← Медицина

Медицина · id 11738

نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين

آمال صادق

Полный текст (770 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

رابعًا: طور تكوين العظام والعضلات "اللحم " يشير القرآن الكريم إلى طورٍ تالٍ لطور المضغة, هو طور تحوّل المضغة إلى عظام, ثم كساء العظام باللحم "راجع الفصل الثالث". وقد لاحظ علماء الأجنة أنه بعد أن تتكون المضغة تتكثف الطبقة المتوسطة التي بجانب المحور على هيئة كتل بدنية, وتنقسم هذه الكتل إلى قسمين. ١- قسم أوسط داخلي ventro medial, والذي يتحول قرب نهاية طور المضغة إلى النسيج العظمي أو الهيكلي، ولذلك تعرف الكتل البدنية في هذا القسم باسم القطاع الهيكلي Selerotome، ولخلايا هذه الكتل القدرة على التشكيل، فمنها تتكون الخلايا المكونة للعظام osteoblasts, وتنمو خلايا هذا القسم من الجانبين أمام القناة العصبية، وبذلك تتكون هذه الكتل من مؤخرة الرأس حتى تلتحم أربع كتل بدنية معًا مكونةً جزءًا من قاع الجمجمة, ثم تأتي بعدها ثماني فقرات عنقية، تليها اثنتا عشرة فقرة صدرية, ثم خمس فقرات قطنية، وخمس أخرى عجزية، وبعدها ثماني إلى عشر فقرات عصعصية, يتلاشى معظمها مع عظم العصعص, وتبدأ هذه التحولات في الأسبوع الخامس والسادس من عمر الجنين, ثم تزداد ظهورًا بعد ذلك, ويمكن أن يسمى هذا القسم من الكتل البدنية القسم العظمى. ٢- قسم جانبي خارجي dorso lateral, وهو قسم يمكن أن نسميه القسم العضلي أو اللحمي, وهذه الكتلة البدنية من الخلايا تظهر من الفقرات الأولية, وتمايزها إلى طبقتين: أولاهما: تُكَوّن الأدمة "باطن الجلد الواقع تحت البشرة"، وما تحت الأدمة، أما الطبقة الثانية فتكوّن عضلات الهيكل myotome, وتظهر هذه العضلات لتكسو عظام الجنين بعد انقضاء الأسبوع السابع أو الثامن من الحمل, بينما تظهر العظام الأولية بعد انقضاء الأسبوع السادس أو الثامن من الحمل؛ ففي الأسبوع السابع يتشكل مثلًا غضروف الأذن على نحو أفضل, ويصبح للمضغة شكل عظمي غضروفي. ومن الحقائق التي يؤكدها علم الأجنة أن الكتل البدنية التي تكون قد بدأت في الظهور في الأسبوع الثالث من حياة الجنين "مع بداية طور المضغة" يكتمل

стр. 177

ظهورها في اليوم الثلاثين من حياته "أي: بعد انقضاء شهر على الحمل"، ولا تكاد تتكون كتل جديدة خلال طور المضغة إلّا بعد أن تكون الكتل القديمة قد تمايزت إلى قطاعٍ هيكليّ "عظمي" وقطاع عضلي "لحمي". وتتكون فقرة العظام من قطعتين هيكليتين متجاورتين، ولهذا يؤدي هذا الالتحام إلى تحرك القطع العضلية لتغطيتها, وذلك للمساعدة في حركتها، ويعبر القرآن الكريم عن هذه العملية بالتعبير المعجز ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ . أما بالنسبة لتكوين الأطراف, فقد أشرنا إلى أنه في الأسبوع الخامس -حيث لا يزال الجنين في طور المضغة- تظهر هذه الأطراف في صورة براعم صغيرة، ثم تتحول في طور العظام والعضلات إلى ذراعين وساقين. وحسب مبدأ النمو -الذي سبق أن أشرنا إليه- يسبق الطرف العلوي الطرف السفلي في الظهور ببضعة أيام, نتيجة تكثف خلايا من النسيج المتوسط messenchyme, تأتي من الطبقة المتوسطة للكتل البدنية التي أشرنا إليها عند حديثنا عن طور المضغة, وفي الأسبوع السادس تتحول خلايا النسيج المتوسط إلى خلايا غضروفية, وفي نفس الأسبوع أيضًا تظهر بوضوح الهياكل الغضروفية السفلية والعلوية. وأول علامة على وجود العضلات في الأطراف تظهر في الأسبوع السابع نتيجةً لتكثف خلايا النسيج المتوسط في قاعدة برعم الطرف، ومن هنا يتضح أن العظام تتكون أولًا, ثم تليها العضلات لتكسوها, وصدق الله العظيم. وتتكون عظام العمود الفقري والأطراف عن طريق تكوين الغضاريف أولًا، ولهذا تسمى العظام الغضروفية, أما عظام الرأس فتتكون بطريقتين: أولاهما العظام الغضروفية, والتي تشكل قاع الجمجمة وعظام الوجه، وثانيهما العظام الغشائية, وتشكل عظام قحفة الجمجمة, وفيها يتكَوّن العظم مباشرة فوق الغشاء دون أن تسبقه مرحلة غضروفية. ومع اقتراب الجنين من بداية الشهر الثالث من عمره, تبدأ العظام في الصلابة, وتسرع العضلات في النمو، وتتحول المضغة غير المشكلة إلى الشكل الإنساني, ويطلق علماء الأجنة على هذه المرحلة مرحلة الكتلة المنتفخة, أو ما يصح أن يطلق عليه حقًّا الجنين embryo, وهكذا تؤلف الشهور الثلاث الأولى من الحمل الفصل الأول من حياة الجنين.

стр. 178

خامسًا: طور التسوية ... طور التسوية: بعد اكتمال نمو المضغة, وتحول المضغة غير المشكلة إلى كتلةٍ منتفخة لها الشكل الإنساني "أي: جنين" بسبب تكَوّن العظام وكسوتها بالعضلات تدخل طورًا جديدًا في حياة الإنسان, هو طور التسوية كما يسميه القرآن الكريم "راجع الفصل الثالث", ويبدأ هذا الطور مع بداية الشهر الرابع من حياة الجنين, ويمتد حتى الولادة, ويطلق علماء الأجنة على هذه المرحلة تسمية خاصة هي مرحلة الحميل fetus. فمع نهاية الشهر الثالث يظهر جنس الجنين؛ ففي الأسبوعين السابع والثامن يبدأ النمو الجنسي مع غدة جنسية محايدة, فإذا كان الجنين ذكرًا يحدث أحد جينات الكروموزم "ص" فيه رد فعلٍ كيميائيًّا حيويًّا يوجه الغدة المحايدة إلى أن تنتج الخصيتين، أما إذا كان الجنس أنثى, لا تتلقى الغدة المحايدة مثل هذه التعليمات, وتنتج المبيضين, ومع نضج الخصيتين خلال الأسبوعين التاسع والعاشر تفرزان الهرمون الجنسي للذكور, والذي يستثير نمو الجهاز التناسلي الذكرى, وبالمثل ينمو لدى الجنين الأنثى جهاز تناسلي أنثوي. ومع نهاية الشهر الثالث أيضًا يكون الجنين قادرًا على القيام ببعض الأنشطة الطريفة في بيئته داخل الرحم. يحرك ذراعيه, ويخبط بساقيه، ويحرك جسمه, بل يقوم ببعض الحركات البهلوانية، على الرغم من أن هذه الحركات قد لا تتنبه لها الأم في هذه المرحلة, وفي هذه الفترة يكون للجنين جفنان وأحبال صوتية وشفتان وأنف بارز, وتعمل بعض الأعضاء بحيث تسمح للجنين بالبلع والهضم والتبول, وتظهر معالم الجنس وتنشأ في الجهاز التناسلي للذكور خلايا غير ناضجة للحيوانات المنوية، وللإناث خلايا للبويضات, وكل هذه التفاصيل تظهر بعد ١٢ أسبوعًا من الإخصاب، مع أن طول الجنين لا يتجاوز ثلاث بوصات "أي حوالي ٧،٥", ووزنه يتراوح بين ١/ ٢، ٣/ ٤ أوقية "أي ما بين ١٥جرامًا، ٢٣جرامًا". وتسمى الأشهر من الرابع إلى السادس الفصل الثاني من حياة الجنين، وهي فترة نمو سريع؛ فخلال الشهر الرابع "سن ١٦ أسبوعًا" تظهر أظافر أصابع اليد والقدم، وتنمو العضلات بسرعة، ويكون طول الجنين من ٨-١٠ بوصات "بين ٢٠-٢٥", ووزنه يصل إلى ٦ أوقيات "١٨٠جرامًا" ونشاطه الحركي يشمل أنشطة أكثر دقة؛ مثل: مص الأصابع، وحركات أكثر عنفًا, مثل: الرفس الذي تشعر به الأم, ويمكن لدقات قلبه أن تسمع بسماعة الطبيب, ويمكن التعرف على مدى صلابة الهيكل العظمى بأشعة إكس أو الأشعة فوق الصوتية, وتبدأ في هذه الفترة استجابات الجنين البصرية والسمعية, فإذا أسقط ضوء مباشر على بطن الأم في هذه الفترة فإنه قد يؤدي إلى حركة الجنين في الرحم, وكذلك فإن التغيرات في معدل نبض قلب الجنين استجابةً للأصوات المختلفة, قد تدل على تمييزه بينها.

