← Медицина

Медицина · id 11738

نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين

آمال صادق

Полный текст (770 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الاتجاهات نحو التوائم: من الشائع أن الأم تنتج بويضة واحدة في المرة الواحدة, ويترتب على ذلك توأمان من النوع الذي يسمى توائم أخوية, والتي يعوزها التشابه في النواحي الجسمية والنفسية, وقد تكون التوائم الأخوية من نفس الجنس أو من الجنسين, ومعنى ذلك أنها تكون مختلفة في الخصائص الوراثية، بل قد تختلف في بيئة ما قبل الولادة "الرحم" من حيث موضع كل منهما في مشيمته وحبله السري. وقد يحدث أن تنقسم البويضة الواحدة المخصبة إلى قسمين أو أكثر في المراحل الأولى من الإخصاب، وينمو كل قسم إلى شخص كامل مستقلٍّ، وينتج عن ذلك توأمان, أو أكثر, من النوع الذي يسمى التوائم المتطابقة؛ وحيث أن هذه التوائم تنتج من نفس الخلية المخصبة, فإنها تتطابق تطابقًا تامًّا في الخصائص الوراثية. وبالطبع, فإن لعدد الأجنة في الرحم في المرة الأولى تأثيره على سير النمو, سواء قبل الولادة أو بعدها؛ فالتوائم المتطابقة مثلًا تتشابه كثيرًا في النمو الجسمي والعقلي, بسبب التشابه في العوامل الوراثية, ويؤثر ذلك في أنماط شخصياتهم تأثيرًا يختلف عن الإخوة العاديين, أو حتى التوائم الأخوية "غير المتطابقة", وفي فترة ما قبل الولادة نجد أن وجود أكثر من جنينٍ واحدٍ يجعل الطفل يشارك غيره في مكانٍ مهيأ لطفل واحد، وقد يؤثر هذا التزاحم في النمو الطبيعي لعضلات الأجنة، بل قد يؤدي إلى ولادة مبتسرة "أي: قبل الموعد"، والتي يزيد احتمال حدوثها كلما زاد عدد الأجنة في الرحم, ولذلك كثيرًا ما نجد أن احتمال استمرار حياة التوائم بعد الولادة أقل من احتمال حياة الوليد الواحد. وفي بيئة ما بعد الولادة, نجد أن اتجاهات الوالدين وطرق تربيتهما للأطفال تختلف بالنسبة للوليد الواحد عنها للتوائم, مما يؤثر في النمو في كلِّ حالة؛ فالأمهات يرفضن أحيانًا التوائم, وكثير من الآباء يحاول أن يهيئ للتوائم بيئةً متشابهة بعد الولادة، ولذلك فعادةً ما يعاملونهم كما لو كانوا ينتمون بعضهم لبعض, ويصدق هذا على التوائم المتطابقة, وعلى التوائم الأخوية من نفس الجنس, وبالطبع يؤثر ذلك في النمو الاجتماعي للتوائم. ففي سنوات ما قبل المدرسة يظهر عليهم ميلٌ للتنافس في جذب انتباه الكبار, وفي محاكاة بعضهم بعضها، وفي اعتماد بعضهم على بعضٍ, أكثر من اعتمادهم على غيرهم, وحين يكبر التوائم يظهر بينهم سلوك التنافس المعتاد بين الأخوة، وكذلك مشاعر النقص؛ لأن كلًّا منهما يعوزه الاستقلال, ويقارن دائمًا بتوأمه في جميع صور السلوك, ولذلك قد ينتج عن ذلك كله مشاعر الإحباط, وكما هو الحال في جميع العلاقات الاجتماعية, قد يقوم أحد التوأمين بدور القيادة, ويقوم الآخر بدور التبعية، ويؤثر ذلك بالطبع في علاقاتهم الاجتماعية بالآخرين. وقد يصعب على التوائم المتطابقة تنمية الإحساس بالذات؛ لأنه من المستحيل أحيانًا على الطفل في هذه الحالة أن يميز بين ذاته والتوأم باعتباره جزءًا من الآخرين, وهذا النقص في مفهوم الذات يؤدي في كثير من الأحيان إلى الإحباط والصراع, واستجابات العدوان التي تترك أثرها على الشخصية.

стр. 212

خصائص نمو الوليد: هذه المرحلة هي أقصر مراحل النموّ؛ فهي تبدأ مع الولادة, وتنتهي عندما يبلغ الطفل أسبوعين تقريبًا, وفي هذه المرحلة لا يحدث نموٌّ كبيرٌ, وإنما تحدث عدة صورٍ من التكيف مع الحياة الجديدة, ولذلك في العادة توصف مرحلة الوليد بأنها مرحلة هضبة في النمو, وهذا التكيف الذي أشرنا إليه يحدث عقب الولادة وقطع الحبل السري مباشرةً, ويتمثل في أربعة أنواع هي: ١- تكيف للتغيرات في درجة الحرارة بعد الانتقال من درجة حرارة ثابتة في الرحم, إلى درجة متغيرة تتراوح بين ٢٨، ٣٧ درجة مئوية في المستشفى أو المنزل. ٢- تكيف لعملية التنفس, والذي يعني: اتساع الرئتين باعتبارهما مصدر الإمداد بالأوكسجين, بدلًا من المشيمة والحبل السريّ اللذين كان يعتمد عليهما الجنين في التنفس قبل الولادة. ٣- تكيف لعملية المصِّ والبلع باعتبارهما وسيلتا الحصول على الغذاء بعد الولادة, بدلًا من التغذية التي كان يتلقاها الجنين من المشيمة والحبل السري. ٤- تكيف لعملية الإخراج من خلال أجهزة التبول والتبرز, بدلًا من أن يكون ذلك خلال الحبل السري والمشيمة. هذه الأنواع الأربعة من التكيّف عادةً ما تكون صعبة على الوليد، ويتضح ذلك من أن وزنه ينقص خلال الأسبوع الأول بعد الولادة الذي يستغرقه في هذه التكيفات, ثم يبدأ بعد ذلك في الزيادة، وقد يجد بعض الأطفال عملية التكيف هذه في غاية الصعوبة، وربما لذلك تكون أعلى نسبة وفياتٍ بين الأطفال في هذه الفترة. وبالطبع توجد عدة عوامل تؤثر في تكيف الوليد لحياة ما بعد الولادة, هي على وجه الخصوص نوع الولادة, وصحة الأم, وحالتها الانفعالية فترة ما قبل الولادة, والظروف التي توجد في بيئة ما بعد الولادة، وهي عوامل تناولناها بالتفصيل فيما سبق. ونعرض فيما يلي خصائص النمو خلال هذه الفترة القصيرة، وقبل ذلك, يجب أن نؤكد أن مولد الوليد لا يعني أن فترة حمله بالضرورة ٢٨٠يومًا، فبعض الأطفال يولدون قبل الأوان, والبعض الآخر يولد بعده, وفي هذه الأحوال, فإن من الواضح أن نفس المستوى من النمو لن يظهر في جميع الأطفال حديثي الولادة.

стр. 213

١- النمو الجسمي: عند الميلاد يكون وزن الوليد في المتوسط ١/٢ ٧رطلًا "حوالي ٤كيلو جرامات" وطوله ١/٢ ١٩ بوصة "حوالي ٣٩سنتيمترًا", ويكون الذكور أطول وأثقل قليلًا من الإناث, وتوجد بالطبع فروق فردية داخل الجنس الواحد في ذلك, وهذ الفروق تكون أكبر في الوزن منها في الطول, والاختلاف والتباين في الحجم لا يعتمد على الجنس بقدر اعتماده على العوامل الموجودة في بيئة ما قبل الولادة, وخاصة طعام الأم أثناء الحمل, وقد ناقشنا ذلك في الفصل السابق, ويسبب وجود علاقة بين نظام تغذية الأم أثناء الحمل وحجم الطفل عند الميلاد, نجد أن متوسط حجم أطفال المناطق المنخفضة في المستوى الاقتصادي والاجتماعي يكون أقل من أطفال المناطق المرتفعة في هذا المستوى, والطفل الأول يكون وزنه في العادة أقل من الطول والوزن من إخوته الذين يولدون بعده. وخلال الأيام الأولى بعد الولادة ينقص وزن الطفل في العادة، ولو أن ذلك ليس قاعدة عامة, فمن الشائع أن ينقص الوزن بمقدار ٦-٧% من الوزن عند الميلاد, وفي اليوم العاشر بعد الميلاد تقريبًا يستعيد معظم الأطفال جزءًا كبيرًا من وزنهم المفقود, وقد سبق لنا أن فسرنا ذلك بظروف التكيف لبيئة ما بعد الولادة. وتكون عضلات الوليد ملساء صغيرة, وصعبة التحكم فيها, ووقت الميلاد يكون النمو الحادث في عضلات الرقبة والساقين أقل من اليدين والذراعين, وتكون العظام شأنها شأن العضلات لينة ومرنة, ولذلك تكون سهلة التشوه, ويكون الجلد ناعمًا, ولونه أقرب إلى اللون القرنفلي, وكثيرًا ما نجد في الوليد شعرًا ناعمًا أزغب في الرأس والظهر، إلّا أنه سرعان ما يزول, وتكون الغدد الدمعية عند الولادة غير نشطة, إلّا أنه مع بلوغ الطفل يومه الخامس يبدأ في البكاء بدموع. ومن حيث نسب الجسم نلاحظ أن الرأس تبلغ ربع طول الجسم تقريبًا, بمقارنتها برأس الراشد التي تبلغ حوالي ١/٧ طول الجسم كله, وتكون منطقة الجمجمة أكبر بكثير من باقي الرأس، بينما تكون منطقة الذقن صغيرة جدًّا، وتكون الرقبة قصيرة جدًّا, ويبلغ حجم العينين درجة النضج تقريبًا, إلّا أن حركة العين لا تخضع للتحكم بسبب ضعف عضلاتها, وتكون الأنف صغيرة ومسطحة تقريبًا بالنسبة للوجه, ويبدو الفم كما لو كان فتحة ضيقة بسبب ضيق الشفتين. وفي الجذع تكون الأكتاف ضيقة, بينما تكون البطن كبيرة ومنتفخة, ومن حيث تناسب الأذرع والسيقان لدى أطفال هذه الفترة, نجدها أقصر من الرأس والجذع, وتكون الأيدي والأقدام صغيرة منمنمة.

стр. 214

٢- النمو الفسيولوجي: مع الميلاد تبدأ وظائف الجسم في العمل حتى تقوم بمهام الاتزان البدني "الهوميوستازى", التي كان يقوم بها جسم الأم أثناء الحمل, وبالطبع فإن هذا النشاط يكون صعبًا عقب الولادة بسبب ضعف الجهاز العصبي المستقل, إلّا أن هذه الحالة سرعان ما تتغير مع النضج التدريجي لهذا الجهاز, ومن أسباب وفيات الأطفال في هذه المرحلة ضعف الاتزان البدني, ومع الولادة تبدأ وظائف التنفس في العمل. ومن الملاحظ على الوليد أن دقات قلبه تكون سريعة حتى يحافظ على ضغط الدم العادي مع قلب صغير الحجم, وتكون درجة حرارة الطفل أعلى من المعتاد, وتظهر حركات منعكس المصّ مع الميلاد، وبالطبع يتطلب الأمر بعض الوقت "عدة أسابيع" حتى ينتظم إيقاع الجوع، وبالتالي, فإن مطالب الجوع لدى الطفل حديث الولادة غير منتظمة, ليس بالنسبة للزمن فقط, وإنما بالنسبة للكمية أيضًا, كما أن وظائف الإخراج تبدأ في العمل بعد ساعات قليلة من الميلاد, ويتفاوت مقدار ما يخرجه الوليد من البول والبراز حسب الزمن والكمية أيضًا. وينام الوليد حوالي ٨٠% من الوقت، ولا يوقظه إلّا بعض المثيرات الداخلية؛ مثل: عدم الراحة, أو الألم, أو الجوع، ولا يؤثر فيه من المثيرات الخارجية إلّا الضوضاء الشديدة جدًّا, أو التغييرات المفاجئة في درجة الحرارة. ٣- حركات الوليد: يبدأ النشاط الحركي عند الإنسان مبكرًا أثناء فترة الحمل، ويزداد قوةً, ويصبح أكثر حدوثًا مع نمو الجنين, وبعد الولادة وخروج الجنين من الرحم تظهر بوضوح حركات الوليد التي تتسم بأنها غير متآزرة, وغير موجهة, بسبب عدم النضج الفسيولوجي العصبي، ولعل هذا أحد أسباب عجز الوليد, وبالرغم من الطبيعة العشوائية في حركات اليد, فإنها يمكن أن تنقسم إلى فئتين: أ- النشاط الكتلى: ويشمل الحركات العامة للجسم كله، ومن الملاحظ أنه لو تعرَّض أيّ جزء من أجزاء جسم الوليد لمثيرٍ حسيٍّ تكون الاستجابة هي حركة الجسم كله, فمثلًا حين تستثار اليد اليسرى لا يحرك الطفل الذراع الأيسر فقط, وإنما الذراع الأيمن أيضًا, وقد يحرّك ساقيه, ويلوي جذعه, ويحرك رأسه ذات اليمين وذات الشمال، فإذا كان المثير شديدًا يصرخ أيضًا, وبسبب هذا النشاط الكتلي غير المميز, يبذل الوليد مقدارًا هائلًا من الطاقة, يُقَدَّرُ بضعفٍ أو ثلاثة أمثال ما يبذله الشخص الراشد, إذا وضعنا نسبة وزن كلٍّ منهما في الاعتبار, فإذا أضفنا إلى ذلك الصراخ, نجد أن الطفل سرعان ما يجهد ويتعب, ويزداد النشاط في حالات الجوع والألم وعدم الراحة، وأكثر أجزاء الجسم حركةً هي الجذع والساقان

