإذا أمكن أن تتم المقارنة فإن البيانات التي يحصل عليها الباحثون من المجموعتين خلال العامين يمكن معالجتها معًا للكشف عن التغيرات الحادثة بين عمري ١٨، ٢٢ عامًا. ويوجد تصميم تجريبي آخر اقتراحه "١٩٥٧، Pressey & Kuhlen" وفيه يتم الربط أيضًا بين الدراسة الطولية والمسح المستعرض لمجموعات عمرية مختلفة للتمييز بين التغيرات التي ترجع إلى العمر والتغيرات التي ترجع إلى الثقافة، فمثلًا يمكن اختبار أفراد من سن ٢٠ عامًا وسن ٤٠ عامًا في عام ١٩٤٠، ثم اختبار عينات مشابهة من نفس الأعمار عام ١٩٦٠. ويوضح الجدول رقم "٤-٢" هذا التصميم. جدول رقم "٤-٢" تصميم تتابعي على نسق "بريسي وكولن" ومن هذا الجدول يتضح أن أي فروق بين الأفراد من سن ٢٠ عامًا في عام ١٩٤٠، ٢٠ عامًا في عام ١٩٦٠ يمكن ارجاعها إلى التغيير الثقافي "ونفس النتيجة يمكن الحصول عليها من الأفراد من عمر ٤٠ عامًا في المرتين". أما الفروق بين الأفراد من سن ٢٠ عامًا، ٤٠ عامًا الذين لوحظوا معًا "في عام ١٩٤٠ أو عام ١٩٦٠" فقد تعكس فروقًا في الأعمار بالإضافة إلى الاختلافات الثقافية وخاصة الظروف التي تمت فيها تنشئة المجموعتين. وأخيرًا فإن المقارنة بين الأفراد من

стр. 107

سن ٢٠ عامًا في عام ١٩٤٠، والأفراد من سن ٤٠ عامًا في عام ١٩٦٠, تدل على الاثار المتداخلة للعمر والتغيرات الثقافية التي حدثت في الفترة الوسيطة التي ربما قد تكون قد عدَّلت في سلوك المفحوصين بعد سن العشرين, أما المقارنة بين سن٤٠ عامًا سنة ١٩٤٠، ٢٠ عامًا سنة١٩٦٠, فقد تعكس الآثار الثقافية وحدها إذ كانت لصالح المجموعة الأصغر سنًّا في هذه الحالة. وقد استطاع "Schaie, ١٩٦٥" أن يصل بهذا التصميم التجريبي إلى مستوى التصميم, وأطلق عليه التصميم التتابعي Sequential design, والذي طوَّرَه بعد ذلك عام ١٩٧٧, وأطلق عليه اسم "التصميم الأكثر فعالية", وفي هذه الطريقة تتم ملاحظة أو قياس جيلين أو أكثر, مرتين أو أكثر، بالإضافة إلى عينة مستقلة من مختلف الأجيال في المرة الثانية وما بعدها, وفي هذا التصميم يوجد كلٌّ من المنهج الطولي والمستعرض, فعند كل وقت للملاحظة أو القياس تختار وتلاحظ موجة جديدة من المفحوصين في كل مجموعة عمرية، كما أن المفحوصين الذين سبقت ملاحظتهم وقياسهم من قبل تتم ملاحظتهم وقياسهم مرة أخرى. وبتحليل النتائج الخاصة بالموجة الجديدة من المفحوصين, ومقارنتها بنتائج من سبق اختبارهم من قبل في سنوات سابقة نحصل على معلومات عن آثار الاختبار والملاحظة من نوعٍ ما إذا كانت الممارسة والتدريب على الاختبارات تحسن الأداء. وعلى الرغم من أن التصميم التتابعي يقدم لنا ثروة من البيانات عن التغيرات العمرية والفروق بين الأجيال والآثار التاريخية, إلّا أننا يجب علينا أن نكون واعين بالصعوبات الفائقة في جمع هذه البيانات على مدى سنوات عديدة باستخدام جماعات كثيرة مختلفة من البشر. والخلاصة: أننا في هذا المنهج نستخدم أفرادًا من مختلف الأعمار, تتم ملاحظتهم أو قياسهم في وقت واحد معًا, وعلى نحوٍ متكررٍ في عدد من المرات المختلفة, وفي هذه الحالة يمكن أن تعتبر فروق العمر في أي مناسبة من مناسبات الملاحظة والقياس, تنتمي في جوهرها إلى البيانات التي نحصل عليها بالطريقة المستعرضة، والتغيرات أو أنماط الدرجات التي نحصل عليها من مجموعة عمرية معينة في المناسبات المختلفة للقياس والملاحظة من نوع البيانات التي نحصل عليها بالطريقة الطولية, ويضاف إلى هذا نوع جديد من البيانات تمثله المجموعات ذات الأعمار المتساوية في المناسبات المختلفة للقياس، وذلك لمعرفة ما إذا كان لميلاد الفرد في وقت معين أو انتمائه لجيلٍ بذاته, له آثار فارقة "مثلًا أن يكون طفلًا أثناء حرب فلسطين عام ١٩٤٨، في مقابل أن يكون طفلًا في خلال حرب ١٩٦٧، أو خلال حرب أكتوبر ١٩٧٣".

стр. 108

ولكي نوضح هذا التصميم نفرض أن لدينا ثلاث مجموعات عمرية من الأفراد, تنتمي إلى أربعة أجيال هم الذين كانوا أطفالًا عند قيام ثورة يوليو ١٩٥٢؛ حيث وُلِدُوا عام ١٩٤٥ أو قبله بقليل، أو كانوا في مرحلة المراهقة ومطلع الشباب؛ حيث وُلِدُوا عام ١٩٣٥ أو قبله بقليل، أو كانوا في مرحلة تمام الرشد المبكر حين وُلِدُوا عام ١٩٢٥ أو قبله بقليل، أو كانوا في مرحلة تمام الرشد حين وُلِدُوا عام ١٩١٥ أو قبله بقليل. ولنفرض أيضًا أنه تمت ملاحظتهم واختبارهم لأول مرة عام ١٩٥٥, ثم أعدنا ملاحظتهم وقياسهم في ثلاث مناسبات ومواقيت أخرى "كل ١٠ سنوات" فإن الجدول رقم "٤-٣" يوضح التصميم الكامل لهذا البحث. جدول رقم "٤-٣" تصميم تتابعي من نوع التصميم الأكثر فعالية "لسكاي" لأربعة مجموعات عمرية تمثل أربعة أجيال كما يوضح الشكل رقم "٤-١" هذا التصميم

стр. 109

الشكل رقم "٤-١" تصميم تتابعي من نوع التصميم الأكثر فعالية لسكاي, ومن هذا التصميم يتضح أنه توجد أربع مجموعات عمرية من سن ٤٠ عامًا؛ لأن الاختبار تكرر كل ١٠ سنوات، وتمثل هذه المجموعات الأربع قطر الجدول، ولكن مجموعةً منها عام ميلاد مختلف, كما توجد مجموعات عمرية أخرى متساوية في العمر مع اختلاف عام ميلادها، ومن ذلك وجود ثلاث مجموعات عمر كلٍّ منها ٣٠ عامًا، وثلاث مجموعات أخرى عمر كلٍّ منها ٥٠ عامًا، ومجموعتان عمر كلٍّ منهما إمَّا ٢٠ عامًا أو ٦٠ عامًا، ولا توجد إلّا مجموعة واحدة عمرها ١٠ سنوات, ومجموعة واحدة أخرى عمرها ٧٠ عامًا. ومن هذا الجدول يمكن أن يقارن الأفراد من نفس العمر في أيِّ وقت, بصرف النظر عن عام الميلاد، وفي هذه الحالة يمكن الحصول على بعض المعلومات عن آثار العمر مستقلة عن الفترة الزمنية التي يولد فيها الإنسان, ثم إذا تربع نفس الأفراد في السنوات المتتابعة, يكون من السهل الحصول على معلومات عن التغيرت طويلة الأمد داخل الأفراد, وخلال سنوات البحث المختلفة, وباستخدام أسلوب إحصائي ملائم من نوع تحليل التباين, يمكن الحصول على الإسهام النسبي لفروق بين الأجيال, كما يمكن تقدير معدّل التغير عبر الزمن بطريقة أفضل.

стр. 110

٤- بعض المشكلات العامة في المنهج المقارن: نتناول في هذا القسم بعض المشكلات العامة في بحوث الفروق بين الأعمار, بصرف النظر عن طبيعة المنهج المستخدم. أ- منحنيات النمو: تمثل منحنيات النمو بالنسبة إلى الخصائص السلوكية المختلفة أفضل صورة عامة وبسيطة للتعبير عن التغير في هذه الخصائص مع العمر, ومع ذلك فإن هذه المنحنيات تتضمن خطأين أساسين أشار إليهما "Guilford, ١٩٦٧", أولهما: أننا حين نستخدم الدرجات المركبة "كنسب الذكاء" نفتقد الحقيقة التي تؤكد أن السمات السلوكية المختلفة التي تتألف منها هذه الدرجات تنمو بمعدلات مختلفة في الفرد الواحد, وثانيهما: أننا حين نستخدم متوسطات درجات الأفراد المختلفين نفتقد معالم الفروق بين الأفراد في معدلات النمو في مستويات الأعمار المختلفة, سواء استخدمت درجة بسيطة أو مركبة. ب- تكافؤ المجموعات: قد يضطر الباحث في ميدان النمو إلى استخدام تصميمات تجريبية تتطلب المجموعات التجريبية والضابطة، وفي هذه الحالة نجد أن الوضع المثالي هو أن يقوم الباحث بالحصول على المجموعات المتكافئة من أصل إحصائي سكاني واحد, إلّا أن الضرورات العملية تجبر الباحثين على القيام بهذا التكافؤ بعديًّا؛ فعند المقارنة بين المسنين الذين يقيمون في دور الرعاية, وأولئك الذين يستمرون في الإقامة مع أسرهم, يجد الباحث نفسه في موقفٍ خلاصته أن يختار عينة الراشدين المقيمين في دور الرعاية أولًا, ثم بعد ذلك يحاول انتقاء مجموعة ضابطة تتكافأ معها في الخصائص التي يجدها الباحث ضرورية, وفي هذه قد نجد مجموعتين متميزتين إذا قورنتا بالمجتمع الأصلي، فلا شك أن أولئك الذين يلتحقون بهذه الدور نتيجة لظروف اقتصادية - اجتماعية ميسرة في بعض الحالات، أو نتيجة للعجز الكامل في البعض الآخر، إنما يعكسون خصائص تميزهم اقتصاديًّا واجتماعيًّا عن الأصل الإحصائي السكاني العام, والأخطر من هذا، أن الباحث في محاولته جعل المجموعتين متكافئتين قد يغفل خاصية أو أكثر، ويؤدي هذا إلى وجود فروق بين المجموعتين لا يمكن ردَّها مباشرة إلى المتغير المستقل. ج- وحدات القياس: حتى يمكن المقارنة بين الأعمار المختلفة لابد أن تتوافر في القياس المستخدم خاصية تساوي الوحدات، وهذا يعني أن أيّ زيادة في السمة في أحد الأعمار, يجب أن تساوي نفس الزيادة فيها في المستويات العمرية الأخرى, إلّا أن ما حدث أن معظم المقاييس المستخدمة لم تتوافر فيها هذه الخاصية، وأشهرها معيار العمر العقلي، ففي هذا المعيار نجد أن الكسب الذي يبلغ مقداره عامًا واحدًا في سن الخامسة عشرة, ليس مساويًا لنفس الكسب "البالغ عام

стр. 111

واحد" في سن الخامسة. وكذلك لا تعطينا الدرجات الخام التي نحصل عليها من الاختبارات النفسية إلّا أرقامًا، وهي في هذا لا تفيد في إعطائنا حكمًا على ما إذا كنت زيادة مفردة صحيحة واحدةً في الاختبار عند مستوى الدرجة ٧٥, يساوي نفس الزيادة لمفردة واحدة صحيحة عند مستوى ٥٠. وتوجد مقترحات عديدة للتغلب على هذه المشكلة, تتمثل في تحويل درجات المقياس للحصول على هدف الوحدات المتساوية "أو المسافات المتساوية", ومن أشهر هذه الحلول ما قدَّمه ثرستون فيما يسميه: "القياس المطلق" Absolute scaling, والذي يقوم في جوهره على وحدات الانحراف المعياري أو أجزائه كمسافات عن المتوسط. د- بنية المقاييس: تستحيل المقارنة بين الأعمار المختلفة إذا كان ما تقيسه الاختبارات المستخدمة يختلف من عمر لآخر، ولذلك فإن شروط هذه المقارنة أن تكون هذه الاختبارات متكافئة من حيث البنية والتركيب, ولا تتحدد هذه البنية إلّا باستخدام منهج التحليل العاملي على نتائج القياس في مراحل العمر المختلفة "سواءً استخدم الباحث المنهج الطولي أو المنهج المستعرض", وهذا المطلب يصفه "Guilford, ١٩٦٧" بأنه مطلب بالغ الأهمية, ومع هذا, لم يتوافر في جميع بحوث المقارنة بين الأعمار, وعدم توافره يمثل نقصًا شديدًا في بحوث هذا الميدان؛ فالاختبار الواحد قد لا يقيس نفس المكون أو المكونات في الأعمار المختلفة، وبهذا تصبح المقارنة شبه مستحيلة.