стр. 179

وبنهاية الشهر الرابع يكون للجنين مظهر بشري متميز, ولكنه لا يستطيع العيش خارج الرحم. وخلال الشهرين الخامس والسادس تزداد الأظافر صلابةً والجلد سمكًا، وتظهر فجأة الحواجب والرموش وشعر الرأس, وعند ٢٠ أسبوعًا تنشط الغدة الدرقية، وتزداد دقات القلب قوةً؛ بحيث يمكن سماعها بوضع الأذن على بطن الأم, ويصل طول الجنين حينئذ إلى ١٢ بوصة, ويزن ما بين ١٢، ١٦أوقية, وبنهاية الأسبوع الرابع والعشرين يمكن للجنين أن يفتح ويغلق جفنيه بإرادته, على الرغم من أنه لا يستطيع أن يرى شيئًا في ظلمة الرحم "إحدى الظلمات الثلاث الواردة في القرآن الكريم", ويستطيع الجنين أن يسمع؛ فالأصوات العالية تحدث فيه استجابة جفول, وتزيد من نشاطه الحركيّ، بينما الأصوات الداخلية؛ مثل: دقات قلب الأم, لها أثر مهدئ, وبعد ستة أشهر من الإخصاب يصل طول الجنين إلى ما بين ١٤-١٥ بوصة "حوالي ٣٥سم", ويصل وزنه إلى حوالي رطلين "أقل من كيلو جرام واحد". وتمثل نهاية الفصل الثاني من مرحلة الجنين فترة حرجة أخرى في نمو الإنسان؛ فخلال الفترة من الأسبوع الرابع والعشرين والثامن والعشرين من الإخصاب, يكون مخ الجنين وجهازه التنفسي قد نضجا إلى الحد الذي يجعل الحياة خارج الرحم ممكنة, بشرط ألّا يقل وزنه عن ١٥٠٠جرام, فإذا قَلَّ وزنه عن ذلك، وهو الأكثر حدوثًا, فإن الطفل عادةً لا يعيش حتى ولو تهيأت له أفضل خدمة طبية ممكنة, وبصفة عامة نقول: إن كل يومٍ إضافيٍّ يعيشه الطفل داخل رحم الأم, يهيئ له فرصةً أكبر للحياة بعد الولادة. وتمثل الشهور من السابع إلى التاسع الفصل التاسع من حياة الجنين, وهي كذلك مرحلة نمو سريع, فمع نهاية الشهر السابع يكون وزن الجنين قد بلغ حوالي أربعة أرطال "أقل من كيلو جرام" وطوله ما بين ١٦-١٧ بوصة "حوالي ٤١سم" وفي هذه الفترة يبدأ الجنين في البحث عن مصادر الضوء وهو لا يزال داخل الرحم, وذلك بتوجيه رأسه وفتح عينيه مع اختلاف موضعه بالنسبة لجدار بطن الأم "Comparetti١٩٨١", كما تزداد الحواس الأخرى فعاليةً ومنها حاسة اللمس، على نحوٍ يؤدي إلى إمكانية التوصل بين الوالدين والجنين من خلال ملامسة بطن الأم, وبعد شهر ينمو طوله إلى ١٨ بوصة "حوالي ٤٥سم", ويزداد وزنه إلى ما بين ٥-٦ ١/٢ رطلًا "ما بين ٢.٧- ٣.٤ كيلو جرامًا", ومعظم الزيادة في الوزن في هذه المرحلة تنتج عن الدهون المختزنة تحت الجلد, وعند الميلاد تحمي هذه الطبقة الدهنية الطفل من تقلبات درجة الحرارة, ويمكن للطفل المبتسر

стр. 180

"الذي يولد قبل إكمال الشهور التسعة" أن يعيش، فإذا قلَّ وزنه عن خمسة أرطال, لابد من وضعه في محضن شبيه ببيئة الرحم. وفي هذه الفترة يستطيع الجنين التمييز بين الأصوات, كما يتمثل ذلك في زيادة حركة الجنين؛ كمؤشر على الانتباه, واتضح أن الجنين يفضل الأصوات ذات الدرجة العالية, سواء في الصوت البشري "صوت المرأة على صوت الرجل"، أو في المقطوعات الموسيقية "الموسيقى الكلاسيكية المركبة مثل أعمال فيفالدى على أعمال بيتهوفن", كما يفضل الموسيقى الإيقاعية على موسيقى الروك "Verny ١٩٨٢". وعند بلوغ الجنين النصف الثاني من الشهر التاسع من عمره, يصل طوله إلى حوالي ٢٠ بوصة "أو٥٠ سنتيمترًا"، ووزنه إلى حوالي ٧ أرطال "أو ٣،٦ كيلو جرامًا", وهو وزن وطول تضيق به بيئة الرحم, ولهذا تشعر بعض الأمهات بأن يدًا أو رأسًا تضغط في اتجاه الخروج, وإذا لمس المرء بطن الأم يشعر بشكل الجنين كاملًا، وقد يتحرك الجنين استجابةً لهذا الملمس, وهكذا يصبح الطفل مستعدًّا للخروج من بيئة الرحم إلى بيئة العالم الخارجي الواسع.

стр. 181

سادسًا: تعلم الأجنة ... تعلم الأجنة: من النتائج الطريفة التي توصل إليها ديكاسبر وفيفر، DeCasper Fifer ١٩٨٠" أنه لو تحدث رجل وامرأة في وقتٍ واحدٍ إلى الجنين، وكلٌّ منهما في جانب من جوانب الغرفة، فإن الجنين يتحول نحو الصوت الأنثوي, والسؤال هنا: هل هذه استجابة فطرية للصوت ذي الدرجة الأعلى كما بينا, أم هي ناتجة عن زيادة ألفة الجنين بصوت الأم, وبالتالي فهي نتاج التعلم؟ للإجابة على هذا السؤال نقول: إن هناك أدلة على تعلم الأجنة, ومن ذلك أن البحث السابق, وبحث آخر قام به ديكاسبر أيضًا مع سبنس DeCasper Spence ١٩٨٦", أظهر أن الطفل يفضل صوت أمه على غيره من أصوات النساء, إلّا أن البحوث حتى وقتنا الحاضر تبين أن الجنين لا يظهر أيّ تفضيل لصوت الأب "De Casper Prescott ١٩٨٤", ومع ذلك, فإن زيادة تعود الجنين لهذا الصوت قد يؤدي به للإستجابة له "تفضيلَا له على غيره من الأصوات" حتى في غرفة الولادة, إلّا أن الأدلة لا تزال غير كاملة. وعمومًا فإن النتائج المتناثرة تقول لنا: إن أطفال الأمهات البكماوات نادرًا ما يصرخون, ويعقب "Truby Lind"١٩٦٥" على ذلك بقولهما: أن أمثال هؤلاء الأطفال يفتقدون دروس الكلام أثناء وجودهم في أرحام أمهاتهم", وحيث أن الصراخ من مؤشرات القدرة على الكلام

стр. 182

عند الطفل، بالإضافة إلى أنه من وسائل التعبير عن الانفعالات، فإن مثل هؤلاء الأطفال ربما يعانون بعد ذلك من صعوبات التواصل. وتوجد أدلة على قدرة الجنين على تذكر المثيرات الصوتية "والتذكر من علامات التعلم"؛ ففي الدراسة التي قام بها ديكاسبر وسبنس عام ١٩٨٦ التي أشرنا إليها, قاما بتعريض الأجنة لثلاث قصص قصيرة, إحداها قيلت بصوت الأم مرتين يوميًّا خلال الفصل الأخير "الثالث" من طور الجنين, وأظهرت النتائج أن الأجنة أظهروا تفضيلًا للقصة الأكثر مألوفية "المقروءة عددًا أكبر من المرات وبصوت الأم"، سواء قرئت في موقف الاختبار "بعد التدريب" بصوت الأم, أو بصوت إمرأة أخرى, والسؤال هو: هل يؤدي استماع الجنين إلى صوت الأم وأنماطها في الكلام والتحدث إلى إعداد الطفل لتعلم لغة الأم؟ "ولعلنا نشير هنا إلى أن اللغة القومية؛ كاللغة العربية في مجتمعاتنا تسمى اللغة الأم "Mother rongue". ربما يدعم الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب تلك النتيجة الطريفة التي توصل إليها "Lind Hardgrove ١٩٧٨" منذ أواخر السبعينيات, وخلاصتها: أن الجنين يظهر استجابات تفضيلية للأنماط المختلفة من الأصوات, والموسيقى التي تقوم الأم أثناء الحمل بغنائها, أو بإصدارها ببعض الآلات الموسيقية، بل إن الأكثر أهميةً أن الطفل يظهر تفضيلًا لنفس الأنماط الصوتية بعد الولادة, بل إن هذه الدراسة، ودراسة أخرى قام بها جاكسون "Jackson ١٩٧٨" أكدتا أن تفضيل الطفل لهذه الموسيقى قد يظهر بعد فاصل زمني, قد يمتد إلى ما بين ثلاثة وخمسة شهور بعد الولادة "حين يتعرض الطفل لنفس المثيرات الصوتية", بل إن هذا الأثر قد يمتد لبضعة سنوات. ومن علامات تعلم الأجنة أن الجنين في الفصل الثالث من طور نموه, يتعلم الاستجابة الحركة "بالرفس مثلًا" عند لمس بطن أمه في أماكن معينة تعود الجنين عليها, كما أكدت دراسة قام بها ماديسون وزميلاه "Madison et al ١٩٨٦" أن الجنين الذي يتعرض لخبرات صوتية, ويتعود عليها بسرعة قبل ولادته, يظهر قدرةً عاليةً على التوجه المكاني, والاستجابة للمثيرات البيئية عقب الولادة, وبالطبع فإن النمط الأساسي للتعلم في هذه الحالة هو التعلم بالاشتراط, وهذه مسألة تحتاج لمزيد من البحث. ومن الدراسات الحديثة حول هذا الموضوع بحث "Wilkin ١٩٩١" التي أجرته على مجموعتين من النساء الحوامل؛ إحداهما: تجريبية, والأخرى ضابطة؛ حيث تعرضت المجموعة التجريبية لخبرة موسيقية تصل مباشرة للجنين من خلال جهاز تسجيل موصل مباشرة لبطن الأم, بينما لم تتعرض المجموعة الضابطة

стр. 183

لهذه الخبرة, وتَمَّ قياس معدل القلب والنشاط الحركي للجنين في الحالتين, ثم عرضتت نفس المثيرات الموسيقية على الأطفال من المجموعتين بعد الولادة, وسجلت نفس الاستجابات التي قيست لهؤلاء الأطفال حين كانوا أجنة, لقد أظهرت النتائج فروقًا جوهرية بين مجموعتى الأطفال, مما يدل على حدوث تعلم أثناء مرحلة الجنين. خلاصة المرحلة المعجزة: هكذا نأتي إلى نهاية الطور الأول من رحلة حياة الإنسان: طور الجنين, وهي مرحلة معجزة، وصفها القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنًا، ولم يكشف العالم الحديث عن بعض أسرارها إلّا منذ بضعة عقود. وحتّى يتضح لنا المعنى الكلي لهذه المرحلة نعرض خلاصة لها في الجدول رقم "٧-١", يوضح التغيرات الجوهرية التي تطرأ على كل طور منها.