стр. 215

وأقلها الرأس, ويتحرك الوليد بالطبع أثناء اليقظة أكثر منه أثناء النوم. ب- النشاط النوعي, والذي يشتمل على أجزاء معينة محددة من الجسم, ومن هذه الأنشطة النوعية التي توجد منذ الميلاد, الأفعال المنعكسة١؛ كمنعكس الصراخ, وطرف العين, والشفتين, واللسان, والمصّ, وانتفاض الركبة, والانثناء, والعطش, وغيرها, وأول ما يظهر من هذه الأفعال المنعكسة ماله أهمية في المحافظة على بقاء الكائن الحي, أما الأفعال المنعكسة الأخرى الأخرى, التي ليس لها نفس الأهمية في بقاء الوليد, فإنها تظهر متأخرة نسبيًّا بعد الولادة بعدة ساعات أو أيام, ثم تختفي بعد أشهر قليلة, ومن أشهر هذه الأفعال المنعكسة منعكس بابينسكي Babinski "ثنى أصابع القدم"، ومنعكس داروين Darwin "القبض", ومنعكس مورو Moro "العناق, والذي يظهر حين يستلقي الوليد على ظهره على مائدة أو حشية صلبة, فإنه يقذف ذراعيه في حركة أشبه بالعناق". وتظهر أيضًا عند الميلاد استجابات عامة غير الأفعال المنعكسة "والتي تستخدم مجموعة من العضلات أكبر مما يستخدم في الأفعال المنعكسة" مثل: تثبيت البصر على الضوء, والحركات التلقائية للعين, وإفراز الدموع, واستجابات الأكل؛ كالمصِّ والبلع وحركات اللسان والشفتين ومصِّ الأصابع والحركات الإيقاعية للفم والفواق, بالإضافة إلى حركات تقطيب الحاجبين وتحريك الرأس وإدارة الجذع وانتفاض الجسم وحركات اليد والذراعين, وحركات الرفس وحركات الساقين والقدمين, وجميع هذه الحركات تكون غير تآزرية, وغير محددة وغير موجهة, ومع ذلك فهي مهمة؛ لأنها الأساس الذي تُبْنَى عليه الحركات الماهرة, التي تكون على أعلى درجات التآزر فيما بعد, نتيجة للتعلم. ٤- أصوات الوليد: يظهر الصراخ في العادة منذ الميلاد أو بعده بقليل, وصراخ الوليد هو فعلٌ منعكسٌ تمامًا, وينتج عن اندفاع الهواء بسرعةٍ إلى الأحبال الصوتية, مما يسبب حركتها، وله وظيفة فسيولوجية مباشرة, فوظيفةُ الصرخة الأولى عقب الميلاد, هي توسيع الرئتين؛ بحيث تسمحان بالتنفس وتزويد الدم بكمية الأوكسجين. وبعد الميلاد بقليل تظهر هذه الصرخات تغيرات في الشدة والحدة والاستمرار, وعادةً ما تصبح لها معانٍ مرتبطة بالأحوال الفسيولوجية للوليد؛ مثل: الجوع والألم وعدم الراحة والتعب, ويصاحب صراخ الوليد حركات جسمية

стр. 216

مختلفة، وكلما زاد الصراخ حدةً زادت معه الحركات الجسمية, وهذه الحركات الجسمية التي تصاحب الصراخ تكون إشارةً إلى أن الوليد يريد الانتباه إليه, أي أنها تصبح نوعًا من الاتصال غير اللفظي, وبالإضافة إلى الصراخ, فإن الوليد قد يصدر أصواتًا انفجارية تشبه التنفس العميق, وتصدر دون أن يكون لها معنًى أو قصد, وإنما تحدث بالصدفة البحتة حينما تتصل الأحبال الصوتية بعضها ببعض، وتسمى هذه الأصوات قرقرات "وهي أشبه بصوت السائل الذي يمر فيه الهواء"، ثم تقوى هذه الأصوات وتتحول إلى ما يسمى المناغاة في المرحلة التالية, والتي تعتبر أساس الكلام. ٥- النمو الحسي: تنتاب دراسة النمو الحسيّ عند الوليد صعوبات منهجية خاصة, لعجز الوليد عن استخدام أسلوب التقرير الذاتي, وهو الأسلوب الأكثر شيوعًا في بحوث سيكلوجية الحواس, والمحكّ الوحيد للحكم على وجود النشاط الحسي أو عدم وجوده عند الوليد, هو الاستجابة الحركية لمثيرٍ حسيٍّ, ويقع على عضو الحس موضع الاهتمام "وهو المحك الذي استخدم مع الجنين أيضًا كما بينا في الفصل السابق" وذلك على الرغم من أن الباحث قد يصعب عليه التمييز أحيانًا بين ما إذا كانت الاستجابة الحركية صدرت نتيجة استثارة المثير, أو هي جزء من النشاط الكتلي العام للوليد، ومن ناحيةٍ أخرى, فإن عدم صدور الاستجابة لا يعني بالضرورة عدم وجود الإحساس، فربما يكون المثير المستخدم ضعيفًا، واستخدام المثيرات الأقوى قد يؤذي أعضاء الحسّ التي لا تزال رقيقة عند الوليد, ومع ذلك يمكن القول: إننا نعرف في الوقت الحاضر أن الطفل يكون قادرًا على التمييز الحسيّ منذ ميلاده, وخاصة بالنسبة لحاستي البصر والسمع؛ فبالنسبة للبصر نجد أن الشبكية في العين, والتي تحتوي على خلايا الإحساس البصري, لا تصل إلى نموها الكامل عند الميلاد, ومعنى ذلك أن الوليد قد يكون لديه عند الميلاد عمى ألوان كلي أوجزئي, وخلال الأسبوع من الميلاد يمكن لمعظم الأطفال الاستجابة للضوء بعلامات عدم الارتياح. أما السمع: فيكون عند الميلاد في أدنى الدرجات, إذا قارنا هذه الحاسة بالحواس الأخرى؛ فمعظم الأطفال يكونون في حالة صمم كليٍّ تقريبًا عند الميلاد, ولعدة أيام, بسبب انسداد الأذن الوسطى بالسائل الأميني. فحتى الأصوات العالية القريبة من الأذن لا تنتج إلّا استجابات ضئيلة في أحسن الحالات, وتظهر علامات الاستجابة للصوت في الفترة من اليوم الثالث إلى اليوم السابع بعد الولادة. أما حاستا الشم والذوق, فتكونان على درجة كبيرة من النموِّ عند الميلاد

стр. 217

وكذلك توجد الحساسية الجلدية للمس والضغط والحرارة والألم, وبعض أجزاء الجسم تكون أكثر حساسية من البعض الآخر، ولعل أشدها حساسية الشفاه, أما بالنسبة للحساسية العضوية, فإن تقلصات الجوع تكون على درجة كبيرة من النمو عند الولادة, وتظهر بعدها بوقت وجيز. وبسبب القصور النسبي في نمو عضوي الحسِّ الأساسيين, وهما العين والأذن, فلا نتوقع للوليد أن يكون على درجة من الوعي بما يحدث في البيئة المحيطة به، فقد يكون" شعوره مضطربًا مختلطًا" على النحو الذي يصفه وليم جيمس. وبسبب أن عقل الوليد يختلف عن عقل الطفل الأكبر منه, وبسبب أن خبرته ترتبط بخبرته السابقة في الرحم, فإن الوليد يشعر بالعالم شعورًا مختلفًا، يشبهه كيرت كوفكا بما يحدث عندما يستمع الشخص غير الموسيقيّ لمقطوعة موسيقية بطريقة تختلف عن استماع الخبير بالموسيقى لها. ونتيجةً لعدم توافر الوعي بالبيئة المحيطة، وعدم نموّ المخ بدرجة كافية, فإننا نستطيع أن نصف الوليد بأنه "كائن غير قادر على التعلم" وخاصة خلال الأيام الأولى من ولادته، ويصدق هذا على أبسط صور التعلم؛ كالتعلم الشرطي والتعلم الترابطي، إذا استثينا بعض صور الاشتراط, والتي تحدث في موقف التغذية. ٦- انفعالات الوليد: بسبب عدم التآزر في نشاط الوليد, فإن من غير المنطقيّ أن نتوقع أن تكون حالات الانفعالية عند الميلاد محددة تحديدًا دقيقًا في شكل انفعالات معينة, ولهذا نجد الباحثين في العادة يصنفون استجابات الوليد إلى نوعين: استجابات سارة وإيجابية, واستجابات غير سارة أو سالبة "Hurlock". ويمكن أن تظهر الاستجابات غير السارة بتغيير وضع الوليد بطريقة مفاجئة, أو بإحداث أصواتٍ مزعجةٍ عالية جدًّا أو مفاجئة, أو بتعطيل حركاته التلقائية، أو بوضعه في فراشٍ مبلل, أو وضع شيء بارد جدًّا على جلده. فقد لوحظ أنه يبكي ويصرخ استجابةً لمثل هذه المثيرات, أما الاستجابات السارة فيمكن إظهارها بالربت والهزّ والحضن والمصّ. الواقع أن الاستجابات السارة أقلّ تحديدًا وأكثر غموضًا من الاستجابات غير السارة, وتقترب من حالات الهدوء والسكون أكثر من كونها حالات انفعالية, والخاصية المميزة للتكوين الانفعالي لدى الوليد هي عدم وجود تدرج في الاستجابات يشير إلى درجات مختلفة من الحدة، فمهما كان المثير, تكون الاستجابة الناتجة بنفس الدرجة من الحدة. ٧- بداية تكوين الشخصية: توجد أدلة على وجود فروق بين الأطفال

стр. 218

منذ الولادة في بعض الخصائص المزاجية, تظهرها الفروق في معدل النشاط، وتؤلف الاستعدادات التي تنمو فيما بعد, وتتطور إلى سماتٍ للشخصية, وتظهر هذه الفروق على وجه الخصوص في استجابات الطفل للطعام, وفي سلوك البكاء, وفي النشاط الحركي, ولا شكّ أن بعض العوامل المؤثرة في الشخصية تعود إلى فترة ما قبل الولادة، فأيّ اضطراب في بيئة ما قبل الولادة نتيجةً للعمليات الانفعالية للأم, قد تحدث تغيرات في سلوك الوليد، وقد تؤدي إلى حالات النشاط الزائد, أو عدم الاستقرار في سلوكه. ولا يوجد دليل علميّ -كما قلنا- على تأثير ما يسمى صدمة الميلاد "أي: الصدمة النفسية التي يقال أن الوليد يشعر بها نتيجة الانفصال عن الأم بالولادة" في الشخصية, وربما يكون العامل الأكثر أهمية هو اتجاه الأم نحو الوليد, كما ينعكس في سلوكها، وخاصة اتجاهات الرفض، وكذلك القلق والتوتر والاضطراب الذي تبديه الأم إزاء وليدها، وهو ما ناقشناه بالتفصيل في بداية هذا الفصل.

стр. 219

أحكام الشريعة الإسلامية بالنسبة لطور الوليد: تحدد الشريعة الإسلامية مجموعة من المبادئ التي تتصل بطور الوليد, نوجزها فيما يلي١: ١- استحباب البشارة والتهنئة عند الولادة: ويشمل ذلك الذكر والأنثى دون تمييزٍ أو تفرقةٍ بين الجنسين. ٢- استحباب التأذين والإقامة عند الولادة: بحيث يكون أول ما يسمعه الوليد كلمة التوحيد. ٣- استحباب تحنيك الوليد عقب ولادته: وذلك لتقوية عضلات الفم بحركة اللسان مع الفم والفكين. ٤- استحباب حلق رأس الوليد. ٥- استحباب ذبح شاةٍ عن المولود في يومه السابع "العقيقة". ٦- تسمية الوليد: وفي السنة النبوية أن تتم التسمية في اليوم السابع "يوم العقيقة" من الولادة، كما أن هناك أحاديث أخرى صحيحة تفيد أن تكون التسمية في يوم الولادة. ٧- انتقاء أحسن الأسماء وأجملها للوليد.