стр. 112

اختبار منهج البحث الملائم: كيف يختار الباحث استراتيجية معينة من البحث؟ وهل يوجد منهج في البحث أفضل من غيره؟ ولماذا يختار بعض الباحثين أساليب بحثية تختلف عن غيرهم؟ للإجابة على هذه الأسئلة نجد من المناسب في ختام هذا الفصل أن نحدد العوامل التي تحدد اختيار الباحثين لمنهج بحثهم. ١- الاتجاه النظري: كثيرًا ما يحدد التوجه النظري طريقة البحث الملائمة، فالنظرية تحدد أي نوع من المعطيات يرتبط بها, وأي نوعٍ من اجراءات البحث هو الأكثر ملاءمة للحصول عليها "Nesserlroade & Reese, ١٩٧٣", وسوف نعرض في الفصل التالي الاتجاهات النظرية الأساسية, ومنها نجد أنه إذا كان الباحث من أنصار الاتجاه السلوكي في النمو, يحبذ استخدام المنهج التجريبي أو أساليب الملاحظة المقننة بدلًا من أساليب المقابلة, كما أنهم يحبذون استخدام أدوات القياس التي تساعدهم على تقدير السلوك بشكل مباشر بدلًا من الأدوات الأخرى -كالأساليب الإسقاطية- التي يفترض فيها قياس البنى السيكولوجية الداخلية, وبالتالي لا تخضع للملاحظة, بينما

стр. 113

نجد أصحاب النظريات المعرفية مثل: جان بياجيه, يستخدمون بوفرةٍ أساليب المقابلة لسبب جوهريٍّ وهو أن هذا الأسلوب يتناسب جيدًا مع دراسة البنية المحددة لعمليات التفكير لدى الفرد. ٢- الهدف من البحث: يحدد هدف البحث أدواتنا ووسائلنا ومناهجنا وليس العكس, فإذا كان الباحث مهتمًّا بسلوك الإنسان في الظروف الواقعية, ومواقف الحياة اليومية, إنه سيختار منهج الملاحظة الطبيعية, أما إذا كان الضبط التجريبي هو الأكثر أهمية, فإنه سيتوجه نحو استراتيجية التجريب. ٣- الاعتبارات الأخلاقية: قد يكون اختيار إحدى طرق البحث خارج نطاق تحكم الباحث؛ فالاعتبارات الأخلاقية تحول دون استخدام اجراءات معينة مع الإنسان, ومن ذلك البحث حول أثر استغلال الطفل والطلاق والرعاية البديلة وأساليب التنشئة الوالدية السيئة في نمو الطفل, وفي مثل هذه الحالات يقتصر الباحث على الحالات التي توجد تلقائيًّا في المجتمع, ومن هنا يستخدم الباحث المنهج شبه التجريبي. ٤- الضرورات العملية: تحدد الضرورات العملية أيضًا منهج البحث المناسب؛ فالاختيار بين التصميم المستعرض أو الطولي مثال على ذلك, فعلى الرغم من أن معظم الباحثين يوافقون على أن التصميم الطولي أفضل لدراسة النمو, إلّا أن معظم البحوث استخدمت الطريقة المستعرضة؛ لأنها أرخص تكلفة وأقل استهلاكًا للوقت كما بينا. ٥- فلسفة العلم: إن اختيار طريقة معينة في البحث يتأثر بسؤال هامٍّ حول مدى ونوع عدم اليقين التي يتسامح معه الباحث؛ فعند السلوكي المتمسك بمذهبه تكون الدراسة المعملية التي تعالج السلوك, والتي تقلل من عدم اليقين بالنسبة للتحكم في متغيرات البحث هي نموذج البحث العلمي, بينما نجد بعض الباحثين الآخرين لديهم بعض القلق حول معنى مثل هذه البحوث, ودرجة قابليتها للسلوك المعملي بدلًا من أن يكون سيكولوجية للسلوك بالمعنى الأكثر عمومية. وهؤلاء النقاد يكون لديهم عادةً اتجاه أكثر قوة نحو التسامح مع عدم اليقين الذي ياتينا من نقص الضبط التجريبي الصارم, أكثر من التسامح مع عدم اليقين الناجم عن عدم صدق موقف البحث. والخلاصة: أن البحث العلمي في النمو هو أمر معقَّدٌ لا يتضمن فقط نواحي القوة والضعف في المنهج، ولكن يرتبط بمسائل هامة حول أخلاق البحث واقتصادياته وأهدافه, وفلسفة العلم الكامنة وراءه.

стр. 114

الفصل الخامس: النماذج النظرية للنمو الإنساني الاتجاهات النظرية الوصفية معايير النمو ... الفصل الخامس: النماذج النظرية للنمو الإنساني الاتجاهات النظرية الوصفية: لقد ظلَّ علم نفس النمو منذ نشأته على يد ج. ستانلي هول "١٨٤٤-١٩٢٤" في أواخر القرن التاسع عشر, وحتى بدايات الأربعينيات من هذا القرن العشرين "وخاصة أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية" علمًا وصفيًّا، وتمثل ذلك خاصة في الاهتمام بمسألتين هما: معايير EDevelopmental norms, ومهام النمو Developmental tasks. معايير النمو: منذ نشر ستانلي هول دراسته الأولى الهامة عام ١٨٩١, أُرْسِيَتْ تقاليدُ اتجاهٍ سيطر على بحوث علم نفس النمو طوال النصف الأول من عمر هذا العلم. ويتلخص هذا الاتجاه في قياس وملاحظة مجموعات من الأطفال، ثم تلخيص النتائج على هيئة "مستويات" عمرية مختلفة في صورة متوسطات, ومثل هذا النوع من البحوث تناول مجموعة واسعة النطاق من الخصائص؛ تبدأ بالخصائص الجسمية؛ كالطول والوزن، وتشمل القدرات الجسمية والحركية والإدراكية والعقلية، وتتناول عادات الطفل اليومية؛ كالنوم والطعام والإخراج، ونوباته الانفعالية؛ كالخوف والغضب، وعلاقاته الاجتماعية. وعلى الرغم من أن هذه البحوث سُمِّيَتْ في المؤلفات التقليدية لعلم نفس النمو بالبحوث المعيارية Normative, إلّا أنها في جوهرها بحوث وصفية؛ لأنها لم تتجاوز وصف المستوى "العادي" أو "المتوسط" لسلوك الأطفال في الخصائص موضع البحث, وعادةً ما تُسَمَّى النتائج التي تلخصها هذه البحوث معايير العمر Agy Norms. ويعد العالم الأمريكي أرنولد جيزل Gesell "١٨٨-١٩٦١" أكبر ممثلي هذا الاتجاه، وهو اتجاه يعود بأصوله إلى عالم النفس الفرنسي ألفريد بيينيه, الذي توصَّلَ إلى معيار العمر العقلي في بحوثه عن قياس الذكاء، إلّا أن جيزل وسَّعَ

стр. 115

إطار المفهوم واستخدامه, وطبَّقَه على عدد كبير من الظواهر النفسية, وأشاع ما يُسَمَّى العمر العظمي والعمر الفسيولوجي والعمر التحصيلي, وهكذا. ولإجراء بحوثه العديدة ابتكر جيزل وزملاؤه مجموعة من الاختبارات, ووسائل القياس, وأساليب الملاحظة التي تعين على وصف الطفل بدقةٍ في كثير من مجالات النمو, وجمع فريق البحث معلومات كثيرة عن الأطفال الذين تمت دراستهم في العيادة النفسية التي أنشأها في كلية الطب بجامعة ييل, والتي تحولت إلى معمل كامل هدفه الدراسة الشاملة لنمو الطفل, كما قام فريق البحث بإجراء مقابلات مع الآباء والأمهات لمعرفة سلوك الطفل في المنزل, وقد أفادت المعلومات في وصف الخطوات والمراحل التي يسير فيها الطفل العادي في كل مرحلة عمرية, وقد انحاز جيزل انحيازًا واضحًا في كل مراحل بحثه إلى طرف النضج, واعتبره العامل الأهم في نمو الطفل؛ فالتغيرات في بنية الطفل وسلوكه ترجع في جوهرها -عنده- إلى العوامل الوراثية، أما البيئة الاجتماعية فإن آثارها محدودة للغاية, ولعل هذا الاعتقاد هو الذي جعله يرى ان مهمهته الكبرى في مجال دراسة النمو "جدولة" الخصائص الجسمية والعقلية والانفعالية والاجتماعية في كلِّ مستوى عمري على نحوٍ أشبه "بالكتالوج" الذي يشمل الخصائص المتوسطة أو العادية. وفي رأيه أن "قوائم الخصائص" هذه تزود المربين والوالدين وأطباء الأطفال وغيرهم من المهتمين بشئون الطفل بالسمات التي يتوقع لها الظهور في كل مرحلة عمرية, ويوضح الجدول "٥-١" أمثلة من جداول معاييره أثاء الطفولة, والتي شاعت لفترة طويلة, واستخدمها الكثيرون في الحكم على مدى سواء معدل النمو عند الأطفال.

стр. 116

جدول "٥-١" أمثلة من جداول معايير النمو لجيزل

стр. 117

وتوجد فكرة هامة أخرى عند جيزل, وهي فكرة "دورات السلوك"؛ حيث يرى أن النمو تتناوبه أطوار من "الجودة" و"السوء", وهذه الأطوار موحدة عند الجميع, ويوصف الطور بأنه جيد إذا أظهر فيه الطفل تكيفًا طيبًا مع ذاته ومع الآخرين, أما الطور السيئ فهو الذي تسود فيه الصراعات بين الطفل وبيئته الاجتماعية والمادية, ويشعر فيه بعدم التوافق مع نفسه, ويرى أن تناوب هذه الأطوار أمر حتمي, وتحكمه مباديء النضج وحدها. ويلخص إلج وآمس & IIg ames. ١٩٨١"، وهما من تلاميذ جيزل، هذه الأطوار في الجدولين "٥-٢"، "٥-٣". جدول "٥-٢" الأطوار الجديدة والسيئة في الأسابيع الأولى من حياة الطفل. جدول "٥-٣" الأطوار الجيدة والسيئة في سنوات عمر الطفل المختلفة "إبتداء من عمر سنتين"

стр. 118

وخلاصة ذلك أن دورات النمو الإنساني "التي قد تمتد إلى مراحل تالية في الرشد والشيخوخة, على الرغم من أن البحوث لجيزل وتلاميذه لم تتجاوز سن السادسة عشرة" هي في جوهرها دورات من السلوك النفسي والاجتماعي تعكس الحالات الداخلية للتوافق مع البيئة, وكل دورة منها تزداد طولًا بالتدريج مع نمو الشخص, وتتآلف كل دورة من ستة أطوار, ويبدأ الطفل كل دورة بطور من التوازن الجيد, يتبعه طور من عدم التوازن الملحوظ بين الذات والبيئة, وبعد ذلك يظهر طورٌ من التوازن النسبي, يتلوه طور من الانسحاب الظاهر والاستبطان الداخلي والحساسة الفائقة للأحداث، والتشاؤم، ويتبع ذلك طور من التوافق الجيد, يتسم بالتوسع الكبير في النشاط الاجتماعي على نحوٍ قد ينجم عنه بعض المخاطر للطفل, ثم يتحول الطفل إلى طور آخر من التكيف السيئ, على هيئة عدم توازن عصابي قبل أن ينتقل إلى طور جيد من التوافق الجيد، وهكذا. وتركزت اهمامات جيزل وتلاميذه على عشر فئات كبرى من سلوك الإنسان, مع وجود أقسام فرعية داخل كل فئة، وهذه الفئات هي: ١- الخصائص الحركية: أ- نشاط الجسم. ب- تآزر العين واليد. ٢- الصحة الشخصية: أ- الأكل. ب- النوم. ج- الإخراج. د- الاستحمام. هـ- الآلام والأمراض الجسمية. ٣- التعبير الانفعالي: أ- الاتجاهات الوجدانية. ب- الصراخ والسلوك المرتبط به. ج- العناد والعدوان والغضب. ٤- المخاوف والأحلام. ٥- الذات والدور الجنسي.