стр. 184

جدول رقم "٧-١" خلاصة التطورات الجوهرية التي تطرأ على الجنين في أطواره المختلفة

стр. 185

الفصل الثامن: رعاية الجنين والأم الحامل العوامل المؤثرة في النمو خلال طور ماقبل الولادة خصائص الأم ... الفصل الثامن: رعاية الجنين والأم الحامل يتناول هذا الفصل الأسس العامة لرعاية الجنين والأم الحامل, ونبدأ بعرض العوامل المؤثرة في النمو خلال طور ما قبل الولادة, ثم ننتقل إلى أساليب الإرشاد اللازمة للوالدين عامة والأم خاصة في هذه المرحلة. العوامل المؤثرة في النمو خلال طور ما قبل الولادة: يتأثر النمو في طور ما قبل الولادة بمجموعةٍ من العوامل, تؤدي إلى السواء أو الخلل في التتابع العادي الذي وصفناه في هذا الباب, ونعرض فيما يلي العوامل التي أكدتها البحوث التجريبية. ١- خصائص الأم: من العوامل المؤثرة في نمو الطفل في طور ما قبل الولادة عمر الأم, فقد تأكد أن الحمل قبل سن العشرين قد يؤدي إلى فقدان الطفل أو نموه مشوهًا, وقد يكون سبب ذلك أن كثيرًا من النساء لا يبلغ النضج الجسمي قبل هذا السن "ربما عند سن ١٨", وعلى هذا, فإن الأم الصغيرة التي لا تزال في مرحلة النمو الجسمي قد يكون جهازها التناسلي أقلّ اكتمالًا, أو أنها قد تكون في حاجة أكثر إلى معظم غذائها في نموها هي، ويؤدي ذلك إلى بعض الأخطار على الجنين. وبالمثل, فإن الأمهات بعد سن الخامسة والثلاثين يواجهن مشكلاتٍ أثناء الولادة, بالإضافة إلى احتمال وفاة الجنين وتشوهه إذا وُلِدَ حيًّا, ومعظم هذه الحالات تنشأ لدى الأم الكبيرة التي تلد في هذا السن لأول مرة, والمشكلات في هذه الحالة تفوق مشكلات الأم الصغيرة, أما بالنسبة للأمهات الكبيرات اللاتي سبق لهن الولادة, فعادةً ما يكمل الجنين مدة الأشهر التسعة ويلدن بطريقة طبيعية. ويؤثر في نمو الجنين عدد مرات الحمل السابقة للأم؛ فالأم التي تحمل أكثر من أربع مراتٍ يتعرض جنينها في هذه الحالة إلى مشكلات نمو أكثر من الأم التي تحمل عددًا أقل من المرات, إلّا أن الملاحظ أن الولادة الثانية للأم تكون عادةً

стр. 186

أيسر من الولادة الأولى, ويرتبط عدد مرات الحمل بالطبع بسن الأم, فمن البديهي أن تكون الأم التي تلد أكثر من ٤مرات أكبر سنًّا من تلك التي تلد عددًا أقل من المرات إذا تساوى سن الزواج. ويؤثر في نمو الجنين الحالة الانفعالية للأم, إلّا أننا يجب أن نذكر أن هذا العامل لم يدرس بعد دراسة كافية على أمهات الأجنة البشرية, بسبب صعوبة تصميم مثل هذه البحوث التي تنتمي إلى دراسة التفاعل بين الأم والجنين, وتقدير أثر هذا التفاعل في نموه, وقد اقتصرت معظم البحوث على الظواهر التي يمكن أن تقاس بموضوعية, وخاصة النشاط البيولوجي والنشاط الحسي, ولهذا فإن معظم هذه البحوث أجريت على الحيوانات، ومنها اتضح بصفةٍ عامَّةٍ أن تعرض الأم الحيوانية الحامل للضغوط الانفعالية يؤدي إلى تغير سلوك النسل, ومن ذلك زيادة الانفعالية لديه "Mussen ١٩٧٠", ويبدو من ذلك أن من المنطقي استنتاج: أن الحالة الانفعالية للأم تؤثر في نمو جنينها؛ فالأم غير السعيدة في حياتها الزوجية تشعر بالقلق نتيجة للحمل, وحتى الأم السعيدة تشعر أحيانًا بالقلق من عملية الولادة, وخاصة إذا كانت للمرة الأولى, وقد تأكد تأثير هذه الحالات على الجنين بالرغم من عدم وجود ارتباط مباشر بين الجهاز العصبي لكلٍّ من الأم والطفل, وقد ينشأ الأثر عن نشاط الجهاز العصبي المستقل للأم الذي يستثير الغدد الصماء لإفراز هورمونات؛ مثل: الأدرينالين الذي يصاحب الحالات الانفعالية مثل القلق, والهورمونات يمكنها أن تخترق المشيمة, وتدخل في المسمار الرئيسي لدم الجنين, وفي دراسة مبكرة قام بها سونتاج "Sontage ١٩٨٧" أن الأطفال الذين يتَّسِمون بكثرة النشاط أثناء الحمل ربما نتيجة لقلق الأم، يظهرون فيما بعد الكثير من الصراخ والتلوي والإسهال ومشكلات التغذية, كما أكَّدَ باحثون آخرون "Copans ١٩٧٤" بعد ذلك أعراضًا أخرى لأطفال هؤلاء الأمهات؛ مثل: القئ المتكرر, والحساسية للأصوات, وقد تؤثر الحالة الانفعالية للأم أيضًا في زيادة النشاط الحركي للجنين "Ridgway ١٩٨٧"؛ فإذا استمر التوتر الانفعالي والقلق طوال فترة الحمل, فإنه قد يؤدي إلى صعوبات جمة أثناء الولادة. وحالما يولد الطفل من أمٍّ شديدة القلق, وعلى درجةٍ من الاعتمادية على الآخرين, ولديها اتجاهات متناقضة أو سلبية إزاء الحمل, فإن طفلها يكون زائد النشاط, مفرط الحساسية, وغير منتظم في طعامه ونومه وعادات الإخراج عنده، بالإضافة إلى ما قد يعانيه من أمراضٍ خلال السنوات الثلاث الأولى من حياته "Stott ١٩٧١", وهذه الحالة المزاجية قد تكون وراثية، وقد ترجع مباشرة إلى القلق الزائد عند الأم. إلّا أننا نحب أن ننبه إلى أن النتائج السابقة ترتبط بالحالة الانفعالية الشديدة طويلة المدى لدى الأم, ولا نتوقع أن يؤدي الضغط النفسي العادي أو القلق المتوسط أو المؤقت, إلى آثارٍ خطيرة في الجنين.

стр. 187

٢- التغذية: التغذية غير الكافية للأم تؤدي أيضًا إلى مشكلاتٍ في نمو الجنين؛ لأن الأم هي المصدر الوحيد لغذائه، ولهذا ينصح أطباء النساء والولادة الأمهات في الوقت الحاضر بأن يزيد وزنهن خلال الشهور الثلاثة الأولى من الحمل بمعدل ثلاثة أو أربعة أرطال على الأقل "ما بين ١,٥-٢،٨ كيلو جرامًا"، ثم بمعدل رطل "حوالي نصف كيلو جرام" في الأسبوع تقريبًا بعد ذلك، بزيادة كلية مقدارها ٢٤ -٢٨ رطلًا "بين ١٢-١٤جرامًا". ويتوقف ذلك على التوازن الغذائي للطعام الذي تتناوله الأم؛ حيث يجب أن يشمل البروتين والدهون والكربوهيدرات والمعادن والفيتامينات. ومعظم النتائج التي حصل عليها الباحثون عن علاقة التغذية بنمو ما قبل الولادة, جاءت من البحوث التي أُجْرِيَت على الأمهات سيئات التغذية, وتأكد أن خطر هذا العامل على الأم الحامل يكون أشد حين يحدث في الشهور الثلاثة الأولى من حياة الجنين، كما أن هذه المخاطر قد تظهر حين يحدث سوء التغذية في الفصل المتآخر من الحمل "أي: الشهور الثلاثة الأخيرة"؛ ففي هذه المرحلة يتزايد بسرعة عدد خلايا مخ الجنين كما يصل فيها الجنين إلى معظم وزنه المعتاد عند الولادة, وقد أكدت البحوث التي أجريت على الحيوانات أن الغذاء غير الملائم للأم ينتج في الجنين عدد أقل من الخلايا العصبية "Liebert et ١٩٨٦", ولهذا فإن من المتوقع للأمهات سيئات التغذية في هذه الفترة, أن يلدن أطفالًا ذوي مخٍّ أقل في عدد خلاياه العصبية, وذوي وزن منخفض, وبالإضافة إلى ذلك فإن كثيرًا من الدراسات الارتباطية أكدت وجود علاقة بين النقص الغذائي لدى الأم والولادة المبتسرة, أو نقص الوزن عند الولادة, أو ولادة الجنين ميتًا, أو التخلف في النمو, بالإضافة إلى التخلف العقلي. وتتوقف الآثار طويلة الأمد لسوء التغذية أثناء الحمل على نظام تغذية الطفل بعد ولاته, فإذا تعرض الطفل الوليد لسوء التغذية بسبب انخفاض المستوى الاقتصادي الاجتماعي؛ فالأرجح أنه سينمو بنقائص جسمية وعقلية, ومن حسن الحظ أن التعويض الغذائي الذي يُقَدَّمُ للأم خلال النصف الثاني من فترة الحمل, أو يقدَّم للأطفال عقب الولادة مباشرة, يساعد في خفض آثار سوء التغذية المبكر. وعلى أية حالٍ, فلا يزال موضوع سوء التغذية وأثره في الجنين في حاجةٍ إلى مزيد من البحث, والسؤال هو: هل سوء التغذية لدى الأم لا يقابل ببساطة الحاجات الغذائية لدى الجنين، أم أنه أيضًا يلعب دورًا غير مباشر في زيادة تعرض الأم للأمراض وتعقيدات الولادة؟

стр. 188

٣- الأمراض: من المعلوم في الوقت الحاضر أن كثيرًا من الفيروسات تستطيع أن تخترق المشيمة, وتؤثر بشدة في الجنين, ويزداد ذلك وضوحًا إذا علمنا أن الجنين لا يتوافر له جهاز مناعة ناضج يقاوم الأمراض المختلفة. ومن الأمراض التي تؤثر في الجنين تلك تتعرض لها الأم بالطبع، وأشهر هذه الأمراض الحصبة الألمانية التي عرفت بخطرها على الجنين منذ عام ١٩٤٢؛ فإصابة الأم بهذا المرض قد يؤدي إلى فقدان الطفل بصره وسمعه, وقد يعاني من اضطراب القلب والكبد والبنكرياس والتخلف العقلي, ويزداد خطر الحصبة الألمانية خلال الشهور الأولى من الحمل؛ حين يزداد احتمال السقط أو ولادة الطفل ميتًا، أو الولادة قبل الأوان، ويقدر عدد النقائص التي تحدث نتيجة لهذا المرض خلال الشهر الأول من الحمل بحوالي ٥٠%، كما تأكد أن خطر الحصبة الألمانية لا يكون بنفس الدرجة من الشدة على الطفل إذا أصيبت الأم بعد ثلاثة أشهر من الحمل. ومن الأمراض المعدية الخطيرة أيضًا مرض الزهري, الذي يؤثر في الجنين، إلّا أن أثره عكس اتجاه الحمى الألمانية؛ فهو أشد خطرًا بعد أن يبلغ الجنين ثلاثة أشهر من العمر إذا أصيبت به الأم في هذه الفترة. وتوجد أمراض أخرى لها أثار مختلفة في الجنين, يوضحها الجدول رقم "٨-١".