стр. 220

الفصل العاشر: طور الرضيع (من الولادة حتى نهاية العام الثاني) مدخل ... الفصل العاشر: طور الرضيع"من الولادة حتى نهاية العام الثاني" ما إن تضع الأم وليدها بعد مشقة الحمل والمخاض والولادة حتى تبدأ في إرضاعه, ولقد أوجب القرآن إرضاع الأم لطفلها، وحدَّدَ لطور الرضاعة حده الأقصى وهو عامان, يقول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] . وفي أثناء مدة الرضاعة أوجب الله تعالى حسن رعاية الوالدة ورقة معاملتها, وإذا كانت هناك ظروف تمنع الأم من إرضاع الطفل فيجوز الاسترضاع، قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . وهكذا, فإن طور الرضيع يطلق على المرحلة العمرية التي تمتد من الولادة وحتى نهاية العام الثاني من عمر الطفل، وتشمل الطور السابق "طور الوليد" بالطبع, وقد لجأنا إلى تخصيص طور الوليد لنوضح أهمية الأسبوعين الأولين من حياة الإنسان, والتي لو اجتازها بنجاحٍ يؤثر ذلك تأثيرًا إيجابيًّا على نموه التالي. وتحديد نهاية العام الثاني بدايةً للانتقال إلى مرحلةٍ عمرية تالية بعد الرضاعة, هو في جوهره تحديدٌ قرآنيّ -كما بينا, فقد أوضحت الآيات القرآنية السابقة أن الفطام "الفصال" يمكن أن يحدث قبل ذلك، ومع ذلك تظل فترة "الحولين الكاملين" هي مرحلة رضاعة بالنسبة للنمو الإنساني؛ حيث لا يقتصر

стр. 221

المعنى على محض الإطعام والتغذية بالأسلوب المعروف بالرضاعة فحسب, وإنما يمتد ليشمل تربية الطفل وتنشئته في أحضان أمه, وفي كنف رعايتها، وعدم اللجوء إلى طرق "التربية غير الطبيعية" التي تبعد الطفل عن الأم وتفصله عنها فصلًا صناعيًّا, فهذه المرحلة كلها هي مرحلة التنشئة في حجر الأم. إن طور الرضاعة هو الطور التي توضع فيه وتتحدد أسس السلوك الإنساني؛ ففيه تتكون الاتجاهات نحو الذات ونحو الآخرين، وأساليب التعبير الانفعالي, إلّا أننا يجب أن ننبه إلى أن هذه الأسس لا تكون ثابتةً مع نهاية هذا الطور, وبالتالي يمكن أن تتغير وتتعدل وتتحسن إذا كانت غير ملائمة, أو غير مقبولة اجتماعيًّا، وأيّ تغير فيها يعني بالطبع إعادة التعلم, وما يصاحب ذلك من توتر واضطراب, وبسبب أن التطورات اللاحقة سوف تتشكل بناء على هذه الأسس, فإن طور الرضاعة يعتبر مرحلة "حرجة أو حاسمة" في نمو الإنسان.

стр. 222

النمو الجسمي والحركي: مرحلة الرضاعة هي إحدى مرحلتين تتميزان بالنمو الجسمي السريع في مدى الحياة، والمرحلة الأخرى هي البلوغ في بداية المراهقة, فخلال الأشهر الست الأولى من الحياة يستمر النمو بمعدل يشبه معدل النمو في فترة ما قبل الولادة, ثم يبدأ في البطء, وخلال العام الأول تكون الزيادة في الوزن أكبر من الزيادة في الطول, وفي العام الثاني يحدث العكس, ولا ينمو جسم الطفل في هذه المرحلة ككل, وفي كل الاتجاهات في وقت واحد، وإنما تحدث تغيرات في أبعاد الجسم ونسبه بسرعة، وخاصة في النصف الثاني من العام الأول، فيلاحظ بطء نمو الرأس, وزيادة نمو الجذع والأطراف، وهذا هو عكس ما يحدث في المرحلة السابقة, وبالتدريج تظهر الرأس بشكلٍ أقل ضخامة مما كانت عليه عند الولادة، ويزداد طول الذراعين واليدين خلال سنتي الرضاعة بمعدل ٦٠-٧٥%، كما يزداد معدل الساقين فيهما بمعدل أبطأ "٤٠%". ويتبع نمو العظام في هذه الفترة نفس الاتجاه العام في نمو الحجم, والذي يعني أن النمو يكون أسرع في العام الأول, وتتبعه فترة من البطء النسبي في العام الثاني, وطوال هذه الفترة تتحول الأنسجة الإسفنجية الناعمة في عظام الوليد إلى عظام صلبة بمعدلات مختلفة في أجزاء الجسم المختلفة. وعادة ما يظهر السن الأول "وهو سن سفلى أمامي" في الشهر الرابع، وعندما يبلغ الطفل عامه الأول يكون لديه ستة أسنان, وعمومًا تتفوق البنات في نمو العظام ونمو الأسنان تفوقًا ضيئلًا على البنين, ويؤدي ظهور الأسنان إلى

стр. 223

بعض الاضطرابات الجسمية، وبعض مشاعر عدم الراحة لدى الطفل, والتي تنعكس بدورها على الأم، ويوصف الطفل حينئذ بأنه في حالة "تسنين". أما العضلات فإنها تنمو بمعدلات مختلفة, وعمومًا يمكن القول أن العضلات التي تكون قريبةً من الرأس والرقبة تنمو مبكرًا عن العضلات التي تتصل بالأطراف السفلى. ويمثل التحكم في العضلات مجالًا هامًّا للنمو خلال مرحلة الرضاعة، وما لم تتدخل عوائق البيئة فإن الطفل يجب أن يخرج من هذه المرحلة كشخصٍ مستقلٍّ نسبيا في نشاطه الحركي, ونمو التحكم في العضلات يتبع المبدأ الذي سبق أن أشرنا إليه وهو الاتجاه من الرأس إلى القدم, وفي هذه المرحلة ينمو السلوك الحركي من جلوسٍ وحبوٍ وزحفٍ ومشيٍ بالاستناد إلى الأشياء, وفي منتصف العام الثاني يمكن للرضيع أن يمشي بدون مساعدة, ونتيجةً لهذا النمو الحركي المتزايد توصف مرحلة الرضاعة بأنها المرحلة التأسيسية لمعظم المهارات الحركية, كما يمكن للطفل في هذه المرحلة أن يتعلم بعض هذه المهارات, وخاصةً المهارات اليدوية, ومهارات استخدام الساق, ولا بُدَّ من التدريب عليها في هذه المرحلة, وعدم تأجيلها حتى لا تنشأ مشكلات خطيرة فيما بعد.

стр. 224

النمو الحسي والإدراكي: تنمو أعضاء الحسِّ بسرعة خلال هذه المرحلة، ففي الشهر الثالث تزداد عضلات العين تآزرًا, وعندئذ يصبح الطفل قادرًا على رؤية الأشياء بوضوحٍ وتميز؛ ولأن عضلات العين تظل ضعيفة لأشهر عديدة, فإن عدم تآزر العين شائع, وخاصة في أوقات التعب والجوع والصراخ, ويزداد السمع دقةً في الرضيع، ونستدل على ذلك من استجاباته المبكرة لسماع الصوت البشري, وحين يصل الطفل إلى نهاية شهره الثاني يستجيب بنفس الجودة للأصوات من جميع الأنواع, كما أن الشمَّ والذوقَ يزدادان نموًّا خلال هذه المرحلة, وبالإضافة إلى ذلك, فإنَّ الرضيع يكون حساسًا للغاية لجميع المثيرات الجلدية؛ فيشعر بالحرارة والبرودة والألم. إلّا أن النمو الحسي يتحول تدريجيًّا في هذا الطور ليصبح نموًّا إدراكيًّا, ويتسم الإدراك في هذا الطور بأنه ليس عملية "معرفية" كاملة, وإنما هو نوعٌ من الإدراك "الحسي - حركي" وفقًا للوصف الذي أطلقه بياجيه على هذ المرحلة, ومن النماذج المفسرة للإدراك الحسي عند الأطفال في هذا الطور النموذج الذي اقترحته آمال أحمد مختار صادق "١٩٩٠", والذي يفترض أن الطفل في العامين الأولين من حياته يتعامل مع المثيرات من خلال توظيف الحواسّ جميعًا سعيًا لتبين detecrion طبيعة المثير, فجميع المثيرات مهما كانت طبيعتها يبدأ الطفل بالنظر إليها, ثم لمسها وتحريكها, "للاستماع إلى ما يمكن أن يصدر عنها من أصوات", ثم وضعها في فمه حيث يتعرف على خصائصها بحاستي التذوق والشم, وبهذه الطريقة تلعب الحواس المتعددة multi-sensory دورها في تحديد طبيعة المثير. وبنهاية هذا الطور يتحول الرضيع من الخصائص المعممة إلى تمييز الخصائص "الفارقة" للمثير, والتي تجعله مثلًا يمكن وضعه في الفم كطعام, أو التعامل معه كشيء خارجي يصدر الأصوات أو الحركة، إلخ ... وعمومًا فإن النموذج في حاجة إلى دراسات مصرية وعربية تُجْرَى في إطاره.

стр. 225

نموّ الكلام: توجد ثلاثة صور من المواد الأولية للغة الطفل تظهر بالتتابع هي: الصراخ والمناغاة والإيماءات, والصراخ هو أكثر شيوعًا خلال الشهور الأولى من الحياة، أما المناغاة فهي الأكثر أهميةً؛ لأن منها تنمو لغة الكلام العاديّ عند الإنسان. وفي مرحلة الرضاعة يطرأ على الصراخ تغيرات هامة، فصراخ الوليد يصبح بعد عدة أسابيع متميزًا إلى الحدِّ الذي يمكن أن نفهم من نغمة الصرخة وحِدَّتها, ومن الحركات الجسمية المصاحبة لها, ماذا يريد الطفل؛ فالألم مثلًا يتم التعبير عنه بصرخات عالية مرتعشة تقطعها تأوهات "وما يشبه الأنين" وتشنجات, وصرخات الجوع تكون عالية وتقطعها حركات المصّ، وبصفة عامة تتمايز صرخات الرضيع بِحِدَّتِهَا وليس بمعناها. وعادةً ما يكون الجوع والشعور الزائد بالحَرِّ هما السببان الرئيسيان لمعظم صراخ الأطفال في الأسابيع الأولى من حياتهم, ومع نموّ الطفل يكون الألم هو السبب الرئيسي, "وخاصة الآم سوء الهضم", كما يسبب الصراخ أيضًا تعرض الطفل لمثيراتٍ حسية قوية، أو الاضطراب العنيف له أثناء النوم، أو الفشل في القيام باستجابة مقصودةٍ؛ مثل العجز عن الحركة بسبب إحكام الأغطية، أو فقدان اللعبة أو بعدها عنه، أو البعد عن الاتصال بالآخرين، أو الوجود في أماكن غريبة. وحالما يصل الطفل إلى شهره الثالث يتعلم أنَّ الصراخ طريقةٌ مؤكدةٌ للحصول على انتباه الآخرين؛ ففي الشهر الرابع يصرخ الطفل عندما تتوقف الأم "أو الأب" عن اللعب معه, وفي الشهر الخامس يزيد صراخه إذا دخلت الأم الغرفة دون أن تعيره انتباهًا, ويزداد معدل صراخ الأطفال الأعلى ذكاءً عن أولئك الأقل ذكاءً. كما أن الأطفال الذين تشبع حاجاتهم بانتظامٍ يكونون أقلَّ صراخًا من أولئك الذين تشبع حاجاتهم بتقطع أو يُؤَجَّلُ إشباعها.

стр. 226

ومع نموّ الجهاز الصوتي للطفل يصبح قادرًا على إصدار عددٍ كبيرٍ من الأصوات الانفجارية, وبعض هذه الأصوات يبقى ويتحول إلى مناغاة, والتي تبدأ كنوعٍ من اللعب العشوائيّ, ويهدف منها الطفل إلى الاتصال أو التعبير، ومع مرور الوقت تتحول إلى كلامٍ حقيقيٍّ, وتبدأ المناغاة بمقطَعٍ واحد يتكرر, ثم بمقطعين وأكثر, وهذا ما يجعلها وكأنها حديثٌ أو لغةٌ يوجهها الطفل كيفما اتفق وحينما يشاء, وبعض هذه المقاطع يبقى ليكوّن أساس الكلام الفعلي, كما أن عدد الأصوات التي يحدثها الطفل في المناغاة يتزايد بالتدريج, وبالممارسة والتدريب يربط الطفل بين عددٍ من الحروف الساكنة والمتحركة مثل "ما -ما" و"داد- داد" و"نا-نا", وتبدأ المناغاة في الشهر الثاني أو الثالث, وتصل إلى قمتها في الشهر الثامن، ثم تختفي بالتدريج ليظهر الكلام العادي. ويستخدم الطفل الصغير الإيماءات كبديلٍ للكلام, بينما يستخدمها الطفل الكبير كإضافات إلى الكلام وتأكيد له, ومن الإيماءات التي تشيع في هذه المرحلة مد الذارعين والابتسام, وهو ما ينقل فكرة أن الطفل يرغب في أن تحمله الأم, ويستطيع الطفل في هذه المرحلة أن يُفْهَمَ من تعبيرات الوجه ونغمة الأصوات وإشارات المتحدث ما يقصده، ولا يستطيع بلوغ هذا الفهم من محض أصواته فقط, والطفل يمكنه أن يفهم السرور والغضب والخوف منذ الشهر الثالث, ويحتاج الطفل حين يبلغ الشهر الثامن إلى أن يُعَزَّزَ بالإيماءات التي تصدر عن الكبار حتى يمكنه فهم المعاني, وفي سن سنتين يستطيع الطفل المتوسط أن يفهم إلى الحد الذي يمكنه الاستجابة الصحيحة لبعض التعليمات على النسق الذي نجده في بعض اختبارات ذكاء الأطفال "مثل اختبار ستانفورد -بينيه". وتعلم الكلام في هذه المرحلة يتضمن التدريب على نطق الكلمات على النحو الذي يجعلها مفهومة للآخرين، والربط بين المعاني والكلمات التي تدل عليها، وبالتالي تتكون مفردات من الكلمات المستخدمة في أغراض الاتصال, والربط بين هذه الكلمات لتؤلف الجمل, وهذه المهام لا تتضمن فقط التحكم في الجهاز الصوتي, وإنما القدرة على فهم المعاني والربط بينها وبين الكلمات التي تقوم بدور الرموز على هذه المعاني, وتَتَكَوَّنُ المفردات اللغوية لدى الرضيع من الأسماء التي ترتبط بالأشخاص والأشياء في بيئته، والأفعال التي تدل على نشاط معين, وفي نهاية هذه المرحلة يكتسب بعض الكلمات الدالة على النعوت والظروف, ويندر استخدام الجمل الخبرية والجمل الربطية والضمائر في هذه المرحلة, وهكذا تتحدد في هذه المرحلة أسس النشاط اللغوي الذي يزداد نموًّا وتحسنًا ورقيًّا في المراحل التالية, ولابد من التنبيه إلى مخاطر تأجيل النموّ الكلامي في هذه المرحلة.

