Полный текст (770 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
النموّ الحسي والإدراكي:
تشهد هذه المرحلة تحسنًا واضحًا في قدرة الطفل على الإبصار والتركيز البصري، ومع بلوغ الطفل سن السادسة لا يكون جهازه البصري قد اكتمل "لا يكتمل نضج الجهاز البصري إلّا مع البلوغ"، وهذا يعني أن مزيدًا من النموِّ البصريِّ تشهده مراحل العمر التالية حتى يتحقق تركيز بصري واضح, وقد يحتاج بعض الأطفال في هذه المرحلة إلى نظارات طبية, أما المشكلات السمعية فلا تظهر إلّا لدى عدد قليل من الأطفال, ونسبة هؤلاء في المجتمع الأصلي للأطفال لا تتجاوز ٢%.
ومع تقدُّمِ الطفل في العمر تزداد قدرته على التمييز بين المثيرات، ويزداد نصيب المثيرات من التمايز كلما أطلق على كلٍّ منها اسم خاص به، أي أن المثيرات المختلفة تصبح عنده مرتبطة بتسميات لغوية, والطفل في بداية هذه المرحلة "في سن الثالثة" يميل إلى الاستجابة للمثير ككلٍّ لا إلى أجزائه المنفصلة، كما ينمو لديه الإدراك المكاني، ولو أن الأطفال في هذه المرحلة من بدايتها حتى نهايتها تقريبًا يجدون صعوبة بالغة في الكشف عن الفرق بين الشكل والصورة في المرآة, ويصدق مبدأ إدراك الكلّ قبل الأجزاء على الإدراك السمعي.
стр. 247
النموّ الحركي:
يتبع النمو الحركي في الطفولة المبكرة النسق الذي بدأ في المرحلة السابقة؛ فالطفل يستطيع في هذه المرحلة أن يجري بسهولة, ويتمكن من الوقوف, ويصعد الدرج دون مساعدة، ويستطيع القفز وبناء المكعبات, ويكتسب قدرًا كافيًا من التوجه المكاني, والدقة في الحركة, وفي سن الخامسة يكون قد اكتسب القدرة على الاتزان, وتزداد حركاته الدقيقة تمايزًا واستقلالًا, ويتبع النموّ الحركي في هذه المرحلة الاتجاه من العام إلى الخاصِّ.
ويطرأ على المهارات الحركية الغليظة التي اكتسبت في مرحلة الرضاعة قدر كبير من التحسن والتعديل، ويبدأ ظهور المهارات الحركية الدقيقة, والحركات الغليظة هي تلك التي تتطلب نشاط مجموعة عديدة من العضلات مثل المشي
стр. 248
والجري وغيرهما, أما المهارات الحركية الدقيقة فإنها ترتبط أساسًا بالمهارات اليدوية ومهارات اللعب وغيرها. ويلعب التكرار دورًا هامًّا في نموِّ المهارات الحركية في الطفولة المبكرة؛ فالأطفال يستمتعون بهذا التكرار, ويعينهم ذلك على تحسن المهارات المكتسبة, والوصول بها إلى درجة عالية من الكفاءة "Binger ١٩٨٣".
ويتدعم في هذه المرحلة تفضيل إحدى اليدين في الاستخدام, وبالطبع فإن الأطفال يستمرون في استطلاع استخدام إحدى اليدين أو الأخرى, أو استخدام أحد جانبي الجسم أو الآخر، كما توجد اختلافات واسعة في استخدام اليد المفضلة, واستخدام إحدى اليدين أو القدمين أو أحد جانبي الجسم أكثر من الآخر يرتبط في جوهره بسيطرة أحد النصفين الكرويين في المخِّ على النصف الآخر, ويمكن للأطفال أن يتعلموا استخدام يد معينة في أداء مهارات حركية كثيرة, وبالطبع يُعَدُّ العسر "أو سيطرة اليد اليسرى" عند معظم الكبار سمة غير مرغوب فيها في عالمٍ يسوده استخدام اليد اليمنى، وبالتالي, فإنهم يشجعون الأطفال على تفضيل هذه اليد اليمنى.