стр. 189

جدول رقم "٨-١" بعض الأمراض التي تتعرض لها الأم وأثرها في الجنين

стр. 190

٤- العقاقير والمخدرات: يتأثر الجنين بما تتعاطه الأم من العقاقير "ويشمل ذلك الأدوية"؛ فبعض الأدوية التي تشمل المهدئات أو بعض الهرمونات "وخاصة الهرمونات الجنسية" تؤثر تأثيرًا سلبيًّا على نمو الجنين، ويشمل ذلك حبوب منع الحمل إذا تعاطتها الأم دون أن تعلم أنها حامل. ويدخل في باب العقاقير المسكرات والمخدرات, وقد تأكَّد منذ زمنٍ طويلٍ أن تعاطي الأم للخمور "حتى ولو بمقدار بسيط" يؤدي إلى ضمور رأس الجنين, وسوء نشاط قلبه وأطرافه ومفاصله ووجهه, ويتوقع لهذا الجنين أن يظهر نشاطًا زائدًا وبعض النوبات التشنجية, وقد حدد بعض الباحثين "راجع: Shaffer ١٩٨٥ ١٣٦" عرضًا مرضيًّا يسمى "كحولية الجنين"، ويلاحظ على الطفل الذي يولد ولديه هذا المرض أنه يكون أصغر حجمًا, وأخفّ وزنًا, بالنسبة للطفل العادي، وأن نموه الجسمي يتخلف عن أقرانه طوال الطفولة والمراهقة. كما أن معظم هؤلاء الأطفال يحصلون على درجات أقل من المتوسط في اختبارات الذكاء، وكثيرون منهم يصنفون على أنهم متخلفون عقليًّا. وقد أجريت دراسات على تدخين الأم للحشيش, أكدت أنه يؤدي إلى حدوث شذوذ سلوكي يظهر في الطفل الوليد, كما أجريت دراسات على عقاقير الهلوسة LSD١, أكدت أن الأم التي تتعاطى هذه العقاقير قبل الحمل أو أثناءه, تتعرض للإجهاض التلقائي، أو إلى أن يولد الطفل وفيه عيوب تكوينية, ومنها شذوذ الكرموزومات, فإذا أضفنا إلى ذلك أن الأمهات اللاتي يتعاطين هذه المخدرات وغيرها عادةً ما يكنّ من المريضات, أو من سيئات التغذية, أو من المدمنات على أنواعٍ من العقاقير الأخرى كالخمور, يمكننا أن ندرك المخاطر المحدقة بأطفالهن. ولعل من أخطر النتائج التي تَمَّ التوصل إليها, هي ما يدور حول تعاطي المخدرات المهدئة مثل: الأفيون والهيروين والكودين والميثادون والمورفين, فقد تأكد أن أطفال المدمنات على هذه المواد يصبحون مدمنين وهم في الرحم, وحين يولدون يكون حجمهم أقل من الحجم المعتاد, بل لوحظ على هذا الطفل بعد ولادته "وقد توقف بالطبع عن التعاطي بسبب انفصاله الجسدي عن الأم" أنه يعاني من القيء والإسهال والتشنج, والتي قد تؤدي بحياة الطفل إذا لم تعالج, وإذا عاش الطفل فإنه يظهر أعراض التهيج وحَدَّةَ الطبع والصراخ الحاد والارتعاش الشديدة, وعدم القدرة على النوم، والنشاط الزائد، ومشكلات التنفس، والشهية الكبيرة للطعام، والإسهال، والقيء "Householder et al ١٩٨٢", وهذه الاضطرابات قد تستمر لمدة شهرين أو ثلاثة, وقد يصبح بعضها طويل الأمد, ويظهر في صورة نشاط زائد, وضعف في مدى الانتباه.

стр. 191

٥- التدخين: أكدت نتائج البحوث التي أجريت حول أثر تدخين الأمهات على نمو الجنين, أن تدخين الأم يؤثر مباشرة في الجنين بتعطيل أو تأخير معدل نموه، كما يزيد المخاطرة بحدوث الإجهاض التلقائي "السقط" أو موت الجنين. وقد تأكد أيضًا أن أطفال الأمهات المدخنات "وخاصة أولئك اللاتي يدخن بشراهة" قد يولدون بنقائص واضحة في النمو الجسمي والعقلي والانفعالي, وقد يكون السبب في ذلك إلى جانب أثر التدخين المباشر الناتج عن النيكوتين والآثار الجانبية لأول أكسيد الكربون, أن الأمهات المدخنات عادةً ما يكن سيئات التغذية, أو قد يكنَّ من اللاتي يتعاطين الخمور والمخدرات، وقد تضاف هذه الآثار السلبية إلى آثار التدخين؛ فتحدث نتائج أكثر خطرًا "Lefkowittz ١٩٨١". ويوضح الجدول رقم "٨-٢" الآثار المحتملة على الجنين الناتجة عن تناول الأم العقاقير والعناصر الكيميائية والمخدرات والتدخين.

стр. 192

جدول رقم "٨-٢" آثار تناول الأم لبعض العقاقير والعناصر الكيميائية في الجنين

стр. 193

٦- مخاطر البيئة: توجد مجموعة عوامل تؤثر في الإنسان على وجه العموم، ويمتد أثرها إلى الجنين في رحم الأم بالطبع, تجمعها تسمية عامة هي مخاطر البيئة، ويشمل ذلك آثار الإشعاع؛ فقد تأكد أن كل امرأة حامل عاشت في نطاق نصف ميل, بعيدًا عن الانفجار الذري الذي تعرضت له اليابان في الحرب العالمية الثانية, ولدت طفلًًا ميتًا، وأن ٧٥% من النساء الحوامل اللاتي عشن في نطاق ميل وربع من هذا الانفجار الذري ولدن أطفال مشوهين أو معوقين, ومعظمهم مات عقب الولادة, بل إنه حتى التعرض الكلينيكي لجرعة من الإشعاع، كما هو الحال في أشعة أكس، يؤدي إلى الخلل الوراثي والإجهاض التلقائي ونقائص جسمية خطيرة, أهمها الكروموزمات وسيولة الدم, وخاصة إذا تعرضت الأم لهذه الأشعة في المرحلة الأولى من الحمل, ولعل أهم الابتكارات التكنولوجية التي أفادت الإنسانية، وخاصة صحة الأم والجنين، التصوير بالموجات فوق الصوتية الذي حلَّ محل التصوير بالإشعاع. وقد امتدَّ الاهتمام في السنوات الأخيرة إلى تلوث البيئة, وقد تأكد أن تلوث الماء الذي تشربه الأم, والطعام الذي تأكله, والهواء الذي تستنشقه, يؤذي نمو المضغة والجنين, وبالطبع, فإن معدَّل التلوث يزداد في المناطق الصناعية. إن مخلفات المصانع التي تتألف من الرصاص والزنك والزئبق والأنتيمون، والتي تصب في الهواء وفي مصادر مياه الشرب، ناهيك عن مخلفات فضلات البشر التي تلجأ بعض دول العالم الثالث إلى التخلص منها بصرفها في الأنهار والبحار، لها آثار ضارة في تعويق الصحة الجسمية للإنسان وقدراته العقلية، وتؤثر بدورها على الأجنة في الأرحام.

стр. 194

٧- آثار الوراثة "عامل الريصص ": أشرنا في الفصل السابق إلى بعض الآثار التي تنتجها الوراثة في تكوين الجنين, ولابد من الرجوع إليها لتكوين صورة كاملة عن العوامل التي تؤثر في هذه المرحلة الهامة من حياة الإنسان, ونكتفي هنا بالإشارة إلى عامل وراثي هام يلعب دورًا خطيرًا في نمو الجنين, وهو ما يسمى عامل الريصص, ويشار إليه باختصار المصطلح١ "Rh" وهو بروتين وراثي يوجد في دماء حوالي ٨٥% من الأصل العام للسكان, وتنشأ المشكلة حين يحمل الأب هذا العامل ولا تحمله الأم

стр. 195

فحينئذ يصبح الجنين حاملًا له, فإذا اتصل دم الجنين بدم الأم, فإن جهاز المناعة لدى الأم قد ينتج أجسامًا مضادة antibodies تحمى جسمها من بروتين Rh الغريب عليه, وتؤدي هذه الأجسام المضادة إلى القضاء على خلايا الدم الحمراء لدى الطفل, والتي تحمل الأوكسجين، وهذه الحالة تسمى الحمراوية erythroblas tosis, وتؤدي إلى وفاة الطفل قبل الولادة أو بعدها, أو إلى تخلفه العقلي إذا عاش. وهذه الآثار لا تظهر عادةً أثناء الحمل لأول مرة؛ لأن عامل الريصص لا يستطيع أن يخترق المشيمة حينئذ، إلّا أن دم الأم قد يستقبل هذا العالم بعد ذلك عند انشقاق المشيمة لحظة الولادة، وحينئذ يبدأ جسم الأم في إنتاج الأجسام المضادة, فإذا حملت مرة أخرى تخترق هذه الأجسام المضادة المشيمة وتقضي على الجنين, ويمكن الوقاية من ذلك بتناول الأم عند ولادة طفلها الأول مادةً تمنع تكوّن الأجسام المضادة, تسمى: rho GAM. الإرشاد الوراثي: يعد الإرشاد الوراثي genetic couseling أحد المجالات الحديثة التي ظهرت في السنوات الأخيرة بهدف المساعدة في إعطاء المهتمين المعلومات الطبية الناجمة عن التطورات المتزايدة في ميدان الوراثة الإنسانية، وتفسير هذه المعلومات، وبخاصة للزوجين, وتشمل هذه المعلومات ما يتصل باحتمال وراثة الطفل خصائص مرضية وراثية معينة "ومنها الاضطرابات التي أشرنا إليه في الفصل السادس, وعامل الريصص الذي أشرنا إليه أنفًا". وهذه المعلومات تفيد الوالدين في اتخاذ قرارهما بالنسبة للزواج أولًا, وإنجاب الأطفال بعده. ويهتم الإرشاد الوراثي أيضًا بالعوامل الأخرى التي تؤثر في الجنين, بالإضافة التي العوامل الوراثية، ومنها نوعية بيئة ما قبل الولادة التي قد تؤثر في حياة الطفل قبل ولادته, ومهمة المرشد الوراثي هي تزويد الوالدين بأكبر قدر من المعلومات لزيادة فرص الحصول على طفلٍ سويّ. وتوجد عدة طرق في الوقت الحاضر لتوفير هذه المعلومات عن الوراثة للوالدين قبل الحمل, ومن ذلك الحصول على تاريخ الأسرة الطبي لملاحظة وجود أي مشكلات صحية, أو أمراض معينة في عائلتي الوالدين. وأما الطريقة الأخرى -وهي الأكثر دقة- فتتمثل في فحص الحاملات الوراثية لأمراض معينة لدى كلٍّ من الوالدين من خلال الفحص المعملى لدم كلٍّ منهما وبوله وإفرازاته العرقية. أما في حالة الحمل, فتوجد بعض الطرق المتاحة لتشخيص اضطرابات الصبغيات "الكروموزومات" أو الأمراض, أو غير ذلك من النقائص في الجنين