стр. 119

٦- العلاقات الشخصية: أ- الأم والطفل. ب- الطفل والأطفال والآخرون. ج- التجمعات أثناء اللعب. ٧- اللعب وقضاء وقت الفراغ: أ- الميول العامة. ب- القراءة الحرة. ج- الموسيقى والراديو والسينما, وغيرها من الوسائل المستحدثة بعد ذلك". ٨- الحياة المدرسية "في المدرسة الابتدائية خاصة": أ- التكيف للمدرسة. ب- جو حجرة الدراسة. ج- القراءة المنظمة. د- الكتابة. هـ- الحساب. ٩- الحس الخلقي: أ- اللوم والاعتذار. ب- الاستجابة للتوجيه وأساليب الثواب والعقاب. ج- التمييز بين الخير والشر. د- التمييز بين الصواب والخطأ. ١٠- النظرة الفلسفية: أ- الزمن. ب- المكان. ج- الحرب. د- الموت. هـ- الدين. وينشأ عن هذا التصور للنمو في ضوء معايير العمر سؤالان هامان: أولهما: ما هو موضع الفروق الفردية في نسق يرى أن الأطفال في كل مرحلة عمرية متشابهون في نواحٍ كثيرة؟ يجيب جيزل على هذا السؤال بتقبل فكرة الفروق الفردية؛ فالسلوك المميز لأي عمر لا يعني عنده أن جميع الأطفال في هذا العمر

стр. 120

يسلكون على نفس النحو, والمعيار باعتباره نوعًا من المتوسطات يتضمن في جوهره وجود اختلافات حوله بالزيادة أو النقص, إلّا أنه في نفس الوقت يرى أن من الواجب مساعدة الطفل "المختلف عن المعيار" على التكيف؛ فالاختلاف عن "المعيار" عنده علامة على عدم التكيف. والسؤال الثاني: ما هي النصيحة التي توجه للمهتمين بالنمو, حول ما يمكن أن يفعلوه لمواجهة الدورات الجيدة والسيئة للنمو من ناحيةٍ, والانحراف عن المعيار المتوسط من ناحية أخرى؟ الإجابة عند أصحاب مدرسة جيزل بإيجاز هي الصبر والانتظار حتى تمر دورة النمو السيئة الحتمية. أمّا بالنسبة لعلامات سوء التكيف فإنهم لا يوصون بأي أسلوب علاجي واضح أو صريح، وفي هذا كان الخطأ الفادح لأصحاب اتجاه معايير العمر على وجه العموم. إلّا أن أهم أخطاء جيزل على وجه الخصوص تشبثه المتطرف بفكرة الأثر شبه الوحيد الذي تلعبه الوراثة في نمو الإنسان؛ فالنمو هو أيضًا انعكاس للبيئة التي ينشط فيها، ومما يؤكد ذلك ما تَبَيَّنَ من أنه حتى الجوانب العامة نسبيًّا في سلوك الإنسان, والتي درسها جيزل, ثبت أنها تظهر درجة كبيرة من التفاوت؛ فالأطفال من مختلف الثقافات والبيئات لا يظهرون نفس الدرجة من القدرة في عمر زمني ثابت, بالإضافة إلى أن تأكيد جيزل على فكرة "المعالم الرئيسية للنمو" أدى إلى إخفاء الحقيقة العلمية الواضحة, وهي أن المكونات المختلفة للنمو تظهر بدرجات مختلفة في فترت زمنية مختلفة من مدى حياة الإنسان. ناهيك عن أن النضج الذي يلعب دورًا هامًّا في النمو أثناء الطفولة التي كانت موضوع جيزل الرئيسي يقلّ دروه في بعض المراحل الأخرى "الرشد مثلًا"، ففي مرحلة الرشد تلعب البيئة والثقافة ومتطلبات المجتمع الدور الحاسم, ولعل هذا ما جعل ليفنسون "Levinson, ١٩٧٨" في نظريته حول مراحل نمو الذكور، وفريز "Frieze" في نظريتها حول مراحل نمو الإناث يحلان ما يسميانه "الساعة الاجتماعية" في مرحلة الرشد محل "الساعة البيولوجية" التي تسود مرحلة الطفولة.

стр. 121

مهام النمو: ظهرت فكرة مهام النمو Developmental tasks كمفهوم وصفي لنمو الإنسان خلال الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين، وذلك خلال حركة التربية التقدمية التي سيطرت على الفكر التربوي في الولايات المتحدة في ذلك الوقت, وقد صيغ المفهوم بشكل منظم ودقيق على يد العالم الأمريكي روبرت ج. هارفيجهرست "Harvighutst, ١٩٥٣, ١٩٧٢", وهو المفهوم الذي شاع في الكتابات المبكرة باللغة العربية باسم "مطالب النمو", وأشهر من وظَّفَه واستخدمه الرائد المصري الراحل أحمد زكي صالح. ويشبه اتجاه مهام النمو اتجاه معايير النمو لجيزل في أنه يسعى إلى تعيين الخطوات "النموذجية" للنمو في فترات العمر المختلفة في كثير من الجوانب الجسمية والعقلية والاجتماعية والانفعالية، إلّا أنه يختلف عنه في أن أصحابه لم يقتصروا على استخدام وسائل القياس والاختبار والملاحظة لأطفالٍ يتم اختيارهم كعينات ممثلة، وإنما اعتمدوا أيضًا في وصف مراحل النمو على البيانات التي توافرت من مصادر مختلفة, بعضها أمبريقي يشبه ما توافر لجيزل، إلّا أن معظمها من نتائج البحوث الأنثروبولوجية والاجتماعية، ومن ملاحظات المعلمين للأطفال في المدرسة، ومن أفكار الفهم العام والفولكلور الثقافي السائد عن تنشئة الطفل. وهناك وجه خلاف آخر بين مفهومي مهام النمو ومعاييره, يتمثل في أن جيزل كان مهتمًّا بوصف ما يكون عليه الأطفال في المستويات العمرية المختلفة، بينما اهتم أصحاب اتجاه مهام النمو بتأمل ما يحاول الأطفال إنجازه خلال كل مرحلة من مراحل العمر المتتابعة. وقد ابتكر المصطلح ليعكس اعتقاد أصحاب هذا الاتجاه؛ فعندهم أن النمو هو حثّ الطفل على أداء المهام التي يجب عليه أن ينجزها في كل مرحلة جديدة من العمر, وهذه المهام عبارة عن المهارات وأنماط السلوك التي تحددها الثقافة والمجتمع اللذين يعيش فيهما المرء وتعكس حاجتهما إلى الاستمرار والبقاء، والتي يتوقع لكل فرد القيام بها في كل مرحلة من عمره، وعليه أن يكتسبها حتى يتحقق له التوافق الشخصي والاجتماعي فيها، كما يتحقق له الانتقال إلى مهام جديدة في مرحلة نمو تالية, ويؤدي الفشل في إنجازها إلى سوء التوافق مع المرحلة العمرية التي هو فيها من ناحية, وإلى الصعوبة في التعامل مع المهام التالية من ناحية أخرى. وتنشأ بعض المهام عن النضج الجسمي, مثل: تعلم المشيء، وينشأ بعضها الآخر عن الضغوط الثقافية للمجتمع, مثل: تعلم القراءة، وينشأ بعضها الثالث عن الميول والاتجاهات والقيم والمطامح والتطلعات الشخصية للفرد, مثل: اختيار مهنة والإعداد

стр. 122

لها, وفي معظم الحالات تنشأ مهام النمو عن هذه المصادر الثلاثة جميعًا، وبالطبع فإن هذا الترتيب لمصادر المهام يعكس الوعي بأهمية الأساس البيولوجي للنمو, إلّا أن هذا وحده لا يكفي, فجميع المكونات المختلفة للمجتمع؛ كالأسرة والمدرسة والإعلام والاقتصاد والحكومة, تشارك بدرجات متفاوتة في تعلم هذه المهام, وبعض هذه المؤسسات تقتصر مسوليتها على فترة زمنية محددة من مدى الحياة، بينما يمتد أثر البعض الآخر طوال حياة الإنسان "كالأسرة", وتلعب مؤسسات أخرى أدوارًا غير مباشرة "كالاقتصاد" في تحديد فرص العمل مثلًا، بينما يكون دور مؤسسات أخرى مباشرًا، ومن ذلك الحكومة حين تسن تشريعات معينة حول مهام النمو "قوانين الطفولة مثلًا". ويوصف السن الذي تحدده ثقافة المجتمع وتتوقع فيه أن يتقن المرء مهمة معينة بأنه "سن حرج" critical لهذه المهمة؛ ولأن معظم مهام النمو "ثقافية" في طبيعتها, فإننا نتوقف لها أن تتغير تبعًا لتغير القيم الثقافية السائدة في كل مجتمع من المجتمعات, كما أنها تختلف في المجتمع الواحد من عصر إلى آخر؛ فبعض المهام النمائية التي تسود في المجتمع في عصرٍ معينٍ قد يتجاوزها عصر جديد, وتحل محلها مهام جديدة، أو قد تتغير أهميتها النسبية, ولعل أشهر الأمثلة الحديثة ما حدث في الولايات المتحدة في منتصف الخمسينيات حين أطلق الاتحاد السوفيتي أول قمر صناعي في التاريخ "سبوتنيك الأول"، فقد أصبحت مهام تعلم الرياضيات والعلوم على رأس ما يجب على الطفل والمراهق أن يتعلمه في المدرسة الأمريكية. ويرى هافيجهرست أن مهام النمو لها أهميتها من ناحيتين: فهي أولًا: تحدد التوقعات الأساسية التي يرغب المجتمع أن ينجزها كل عضو فيه, وثانيًا -وقد يكون الأهم: تحديد الخدمات التي يجب على المجتمع أن يوفرها لأعضائه في مختلف الأعمار, فإذا كان المجتمع يتوقع من أطفاله في سن السادسة أن يبدأوا في تعلم المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب, فمن واجبه أن يوفر لهم المدارس التي تحقق هذه المهمة, وإذا كان يتوقع أن الناس في مرحلة الرشد المبكر أن يبدأوا حياتهم الزوجية وتكوين الأسرة, فعليه أن يوفر لهم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية التي تيسر هذه المهمة, وهكذا يحدد لنا اتجاه مهام النمو نظامًا كاملًا للخدمات التي يجب أن تتوفر في كل رحلة عمرية من حياة الإنسان. وقد أعد هافيجهرست أكثر قوائم النمو شمولًا، إلّا أن قائمته مشتقة بالطبع

стр. 123

من الثقافة الأمريكية التي ينتمي إليها، ونذكر أمثلة منها في الجدول "٥-٤" على سبيل التوضيح، وسوف نعرضها بالتفصيل في مواضعها من مراحل النمو المختلفة, والمرجو من الباحثين العرب والمسلمين في مجال علم نفس النمو أن يبذلوا بعض الجهد في دراسة مهام النمو في مختلف المراحل العمرية كما تحددها ثقافتنا, وعلى كل حالٍ سنحاول في هذا الكتاب عرض اجتهادنا في هذا الصدد, راجين أن يكون في ذلك بداية لجهد منظم في هذا الميدان الهام. جدول "٥-٤" أمثلة من مهام النمو عتند هافجيهرست ويعتبر هافيجهرست "Havighurst, ١٩٥٣:٢٦" أن قوائم المهام التي أعدها هي نتاج "القيم الديمقراطية في المجتمع الأمريكي كما تدركها الطبقة المتوسطة, مع بعض المحاولة للإشارة إلى التنوع الذي يظهر عند كلٍّ من الطبقتين الدنيا والعليا في الولايات المتحدة الأمريكية". ولكي نحدد مهام النمو في المجتمعات العربية والإسلامية علينا أن نضع في الاعتبار المصادر الثلاثة الآتية: ١- البيئة البيولوجية للإنسان, ومن أمثلة ذلك تعلم التحكم في الإخراج، أو تعلم المشي, أو تعلم تقبل التغيرات الجسمية في المراهقة، إلخ, وهذا النوع من المهام مشترك في جميع المجتمعات الإنسانية.