стр. 227

النمو العقلي المعرفي: يقسم بياجيه النمو العقلي للطفل في هذا الطور -الذي يسميه الطور الحسي الحركي Sensorimotor- إلى الفترات الست الآتية: أ- الفترة الأولى: من الميلاد حتى نهاية الشهر الأول, وفيها يمارس الطفل المخططات الوراثية "المصّ، الرضاعة، الإخراج، النشاط البدني الغليظ، ... إلخ", وقد لاحظ بياجيه في الشهر الأول من حياة الطفل تحولًا من الاستخدام السلبي إلى الاستخدام الإيجابي لهذه المخططات، كما تظهر بعض صور الاشتراط بين الاستجابات ومثيراتٍ جديدةٍ لهذه المخططات، وكذا تظهر بوادر تعديل الأفعال المنعكسة الفطرية, وتصبح أكثر فعالية بالتعلم، فإلى جانب التثبيت على الضوء يمكن للطفل أن يتابعه بعينه, ويظهر اهتمامه به, وتتميز هذه المرحلة بالتمرين على ذخيرة حسية حركية جاهزة، وفيها لا يتم التمايز بين التمثيل والمواءمة. ب- الفترة الثانية: من شهر واحدٍ حتى ٤شهور، وهي مرحلة الأرجاع "الاستجابات" الدائرية الأولية, أو التكرار الأعمى الآلي للاستجابات أو الأرجاع؛ حيث يكرر الطفل المخططات الوراثية مراتٍ عديدةٍ؛ كأن يمسك بالشيء ويتركه عدة مرات حتى تظهر تعديلات على المخططات الأصلية، وتنشأ مثيرات عديدة قادرة على إحداثها, ويظهر التآزر بين المخططات، فالأشياء التي يراها الطفل يمكنه أن يصل إليها، والأصوات التي يسمعها ينظر إلى مصدرها، والأشياء التي تلمسها اليد ينظر إليها, ويظهر التمييز مثلًا بين ما يمصه وما لا يمصه, وفي هذه المرحلة تبدأ علميتا التمثيل والمواءمة في التمايز. جـ- الفترة الثالثة: من سن ٤شهور إلى ٨شهور، وهي مرحلة الأرجاع الدائرة الثانوية والتكرار, والتي يتعلم فيها الطفل إصدار استجابة معينة, وينتظر حدوث نتيجة، كأن يحرك الشخشيخة ليسمع الصوت, وفي هذه المرحلة تظهر بعض علامات الحركات المقصودة وتَوَقُّع الآثار؛ فالطفل يحاول إطالة زمن شيء يراه، ويظهر الاهتمام بأشياء أبعد من نطاق جسمه، ويحاول تحريكها، ويميِّز بين الأشياء الغريبة والمألوفة, ويبحث بحثًا قصيرًا عن الشيء الغائب، والأشياء التي تجذب انتباهه لا تكون غريبة كلية أو مألوفة تمامًا, ويتوافر لديه بعض المفهوم عن استمرار وبقاء الأشياء، فإذا سقط الشيء على الأرض ينظر إليه, كما تنمو مفاهيم المكان، فيراقب حركة يده من شيءٍ لآخر وإلى فمه, كما يحاول الوصول إلى بعض الأشياء دون البعض الآخر, مما يدل على نوعٍ من إدراك

стр. 228

العمق, ويتحقق من أنه يستطيع أن يكون سببًا في حركة الأشياء, وذلك بإصدار حركات منه, وتظهر بدايات المحاكاة, وهكذا يتحرك الطفل نحو القصد أو التوجه نحو الهدف. د- الفترة الرابعة: من ٨شهور حتى ١٢شهرًا، وهي مرحلة تآزر المخططات المتعلمة, كأن يقلب الزجاجة ليصل إلى الحلمة في حالة الرضاعة الصناعية، وفيها يكتسب الطفل تمييزات إضافية بين الوسائل والغايات، وإصدار حركة معينة للوصول إلى هدف معين, فإذا وضع عائق في طريق الوصول لشيء مرغوب يمكن رؤيته فإنه يتعلم الدوران حوله أو معه, أو إزالته, أو تنحيته جانبًا, كما يلاحظ أن شيئًَا خارج ذاته قد يسبب حدوث شيء ما، مما يدل على التمييز بين الذات والعالم، ويبدأ ظهور مفهوم "الواقع والحقيقة" والبعد عن التمركز الشديد حول الذات, ويتعلم أن حدثًا ما قد يتبع آخر, ويمكن أن يحاكي إحدى الاستجابات الجديدة. هـ- الفترة الخامسة: من ١٢شهرًا حتى ١٨ شهرًا، وهي مرحلة الأرجاع الدائرية من الدرجة الثالثة، وتعني: التكرار الذي يهدف إلى التجريب, وفيها يظهر الطفل اهتمامًا بالجدة في ذاتها، كما ينوّع من حركاته, ويراقب هذه الحركات، ويظهر اتجاهاتٍ أكثر نشاطًا وقصدًا وإيجابيةً نحو التجريب، وزيادة نموِّ مفهوم الواقع والموضوع والشيء والحقيقة. إن الطفل في هذه المرحلة يستطلع الأشياء الجديدة بنوعٍ من التجريب بحثًا عن جوانب الجدة فيها، ويتعلم استخدام الوسائل لتحقيق غايةٍ؛ مثل الوصول إلى ساعةٍ موضوعةٍ على مخدة, وذلك بجذب المخدة كلها نحوه. و الفترة السادسة: من ١٨ شهرًا حتى ٢٤ شهرًا، وهي مرحلة تمثيل المخططات، ففي هذه المرحلة تنمو اللغة مما يسهّل على الطفل كثيرًا تكوين المفاهيم السيمانتية أو التمثيلات "الصور" اللفظية للأشياء, كما يظهر الطفل إتقانًا لمشكلات الاستجابات المرجأة, فإذا أعطي الطفل بعض الدلالات على موضع شيءٍ خفيٍّ فإنه يتجه إليه، ويمتد التوجه المكاني إلى إطار أكبر ومدًى أوسع، فمثلًا: حين يكون بعيدًا بعدًا مكانيًّا قليلًا عن المنزل, فإنه يستطيع أن يشير إلى اتجاهه، وترجأ بعض صور المحاكاة مما يدل على نموّ ذاكرة الأعمال والأحداث, كما يظهر الطفل ذاكرة للأشياء, وفي هذه الحالة يستطيع حلَّ مشكلات الالتفاف والانعطاف detour, وذلك بالدوران حول العائق حتى ولو أدى ذلك إلى البعد مؤقتًا عن الهدف, كما يستطيع أن يستنتج الأسباب، ويبتكر تطبيقات جديدةً لما تَمَّ تعلمه في سياق مختلف.

стр. 229

وبإيجازٍ يمكن القول أن الصورة المبكرة للنشاط العقلي للطفل تتمثل في استخدام الاستشكاف الحسي, ثم من خلال المعالجة اليدوية, وفي العام الأول يمكن للطفل أن يفسِّرَ الخبرات الجديدة في ضوء خبراتٍ قديمة, وفي العام الثاني يمكنه الوصول إلى تعميمات بسيطة تعتمد على خبرات محدودة يكتشف بينها علاقات. وقد أكدت دراسات النموّ العقلي التي قام بها بياجيه, أن الرُّضَّعَ يظهرون السلوك العقلي قبل أن يتكلموا بكثير، ويسمي هذه المرحلةَ المرحلةُ الحسيةُ الحركيةُ, باعتبار الإدراك الحسي والنشاط هما الطابعان الغالبان على النشاط العقلي في هذه المرحلة. وفي نموّ المفاهيم نجد أن مفاهيم المكان والزمان والوزن والحجم تتكون جميعًا في هذه المرحلة, ولو على نحوٍ غير دقيق, ويظهر مفهوم الذات قبل مفهوم الآخر, ورغم ذلك, فإن الطفل لا يستطيع أن يميز بين نفسه والبيئة في مرحلة مبكرة مثلما يميِّزُ بين الآخرين والبيئة في الجزء الأخير من العام الأول "في صورة الخجل من الآخرين". وأبسط صورة للإدراك الجمالي توجد في تفضيل الألوان, فابتداءً من الشهر السادس حتى نهاية العام الثاني يستجيب الأطفال بطريقة مختلفة للألوان المختلفة, ويكون ترتيب التفضيل: هو الأحمر فالأصغر فالأزرق فالأخضر, ويظهر التذوق الموسيقي في ميل الطفل للموسيقى التي تشبه الأغنيات التي تهدهده بها أمه في المهد حتى ينام. "آمال صادق، ١٩٨٩".

стр. 230

النمو الانفعالي: تنمو الانفعالات في هذه المرحلة بسبب النضج والتعلم من الأشكال البسيطة غير المتمايزة تمامًا, التي تظهر عند الولادة إلى حالات انفعالية متمايزة, يمكن أن تستثيرها أنواع مختلفة من المثيرات, ومع التقدّم في العمر تكون الاستجابات الانفعالية أقلّ اختلاطًا وعشوائيةً وأكثر تحديدًا, وبدلًا من الاستثارة الانفعالية العامة عند الولادة تظهر بالتدريج انفعالات الخوف والغضب والتقزز والحزن والسرور والغرور والحب. وتظهر تغيرات هامة على صور الاستجابات الانفعالية؛ فالصراخ والبكاء يظهران كما قلنا منذ الولادة, وحينما يصل الطفل إلى الشهر الثامن يستخدم النداء مع الصراخ والبكاء, وخلال الفترة من ١٦-٢٠ شهرًا يبدأ في النطق بكلمة "لا", وتظهر استجابة إخفاء الوجه، وبين الشهر العشرين والشهر الرابع والعشرين يطلب الصحبة, أما الجري عند الخوف فلا يظهر إلّا عند نهاية هذه المرحلة "بعد بلوغ الطفل سنتين على الأقل". وتتسم انفعالات الطفل في هذه المرحلة بأن استجاباتها أكبر كثيرًا من المثيرات التي تحدثها, وخاصة في حالتي الغضب والخوف, وهي قصيرةٌ في مدتها الزمنية, ولكنها تكون حادَّةً إذا استمرت فترة طويلة, ويتكرر حدوثها, ولكنها عادةً ما تكون مؤقتة، ويمكن للطفل أن يتحول من انفعالٍ إلى آخر إذا تشتت انتباهه. ويحتاج الطفل في هذه المرحلة إلى أن يعبِّرَ عن انفعالاته بالطرق العادية, ومن حسن الحظِّ أن معظم الأطفال لا يتعرضون للحرمان من التعبير الانفعالي, ولا يحدث هذا إلّا للأطفال الذين يرفضهم الوالدان, ويعيشون في المؤسسات بدلًا من الأسر البديلة, وهذا الحرمان له آثاره الضارَّة على النموّ في مختلف الجوانب الأخرى: النمو الجسمي والحركي واللغوي والاجتماعي, فالتعبير الانفعالي في هذه المرحلة ليس محض تصريف طاقة, وإنما هو فرصة للتعبير الوجداني نحو الآخرين.