стр. 196

النامي في رحم الأم, وتسمى هذه الطرق الحديثة بالتشخيص قبل الولادي natal diagnosin pre, وقد أصبحت هذه الطرق ممكنة بعد التوصل إلى إجراء علمي هام يسمى التحليل الأميني المصغر aminocentesis, وهو إجراء لا يجب استخدامه قبل انقضاء ١٤ أسبوعًا على الحمل، وفيه تؤخذ عينة صغيرة من السائل الأميني المحيط بالجنين, وذلك باستخدام إبرة مفرغة دقيقة طويلة تغرز في بطن الأم لتصل إلى الرحم, ومن المعروف أن هذا السائل يحتوي على خلايا الجلد التي يتلخص منها الجنين النامي, وبعد الحصول على هذه العينة يتم تنميتها في مزرعة معملية، ثم تحلل ميكروسكوبيًّا لمعرفة الخصائص الكروموزومية والوراثية والأيضية للجنين, وبهذه الطريقة يمكن تشخيص جنس الجنين, بالإضافة إلى حوالي مائة نقص وراثي. ويوصي الأطباء بإجراء مثل هذا التشخيص للأمهات اللواتي يحتمل أن يظهرن خللًا وراثيًّا, ويشمل ذلك الأمهات اللاتي يتجاوز عمرهن ٣٥سنة، أو اللواتي ولدن لأسر لها تاريخ من الخلل الوراثي, ومما يدعونا إلى الاطمئنان أن حوالي ٩٧% من هذه الحالات يؤكد التحليل الأميني لأجنتهن أنهم خالون من أي خلل مشكوك فيه, أما إذا وجد الطبيب أن الجنين يعاني من خلل وراثي, فإنه يستطيع أن يقلل من خطره، بل قد يستطيع أن يصححه بإجراء مباشر عند الولادة أو بعدها مباشرة، بل أن بعض التطورات الحديثة في التكنولوجيا الطبية جعلت من الممكن تصحيح الخلل أثناء فترة الحمل ذاتيًّا باستخدام أساليب الجراحة أو التطبيب. وهكذا يعين المرشد الوراثي الوالدين أثناء حمل الأم أو عند الولادة؛ من خلال تزويدها بالمعلومات المبكرة عن نقائص طفلها, كما يساعدهما على الوصول إلى قرارٍ حكيمٍ حول الاختبارات والمخاطر, حتى يمكنهما التعامل مع المشكلات التي يمكن أن تحدث، أو التخطيط لأسرتهما في المستقبل. رعاية الأم الحامل: يتضح لنا من مناقشتنا السابقة, أن الأم الحامل في حاجة إلى برنامج كامل للرعاية، يطلق على هذا البرنامج في الوقت الحاضر برنامج رعاية الأمومة والطفولة mother-child care, وتوجه هذه البرامج إلى الأمهات من مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية، إلّا أن الفئات الأولى بالرعاية تلك التي تعاني من الضغوط الاقتصادية على وجه الخصوص, ويؤكد ذلك البحوث التي أُجْرِيَتْ في السنوات الأخيرة حول ما يسميه بيرش وجاسو، Birch Gussow" ١٩٧٠] دورة الفقر cycle of poverty, وهي نظرية تؤكد أن آثار انخفاض المستوى

стр. 197

الاقتصادي الاجتماعي تنتقل بالفعل من جيل إلى جيل, ويوضح ذلك الشكل رقم "٨-١". ويرى بيرش وجاستو أن آثار الفقر تبدأ منذ أمد طويل قبل الحمل؛ لأنها جزء من التاريخ النمائي للأم؛ فالأم التي تنشأ في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة, لا تصل عادةً إلى درجة كافية من النمو في مختلف النواحي، ومن ذلك النمو الطولي, وحيث أن نمو الطول يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالصحة الجسمية, فإنه يعد أيضًا منبئًا جيدًّا بمدى ملاءمة رحم الأم كبيئة للطفل قبل ولادته. ويزداد الموقف تعقيدًا في أن الأم التي تعيش في ظروف اقتصادية اجتماعية سيئة, تكون أكثر احتمالًا من الأخرى التي تعيش في ظروفٍ أفضل؛ من حيث الولادة المبكرة, وإنجاب عدد أكبر من الأطفال، والحمل حتى مرحلة أكثر تأخيرًا من عمرها, وهذه العوامل الثلاثة تتنبأ أيضًا بتعقيدات الحمل والولادة. وتستمر الظروف الاجتماعية الاقتصادية السيئة في تجميع آثارها خلال فترة الحمل ذاتها, وتعد التغذية أحد الجوانب الأساسية من المشكلة, فعلى الرغم من أنّ الأم الحامل تحصل عادةً على احتياجاتها من السعرات الحرارية, إلّا أن نظامها الغذائي قد تنقصه بعد القيم الغذائية, وتظهر هذه المشكلة خاصة بالنسبة لنقص الألبان والخضروات والفواكة الطازجة والبروتين, وقد أكدت البحوث وجود علاقة وثيقة بين غذاء الأم وكثير من الظروف السيئة التي يتعرض لها الطفل قبل الولادة وبعدها. ومن المكونات الهامة لبرامج رعاية الحامل، إلى جانب الاهتمام بنظام تغذيتها، ما تحصل عليه من رعاية طبية، والتي يجب أن تقوم بدورها الوقائي، بمعنى: أن الإشراف المستمر على صحة الأم الحامل يفيد في حمايتها من الاضطرابات التي قد تتعرض لها أثناء الولادة, وتقليل آثار العوامل التي لا تخضع للتحكم, ومن المهم أن نشير هنا إلى أن الأمهات اللواتي يحتمل أن يتعرضن لمخاطر نتيجة نقص المناعة الطبية قبل الولادة, هن أولئك اللاتي لا يحصلن عليها، بصرف النظر عن المستوى الاقتصادي والاجتماعي للأم. ويزداد هذا الخطر استفحالًا إذا كانت برامج الرعاية لا تُقَدَّمُ لهنَّ بالفعل, وخاصة اللاتي ينتمين إلى المستويات الاقتصادية الاجتماعية المنخفضة, وإذا كانت الإحصائيات في الولايات المتحدة تؤكد أن حوالي ٧٥% من هؤلاء الأمهات لا تُقَدَّمُ لهن رعاية طبية أثناء الحمل إلّا بعد انقضاء ستة أشهر من الحمل "Goldhaber ١٩٨٦", فما بال الحال في الدول النامية؟!

стр. 198

الشكل "٨-١" دورة الفقرة وانتقالها من جيل إلى جيل

стр. 199

وجميع هذه الظروف السابقة على الولادة تستمر في إحداث آثارها بعد ولادة الطفل، فالتاريخ النمائي والتعليمي للوالدين يجعلهما أقلّ كفاءة في الحصول على مهن من مستوى مرتفع, كما أن عمر الأم, وعدد الأطفال في الأسرة, وقصر الفاصل الزمني بين كل ولادة لطفل وآخر, يؤدي إلى موقفٍ يجعل الرعاية الوالدية للأطفال أكثر صعوبة, وتاريخ الأطفال قبل الولادة يجعلهم أكثر تعرضًا للأمراض, وصعوبة الشفاء, وهذه الظروف جميعًا تؤدي إلى سوء الأداء في المدرسة, ونقص التعليم، وبهذا تبدأ دورة الفقر من جديد.

стр. 200

الباب الثالث: المرحلة الأولى لنمو الإنسان - أطوار الطفولة مدخل ... الباب الثالث: المرحلة الأولى لنمو الإنسان"٢"أطوار الطفولة تمهيد للباب الثالث: أهمية طور الطفولة: إذا كان طور الجنين هو في جوهره طور التكوين البيولوجي للإنسان، فإن طور الطفولة هو في أساسه طور التكوين السيكولوجي له, إنه بالطبع امتدادٌ للطور السابق، إلّا أنه -وهذا هو الأهم- أساس للمراحل والأطوار التالية, وهذا هو جوهر النمو على أنه "دورة حياة" أو"مدى حياة"، وهو التصور الذي يلتزم به هذا الكتاب. وإذا كان طور الجنين يمثل الفصل الأول من المرحلة الأولى في رحلة الإنسان في الحياة، فإن الطفولة هي فصلها الثاني، والمراهقة هي فصلها الثالث, والمرحلة الأولى للإنسان بفصولها الثلاثة تمثل الضعف الذي خلق عليه تمهيدًا للقوة والرشد الذي سوف يتحول إليهما فيما بعد, يقول الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً.....﴾ . ويدور هذا الباب حول طور الطفولة, وهي فترةٌ تمتد من ميلاد الطفل حيًّا حتى بداية بلوغه الجنسي "مطلع المراهقة", وهي فترة زمنية يبلغ طولها حوالي اثنتي عشرة سنة, تطرأ فيها على الطفل تغيرات هائلة, تمثلها المقارنة البسيطة بين وليد عمره بضعة أيام, وصبي عمره بضعة أعوام؛ فالكائن العاجز الضعيف الصغير يتحول بمعدلاتٍ متفاوتة من السرعة, إلى شخص له قدرات مختلفة في المجال الحركي واللغوي والمعرفي، ناهيك عن الوعي المتزايد بالعالم المحيط به، والقدرة على معالجته بطرق مختلفة، والاستجابة له بمختلف العواطف والمشاعر والانفعالات، والتصدي لمشكلاته بالحل, وهذا هو التوجه المتدرج المستمر نحو المرحلة الثانية من نموه, وهي مرحلة الرشد، وهو توجه سوف يزداد وضوحًا في الطور التالي، أي: مرحلة المراهقة. وهذا الباب حول طور الطفولة، وقد التزمنا في تناولها بالإطار الإسلامي الذي عرضناه في الفصل الثالث من هذا الكتاب، وتنقسم إلى الأطوار الفرعية الآتية: ١- طور الوليد. ٢- طور الرضاعة.

стр. 201

٣- طور الحضانة "الطفولة غير المميزة", ويشمل طور الاستئذان. ٤- طور التمييز. وقد خصصنا لكلِّ طورٍ منها فصلًا مستقلًّا.

стр. 202

الفصل التاسع: طور الوليد (من الولادة حتى نهاية الأسبوع الثاني) ولادة الطفل مدخل ... الفصل التاسع: طور الوليد"من الولادة حتى نهاية الأسبوع الثاني" ولادة الطفل: تُعَدُّ عملية ولادة الطفل حدثًا هامًّا لجميع الأطراف؛ فخلال الأسابيع الأخيرة من الحمل يزداد اهتمام الوالدين بالولادة, وخاصة إذا كانت تحدث لأول مرة, وحالما تتم الولادة تشعر الأم "والأب إن كان حاضرًا للحدث" بالإنهاك والراحة معًا, ومع لمس الأم للمولود, تشعر حقًّا بالإعجاز الإلهي العظيم, الذي خلق من جسدها هذا الكائن الإنساني الجديد. والسؤال التقليدي الذي يطرحه الوالدان دائمًا هو: كيف يمكن حساب الموعد التقريبي للولادة؟ وللإجابة على هذا السؤال نقول: إن أطباء النساء والتوليد كانوا يستخدمون لزمنٍ طويلٍ قاعدة مشهورة اقترحها نايجيلي Naegele, تتخلص في معرفة تاريخ بداية آخر دورة شهرية للأم، ثم يضاف إلى هذا التاريخ٧ أيام، ويطرح منه ٣شهور, مع تعديل السنة الشمسية إذا تطلب الأمر ذلك. ونوضح ذلك بالمثال الآتي: نفرض أن بداية آخر دورة شهرية للأم كانت يوم ٨ نوفمبر "الشهر الحادي عشر من سنة" عام ١٩٩٦، فإن تقدير الموعد التقريبي للولادة حسب هذه القاعدة, يكون يوم ١٥ أغسطس عام ١٩٩٧ على النحو التالي: أما إذا كانت بداية آخر دورة شهرية هو ١٨ فبراير عام ١٩٩٦ مثلًا, فإن موعد الولادة المتوقع يصبح ٢٥ نوفمبر من نفس العام "١٩٩٦". وبالطبع فإن دقة هذه القاعدة تتوقف على التقدير الصحيح لبداية آخر دورة شهرية, والتي تقررها المرأة وحدها, وهناك عوامل قد لا تجعل تقديرها لهذا التاريخ صحيحًا، إلّا أنه مع ظهور تكنولوجيا التصوير فوق الصوتي, أمكن تصوير الأجنة؛ بحيث يمكن الوصول إلى تقديرات أكثر دقة.

