٥- الأحكام الخلقية يعتبرها من يصدرها موضوعية، أي: أنها تميل إلى أن يتفق عليها الناس بصرف النظر عن الفروق في الشخصية أو الميول.
ولكي يتمكَّنَ من دراسة الموضوع اتجه إلى نفس وجهة بالدوين وبياجيه, وهي التركيز على بُعْدٍ نمائيٍّ عامٍّ في الحكم الخلقي، وأفادته في ذلك طريقة ماكس فبر, المساماة "النمط المثالي", التي تتلخص في ملاحظة وتحليل مقدار كبير من المواد الكيفية.
وفي دراسته الأصلية للدكتوراه عام ١٩٥٨ فحص كولبرج "التفكير الخلقي" لدى ٧٢ طفلًا أعمارهم ١٠، ١٣، ١٦ سنة, عند التعامل مع مواقف معضلة فرضية ذات طابع خلقيٍّ تتضمن صراعًا بين الانصياع للقواعد القانونية الاجتماعية, وأوامر السلطة من ناحيةٍ, وبين الحاجة البشرية لتحقيق رفاهية الأفراد الآخرين من ناحية أخرى, وصاغ هذه المواقف المعضلة في صورة قصصية، لعل أشهرها وأكثرها شيوعًا القصة التالية.
"كانت السيدة هاينز على وشك الموت نتيجة الإصابة بنوع خاصٍّ من مرض السرطان, وكان أطباؤها يرون أن إنقاذ حياتها يتوقف على دواء معين, إلّا أن الكيميائي الذي اكتشف الدواء المطلوب كان يبيعه بسعر يفوق ثمنه الأصلي عشرة أضعاف, ولم يكن لدى الزوج المبلغ المطلوب لشراء الدواء, وحاول اقتراض المبلغ من كل من يعرف, ولكنه لم يستطع أن يجمع إلّا نصف ثمن الدواء, واضطر الزوج أن يسأل الكيميائي أن يبيع له الدواء بسعر أرخص, أو يسمح له بتقسيط ثمنه؛ لأن زوجته على وشك الموت, ولكن رفض، وقال له: إنه اكتشف الدواء وهو يسعى لتكوين ثروة من ورائه, شعر الزوج باليأس، وما كان منه إلّا أن اقتحم معمل الكيمائي ليسرق الدواء لزوجته".
واعتمد كولبرج على إجراء مقابلات مع كل مفحوصٍ استمر كل منها ساعتين حتى يتفحص التفكر الخلقي لدى مفحوصيه بطريقة أكثر مرونة, وحللت بروتوكولات الاستجابة للتوصل إلى مستويات النمو الخلقي ومراحله في ضوء ٣٠ جانبًا من جوانب السلوك الخلقي, مصنفة إلى ثلاث فئات هي: طرق الحكم القيمي, ومبادئ هذا الحكم, ومحتواه.
جوانب السلوك الخلقي:
يرى كولبرج أن الإنسان يظهر مستوى نموه الخلقي والمرحلة السائدة لديه من هذا النمو, في كل مرة يعبر عن رأيه, وحكمه في جوانب معين من جوانب الحياة, والتي يبلغ عددها عنده حوالي ٣٠ جانبًا, وقد توَصَّلَ إلى وجود معاملات
стр. 142
ارتباط مرتفعة بين مرحلة النمو الخلقي لدى الفرد بالنسبة لأحد هذه الجوانب, وبين مرحلة نموه الخلقي في الجونب الأخرى؛ فالشاب مثلًا يظهر لونًا من الاتساق في الحكم الخلقي إذا كان عليه أن يصدر حكمًا على الحياة أو الصدق أو الواجب أو الالتزام، فهذه الأحكام حول هذه الجوانب وغيرها من جوانب الحياة تميل إلى أن تكون عند مستوى معين ومرحلة معينة من النمو الخلقي.
ويقسِّم كولبرج -كما أشرنا- جوانب الحياة الخلقية أو السلوك الخلقي "وهي المواقف التي تسمح للحكم الخلقي بالظهور" إلى ثلاث فئات هي:
١- طريقة الحكم الخلقي:
وتشمل المحكّات التي يصدر في صورتها الحكم الخلقي وهي:
أ- الصواب.
ب- له الحق في مقابل عليه الواجب.
ج- الواجب بمعنى الالتزام.
د- المدح واللوم.
هـ- الثواب والعقاب.
و الخير والفضيلة".
ز- التبرير والشرح.
٢- مبادئ الحكم الخلقي:
وتشمل عناصر الالتزام أو القيمة التي تتضمن الحكم الخلقي وهي:
أ- النظر في العواقب "نواتر مرغوبة أو غير مرغوبة للذات".
ب- الرفاهة الاجتماعية "نواتج مرغوبة أو غير مرغوبة للآخرين".
ج- الحب.
د- الاحترام.
هـ- العدالة باعتبارها حرية.
و العدالة باعتبارها مساواة.
ز- العدالة باعتبارها تبادل مصالح وتعاقد مشترك.
٣- محتوى الحكم الخلقي:
ويشمل الموضوعات التي تؤلف مضمون الحكم الخلقي، وقد تكون موضوعات أو مؤسسات أو قضايا اجتماعية, وتشمل على سبيل المثال:
أ- المعايير الاجتماعية "وتشمل القوانين والقواعد".
ب- الضمير الشخصي.
ج- الأدور الشخصية والنواحي الوجدانية.
د- الأدوار والمسائل المتصلة بالسلطة والديمقراطية.
стр. 143
هـ- الحريات المدنية "حقوق العيش في حرية ومساواة كبشر أو مواطنين أو أعضاء في جماعات".
و عدالة الأفعال التي تصدر عن الإنسان بعيدًا عن الحقوق الثابتة "الثقة في الأفعال التي تصدر عن المرء, ومدى قابليتها للتبادل والتعاقد حولها".
ز- العدالة العقابية.
ح- الحياة.
ط- الملكية.
ي- الصدق.
ك- الجنس.
وقد استمرت بحوث كولبرج، وتطورت بالطبع مفاهيمه، وتنوعت مناهج البحث لديه بين البحوث الطولية والمستعرضة، بالإضافة إلى البحوث الثقافية المقارنة، ومنها توصل إلى وصفه الشهير لمستويات النمو ومراحله التي نتناولها في الفقرة التالية.
مستويات النمو الخلقي ومراحله:
تعرضت مراحل النمو الخلقي في بحوث كولبرج لتعديلات مستمرة، ولعل الصورة التي استقرت عليها حتى الآن تلك التي عرضها عام ١٩٧٦ "kohlverg, ١٩٧٦". وفي وصفه لهذه المراحل يتحدث عن ثلاث مستويات للنمو الخلقي، لكلٍّ منها مرحلتان, وفيما يلي عرض موجز للمستويات والمراحل.
أولًا: المستوى الأول: ما قبل العرف والتقاليد:
١- المرحلة الأولى: أخلاق الخضوع: ويتحدد الصواب فيها في صورة تجنب الخروج على القواعد التي يسندها العقاب، كما تسودها الطاعة لغرض الطاعة في حَدِّ ذاتها، وتجنب أيّ أذى مادي للأشخاص أو الممتلكات.
ويسلك الطفل في هذه المرحلة سلوكًا خلقيًّا تجنبًا للعقاب وانصياعًا للسلطة, وتتسم المرحلة من الوجهة الاجتماعية بسيادة النظرة المتمركزة حول الذات؛ فالطفل لا يضع في الاعتبار وجهة نظر الآخر، ولا يعتبره مختلفًا عنه, ولا يستطيع أن يربط بين وجهتي نظر, ويسود الطابع الجسمي على الأفعال بدلًا من أن تكون موجهة بالاهتمامات النفسية لدى الآخرين, كما يحدث في هذه المرحلة خلط بين منظور السلطة والمنظور الذاتي للطفل.
стр. 144
٤- المرحلة الرابعة: أخلاق النظم الاجتماعية والضمير:
وفي هذه الرحلة يدل الصواب على تنفيذ الواجبات الحقيقة التي يوافق الفرد على القيام بها, والقوانين تكون موضع احترام إلّا في الحالات المتطرفة التي ينشأ فيها صراع مع الواجبات الاجتماعية الثابتة, ويُدْرَكُ الحق في هذه المرحلة على أنه يسهم في تكوين المجتمع أو الجماعة أو المؤسسة, ويرى الفرد في هذه المرحلة أن السبب الرئيسي لفعل السلوك الخلقي هو المحافظة على بقاء المؤسسة أو الجماعة ككل، وتجنب انهيار النظام الاجتماعي "إذا فعل كل شخص ما يشاء", وهناك سبب آخر للسلوك الخلقي في هذه المرحلة, هو إطاعة أوامر الضمير في أن يقوم الشخص بواجباته المحددة "وعادةً ما يحدث هنا خلط مع المرحلة الثالثة, والتي تتطلب الاعتقاد في القواعد والسلطة", وتتطلب هذه المرحلة من الوجهة الاجتماعية تمايز وحهة النظر "المجتمعية" عن محض الاتفاق بين الأشخاص أو الدوافع لتكوين علاقات مع الآخرين, وتضع هذه المرحة في الاعتبار وجهة نظر النظام الاجتماعي في تحديد الأدوار والقواعد، وتحدد علاقات الفرد في ضوء موضعه في هذا النظام.
ثالثًا: المستوى الثالث: ما بعد العرف والتقاليد, أو مستوى المبادئ الخلقية:
٥- المرحلة الخامسة: أخلاق التعاقد الاجتماعي: ويسمي كولبرج هذه المرحلة أيضًا بأنها مرحلة تجمع بين "أخلاق المنفعة وحقوق الفرد"، وفيها يكون الفرد واعيًا بأن لدى الناس قيمًا مختلفة، وأن هذه القيم تتضمن قواعد نسبية تبعًا للجماعة التي تتواضع عليها، ومع ذلك, فإن هذه القواعد النسبية يجب احترامها حتى يوصف الفرد بالنزاهة والتجرد واللا تحيز من ناحية، ولأنها تؤلف التعاقد الاجتماعي من جهة أخرى, وفي هذه المرحلة تحترم أيضًا بعض القيم والحقوق غير النسبية "مفهوم المطلق لم يتحدد بشكل نهائي بعد"، ومن أمثلة هذه القيم: قيمة الحياة وحق الحرية، وهي قيم وحقوق يجب تقديرها في أي جماعة أو مجتمعٍ بصرف النظر عن رأي الأغلبية فيه, ومن أسباب السلوك الخلقي في هذه المرحلة الشعور بالواجب نحو القانون؛ لأن هذا مطلب التعاقد الاجتماعي من جانب الفرد, وهنا يكون الخضوع للقوانين لرفاهية ومصلحة الجميع ولحماية حقوق الجميع, ويشعر الفرد بهذا الاحترام التعاقدي نحو الأسرة والأصدقاء ومجال العمل, ويرى أن القوانين والواجبات تستند على حساب وتقدير المنفعة الكلية "أي: مبدأ تحقيق الخير لأكبر عدد من الناس", ويستند السلوك الخلقي في هذه المرحلة
стр. 145
إلى منظور "سابق على المجتمع", يتضمن فردًا يسلك سلوكًا "عقلانيًّا" ويعي القيم والحقوق قبل أي ارتباط أو تعاقد اجتماعي، ويتم التكامل بين مفاهيم الأفراد المختلفة بعمليات الاتفاق والتعاقد والنزاهة الموضوعية والواجب, وهنا توضع وجهات النظر الخلقية والقانونية معًا، مع إدراكٍ لإمكان حدوث صرعٍ بينهما، وفي هذه الحالة قد يشعر الفرد ببعض الصعوبة في إعادة التكامل بينهما.
٦- المرحلة السادسة والأخيرة: أخلاق المبادئ العامة:
وفي هذه المرحلة يتوجه الفرد نحو الالتزام بمبادئ أخلاقية يختارها, وبالطبع فإن بعض ما في المجتمع من قوانين واتفاقياتٍ وعقودٍ يكون صحيحًا في العادة؛ لأنه يستند إلى مثل هذه المبادئ الأخلاقية, أما حينما تخرق هذه القوانين والاتفاقيات والعقود مثل هذه المبادئ "كأن يسود الغش في الامتحانات", فإن الشخص يسلك تبعًا للمبدأ. والمبادئ الأخلاقية هي مبادئ عامة مطلقة, ومن أمثلتها: العدالة والمساواة بين البشر في الحقوق والواجبات، واحترام كرامة الإنسان كإنسان. وهناك سببان للسلوك الخلقيّ في هذه المرحلة الراقية: أولهما: اعتقاد الفرد في صحبة المبادئ الأخلاقية العامة، وهذا الاعتقاد ليس محض إحساس وجداني, وإنما يقوم على الاستدلال والتعقل, والسبب الثاني: هو الإحساس بالاتزام الشخصي نحو هذه المبادئ المطلقة, والمنظور الاجتماعي الذي يصدر من خلال هذا السلوك الأخلاقي يكون في إطار "وجهة نظر أخلاقية محضة", توجه جميع التنظيمات الاجتماعية, ومعنى ذلك: أن كل شخص ناضج عاقل راشد يدرك طبيعة "الأخلاق"، أو حقيقة أن للإنسان قيمة في ذاته, ويجب معاملته على هذا الأساس.