ويعتمد نوع المهارات التي يمكن للطفل تعلمها جزئيًّا على مستوى نضجه واستعداده، وعلى الفرص التي تتاح له لتعلمها, والتوجيه التي يلقاه لإتقانها بسرعة وكفاءة, ومن الملاحظ أن الأطفال الذين يعيشون في البيئات الفقيرة يكتسبون المهارات مبكرين عن أطفال البيئات الميسرة, ويبدو أن السبب في ذلك رغبة الآباء من ذوي المستوى الاقتصادي الاجتماعي المنخفض في تدريب أطفالهم على هذه المهارات إلى الحد الذي يجعلهم لا ينتظرون، ما دام الانتظار غير مطلوب "Hulock ١٩٨٠".
وتوجد فروق بين الجنسين في نوع المهارات الحركية التي يتعلمها أطفال هذه المرحلة؛ فالضغوط الثقافية تركز على الذكور أن يتعلموا مهارات اللعب الملائمة ثقافيًّا لجنسهم، وتجنب المهارات التي ترتبط ثقافيًّا "بالأنوثة", ولهذا يشيع بين الذكور مثلًا تعلم ألعاب الكرة, بينما تشجع الإناث على المهارات المرتبطة بألعاب البيت, ومع ذلك يتعلم كلٌّ من الجنسين مهارات مشتركة, والتي قسَّمَتْهَا هيرلوك إلى فئتين: المهارات اليدوية ومهارات استخدام الساقين, ومن أهم المهارات اليدوية مهارات إطعام الذات, وارتداء الملابس, وهي مهارات يبدأ ظهورها في المرحلة السابقة -كما أشرنا- ويكتمل نموها في هذه المرحلة, ومن هذه المهارات أيضًا تمشيط الشعر والاستحمام, ويمكن استخدام اليد في الدَّقِّ بمطرقةٍ أو شاكوش،
стр. 249
وحين يصل الطفل إلى سن السادسة يمكنه استخدام أدوات النجار في صنع أشياء بسيطة, ويمكن لطفل دار الحضانة أو روضة الأطفال أن يستخدم المقصَّ, والتشكيل بالصلصال, واستخدام أدوات الخياطة, كما يمكنه استخدام أقلام الرصاص وأقلام التلوين والألوان المائية، وبهذا يمكنه رسم الصور وتلوينها, ويمكنه في هذا السن رسم الرجل, وبين العام الخامس والسادس يمكنه رسم بعض حروف الأبجدية، على الرغم من بطء القدرة على الكتابة في هذه المرحلة.
أما بالنسبة لمهارات الساقين: فإنه حالما يتعلم الطفل القدرة على المشي يتوجه انتباهه إلى تعلم مهارات أخرى تتطلب استخدام القدم, فيتعلم في سن الخامسة أو السادسة الحجل "القفز برجل واحدة" والطفر "وثب كل درجتين من درجات السلم في المرة الواحدة", والعدو "كالفرس"، والقفز، وألعاب الجري "دون سقوط"، ومهارات التسلق.
стр. 250
صحة الطفل ما قبل المدرسة:
يتحسَّن المستوى الصحي للطفل مع تقدمه في السن, ويحدد صحة الطفل في هذه المرحلة عوامل التغذية والمستوى الاقتصادي الاجتماعي, ولا شك أن توافر صحة جيدة لطفل ما قبل المدرسة يُعَدُّ من الأمور الجوهرية التي يتطلبها النموّ وتحتاجها طاقة الطفل, ونعرض فيما يلي بعض المسائل المتصلة بهذا الموضوع:
١- التغذية: توجد علاقة وثيقة بين تغذية الطفل ونموِّه الجسمي والنفسي, وقد أشرنا إلى أن النموَّ الاجتماعي والوجداني للطفل يتأثر تأثيرًا شديدًا بخبرات التغذية, ويبدأ ذلك منذ مرحلة الرضاعة التي تهيئ للطفل خبرة هامة في بناء الشعور بالثقة, في مقابل الشعور بالشكِّ "كما حدده أريكسون", وتتشكل عادات الطعام وتفضيل الأطعمة وأنماط التفاعل الاجتماعي في موقف الطعام في هذه المرحلة, وأي نقصٍ في التغذية أو سوء فيها, يؤدي إلى خفض مستوى الصحة ونقص المقاومة, ومن هنا يسهل تعرض الطفل للأمراض.