стр. 203

ومن حقائق علم التوليد أن الجنين قبيل ولادته ببضعة أيام أو أسابيع, عادةً ما يتخذ وضعًا خاصًّا داخل الرحم؛ حيث تكون رأسه إلى أسفل, ورجلاه وقدماه إلى أعلى, وهو وضع الاستعداد البيولجي للولادة, ويسمى التخفف Lightening. ومن العلامات الأساسية المميزة لاقتراب الولادة المخاض Labour "وهو ما يسمَى بالعامية الطلق"، وهو العملية التي يدفع بها الجنين خارج الرحم، وتحدث خلال فترة تمتد بين بضع ساعات وبضع أسابيع بعد عملية التخفف, وتنقسم عملية المخاض إلى ثلاث مراحل: ١- المرحلة الأولى وهي الأطول، وتستمر لفترة تمتد من ١٢-١٥ ساعة, في حالة الولادة الأولى، وما بين ٦-٨ ساعات للولادات التالية, وفيها يتسع عنق الرحم من خلال سلسلة من التقلصات العضلية, تتم في البداية على فترات زمنية طولها ٢٠ دقيقة, ثم تصبح أكثر حدوثًا مع اقتراب الولادة, ومن نتائج هذه التقلصات تمزق الأغشية التي تحيط بالجنين، والذي يصاحبه تدفق السائل الأميني إلى الخارج, وبانتهاء هذه المرحلة يصل اتساع عنق الرحم إلى حوالي أربعة بوصات. ٢- المرحلة الثانية أقصر من المرحلة السابقة, ولكنها أكثر حدّةً, وتبدأ مع اكتمال اتساع عنق الرحم, وتنتهي بخروج الجنين, وعند الأمهات اللاتي يلدن لأول مرةٍ تستغرق هذه المرحلة حوالي ٩٠ دقيقة، ثم تستغرق حوالي نصف هذا الوقت في الولادات التالية, ومن الخصائص المميزة لهذه المرحلة, أن الأم تلعب دورًا إيجابيًّا في دفع الجنين خلال قناة الولادة، ويمثل جهدها حوالي ٥٠% من المجهود المطلوب، بينما كانت تقلصات الرحم في المرحلة السابقة لا إرادية, وتلعب عضلات البطن دورًا أساسيًّا في هذه المرحلة؛ بحيث تعين على دفع الجنين إلى العالم الخارجي, ويبدأ ذلك بظهور رأس الطفل أولًا، وعادةً ما تخرج, وبعدئذٍ يتم قطع الحبل السري, الذي يكون بالطبع لا يزال متصلًا بالمشيمة حتى هذه اللحظة, وحالما تستقبل رئتا الطفل الوليد الهواء خلال القناة الأنفية تتوقف تمامًا وظيفة الحبل السري في استقبال الأوكسجين من المشيمة, ويحدث ذلك من خلال إفراز مادةٍ هلامية داخل الحبل السري, تؤدي إلى غلق أنبوبة الهواء فيه, وفي بعض المستشفيات يتم تقويم حالة الجسمية -عقب ولادته مباشرة- باستخدام مقياسٍ أعددته فيرجينيا أبسجر منذ عام ١٩٥٣، ويتم ذلك بعد دقيقة واحدة من الولادة, ثم يتكرر بعد ٥دقائق, ثم بعد ١٠ دقائق بعد الولادة, ويشمل هذا المقياس تقديرة الحالة الجسمية في ضوء خمس علامات هي: معدل القلب، الجهد التنفسي، الحساسية للأفعال المنعكسة، العضلات، لون البشرة, فإذا كانت الدرجة

стр. 204

في هذه الأبعاد منخفضة, دلَّ ذلك على أن الحالة التي عليها الطفل تستدعي رعاية خاصة. ٣- المرحلة الثالثة من المخاض: تحدث بعد حوالي٢٠ دقيقة من الوضع, وحينئذ تشعر الأم ببعض التقلصات القوية، وتدل على إخراج الأم للمشيمة والحبل السري, والأغشية الأخرى التي كانت تحيط بالطفل, وبإخراج هذه الأشياء تكون عملية الولادة قد اكتملت. ويؤثر في الوليد يسر الولادة أو عسرها, والسرعة التي يتنفس بها عقب خروجه من الرحم, ومن الأخطار الهامة التي تنشأ عن الولادة العسرة, النزيف الذي ينتج عن الضغط على رأس الجنين, والذي قد يؤدي إلى تهتك بعض الأوعية الدموية في المخ, ومن هذه الأخطار أيضًا صعوبة أن يبدأ الطفل في التنفس عقب انفصاله مباشرةً عن المصدر الأمومي للأوكسجين, وكلٌّ من نزيف المخ, والفشل في التنفس, يؤثر في كمية الأوكسجين في الخلايا العصبية للمخ, ويؤدي إلى حالة مرضية تسمى نقص أوكسجين الأنسجة Anoxia. ومن المعروف أن الخلايا العصبية في الجهاز العصبي المركزي تحتاج إلى الأوكسجين, فإذا حُرِمَتْ منه تموت, وإذا فقد الوليد كميةً كبيرةً من خلاياه العصبية في هذه الفترة, فإنه يعاني من تلفٍ خطيرٍ في المخ, وقد يؤدي به ذلك إلى الوفاة، وإذا عاش, فإنه قد يعاني من نقائص جسمية وعقلية ونفسية خطيرة.

стр. 205

خبرة الولادة لدى الوليد: هل خبرة الولادة تُعَدُّ من الخبرات السارة أو الأليمة لدى الوليد؟ يمتلئ الفولكلور النفسي إجابات عديدة على هذا السؤال، لعل أشهرها هذا التفسير الدرامي لصرخة الميلاد، والتي اعتبرها بعض الأدباء والفنانين صرخة احتجاج على الميلاد ورفض له، بينما هي في جوهرها ميكانيزم فيزيائي طبيعي ناتج عن دخول الهواء إلى الجهاز التنفسي للطفل لأول مرة. من العلماء الذين أجابوا بهذه الإجابة على هذا السؤال "أي: اعتبار خبرة الميلاد خبرة أليمة" عالم التحليل النفسي أوتو رانك O. Rank, الذي استخدم عام ١٩٢٩ هذا التعبير الذي شاع في التراث السيكلولوجي باسم "صدمة الميلاد" Trauma, وعنده أن الطفل الذي كان يعيش، وهو جنين، في بيئة دافئة ناعمة مشبعة للحاجات هي بيئة الرحم، تأتي عليه لحظة الميلاد فيطرد من هذه البيئة إلى عالم مختلف, وفي لحظة المواجهة الأولى لهذا العالم يعاني الطفل فجأةً البرد والألم والجوع واندفاع الأوكسجين إلى الرئتين, وتزداد صدمة الميلاد حدةً عند

стр. 206

الأطفال الذين يعانون من عسر الولادة, وفي رأي رانك, أن هذه الصدمة إذا كانت شديدةً تجعلهم على درجة عالية من القلق والعصابية طوال حياتهم. وعلى الرغم من أن هذه الأفكار يعوزها الأساس العلمي، ورفضها الكثيرون, وعلى رأسهم أستاذ رانك نفسه وهو سيجموند فرويد، فإن طبيبًا فرنسيًّا معاصرًا, يسمى فردريك ليبويير, أعاد إحيائها في كتاب شهير ظهر له عام ١٩٧٥ "Leboyer ١٩٧٥", ويعترض ليبويير على بعض الممارسات الشائعة في طب التوليد؛ مثل: القطع المتسرع للحبل السري، والاستثارة المفاجئة للطفل حتى يتنفس، ووزن الطفل في ميزان معدني بارد، وترويع الوليد بوضع نترات الفضة في عينيه، وفصل الطفل عن أمه عقب ولاته مباشرة, ويصف هذه الإجراءات وغيرها بأنها أساليب لتعذيب الأطفال الأبرياء, وفي رأيه أن الولادة يمكن أن تكون أقل "صدمية" إذا استخدم الأطباء طريقته الرقيقة الحانية في التوليد, والتي يصفها في كتابه بالتفصيل. ومن التطورات الهامة التي حدثت أيضًا في فن التوليد الحديث, إعادة الاهتمام بالجوانب المتصلة بالعلاقات الإنسانية أثناء خبرة الولادة، وزيادة مشاركة الآباء في هذه العملية, ومن ذلك السماح للأب بالوجود داخل غرفة المخاض والوضع بالمستشفيات؛ بحيث يقترب موقف الولادة من الجو العائلي الذي يعيش فيه الوالدان, مع السماح للوليد بعد ولادته بالبقاء معظم اليوم مع أمه, بالإضافة إلى تنظيم فصول خاصة "للإعداد للولادة" تنظمها بعض المستشفيات, ويشترك فيها الوالدان، وتعتمد دروس هذه الفصول على أفكار طبيبين شهيرين, أحدهما بريطاني هو جرانتلي ديك-ريد، والثاني فرنسي هو فرنادر لاميز, والهدف منها تزويد الوالدين بالمعلومات الأساسية عن عملية الولادة تمهيدًا لاستقبال الطفل.