стр. 124

٢- بنية المجتمع والثقافة التي يعيش فيها الإنسان: ونجد المهام في هذه الحالة قد توجد بصور مختلفة في المجتمعات المختلفة، أو قد توجد في بعض الثقافات دون غيرها, ومن ذلك أن مهمة انتقاء إحدى المهن والإعداد لها, تعد مهمة معقدة في المجتمعات الصناعية التي تتسم بالتخصص الدقيق وتقسيم العمل, بينما هي مهمة أبسط في المجتمعات غير الصناعية، ويمكن إحرازها فيها في سن مبكرة إذا قورنت بالمجتمعات الصناعية. كما أن مهمة تعلم القراءة والكتابة تركز عليها المجتمعات المتعلمة، بينما قد لا تكون لها نفس القيمة في المجتمعات الأمية, بل إن مفهوم الأمية قد يختلف من مجتمعٍ لآخر, فهي أحيانًا أمية كتابية، وأحيانًا أخرى أمية وظيفية، وأحيانًا ثالثة أمية كمبيوترية, كما هو الحال في الوقت الحاضر. ٣- القيم والاتجاهات الشخصية للأفراد: ومن أمثلة ذلك تنمية القيم الدينية والأخلاقية، فهذه المهمة تختلف باختلاف معتقدات الفرد بالطبع. وفي تحديد مهمة النمو يرى هافيجهرست أن ذلك يعتمد على طريقة الباحث في تناولها, فمهمة تعلم الحركة المستقلة مثلًا, يمكن أن يدركها أحد الباحثين على أنها مهمة معقدة واحدة مؤلفة من ستة أنشطة فرعية هي الحبو والمشي والهرولة والجري والوثب والقفز, بينما قد نجد باحثًا آخر يدرك هذه الأنشطة على أنها ست مهام صغيرة منفصلة. ويميز هافيجهرست بين مهام المدى القصير ومهام المدى الطويل، والنوع الأول هو تلك المهام التي تنشأ في وقت معين ولا تتجاوزه، أما النوع الثاني فهو تلك المهام التي تعد مستمرة, والتي تحتاج من المرء عدة سنوات لإنجازها, ومن أمثلة النوع الأول تعلم المشي والكلام والإخراج, وانتقاء الدراسة أو المهنة, ومن أمثل النوع الثاني تعلم المشاركة في المواطنة والمسئولية الاجتماعية وتعلم الدور الملائم للجنس, والنوع الأخير يتألف بالطبع من مهام فرعية يجب أن تتم في أوقات معينة من مراحل نمو الطفل والمراهق والراشد.

стр. 125

الاتجاه نحو النماذج النظرية مدخل ... الاتجاه نحو النماذج النظرية: هذان هما الاتجاهان الوصفيان الرئيسيان للنمو الإنساني، وقد سيطرا على الكتابات الأكاديمية والممارسات العملية للنمو لأكثر من نصف قرن, إلّا أن الميدان تحول في السنوات الأخيرة إلى الاهتمام بالنماذج النظرية التي تحاول الإجابة على السؤال الهام: كيف يحدث النمو؟ وهي إجابة تتجاوز مجرد وصف التحول في النشاط الإنساني خلال مسار النمو؛ لأن السؤال الكامل هو: كيف ينمو السلوك الإنساني في اتجاهٍ معينٍ أو نحو غاية محددة بدلًا من التوجه إلى اتجاهات أخرى محتملة؟ ثم كيف يصبح السلوك الإنساني مع هذا التوجه جيد التوافق مع العالم الداخلي للفرد, والعالم الخارجي للبيئة التي يعد الفرد النامي جزءًا منه؟ الإجابة على هذا السؤال الكامل لا تكون إلّا بنموذج نظري, والنموذج النظري هو مجموعة من المفاهيم والقضايا ترتبط فيما بينها، وتصف وتشرح جوانب معينة من الظواهر موضع البحث "وهي هنا ظواهر النمو الإنساني". وحتى تصبح للنموذج النظري قدرة على الوصف والشرح والفهم والتفسير, لابد أن يعتمد على الحقائق والمعطيات الأكثر ارتباطًا وأهميةً في فهمنا للنمو، وتحديد طبيعة العلاقات بين هذه الحقائق والمعطيات, والتي تكون أكثر أهميةً في الوصول إلى هذا الفهم. ويذكر توماس "Thomas, ١٩٧٩" قائمة كبيرة مما يطلق عليه "نظريات النمو", ويشمل ذلك عنده المدارس الكبرى في علم النفس: السلوكية والجشطالت والتحليل النفسي الفرويدي، كما يشمل بعض المدارس الصغرى في التعلم؛ مثل: نموذج سكنر وباندورا وغيرهما، بالإضافة إلى النظريات التي تنتمي مباشرة إلى النمو, إلّا أن تناول نظريات النمو الإنساني على هذا النحو الواسع لا يقدم، في رأينا، فائدة تذكر في فهم النمو، وهو أقرب إلى التناول السيكولوجي العام. صحيح أن ظواهر النمو هي جزء من الميدان السيكولوجي العام إلّا أننا نلاحظ أن التنظير فيه يتجه إلى بناء "نماذج نظرية" ترتبط ارتباطًا وثيقًا بموضوعٍ محددٍ، وهو في هذا أشبه بالحال الذي عليه الموضوعات الأخرى؛ كالتعلم والإدراك والشخصية وغيرها. وفي مجال النمو نجد ثلاثة نماذج رئيسية, تمثل في رأينا الوجهات الرئيسية في هذا الميدان, هي نماذج بياجيه وإريك إريكسون ولورنس كولبرج, ومن الملفت للنظر أن كل نموذج منها ركَّزَ اهتمامه على أحد جوانب النمو، فنموذج جان بياجيه تناول بالاهتمام النمو العقلي، ونموذج إريك إريكسون ركز على النمو الوجداني والانفعالي, وانشغل نموذج لورنس كولبرج بالنمو الخلقي "الاجتماعي". صحيح أن كل نموذج من هذه النماذج الثلاثة يقبل الانتقال والتعميم إلى الجوانب الأخرى للنمو، وهذا ما فعله بياجيه حين مَدَّ آفاق نموذجه النظري إلى الجوانب غير المعرفية، إلّا أنه يبقى لكل نموذج طمعه الخاص ولونه المميز حين نتناوله في سياقه الأصلي الذي نشأ فيه، وهذا ما نخصص له ما بقي من هذا الفصل.

стр. 126

نموذج بياجيه في النمو المعرفي: بد عالم النفس السويسري جان بياجيه "١٨٩٦-١٩٨٠" نشاطه في علم النفس عام ١٩٢٠, وظلَّ معمله في جامعة جنيف من أنشط معامل علم النفس في العالم, ومع ذلك فقد اعتادت المؤلفات المتخصصة في علم النفس -ومعظمها أمريكي المنشأ- لا تشير إليه إلّا لمامًا، وظلَّ الأمر كذلك حتى بداية الستينات, حين نشر مكايفر هنت كتابه المشهور "الذكاء والخبرة" عام ١٩٦١، ثم صدر كتاب مؤلف عنه كتبه جون فلافل عام ١٩٦٣, فازداد الاهتمام ببحوثه ونتائجه ونظريته زيادةً منتظمة حتى وصل مقدار ما كُتِبَ عنه في السنوات الأخيرة من حياته أضعاف ما كُتِبَ عنه لأكثر من أربعين عامًا. وقد نتج هذا التجاهل عن مصدرين من الخطأ أو سوء الفهم, أولهما جاء من علماء النفس التجريبيين الذين اعتبروا أدلته من النوع القصصي وليس من النوع الذي يعتمد على الملاحظة المنظمة, وقد يصدق هذا على بعض بحوث بياجيه المبكرة, إلّا أن بحوثه اللاحقة تتمثل فيها خصائص التجريب الدقيق, والخطأ الثاني جاء من رجال التربية الذين افترضوا أنه ما دام بياجيه قد كتب عن تفكير الأطفال, فإن نتائجه يجب أن تكون لها تطبيقات مباشرة وبسيطة في حجرة الدراسة, وقد لجأوا في ذلك إلى التبسيط المخلّ, مما أدى إلى كثير من سوم الفهم لنظرياته. وقد تركز اهتمام بياجيه على النمو العقلي والمعرفي الذي يطرأ على الشخص خلال التحول من مرحلة الوليد الذي تصدر عنه الأفعال المنعكسة الصريحة البدائية غير المرتبطة، حتى مرحلة الرشد التي تتميز بالأفعال الماهرة. وقد أعطت نظريته -والأدلة التي تدعمها- بعض الإجابات على الأسئلة التي يثيرها المهتمون بسيكولوجية النمو حول منشأ السلوك المركب, ومما يلفت النظر في هذا النموذج النظري أن بياجيه لم يركز اهتمامه على ربط العمر الزمني بأنماط معينة من السلوك كما فعل جيزل وهافيجهرست، وإنما حدَّدَ لمدى الحياة المراحل الكبرى من النمو التي تتحدد في ضوء أنماط العمليات العقلية التي تتوافر للإنسان في هذه المراحل المختلفة, وتفيد هذه العمليات العقلية في القيام بدور المصفاة التي يفهم من خلالها الإنسان أحداث البيئة من حوله. وكان بياجيه ملاحظًا عظيمًا لسلوك الإنسان, وقد بهرته طوال حياته تلك الحقيقة المذهلة أن نظرة الطفل للعالم ليست مجرد صيغة غير كاملة أو خاطئة من نظرة الكبار والراشدين إليه، وإنما لنظرة الطفل للعالم منطقها الخاصِّ بها, ومعنى ذلك وجود اختلافات كيفية بين الصغار والكبار في إدراك العالم, وقد كرَّسَ