ولأن معدلات النموِّ تهبط قليلًا في مرحلة الطفولة المبكرة, يُلَاحَظُ على الطفل نقص شهيته للطعام, وهنا ينشأ الموقف المشكل, وهو أنه في الوقت الذي يكون فيه الطفل أقل رغبة في الطعام، نجد الوالدين يسيئان في الأغلب فهم سلوك الطعام عند الطفل, ويشجعانه على أن يبالغ في الأكل, وقد يؤدي ذلك إلى سوء التغذية من مختلف الأنواع, وقد حلَّلَ بعض الباحثين الوجبات التي يتناولها طفل ما قبل المدرسة, وتوصلوا إلى النتائج الآتية:
أ- يزيد تناول السعرات الحرارية والبروتين والكالسيوم مع زيادة دخل
стр. 251
الأسرة.
ب- معظم الأطفال لديهم نقص في الحديد وفي فيتامين أ، جـ.
جـ- تظهر نقائص التغذية في المستويات الاقتصادية الاجتماعية المنخفضة.
٢- الحوادث والإصابات والجروح: يتعرض طفل ما قبل المدرسة للحوادث التي تنتج عنها إصابات وجروح, وخاصةً خلال الفترة العمرية من عام واحد وأربعة أعوام, ويبلغ عدد هذه الحوادث التي تقع للأطفال في البيوت حوالي ٤٠%، وهذا يعني حاجة الطفل في هذه المرحلة إلى الرعاية والإشراف, وكثير من الحوادث المنزلية تنتج عن بلع الأطفال أشياء ضارة أو مؤذية؛ فالأطفال في هذه المرحلة يستمرون في إصدار السلوك الذي كان سائدًا في المرحلة السابقة, وهو وضع الأشياء في الفم ومحاولة أكلها, كما أنهم قد يحاولون تقليد الكبار في تعاطيهم للأدوية, مما يسبب لهم حوادث التسمم, وأشهر المواد الكيميائية التي تسبب وفاة الأطفال في هذا السن: الأسبرين والمبيدات الحشرية وزيوت الدهان ومشتقات البترول التي تترك عادة في المنزل دون حرص.
٣- الأمراض: يمكن حماية طفل مرحلة ما قبل المدرسة من معظم الأمراض المعدية بالتطعيم، وهو إجراء يبدأ منذ المرحلة السابقة, ويستمر خلال هذه المرحلة، ومع ذلك يشيع بين أطفال هذه المرحلة بعض الأمراض المتصلة بالجهاز التنفسي "ربوَ الأطفال" والجهاز الهضمي, وآلام الأذن, والحصبة, والجديري, وتوجد فروق فردية في ذلك، فالذكور أكثر تعرضًا للمرض، وأمراضهم أكثر خطورة من الإناث, وعلى الرغم من أن وفيات الأطفال في هذه المرحلة أقلّ منها في المرحلة السابقة، إلّا أن نسبة هذه الوفيات بين الذكور أكبر منها في الإناث, ويعاني أطفال المستويات الاقتصادية الاجتماعية المنخفضة من المرض أكثر من أطفال المستويات الأعلى.