стр. 231

النمو الاجتماعي: تلعب الخبرات الاجتماعية المبكرة دورًا هامًّا في تحديد اتجاهات الطفل نحو الذات والآخرين, ولأن حياة الرضيع تتمركز داخل المنزل, فإن أسس السلوك الاجتماعي والاتجاهات الاجتماعية عنده تُعَدُّ "صناعة منزلية أسرية". ولكي يصبح الطفل كائنًا اجتماعيًّا ليس مسألة فطرية، وإنما هي من نواتج التعلم والخبرة, فبعد الميلاد يكون الطفل كائنًا غير اجتماعيٍّ يغلب عليه الطابع العضوي واتباع الحاجات البيولوجية الجسمية, ولا يميز بين من يشبع له هذه الحاجات، فالمهم بالنسبة إليه إشباعها. وفي الأسبوع السادس من العمر تبدأ أول ابتسامة اجتماعية حقيقية, وعادةً ما تكون مصحوبةً بنشاطٍ بدنيٍّ كبير, وحين تتحسن قدرة الطفل على الإدراك البصري خلال الفترة بين الشهر الثاني والشهر الثالث يمكنه التمييز بين الأشخاص, ويكتشف أن الأشخاص وليس الأشياء هم الذين يشبعون حاجاته, ويبدأ بالتعبير عن الرضا حين يوجد مع الناس, ولا يهمه مَنْ يكون الشخص الذي يوجد معه، المهم أن يحظى باهتمام شخصٍ ما، ويدل ذلك على بداية "السلوك الاجتماعي" الذي يتخذ صورة "استجابة غير تمييزية للآخرين"، وهكذا تكون الاستجابات الاجتماعية الأولى مُوجَّهَة نحو الكبار، وفي الشهر الثالث تظهر بدايات الاهتمام بالناس فيبكي حين يتركونه، ويظهر عدم السرور حين لا ينظر إليه الشخص, أو ينصرف عنه بالحديث مع شخص آخر، كما يراقب تعبيرات

стр. 232

الوجه عند الآخرين, وهنا تظهر على وجه الخصوص "استجابة تمييزية" للأم مع استمرار الاستجابة للآخرين, ويستخدم الأصوات والإيماءات والمناغاة ولغته البدائية في الاتصال بالآخرين. كما يمكنه التمييز بين "الأصدقاء والغرباء", وفي هذا الوقت يظهر الطفل تعلقًا واضحًا ومحددًا بالأم, ويظهر سلوك التعلق Attchment هذا في صورٍ عديدةٍ؛ منها: الابتسام للأم, وإصدار الأصوات لها دون غيرها من الآخرين, وبالصراخ والبكاء حين يحمله شخصٌ آخرٌ غير الأم، والصراخ والبكاء أيضًا حين تتركه أمه. وقد شغلت مسألة العلاقة بين الأم وطفلها الرضيع اهتمام الباحثين منذ زمن بعيد, ولعلَّ أفضل من عَبَّرَ عنها في العصر الحديث العالم البريطاني بولبي Bowlby, حين صَكَّ في عام ١٩٥٨ مصطلحه الشهير "التعلق"، وهو سلوك يظْهَرُ في الطفل منذ شهره السادس, يهيئ له شعورًا بالأمن، كما يزوده مصدر للشعور بالقوة والهوية يتطور فيما بعد ليصبح نقطة انطلاقٍ للشعور بالتمايز والاستقلال, ويُعَدُّ هذا السلوك مهمًّا في تكوين علاقات اجتماعية وانفعالية لها مغزًى, والتي تلعب دورًا رئيسيًّا في النمو الاجتماعي في المستقبل. وفي الشهر الثامن أو التاسع يحاول الطفل محاكاة كلام الآخرين ونشاطهم وإيماءاتهم, وعند اكتمال العام الأول يتوقف عن الفعل عندما يسمع التحذير أو النهي, وفي منتصف العام الثاني يبدو سلوك "الخُلْفَة" Negativism, في صورة سلوك العناد والمقاومة لمطالب الكبار, وتتمثل الخُلْفَةُ في المقاومة الجسمية والصمت والانسحاب, وفي نهاية العام الثاني يمكنه أن يتعاون مع الكبار في أداء بعض الأعمال الروتينية، ويكون في حالة أكثر اتزانًا تجعله أكثر اجتماعية في سلوكه. بداية الاهتمام باللعب: يتسم لعب الرُّضَّعِ بأنه حُرٌّ تلقائيٌّ وأنه تعوزه القواعد والتنظيمات, وأَمْيَلُ إلى اللعب الفرديّ, ويحصل الرضيع على أبسط صور المتعة حينما تتعرض حواسه للاستثارة, ومن اللعب بأطرافه, وعندما يصل الطفل إلى سن ثلاثة شهور يمكنه استخدام لعب الأطفال بعد نموّ قدرته على التحكم في يديه, وفي هذه الفترة يشتق المتعة أيضًا من تقلبه على الظهر والجنبين والرفس, والوصول إلى أصابع القدم ومراقبة حركة أصابعه, وبين الشهر الخامس والثامن يصبح اللعب أقلّ عشوائية, ويزداد انتظامًا خلال السنة الثانية من العمر، ويمكن أن يستخدم اللعب في أنشطة عديدة, ومع تعلم المشي يندمج الطفل في هذا النشاط. وبسبب نقص التآزر العضلي في هذه المرحلة فإنه عادةً ما يكون "مخربًا" للعبه, وفي محاولاته للأشياء الموجودة في بيئته, وبالطبع هو لا يعني تحطيم الأشياء. وفي سن ١٨شهرًا يحاكي الكبار, فيحضن اللعب المفضلة, ويقلدهم في قراءة الصحف, وفي هذه الفترة يكون لِعْبَه فرديًّا، ويكون دوره في حالة وجود أطفال آخرين هو دور المشاهد, وفي النصف الثاني من العام الأول يكون اللعب مع الآخرين متوازيًا, وفي تعامل الطفل مع أقرانه لا يوجد تفاعل "الأخذ والعطاء" ذو الطابع الاجتماعي، وإنما الشائع هو انتزاع الأشياء من الآخرين.

стр. 233

نمو الشخصية: يولد الطفل كما أشرنا وهو مزوّدٌ بإمكاناتٍ نموِّ الشخصية، ومنها تنمو الشخصية بالفعل، وهو النموّ الذي تتحكم فيه ثلاث فئاتٍ من العوامل هي: الوراثة, والخبرات المبكرة داخل الأسرة, وأحداث الحياة اللاحقة. وبسبب اختلاف هذه العوامل من فردٍ لآخر, فإننا لا نجد شخصين يتحولان إلى شخصيتين متطابقتين. ولعل أشهر وصفٍ لمرحلة الرضاعة أنها "مرحلة حرجة" في نموِّ الشخصية, وقد جاء هذا الوصف من أنها مرحلة بناء الأسس التي تقوم عليها شخصية الإنسان فيما بعد, وعلى الرغم من أن الشخص الراشد قد لا يتذكر إلّا القليل مما حدث له أثناء هذه المرحلة, فإن خبرات مرحلة الرضاعة لها أهمية قصوى في تشكيل الشخصية فيما بعد. ولأن بيئة الرضيع محدودة "ببيئة المنزل"، ولأن والديه "وبخاصة أمه" هما رفيقاه الدائمان, يرى معظم علماء نفس النمو أن شخصية الفرد تتأثر تأثرًا كبيرًا بالعلاقة بين الطفل ووالديه في هذه المرحلة. ومن المسائل الهامة التي يجب أن ننوِّهَ بها في هذه المرحلة, أن الرضيع لا يمكن وصفه بأنه كائنٌ خلقي أو لا خلقي؛ فالضمير لا يكون قد تَكَوَّنَ عنده بعد، كما لا يتوافر له مقياس للقيمة, ويمكن وصفه بأن سلوكه لا توجهه المعايير الخلقية بعد, ومع مرور الوقت يتعلم من والديه, ثم بعد ذلك من رفاقه ومعلميه, القواعد الخلقية للجماعة وضرورة مسايرتها. وبالطبع, فإن تعلُّمَ الطفل السلوك على نحوٍ مقبولٍ اجتماعيًّا عمليةً طويلة المدى, بطيئة السرعة, ومع ذلك نستطيع القول أن أسس هذه السلوك- كغيرها من أسس بناء الشخصية الإنسانية- توضع في هذه المرحلة، وعليها يقيم بناءه الأخلاقي الذي يوجه سلوكه مع نموِّه فيما بعد.

стр. 234

فالطفل في هذه المرحلة حين يحكم بالخطأ أو الصواب, يكون هذا الحكم في ضوء محكِّ اللذة والألم الناتجين عن الفعل, وليس في ضوء ما ينشأ عنه بالنسبة للجماعة من خيرٍ أو ضُرٍّ, وبسبب نقص النمو العقلي في هذه المرحلة لا يستطيع الرضيع الحكم على السلوك إلّا في ضوء آثاره المباشرة فيه هو, ولا يتجاوز ذلك إلى آثاره في الآخرين, وعلى هذا يحكم الطفل على الفعل بأنه "خطأ" إذا كان مكدِّرًا له هو, ولا يشعر الطفل في هذه المرحلة بالذنب على "خطأ" يقع فيه؛ لأنه تعوزه المعايير المحددة للصواب والخطأ, فمثلًا لا يشعر "بالذنب" لأنه يستولي على لعب الآخرين وأشيائهم؛ لأنه لم تتوافر لديه بعد معايير حقوق الملكية. ومعنى ذلك أن الأخلاق في هذا الطور هي -كما يصفه كولبرج- أخلاق الفردية والأنانية مع أخلاق الخضوع؛ حيث يظل في حاجة دائمة إلى من يوجهه إلى الخطأ والصواب. ومع ذلك, فإن واجب الوالدين -طوال مرحلة الرضاعة- تدريب الطفل على إصدار الاستجابات الصحيحة في المواقف الخاصَّة, سواء في البيت أو خارجه, والفعل الخطأ يجب أن يظل الحكم عليه كذلك, بصرف النظر عن الموقف الذي يصدر فيه، وإلّا فإن الطفل سوف يقع في الخلط وسوء التمييز إذا كان الفعل الواحد يحكم عليه مرةً بالخطأ, ومرةً أخرى بالصواب, ومرةً ثالثةً يقابل بالتجاهل أو الإهمال، إنه في هذه الحالة لن يستطيع تحديد ما هو متوقع منه. ومع أسلوب التدريب الحازم التي يستخدم أساليب الثواب والعقاب, يمكن أن يتوجه الطفل إلى أنماط السلوك الذي تجعله أقلّ إزعاجًا لوالديه خلال العام الثاني من هذه المرحلة، وهي الفترة التي يزداد فيها السلوك الاستكشافي والاستطلاعي للطفل, ويزداد رفضه لمطالب الوالدين, إلّا أن الهدف من هذا التدريب يجب أن يكون في جميع الحالات أن يميِّزَ الطفل بين الخطأ والصواب, وهذا التعليم التمييزي جهدٌ تربويٌّ طويل الأمد, مع ملاحظة أن إثابة الطفل على السلوك الصحيح بإظهار التقبل له والعاطفة نحوه, أكثر فعالية من عقابه على السلوك الخاطئ, وفي رأينا أن العقاب في هذه المرحلة "ولا يجب أن يتضمن على أيّ نحوٍ العقاب البدني" يجب أن يقتصر على الخطأ المتعمد, وفي حالة الضرورة القصوى, حين لا يستجيب الطفل لمطالب الوالدين بشكل متكرر. أزمة الثقة في مقابل عدم الثقة: يرى أريكسون في نموذجه للنمو الوجداني أن هذه الأزمة أخطر الأزمات الوجدانية في هذا الطور؛ ففي طور الرضاعة تؤثِّرُ نوعية الحياة التي يعيشها الطفل

стр. 235

في مشاعره الجوهرية والبدائية نحو البيئة؛ من حيث الثقة أو عدم الثقة فيها، ويشمل ذلك علاقات الحب والانتباه واللمس والتغذية. ويقصد بالشعور بالثقة: قدرة الطفل على التنبؤ بسلوكه وسلوك الآخرين والاعتماد عليهما, وهو يشتق أساسًا من خبرات السنة الأولى من حياة الطفل "جزء من مرحلة الرضاعة", ومعنى ذلك أن اتجاه الطفل الأساسي نحو "اعتمادية العالم بعضه على بعض" يتكون من طبيعة العلاقات التي يتعرض لها خلال تلك المرحلة التي يسميها فرويد "المرحلة الفمية", والتي تحتل فيها الأشياء المتصلة بالتغذية ونشاط الفم أهمية بالغة, وتُعَدُّ الأم "أو بديل الأم" الشخص المهم في حياة الطفل في هذ المرحلة, وتؤثر طبيعة العلاقات بين الطفل والشخص القائم بدور الأمومة خلال هذه السنة الأول في تحديد المستوى الذي يصل إليه الطفل في مقياس الثقة - عدم الثقة, فإذا كانت حاجة الطفل إلى الطعام تحبط بشكل متكرر, فإن الطفل سوف يبدأ حياته وهو أقرب إلى بعد عدم الثقة, وقد يقضي على الشعور بالثقة سوء العلاقة الانفعالية الوجدانية, ورفض الأم للطفل انفعاليًّا أثناء إشباع حاجاته الجسمية. ويرى أريكسون أن الخلل في الثقة الذي تتعرض له العلاقة الانفعالية بين الطفل والأم خلال السنة الأولى, يمكن إصلاحه إلى حَدٍّ ما في السنوات التالية, إذا تعرَّضَ الطفل لبيئةٍ اجتماعية ملائمة, إلّا أن هذا الخلل لا يتم التغلب عليه تمامًا مهما كانت الخبرات التالية إيجابية, وبالمثل فإن الطفل الذي يكوّن اتجاه الثقة خلال السنة الأولى, قد يتعرض لبعض الخبرات السلبية في المستقبل من أشخاصٍ مهمين بالنسبة إليه, تهز فيه هذا الشعور، ومع ذلك سوف يحتفظ بقدرٍ من الإحساس بالثقة في الذات, والثقة في الآخرين, ينشأ نتيجة لنجاحه في اجتياز أزمة الثقة - عدم الثقة في مرحلة الرضاعة, وهذه الفكرة حول دوام واستمرار الثقة أو عدم استمرارها تُعَدُّ المصدر الأساسي للنمو الوجداني في هذا الطور. دور العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة في مرحلة الرضاعة: الأسرة هي البيئة الاجتماعية الأولى التي يعيش فيها الطفل, ولهذا تلعب العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة دورًا هامًّا في تشكيل سلوك الرضيع, فوالداه وأخوته وأقاربه الذين يتصلون به اتصالًا مباشرًا ومنتظمًا خلال هذه السنوات التكوينية الهامة, يحددون جميعًا اتجاهاته نحو الناس والأشياء والحياة, وعلى الرغم من أن هذه الاتجاهات تتغير وتتعدل بلا شكٍّ مع نموِّ الطفل ومع اتساع آفاق البيئة التي يعيش فيها، إلّا أن جوهر هذه الاتجاهات ومحورها يظلُّ ثابتًا لفترةٍ طويلةٍ من الزمن.