стр. 127

بياجيه حياته العملية كلها لمحاولة فهم هذه الاختلافات, ومن ذلك أن الطفل من سن ٣ سنوات يريد دائمًا جذب انتابه أمه, ولا يدرك أن لها أدوارًا كثيرة أخرى بالإضافة إلى دور الأمومة, كما أن الطبيعة "قبل العملياتية لبنيته المعروفة" على حَدِّ تعبير بياجيه, تمنعه من إدراك الناس والأحداث من أكثر من منظور واحد, أما الأم فهي على وعيٍ بأدوارها الكثيرة والمتعارضة أحيانًا, والطفل من سن ٨ سنوات يعتمد في استدلاله على خبرته السابقة, فإذا طلب منه والده مثلًا ألَّا يسير بدراجة في عرض الطريق حتى لا تصدمه سيارة, فإنه يجيب بأنه ركب دراجته في عرض الطرق أمس ولم تقترب منه سيارة واحدة؛ فطبيعة استدلاله التي تعتمد على "العمليات العيانية" -على حد تعبير بياجيه- تمنعه من التحقق من أن الخبرة السابقة بأنه لم تصدمه سيارة بالأمس هو أحد احتمالين ممكنين، والاحتمال الثاني أنه ربما يصدم بسيارة في المستقبل إذا فعل نفس الشيء. العمليات الأساسية: يرى بياجيه أن التفكير والسلوك ينشآن من فئة بيولوجية معينة، وهي فئة تمتد وتتسع بسرعة تبعًا لعملية شبيهة بالنمو الحركي، وتتوازى إلى حَدٍّ ما مع النمو البيولوجي أو النضج, ومحور هذه العملية وظيفتان ثابتتان هما: التنظيم organiztion والتكيف "التوافق" Adabtation، وهما خاصيتان فطريتان تقودان النمو السلوكي الكلي للإنسان, وعلى ذلك, فإن كل ما يعرفه الإنسان ويستطيع عمله, ويريد عمله بالفعل في كل مرحلة من مراحل نموه, يميل إلى أن يكون على درجة كبيرة من التنظيم والتكامل, وهكذا يدل التنظيم على البناء المعرفي القائم لدى الفرد, ويتألف من وحدات معرفية مترابطة متكاملة, بالإضافة إلى أن ما يتعلمه الفرد "أي يصير قادرًا على عمله" يرجع في جوهره إلى التكيف مع الظروف البيئية, والتكيف هو التعبير البنائي أو الوظيفي الذي يحقق للكائن العضوي بقاؤه، وهكذا يربط بياجيه ربطًا وثيقًا بين العمليات النفسية والبيولوجية. ويتضمن التكيف السلوكي للفرد ما يسمى التوازن الذي يعد الأساس الجوهري لنمو الفرد، ويشمل وظيفتين فرعيتين ومتكاملتين هما: التمثيل assimilation والمواءمة accomodation, والتمثيل هو عملية تلقي المعلومات عن أحداث البيئة وفهمها واستخدامها في نشاط معينٍ موجود بالفعل في ذخيرة الكائن العضوي من الأنشطة، وهذا الفهم والاستخدام لا يحدث إلّا إذا نجح المرء في إحداث التكامل بين الخبرات الجديدة والخبرات السابقة لديه, وهذه العملية ليست محض مطابقة, أو مزاوجة بين نوعي الخبرات, كما أن عملية بناء الحقيقة أو الواقع ليست نسخة

стр. 128

طبق الأصل من هذا الواقع؛ فالإنسان يتعامل مع معلومات البيئة على نحوٍ أشبه بطريقة هضم الطعام, فهذه المعلومات شأنها في ذلك شأن الطعام يجب أن تطرأ عليها تحويلات معينة قبل أن تصبح مفيدة, ومن الحقائق البيولوجية والفسيولوجية أن الطعام يتحول من خلال ما يتعرض له من عمليات في مختلف أعضاء الجهاز الهضمي, وبالمثل فإن المعلومات تتعرض لعمليت معينة, أو يتم تمثيلها في بنى معرفية قائمة, ويعكس الناتج النهائي لعملية التمثيل هذه طبيعة المعلومات والبنى المعرفية, وبالطبع فإننا لا نستطيع هضم بعض أنواع الطعام كما لا نستطيع تمثيل بعض أنواع المعلومات في المراحل المختلفة من حياتنا. والتمثيل ليس إلّا نصف عملية التكيف، أما نصفها الآخر فهو المواءمة التي تعني إضافة أنشطة جديدة إلى ذخيرة الكائن العضوي, أو تعديل أنشطته القائمة استجابةً لظروف البيئة, فنحن نتغير نتيجة للخبرة الجديدة والنضج البيولوجي المستمر، ونتيجة لذلك نتكيف للمواقف الجديدة التي يمكن تمثيلها في بنى معرفية قائمة بالفعل, وذلك بتعديل هذه البنى فينا، أي: بالمواءمة مع هذه الخبرة الجديدة. وعلى الرغم من أن هذه العملية تدريجية في معظم الحالات، إلّا أنها تظهر أحيانًا في بعض الفترات بشكلٍ يؤدي فيها الأثر المستمر للمواءمات المتتابعة إلى إنتاج إعادة تنظيم للبنى المعرفية يتسم بالمفاجأة والجدة النسبيتين, وهذه القفزات تميز الانتقال السريع بين مراحل النمو الكبرى الأربعة في نموذجه؛ فالسلوك في هذه الفترات الانتقالية يبدو إلى حَدٍّ ما غير منظَّم ومبدئيًّا إذا قورن بالسلوك السابق. فالطفل عند سن ٥ سنوات كان في السابق متأكدًا أنه حين نصب الماء من إناءٍ قصيرٍ واسعٍ إلى إناء طويل ضيق يحصل على كمية أكبر، ويفسر ذلك بأن الإناء الثاني أطول، ولكنه يصبح في سن ٥ سنوات غير متأكد من ذلك, فأحيانًا يقول أن كمية الماء لم تتغير, وفي تفسير إجاباته يذكر كلًّا من الطول والعرض للإناءين، ولكنه فيما يبدو يكون غير قادرٍ على الربط بين البعدين, وهكذا يكون مختلفًا وغير راضٍ عن إجاباته. إنه يشعر إلى حدٍّ ما أن إجاباته القديمة خاطئة, ولكنه غير متأكد لماذا؟ وبعد سنتين تاليتين "في سن ٧ سنوات", حين تعرض عليه المشكلة مرة أخرى تكون إجاباته عندئذ سريعة ومؤكدة "أن الماء هو نفس الكمية؛ لأننا لم نضف إليه شيئًا ولم نأخذ منه شيئًا أيضًا" وهذه الخبرة الانتقالية التي عاناها هذا الطفل هي مثال لمعظم الفترات الانتقالية بين المراحل التي نشعر بها طوال مدى الحياة. وبعض الأحداث أو سلاسلها تنتج اضطرابات في السلوك أكثر من غيرها, فإذا كان الانتقال يتضمن تغيرات في علاقات قوية, أو أنماط سلوك طويلة الأمد

стр. 129

ينشأ نتيجةً لذلك سلوك غير منتظم, وغالبًا ما يتسم بأنه غير فعّالٍ ومتناقضٍ؛ فأنماط السلوك القديمة لم تعد فعالة, وفي نفس الوقت لم تستقر بعد أنماط السلوك الجديدة لتحل محلها, وبالتدريج تظهر أنماط جديدة من السلوك المنظم والفعَّال والمتسق نسبيًّا. هاتان الحالتان اللتان تكمل إحداهما الأخرى, هما: الوسيلتان اللتان بهما يتفاعل الكائن العضوي البيولوجي المتزايد النضج مع البيئة الاجتماعية المتغيرة؛ بحيث يتكون من ذلك الشخص السيكولوجي النامي, والنمو السيكولوجي يتضمن عند بياجيه ما ياتي: ١- زياد في الوعي. ٢- تعلم إدراك الذت في علاقتها بالآخرين. ٣- تعلم فهم الأحداث التي تقع في الأبعاد الكانية والزماينة للخبرة. ٤- اكتساب القدرة على التكيف للتغير. وخلال هذه العملية ينمو الإحسا بالإتقان mastery، أي: الإحساس بكون الإنسان مشارك فعال في مسار نموه وموجِّهٌ له, وعند بياجيه يتميز المستوى النفسي عن كلٍّ من المستوى البيولوجي والاجتماعي, فعلى الرغم من أن كليهما يسهم في النمو النفسي, إلّا أن عملية التفاعل تنتج مستوى من النشاط لا يمكن اختزاله إلى البيولوجيا أو البيئة الاجتماعية تمامًا, كما يستحيل اختزال "سيولة" أو "رطوبة" الماء إلى أحد العنصرين: الهيدروجين أو الأكسجين, وكما أن السيولة "خاصية ناتجة عن تفاعل الهيدروجين والأكسجين", فإن الوعي السيكولوجي هو خاصية ناتجة عن التفاعل بين البيولوجي والاجتماعي. وهكذا تتمثل نواتج عمليتي التمثيل والمواءمة في صورة وحدات للبناء المعرفي, تسمى: البنى Structures أو المخططات schemas, والتي يفَضّل سيد غنيم "١٩٧٠، ١٩٧٣" تسميتها "الصور الإجمالية العامة", وهي عبارة عن تمثيلات داخلية لفئة من الأفعال أو أنماط الأداء المتشابهة؛ فهي تسمح للمرء أن يفعل شيئًا "داخل الذهن"، أي: تجربة عقلية، دون أن يلزم نفسه بالقيام بنشاط ظاهر أو صريح. والمخططات أو الصور الإجمالية العامة ليست أجزاء من المعرفة جامدة التماسك والبنية، وإنما هي أنساق أو شبكات من المعلومات المنظمة المتفاعلة التي تَمَّ استيعابها, وهي ليست ثابتة, وإنما هي متكيفة دائمًا ومرنة أبدًا بسبب حدوث عمليات جديدة من التمثيل والمواءمة في المواقف البيئية المختلفة، وتدل على

стр. 130

استعداد الكائن العضوي -في أيّ وقت- للتكيف للظروف والمشكلات الجديدة, ومن أمثلة ذلك: المصّ والرضاعة؛ كمخططات حسية وحركية, ومفاهيم المكان والزمان والعدد وقوانين المنطق؛ كمخططات معرفية, وهكذا فإن المخطط أو الصورة الإجمالية العامة يكون وحدة معرفية، أو تصديقًا لهذه الوحدات المعرفية، كما قد يكون تصنيفًا ذهنيًّا للأشياء. والمبدأ العام في نظرية بياجيه أنه لا يمكن فهم مرحلة معينة من النمو الإنساني إلّا في سياق المراحل السابقة التي نشأت منها, والنمو المعرفي عنده هو تحسن ارتقائي منظم للأشكال المعرفية التي تنشأ من تاريخ خبرات الفرد. والسمات العامة لهذا النمو تتخذ صورة المتوالية الثابتة من المراحل، وهدفه تحقيق نوع من التوازن بين عمليتي التمثيل والمواءمة؛ بحيث يصبح الطفل أقدر على تناول الأشياء البعيدة عنه في الزمان والمكان، وعلى استخدام الطرق غير المباشرة في حَلِّ المشكلات. وإذا كان إعداد بياجيه المبكر في ميدان البيولوجيا قد ظهرت آثاره في مفاهيمه السابقة، فإن اهتمامه بميدان الفلسفة "وخاصة علم المنطق" أثَّرَ من نواحٍ أخرى, فقد تناول العلاقة بين المنطق وعلم النفس, وفي رأيه أن هذه العلاقة مزدوجة, فمن ناحية يمكن بناء نظرية نفسية عامة في ضوء علم المنطق الحديث؛ لأن المنطق الحديث بالنسبة إلى علم النفس مثل الرياضيات إلى الفيزياء النظرية, ومن ناحيةٍ أخرى, فإن نمو النشاط المعرفي للفرد يسير سيرًا مطردًا في اتجاه المنطق الحديث, كما تفيد نتائج البحث في علم النفس في إلقاء مزيد من الضوء على علم المنطق نفسه، وهذا ما جعل بياجيه يتجه في السنوات الأخيرة إلى محاولة بناء "إيستمولوجيا تكوينية Genetic Epistemology" و "منطق نفسي Psychologic". مراحل النمو: لقد بذل بياجيه جهدًا علميًّا لا نظير له في تحديد خصائص المراحل المختلفة للنمو العقلي، ويمكن تحديد السمات العامة التي تميز هذا النمو فيما يلي: ١- التحسن المتزايد في استيعاب مختلف جوانب السلوك، كأن يتحول المرء إلى التفكير في الأفعال ونتائجها بدلًا من إصدار النشاط الصريح. ٢- التمايز المتزايد للمخططات، وبالتالي توسيع نطاق القدرات لدى الفرد. ٣- تكامل المخطات في تنظيمات هرمية أكثر تركيبًا وتعقيدًا, مما يجعل سلوك المرء أكثر استقرارًا وأكثر قابلية للتحكم والضبط.