ومعظم أمراض الطفولة ذات أصل جسمي، وبعضها ذو طبيعة سيكوسوماتية، وينشأ عن توتر العلاقة بين الطفل ووالديه, وحين يستجيب الوالدان لمرض الطفل على أنه كارثة عائلية، ويظهرون مشاعر الذنب، أو يلومون الطفل على الظروف السيئة التي أحدثها مرضه, فإن اتجاه الطفل يصبح أكثر سلبيةً, ويؤدي به إلى مزيدٍ من التوتر الذي يزيد من حدة المرض وإطالة مدته، أما إذا كان سلوك الوالدين على عكس ذلك، فإن اتجاهات الطفل تكون إيجابية, ومعنى هذا أن المرض قد يكون إحدى حيل الطفل اللاشعورية للهرب من عالم الواقع.
وأشهر الأمراض السيكوسوماتية التي تنشأ عن توتر العلاقة بين الطفل ووالديه هي: الفقدان العصبي للشهية للطعام، والتهاب القولون، التبول اللاإرادي، أمراض الحساسية، والبول السكري، والوهن العام.
стр. 252
النمو اللغوي:
مع بلوغ الطفل عامه الأول تبدأ أول كلمة حقيقية في الظهور, وقد يتأخر بعض الأطفال الأسوياء عن النطق بالكلمة الأولى عدة شهور بعد ذلك، والبعض يبدأ قبل ذلك بقليل, وتنمو اللغة لدى الرضيع خلال عامه الثاني, ويكون مقدار ما يعرفه ويفهمه من الكلمات في هذه الفترة أكبر مما ينطق به بالفعل, ومعنى ذلك أن الفهم اللغويّ ينمو مبكرًا وبسرعة أكبر من إنتاج الكلمات, ويلاحظ على الطفل خلال العام الثاني من عمره أنه يستجيب للأسئلة والتعليمات بالإيماءات والأفعال قبل أن يقول كلمة, وبصفةٍ عامَّةٍ يمكن تقدير عدد الكلمات التي يفهمها الطفل بخمسة أمثال ما يمكن إنتاجه منها, ويكون معدل الزيادة في الفهم اللفظي خلال العام الثاني من العمر أكثر من ٢٠ كلمة جديدة يفهمها الطفل كل شهر، بينما يكون معدل الزيادة في عدد الكلمات التي ينتجها الطفل هو ٩ كلمات جديدة في الشهر.
ويرى بعض الباحثين أن مستوى الفهم اللفظي لا يرتبط إلّا قليلًا بنضج القدرة على إنتاج الكلمات؛ فالطفل الذي لا ينطق إلّا بقليلٍ من الكلمات, قد يفهم أكثر من طفلٍ آخر ينتج الكلمات بكثرة "Mussen et al ١٩٨٤", ويصل محصول الطفل عند بلوغه سن ما بين ١٨ شهرًا وعامين, حوالي ٥٠ كلمة، والتي تشير غالبًا إلى الأشياء الهامة أو البارزة في بيئة الطفل، والأفعال والأنشطة التي يقوم بها، والأشخاص الهامين في حياته، وأنواع الأطعمة، وأجزاء الجسم، وأسماء الملابس والحيوانات, وأدوات المنزل, ووسائل النقل, ولا يشير الطفل إلى الأشياء الثابتة المعتادة "كالمناضد والنوافذ" ولا يعطي لها أسماء، ويتوجه انتباهه إلى الفعل؛ فيعطي الأسماء للأشياء التي تتحرك أو تتغير, أو يمكن استخدامها في النشاط.
ويمكن للطفل حينئذٍ أن يستخدم الكلمة الواحدة مصحوبة بالإيماءة أو التنغيم لينقل الأفكار أو الملاحظات أو المطالب أو التعبيرات الانفعالية, ويكتسب الطفل الكلمات الجديدة ومعانيها من خلال عملية "تسمية" مفصلة, يتفاعل فيها الوالدان مع الطفل منذ أن ينطق الطفل بأيِّ شيءٍ له هيئة الكلمة؛ فالوالدان يشيران إلى الشيء ويسميانه, ويصححان محاولة الطفل تكرار الأسماء, ويستخدم الوالدان مع طفل الثانية والثالثة ما يسميه ميوسن وزملاؤه "Meussen et al ١٩٨٤".