стр. 146
تعليق عام على النماذج النظرية:
أشرنا إلى أن النماذج النظرية الثلاثة التي عرضناها آنفًَا تتسم بقدرٍ من التخصص، فنموذج بياجيه ذو طبيعة معرفية، بينما يتسم نموذج إريكسون بسمة وجدانية، ويغلب على نموذج كولبرج الطابع الاجتماعي، ومع ذلك فكلٌّ من هذه النماذج الثلاثة يقبل التوسع والامتداد إلى المجالات الأخرى، ولعل أكثر من حاول ذلك كان جان بياجيه الذي أجرى دراسات كثيرة حول نمو الجوانب الوجدانية والاجتماعية للسلوك, موجهة بالإطار المعرفي العام لنموذجه.
والسؤال الآن: هل توجد نظرية أصح من غيرها؟ للإجابة على هذا السؤال نقول: إن من المستحيل عادةً أن نختبر إحدى النظريات العلمية في مقابل نظرية أخرى, حتى نحدد أيهما النظرية الصحيحة؛ لأن كل نظرية تحدد مجالات بحثها, ومناهج البحث الملائمة لها, ومعنى هذا: أن تختلف نظريات النمو الإنساني
стр. 147
بعضها عن بعض تبعًا للجوانب الأكثر أهمية من السلوك الإنساني التي يسعى كلٌّ منها لدراسته, وعلى ذلك يصعب على الباحثين الذين يتناولون هذه النظريات المختلفة أن يتفقوا على مجموعة مشتركة من المشكلات ما دام كلٌّ منهم يتناول جوانب مختلفة من النمو, ومعنى ذلك: أن كل نظرية تعد صحيحة أو خاطئة في إطار مجال البحث الذي تتناوله, ولا يمكن القول أن هذه النظريات يتنافس بعضها مع بعض, فمثل هذا القول غير صحيح طالما أن النظريات تتناول النمو بطرق مختلفة، وتركز على موضوعات مختلفة للبحث، وتستخدم مناهج بحث مختلفة, ويوضح ذلك الجدول "٥-٦"، وفيه تُجْرَى مقارنة بين النماذج الثلاثة التي عرضناها في ضوء مراحل النمو الرئيسية التي حددناها في الإطار الإسلامي في الفصل الثالث من هذا الكتاب.
وهناك سؤال آخر تطرحه تلقائيًّا إجابتنا على السؤال السابق, وهو: كيف يمكن لنا أن نقوّم النظرية؟ للإجابة على هذا السؤال الجديد لابد لنا من القول بأن من العبث الاعتقاد في أن بيانات البحث ومعطياته وحدها يمكن أن تثبت صحة النظرية أو خطأها, فالنظريات العلمية لا يمكن البرهنة عليها أو عدم البرهنة عليها، وإنما يكون دعمها بالبحث أو عدم دعمها, ولكي نوضح هذا التمييز يمكن أن نشبه ما يحدث في مجال البحث بما يحدث في مجال القضاء؛ فعادة ما يجري في كلٍّ من المجالين نوع من الموازنة بين شواهد وأدلة الدعم والتأييد, في مقابل أدلة وشواهد الدحض والتفنيد, ووزن نوعي أدلة يحول الميزان لصالح النظرية أو ضدها "في مجال العلم", أو مع المتهم أو ضده "في مجال القضاء". وحتى يمكن للنظرية أن يزداد قبولها على نطاق واسع, فلابد للأدلة والشواهد المتوافرة أن تكون مدعِّمَةً لها تدعيمًا واضحًا, وكذلك حتى تحظى النظرية بالدعم لابد لها أن تكون قابلة للاختبار والتحقق, ومعنى ذلك: أن يستطيع الباحثون صياغة بعض جوانب النظرية على هيئة "فروض" يمكن اختبارها والتحقق منها بمنهج البحث العلمي الملائم.
وهناك محل آخر للحكم على جودة "النظرية", وهو مدى قدرتها على خلع المعنى على الظواهر السلوكية المتعددة والمتفرقة التي تبدو غير مرتبطة، وبالتالي تهيئ للإنسان فرصة المزيد من الفهم والاستبصار بطبيعة السلوك الإنساني, وكلما زاد اتفاق "المجتمع" العلمي على ذلك, فإن النظرية تعيش وتزدهر، وتكتسب قدرًا أكبر من القبول, وبالتالي تنمو وتتطور, إلّا أنه قد يحدث ما يسميه توماس كون في كتابه الشهير "بنية الثورة العلمية" تحوُّل في "الوجهة", ونحن نتوقع لعلم نفس النمو -إذا زاد الاهتمام بين الباحثين المسلمين والعرب بتناوله من الوجهة الإسلامية كما فعلنا في هذا الكتاب- أن يحدث له هذ التحول العظيم.
стр. 148
جدول رقم "٥-٦" مقارنة بين نماذج بياجيه وأريكسون وكولبرج
стр. 149
الباب الثاني: المرحلة الأولى لنمو الإنسان - أطوار الجنين
مدخل
...
الباب الثاني: المرحلة الأولى لنمو الإنسان "١"أطوار الجنين
أهمية طور الجنين:
تمهيد للباب الثاني:
عندما يُسْأَلُ شخصٌ عن سنه, فإن الإجابة تتحد عادةً بيوم الميلاد, إلّا أن بعض الثقافات الشرقية تحدد سن الإنسان منذ تكوينه جنينًا في رحم الأم، ولهذا تضيف إلى عمره تلك الشهور التسعة أو نحوها التي عاشها قبل أن يولد, ويبدو لنا أن هذا الموقف الصحيح؛ فهذه الفترة التي يقضيها الإنسان في طور التكوين هي أخطر مراحل عمره على الإطلاق, وليس السبب في ذلك أن تغيرات هائلة تحدث قبل الولادة فحسب، وإنما لأن هذه التغيرات تحدث في فترة قصيرة للغاية, بعضها لا يتجاوز الأسابيع الثمانية الأولى منذ الإخصاب, ولعلنا حين نتتبع التطور المعجز للاقحة "النطفة" Zygote, التي تنتج من اندماج الحيوان المنوي للذكر مع بويضة الأنثى, والتي تتخذ صورة مخلوق أحادي الخلية محدد وراثيًّا, إلى إنسانٍ مكتملٍ في أحسن تقويم -كما يصفه القرآن الكريم، فإننا نقتنع اقتناعًا كاملًا بأن أسرع وأخطر جوانب النمو الإنساني هو ما يحدث خلال تلك الفترة، أي: فترة قبل الولادة.
وإذا سأل سائل، ولكن متى تُحْدِثُ البيئة آثارها؟ إن الإجابة مرةً أخرى على هذا السؤال, هي أن الآثار البيئية تظهر أيضًا قبل الولادة؛ فنمو الجنين لا يحدث في فراغ بيئيّ، فالرحم بيئةٌ بكل معاني الكلمة، وهو بيئة تختلف من أمٍّ لأخرى، وقد يؤثر في الوليد الذي يخرج منه أثناء الولادة, وقد تعوَّدْنَا في الماضي على النظر إلى بيئة الرحم، على أنها بيئة آمنة حامية للجنين، تعينه على التكوين والنمو واكتشاف مزيد من القوة استعدادًا للولادة, وقد نتج ذلك عن أثر كتابات القرن الثاني عشر التي وصفت الرحم على أنه وعاء فارغ محكم يختزن الجنين ويحميه من جميع الآثار الخارجية, إلّا أن البحوث الحديثة تؤكد أن درجة الأمان والحماية التي يوفرها الرحم للجنين تتوقف على عوامل كثيرة؛ منها: عمر الأم، وصحتها, وحالتها الانفعالية، ونظام تغذيتها، وأنواع العقاقير "الطبية وغيرها"
стр. 150
التي تتناولها، وأنواع العناصر الكيمائية ومستويات الإشعاع التي تتعرض لها, وهي جميعًا خبرات تؤثر مباشرة على البيئة الداخلية للرحم, وتؤثر بالطبع على الجنين, وهكذا تتحدد العلاقة الوثيقة بين الأم وطفلها منذ تكوينه؛ لأنه بالفعل جزء من تكوينها، بالمعنى الماديّ وليس المجازي.
ويبلغ الطول المعتاد لطور الجنين ٢٨٠ يومًا, تؤلف٤٠ أسبوعًا أو تسعة شهور شمسية "أو ميلادية", أو عشرة شهور قمرية "هجرية"، ومع ذلك, فإن له أهميةً خاصَّةً أشرنا إلى بعضها في الفقرات السابقة، وتذكر هيرلوك "Hurlock ١٩٨٠" أربعة أسباب لهذه الأهمية هي:
١- تتحدد الخصائص الوراثية للإنسان في هذا الطور، وهي المكونات التي تُعَدُّ أساس النمو اللاحق.
٢- الظروف الملائمة في جسم الأم قد تساعد على تنمية الخصائص الوراثية، بينما تؤدي الظروف غير الملائمة إلى تعويق هذه التنمية على نحوٍ قد يؤدي إلى تعويق النمو اللاحق.
٣- يحدث في هذا الطور أكبر نموٍّ نسبيٍّ في حياة الإنسان, لا يقارن بأي مرحلة أخرى أو طور آخر, وبمعدلات سريعة لا نجدها في أي مرحلة نمائية أخرى.
٤- تتشكل في هذا الطور اتجاهات الأشخاص المهمين في حياة الطفل إزاءه.
فهذه الاتجاهات تؤثر فيه بعد الولادة من خلال تربيته وتنشئته, وخاصة خلال سنوات التكوين في الطفولة.
أطوار الجنين:
تتحدد أطوار الجنين من وجهة النظر الإسلامية "رجع الفصل الثالث" إلى خمسة أطوارٍ, هي محور التناول في هذا الباب:
١- طور النطفة.
٢- طور العلقة.
٣- طور المضغة.
٤- طور تكوين العظام والعضلات "اللحم".
٥- طور التسوية.
стр. 151
الفصل السادس: تكوين النطفة
التكوين الأساسي للخلية
...
الفصل السادس: تكوين النطفة
أشرنا في الفصل الثالث من هذا الكتاب إلى أن معاني النطفة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة تشمل الحيوان المنوي الذكري sperm والبويضة الأنثوية Ovum باعتبارهما المادة التي يتم منها تكوين الجنين, ويطلق عليها معًا في كلٍّ من علم الوراثة وعلم الأجنة الحديث تسميةً واحدةً, هي gamate, وهو لفظ استخدمه البعض في العربية بصورته الأصلية فقالوا: "الجميط" كما استخدم البعض الآخر كلمة "اللاحقة", والأصح في رأينا أن نستخدم اللفظ القرآني البديع "النطفة".
النطفة سواء أكانت مذكرة "حيوان منوي" أو مؤنثة "بويضة", فإنها خلية حية، إلّا أنها خلية ذات طبيعة خاصة وتكوينٍ مختلف عن باقي خلايا الجسم الإنسان, ولهذا يطلق عليها العلماء تسميات مميزة, ومن ذلك مثلًا: الخلية التناسلية أو الخلية الجرثومية, وحتى نوضح الفرق بين نوعي الخلايا نبدأ بوصف الخلية الحية العادية, ثم نتبع ذلك بوصف النطفة "الخلية التناسلية أو الجرثومية".
التكوين الأساسي للخلية:
الجسم الإنسان -والحيواني عامة- هو في جوهره بناء خلوي, وتؤلف الخلايا بدورها الأنسجة, ثم الأعضاء, ويبلغ عدد الخلايا في جسم الإنسان حوالي ١٥ تريليونًا١ عند الولادة، هي نتاج انقسام الخلية الواحدة الأصلية المخصبة "النطفة", التي بدأت بها حياة الإنسان قبل ذلك تسعة أشهر تقريبًا, والتي سوف نصف تكوينها بعد قليل في هذا الفصل.
ومن المعروف الآن أن كل خلية من خلايا الجسم -سواء أكانت من خلايا العظام أم العضلات أم الجهاز العصبي أم غيرها, لها نواة nucleus, عبارة عن كتلة داكنة تحتوي على الكروموزومات أو الصبغيات Chrmomsomes, وهي أبينة
стр. 152
بيولوجية على هيئة شريط أو خيط, وتسمى الوحدات الوظيفية التي تؤلف الصبغيات "الكروموزمات" الجينات أو المورثات Genes, وتعد المورثات مسئولة عن تكوين بروتين الجسم الذي يؤثر في نشاط الخلية, بالإضافة إلى أنها هي المسئولة عن توجيه التغيرات التي تطرأ على الجسم ونموه.
وتختلف الصبغيات من حيث عددها وبنائها في الخليفة الحية باختلاف الأنواع الحيوانية المختلفة, وفي الإنسان فإن جميع خلاياه الحية "ما عدا النطفة لكلٍّ منها نظيره"، منها ٢٢ زوجًا متشابهًا في كلٍّ من الجنسين, وتسمى الصبغيات المتشابهة "الأوتوزومات" autosomes, أما الزوج الثالث والعشرين "وهو كرموزوم الجنس" فيختلف في الذكور عنه الإناث "وهو ما سنوضحه فيما بعد".
ويزداد عدد الخلايا في الجسم الإنساني عن طريق الانقسام الفتيلي Mitosis, وفيه يحدث أولًا أن يزداد عدد أزواج الصبغيات في الخلية الواحدة إلى الضعف، وينتج عن ذلك أن تنقسم هذه الخلية إلى خليتين, يستقل كلٌّ منهما بمجموعة كاملة من أزواج الصبغيات, ولهذا يطلق على هذا النوع "الانقسام غير المباشر", وهو يختلف عن انقسام النطفة أو الخلية التناسلية الذي يحدث بطريقة مختلفة, ويسمى الانقسام النصفي meiosis كما سنوضح فيما بعد.