стр. 236

وتأتي الأدلة على أهمية العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة في حياة الرضيع من مصدرين، أحدهما: دراسة الأطفال الذين حُرِمُوا من أمهاتهم وأودعوا في المؤسسات الإيوائية "كالملاجئ وغيرها", لقد لوحظ على هؤلاء الأطفال أنهم حين يُحْرَمُون من أن يحبوا, وأن يكونوا محبوبين, تتأثر شخصايتهم بشكل خطير؛ فالطفل في هذه الحالة يصبح هادئًا ساكنًا غير مستجيبٍ لابتسامات الآخرين، ويظهر حِدَّةً انفعالية بالغة, كما لو كان بذلك يبحث عن اهتمام الآخرين، وتظهر عليه بوجهٍ عامٍّ مظاهر الشقاء والتعاسة. أما المصدر الآخر: فهو دراسة الأمهات العاملات, فمن المعروف أن نسبةً متزايدةً من الأمهات يستوعبهن في الوقت الحاضر سوق العمل في معظم دول العالم, وقد تَرَتَّبَ على ذلك إنشاء "مراكز الرعاية النهارية" للرضَّعِ, والتي يطلق عليها أحيانًا تسمية "دور الحضانة"، وهي مؤسسات يتلقى فيها الأطفال رعاية جماعية في فترة غياب الأم في عملها، وقد تعرضت فكرة هذه المؤسسات للنقد في كثيرٍ من الأحيان, على أساس افتراض أن الطفل في هذه المرحلة في حاجةٍ إلى شخصٍ مهمٍّ واحدٍ يوجِّه إليه مشاعر التعلق, بالإضافة إلى الاعتقاد بأن الرضَّع يتلقون في هذه المؤسسات اهتمامًا ورعايةً وعاطفةً واستثارةً أقلَّ مما يتلقونه في المنزل، وهذا في حَدِّ ذاته يؤثر على النمو الاجتماعي والانفعالي والمعرفي للطفل. ويصدق هذا القول بالطبع إذا كانت دور الحضانة هذه نوعًا من "مخازن الأطفال" كما وصفها فؤاد أبو حطب "١٩٨٣"، إلّا أن نتائج البحوث تؤكد لنا أن رعايةً جماعيةً صحيحةً من الوجهة النفسية يمكن أن تهيئ ظروفًا مناسبة للنموِّ السليم، كما يحدث تمامًا في بيئة المنزل، وخاصةً إذا توافرت فيها التغذية المنظمة والتفاعل الاجتماعي المتكرر وفرص الاستطلاع والاستكشاف والاستثارة، ومع عدد مناسب من الصغار الذين ترعاهم المشرفة في دار الحضانة، وهو ما لا يجب أن يتجاوز ثلاثة أطفال بحالٍ من الأحوال, بشرط أن يقضي الطفل معظم يومه مع أمِّه بعد انتهاء فترة عملها. والسؤال الآن: ما هو دور الأب في مرحلة الرضاعة؟ لقد أثير هذا السؤال في السنوات الأخيرة بسبب التنبه إلى الفائدة التي يجنيها الرضيع من الرعاية التي يقدمها له أبوه إلى جانب رعاية الأم, وقد أكدت البحوث أن الآباء يظهرون قدرًا كبيرًا من الحساسية والعاطفة والمهارة في التعامل مع أطفالهم الرضع، إلّا أن نمط السلوك في الحالتين مختلف؛ فالأب يمارس مع طفله أنماط النشاط التي تتطلب اللعب الجسمي "مثل قذف الطفل في الهواء" أما الأم, فإنها تمارس مع الطفل لعبًا أكثر رقَّةً "كاستخدام اللعب"، بالإضافة إلى أنها تتصل بطفلها اتصالًا فيزيائيًّا أكثر

стр. 237

"وخاصةً في حالة الرضاعة الطبيعية, وبصفة عامَّةٍ يُلَاحَظُ أن الأم أكثر قدرةً من الأب على توجيه عاطفتها واهتمامها نحو الطفل, ويدل هذا على أن الأمومة هي الدافع الأقوى في هذه المرحلة، فهي الدافع الذي يهيئ الأم للقيام برسالتها الهامة في الحياة, وهي بقاء النوع "الحمل والولادة والرضاعة"، وهذه جميعًا ترتبط بها مشاعر العناية والحُنُوِّ على الطفل حتى ينمو, وهذه الوظائف لا ترتبط بدور الأبوة، وربما لهذا السبب أننا لا نجد في الحيوانات إلّا "أمومة" فقط, وقد جاء تكريم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة للأمومة تتويجًا لهذا الدور الهامِّ في حياة الإنسان. وتتغير علاقة الرضيع بوالديه مع تحوله من طفلٍ عاجزٍ معتمدٍ إلى طفلٍ أكثرَ استقلالًا نسبيًّا "مع النمو الحركي خاصة", ولعلَّ أهم ما يشغل الوالدين في هذه المرحلة الظروف الجسمية للطفل, ويُسَبِّبُ هذا قلقًا زائدًا لدى الأمهات "وخاصة أولئك اللاتي يمارسن دور الأمومة لأول مرة"، فهن يخشين الفشل في رعاية الطفل, وقد يؤدي هذا القلق إلى توتر الطفل الذي قد يؤثر على أكله ونومه. ولعلَّ من أخطر المشكلات في هذه المرحلة "الحماية الزائدة" التي يخلعها الوالدان على الطفل "وخاصة الطفل الأول" بسبب شعورهما بعجزه الكامل, وقد يؤدي ذلك بالطفل إلى تنمية اتجاه الاعتمادية, ومن المؤكَّد أن في مرحلة الرضاعة فترتين حرجتين لاتجاه الحماية الزائدة؛ أولاهما: في نهاية العام الأول, حين يختبر الطفل أمه لمعرفة ما إذا كان يمكنه الاعتماد عليها, والطفل في هذه الفترة لا يزال عاجزًا ولا يزال في حاجةٍ إلى من يشبع له حاجته، إلّا أن ما يلاحظ أحيانًا أن بعض الأمهات يتجاوزن حاجات الطفل, ولا يشجعن فيه الاستقلال قدر الإمكان, أما الفترة الثانية: فهي في نهاية العام الثاني "ونهاية المرحلة ككل" حين تكون هناك مطالب اجتماعية من الطفل لتغيير أساليبه السابقة في السلوك، ومع ذلك تسبغ الأمهات عليه طابع الحماية الزائدة، ولهذا نجد بعض الأطفال يتشبثون بالوضع الذي هم فيه "الاعتماد الطفولي الزائد". ومع نموِّ الطفل يزداد سعيه للاستقلال وضوحًا وتحديدًا، إلّا أنه بسبب عجزه عن القيام بالمهارات المطلوبة واللازمة لهذا الاستقلال نتيجةً للحماية الزائدة, يبدأ الصراع بين الطفل والوالدين في الظهور، ثم يتحول بغضبه إلى نفسه, وإلى كلِّ من يحيط به, عندما يعجز عن القيام بما يريد. وقد يُوجَدُ الطفل في أسرةٍ لها أطفالٌ آخرون هم أخوة الرضيع, وبالطبع فإن اتجاه الرضيع نحو هؤلاء الإخوة يتوقف على طرق معاملتهم له، فإذا كانوا يلعبون معه, ويبدون العاطفة نحوه, فإنه يتوجه إلى حبهم, ويتوقف هذا على نجاح الوالدين

стр. 238

في تهيئة الإخوة لاستقبال الطفل قبل مولده, وعادةً ما تظهر الأخت هذا الاتجاه الإيجابي نحو الرضيع أكثر من الأخ؛ لأن رعاية الطفل تعتبر في معظم المجتمعات وظيفة أنثوية, ولهذا فإننا كثيرًا ما نجد الرضيع يُفَضِّلُ أخته الكبرى على أخيه الأكبر. ويتركز اهتمام الأسرة خلال فترة الرضاعة على تدريب الطفل على الطعام "الفطام التدريجي" والنوم والإخراج, وقد لوحظ أن الوالدين الأكثر تفتحًا يميلون إلى أن يكونوا أكثر تسامحًا في هذا التدريب، إلّا أن المهم أن يكون ذلك جزءًا من برنامج واضح لرعاية الطفل في هذه المرحلة, يهدف إلى إشاعة الثقة في الطفل وتجاوزه أزمة الشك التي تشير إليها إيرك أريكسون "راجع الفصل الثالث". ويحدد محمد عماد الدين إسماعيل "١٩٨٦" أربعة مبادئ عامة تحدد دور الوالدين في هذه الرعاية هي: ١- الفورية والثبات في استجابة الأم "أو من يقوم برعاية الطفل" بشكل عامٍّ لمؤشرات التوتر التي تصدر عن الطفل. ٢- ضرورة التفاعل المستمر بين الطفل والأم، على ألَّا تكون محض مستجيب لحاجات الطفل, وإنما يجب أن يكون لها دور المبادأة في استثارة نموه المعرفي والانفعالي والوجداني, وهذان العاملان يؤديان إلى كسب ثقة الطفل, ويحققان له "التعلق" المستقر بها. ٣- تشجيع الطفل عل استطلاع البيئة التي يعيش فيها, سواء باستخدام الحواس والحركة, أو من خلال نشاطه الاجتماعي. ٤- تشكيل البيئة المادية للطفل؛ بحيث تكون ملائمة لمستوى نموه؛ وبحيث تشجعه على على الاستكشاف والاستطلاع المستمر.

стр. 239

بعض مشكلات طور الرضاعة: ١- التغذية: تُعَدُّ تغذية الرضيع من المسائل الرئيسية في هذا الطور، بل إحدى المهام الهامة التي يجب إنجازها بنجاح, ولعل أهم ما يتصل بهذا الموضوع كيفية هذه التغذية, وخاصةً المفاضلة بين الرضاعة الطبيعية والرضاعة الصناعية. وقد فَضَّلَ القرآن الكريم الرضاعة الطبيعية منذ أربعة عشر قرنًا في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ إلّا إذا كانت هناك ظروف قاهرة تمنع الأم من ذلك, فأجاز حينئذ "الاسترضاع"؛ فالأصل في تغذية الطفل في هذا الطور إذن, هو أن يرضع الطفل لبن أمه من صدرها, أما الاعتماد على الرضاعة الصناعية -والتي تشيع في الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا "في مقابل السويد والصين التي تشبع فيهما الرضاعة الطبيعية"- فقد حسم الأمر بالنسبة إليها في ضوء نتائج البحوث التي بدأت منذ مطلع الستينات من القرن العشرين، ومنها تأكد نهائيًّا أن هذه الطريقة في تغذية الطفل لا تقبل المقارنة مطلقًا بطريقة التغذية الطبيعية، وفي هذا إعجاز علميٌّ جديدٌ لكتاب الله الخالد. فالرضاعة الطبيعية لها مزاياها لكلٍّ من الرضيع والأم, فلبن الأم يفوق كل ما عداه من ألوان الغذاء الذي يمكن أن يُقَدَّمَ للطفل -مهما استخدم فيها من وسائل التعقيم الصحي- من حيث قدرته على وقاية الطفل من الإصابة من الأمراض المختلفة، ناهيك عن أنه غذاء صحي متكامل متوازن, لا توازيه أبدًا أية وجبة غذائية اصطناعية, أضف إلى ذلك أن الألبان الصناعية قد تحدث آثارًا ضارةً في صحة الطفل, بسبب بعض المستحضرات الكيميائية التي تؤلفها، بالإضافة إلى قابليتها السريعة للتلوث من خلال عمليات التحضير، ولهذا السبب فهي من أكثر الأسباب شيوعًا لتعرض الطفل للنزلات المعوية، وهي السبب الرئيسي لوفيات الأطفال الرضع. والرضاعة الطبيعية لها جوانبها السيكولوجية التي تفوق طبيعتها كموقف تغذيةٍ فحسب, إنها موقف "رابطة طبيعية" و"تعلق مباشر" بين الطفل وأمه, يعين على الإسراع بالنمو الانفعالي والوجداني والاجتماعي للطفل, ولذلك يرى بعض العلماء أنه لو اضطرت الأم إلى الرضاعة الصناعية لأسبابٍ قاهرةٍ, فعليها أن تجعل موقف التغذية أقرب ما يكون إلى الرضاعة الطبيعية؛ من حيث الاتصال "الجسدي" المباشر بالطفل. وللرضاعة الطبيعية آثارها المفيدة للأم أيضًا، فهي تساعد على سرعة