стр. 207

الاتجاهات الوالدية إزاء الولادة: من العوامل الهامة التي تؤثر في الوليد اتجاهات والديه نحوه, ومن أهم هذه الاتجاهات نظرة الأم نحو الحمل "تقبلها للطفل وهو جنين أو رفضها له", ومعلوماتها عن عملية الولادة, وحضور الزوج عملية الولادة، كل هذه العوامل وغيرها تؤثر في استجابات الأم نحو الولادة. ومما يفيد في تغيير اتجاهات الأم نحو عملية الولادة, ما تلجأ إليه بعض المجتمعات الحديثة من تنظيم فصول حول ولادة الطفل ورعايته, وفي هذه الفصول تقدم للأمهات من غير ذوات الخبرة السابقة "وربما الأزواج أيضًا" معلومات حول ما يحدث أثناء الوضع، كما تتدرب أمهاتٌ على أفضل أساليب

стр. 208

التنفس والاسترخاء التي تسهل هذه العملية, وتؤكد البحوث التي أجريت على فعالية هذه الفصول, أنها تؤثر في خبرة الأم، فهي تشعر باسترخاءٍ أكثر أثناء الوضع، وتدرك العملية على أنها أكثر يسرًا وسهولة "Shaffer ١٩٨٥". ويؤدي وجود الزوج في غرفة الولادة إلى شعورٍ أخف بآلام الوضع، وقد يكون ذلك ناتجًا عن الدعم العاطفي الذي يقدمه الزوج لها في هذا الموقف الحرج, وخبرة الأب بعملية الولادة تجعله يزداد ارتباطًا بالطفل فيما بعد. ومع ذلك, فإن الخبرات الشائعة عند معظم الأمهات أنهن يشعرن ببعض الاكتئاب والضيق والتوتر خلال فترة تمتد من ٣-٨ أيام بعد الولادة, ومن الغريب أن هذه المشاعر تكون أكثر حِدَّةً لدى الأمهات اللاتي يشعرن بسعادةٍ أكبر خلال الأشهر الأخيرة من الحمل، كما لا توجد فروق جوهرية في هذه المشاعر بين الأمهات اللاتي يلدن أطفالًا أصحاء, أو يلدن أطفال غير أسوياء, أو يموت أطفالهن بعد الولادة, إلّا أن هذه المشاعر عادةً ما تكون مؤقتة, وسرعان ما تزول بعد عدة أيام أو أسابيع, ويرجع بعض الباحثين هذه المشاعر إلى ما تتناوله بعض الأمهات من أدوية خلال الوضع, كما أن بعض الأمهات قد يشعرن بهذه المشاعر السلبية نتيجة إهمالهنّ عقب الولادة, والاهتمام المبالغ فيه بالوليد من جانب الأهل والأصدقاء, ويعتبر البعض الآخر من الباحثين أن هذه المشاعر نوعٌ من الاستجابة السيكلوجية للتغيرات الهورمونية التي تحدث في جسم الأم, حتى تحوله من الحالة التي كان عليها أثناء الحمل إلى الحالة العادية التي يجب أن يكون عليها, ومهما كان السبب, فإن محض وجود هذه المشاعر التي لم نتنبه إليها إلّا في السنوات الأخيرة, يدعونا إلى ضرورة العناية بالأم عقب الولادة, وأن يسعى المقربون إليها بتقديم الدعم, والانتباه لها خلال هذه الفترة الحرجة.

стр. 209

اتجاهات الإخوة إزاء الوليد: يُعَدُّ ميلادُ طفلٍ جديد لأسرة لديها أطفال آخرون حدثًا تمتزج في اتجاهاتهم نحوه استجابات القبول باستجابات الرفض, فعادة ما يشعر الإخوة أن الأم تهجرهم بذهابها إلى مستشفى الولادة, وتهملهم عقب عودتها منها. ولهذا نجد هؤلاء الأطفال يبحثون عن الاهتمام والرعاية بإصدار بعض الأفعال الشاذة, حينما تكون الأم مشغولة بإطعام الوليد الجديد أو رعايته, ويصدرون هذه الأفعال عادةً بسبب مشاعر الغيرة. ومعنى هذا: أن على الوالدين أن يخصصا بعض الوقت للاهتمام بأطفالهم الكبار, حتى يشعروا بأنهم لا يزالون موضع رعايتهم وحبهم، مع ضرورة الحرص على عدم المبالغة في ذلك, ولعل حكمة الأبوة والأمومة هي التي تعين الوالدين على مواجهة تحدي الشعور بالغيرة عند الإخوة الكبار, وذلك من خلال تهيئة جَوٍّ يشعرهم بأهميتهم كأعضاء في الأسرة, وقد يحل هذه المشكلة أن يتناوب الوالدان في مهمة رعاية الوليد؛ بحيث يحظى الأطفال الكبار برعاية كلٍّ منهما, كما قد يساعد في حلها أن يُطْلَبَ من الأخ الكبير أن يظهر كفاءته من خلال تقديم يد العون للوليد, سواء في إطعامه أو حمامه أو تغيير ملابسه.

стр. 210

الاتجاهات نحو جنس الطفل: يحدد جنس الطفل نموه الكليّ منذ لحظة ميلاده, فالضغوط الثقافية من الوالدين, ثم من المعلمين وجماعات الأقران, ومن المجتمع ككل بعد ذلك, تستخدم وتمارس على الطفل منذ ولادته, وتزداد عامًا بعد عام, حتى يكوّن الطفل الاتجاهات المناسبة لجنسه, ويظهر أنماط السلوك التي تتناسب مع معايير الثقافة, والطفل الذي يتعلم أن يسلك على النحو "المطلوب" من جنسه, يحظى بالتقبل الاجتماعي, كما أن بعض خبرات التعلم التي يتعرض لها الطفل في المنزل وفي المدرسة وفي الملعب وغير ذلك من المجالات يحددها أيضًا الجنس. ولا شكَّ أن أهم الآثار الناتجة عن جنس الطفل هو اتجاهات الوالدين نحوه؛ فقد أثبتت الدراسات التي أجريت على تفضيل الوالدين لأيّ الجنسين, أن التفضيل التقليدي للولد, وخاصة للطفل الأول, لازالت له السيادة في كثير من الثقافات، فإذا وُجِدَ طفل واحد في الأسرة، يفضل الآباء الحصول على أخٍ له لا أخت, وحينما يوجد عدد من الأطفال في الأسرة, فإن الأبوين يفضلان في العادة أسرة تتكون من أطفال من الجنسين بأعداد متساوية تقريبًا. وبالطبع, فإن التفضيل القوي لطفل من جنس معين, له تأثيراته الواضحة على الاتجاهات الوالدية, والتي تؤثر بدورها في سلوك الوالدين نحو الطفل, وفي علاقاتهما معه؛ فالأمهات اللاتي يفضلن الأبناء الذكور يكن أكثر ميلًا للقسوة على البنات, وبالمثل, فإن الآباء يعاملون الطفل بما يتفق مع درجة تقبلهم لجنسه.

стр. 211

الاتجاهات نحو التوائم: من الشائع أن الأم تنتج بويضة واحدة في المرة الواحدة, ويترتب على ذلك توأمان من النوع الذي يسمى توائم أخوية, والتي يعوزها التشابه في النواحي الجسمية والنفسية, وقد تكون التوائم الأخوية من نفس الجنس أو من الجنسين, ومعنى ذلك أنها تكون مختلفة في الخصائص الوراثية، بل قد تختلف في بيئة ما قبل الولادة "الرحم" من حيث موضع كل منهما في مشيمته وحبله السري. وقد يحدث أن تنقسم البويضة الواحدة المخصبة إلى قسمين أو أكثر في المراحل الأولى من الإخصاب، وينمو كل قسم إلى شخص كامل مستقلٍّ، وينتج عن ذلك توأمان, أو أكثر, من النوع الذي يسمى التوائم المتطابقة؛ وحيث أن هذه التوائم تنتج من نفس الخلية المخصبة, فإنها تتطابق تطابقًا تامًّا في الخصائص الوراثية. وبالطبع, فإن لعدد الأجنة في الرحم في المرة الأولى تأثيره على سير النمو, سواء قبل الولادة أو بعدها؛ فالتوائم المتطابقة مثلًا تتشابه كثيرًا في النمو الجسمي والعقلي, بسبب التشابه في العوامل الوراثية, ويؤثر ذلك في أنماط شخصياتهم تأثيرًا يختلف عن الإخوة العاديين, أو حتى التوائم الأخوية "غير المتطابقة", وفي فترة ما قبل الولادة نجد أن وجود أكثر من جنينٍ واحدٍ يجعل الطفل يشارك غيره في مكانٍ مهيأ لطفل واحد، وقد يؤثر هذا التزاحم في النمو الطبيعي لعضلات الأجنة، بل قد يؤدي إلى ولادة مبتسرة "أي: قبل الموعد"، والتي يزيد احتمال حدوثها كلما زاد عدد الأجنة في الرحم, ولذلك كثيرًا ما نجد أن احتمال استمرار حياة التوائم بعد الولادة أقل من احتمال حياة الوليد الواحد. وفي بيئة ما بعد الولادة, نجد أن اتجاهات الوالدين وطرق تربيتهما للأطفال تختلف بالنسبة للوليد الواحد عنها للتوائم, مما يؤثر في النمو في كلِّ حالة؛ فالأمهات يرفضن أحيانًا التوائم, وكثير من الآباء يحاول أن يهيئ للتوائم بيئةً متشابهة بعد الولادة، ولذلك فعادةً ما يعاملونهم كما لو كانوا ينتمون بعضهم لبعض, ويصدق هذا على التوائم المتطابقة, وعلى التوائم الأخوية من نفس الجنس, وبالطبع يؤثر ذلك في النمو الاجتماعي للتوائم. ففي سنوات ما قبل المدرسة يظهر عليهم ميلٌ للتنافس في جذب انتباه الكبار, وفي محاكاة بعضهم بعضها، وفي اعتماد بعضهم على بعضٍ, أكثر من اعتمادهم على غيرهم, وحين يكبر التوائم يظهر بينهم سلوك التنافس المعتاد بين الأخوة، وكذلك مشاعر النقص؛ لأن كلًّا منهما يعوزه الاستقلال, ويقارن دائمًا بتوأمه في جميع صور السلوك, ولذلك قد ينتج عن ذلك كله مشاعر الإحباط, وكما هو الحال في جميع العلاقات الاجتماعية, قد يقوم أحد التوأمين بدور القيادة, ويقوم الآخر بدور التبعية، ويؤثر ذلك بالطبع في علاقاتهم الاجتماعية بالآخرين. وقد يصعب على التوائم المتطابقة تنمية الإحساس بالذات؛ لأنه من المستحيل أحيانًا على الطفل في هذه الحالة أن يميز بين ذاته والتوأم باعتباره جزءًا من الآخرين, وهذا النقص في مفهوم الذات يؤدي في كثير من الأحيان إلى الإحباط والصراع, واستجابات العدوان التي تترك أثرها على الشخصية.

стр. 212

خصائص نمو الوليد: هذه المرحلة هي أقصر مراحل النموّ؛ فهي تبدأ مع الولادة, وتنتهي عندما يبلغ الطفل أسبوعين تقريبًا, وفي هذه المرحلة لا يحدث نموٌّ كبيرٌ, وإنما تحدث عدة صورٍ من التكيف مع الحياة الجديدة, ولذلك في العادة توصف مرحلة الوليد بأنها مرحلة هضبة في النمو, وهذا التكيف الذي أشرنا إليه يحدث عقب الولادة وقطع الحبل السري مباشرةً, ويتمثل في أربعة أنواع هي: ١- تكيف للتغيرات في درجة الحرارة بعد الانتقال من درجة حرارة ثابتة في الرحم, إلى درجة متغيرة تتراوح بين ٢٨، ٣٧ درجة مئوية في المستشفى أو المنزل. ٢- تكيف لعملية التنفس, والذي يعني: اتساع الرئتين باعتبارهما مصدر الإمداد بالأوكسجين, بدلًا من المشيمة والحبل السريّ اللذين كان يعتمد عليهما الجنين في التنفس قبل الولادة. ٣- تكيف لعملية المصِّ والبلع باعتبارهما وسيلتا الحصول على الغذاء بعد الولادة, بدلًا من التغذية التي كان يتلقاها الجنين من المشيمة والحبل السري. ٤- تكيف لعملية الإخراج من خلال أجهزة التبول والتبرز, بدلًا من أن يكون ذلك خلال الحبل السري والمشيمة. هذه الأنواع الأربعة من التكيّف عادةً ما تكون صعبة على الوليد، ويتضح ذلك من أن وزنه ينقص خلال الأسبوع الأول بعد الولادة الذي يستغرقه في هذه التكيفات, ثم يبدأ بعد ذلك في الزيادة، وقد يجد بعض الأطفال عملية التكيف هذه في غاية الصعوبة، وربما لذلك تكون أعلى نسبة وفياتٍ بين الأطفال في هذه الفترة. وبالطبع توجد عدة عوامل تؤثر في تكيف الوليد لحياة ما بعد الولادة, هي على وجه الخصوص نوع الولادة, وصحة الأم, وحالتها الانفعالية فترة ما قبل الولادة, والظروف التي توجد في بيئة ما بعد الولادة، وهي عوامل تناولناها بالتفصيل فيما سبق. ونعرض فيما يلي خصائص النمو خلال هذه الفترة القصيرة، وقبل ذلك, يجب أن نؤكد أن مولد الوليد لا يعني أن فترة حمله بالضرورة ٢٨٠يومًا، فبعض الأطفال يولدون قبل الأوان, والبعض الآخر يولد بعده, وفي هذه الأحوال, فإن من الواضح أن نفس المستوى من النمو لن يظهر في جميع الأطفال حديثي الولادة.