أما المورثات "الجينات" التي تتألف منها الصبغيات "الكروموزمات", والتي تُعَدُّ من أهم الاكتشافات العلمية في القرن العشرين, ففي عام ١٩٦٢, حصل ثلاثة علماء بريطانيون٢ على جائزة نوبل في العلوم بسبب جهودهم في وصف بنية ووظيفة هذه المادة.
ويقدر حجم جزئي DNA بسمك لا يتجاوز ٢٠ وحدة انجستروم٣, وله بناؤه الأساسي بالإضافة إلى عدد من الجزيئات الفرعية, ويتألف البناء الأساسي
стр. 153
لجزيء DNA من حوالي ٣٠٠٠ جزيء من سكر الكربون، لكلٍّ منها أساس بروتيني, وتوجد أربعة أنواع من هذه الأسس البروتينية تؤلف الجزيئات الفرعية لهذه المادة, وتتشكل هذه العناصر على هيئة سلالم لولبية حلزونية مزدوجة double helix, يبلغ عددها بضعة مئات في المورث الواحد.
وتصنف الأسس البروتينية الأربعة التي يتكون منها DNA إلى فئتين: اثنان منها أكبر حجمًا من نوع البيورين purine "وهي مركبات بيضاء متبلورة" يسميان الأدنين adinine والجوانين guanine، والآخران أصغر حجمًا من نوع البيريميدين Pyrimidine, ويعرفان بالثيمين thymine, والسيتوزين cytosine. ويمسك اثنان من هذه الجزيئات الفرعية، أحدهما من المجموعة الكبرى والآخر من المجموعة الصغرى، معًا جزيئين من جزيئات السكر, ويقع واحد من كلٍّ منهما عند إحدى حافتي السلم الحلزوني الذي أشرنا إليه، ويقع الآخر عند الحافة الأخرى؛ بحيث تؤلف الأسس البروتينية الأربعة درجات هذا السلم.
ويرى علماء الوراثة أن الأسس البروتينية الأربعة السابقة هي المادة الخام "لأبجدية" الوراثة المعقدة, كما أن البناء الأساسي لجزيء DNA, يعطيه خصائص مميزة: منها أنه في موضع جيد للتحكم في النشاط البيوكيميائي للخلية, وخاصة إنتاج بروتينات جسم الخلية التي تؤثر في النمو مدى الحياة, ومنها أنه يكرر نفسه بشكل مذهل, فعند انقسام الخلية تنفك شرائط وخيوط DNA, وتنفصل أزواج الأسس البروتينية، وتتحول خيوط منفصلة مع وحدات DNA أخرى منفصلة أيضًا تنتجها الخلية، وتتم المزاوجة بينهما بدقة مع الأسس البروتينية، وبهذا يكون الجزيء الجديد مطابقًا تمامًا للأصل.
والسؤال الآن هو: كيف تنتقل الخصائص الوراثية إلى عظام الجنين وعضلاته وأحشائه وجهازه العصبي؟ لقد أثبتت تجارب علم الأجنة الحديث أن المادة النووية -التي هي متطابقة في جميع الخلايا- توجه نمو السيتوبلازم الذي يختلف نوعيًّا في كل خلية عن الأخرى، كما يخلتف اختلافات جوهرية في الأنسجة المختلفة للجسم.
ومن الأسرار الغامضة لحدوث ذلك ما حاول العلماء الكشف عنه في الوقت الحاضر, ومن ذلك أن حامض DNA فيه ذخيرة كبيرة من الوسائط التي يرسلها مباشرة إلى ستوبلازم الخلية، ومنها عنصر كيميائي هام يسمى اختصارًا RNA١, وتؤدي المعلومات التي ينقلها هذا العنصر الكيميائي من نواة الخلية إلى
стр. 154
خارجها في توجيه إنتاج البروتين, والبروتينات هي مواد مركبة تؤلف أجزاء كثيرة من الجسم الإنساني, كما تؤلف مادة الهيموجلوبين hemogloabin في الدم.
وتُعَدُّ التغيرات في إنتاج البروتين عملية أساسية في التغير النمائي الارتقائي مدى الحياة.
وتسمى المورثات التي تقوم بدور مباشر في إنتاج البروتين, المورثات البنوية structrural genes, وتتحكم في هذه المورثات البنوية مورثات أخرى تتحكم فيها بالتشغيل أو عدم التشغيل، ويسمى هذا النوع الثاني من المورثات باسم المورثات المنظمة regulator genes, وتقوم هذه المورثات المنظمة بدورها الحاسم في تحديد درجة النشاط العام للكائن العضوي, وتوقيت عمليات النمو, ولعل أشهر مثالين لهذا التوقيت في حياة الإنسان التغيرات البيولوجية في مرحلة ما قبل الولادة "الجنين", وفي مرحلة البلوغ، وكلاهما تحدده هذه المورثات المنظمة.
ويقدر عدد المورثات "الجنيات" في الصبغي "الكروموزوم" الواحد بحوالي خمسين ألف مورث في المتوسط١ ومعنى ذلك أن يبلغ عدد هذه المورثات في الخلية الحية الواحدة أكثر من ربع مليون مورث، تنقل جميعًا لغة الوراثة بأبجديتها الرباعية التي أشرنا إليها, وتحمل التعليمات الخاصة بنمو الخلية وانقسامها, ويهيئ كلّ منها الفرصة لإنتاج إنزيمه الخاص المميز له. والإنزيمات enzymes, هي مواد تؤدي إلى حدوث التغيرات الكيميائية في الخلية, ومعنى ذلك: أن المورثات تتحكم في النشاط البيوكيميائي للخلايا كما بينَّا، وتلعب هذه الإنزيمات باعتبارها مواد حفازة أو نشطة كيميائيًّا catalysts أدوارًا حاسمة في النمو الجسمي؛ لأنها تنتج في النهاية الخلايا المتخصصة التي توجد في الجسم الإنساني المكتمل النمو.
стр. 155
النطفة
مدخل
...
النطفة:
تفرز الأنثى البالغة الصحيحة جسميًّا من المبيضين في قناة فالوب بويضة تامَّة النضج كل ٢٨ يومًا, "أو كل أربعة أسابيع" على وجه التقريب, فإذا اتصلت بالحيوانات المنوية التي تفرزها خصيتا الرجل أثناء الاتصال الجنسي، ونجح أحد هذه الحيوانات المنوية في اختراق جدار خلية البويضة, يحدث الحمل.
وكلٌّ من البويضة "الأنثوية" والحيوان المنوي "الذكر" من نوع الخلايا, إلّا أنها خلايا من نوعٍ خاصٍّ تختلف من حيث البنية وطريقة الانقسام عن الخلايا العادية التي وصفناها في القسم السابق, ولذلك يسميها علماء الأحياء الخلايا التناسلية أو الخلايا الجرثومية، كما يسميها علماء الوراثة gamate, وسوف نستخدم في هذا الكتاب الوصف القرآني البليغ لها وهو "النطفة".
وتنشأ النطفة عند كلٍّ من الذكر والأنثى من الخلية الأولى التي تبدأ منها حياة الإنسان "والتي سوف نصف تكوينها بعد قليل"، والتي تكون مؤلفة -كأي خلية عادية- من ٤٦ صبغيًّا "أو٢٣ زوجًا من الصبغيات", ولكنها تنتج بطريقة مختلفة في انقسام الخلية, تختلف عن الانقسام غير المباشر "الذي وصفناه". أنها طريقة تسمى الانقسام النصفي meisosis, وهي عملية يتم بها انقسامان متتابعان في الخلية، وبها يتم اختزال عدد الصبغيات من ثنائية الصبغيات "أي: أزواج" إلى أحادية الصبغيات "أي: صبغيات منفردة", ومعنى ذلك: أن كل زوج من الصبغيات في الخلية الأصلية ينفصل, فيتوجه كل صبغي من الصبغين إلى إحدى الخليتين الجديدتين, وينتج عن ذلك أن تتألف كل خلية من ٢٣ صبغيًّا فرديًّا فقط, وهذا هو التكوين الأساسي للنطفة، سواء كانت ذكرية "حيوان منوي", أو أنثوية "بويضة".
وهكذا, فإن ما يحدث خلال الانقسام النصفي للخلية الأصلية أن هذه الخلية تنقسم إلى أربع خلايا, كلٍّ منها يتألف من ٢٣ صبغيًّا فرديًّا، وهو نصف العدد الذي يوجد في الخلية الأصلية "أو الخلية العادية", وبالإضافة إلى ذلك, فإنه قبل انفصال الصبغيات وتوزيعها على الخلايا الجديدة يحدث الكثير من العلميات الوراثية منها:
١- التبادل exchange في جزئيات DNA: مما يؤدي إلى حدوث شفرة وراثية جديدة، ويتكون نمط وراثي جديد داخل النطفة, يكون خليطًا من الإسهام الوراثي لكلٍّ من الوالدين، كما لا يتطابق تمامًا مع ما لدى أيٍّ منهما.
٢- التقاطع cross over: وفيه تحل مورثات أحد ثنائي الصبغي محل مورثات الثنائي الآخر، وتسمى هذه الحالة أحيانًا العبور.
٣- القفز jrmping: وفيه تتحرك المورثات من موضعٍ إلى آخر داخل الصبغيات, وتؤدي إلى تعديل آثار مورثات أخرى.
٤- الطفرة mrtation: وفيه تمر المورثات بتغيرات تلقائية, تنتقل من جيلٍ إلى آخر بعد ذلك.
стр. 156
النطفة الأمشاج:
ذكرنا أنه حين تتصل النطفة الأنثوية "البويضة"١ بالنطف الذكرية "الحيوانات المنوية", وينجح أحدها في اختراق جدار خلية البويضة يحدث الحمل conception, وفي هذه العملية تندمج نواتا الخليتين لتصير أول خلية في حياة الإنسان, وهذا ما يسمى الإخصاب fertilization, وإخصاب البويضة بالحيوان المنوي يحدث عادةً في قناة فالوب, وبعد الإخصاب مباشرة تبدأ الخلية الجديدة رحلتها إلى الرحم.
ويسمي علماء الأجنة والوراثة الخلية المخصبة Zygote, وقد أُطْلِقَ عليها في اللغة العربية إما اسمها الأصلي "الزيجوت", أو ترجمة للفظ هي "اللاقحة", إلّا أن الأصح في رأينا أن نستخدم التعبير القرآني الكريم "النطفة الأمشاج" وسوف نشير إليها في هذا الكتاب بذلك, أو بلفظ "المشيج" "وهو مفرد أمشاج" اختصاراً.
حين تندمج نواتا النطفتين الأنثوية والذكرية عند الحمل, تؤلف الصبغيات الثلاث والعشرون داخل كل نطفة منهما أزواجًا ليصبح عددها في المشيج الناتج ٢٣ زوجًا، ومعنى ذلك أن المشيج هو أول خلية عادية في حياة الإنسان, وبالطبع فإن نصف هذه الأزواج يأتي من كلٍّ من الوالدين، ويرتبط النصفان في الخلية الجديدة ليكونا العدد الصحيح من الصبغيات اللازم لتكوين الكائن الإنساني الحي ونموه, فإذا زاد عدد الصبغيات -أونقص- في المشيج عن ٤٦ صبغيًّا فإنه قد يعيش, إلّا أنه سوف ينمو وفيه نقائص خطيرة, أو ربما لا يتمكن من العيش فيموت.
وبسبب العلميات الكثيرة التي تحدث أثناء الانقسام النصفي, فإن الشفرة الوراثية التي يحملها المشيج الجديد لا تتطابق تمامًا مع أيٍّ مما لدى الوالدين, ولعل هذا هو سر ما وجده علم الوراثة الحديث من أنه -باستثناء التوائم المتطابقة -لا تتوافر لدى شقيقين -من نفس الوالدين- نفس الأنماط الوراثية, والتوائم المتطابقة -أو التوائم أحادية المشيج monozygote, تتكون حين ينقسم المشيج بعملية الانقسام غير المباشر "الذي يحدث للخلية العادية"، وينشأ عن ذلك خليتان مخصبتان "مشيجان" مستقلتان, إلّا أنهما متطابقتان في مادتهما الوراثية, ما دامتا قد نتجتا عن انقسام نفس الخلية, ويستمر المشيجان المتطابقان في النمو حتى يصبح كلٌّ منهما جنينًا منفصلًا, ويكون التوأمان المتطابقان دائمًا من نفس الجنس ما دام الوراثي متطابقًا.
ويوجد نوع آخر من التوائم, هو التوائم الأخوية, أو التوائم متعددة المشيج mul- tizygote, وتتكون حين يفرز مبيضا الأم بويضتين أو أكثر, لكلٍّ منها نمطها الوراثي الخاص، ثم تخصب هذه النطف الأنثوية بحيوانات منوية "نطف ذكرية" مختلفة، فينتج عن ذلك أكثر من جنين واحد يولدون معًا. صحيح أنهم يولدون في نفس الوقت, إلّا أن لكلٍّ منهم شفرة وراثية مختلفة, وعلى ذلك فإنهم قد يكونون من نفس الجنس أو من الجنسين.