стр. 131

٤- التتابع المنتظم لمراحل النمو؛ حيث تكون إحدى الفترات سابقة لما يليها؛ وبحيث يكون ظهور أي عملية معرفية معتمدًا على المرحلة وليس على العمر الزمني في حد ذاته، وهو حين يشير إلى الأعمار في نظريته فإنه يشير إليها على سبيل الاسترشاد وليس القطع. ويصب بياجيه النمو العقلي في ضوء فترات periods ومراحل stages, فمن حيث الفترات ينقسم هذا النمو إلى ثلاث فترات رئيسية: ١- المرحلة الحسية الحركية "من الولادة حتى نهاية العام الثاني": ومن مهاراتها المميزة التآزر بين أنماط السلوك البسيط، والتمييز البدائي بين الوسائل والغايات، والوعي بدوام وجود الأشياء واستمراراها في العالم المادي. ٢- مرحلة ما قبل العمليات "من سنتين حتى سن ٧ سنوات": وتتسم بظهور القدرة التمثيلية المبكرة "الاحتفاظ بالصور الذهنية للأشياء", واستخدام اللغة واللعب الإيهامي أو المتخيل, وظهور المفاهيم البدائية عن العلية والعدد والعلاقات المكانية. ٣- مرحلة العمليات المحسوسة "من سن ٧-١٢ سنة أو المراهقة": وفيها تتطور المفاهيم التقليدية للزمن والعلية والعدد والعلاقات المكانية لتصبح أكثر تحديدًا من المرحلة السابقة، بالإضافة إلى قدرة الطفل على تطبيق قواعد التفكير المنطقي على الأحداث الواقعية, وزيادة الحساسية لوجهة نظر الشخص الآخر. ٤- مرحلة العمليات الشكلية أو الصورية "من سن ١٢ سنة وما بعدها": وتتميز باستخدام التفكير المجرد وقواعد المنطق الصوري, وتظهر وتنمو فيها القدرة على استخدام المنطق الفرضي الاستنباطي، والتحليل الاستنباطي "تأمل الذات", وتقدير المفاهيم المجردة والمجاز. وتنقسم كل مرحلة من هذه المراحل إلى أطوار مختلفة, سوف نتناولها بشيء من التفصيل في موضعها في هذا الكتاب.

стр. 132

نموذج إريكسون في النمو الوجداني: يعد النموذج الذي اقترحه إريك إريكسون "ولد عام ١٩٠٢" من أهم النماذج في مجال نمو الشخصية أو النمو الوجداني, وهو نموذج تطور من نظرية التحليل النفسي الكلاسيكي, وقد تَقَبَّلَ إريكسون المفاهيم الأساسية عند فرويد١, وأهمها وجود اللاشعور وطبيعته، والتكوين الثلاثي للشخصية الذي يشمل الهوَ والأنا, والأنا الأعلى, ولم يضف جديدًا إلى هذه المفاهيم, ولهذا نجده بدلًا من أن يعيد الكتابة حولها يحاول أن يركز على جوانب نظرية التحليل النفسي التي كان يرى أنها في حاجة إلى التوسيع أو التطوير والتعديل, ولما كان اهتمامه الأساسي هو الطفولة، وكانت ملاحظاته العلمية المبكرة تتركز حول سلوك اللعب عند الأطفال, وجدنا أن موضوع نمو الإنسان هو موضوعه الأثير, وفي رأيه أن متوالية الإحساسات الجسمية التي حددها فرويد تنعكس أيضًا في متوالية من الخبرات الاجتماعية التي تكون لها معانٍ وجدانية وانفعالية لدى الأطفال الذين يعيشون في ثقافة معينة "Erickson, ١٩٦٣". ولهذا سوف يتركز تناولنا لنموذجه النظري على إسهاماته المتميزة في هذا المجال الوجداني والانفعالي التي جعلته أشهر المنظرين فيه. الشخصية السلمية: يتفق إريكسون مع نقاد فرويد الذين يرون أنه كان يركز فقط على الحالات المرضية، وأنه كرَّسَ اهتمامه على نمو وعلاج السلوك العصابي على وجه الخصوص، وبالتالي لم يصرف جهدًا يُذْكَرُ في تحديد طبيعة الشخصية السليمة أو السوية، وتتبع نموها, وحاول إريكسون أن يصحح هذا الخطأ في صميم نظرية التحليل النفسي, وبدأ جهده النظري في تحديد خصائص هذه الشخصية السليمة، وفي رأيه أن هذا الخصائص يمكن أن تكون أهداف وعلامات النمو الإنساني المرغوب فيه. يرى إريكسون أن هناك ثلاث خصائص للشخصية السليمة هي: السيطرة

стр. 133

الفعالة والإيجابية على البيئة، وإظهار قدر من وحدة الشخصية، والقدرة على إدراك الذات والعالم إدراكًا صحيحًا "Erickson, ١٩٥٠,١٩٦٨, ١٩٨٠". ويلاحظ على الطفل الصغير أنه لا يظهر أية خاصية من هذه الخصائص الثلاث، وأن شخصية الراشد السويّ تظهرها جميعًا، وعلى هذا, فإن النمو الانفعالي الوجداني عنده هو التحسن التدريجي لهذه الخصائص في مراحل متتابعة معقدة من التمايز المتزايد. ويستخدم إريكسون وصفًا آخر للنمو الانفعالي والوجداني بأنه عملية إحراز الهوية الشخصية Ego Identity والتي لها مظهران: أولهما يتمركز على العالم الداخلي للفرد, ويتمثل في معرفة الشخص بوحدة ذاته, واستمراراها عبر الزمن, ويشمل ذلك معرفة الذات وتقبلها, أما المظهر الثاني فيتمركز على العالم الخارجي, ويتمثل في معرفة الشخص وتقمصه لمثل عليا وأنماط جوهرية في ثقافته التي يعيش فيها, ويعني ذلك الاشتراك مع الآخرين في بعض الخصائص الجوهرية, وهكذا يتسم الشخص الذي أحرز الهوية الشخصية بأن لديه صورة واضحة وتقبلًا كاملًا لعالمه الذاتي وثقافته الاجتماعية. وما دام النمو الإنساني هو هذا التحول من عدم الشعور بالهوية الشخصية إلى الشعور بها, فإن ذلك يعتمد على مسلمة هامة، وهي أن النمو يحخدث من خلال مجموعة "أزمات" يهشدها هذا النمو السيكولوجي. وتتخذه هذه الأزمات صورة صراعات داخلية خارجية, وتؤدي هذه الأزمات إمّا إلى تحسين وتقدم, أو نكوص وتدهور في نمو الشخصية، وتؤدي أيضًا إما إلى تكامل الشخصية أو تفككها وانحلالها. المراحل النفسية الاجتماعية: يرى إريكسون أن المراحل التي تقترحها نظرية فرويد للنمو النفسي تحتاج إلى أن تضاف إليها مجموعة من العناصر الرئسية هي: ١- لم تهتم نظرية فرويد بعملية التطبيع الاجتماعي للطفل, وخاصة أنماط السلوك التي تعتبرها الثقافات المختلفة هامة ومرغوبًا فيها، وهي الأنماط السلوكية التي يجب على الطفل أن يستوعبها أو يعدل فيها إذا أراد أن يحصل على اعتراف الجماعة التي ينمو فيها به. ٢- اقتصرت نظرية فرويد على مرحلة المراهقة كحد للنمو, فلم يكن يعتقد أن هناك تغييرات جنسية نفسية هامة تحدث بعد المراهقة، ويرى إريكسون أن هناك مراحل نمو أخرى فيما بعد المراهقة, تمتد بالإنسان إلى مرحلة

стр. 134

الشيخوخة، وبذلك فإن نظرية إريكسون تعد من النظريات القلائل التي امتدت لتشمل النمو خلال المدى الكلي لحياة الإنسان. ٣- تنعكس كل مرحلة من مراحل النمو النفسي - الجنسي, التي اقترحها فرويد في صورة خبرات اجتماعية, ولها معانٍ وجدانية لدى الأطفال وغيرهم ممن يعيشون في ثقافة معينة, فالمرحلة الفمية "مرحلة التغذية" مثلًا هي أيضًا مرحلة ينجح فيها الرضيع أو يفشل في تكوين الشعور بالثقة في الشخص الذي يتولى تغذيته. وفي المرحلة الشرجية "مرحلة الإخراج" يكتسب الطفل القدرة على التحكم في الدوافع الأخرى التي تعد موضوعًا للنظام الذي يفرضه الوالدان, ويرى إريكسون أن الانتقال من المرحلة الفمية إلى المرحلة الشرجية هو أيضًا تحول من العلاقة مع والدٍ مهتمه التغذية ويكون موضع الثقة أو عدم الثقة, إلى علاقة والدٍ مسئول عن النظام "التدريب على الإخراج", ومنه يشتق مشاعر الشعور بالعار والشك. وعلى عكس فرويد تركز اهتمام إريكسون على الطريقة التي تؤثر بها القوى النفسية الاجتماعية, وليس القوى النفسية الجنسية في نمو الشخص. ٤- اهتمت نظرية إريكسون بوصف سلسلة من الأزمات التي تحدث استجابة للمطالب التي يفرضها المجتمع على الشخص النامي، وهي مطالب المسايرة لتوقعات الكبار والراشدين حول التعبير الذاتي والاعتماد على الذات. أي: أنها تنشأ في جوهرها من تفاعل الفرد مع البيئة الاجتماعية والثقافية التي يعيش فيها، وهي الأزمات التي يجب أن يتغلب عليها حتى يحرز الهوية الشخصية والصحة النفسية, ولذلك تعد مراحل النمو عنده ذات طبيعة نفسية اجتماعية. ٥- يتفق إريكسون مع فريد في أن الخبرة المبكرة تلعب دورًا مؤثرًا ومستمرًا في النمو؛ فالإنسان لا يتجاوز مثلًا المرحلة الفمية ومعه حلّ كامل لأزمة الثقة. فبعض الأزمات لا يحل نهائيًا أثناء مرحلة النمو الخاصة بها, ولهذا فإن هذه الأزمات يشعر بها المرء مرة أخرى في جميع مراحل النمو التالية. صحيح أنها قد تكون أقل حدة وأضعف خطرًا ولكنها موجودة, وعند إريكسون، كما هو الحال عند فرويد، أن كل مرحلة من مراحل النمو النفسي والاجتماعي تتأسس على نواتج المراحل السابقة وتشملها, وهذه أشبه بمهمة التكامل الهرمي, أو الهيراركي, أو التراتبي, عند هاينز فرنر "WERNER, ١٩٥٧" الذي يصف النمو الإنساني على أنه يسير من الحالة البسيطة العامة وغير المتمايزة, إلى الحالة المعقدة المتمايزة والمتكاملة "Brodzinsky, et al, ١٩٨٦".