стр. 240

انكماش الرحم وعودته إلى حجمه الطبيعي بعد الولادة، بالإضافة إلى عودة نسب جسمها, وخاصة الصدر والبطن إلى حالتهما الطبيعية قبل الحمل, وتقلل من احتمالات إصابة الأم بأمراض الثدي والرحم التي شاعت في السنوات الأخيرة, ربما بسبب شيوع الرضاعة الصناعية. وحتى تكون الرضاعة الطبيعية مفيدةً لكلٍّ من الطفل والأم, لابد لتغذية الأم نفسها أن تكون جيدة، وأن تمتنع الأم عن تناول العقاقير التي قد تؤثر في لبنها, أضف إلى ذلك أن استمرار ثدي الأم في إفراز اللبن يتوقف على قوة مصّ الطفل له, وقد تلعب الأم دورًا في امتناع الطفل عن التغذية من صدرها, فقد تأكَّدَ أن الأطفال الرضَّعَ يميلون إلى التغذية الطبيعية الهادئة والكافية, إذا كانت أمهاتهم على درجة كافية من الرضا والسعادة والاسترخاء, ومعنى ذلك أن نجاح الرضاعة الطبيعية يتوقف على أن تكون الأم راغبة، أما الأم التي ترضع طفلها أداءً للواجب دون رغبةٍ منها في ذلك, تصاب بالتوتر, وتنعكس اضطرابات الأم هنا على الطفل, فيبدي علامات الضيق "دافيدوف، ١٩٨٣". ومن هنا ينشأ رفض الطفل للتغذية الطبيعية. ٢- الفصال "الفطام": يُقْصَدُ بالفطام تحول الطفل تدريجيًّا من التغذية عن طريقة الرضاعة, سواء أكانت طبيعية أم صناعية, إلى الشرب من كأسٍ أو كوبٍ, وتناول الأطعمة الأكثر صلابة, ولا يوجد مسحٌ شاملٌ يوضح لنا السن الأكثر تكرارًا في عالمنا العربيّ والإسلاميّ الذي عنده يحدث الفصال, وتتوافر مثل هذه الدراسات المسحية في المجتمعات الغربية, ومن ذلك أنه في الولايات المتحدة يحدث الفطام عادةً بين سن ٦ شهور, ١٢ شهرًا, ويمتد إلى بلوغ الطفل عامين أو أكثر. وقد أوضح القرآن الكريم الحد الأقصى لرضاعة الطفل بعامين، وقد بيَّنَ بحكمته البالغة أنها قد تقل عن ذلك, ويذكر العلم الحديث بعض المؤشرات التي قد تفيد المهتمين برعاية الطفل في هذه المرحلة في تحديد حاجة الطفل إلى الفطام، ومن ذلك ما أوردته الأكايمية الأمريكية لطب الأطفال منذ عام ١٩٥٨ Harris" ١٩٨٦ من أن الطفل يكون جاهزًا من الوجهة الفسيولوجية لتناول الأطعمة الصلبة إذا أظهر ما يلي: أ- أن يستهلك من التغذية بالرضاعة أكثر من ٣٢ أوقية "أي: ما يعادل٩٦٠ ميللميتر" يوميًّا. ب- أن يشعر بالجوع على الرغم من أنه يتغذى برضاعة جيدة كل ثلاث أو أربع ساعات.

стр. 241

وقد لاحظ بعض الباحثين أن كثيرًا من الأطفال يفطمون أنفسهم بالتدريج, وخاصة إن كان هناك أخٌ "أو أختٌ" أكبر منه يحاول تقليده، وكان الوالدان يشجعانه على تناول الطعام مستقلًّا، وفي جميع الحالات يجب أن يتنبه الوالدان "وخاصة الأم" إلى أن يتمَّ ذلك بالتدريج, ودون عقاب أو تعسف أو قهر، وألَّا تحوِّلَ الفطامَ إلى خبرة صدمية. وأفضل طريقة لفطام الطفل دون تعرضه لمشكلاتٍ حادَّةٍ أن تقوم الأم بإنقاص كمية الطعام الذي يتناوله الطفل عن طريق الرضاعة, حالما أن الطفل يستطيع الحصول على طعامه من مصادر أخرى، فإذا كان من الواجب توقف الطفل عن الرضاعة الطبيعية في سنٍّ مبكرٍ "قبل سن ٦ شهور مثلًا" فمن الأفضل أن يتحول إلى التغذية برضاعة صناعية "باستخدام الزجاجة" حتى تتوافر للطفل طريقة لإشباع حاجة المصِّ لديه في هذا السن, وبعدئذ تبدأ الأم بملء الزجاجة بالماء دون المواد الغذائية المرغوب فيها "كاللبن أو العصائر" وذلك لتشجيعه على التوقف عن استخدام الزجاجة في تناول طعامه. أما إذا كان علينا وقف الطفل عن الرضاعة الطبيعية في سنٍّ متأخر, فيجب أن يتمَّ الفطام بتحويله تدريجيًّا إلى الشرب من الكوب, وإذا كان الطفل لا يزال يظهر حاجته إلى المصِّ فيمكن أن تقدم مصادر بديلة كالمصاصات وألعاب الأسنان, ومن المعروف أن الحرمان المفاجئ من المصِّ قد يؤدي إلى مصِّ الأصابع حتى بعد انتهاء فترة الفطام, وقد يتحول بعد ذلك إلى لازمة عصبية يظهرها الأطفال "والكبار أحيانًا" في مواقف التوتر والقلق. ٣- التسنين: يُعَدُّ التسنين إحدى المشكلات الهامة في طور الرضاعة، ويتمثل في ظهور الأسنان اللبنية "وعددها ٢٠سنًّا", ويعتبر هذا الحدث مشكلة للطفولة في هذا الطور لما يصاحبه من بعض مظاهر الاضطراب التي تعتري كلًّا من الطفل والوالدين. ويختلف الرضع اختلافات جوهرية في موعد ظهور السن اللبنية الأولى, ويذكر "Smith ١٨٨٦" أنه يولد طفل واحد من بين كل ألف وخمسمائة طفل وفي فمه سن لبنية واحدة، كما أن بعض الأطفال لا يظهرون سنهم اللبنية الأولى إلّا بعد أن يبلغوا من العمر ١٥شهرًا، إلّا أنه عند معظم الأطفال تبدأ هذه الأسنان في الظهور في الفترة العمرية بين ٦، ٧شهور. ويعاني الأطفال أثناء التسنين من بعض آلام اللثة والفم وضعف الصحة، بل

стр. 242

والمرض أحيانًا، وهي جميعًا أعراض مؤقتة تنتج عن تمزق بعض الأوعية الدموية, وإحلال بعض الأنسجة محل بعضها الآخر، ولهذا السبب قد تضعف شهية الطفل للطعام, بالإضافة إلى الضيق والتوتر، كما قد تظهر أعراض مثل ارتفاع درجة الحرارة والقيء والإسهال وآلام الأذن والنوبات التشنجية. ٤- التدريب على الإخراج: يُعَدُّ تدريب الطفل على الإخراج خبرةً هامَّة في حياته, يُطْلَبُ منه فيها التعود على المعايير الاجتماعية, ولعل مصدر المشكلة هنا هو قلق الوالدين الزائد, وخاصة حين يعتبر تحكم الطفل في المثانة والأمعاء مؤشرًا على النموّ الصحيح, ولعلنا هنا نشير إلى أن المؤشر الصحيح على الحاجة إلى التدريب على الإخراج هو معدل النموّ الجسمي للطفل, وليس رغبات الوالدين وحاجاتهما؛ لأنه حتى يتم هذا التدريب بنجاحٍ لابد أن يظهر أنماطًا سلوكية معينة, يلخصها ويلي وونج Whaley Wong ١٩٨٦" فيما يلي: أ- التحكم اللاإرادي في الأمعاء والمثانة, يجب أن يحل محله التحكم الإرادي فيهما، وهذا لا يحدث إلّا خلال الفترة العمرية من ١٨-٢٤شهرًا, وقد يحتاج الطفل الذي يُولَدُ قبل الأوان, كما قد يحتاج الذكور إلى فترة أطول, بل إن بعض الأطفال من ذوي النقائص النيرولوجية قد لا يصلون إلى هذا التحكم الإرادي مطلقًا, وعلى هذا, فإن التدريب على الإخراج لا يجب أن يبدأ أبدًا قبل وصول الطفل إلى هذه المرحلة, وأيّ تدريب يحدث قبل ذلك هو تدريب للوالدين على الالتزام بمواعيد وأفعال معينة, دون أن يكون له أثر يُذْكَرُ على الطفل. ب- القدرة العضلية على المشي إلى الحمَّاِم, وخلع الملابس, والجلوس على "القصرية", أما نظافة الطفل والمكان بعد ذلك تظل مسئولية الكبار من الوالدين أو الإخوة الكبار, فلا يمكن أن يُطَالَبَ الطفلُ بما لا يستطيع. جـ- القدرة على الشعور بحركة البول أو البراز أو هما معًا, والحاجة إلى إخراجهما, ويمكن للوالدين أن يستعينا ببعض المنبهات غير اللفظية التي يظهرها الطفل لتوقع أنه على وشك التبول أو التبرز, ومن هذه المنبهات التعبيرات الوجهية والإيماءات ووضع قامة الطفل, وبهذا يتم التعبير عن الحاجة إلى الإخراج وإشباعها بالذهاب إلى الحمَّامِ. د- القدرة على استخدام بعض المهارات اللغوية للتعبير عن الحاجة إلى الإخراج، كما يجب أن يكون الطفل قادرًا على فهم التعليمات اللفظية التي يقدمها له الوالدان في مثل هذا الموقف حتى يتتبعها، كما يجب أن يكون قادرًا أيضًا على

стр. 243

فهم الأساليب اللغوية التي يستخدمها الوالدان في مدحِ أو ذمِّ أنماط السلوك غير المرغوب التي تصدر عنه في مثل هذه المواقف. وحالما يُظْهِرُ الطفل استعدادًا للتحكم في الإخراج, يمكن أن يبدأ تدريبه, والمهم في جميع الحالات أن يتسم الوالدان بالصبر أثناء هذه الفترة الحرجة من حياة الطفل, وعمومًا فإن أفضل سن التدريب على الإخراج هو بعد أن يتجاوز الطفل عامين من العمر، وعلى هذا, فإنه يصبح إحدى مسئوليات ومهام الطور التالي "Walkar Roberts ١٩٨٣".

стр. 244

الفصل الحادي عشر: طور الحضانة (من سن عامين إلى سن التميز) النمو الجسمي والفسيولوجي ... الفصل الحادي عشر: طور الحضانة"من سن عامين حتى سن التمييز" يبدأ هذا الطور من نهاية الرضاعة حيث يقلُّ الاعتماد ويتزايد الاستقلال تدريجيًّا, وينتهي بدخول الطفل المدرسة الابتدائية، ويطلق على هذه المرحلة عدة تسميات, أشهرها "مرحلة الحضانة ورياض الأطفال"، ومرحلة طفل ما قبل المدرسة" ومرحلة "الطفل الدارج" Toddler, وتتميز هذه المرحلة بوضوح الفروق الفردية في مختلف جوانب السلوك، ويستقر فيها كثير من خصائص الشخصية, وقد حظيت هذه المرحلة باهتمام كبير من علماء النفس، وخاصة من أصحاب نظريات الشخصية, بسبب الاعتقاد الذي كان شائعًا لزمنٍ طويلٍ من أن هذه المرحلة هي الأكثر أهمية في دورة حياة الإنسان، وهي التي تحدد مسار النمو اللاحق, إلّا أن كثيرًا من هذه الأفكار قد تغير في ضوء نتائج البحث, وأصبح الاهتمام بالنموِّ في هذه المرحلة بسبب ما يمثله في النمو الكلي للإنسان, ونعرض فيما يلي لخصائص النموِّ في هذه المرحلة. النمو الجسمي والفسيولوجي: يتزايد الطول والوزن في هذه المرحلة تزايدًا سريعًا, إلّا أن هذه التغيرات لا تحدث بنفس المعدل الذي كانت تحدث به في المرحلة السابقة "مرحلة الرضاعة", فالمعدل هنا أبطأ, ويزداد بطأً في المرحلة التالية, ويكون معدل الطول أكبر من الوزن في هذه المرحلة, ويكون الذكور أطول وأثقل قليلًا من الإناث, وتؤكد إحصائيات إدراة الصحة المدرسية بوزارة التربية والتعليم في مصر, أن متوسط طول الطفل في بداية العام الثالث من عمره يكون ٨٤سم تقريبًا لكلٍّ من الذكور والإناث، وحينما يصل الطفل إلى نهاية العام الخامس من عمره يكون متوسط طول الولد ١٠٨سم, ومتوسط طول البنت ١٠٧سم, أما متوسط وزن الطفل في بداية مرحلة الطفولة المبكرة فيكون ١٢ كليو جرامًا تقريبًا للجنسين, وفي نهاية