стр. 157
ميكانيزمات الوراثة
مدخل
...
ميكانيزمات الوراثة ١:
تعود البداية الحديثة لفهمنا العلمي لميكانيزمات الوراثة إلى العالم النمسوي الشهير جوهان جريجور مندل J G Mendel "١٨٢٨-١٨٨٤", الذي بدأ حياته راهبًا يتسلّى بإجراء التجارب على نباتات حديقة الدير الذي يتنسك فيه, وقد نشر أول دراساته عام ١٨٦٥, إلّا أنها لم تحظ باهتمام يذكر, ومع بداية القرن العشرين أُعِيدَ اكتشاف جهود مندل, وأعيد تقديره باعتباره مؤسس علم الوراثة الحديث.
ولعل أهم اكتشافات مندل أنه لاحظ أن بعض الخصائص التي توجد في الجيل الأول أو الأصلي "جيل الوالدين" تختفى في الجيل الثاني, ثم تعود للظهور في حوالي ٢٥% من الحالات في الجيل الثالث, وقد حاول أن يفسر هذه النتائج, فافترض أنه في الجيل الأصلي يكون لدى كلٍّ من الوالدين عاملان وراثيان "أو مورثان بالتعبير الذي شاع فيما بعد" هما صورتان متضادتان لخاصية واحدة, وهذا النوع من المورثات يسمى الآن المورثات متضادة الصفات Allele, واقترح مندل أن كلًّا من الوالدين ينقل إلى النسل أحد قطبي هذه الصفة, ويتفق هذا مع ما أثبته علم الوراثة الحديث الذي يؤكد أن النطفة -باعتبارها تحمل نصف صبغيات الخلية الأصلية- تحمل في نفس الوقت أحد قطبي هذا النوع من المورثات المتضادة الصفات, فإذا انتقل إلى النسل نفس الصورة للخاصية من كلٍّ من الوالدين, تكون نطفة الأمشاج من النوع المتجانس homozygous بالنسبة للخاصية، أما إذا انتقلت إليه من أحد الوالدين إحدى صورتي الخاصية المتضادة, ومن الوالد الآخر الصورة الأخرى, تكون الأمشاج من النوع المتغاير heterozy gous, كما اقترح مندل أيضًا أن إحدى الصورتين قد تسيطر على الصورة الأخرى, وتسمى في هذه الحالة الخاصة السائدة dominant, وبسبب قوتها تظهر نفسها دائمًا في النسل التالي, وتسمى الصورة المتضادة في هذه الحالة بالخاصية المتنحية rececssive, والتي لا تظهر إلّا في حالة غياب الخاصية السائدة, وبالطبع
стр. 158
فإن الخاصية المتنحية -على الرغم من أنها قد لا تظهر- إلّا أنها تظل كامنة في جميع الأجيال اللاحقة, وهكذا ميَّزَ مندل -لأول مرة أيضًا- بين ما يسمى الآن النمط الوراثي genotype والمظهر الموروث phenotype, وهما مفهومان هامان سنتناولهما بالتفصيل فيما بعد.
وبهذه الطريقة كان مندل قادرًا على تفسير نتائجه الطريفة التي حصل عليها من بحوثه على نبات الفاصوليا, ففي تجاربه كان يجعل الجيل الأصلي من النبات "الوالدان" يحمل كل منهما مورثين لكل خاصية, إلّا أن أحدهما كان يجعل مورثات من النوع السائد فقط "ولتكن مثلًا مورثات البذور الصفراء اللون" "ويحمل الوالد الآخر مورثات متنحية فقط "مورثات البذور الخضراء اللون", وبهذا ترث نباتات الجيل الثاني جميعًا مورثات الخاصية السائدة, ومورثات الخاصية المتنحية، ومع ذلك لا تظهر إلّا الخاصية السائدة فقط "بذور صفراء", وحين تخصب هذه النباتات الجديدة ذاتيًّا, ورث ٢٥% من النباتات الجديدة مورث الخاصية المتنحية, فإن هذه الخاصية "أي: البذور الخضراء اللون" تظهر.
وهكذا كانت بحوث مندل المبكرة, البداية العلمية الصحيحة لعلم الوراثة الحديث, وقد أفادت افتراضاته في تفسير أنماط معينة من الوراثة, لا تقتصر على النبات فحسب, وإنما تمتد إلى الأنواع الحيوانية أيضًا, إلّا أن التطورات التي شهدها هذا العلم بعد ذلك أثبتت أن ميكانيزمات الوراثة التي اقترحها مندل تقتصر على وراثة الخصائص التي تتأثر بزوج واحد من الموروثات أو عدد قليل منها, وقد أيدت هذه البحوث كثيرًا من فروضه إلّا أنه في بعض الحالات الأخرى تطلبت نتائج البحوث تفسيرات كثيرة عديدة أخرى, ومن ذلك مثلًا أن المورثات السائدة والمتنحية لا تظهر دائمًا على النحو الدقيق الذي وصفه مندل, وذلك للأسباب الآتية:
١- الأدوار العديدة التي تلعبها بعض الموروثات الأخرى, بالإضافة إلى الدور الهام الذي تقوم به البيئة.
٢- توجد لبعض الصفات مورثات عديدة من النوع المتضاد الصفات alleles, وليس مورثًا واحدًا كما افترضت النظرية الأساسية لمندل.
٣- المورثات التي توجد على صبغي الجنس تعمل بطريقة مختلفة عن تلك التي تعمل بها المورثات التي على الصبغيات الأخرى في الخلية الواحدة.
٤- يتأثر كثير من الخصائص بأزواج عديدة من المورثات, وليس بزوج واحد فقط، وتسمى هذه الحالة بالوراثة المتعددة الأصول polygene.
стр. 159
كيف تنتقل الخصائص الوراثية:
يوجد في أزواج الصبغيات في الخلية جميع عوامل الوراثة التي تحمل التعليمات البيوكيميائية التي تؤدي إلى إنتاج فروق ملحوظة بين الأجنة, ثم بين الأفراد بعد ولادتهم, في الخصائص الجسمية وفي السلوك, ويؤكد علم الوراثة الحديث أن ما يورث بالفعل ليس سمة أو خاصية معينة؛ كالذكاء أو الشعر المجعد، وإنما التعليمات الجسمية للخلية لإنتاج أو عدم إنتاج البروتينات التي تُعَدُّ مسئولة في نهاية الأمر عن حدوث الفعل الذكي, أو ظهور الشعر المجعد في الرأس.
ووصف نشاط المورثات يفيدنا في تحديد معنى مصطلحين هامين أشرنا إليهما فيما سبق, هما النمط الوراثي genotype, والمظهر الموروث phenotype, ويشير أولها إلى التنظيم الوراثي الحقيقي والأصلي الموجود في خلايا الفرد, أما المصطلح الثاني "المظهر الموروث", فيشير إلى الخصائص التي يتم التعبير عنها وملاحظتها في الفرد, والتي تُعَدُّ نتاجًا للنمط الأول "النمط الوراثي", ونحن لا نزال لا نعرف الكثير عن النمط الوراثي الخاص للسمات أو الخصائص التي نلاحظها في الفرد؛ لأننا لا نعرف الكثير بعد عن نشاط المورثات في الخلية الإنسانية, وكثير من الخصائص المرتبطة بالسلوك الإنساني "كالذكاء والانسباط" هي تنظيمات معقدة لأنماط سلوكية عديدة، كل منها يمثل مظهرًا لموروثات كثيرة جدًّا, أما بالنسبة للسمات الأقل تعقدًا "وأغلبها من نوع الخصائص الجسمية؛ كلون الشعر وفصيلة الدم" فمن السهل نسبيًّا وصف الشفرة الوراثية لها, أو نمطها الوراثي, ونعرض فيما يلي بعض الأمثلة لانتقال الخصائص الوراثية.
١- وراثة الخصائص السائدة ذات المورث الواحد:
حين تنتقل الخاصية بواسطة مورث سائد واحد, فإنها سوف تظهر دائمًا في النسل, ومن أمثلة هذه الخصائص التي أكدت نتائج علم الوراثة الحديث أن لها مورثًا سائدًا: اللون البني للعين، وطول النظر، وغمازات الوجه، والشعر المجعد، وأصابع اليد أو القدم الزائدة، وشحمة الأذن السائبة، والشعر الأرقط "الشعر ذو الخصلة البيضاء في مقدمة الرأس، والقدرة على لف اللسان إلى الخلف، والقدرة على لف اللسان نحو المركز، ومرض هانتنجتون Huntington "هو مرض قاتل من نوع اضطرابات الجهاز العصبي ويظهر في صورة اختلاجات تشنجية, وتقلصات عضلية لا إرادية في الوجه والأطراف, بالإضافة إلى تدهور النشاط العقلي". وحين يوجد المورث السائد في النمط الوراثي, فإنه يتم التعبير عنه دائمًا في صورة مظهر موروث, وإذا تزاوج معه مورث مختلف عنه في
стр. 160
صورة متنحية, فإنه يتفوق عليه دائمًا, وأحد الأنماط الوراثية التي يرثها الجنين يكون على هيئة انتقال المورث السائد من أحد الوالدين دون الوالد الآخر على الإطلاق، وتتشكل النطفة الأمشاج حينئذ في صورة متغايرة -كما بينا, وفي هذه الحالة يكون انتقال المورث وظهوره في النسل بنسبة ٥٠%.
٢- وراثة الخصائص المتنحية ذات المورث الواحد:
يعرف علماء الوراثة المتنحي بأنه: ذلك الذي لا يتم التعبير عنه في صورة مظهر موروث إلّا إذا تمت مزاوجته مع مورث آخر مشابه له، أو إذا غاب المورث السائد في النمط الوراثي للجنين, ومن الخصائص المتنحية التي أكدتها بحوث علم الوراثة الحديث: اللون الأزرق للعين، وعمى الألوان، ونمش الجلد، والشعر السبط "المستقيم الناعم غير المجعد"، وشحمة الأذن الملتصقة بالوجه، والصملاخ الجاف الذي تفرزه الأذن، والمهق albinism "حين يكون الشخص أو الحيوان لبني البشرة أبيض الشعر قرنفلي العين"، والتليف المراري cystic fibr sis "وينتج عن سوء نشاط الغدد"، ومرض تاى -ساكس Tay-Sacks ", وهو لون من اضطرابات الجهاز العصبي"، والفدامة cretinism "وهي حالة مرضية تنشأ عن اضطرابات نشاط الغدة الدرقية, وتتسم بالتشوه الجسمي وقصر القامة والضعف العقلي"، والمرض الناتج عن الأيض غير السوي المسمى phenylketonuria, واختصار "PKU" ويتمثل في العجز عن تذوق مادة الفينيل.
ومن الأنماط الوراثية أن يكون الوالدان معًا حاملين لمورث منتج لخاصية معينة؛ مثل: مرض العجز عن تذوق مادة الفينيل PKU الذي أشرنا إليه، وينتج عن ذلك نطفة أمشاج متغايرة, وفي هذه الحالة يكون لكلٍّ من الوالدين فرصة متساوية لنقل كلٍّ من المورث المتنحي للصفة "ح", والمورث العادي لها "ع", الدال على السواء, والذي يكون سادئًا عندهما في هذه الحالة، ويكون الناتج احتمال أن يرث النسل المورث المتنحي من الوالدين معًا بنسبة ٢٥%, وفي هذه الحالة ينتقل المرض إلى الجنين، كما ينقله هو إلى جيل آخر, أما احتمال أن ينتقل إلى النسل مورث متنجٍ واحد, ومورث عادي واحد, فيكون ٥٠%, وفي هذه الحالة لن يظهر على الجنين المرض، ولكنه يصبح حاملًا له, والاحتمال الثالث والأخير: فهو أن يرث الجنين مورثين عاديين سائدين وحينئذ يكون الجنين عاديًّا, ونسبة هذا الاحتمال ٢٥%.
وهكذا فإن نمط الوراثة المتنحية لزوجٍ واحدٍ من المورثات, يحدد الكثير من الاضطرابات والأمراض التي يرثها الإنسان, وهذا هو السبب الجوهري في
стр. 161
التوصية بعدم زواج الأشخاص من ذوي القرابة القريبة, وهي الحكمة التي عبَّر عنها الرسول الكريم -كما بينا في الفصل الثالث, فجميع الأسر تحمل مورثات متنحية ضارة، والزواج الداخلي -أي: داخل الأسر- يزيد من فرصة أن يحمل كل من الزوجين نفس المورثات المتنحية.
٣- وراثة الخصائص ذات المورثات المتعددة:
ناقشنا فيما سبق الأنماط الوراثية البسيطة التي تعود في جوهرها إلى مورث واحد, سواء أكان سائدًا أم متنحيًا، وهي الأنماط التي تنطبق عليها القوانين الكلاسيكية للوراثة منذ أن صاغها مندل, وفي هذا النوع من الوراثة لا يوجد كما بينا إلّا زوج واحد من المورثات تنتج فئات من نوع "إما ... أو.." فعمى الألوان مثلًا إما أن يوجد أو لا يوجد, وتؤكد بحوث علم الوراثة الحديث أنه يوجد حوالي ٢٠٠٠ خاصية من هذا القبيل, بعضها معروف وبعضها متوقع اكتشافه, كما توجد أكثر من ١٥٠ سمة وراثية مرضية من هذا النوع ينتج عنها التخلف العقلي "Libert et al ١٩٨٦".