стр. 253
المستوى المتوسط من التعميم في "عَنْوَنَةِ" الأشياء، وهو الأسلوب الشائع لدى الطفل ابتداءً من العام الأول وحتى نهاية العام الثالث من العمر, فالطفل يُعَنْوِنُ أيَّ نوعٍ من الكلاب على أنه "كلب" لا على أنه "ولف" أو "حيوان".
وتشير الكلمة الواحدة من مفردات الطفل إلى كلٍّ من الاسم والفعل؛ فالطفل قد يستخدم كلمة "باب" للإشارة إلى أن الباب يفتح أو يغلق، بينما يستخدم طفل آخر كلمة "فتح" للإشارة إلى هذه الأفعال, وقد يعطي الأطفال للكلمات معاني تختلف عن معانيها عند الكبار, فقد يبالغون في توسيع المعنى حين يشيرون إلى القطط والخيول والأرانب وغيرها من الحيوانات ذات الأربع على أنها كلاب, وهذا النوع من تعميم المثيرات يعتمد على التشابه الإدراكي, سواء في الشكل أو الوظيفة.
وهناك أسلوب آخر يستخدمه الأطفال في هذه المرحلة وهو تضييق نطاق المعنى, فمثلًا نجد أن طفل الشهر التاسع يستخدم كلمة "سيارة" للإشارة إلى السيارات الحقيقية التي تتحرك في الشارع لا السيارات الواقفة أو المرسومة في صورة, وكلمة "قطة" لا تشير إلّا إلى هذا الحيوان الموجود في بيته فقط.
وحين تصل مفردات الطفل المنطوقة إلى ٥٠ كلمة مع بلوغه نهاية عامه الثاني, يمكنه حينئذ أن يضع كلمتين معًا, وتزداد تدريجيًّا أنواع المجموعات الثنائية من الكلمات, ويبدو أول تجمع من كلمتين في البداية على هيئة صيغة مختصرة للجمل عند الكبار، وتتألف في جوهرها من الأسماء والأفعال وقليلٍ من الصفات أو النعوت, وهي أشبه بالتلغراف الذي لا يحتوي إلّا على الكلمات الأساسية، وعادةً ما تحذف منها حروف العطف والجر وأدوات التعريف وغيرها من الإضافات اللغوية. إنك إذا طلبت من طفلٍ عمره عامان أو ثلاثة أعوام أن يكرر الجملة الآتية "أنا أقدر أشوف قطة", يقول الطفل: "أشوف قطة", وعلى الرغم من أن بعض الكلمات الهامة قد حُذِفَتْ, إلّا أن الترتيب الصحيح للكلمات يظل موجودًا، وكأن الطفل يتبع قواعد بسيطة للنحو, وهكذا يدرك الطفل "نموذج الجملة" على أنها نوعٌ من البنية, وليس مجرد مجموعة من الكلمات.
وهذه الجمل التلغرافية تعبر عن مدى واسع من المعاني, ويمكن أن يُسْتَنْتَجَ قصد الطفل من ترتيب الكلمات, ومن الموقف الذي تصدر فيه الجملة, وقد وجد علماء النفس اللغويون تشابهًا كبيرًا في السلوك اللغوي للأطفال الذين يتحدثون لغات مختلفة, ويظهر هذا التشابه خاصةً في محتوى هذه الجمل التي تتألف من كلمتين.