стр. 135

مصفوفة النمو ومراحله: يرى إريكسون أن أفضل تصور لمفاهيم النمو أن ينظر إليها على هيئة مصفوفة أو شبكة توضح العلاقات بين مختلف جوانب النمو, وبالطبع لم تنتبه نظرية فرويد إلى هذا التصور, وفي هذه المصفوفة أو الشبكة تتفاعل الأزمات النفسية التي تمثل مراحل النمو، والأشخاص المهمين في حاية المرء، والأنشطة المهمة التي يركز عليها الفرد في كل مرحلة، والمراحل النفسية المقابلة لها، وفي جميع الحالات تعرض كل مرحلة من مراحل النمو مهمة ذات طبيعة نفسية اجتماعية يجب أن تحلَّ بشكل ملائم إذا كان على هذا النمو أن يستمر. وعند إريكسون تُعَدُّ كل مرحلة أساسًا تكوينيًّا للمرحلة التالية, والحل غير الكامل للمهمة النفسية الاجتماعية في إحدى المراحل يؤثر تأثيرًا سلبيًّا في المرحلة التالية لها, وفي ذلك مثلًا أن المهمة النفسية الاجتماعية للمرحلة الأولى "من الولادة وحتى سن ٢٤ شهرا" هي تنمية الشعور بالثقة؛ فالبيئة التي تحيط بالطفل الوليد غريبة عليه ولا يمكنه التنبؤ بها, وخلال العامين الأولين يجب على الرضيع اكتشاف أن هذه البيئة يمكن التنبؤ بها، وأن رؤية ثدي الأم أو زجاجة حليب الرضاعة ترتبط بالطعام, وخلال هذه الخبرات المبكرة مع بيئةٍ يمكن التنبؤ بها, ينمو لدى الطفل الشعور بالعواطف المتبادلة مع الأشخاص الذين يقومون برعايته أو الثقة فيهم. وخلال هذا الشعور يبدأ الرضيع في تعلم أنماط السلوك التي تتسم بالأخذ والعطاء, والتي تُعَدُّ ضرورية للتطبيع المستمر. وهذا الشعور بالثقة في الذات وفي البيئة يُعَدُّ شرطًا ضروريًّا للمرحلة التالية في النمو النفسي الاجتماعي, أي: الشعور بالاستقلال الذاتي، فالأطفال الذين لديهم ثقة ضعيفة في أنفسهم أو في بيئتهم, تقل لديهم فرص المخاطرة بالتعامل مع أي بيئة جديدة تبدو من جديد غير قابلة للتنبؤ. ويوضح الجدول رقم "٥-٥" مراحل النمو عند إريكسون وما يقابلها عند فرويد, وفيه نجد كلًّا من الحل الإيجابي والحل السلبي للأزمة التي يواجهها الإنسان في كل مرحلة من مراحل نموه منذ ميلاده وحتى وفاته، وكذلك السن التقريبي لكل مرحلة. وعلى الرغم من أن التركيز الرئيسي في نظرية إريكسون على حلِّ الأزمة الخاصة بكل مرحلة, إلّا أن إريكسون يرى أن هناك مهمة أخرى ثانوية لكل مرحلة جديدة, وهي تكامل المهام السابقة مع المستوى الجديد للنشاط الإنساني "Erickson, ١٩٨٠", فنمو الشعور بالثقة مثلًَا لا يقتصر على مرحلة الرضاعة فحسب, فكل مرحلة جديدة تعرضنا لعلاقات ومواقف جديدة, وحتى يمكن للمرء التعامل بنجاح مع هذه الخبرات الجديدة عليه، يجب أن يكون المرء قادرًا على أن

стр. 136

يمتد بشعوره بالثقة بالنفس وبالآخرين إلى هذه الخبرات الجديدة أيضًا, وبالمثل فإن المراهق ينمي الشعور بالهوية لأول مرة إلّا أن ذلك يجب أن يستمر؛ فإنه مع نموه يمتد ويتوسع ويتعدل هذا الشعور مع التعامل مع المهام المختلفة للرشد, وخاصة عند القيام بالأدوار الزوجية والوالدية, وهو في هذا يشبه بياجيه في افتراض أن النمط العام للنمو عبر المدى الكلي لحياة الإنسان هو المواجهة المتكرة لأحداث نمائية عند مستويات متتابعة من النشاط, تتسم بأنها بأنهم أكثر تطورًا وأعمق معنًى. ويرى إريكسون أن تنمية الشخصية السليمة أو السوية تحقق للمرء سمات الذات المتحققة, والشخص النشط نشاطًا كاملًا كما وصفها أصحاب الاتجاه الإنساني في علم النفس الحديث, وبخاصة كارل روجرز وإبراهام ماسلو. كما يرى إريكسون أن تحقيق الهوية الشخصية لا يحدث إلّا بعد الوصول إلى حلول مقبولة للأزمات أو المشكلات النفسية الاجتماعية الأساسية المتتابعة, ويقصد إريكسون بمصطلح أزمة Crisis: الوقت الذي تتزايد فيه القابلية للوقوع في مشكلة نفسية معينة، وترتبط كل أمة بغيرها من الأزمات، ويوجد كل منها على نحوٍ أو آخر قبل الوصول إلى اللحظة الحاسمة لحلها, وحين يتوصل المرء إلى حلول إيجابية لكلٍّ منها, فإن ذلك يسهم في القوة القصوى والنشاط النهائي للشخصية النامية، ويعرض إريكسون لثماني زمات ارتقائية موضحة في الجدول رقم "٥-٥".

стр. 137

جدول "٥-٥" مراحل النمو في إطار نماذج إريكسون "عن ١٩٧٩ TOHMAS بتصرف"

стр. 138

وهكذا يتضمن هذا النموذج العام للنمو الوجداني جميع احتمالات تكوين الشخصية كما تلاحظ فينا وفي الآخرين من حولنا, فكل سمات الشخصية لها جذورها في الأزمات والحلول في مراحل العمر المختلفة كما وصفها إريكسون, إلّا أننا نحب أن ننبه إلى أن إريكسون يعزي أهمية خاصة للدور الذي يقوم به المجتمع ومؤسساته في النمو, ولعل أهم دراساته التي أكدت ذلك, تلك التي تناولت موضوع اللعب والترويح "Erickson, ١٩٧٧"؛ فاللعب له دور حاسم في النمو من ناحية، ثم إن له طابعه الثقافي الذي تختلف فيه المجتمعات والجماعات الفرعية في المجتمع الواحد من ناحية أخرى. وهو أيضًا يشبه بياجيه في إدراكه للنمو على أنه عملية نسبية, فإذا كان بياجيه يرى أن الفرد يسعى لتحقيق التوازن مع البيئة, فإن إريكسون يركز على ما يسميه "الاتزان الأمثل", فعنده أن الثقة الزائدة في البيئة ضارة بالنمو مثلها في ذلك مثل نقص هذه الثقة، وبالمثل, فإن الشعور المبالغ فيه بالإنجاز والكفاءة يتداخل مع حاجة طفل المدرسة إلى اكتساب المهارات التعليمية الأساسية التي يتطلبها المجتمع من أعضائه, شأنه في ذلك شأن القدر الضئيل من هذا الشعور الذي يؤدي إلى الشعور بأن الآخرين يقدرونه فقط ما دام قادرًا على الإنتاج. ويصدق هذا على جميع المراحل الست في نظريته.

стр. 139

نموذج كولبرج في النمو الخلقلي الإجتماعي ... نموذج كولبرج في النمو الخلقي الاجتماعي: عادةً ما يعد النمو الخلقي أحد مظاهر التطبيع الاجتماعي, وهو العملية التي يتعلم بها الطفل مسايرة توقعات المجتمع والثقافة التي يعيش فيها, إلّا أنه في حالة النمو الخلقي لا يتعلم الطفل محض المسايرة, وإنما عليه أن يستوعب في داخله معايير الحكم الخلقي, ويقبلها على أنها صحيحة, وعلى أنها تمثل نظامه القيمي الشخصي. وتوصف القيمة الخلقية بأنها تَمَّ استيعابها داخليًّا, وليست مفروضة من الخارج حين نلاحظ على السلوك الإنساني أنه لا يخرق "معيار الحكم الخلقي", بالرغم من وجود الإغراءات التي تدفعه إلى ذلك، وعدم وجود السلطة الخارجية التي تكشف وتعاقب على ذلك. "فؤاد أبو حطب، ١٩٧٢". ويُعَدُّ العالم الأمريكي المعاصر لورنس كولبرج "kohlberg" أشهر المنظرين المعاصرين في هذا الميدان, ولكي نوضح موقفه النظري من الاتجاهات والطرق الثلاثة التي وجهت الباحثين في ميدان السلوك الخلقي, هي على وجه الخصوص: السلوك الملاحظ, ومشاعر الذنب, وأساس الحكم الخلقي, نقول: إنه بالنسبة للسلوك

стр. 140

الملاحظ يركز الباحثون على ما إذا كان الطفل يظهر السلوك الخلقي "مثل: الأمانة أو العدل" مع التقدم في العمر, وقد وجد الباحثون أن الأطفال والمراهقين يسلكون في الالتزام بالقواعد الخلقية أو خرقها, إما سلوك التدبر والضغط الاجتماعي؛ حيث يكون السؤال ما إذا كانت الجماعة تستهجن السلوك غير الخلقي, وقد فرض كولبرج هذه الطريقة باعتبارها لا تقدم محكًّا مفيدًا للنمو الخلقي. أما الطريقة الثانية التي اهتم بها الباحثون في هذا الميدان, فهي دراسة نمو الشعور بالذنب لدى الطفل والمراهق، ويتمثل هذا الشعور في سلوك نقد الذات وعقابها المصاحب للقلق والأسف الناجمين عن خرق قاعدة أخلاقية أو معيار اجتماعي وثقافي, والافتراض هنا أن الطفل يطيع القواعد ليتجنب الشعور بالذنب. ويرى كولبرج أن هذا الافتراض هو أساس مفهوم الضمير لدى كلٍّ من أصحاب نظرية التحليل النفسي ونظرية التعلم, ويرى أنه بالرغم من أن البحوث التي أجريت على الأطفال باستخدام الأساليب الإسقاطية تؤكد الظهور المفاجيء لهذه المشاعر في السنوات السابقة مباشرة على المراهقة, إلّا أن هذه الأساليب لم تستطع أن تتنبأ على نحوٍ منتظمٍ بمقاومة الأطفال للإغراء، ولهذا استبعد أيضًا هذه الطريقة من نموذجه النظري. ويركز كولبرج على الاتجاه الثالث والذي يتمثل في تتبع أحكام الأطفال على المسائل الخلقية, وفي هذا الجانب يكون السؤال هو: هل يستوعب الطفل داخليًّا المعيار الخلقي؟ وهل يستطيع تبرير هذا المعيار لنفسه وللآخرين؟ وبالطبع, فإن هذه الطريقة استخدمها لأول مرةٍ جان بياجيه في مطلع الثلاثينات، ثم عدَّلَها باحثون آخرون, إلّا أن كولبرج كان أكثرهم حماسًا واهتمامًا بها طوال الربع الأخير من القرن العشرين. طريقة كولبرج في البحث: ويعود اهتمام كولبرج بالحكم الخلقي moral judgment إلى رسالته للدكتوراه التي تَقَدَّمَ بها إلى جامعة شيكاغو عام ١٩٥٨, وفيها حَدَّدَ محركات السلوك الخلقي التي استمدها من بياجيه وبالدوين وهير ودوركايم وميد، والتي يلخصها فيما يلي: ١- الفعل الخلقي لابد أن يكون موجهًا أو مسبوقًا بحكم قيمي. ٢- الأحكام الخلقية لها أولوية على الأحكام القيمية الأخرى. ٣- الأفعال والأحكام الخلقية ترتبط بالحكم على الذات. ٤- الأحكام الخلقية عادةً ما تبرز, أو تؤسس على أسبابٍ لا تقتصر على نواتج الفعل في موقف معين.