إلّا أنه توجد خصائص أخرى لا تقع تحت حصر تتأثر بعدة مورثات, وهذه الخصائص ليست من نوع الكم المنفصل "إما ... أو ... " الذي أشرنا إليه، وإنما تظهر في صورة كَمّ متصل, ففي حالة الطول مثلًا لا يكون الأفراد إما عمالقة أو أقزام، وإنما يتوافر تنوع هائل بين الناس في هذه الخاصية, ويصدق هذا على كثير من الخصائص الجسمية؛ مثل: الوزن ولون الجلد وحرارة الجسم، كما يصدق على الخصائص النفسية؛ مثل: الذكاء. ففي هذه الأمثلة وغيرها, يسهم كل مورث من المورثات العديدة المسئولة عن الخاصية بأثر صغير يضاف إلى آثار المورثات الأخرى, ومع زيادة عدد المورثات المسئولة عن الخاصية يزداد تنوع المظاهر الموروثة إلى الحد الذي لا يمكن عنده تمييز فئات مستقلة لمظاهر موروثة منفصلة.
وفي دراسة الوراثة متعددة المورثات لا يستطيع الباحث تتبع أثر كل مورث على حدة "تذكر أنه يوجد في الصبغي الواحد حوالي ٥٠٠٠٠ مورث في المتوسط", وبدلًا من ذلك, فإن الباحثين يفحصون بعناية توزيع الخصائص في المجتمع الأصلي باستخدام بعض الطرق الإحصائية المعقدة, ومن المفترض دائمًا أن خصائص أي مجتمع أصلي هي نتائج التفاعل بين الآثار الوراثية والبيئة، ولهذا يحاول الباحثون دراسة هذين المكونين بالمقارنة بين جماعات مختلفة بينهم درجات مختلفة من القرابة, ويتعرضون لظروف بيئية متشابهة أو مختلفة. "راجع فؤاد أبو حطب ١٩٩٦".
стр. 162
صبغيات (كروموزمات) الجنس
...
صبغيات "كروموزومات" الجنس:
من الخصائص الرئيسية التي تتحكم فيها الوراثة وحدها خاصية جنس الجنين, والنمط الوراثي المرتبط ببناء جسم كلٍّ من الجنسين يوجد في كروموزومات" نواة النطفة الأمشاج "الزيجوت", وعلى هذا, فإنه من بين الأزواج الثلاث والعشرين من الصبغيات التي تؤلف الخلية البشرية الأولى, يوجد ٢٢ زوجًا تسمى الأوتوزومات autosomes, وهي المسئولة عن التغيرات المختلفة خلال النمو, أما الزوج الثالث والعشرون من هذه الصبغيات فهو وحده المسئول عن النمو الجنسي للجنين.
ويوجد نوعان من صبغيات الجنس، أحدهما يسمى "الكروموزوم "س" أو "X", والآخر أصغر كثيرًا ويسمى الكروموزم "ص" أو "Y", وحين يكون زوج هذه الصبغيات في النطفة الأمشاج من نوع "س س", فإن المظهر الموروث يكون أنثويًّا، أما إذا كان زوج صبغيات الجنس في هذه النطفة من نوع "س ص" يصبح المظهر الموروث ذكريًّا.
ومن حقائق علم الوراثة أن بويضة الأم لا تحتوي إلّا على الكروموزم "س" فقط في جميع الحالات، بينما تحتوي بعض الحيوانات المنوية للأب على الكروموزوم "س", وبعضها الآخر على الكروموزوم "ص", وعلى ذلك, فعند إخصاب البويضة وحدوث الحمل "حيث تندمج نواة البويضة ونواة أحد الحيوانات المنوية ليؤلفا النطفة الأمشاج أو الزيجوت" وتكوين أزواج الصبغيات في الخلية الأولى في حياة الإنسان، فإن النمط الوراثي لجنس الجنين يكون إما من النوع "س", أي: "أنثى" حين ينقل كروموزوم من النوع "س" من كلٍّ من الأب والأم، أو "س ص", أي: "ذكر", حين ينقل من الأم كروموزم من النوع "س" -وليس عندها سواه كما قلنا, ومن الأب كروموزوم من النوع "ص"؛ لأن عنده النوعين. والاعتماد في الحالتين يكون على تكوين الحيوان المنوي للوالد الذي نجح في الاندماج مع بويضة الأم، أي: ما إذا كان كروموزم الجنس في هذا الحيوان المنوي من النوع س أو ص, ومعنى ذلك: أن جنس الجنين يحدده الأب أساسًا، ما دامت الأم لا تسهم إلّا بنوع واحد من كروموزوم الجنس وهو النوع "س".
ولا توجد طريقة تتحكم في نظام إخصاب البويضة؛ بحيث تتحول إلى نطفة أمشاج من جنس نريده, فتوزيع الكروموزومات الجنسية تحكمه قوانين الوراثة, وهي قوانين يصفها علماء الوراثة الغربيون بأنها نتيجة المصادفة، وهو مصطلح يطلق على النظام الذي يخرج عن نطاق التحكم البشري المباشر، والأصح في
стр. 163
رأينا أن نقول أن هذه القوانين تحكمها مشيئة الله تعالى, فما يخرج عن نطاق التحكم البشري ليس محض مصادفة، وإنما هناك المشيئة الأعلى والقدرة الأسمى التي خلقت الكون والإنسان, وحددت لهما سنن وجودهما, والتي يسميها القرآن الكريم "التقدير", يقول الله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَه﴾ "عبس: ١٩" راجع الفصل الثالث", وتقدير الله -جَلَّ شأنه تعالى- على أوصاف المصادفة والعشوائية وغيرها من المصطلحات الراهنة في علم الإحصاء الحديث, والتي انتقلت بدورها إلى علم الوراثة, والأصح من الوجهة الإسلامية أن نقول: إنه إذا أراد الله أن يلتقي الحيوان المنوي الحامل لكروموزوم الذكورة "ص", بالبويضة التي تحمل دائمًا كروموزوم الأنوثة "س", فإن الجنين يكون أنثى بأمر الله, وقد نَبَّه القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة العلمية, يقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم: ٤٥-٤٦] . أي: أن الذكورة والأنوثة تابعة لماء الرجل "راجع الفصل الثالث".
وحالما يتم تكوين النطفة الأمشاج باتحاد النطفة الذكرية والنطفة الأنثوية يتحدد نهائيًّا جنس الجنين, ولا يوجد وسيلة على أيّ نحو تغير من هذا الجنس, وعلينا أن ننبه هنا الأزواج الذين يلومون زوجاتهم على ولادة "البنات"؛ لعلهم يدركون من مناقشتنا السابقة أن كروموزوماتهم هي المسئولة -بمشيئة الله- عن تحديد "الجنس" وليس كروموزومات الأم، ربما لعلهم بهذا يخففون من غلوائهم، فهم وحدهم الملومون، إن كان هناك من يلام!
ويختلف نوعا صبغيات الجنس بعضهما عن بعض في الحجم, وعدد الموروثات داخل كلٍّ منهما؛ فالكروموزوم "ص" أصغرهما -كما بينا- بالإضافة إلى أنه يحتوي على عدد من المورثات أقل من الكروموزوم "س", وهذه الحقيقة تفسر لنا حدوث الاضطرابات الوراثية المرتبطة بالجنس.
стр. 164
وراثة الخصائص المرتبطة بالجنس:
توجد خصائص وراثية معينة تسمى الخصائص المرتبطة بالجنس، والتي تتأثر بالمورثات التي توجد على صبغيات الجنس, ومن المعروف أن الكروموزوم "ص" أقل في عدد مورثاته من الكروموزوم "س" كما ذكرنا, لهذا نجد أن معظم تلك الخصائص تحملها مورثات النوع الأخير, أي: "س"، وهو في جوهره صبغي أنثوي, ومن الاضطرابات الوراثية التي يحملها هذا الكروموزوم مرض الهيموفيليا "سيولة الدم", وعمى الألوان المرتبط باللونين الأحمر والأخضر، والصلع، وبعض صور الصمم، وبعض صور خلل الجهاز العضلي.
وفي بعض حالات الوراثة المرتبطة بالجنس يكون المورث متنحيًا, خذ على سبيل المثال: الاضطراب الجسمي المعروف باسم الهيموفيليا "سيولة الدم" الذي قد يظهر في الجنين إذا كان مورثه متنحيًا, ولا يوجد في النمط الوراثي مورث سائد خاص بتجلط الدم, إلّا أنه في معظم الحالات نجد أن الأجنة الذين لديهم مورث متنحٍ لسيولة الدم يكون لديهم أيضًا مورث سائد خاص بالتجلط الصحي للدم، ولذلك لا يظهرون هذا الخلل، ويصبحون فقط حاملين وراثيين له, وبالطبع إذا كانت الأم حاملة لهذا المورث المرضي فإنها تنقله إلى نسلها، إلّا أن هذا الانتقال يختلف في الذكور عن الإناث, فإذا كان الجنين ذكرًا, فإن نسبة وراثيته لهذا الاضطراب تصبح ٥٠%, ما دام لا يوجد مورث صحي سائد في الكروموزوم الأصغر "ص", الذي يرثه الذكر عن والده؛ بحيث يمنع ظهور الهيموفيليا, أما إذا كان الجنين أنثى لهذه الأم الحاملة للمرض في صورة مورث متنحٍ, فإن الفرصة حينئذ تصبح أكبر بألا تصاب بالمرض؛ لأنها قد ترث عن والدها مورث سائد لتجلط الدم, وقد تكون أحيانًا حاملة للمرض, والطريق الوحيد لانتقال المرض وراثيًّا إلى الجنين الأنثى في هذه الحالة, وظهوره عندها بشكل صريح في في شكل مظهر موروث, أن يكون مورث الأب من النوع المريض أيضًا، وبالتالي يسهم في الجنين الأنثى بمورث متنحٍ له, أي: أن الأنثى المصابة بالهيموفيليا -وغيره من الأمراض السابقة كعمى الألوان- تتلقى مورثة من كلٍّ من الاب والأم في صورة متنحية.
ولعل هذه الحقائق العلمية تفسر لنا ما نلاحظه من أن الخصائص المرتبطة بالجنس أكثر حدوثًا بين الذكور منها بين الإناث, ومن ذلك مثلًَا: أن عمى الألوان "بالنسبة للونين الأحمر والأخضر" ينتشر بين الذكور بمعدل يبلغ ثمانية أضعاف انتشاره بين الإناث "Mussen ١٩٧٠", وبالمنطق الوراثي السابق نقول: إن جميع النساء المصابات بعمى الألوان لا بد أن يكون أباؤهن لديهم مورثه أولًا.
خلل صبغيات الجنس:
في معظم الحالات يكون نمط صبغي الجنس في الجنين من النوع "س س" للأنثى، و"س ص" للذكر على النحو الذي بيناه, إلّا أنه في بعض الحالات يحدث تنظيم مختلف يترتب عليه حدوث اضطرابات هامة يرثها الطفل، ومنها:
١- زملة١ النقص في أحد الصبغيين "س" عند الإناث، ويكون النمط
стр. 165
الوراثي عندهن من النوع "س صفر" أي: عدم وجود الكروموزوم "س" الآخر, وتسمى زملة ترنر Turner, ويظهر هذا النقص بنسبة ١: ٢٥٠ حالة ولادة, والأنثى التي تولد بهذا النقص الوراثي يكون نموها محدودًا, وعلى الرغم من أنها قد لا تظهر تخلفًا عقليًّا شاملًا, إلّا أنها تظهر بعض مظاهر العجز في القدرات المكانية على وجه الخصوص "أي: القدرة على التعامل مع الأشكال في المكان".
٢- زملة الزيادة في بعض صبغيات "س" عند الإناث أيضًا، وفي هذه الحالة يكون النمط الوراثي "س س س" أو أكثر, وفي هذه الحالة تظهر مظاهر العجز الجسمي والعقلي مع كل كروموزوم "س" إضافي.
٣- زملة الزيادة في بعض صبغيات "س" عند الذكور, ويكون النمط الوراثي من النوع "س س ص", وتسمى زملة كلاينفلتر Klinefelret, ويحدث بنسبة ١: ٥٠٠ حالة ولادة, ويؤدي ذلك الاضطراب إلى طول في القامة وإلى نمو جنسي معوق, وقد يصاحبه تخلف عقلي طفيف, وبعض الاضطراب في الشخصية.
٤- زملة الزيادة في الصبغي "ص" عند الذكور أيضًا، وتسمى اضطراب الذكورة الزائدة supermale disorder, ويكون النمط الوراثي في هذه الحالة "س ص ص" أو أكثر, وهذا الخلل يصاحبه طول في القامة مع تآزر حركي ضعيف, ونقص في الذكاء وكثرة بثور الوجه, وقد افترض في الماضي -في ضوء الدراسات المبكرة التي أجريت على الذكور المسجونين بسبب جرائم العنف والاغتصاب- أن هذه الزملة تمثل أحد الأنماط "الوراثية" للجريمة, إلّا أن هذا الفرض يوضع في وقتنا الحاضر موضع التشكك بسبب نقص الضوابط المنهجية في البحوث المبكرة, وأهمها: عدم استخدام المجموعات الضابطة, ويرى بعض الباحثين المعاصرين أن ارتفاع معدل الجريمة المرتبط بهذا الاضطراب الوراثي لدى الذكور, لا يتربط بزيادة مستويات العدوان بقدر ما يرتبط بنقص الذكاء لديهم.