ويبدأ الأطفال تدريجيًّا في استخدام أدوات التعريف والضمائر وبعض الصيغ
стр. 254
الصرفية وحروف الجر وغيرها من الإضافات اللغوية, ويتجه النموّ في هذه الحالة من البسيط إلى المركب, ويحاول الأطفال إظهار معرفتهم النامية بقواعد النحو "هناك نحو للهجات العامة كما هو للغة الفصحى"، إلّا أن الطفل أحيانًا يبالغ في الإلتزام بالقواعد بطريقة قد توقعه في "أخطاء النحو", ومن الطريف أن الطفل قبل أن يتعلم هذه القواعد يطبقها على هذه الصيغ غير العادية, فيقع في الأخطاء التي أشرنا إليها.
وقبل وصول الطفل إلى نهاية العام الثالث من العمر, يكون قد اكتسب القدرة على تكوين جمل بسيطة مؤلفة من حوالي أربع كلمات, كما تبدأ الجمل المركبة في الظهور التلقائي في كلام الطفل، وهي تتألف من جملتين بسيطتين أو أكثر, يربطهما "بالواو" كحرف عطف، أو يدمجهما معًا دون استخدام لحرف العطف, وهذا الحرف هو الأكثر شيوعًا في لغة الطفل خلال عامه الثالث، وتستخدم الحروف الأخرى بالتدريج بعد ذلك. ويزداد النمو اللغوي تحسنًا بإنتاج الجمل الاستفهامية وفهمها والإجابة عليها إذا استخدمها معه الكبار, ويجيب الأطفال في البداية على أسئلة متى وكيف ولماذا, كما لو كانت أسئلة ماذا وأين, وتتحسن قدرة الطفل على الإجابة الصحيحة على السؤال طوال الفترة من سن ٣-٥ سنوات.
وهكذا حين يصل الطفل إلى سن المدرسة, أو سن التمييز, تكون لديه ثروة من المحصول اللفظي الذي يفهمه -والذي قد يقلُّ بالطبع عَمَّا يستخدمه بالفعل, كما يكون قادرًا على فهم التعليمات التي تعطى له, وقادرًا على فهم معاني القصص والحكايات التي تروى له, ويتوقف هذا المحصول اللغوي بالطبع على ذكاء الطفل، والظروف البيئية المحيطة به, والتي تهيئ له ظروف الاستماع اللغوي؛ كوجود الراديو أو التليفزيون ودخول الطفل مدرسة الحضانة, وزيادة وقت الفراغ للآباء؛ بحيث يقضونه مع أطفالهم، والطبقة الاجتماعية. أما بالنسبة للفروق بين الجنسين: فإن البنات يتفوقن تفوقًا بسيطًا على الذكور في مهارات التعبير، أما الذكور فيتفرقون بمقدار بسيطٍ أيضًا في المحصول اللغوي ومعرفة معاني الكلمات, من المعاني المختلفة, وبصفة عامة تكون ثروة الطفل من الكلمات بعد نهاية العام الرابع من العمر أكثر من ألفي كلمة, ومع نهاية العام الخامس قد يصل هذا العدد إلى حوالي ثلاثة آلاف كلمة.
ويتميز السلوك اللغوي في هذه المرحلة بأنه يتمركز حول الذات تبعًا للدراسات التي أجراها بياجيه منذ عام ١٩٢٦, إلّا أن هذه النتائج عليها بعد التحفظ الآن, ويمكن قصرها على بعض الحالات في بداية هذه المرحلة, ومعنى
стр. 255
التمركز حول الذات: أن الطفل لا يتحرَّى معرفة من يتحدث إليه, أو إذا كان هناك من يستمع له، يتكلم لنفسه وقد يلذ له أن يربط شخصًا تصادف وجوده بالنشاط الذي يقوم به حينئذ، وهو لا يحاول أن يضع نفسه بحيث يراه السامع, وفي هذه المرحلة يصعب على الطفل أن يضع نفسه موضع الآخر, ويكشف كلامه بصفة عامة عن قلة اهتمامه بفهم الآخرين له.