стр. 141

٥- الأحكام الخلقية يعتبرها من يصدرها موضوعية، أي: أنها تميل إلى أن يتفق عليها الناس بصرف النظر عن الفروق في الشخصية أو الميول. ولكي يتمكَّنَ من دراسة الموضوع اتجه إلى نفس وجهة بالدوين وبياجيه, وهي التركيز على بُعْدٍ نمائيٍّ عامٍّ في الحكم الخلقي، وأفادته في ذلك طريقة ماكس فبر, المساماة "النمط المثالي", التي تتلخص في ملاحظة وتحليل مقدار كبير من المواد الكيفية. وفي دراسته الأصلية للدكتوراه عام ١٩٥٨ فحص كولبرج "التفكير الخلقي" لدى ٧٢ طفلًا أعمارهم ١٠، ١٣، ١٦ سنة, عند التعامل مع مواقف معضلة فرضية ذات طابع خلقيٍّ تتضمن صراعًا بين الانصياع للقواعد القانونية الاجتماعية, وأوامر السلطة من ناحيةٍ, وبين الحاجة البشرية لتحقيق رفاهية الأفراد الآخرين من ناحية أخرى, وصاغ هذه المواقف المعضلة في صورة قصصية، لعل أشهرها وأكثرها شيوعًا القصة التالية. "كانت السيدة هاينز على وشك الموت نتيجة الإصابة بنوع خاصٍّ من مرض السرطان, وكان أطباؤها يرون أن إنقاذ حياتها يتوقف على دواء معين, إلّا أن الكيميائي الذي اكتشف الدواء المطلوب كان يبيعه بسعر يفوق ثمنه الأصلي عشرة أضعاف, ولم يكن لدى الزوج المبلغ المطلوب لشراء الدواء, وحاول اقتراض المبلغ من كل من يعرف, ولكنه لم يستطع أن يجمع إلّا نصف ثمن الدواء, واضطر الزوج أن يسأل الكيميائي أن يبيع له الدواء بسعر أرخص, أو يسمح له بتقسيط ثمنه؛ لأن زوجته على وشك الموت, ولكن رفض، وقال له: إنه اكتشف الدواء وهو يسعى لتكوين ثروة من ورائه, شعر الزوج باليأس، وما كان منه إلّا أن اقتحم معمل الكيمائي ليسرق الدواء لزوجته". واعتمد كولبرج على إجراء مقابلات مع كل مفحوصٍ استمر كل منها ساعتين حتى يتفحص التفكر الخلقي لدى مفحوصيه بطريقة أكثر مرونة, وحللت بروتوكولات الاستجابة للتوصل إلى مستويات النمو الخلقي ومراحله في ضوء ٣٠ جانبًا من جوانب السلوك الخلقي, مصنفة إلى ثلاث فئات هي: طرق الحكم القيمي, ومبادئ هذا الحكم, ومحتواه. جوانب السلوك الخلقي: يرى كولبرج أن الإنسان يظهر مستوى نموه الخلقي والمرحلة السائدة لديه من هذا النمو, في كل مرة يعبر عن رأيه, وحكمه في جوانب معين من جوانب الحياة, والتي يبلغ عددها عنده حوالي ٣٠ جانبًا, وقد توَصَّلَ إلى وجود معاملات

стр. 142

ارتباط مرتفعة بين مرحلة النمو الخلقي لدى الفرد بالنسبة لأحد هذه الجوانب, وبين مرحلة نموه الخلقي في الجونب الأخرى؛ فالشاب مثلًا يظهر لونًا من الاتساق في الحكم الخلقي إذا كان عليه أن يصدر حكمًا على الحياة أو الصدق أو الواجب أو الالتزام، فهذه الأحكام حول هذه الجوانب وغيرها من جوانب الحياة تميل إلى أن تكون عند مستوى معين ومرحلة معينة من النمو الخلقي. ويقسِّم كولبرج -كما أشرنا- جوانب الحياة الخلقية أو السلوك الخلقي "وهي المواقف التي تسمح للحكم الخلقي بالظهور" إلى ثلاث فئات هي: ١- طريقة الحكم الخلقي: وتشمل المحكّات التي يصدر في صورتها الحكم الخلقي وهي: أ- الصواب. ب- له الحق في مقابل عليه الواجب. ج- الواجب بمعنى الالتزام. د- المدح واللوم. هـ- الثواب والعقاب. و الخير والفضيلة". ز- التبرير والشرح. ٢- مبادئ الحكم الخلقي: وتشمل عناصر الالتزام أو القيمة التي تتضمن الحكم الخلقي وهي: أ- النظر في العواقب "نواتر مرغوبة أو غير مرغوبة للذات". ب- الرفاهة الاجتماعية "نواتج مرغوبة أو غير مرغوبة للآخرين". ج- الحب. د- الاحترام. هـ- العدالة باعتبارها حرية. و العدالة باعتبارها مساواة. ز- العدالة باعتبارها تبادل مصالح وتعاقد مشترك. ٣- محتوى الحكم الخلقي: ويشمل الموضوعات التي تؤلف مضمون الحكم الخلقي، وقد تكون موضوعات أو مؤسسات أو قضايا اجتماعية, وتشمل على سبيل المثال: أ- المعايير الاجتماعية "وتشمل القوانين والقواعد". ب- الضمير الشخصي. ج- الأدور الشخصية والنواحي الوجدانية. د- الأدوار والمسائل المتصلة بالسلطة والديمقراطية.

стр. 143

هـ- الحريات المدنية "حقوق العيش في حرية ومساواة كبشر أو مواطنين أو أعضاء في جماعات". و عدالة الأفعال التي تصدر عن الإنسان بعيدًا عن الحقوق الثابتة "الثقة في الأفعال التي تصدر عن المرء, ومدى قابليتها للتبادل والتعاقد حولها". ز- العدالة العقابية. ح- الحياة. ط- الملكية. ي- الصدق. ك- الجنس. وقد استمرت بحوث كولبرج، وتطورت بالطبع مفاهيمه، وتنوعت مناهج البحث لديه بين البحوث الطولية والمستعرضة، بالإضافة إلى البحوث الثقافية المقارنة، ومنها توصل إلى وصفه الشهير لمستويات النمو ومراحله التي نتناولها في الفقرة التالية. مستويات النمو الخلقي ومراحله: تعرضت مراحل النمو الخلقي في بحوث كولبرج لتعديلات مستمرة، ولعل الصورة التي استقرت عليها حتى الآن تلك التي عرضها عام ١٩٧٦ "kohlverg, ١٩٧٦". وفي وصفه لهذه المراحل يتحدث عن ثلاث مستويات للنمو الخلقي، لكلٍّ منها مرحلتان, وفيما يلي عرض موجز للمستويات والمراحل. أولًا: المستوى الأول: ما قبل العرف والتقاليد: ١- المرحلة الأولى: أخلاق الخضوع: ويتحدد الصواب فيها في صورة تجنب الخروج على القواعد التي يسندها العقاب، كما تسودها الطاعة لغرض الطاعة في حَدِّ ذاتها، وتجنب أيّ أذى مادي للأشخاص أو الممتلكات. ويسلك الطفل في هذه المرحلة سلوكًا خلقيًّا تجنبًا للعقاب وانصياعًا للسلطة, وتتسم المرحلة من الوجهة الاجتماعية بسيادة النظرة المتمركزة حول الذات؛ فالطفل لا يضع في الاعتبار وجهة نظر الآخر، ولا يعتبره مختلفًا عنه, ولا يستطيع أن يربط بين وجهتي نظر, ويسود الطابع الجسمي على الأفعال بدلًا من أن تكون موجهة بالاهتمامات النفسية لدى الآخرين, كما يحدث في هذه المرحلة خلط بين منظور السلطة والمنظور الذاتي للطفل.

стр. 144

٤- المرحلة الرابعة: أخلاق النظم الاجتماعية والضمير: وفي هذه الرحلة يدل الصواب على تنفيذ الواجبات الحقيقة التي يوافق الفرد على القيام بها, والقوانين تكون موضع احترام إلّا في الحالات المتطرفة التي ينشأ فيها صراع مع الواجبات الاجتماعية الثابتة, ويُدْرَكُ الحق في هذه المرحلة على أنه يسهم في تكوين المجتمع أو الجماعة أو المؤسسة, ويرى الفرد في هذه المرحلة أن السبب الرئيسي لفعل السلوك الخلقي هو المحافظة على بقاء المؤسسة أو الجماعة ككل، وتجنب انهيار النظام الاجتماعي "إذا فعل كل شخص ما يشاء", وهناك سبب آخر للسلوك الخلقي في هذه المرحلة, هو إطاعة أوامر الضمير في أن يقوم الشخص بواجباته المحددة "وعادةً ما يحدث هنا خلط مع المرحلة الثالثة, والتي تتطلب الاعتقاد في القواعد والسلطة", وتتطلب هذه المرحلة من الوجهة الاجتماعية تمايز وحهة النظر "المجتمعية" عن محض الاتفاق بين الأشخاص أو الدوافع لتكوين علاقات مع الآخرين, وتضع هذه المرحة في الاعتبار وجهة نظر النظام الاجتماعي في تحديد الأدوار والقواعد، وتحدد علاقات الفرد في ضوء موضعه في هذا النظام. ثالثًا: المستوى الثالث: ما بعد العرف والتقاليد, أو مستوى المبادئ الخلقية: ٥- المرحلة الخامسة: أخلاق التعاقد الاجتماعي: ويسمي كولبرج هذه المرحلة أيضًا بأنها مرحلة تجمع بين "أخلاق المنفعة وحقوق الفرد"، وفيها يكون الفرد واعيًا بأن لدى الناس قيمًا مختلفة، وأن هذه القيم تتضمن قواعد نسبية تبعًا للجماعة التي تتواضع عليها، ومع ذلك, فإن هذه القواعد النسبية يجب احترامها حتى يوصف الفرد بالنزاهة والتجرد واللا تحيز من ناحية، ولأنها تؤلف التعاقد الاجتماعي من جهة أخرى, وفي هذه المرحلة تحترم أيضًا بعض القيم والحقوق غير النسبية "مفهوم المطلق لم يتحدد بشكل نهائي بعد"، ومن أمثلة هذه القيم: قيمة الحياة وحق الحرية، وهي قيم وحقوق يجب تقديرها في أي جماعة أو مجتمعٍ بصرف النظر عن رأي الأغلبية فيه, ومن أسباب السلوك الخلقي في هذه المرحلة الشعور بالواجب نحو القانون؛ لأن هذا مطلب التعاقد الاجتماعي من جانب الفرد, وهنا يكون الخضوع للقوانين لرفاهية ومصلحة الجميع ولحماية حقوق الجميع, ويشعر الفرد بهذا الاحترام التعاقدي نحو الأسرة والأصدقاء ومجال العمل, ويرى أن القوانين والواجبات تستند على حساب وتقدير المنفعة الكلية "أي: مبدأ تحقيق الخير لأكبر عدد من الناس", ويستند السلوك الخلقي في هذه المرحلة

стр. 145

إلى منظور "سابق على المجتمع", يتضمن فردًا يسلك سلوكًا "عقلانيًّا" ويعي القيم والحقوق قبل أي ارتباط أو تعاقد اجتماعي، ويتم التكامل بين مفاهيم الأفراد المختلفة بعمليات الاتفاق والتعاقد والنزاهة الموضوعية والواجب, وهنا توضع وجهات النظر الخلقية والقانونية معًا، مع إدراكٍ لإمكان حدوث صرعٍ بينهما، وفي هذه الحالة قد يشعر الفرد ببعض الصعوبة في إعادة التكامل بينهما. ٦- المرحلة السادسة والأخيرة: أخلاق المبادئ العامة: وفي هذه المرحلة يتوجه الفرد نحو الالتزام بمبادئ أخلاقية يختارها, وبالطبع فإن بعض ما في المجتمع من قوانين واتفاقياتٍ وعقودٍ يكون صحيحًا في العادة؛ لأنه يستند إلى مثل هذه المبادئ الأخلاقية, أما حينما تخرق هذه القوانين والاتفاقيات والعقود مثل هذه المبادئ "كأن يسود الغش في الامتحانات", فإن الشخص يسلك تبعًا للمبدأ. والمبادئ الأخلاقية هي مبادئ عامة مطلقة, ومن أمثلتها: العدالة والمساواة بين البشر في الحقوق والواجبات، واحترام كرامة الإنسان كإنسان. وهناك سببان للسلوك الخلقيّ في هذه المرحلة الراقية: أولهما: اعتقاد الفرد في صحبة المبادئ الأخلاقية العامة، وهذا الاعتقاد ليس محض إحساس وجداني, وإنما يقوم على الاستدلال والتعقل, والسبب الثاني: هو الإحساس بالاتزام الشخصي نحو هذه المبادئ المطلقة, والمنظور الاجتماعي الذي يصدر من خلال هذا السلوك الأخلاقي يكون في إطار "وجهة نظر أخلاقية محضة", توجه جميع التنظيمات الاجتماعية, ومعنى ذلك: أن كل شخص ناضج عاقل راشد يدرك طبيعة "الأخلاق"، أو حقيقة أن للإنسان قيمة في ذاته, ويجب معاملته على هذا الأساس.
следующие страницы →