"Brodzinsky et al ١٩٨٦"
الخلل العام في الصبغيات:
يوجد نوعان من الخلل العام في الصبغيات, أحدهما: يتمثل في العدد غير العادي من الكروموزومات، وثانيهما: البنية غير العادية لها, ويحدث النوع الأول أثناء الانقسام النصفي للنطف الأصلية للأم والأب "البويضة والحيوان المنوي", وقد يحدث أيضًا أثناء مراحل النمو المبكر للنطفة الأمشاج "الزيجوت", وفي كلتا
стр. 166
الحالتين فإن زوج الصبغيات لا ينفصل كما يجب، ويترتب على ذلك زيادة أو نقص أحد صبغيات الخلية.
أما الخلل الثاني، وهو خلل بنية الصبغيات في الخلية فيتضمن أنواعًا عديدة، لعل أهمها تحطم الكروموزوم، أو إعادة بنائه بطريقة غير طبيعية, ومن أسباب ذلك التعرض للإشعاع أو العناصر الكيميائية أو الفيروسات أو حدوث طفرة وراثية, كما يزيد من احتمال خلل الكروموزومات تقدم الأم في السن.
ويعد الخلل العام في الصبغيات مسئولًا عن حوالي ٥٠% من حالات الإجهاض التلقائي في بداية الحمل، وعن حوالي ٦% من حالات الوفاة عقب الولادة, ومن المعروف أن حوالي ٦. % "أي: ٦ في الألف" من الأطفال الذين يولدون أحياء, يحملون بعض صور الخلل العام في الصبغيات، على الرغم من أنه ليس من الضروري أن يظهروا جميعًا نقائص من نوعٍ ما "Liebert et al" "١٩٨٦، ولحسن الحظ, فإن التطورات الراهنة في ميدان الفحص الوراثي والإرشاد الوراثي, يمكن أن تعين في منع حدوث هذه الحالات من الخلل الوراثي أو في التحكم فيها، وهذا ما سنتناوله فيما بعد.
ومن صور خلل الصبغيات الشائعة ما يسمى زملة داون Down ُ s syndrome, وقد كشف العلماء منذ عام ١٩٥٩ أن معظم حالات هذا الخلل يتسبب فيها وجود كروموزوم إضافي من النوع رقم ٢١, وأنه موروث, ويزيد احتمال حدوثه مع تقدم الأم في السن, وربما لهذا السب يطلب من الأم التي يتجاوز عمرها الخامسة والثلاثين أن تفحص بشكل روتيني قبل الحمل أو أثناءه, للتأكد من عدم وجود مثل هذا الخلل الوراثي الخطير.
وتظهر زملة داون في صورة تخلف عقلي متوسط أو شديد, بالإضافة إلى مظاهر جسمية خارجية واضحة: صغر حجم الجمجمة والذقن والأذنين، وقصر الرقبة والأيدي والأقدام، بالإضافة إلى غلظ الرقبة وفلطحة الأنف، وخفة الشعر، وانشقاق اللسان، ووجود ثنية فوق جفن العين, ولهذا يبدو مظهر الشخص في هذه الحالة وكأنه من المغول "سكان منغوليا"، ولهذا يطلق على هذه الحالة اسم المغولية mongolism ١ "نسبة إليهم"، وهي حالة شائعة في ميدان التخلف العقلي.
стр. 167
الفصل السابع: أطوار نمو الجنين
أولًا: طور النطفة الأمشاج
يعتبر طور النطفة الذي تناولناه في الفصل السابق, المرحلة التكوينية الأولى للجنين, وهو طور حاسم, فمع تكوين النطفة الأمشاج "الزيجوت أو اللاقحة" تتحدد نهائيًّا -بتقدير العزيز الحكيم- الخصائص الوراثية للإنسان.
وإيجازًا لما عرضناه مفصلًا في الفصل السابق نقول: إن المرأة في فترة التبويض ovulaion "أي: مرحلة خروج البويضة من المبيض", تخرج البويضة أو النطفة الأنثوية إلى قناة فالوب؛ حيث تتكون النطفة الأمشاج التي هي عبارة عن خلية عادية, تتألف من ٤٦ صبغيًّا "كروموزومًا"، بعد أن كانت قبل تكوينها عبارة عن نطفتين "خليتين تناسليتين أو جرثومتين" كل منها يتألف من ٢٣ صبغيًّا "كروموزومًا" فقط. راجع تفاصيل ذلك في الفصل السادس.
والنطفة الأمشاج "البويضة المخصبة أو الزيجوت أو اللاقحة" Zygote لا يزيد طولها عن ١٠/ ١ الميللميتر، ولا يزيد وزنها عن جزء من المليون من الجرام, ويحيط بها الماء كما يكون الماء الجزء الأكبر منها, ومن هنا كانت التسمية القرآنية للنطفة بالماء المهين, وهو وصف للنطفة الأمشاج أيضًا, ويمتد هذا الطور من اللحظة الأولى للحمل وحتى اليوم السادس أو السابع من بدايته, ولا يمكن لهذا الطور أن يتحدد مجهريًّا, ولذلك يتحدد كيميائيًّا, ويطلق علماء الأجنة على اللحظة التي يتم فيها إخصاب البويضة مرحلة التلقيح fertlization. وعقب ذلك تنقسم البويضة الأمشاج -وهي خلية واحدة كما بينا- إلى خليتين، انظر الشكل رقم "٧-١" ثم أربع ثم ثماني.
стр. 168
الشكل رقم "٧-١" انقسام النطفة الأمشاج إلى خليتين
وخلال الآيام الثلاثة الأولى من الحمل تصبح النطفة الأمشاج مؤلفة من ١٦ خلية, وتأخذ عندئذ شكل ثمرات التوت، ولذلك يطلق علماء الأجنة على هذا الطور "طور التوتة" morula ويوضح الشكل رقم "٧-٢" ذلك.
الشكل رقم "٧-٢" شكل تقريبي لتحول النطفة الأمشاج إلى شكل ثمرة التوت.
وطوال الفترة السابقة تتحرك النطفة الأمشاج متنقلة من قناة فالوب في المبيض ومتوجهة إلى الرحم، وتدفعها الشعيرات الدقيقة cilia الموجودة بقناة فالوب حتى تصل إلى الرحم بالفعل, وخلال هذه المرحلة يكمل باطن الرحم استعداده لاستقبال النطفة الأمشاج، ويشمل هذا الاستعداد زيادة عدد الأوعية الدموية والنظم الغددية في جدار الرحم, حتى يصبح أملس على نحوٍ يسمح ببقاء النطفة والتصاقها بجداره -فيما بعد- بحيث تتلقى غذاءها منه, وإذا لم يتم الرحم هذه الاستعدادات تسقط النطفة الأمشاج مع أول دورة شهرية "حيض" للأم.
وحين تدخل "التوتة" الرحم يطرأ عليها تغير جوهري في الشكل، فبسبب
стр. 169
دخول السائل الموجود في تجويف الرحم إلى التوتة فإنها تبدأ في التجويف، وفي اليوم الخامس من الحمل تتحول التوتة إلى ما يسمى علميًّا الكرة الجرثومية blastula, وهو طور تصبح فيه النطفة الأمشاج كالكرة من حيث الشكل الخارجي والفراغ الداخلي الذي يملؤه جزء من السائل الدقيق في التجويف الرحمي, كما هو موضح في الشكل رقم "٧-٣".
الشكل رقم "٧-٣" شكل توضيحي للكرة الجرثومية
وتحول النطفة الأمشاج من طور التوتة إلى طور الكرة الجرثومية يتضمن ما هو أكثر من محض التغير في الشكل, إنه يتضمن أيضًا بداية التمايز أو التخصص في وظائف الخلايا, مع زيادة عددها إلى ما بين ٥٠-٦٠ خلية.
стр. 170
ثانيًا: طور العلقة
لم يتنبه علماء الأجنة إلى هذا الطور الهامِّ من أطوار نمو الجنين إلّا منذ بضع سنوات، على الرغم من أن القرآن الكريم أشار إليه منذ أربعة عشر قرنًا؛ كطور واضح صريح في مرحلة النمو قبل الولادة "راجع الفصل الثالث", فقد ورد ذكر العلقة في القرآن الكريم في خمسة مواضع, وفي معظمها ورد هذا الطور بعد طور النطفة "ما عدا سورة العلق", ويغلب على فهم أغلب المفسرين القدامى, وكثير من المحدثين وصف العلقة بأنها "دم غليظ متجمد"، وعلى هذا النحو تمت الترجمات التي وضعت لمعاني القرآن الكريم, وقد اختلف مع هذا الرأي قليل من الأقدمين مثل ابن الجوزي في "زاد المسير في علم التفسير"؛ حيث قال: "وسميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر فيه" وهو رأي في كثير من الصواب في ضوء العلم الحديث؛ فالأطباء المحدثون يفسرون اللفظ القرآني تفسيرًا علميًّا بالقول, بأن العلقة
стр. 171
هي الطور الذي تعلق فيه الكرة الجرثومية -والتي اكتمل تكوينها في الطور السابق- بجدار الرحم, وتتشبث به وتنشب فيه "محمد على البار، ١٩٨٦".
وعلى الرغم من أن كلمة "علقة" تحمل المعنيين السابقين من الوجهة اللغوية، فهي تعني: كل ما ينشب ويعلق، كما تعني: الدم الغليظ، فلا يوجد دليل يحبذ تفضيل المفسرين للمعنى الثاني على المعنى الأول الذي يشير إلى التعلق بجدار الرحم، سوى ما يشاهد عند حدوث الإجهاض المبكر؛ حيث لا يرى إلّا دم غليظ؛ إذ أن حجم العلقة في هذا الطور لا يتجاوز ١/٤ ميلليمتر، وتكون محاطة بدم غليظ, ولهذا يكون الانتباه لهذا الدم الغليظ، أما النطفة التي لا تتجاوز ربع الميلليمتر فلا ينتبه إليها أحد.
وتصف لنا الأدلة العلمية الحديثة هذا الطور؛ فبعد أن يتم الرحم استعداده لاستقبال النطفة الأمشاج وبقائها فيه، والتي تكون قد تحولت فيه بالفعل إلى كرة جرثومية، لا يمكن أن يكتب لها الاستمرار أو البقاء فيه إلّا إذا تعلقت بجداره, ويحدث ذلك في اليوم السادس أو السابع بعد الحمل, ويصف علم الأجنة ما يحدث بأنه تعلق attachment أو انزراع implantation, وتعني جميعًا -كما قلنا- تعلق الكرة الجرثومية بجدار الرحم؛ حيث تقوم خلايا الجدار الخارجي للكرة الجرثومية والتي تسمى طبقة التغذية trophobast التعلق بالطبقة الداخلية لجدار الرحم وتزرع نفسها فيه, وحينئذ تكون أشبه بالطفيليات العالقة leech-like "Sympson et al ١٩٨٥" endometerirm.
وتحاط الكرة الجرثومية، بعد تحولها إلى علقة، ببرك من الدماء blood lacunae، ولذلك, فإن تعبير القدماء عن العلقة بأنها دم غليظ هوتعبير فيه شيء من الصحة، بمعنى أن العلقة تكون محاطة بالدم الغليظ، وهو ما نراه تحت الميكروسكوب, وتتغذى العلقة من هذه الدماء، ومن إفرازات الغدد الرحمية التي يبلغ عددها ١٥ ألف غدة، والتي يسميها علماء الأجنة لبن الرحم "محمد علي البار، ١٩٨٦", وفي هذا الطور يبدأ الغشاء المشيمي chorion في التكوين، ويكون له زغب "نتوءات أشبه بنتوءات منابت ريش الطيور"، ويتفرع مثل الشجرة, وصورته تمثل التعلق أصدق تمثيل.
والتعلق الثالث يجيء بواسطة المعلاق connecting slalk، أو الساق الموصلة، الذي يعلق الكرة الجرثومية بالغشاء المشيمي، وهذا المعلاق يشبه الساق المنبارية في الطيور والحيوانات.
وحالما تلتصق العلقة بجدار الرحم تبدأ عملية التغذية، وهو مالم يكن موجودًا في الطور السابق؛ حيث كان تكاثر النطفة الأمشاج، وطوال الأيام الستة الأولى
стр. 172
من حياة الجنين عن طريق الانقسام, إلّا أن زيادة عدد الخلايا في هذا الطور "النطفة الأمشاج" لا يؤدي إلى زيادة الحجم تغيرًا محسوسًا، ولذلك تظل النطفة الأمشاج ذات حجم ثابت تقريبًا؛ لأنها لا تتلقى غذاء، اللهم إلّا القليل الذي يوفره صفار البويضة, إلّا أنها حالما تلتصق بجدار الرحم -وتصحب علقة- تبدأ عملية التغذية التي تؤدي إلى زيادة الحجم.
وإذا كانت تسمية النطفة الأمشاج -كما بينا- تسمية كيميائية، فإن تسمية الطور الثاني من تكوين الجنين "العلقة" تسمية تشريحية مجهرية "ميكروسكوبية", وكلا الطورين وتسميتهما القرآنية إعجاز علميٌّ لا يمكن أن يصدر إلّا ممن هو بكل خلق عليم؛ فالميكروسكوب لم يخترع إلّا في القرن السابع عشر الميلادي, ولم يتطور علم الأجنة إلّا بعد ذلك بقرنين.