стр. 245

المرحلة يكون متوسط وزن الولد حوالي ١٨ كيلو جرامًا, ومتوسط وزن البنت ١٧،٥ كيلو جرامًا, وهكذا يكون طول الطفل في نهاية هذه المرحلة ضعف طوله عند الولادة, بينما يصل وزنه إلى سبعة أمثال وزنه عند الولادة. ويشهد النموّ الجسمي في هذه المرحلة تغيرات في نسب أجزاء الجسم؛ فالعظام والعضلات تنمو بمعدل أكثر تدرجًا مع تحول مظهر الطفل من شكل الرضيع إلى شكل الطفل الصغير, وفي حوالي سن الرابعة يبدأ الطفل في التخلص من الشكل المترهل للرضيع, إلّا أن الرأس والوجه تظل نسبتهما أكبر بالمقارنة بأجزاء الجسم الأخرى، على الرغم من أن معدل نموّ الرأس يكون في هذه المرحلة أبطأ من المرحلة السابقة, ومع استمرار النموّ في منطقة الجذع والأطراف يصبح مظهر الطفل أكثر خطية وأقل استدارة, ويرجع المظهر النحيل للطفل في هذه المرحلة أيضًا إلى عمليات الأيض "الهدم والبناء" التي تتعرض لها الأنسجة الدهنية التي تراكمت على جسم الطفل في المرحلة السابقة, ويؤثر النشاط المتزايد والحركة الدائبة للطفل في هذه المرحلة في تخلص الطفل من هذه الدهون. وحين يصل الطفل إلى العام السادس تكون نسبة أجزاء الجسم أقرب إلى نسب جسم الشخص الكبير, كما أنه في هذه المرحلة يزداد نضج الجهاز العظمي والعضلي والتي تؤثر في زيادة الوزن, فبينما يرجع معظم وزن الجسم في المرحلة السابقة إلى زيادة الدهون, فإن هذه الزيادة تعود في هذه المرحلة إلى النمو في أنسجة العضلات والعظام؛ فالعضلات تكون ضعيفة والعظام لا تزال لينة, وتكتمل الأسنان, وخاصة فيما بين العام الثاني والثالث, وتظل هذه الأسنان "اللبنية" حتى سن السادسة أو السابعة, حين تستبدل بالأسنان الدائمة، ومع ذلك, فإن أسنان الطفولة في حاجة إلى الرعاية الطبية على الرغم مما هو شائع من عدم حاجة أسنان الطفل إلى ذلك لندرة تسوسها؛ ولأنها ستتغير بعد ذلك, فالرعاية الطبية للأسنان مهمة للتأكد من أثر التغذية وغيرها من العوامل التي تؤثر في نموّ الأسنان الدائمة. وقد يكون الجهاز العصبي هو أكثر أجهزة جسم الطفل استمرارًا في النموّ في هذه المرحلة، ويتفوق معدل نموه عليها في هذ الصدد, فمع بلوغ الطفل سن الثالثة يصل وزن مخه إلى حوالي ٧٥% من وزن مخ الراشد، ويصل إلى ٩٠% من وزنه الكامل في العام السادس, ويتقدم نموّ لحاء المخ خلال هذه المرحلة, وهذا الجزء من المخِّ يتألف من عدد كبير من الخلايا والألياف العصبية, وهو أكثر أجزاء المخ تطورًا، ويرتبط بالسلوك الإرادي والنشاط العقلي, ويفسِّر لنا نموَّ هذا الجزء من المخِّ في هذه المرحلة السرعة والسهولة التي يكتسب بها الطفل المعلومات والمشاركة في أنشطة التفكير وحلّ المشكلة, ومعنى هذا أن النموَّ العقلي والمعرفي في هذه المرحلة قد يكون وثيق الارتباط بنموّ لحاء المخ, ويستمر في هذه المرحلة ترسيب الأنسجة الدهنية المحيطة بنهايات الخلايا العصبية على نحوٍ يجعل التواصل العصبي في المخ أكثر يسرًا وكفاءة, وتتفاعل هذه العمليات معًا لتجعل التعليم عند أطفال هذه المرحلة أكثر سهولة من المرحلة السابقة.

стр. 246

النموّ الحسي والإدراكي: تشهد هذه المرحلة تحسنًا واضحًا في قدرة الطفل على الإبصار والتركيز البصري، ومع بلوغ الطفل سن السادسة لا يكون جهازه البصري قد اكتمل "لا يكتمل نضج الجهاز البصري إلّا مع البلوغ"، وهذا يعني أن مزيدًا من النموِّ البصريِّ تشهده مراحل العمر التالية حتى يتحقق تركيز بصري واضح, وقد يحتاج بعض الأطفال في هذه المرحلة إلى نظارات طبية, أما المشكلات السمعية فلا تظهر إلّا لدى عدد قليل من الأطفال, ونسبة هؤلاء في المجتمع الأصلي للأطفال لا تتجاوز ٢%. ومع تقدُّمِ الطفل في العمر تزداد قدرته على التمييز بين المثيرات، ويزداد نصيب المثيرات من التمايز كلما أطلق على كلٍّ منها اسم خاص به، أي أن المثيرات المختلفة تصبح عنده مرتبطة بتسميات لغوية, والطفل في بداية هذه المرحلة "في سن الثالثة" يميل إلى الاستجابة للمثير ككلٍّ لا إلى أجزائه المنفصلة، كما ينمو لديه الإدراك المكاني، ولو أن الأطفال في هذه المرحلة من بدايتها حتى نهايتها تقريبًا يجدون صعوبة بالغة في الكشف عن الفرق بين الشكل والصورة في المرآة, ويصدق مبدأ إدراك الكلّ قبل الأجزاء على الإدراك السمعي.

стр. 247

النموّ الحركي: يتبع النمو الحركي في الطفولة المبكرة النسق الذي بدأ في المرحلة السابقة؛ فالطفل يستطيع في هذه المرحلة أن يجري بسهولة, ويتمكن من الوقوف, ويصعد الدرج دون مساعدة، ويستطيع القفز وبناء المكعبات, ويكتسب قدرًا كافيًا من التوجه المكاني, والدقة في الحركة, وفي سن الخامسة يكون قد اكتسب القدرة على الاتزان, وتزداد حركاته الدقيقة تمايزًا واستقلالًا, ويتبع النموّ الحركي في هذه المرحلة الاتجاه من العام إلى الخاصِّ. ويطرأ على المهارات الحركية الغليظة التي اكتسبت في مرحلة الرضاعة قدر كبير من التحسن والتعديل، ويبدأ ظهور المهارات الحركية الدقيقة, والحركات الغليظة هي تلك التي تتطلب نشاط مجموعة عديدة من العضلات مثل المشي

стр. 248

والجري وغيرهما, أما المهارات الحركية الدقيقة فإنها ترتبط أساسًا بالمهارات اليدوية ومهارات اللعب وغيرها. ويلعب التكرار دورًا هامًّا في نموِّ المهارات الحركية في الطفولة المبكرة؛ فالأطفال يستمتعون بهذا التكرار, ويعينهم ذلك على تحسن المهارات المكتسبة, والوصول بها إلى درجة عالية من الكفاءة "Binger ١٩٨٣". ويتدعم في هذه المرحلة تفضيل إحدى اليدين في الاستخدام, وبالطبع فإن الأطفال يستمرون في استطلاع استخدام إحدى اليدين أو الأخرى, أو استخدام أحد جانبي الجسم أو الآخر، كما توجد اختلافات واسعة في استخدام اليد المفضلة, واستخدام إحدى اليدين أو القدمين أو أحد جانبي الجسم أكثر من الآخر يرتبط في جوهره بسيطرة أحد النصفين الكرويين في المخِّ على النصف الآخر, ويمكن للأطفال أن يتعلموا استخدام يد معينة في أداء مهارات حركية كثيرة, وبالطبع يُعَدُّ العسر "أو سيطرة اليد اليسرى" عند معظم الكبار سمة غير مرغوب فيها في عالمٍ يسوده استخدام اليد اليمنى، وبالتالي, فإنهم يشجعون الأطفال على تفضيل هذه اليد اليمنى. ويعتمد نوع المهارات التي يمكن للطفل تعلمها جزئيًّا على مستوى نضجه واستعداده، وعلى الفرص التي تتاح له لتعلمها, والتوجيه التي يلقاه لإتقانها بسرعة وكفاءة, ومن الملاحظ أن الأطفال الذين يعيشون في البيئات الفقيرة يكتسبون المهارات مبكرين عن أطفال البيئات الميسرة, ويبدو أن السبب في ذلك رغبة الآباء من ذوي المستوى الاقتصادي الاجتماعي المنخفض في تدريب أطفالهم على هذه المهارات إلى الحد الذي يجعلهم لا ينتظرون، ما دام الانتظار غير مطلوب "Hulock ١٩٨٠". وتوجد فروق بين الجنسين في نوع المهارات الحركية التي يتعلمها أطفال هذه المرحلة؛ فالضغوط الثقافية تركز على الذكور أن يتعلموا مهارات اللعب الملائمة ثقافيًّا لجنسهم، وتجنب المهارات التي ترتبط ثقافيًّا "بالأنوثة", ولهذا يشيع بين الذكور مثلًا تعلم ألعاب الكرة, بينما تشجع الإناث على المهارات المرتبطة بألعاب البيت, ومع ذلك يتعلم كلٌّ من الجنسين مهارات مشتركة, والتي قسَّمَتْهَا هيرلوك إلى فئتين: المهارات اليدوية ومهارات استخدام الساقين, ومن أهم المهارات اليدوية مهارات إطعام الذات, وارتداء الملابس, وهي مهارات يبدأ ظهورها في المرحلة السابقة -كما أشرنا- ويكتمل نموها في هذه المرحلة, ومن هذه المهارات أيضًا تمشيط الشعر والاستحمام, ويمكن استخدام اليد في الدَّقِّ بمطرقةٍ أو شاكوش،

стр. 249

وحين يصل الطفل إلى سن السادسة يمكنه استخدام أدوات النجار في صنع أشياء بسيطة, ويمكن لطفل دار الحضانة أو روضة الأطفال أن يستخدم المقصَّ, والتشكيل بالصلصال, واستخدام أدوات الخياطة, كما يمكنه استخدام أقلام الرصاص وأقلام التلوين والألوان المائية، وبهذا يمكنه رسم الصور وتلوينها, ويمكنه في هذا السن رسم الرجل, وبين العام الخامس والسادس يمكنه رسم بعض حروف الأبجدية، على الرغم من بطء القدرة على الكتابة في هذه المرحلة. أما بالنسبة لمهارات الساقين: فإنه حالما يتعلم الطفل القدرة على المشي يتوجه انتباهه إلى تعلم مهارات أخرى تتطلب استخدام القدم, فيتعلم في سن الخامسة أو السادسة الحجل "القفز برجل واحدة" والطفر "وثب كل درجتين من درجات السلم في المرة الواحدة", والعدو "كالفرس"، والقفز، وألعاب الجري "دون سقوط"، ومهارات التسلق.

стр. 250

صحة الطفل ما قبل المدرسة: يتحسَّن المستوى الصحي للطفل مع تقدمه في السن, ويحدد صحة الطفل في هذه المرحلة عوامل التغذية والمستوى الاقتصادي الاجتماعي, ولا شك أن توافر صحة جيدة لطفل ما قبل المدرسة يُعَدُّ من الأمور الجوهرية التي يتطلبها النموّ وتحتاجها طاقة الطفل, ونعرض فيما يلي بعض المسائل المتصلة بهذا الموضوع: ١- التغذية: توجد علاقة وثيقة بين تغذية الطفل ونموِّه الجسمي والنفسي, وقد أشرنا إلى أن النموَّ الاجتماعي والوجداني للطفل يتأثر تأثيرًا شديدًا بخبرات التغذية, ويبدأ ذلك منذ مرحلة الرضاعة التي تهيئ للطفل خبرة هامة في بناء الشعور بالثقة, في مقابل الشعور بالشكِّ "كما حدده أريكسون", وتتشكل عادات الطعام وتفضيل الأطعمة وأنماط التفاعل الاجتماعي في موقف الطعام في هذه المرحلة, وأي نقصٍ في التغذية أو سوء فيها, يؤدي إلى خفض مستوى الصحة ونقص المقاومة, ومن هنا يسهل تعرض الطفل للأمراض. ولأن معدلات النموِّ تهبط قليلًا في مرحلة الطفولة المبكرة, يُلَاحَظُ على الطفل نقص شهيته للطعام, وهنا ينشأ الموقف المشكل, وهو أنه في الوقت الذي يكون فيه الطفل أقل رغبة في الطعام، نجد الوالدين يسيئان في الأغلب فهم سلوك الطعام عند الطفل, ويشجعانه على أن يبالغ في الأكل, وقد يؤدي ذلك إلى سوء التغذية من مختلف الأنواع, وقد حلَّلَ بعض الباحثين الوجبات التي يتناولها طفل ما قبل المدرسة, وتوصلوا إلى النتائج الآتية: أ- يزيد تناول السعرات الحرارية والبروتين والكالسيوم مع زيادة دخل
следующие страницы →