стр. 213

١- النمو الجسمي: عند الميلاد يكون وزن الوليد في المتوسط ١/٢ ٧رطلًا "حوالي ٤كيلو جرامات" وطوله ١/٢ ١٩ بوصة "حوالي ٣٩سنتيمترًا", ويكون الذكور أطول وأثقل قليلًا من الإناث, وتوجد بالطبع فروق فردية داخل الجنس الواحد في ذلك, وهذ الفروق تكون أكبر في الوزن منها في الطول, والاختلاف والتباين في الحجم لا يعتمد على الجنس بقدر اعتماده على العوامل الموجودة في بيئة ما قبل الولادة, وخاصة طعام الأم أثناء الحمل, وقد ناقشنا ذلك في الفصل السابق, ويسبب وجود علاقة بين نظام تغذية الأم أثناء الحمل وحجم الطفل عند الميلاد, نجد أن متوسط حجم أطفال المناطق المنخفضة في المستوى الاقتصادي والاجتماعي يكون أقل من أطفال المناطق المرتفعة في هذا المستوى, والطفل الأول يكون وزنه في العادة أقل من الطول والوزن من إخوته الذين يولدون بعده. وخلال الأيام الأولى بعد الولادة ينقص وزن الطفل في العادة، ولو أن ذلك ليس قاعدة عامة, فمن الشائع أن ينقص الوزن بمقدار ٦-٧% من الوزن عند الميلاد, وفي اليوم العاشر بعد الميلاد تقريبًا يستعيد معظم الأطفال جزءًا كبيرًا من وزنهم المفقود, وقد سبق لنا أن فسرنا ذلك بظروف التكيف لبيئة ما بعد الولادة. وتكون عضلات الوليد ملساء صغيرة, وصعبة التحكم فيها, ووقت الميلاد يكون النمو الحادث في عضلات الرقبة والساقين أقل من اليدين والذراعين, وتكون العظام شأنها شأن العضلات لينة ومرنة, ولذلك تكون سهلة التشوه, ويكون الجلد ناعمًا, ولونه أقرب إلى اللون القرنفلي, وكثيرًا ما نجد في الوليد شعرًا ناعمًا أزغب في الرأس والظهر، إلّا أنه سرعان ما يزول, وتكون الغدد الدمعية عند الولادة غير نشطة, إلّا أنه مع بلوغ الطفل يومه الخامس يبدأ في البكاء بدموع. ومن حيث نسب الجسم نلاحظ أن الرأس تبلغ ربع طول الجسم تقريبًا, بمقارنتها برأس الراشد التي تبلغ حوالي ١/٧ طول الجسم كله, وتكون منطقة الجمجمة أكبر بكثير من باقي الرأس، بينما تكون منطقة الذقن صغيرة جدًّا، وتكون الرقبة قصيرة جدًّا, ويبلغ حجم العينين درجة النضج تقريبًا, إلّا أن حركة العين لا تخضع للتحكم بسبب ضعف عضلاتها, وتكون الأنف صغيرة ومسطحة تقريبًا بالنسبة للوجه, ويبدو الفم كما لو كان فتحة ضيقة بسبب ضيق الشفتين. وفي الجذع تكون الأكتاف ضيقة, بينما تكون البطن كبيرة ومنتفخة, ومن حيث تناسب الأذرع والسيقان لدى أطفال هذه الفترة, نجدها أقصر من الرأس والجذع, وتكون الأيدي والأقدام صغيرة منمنمة.

стр. 214

٢- النمو الفسيولوجي: مع الميلاد تبدأ وظائف الجسم في العمل حتى تقوم بمهام الاتزان البدني "الهوميوستازى", التي كان يقوم بها جسم الأم أثناء الحمل, وبالطبع فإن هذا النشاط يكون صعبًا عقب الولادة بسبب ضعف الجهاز العصبي المستقل, إلّا أن هذه الحالة سرعان ما تتغير مع النضج التدريجي لهذا الجهاز, ومن أسباب وفيات الأطفال في هذه المرحلة ضعف الاتزان البدني, ومع الولادة تبدأ وظائف التنفس في العمل. ومن الملاحظ على الوليد أن دقات قلبه تكون سريعة حتى يحافظ على ضغط الدم العادي مع قلب صغير الحجم, وتكون درجة حرارة الطفل أعلى من المعتاد, وتظهر حركات منعكس المصّ مع الميلاد، وبالطبع يتطلب الأمر بعض الوقت "عدة أسابيع" حتى ينتظم إيقاع الجوع، وبالتالي, فإن مطالب الجوع لدى الطفل حديث الولادة غير منتظمة, ليس بالنسبة للزمن فقط, وإنما بالنسبة للكمية أيضًا, كما أن وظائف الإخراج تبدأ في العمل بعد ساعات قليلة من الميلاد, ويتفاوت مقدار ما يخرجه الوليد من البول والبراز حسب الزمن والكمية أيضًا. وينام الوليد حوالي ٨٠% من الوقت، ولا يوقظه إلّا بعض المثيرات الداخلية؛ مثل: عدم الراحة, أو الألم, أو الجوع، ولا يؤثر فيه من المثيرات الخارجية إلّا الضوضاء الشديدة جدًّا, أو التغييرات المفاجئة في درجة الحرارة. ٣- حركات الوليد: يبدأ النشاط الحركي عند الإنسان مبكرًا أثناء فترة الحمل، ويزداد قوةً, ويصبح أكثر حدوثًا مع نمو الجنين, وبعد الولادة وخروج الجنين من الرحم تظهر بوضوح حركات الوليد التي تتسم بأنها غير متآزرة, وغير موجهة, بسبب عدم النضج الفسيولوجي العصبي، ولعل هذا أحد أسباب عجز الوليد, وبالرغم من الطبيعة العشوائية في حركات اليد, فإنها يمكن أن تنقسم إلى فئتين: أ- النشاط الكتلى: ويشمل الحركات العامة للجسم كله، ومن الملاحظ أنه لو تعرَّض أيّ جزء من أجزاء جسم الوليد لمثيرٍ حسيٍّ تكون الاستجابة هي حركة الجسم كله, فمثلًا حين تستثار اليد اليسرى لا يحرك الطفل الذراع الأيسر فقط, وإنما الذراع الأيمن أيضًا, وقد يحرّك ساقيه, ويلوي جذعه, ويحرك رأسه ذات اليمين وذات الشمال، فإذا كان المثير شديدًا يصرخ أيضًا, وبسبب هذا النشاط الكتلي غير المميز, يبذل الوليد مقدارًا هائلًا من الطاقة, يُقَدَّرُ بضعفٍ أو ثلاثة أمثال ما يبذله الشخص الراشد, إذا وضعنا نسبة وزن كلٍّ منهما في الاعتبار, فإذا أضفنا إلى ذلك الصراخ, نجد أن الطفل سرعان ما يجهد ويتعب, ويزداد النشاط في حالات الجوع والألم وعدم الراحة، وأكثر أجزاء الجسم حركةً هي الجذع والساقان

стр. 215

وأقلها الرأس, ويتحرك الوليد بالطبع أثناء اليقظة أكثر منه أثناء النوم. ب- النشاط النوعي, والذي يشتمل على أجزاء معينة محددة من الجسم, ومن هذه الأنشطة النوعية التي توجد منذ الميلاد, الأفعال المنعكسة١؛ كمنعكس الصراخ, وطرف العين, والشفتين, واللسان, والمصّ, وانتفاض الركبة, والانثناء, والعطش, وغيرها, وأول ما يظهر من هذه الأفعال المنعكسة ماله أهمية في المحافظة على بقاء الكائن الحي, أما الأفعال المنعكسة الأخرى الأخرى, التي ليس لها نفس الأهمية في بقاء الوليد, فإنها تظهر متأخرة نسبيًّا بعد الولادة بعدة ساعات أو أيام, ثم تختفي بعد أشهر قليلة, ومن أشهر هذه الأفعال المنعكسة منعكس بابينسكي Babinski "ثنى أصابع القدم"، ومنعكس داروين Darwin "القبض", ومنعكس مورو Moro "العناق, والذي يظهر حين يستلقي الوليد على ظهره على مائدة أو حشية صلبة, فإنه يقذف ذراعيه في حركة أشبه بالعناق". وتظهر أيضًا عند الميلاد استجابات عامة غير الأفعال المنعكسة "والتي تستخدم مجموعة من العضلات أكبر مما يستخدم في الأفعال المنعكسة" مثل: تثبيت البصر على الضوء, والحركات التلقائية للعين, وإفراز الدموع, واستجابات الأكل؛ كالمصِّ والبلع وحركات اللسان والشفتين ومصِّ الأصابع والحركات الإيقاعية للفم والفواق, بالإضافة إلى حركات تقطيب الحاجبين وتحريك الرأس وإدارة الجذع وانتفاض الجسم وحركات اليد والذراعين, وحركات الرفس وحركات الساقين والقدمين, وجميع هذه الحركات تكون غير تآزرية, وغير محددة وغير موجهة, ومع ذلك فهي مهمة؛ لأنها الأساس الذي تُبْنَى عليه الحركات الماهرة, التي تكون على أعلى درجات التآزر فيما بعد, نتيجة للتعلم. ٤- أصوات الوليد: يظهر الصراخ في العادة منذ الميلاد أو بعده بقليل, وصراخ الوليد هو فعلٌ منعكسٌ تمامًا, وينتج عن اندفاع الهواء بسرعةٍ إلى الأحبال الصوتية, مما يسبب حركتها، وله وظيفة فسيولوجية مباشرة, فوظيفةُ الصرخة الأولى عقب الميلاد, هي توسيع الرئتين؛ بحيث تسمحان بالتنفس وتزويد الدم بكمية الأوكسجين. وبعد الميلاد بقليل تظهر هذه الصرخات تغيرات في الشدة والحدة والاستمرار, وعادةً ما تصبح لها معانٍ مرتبطة بالأحوال الفسيولوجية للوليد؛ مثل: الجوع والألم وعدم الراحة والتعب, ويصاحب صراخ الوليد حركات جسمية
следующие страницы →