والجنين في طور العلقة لا يتجاوز قطره أجزاء من الميلليمتر يتعلق برحم أمه لتغديه من دمها, كما تتعلق "علقة الحجام بجسد المخلوقات التي تتغذى عليها" "عدنان الشريف، ١٩٨٧-١٩٨٨". والجنين منذ هذا الطور من حياته وحتى ولادته, يعيش في محيطٍ مائيٍّ معلقًا برحم أمه بواسطة الحبل السري أو المعلاق, والعلق يعيش في الماء.
ويمتد طور العلقة لمدة أسبوع، وبنهايته يكون الجنين قد بلغ من العمر ١٥ يومًا تقريبًا, وحالما تلتصق العلقة بجدار الرحم في اليوم السابع من الحمل تقريبًا يمكن لها الاستمرار في الحياة، بسبب التغذية التي تأتيها من الرحم، ولعل أهم إنجازٍ يحدث حينئذٍ هو إفراز هورمون يمنع الأم من إفراز العادة الشهرية، وبالتالي تهيئة الرحم الذي تلتصق به العلقة "أو العلق" على نحوٍ أفضل, ويتوزع هذا الهرمون على جسم الأم كله, ويظهر في البول، وظهوره علامة إيجابية على الحمل في الاختبارات التي يجريها الأطباء, وفي بعض الحالات تستمر المرأة في الحيض حتى يملأ الجنين تجويف الرحم, وحينئذ فقط لا يمكن للعادة الشهرية أن تحدث, وهذه هي العدة كما حددها الفقه الإسلامي, والتي يمكن أن يحدث فيها الحمل مع وجود الحيض, أي: الشهور الثلاثة الأولى للحمل, وبعدها تنقطع العادة الشهرية تمامًا, ولم يكن العرب أو غيرهم من الشعوب وقت نزول القرآن الكريم يعرفون هذه الحقائق العلمية، ولكن القرآن الكريم ذكرها وأصبحت الشريعة الإسلامية تنص عليها في عدة المطلقة والأرملة "راجع الفصل الثالث".
стр. 173
ثالثًا: طور المضغة
ورد لفظ "المضغة" في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة باعتبارها طورًا تاليًا لطور العلقة "راجع الفصل الثالث", والمضغة في اللغة: هي ما يمضغ من اللحم, وهي تدل في علم الأجنة على طورٍ في النمو يشبه فيها الجنين في مظهره لقمة ممضوغة "Simpson et al chewed substance ١٩٨٥"
ويبدأ هذا الطور بعد تعلق الكرة الجرثومية بالرحم؛ حيث تتكون عندئذ ككتل داخلية من الخلايا, نتيجة نشاط ما يسمى الشريط الأولى primitive steak, ويؤدي تمايز هذه الطبقات إلى ظهور ما يسمى الكتل البدنية somites التي تبدأ بالتكثف حول المحور, ثم تنمو بسرعة على جانبيه، وتلامس الميزاب أو الشق العصبي neural groove. وتبدأ هذه الكتل في الظهور من أعلى بعد انقضاء ثلاثة أسابيع تقريبًا على الحمل, وتظهر منها أولًا كتلتان: واحدة على كل جانب، ثم يتوالى ظهورها تباعًا, وبنهاية الشهر الأول من حياة الجنين تتمايز هذه الكتل إلى ثلاث طبقات هي: الطبقة الخارجية ectoderm والتي منها ينمو بعد ذلك الجلد وأعضاء الحس والجهاز العصبي، والطبقة الداخلية endoderm والتي منها تنمو فيما بعد الأجهزة الهضمية والتنفسية والغدية، والطبقة المتوسطة mesoderm التي منها تنمو فيما بعد الأجهزة الدورية والإخراجية والعضلية.
ويبدأ طور المضغة منذ أوائل الأسبوع الثالث من حياة الجنين, ويمتد إلى نهاية الأسبوع السادس من عمره, أي: أن مدته الكلية حوالي أربعة أسابيع, وخلال هذا الطور تظهر الكتل البدنية التي أشرنا إليها، والتي يبلغ عددها من ٤٢-٤٥ زوجًا، فتعطي للجنين شكل اللحم الممضوغ, والنظر إلى صور الجنين في هذا الطور من حياة الإنسان يكشف لنا مرةً أخرى عن إعجاز التسمية القرآنية له بأنه طور "المضغة".
وتنمو المضغة من كتل كبيرة من الخلايا خلال فترة قصيرة لا تتجاوز ستة أسابيع إلى "طفل مصغر"، وهذا ما يصفه القرآن الكريم "بالمضغة المخلقة"؛ ففيها نجد جميع السمات الجوهرية للجسم الإنساني, سواء أكانت داخلية أو خارجية, ويتبع النمو في هذا الطور الاتجاه من أعلى إلى أسفل؛ فأكبر مقدار من النمو يطرأ على منطقة الرأس أولًا, بينما تكون الأطراف آخر ما ينمو, ومع مرور الوقت يمتد النمو إلى الجزء الأسفل من الجسم.
ولعل أهم تغير يطرأ على الطبقة الخارجية "وهو المسئولة عن التغذية" تكوين أربعة أغشية تهيئ للمضغة النمو. وأحد هذه الأغشية الكيس الأميني amniotic sac, وهو عبارة عن كيس ماءٍ محكمٍ يحيط بالمضغة ويمتلئ بالسوائل التي تصل إليه من أنسجة الأم, ووظيفة الكيس الأميني والسائل الأميني فيه "وهو
стр. 174
سائل ملحي يحيط بالمضغة" حماية المضغة النامية من الإصابة، ومن آثار الجاذبية، والمحافظة على درجة حرارة دافئة ثابتة, يقوم بإحداثها جسم الأم، وتهيئة بيئة عديمة الوزن تسهل حركة الكائن النامي وتساعده على تدريب أجزاء الجسم النامي, ويطفو بجانب المضغة الصغيرة كيس ممتلئٌ بصفار البويضة على شكل بالونة ينتج خلايا دموية للمضغة, ويظل يعمل حتى تستطيع المضغة إنتاج خلاياها الدموية, وهذا الكيس متصل بغشاء ثالث هو المشيمة Chorion التي تحيط بكلٍّ من الغشاء الأميني والمضغة, وأحد جوانب كيس المشيمة مغطى بأبنية أشبه بالجذور أو الزغب, تقوم بعملية جمع الغذاء للكائن من أنسجة الرحم, وهذه المنطقة تتحول بالتدريج إلى باطن المشيمة, أما الغشاء الرابع فيسمى Allantosis, ويؤلف الحبل السري والأوعية الدموية في المشيمة.
وحالما تتكون المشيمة وتنمو تتم تغذيتها من الأوعية الدموية لكلٍّ من الأم والمضغة، على الرغم من وجود غشاء يسمى الحاجز المشيمى, يمنع هذين المسارين الدمويين من الامتزاج, وهذا الحاجز شبه منفذ، أي: أنه يسمح لبعض المواد بالنفاذ من خلاله إلى المشيمة دون سواها, ومن ذلك الغازات مثل: الأوكسجين وثاني أوكسيد الكربون والأملاح وأغذية عديدة؛ مثل: السكر والبروتين والدهون, أما خلايا الدم فهي من الكبر في الحجم بحيث لا تستطيع اجتياز الحاجز المشيمى.
وترتبط المضغة بالمشيمة عن طريق الحبل السري "أو أنبوب الحياة", والذي يتكون من شريانين ووريد, ويحمل الوريد الأوكسجين ومواد الغذاء إلى المضغة، أما الشريانان فيحملان ثاني أوكسيد الكربون وفضلات عمليات الأيض "عمليات بناء البروتوبلازم" التي تصدر عن المضغة, وهذه الفضلات تعبر الحاجز المشيمى وتدخل المجرى الرئيسي لدم الأم, وتطرد من جسمها خلال فضلات عمليات الأيض الخاصة بها, ومن هذا الوصف يتضح لنا أن الجنين النامي هو أقرب إلى الطفيليات، فهو معتمد اعتمادًا كاملًا على أمه في الحصول على الأوكسجين والطعام, وفي علميات الإخراج أيضًا.
وخلال مرحلة المضغة يحدث النمو بمعدل فائق السرعة, فمع بداية هذا الطور، "أي: بعد أسبوعين من الإخصاب" يتحول جزء من طبقة المضغة الخارجية إلى أنبوب عصبي, سرعان ما يصبح الرأس والمخ والنخاع الشوكي, وبنهاية الأسبوع الثالث يتكون قلب بدائي وأوعية دموية, وفي الأسبوع الرابع يبدأ القلب في النبض دافعًا الدم خلال الشرايين والأوردة الصغيرة في المضغة, وتتشكل العينان والأذنان والأنف والفم, وفي الأسبوع الخامس تنشأ فجأة براعم صغيرة
стр. 175
تتحول إلى الذراعين والساقين, ثم تنمو في الاتجاه من الوسط إلى الأطراف "من الداخل إلى الخارج", ومعنى ذلك أن الذراع الأعلى ينمو أولًا, ثم الذراع الأدنى فالأيدي فالأصابع, ويتبع نمو السيقان نفس النمط بعد عدة أيام, وبعد شهرٍ من الإخصاب لا يزيد طول المضغة عن ربع بوصة, ولكن حجمها يزيد على حجم اللاقحة أو النطفة الأمشاج التي تطورت منها بمقدار عشرة ألاف مرة, ولن يتعرض الإنسان في حياته فيما بعد لأي معدل في النمو, أو يتغير بمعدل من السرعة يصل إلى هذه الدرجة بحالٍ من الأحوال "Shaffer ١٩٨٥".
وخلال الشهر الثاني يتحول الجسم إلى الشكل الإنساني من حيث المظهر, فينمو بمعدل ٣٠/ ١ من البوصة يوميًّا, ويظهر فيه ذيل بدائي, إلّا أن سرعان ما يحاط بالأنسجة الواقية, ويتحول إلى نهاية العمود الفقري "العصص", وفي منتصف الأسبوع الخامس يتكون في كلٍّ من العينين القرنية والعدسة, وينمو المخ أيضًا بسرعة مع بداية الشهر الثاني من الحمل, الذي يوجه التقلصات العضلية الأولى للمضغة عند نهاية هذه المرحلة, وبعد أقل من شهرين من الإخصاب تكون المضغة أطول قليلًا من بوصة "أي: ٢,٥سم" وتزن حوالي ١٠/ ١ أوقية "١٤ جرامًا", ومع ذلك فلها شكل الإنسان, على الرغم من أن طول رأسها يساوي طول باقي الجسم.
وهكذا تتخلق المضغة بإرادة الله , والمضغة المخلقة هي التي تكون فيها بدايات أجهزة الجسم المختلفة, إلّا أن المضغة قد لا تتخلق كما يتحدث القرآن الكريم, وحينئذ لا تكون إلّا من خلايا فقط في هذه الحالة، وقد يقصد بذلك -والله أعلم- السقط كما جاء في تفسير القرطبي.
ويؤكد علم الأجنة أن هذه الفترة -فترة المضغة- ذات طبيعة حساسة في النمو الإنساني، فالشهران الأولان من الحمل حاسمان من نواحٍ كثيرة؛ ففيهما يقع معظم السقط, أو حالات الإجهاض التلقائي, وبالطبع هو أخطر من سقط العلقة؛ لأنه يحدث بعد أن تكون العلقة قد علقت بحائط الرحم ثم تطرد منه, وتدل الإحصاءات الطبية أن ما بين ٣٠-٥٠% من حالات الحمل تنتهي بالإجهاض التلقائي أو السقط, ومعظم هذه الحالات تكون من النوع الذي يوصف "بالشذوذ التكويني" أو بعبارة القرآن الكريم تكون حالات "مضغة غير مخلقة".
إلّا أننا يجب أن ننبه إلى أنه حتى المضغة السوية تكوينيًّا, والتي ترتبط بجدار رحمٍ سليمٍ قد تتعرض لبعض المخاطر خلال الشهرين الأولين من الحمل, والواقع أن الفترة من أسبوعين إلى ثمانية أسابيع بعد الإخصاب هي الفترة الحرجة في الحمل؛ فالمضغة خلالها تكون أكثر حساسية للفيروسات والعناصر الكيميائية والعقاقير والإشعاع التي قد تتداخل مع النمو وتحدث عيوب الولادة, فهي تؤثر على أعضاء الجسم وأجزائه التي تكون قد تكونت, وتلك التي في سبيلها للتكوين جميعًا.
стр. 176
رابعًا: طور تكوين العظام والعضلات "اللحم "
يشير القرآن الكريم إلى طورٍ تالٍ لطور المضغة, هو طور تحوّل المضغة إلى عظام, ثم كساء العظام باللحم "راجع الفصل الثالث". وقد لاحظ علماء الأجنة أنه بعد أن تتكون المضغة تتكثف الطبقة المتوسطة التي بجانب المحور على هيئة كتل بدنية, وتنقسم هذه الكتل إلى قسمين.
١- قسم أوسط داخلي ventro medial, والذي يتحول قرب نهاية طور المضغة إلى النسيج العظمي أو الهيكلي، ولذلك تعرف الكتل البدنية في هذا القسم باسم القطاع الهيكلي Selerotome، ولخلايا هذه الكتل القدرة على التشكيل، فمنها تتكون الخلايا المكونة للعظام osteoblasts, وتنمو خلايا هذا القسم من الجانبين أمام القناة العصبية، وبذلك تتكون هذه الكتل من مؤخرة الرأس حتى تلتحم أربع كتل بدنية معًا مكونةً جزءًا من قاع الجمجمة, ثم تأتي بعدها ثماني فقرات عنقية، تليها اثنتا عشرة فقرة صدرية, ثم خمس فقرات قطنية، وخمس أخرى عجزية، وبعدها ثماني إلى عشر فقرات عصعصية, يتلاشى معظمها مع عظم العصعص, وتبدأ هذه التحولات في الأسبوع الخامس والسادس من عمر الجنين, ثم تزداد ظهورًا بعد ذلك, ويمكن أن يسمى هذا القسم من الكتل البدنية القسم العظمى.
٢- قسم جانبي خارجي dorso lateral, وهو قسم يمكن أن نسميه القسم العضلي أو اللحمي, وهذه الكتلة البدنية من الخلايا تظهر من الفقرات الأولية, وتمايزها إلى طبقتين: أولاهما: تُكَوّن الأدمة "باطن الجلد الواقع تحت البشرة"، وما تحت الأدمة، أما الطبقة الثانية فتكوّن عضلات الهيكل myotome, وتظهر هذه العضلات لتكسو عظام الجنين بعد انقضاء الأسبوع السابع أو الثامن من الحمل, بينما تظهر العظام الأولية بعد انقضاء الأسبوع السادس أو الثامن من الحمل؛ ففي الأسبوع السابع يتشكل مثلًا غضروف الأذن على نحو أفضل, ويصبح للمضغة شكل عظمي غضروفي.
ومن الحقائق التي يؤكدها علم الأجنة أن الكتل البدنية التي تكون قد بدأت في الظهور في الأسبوع الثالث من حياة الجنين "مع بداية طور المضغة" يكتمل
стр. 177
ظهورها في اليوم الثلاثين من حياته "أي: بعد انقضاء شهر على الحمل"، ولا تكاد تتكون كتل جديدة خلال طور المضغة إلّا بعد أن تكون الكتل القديمة قد تمايزت إلى قطاعٍ هيكليّ "عظمي" وقطاع عضلي "لحمي".
وتتكون فقرة العظام من قطعتين هيكليتين متجاورتين، ولهذا يؤدي هذا الالتحام إلى تحرك القطع العضلية لتغطيتها, وذلك للمساعدة في حركتها، ويعبر القرآن الكريم عن هذه العملية بالتعبير المعجز ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ .
أما بالنسبة لتكوين الأطراف, فقد أشرنا إلى أنه في الأسبوع الخامس -حيث لا يزال الجنين في طور المضغة- تظهر هذه الأطراف في صورة براعم صغيرة، ثم تتحول في طور العظام والعضلات إلى ذراعين وساقين. وحسب مبدأ النمو -الذي سبق أن أشرنا إليه- يسبق الطرف العلوي الطرف السفلي في الظهور ببضعة أيام, نتيجة تكثف خلايا من النسيج المتوسط messenchyme, تأتي من الطبقة المتوسطة للكتل البدنية التي أشرنا إليها عند حديثنا عن طور المضغة, وفي الأسبوع السادس تتحول خلايا النسيج المتوسط إلى خلايا غضروفية, وفي نفس الأسبوع أيضًا تظهر بوضوح الهياكل الغضروفية السفلية والعلوية.
وأول علامة على وجود العضلات في الأطراف تظهر في الأسبوع السابع نتيجةً لتكثف خلايا النسيج المتوسط في قاعدة برعم الطرف، ومن هنا يتضح أن العظام تتكون أولًا, ثم تليها العضلات لتكسوها, وصدق الله العظيم.
وتتكون عظام العمود الفقري والأطراف عن طريق تكوين الغضاريف أولًا، ولهذا تسمى العظام الغضروفية, أما عظام الرأس فتتكون بطريقتين: أولاهما العظام الغضروفية, والتي تشكل قاع الجمجمة وعظام الوجه، وثانيهما العظام الغشائية, وتشكل عظام قحفة الجمجمة, وفيها يتكَوّن العظم مباشرة فوق الغشاء دون أن تسبقه مرحلة غضروفية.
ومع اقتراب الجنين من بداية الشهر الثالث من عمره, تبدأ العظام في الصلابة, وتسرع العضلات في النمو، وتتحول المضغة غير المشكلة إلى الشكل الإنساني, ويطلق علماء الأجنة على هذه المرحلة مرحلة الكتلة المنتفخة, أو ما يصح أن يطلق عليه حقًّا الجنين embryo, وهكذا تؤلف الشهور الثلاث الأولى من الحمل الفصل الأول من حياة الجنين.
стр. 178
خامسًا: طور التسوية
...
طور التسوية:
بعد اكتمال نمو المضغة, وتحول المضغة غير المشكلة إلى كتلةٍ منتفخة لها الشكل الإنساني "أي: جنين" بسبب تكَوّن العظام وكسوتها بالعضلات تدخل طورًا جديدًا في حياة الإنسان, هو طور التسوية كما يسميه القرآن الكريم "راجع الفصل الثالث", ويبدأ هذا الطور مع بداية الشهر الرابع من حياة الجنين, ويمتد حتى الولادة, ويطلق علماء الأجنة على هذه المرحلة تسمية خاصة هي مرحلة الحميل fetus.
فمع نهاية الشهر الثالث يظهر جنس الجنين؛ ففي الأسبوعين السابع والثامن يبدأ النمو الجنسي مع غدة جنسية محايدة, فإذا كان الجنين ذكرًا يحدث أحد جينات الكروموزم "ص" فيه رد فعلٍ كيميائيًّا حيويًّا يوجه الغدة المحايدة إلى أن تنتج الخصيتين، أما إذا كان الجنس أنثى, لا تتلقى الغدة المحايدة مثل هذه التعليمات, وتنتج المبيضين, ومع نضج الخصيتين خلال الأسبوعين التاسع والعاشر تفرزان الهرمون الجنسي للذكور, والذي يستثير نمو الجهاز التناسلي الذكرى, وبالمثل ينمو لدى الجنين الأنثى جهاز تناسلي أنثوي.
ومع نهاية الشهر الثالث أيضًا يكون الجنين قادرًا على القيام ببعض الأنشطة الطريفة في بيئته داخل الرحم. يحرك ذراعيه, ويخبط بساقيه، ويحرك جسمه, بل يقوم ببعض الحركات البهلوانية، على الرغم من أن هذه الحركات قد لا تتنبه لها الأم في هذه المرحلة, وفي هذه الفترة يكون للجنين جفنان وأحبال صوتية وشفتان وأنف بارز, وتعمل بعض الأعضاء بحيث تسمح للجنين بالبلع والهضم والتبول, وتظهر معالم الجنس وتنشأ في الجهاز التناسلي للذكور خلايا غير ناضجة للحيوانات المنوية، وللإناث خلايا للبويضات, وكل هذه التفاصيل تظهر بعد ١٢ أسبوعًا من الإخصاب، مع أن طول الجنين لا يتجاوز ثلاث بوصات "أي حوالي ٧،٥", ووزنه يتراوح بين ١/ ٢، ٣/ ٤ أوقية "أي ما بين ١٥جرامًا، ٢٣جرامًا".
وتسمى الأشهر من الرابع إلى السادس الفصل الثاني من حياة الجنين، وهي فترة نمو سريع؛ فخلال الشهر الرابع "سن ١٦ أسبوعًا" تظهر أظافر أصابع اليد والقدم، وتنمو العضلات بسرعة، ويكون طول الجنين من ٨-١٠ بوصات "بين ٢٠-٢٥", ووزنه يصل إلى ٦ أوقيات "١٨٠جرامًا" ونشاطه الحركي يشمل أنشطة أكثر دقة؛ مثل: مص الأصابع، وحركات أكثر عنفًا, مثل: الرفس الذي تشعر به الأم, ويمكن لدقات قلبه أن تسمع بسماعة الطبيب, ويمكن التعرف على مدى صلابة الهيكل العظمى بأشعة إكس أو الأشعة فوق الصوتية, وتبدأ في هذه الفترة استجابات الجنين البصرية والسمعية, فإذا أسقط ضوء مباشر على بطن الأم في هذه الفترة فإنه قد يؤدي إلى حركة الجنين في الرحم, وكذلك فإن التغيرات في معدل نبض قلب الجنين استجابةً للأصوات المختلفة, قد تدل على تمييزه بينها.
стр. 179
وبنهاية الشهر الرابع يكون للجنين مظهر بشري متميز, ولكنه لا يستطيع العيش خارج الرحم.
وخلال الشهرين الخامس والسادس تزداد الأظافر صلابةً والجلد سمكًا، وتظهر فجأة الحواجب والرموش وشعر الرأس, وعند ٢٠ أسبوعًا تنشط الغدة الدرقية، وتزداد دقات القلب قوةً؛ بحيث يمكن سماعها بوضع الأذن على بطن الأم, ويصل طول الجنين حينئذ إلى ١٢ بوصة, ويزن ما بين ١٢، ١٦أوقية, وبنهاية الأسبوع الرابع والعشرين يمكن للجنين أن يفتح ويغلق جفنيه بإرادته, على الرغم من أنه لا يستطيع أن يرى شيئًا في ظلمة الرحم "إحدى الظلمات الثلاث الواردة في القرآن الكريم", ويستطيع الجنين أن يسمع؛ فالأصوات العالية تحدث فيه استجابة جفول, وتزيد من نشاطه الحركيّ، بينما الأصوات الداخلية؛ مثل: دقات قلب الأم, لها أثر مهدئ, وبعد ستة أشهر من الإخصاب يصل طول الجنين إلى ما بين ١٤-١٥ بوصة "حوالي ٣٥سم", ويصل وزنه إلى حوالي رطلين "أقل من كيلو جرام واحد".
وتمثل نهاية الفصل الثاني من مرحلة الجنين فترة حرجة أخرى في نمو الإنسان؛ فخلال الفترة من الأسبوع الرابع والعشرين والثامن والعشرين من الإخصاب, يكون مخ الجنين وجهازه التنفسي قد نضجا إلى الحد الذي يجعل الحياة خارج الرحم ممكنة, بشرط ألّا يقل وزنه عن ١٥٠٠جرام, فإذا قَلَّ وزنه عن ذلك، وهو الأكثر حدوثًا, فإن الطفل عادةً لا يعيش حتى ولو تهيأت له أفضل خدمة طبية ممكنة, وبصفة عامة نقول: إن كل يومٍ إضافيٍّ يعيشه الطفل داخل رحم الأم, يهيئ له فرصةً أكبر للحياة بعد الولادة.
وتمثل الشهور من السابع إلى التاسع الفصل التاسع من حياة الجنين, وهي كذلك مرحلة نمو سريع, فمع نهاية الشهر السابع يكون وزن الجنين قد بلغ حوالي أربعة أرطال "أقل من كيلو جرام" وطوله ما بين ١٦-١٧ بوصة "حوالي ٤١سم" وفي هذه الفترة يبدأ الجنين في البحث عن مصادر الضوء وهو لا يزال داخل الرحم, وذلك بتوجيه رأسه وفتح عينيه مع اختلاف موضعه بالنسبة لجدار بطن الأم "Comparetti١٩٨١", كما تزداد الحواس الأخرى فعاليةً ومنها حاسة اللمس، على نحوٍ يؤدي إلى إمكانية التوصل بين الوالدين والجنين من خلال ملامسة بطن الأم, وبعد شهر ينمو طوله إلى ١٨ بوصة "حوالي ٤٥سم", ويزداد وزنه إلى ما بين ٥-٦ ١/٢ رطلًا "ما بين ٢.٧- ٣.٤ كيلو جرامًا", ومعظم الزيادة في الوزن في هذه المرحلة تنتج عن الدهون المختزنة تحت الجلد, وعند الميلاد تحمي هذه الطبقة الدهنية الطفل من تقلبات درجة الحرارة, ويمكن للطفل المبتسر
стр. 180
"الذي يولد قبل إكمال الشهور التسعة" أن يعيش، فإذا قلَّ وزنه عن خمسة أرطال, لابد من وضعه في محضن شبيه ببيئة الرحم.
وفي هذه الفترة يستطيع الجنين التمييز بين الأصوات, كما يتمثل ذلك في زيادة حركة الجنين؛ كمؤشر على الانتباه, واتضح أن الجنين يفضل الأصوات ذات الدرجة العالية, سواء في الصوت البشري "صوت المرأة على صوت الرجل"، أو في المقطوعات الموسيقية "الموسيقى الكلاسيكية المركبة مثل أعمال فيفالدى على أعمال بيتهوفن", كما يفضل الموسيقى الإيقاعية على موسيقى الروك "Verny ١٩٨٢".
وعند بلوغ الجنين النصف الثاني من الشهر التاسع من عمره, يصل طوله إلى حوالي ٢٠ بوصة "أو٥٠ سنتيمترًا"، ووزنه إلى حوالي ٧ أرطال "أو ٣،٦ كيلو جرامًا", وهو وزن وطول تضيق به بيئة الرحم, ولهذا تشعر بعض الأمهات بأن يدًا أو رأسًا تضغط في اتجاه الخروج, وإذا لمس المرء بطن الأم يشعر بشكل الجنين كاملًا، وقد يتحرك الجنين استجابةً لهذا الملمس, وهكذا يصبح الطفل مستعدًّا للخروج من بيئة الرحم إلى بيئة العالم الخارجي الواسع.