وقد يبدو على الأطفال في بداية هذه المرحلة أن أحدهم يتحدث إلى الآخر, أي: أن بينهما نوع من الاتصال، إلّا أن حديثهما في واقع الأمر لا يقوم على التفاعل. إننا إذا تأملنا ما يحدث نجدُ أن كلًّا منهما يتحدث عن شيء مختلف, ومن المعروف أن الاتصال الفعَّال يقوم على ما هو أكثر من معرفة قواعد النحو, وما هو أكثر من معرفة معاني الكلمات، وإنما هو القدرة على إدراك الكلام المناسب في الوقت والمكان المناسبين للمستمعين المناسبين, والذي يرتبط بموضوعاتٍ مناسبة, أي: إنه نوعٌ مما يسميه تشومسكي القواعد العملية للغة Pragmatics, صحيح أن بعض صور التبادل اللغوي تظهر عند طفل الثانية من العمر؛ حيث يمكن للطفل أن يتحدث مباشرةً إلى طفلٍ آخر, أو إلى بعض الكبار, في إشارته إلى الأشياء المألوفة في بيئته المباشرة.
стр. 256
النموّ العقلي المعرفي:
يصف بياجيه طور النمو من سن سنتين وحتى سن ٧سنوات, بأنه طور ما قبل العمليات -Pre Operational، والذي ينقسم إلى فترتين رئيسيتين هما:
أ- فترة ما قبل المفاهيم: من سنتين حتى ٤سنوات, ويعوز الطفل في بداية هذه المرحلة استخدام المفاهيم, وبخاصة مفهوم الفئة, ومفهوم علاقة الانتماء إلى فئة معينة, ولذلك يتميز التفكير في هذه المرحلة بأنه في منزلة متوسطة بين مفهوم الشيء "هذه المنضدة مثلًا" ومفهوم الفئة "المناضد ذات الأربعة أرجل", وهذا ما يسميه بياجيه "ما قبل المفهوم Per-concept, ويتميز بأنه نوعٌ من التفكير التحولي transdudctive من الخاصِّ إلى الخاصِّ، وهو نوع من التفكير يختلف عن التفكير الاستنباطي deductive من العام إلى الخاص، والتفكير الاستقرائي inductive من الخاص إلى العام, وهو نوع من التفكير باستخدام قياس التماثل analogy "أو التشابه الجزئي" من نوع "أ" يشبه "ب" في إحدى النواحي، إذن "أ" يجب أن يشبه "ب" في النواحي الأخرى, وبالطبع قد يؤدي الاستدلال التحولي إلى نتائج صحيحة في بعض الأحيان، إلّا أنه في معظم الأحوال يؤدي إلى الوقوع في الخطأ, ويبدو أن هذه المرحلة هي مرحلة تجميع وحدات المعلومات عند الطفل.
стр. 257
ومن أمثلة الاستدلال التحولي عند الطفل أن يتعامل مع كلبٍ أليف في المنزل "أ", فإذا رأى كلبًا غير أليف في الشارع "ب", فإنه قد يتعامل معه بنفس الطريقة التي يتعامل بها مع كلب الأسرة, ويكون استدلاله في هذه الحالة على النحو التالي:
أ- كلب.
أ- كلب أليف.
ب- كلب.
ب- كلب أليف.
وقد يقتنع الطفل في هذا الطور بهذه الطريقة في التفكير, ويخدعه مظهرها المنطقي, وتبدو مقنعة تمامًا كما تبدو طريقة التفكير الاستقرائي والتفكير الاستنباطي عند الكبار، على الرغم من أن النتيجة التي توصَّلَ إليها غير صحيحة بالضرورة.
وهناك خاصية أخرى لمرحلة ما قبل المفاهيم, هي خاصية التمركز حول الذات، وهي خاصية تختلف عَمَّا كان سائدًا في الطور السابق, إن التمركز حول الذات في طور الرضاعة يتمثل في الخلط بين الذات والبيئة، أما في هذا الطور فيظهر في صورة عدم قدرة الطفل على تمييز منظوره الشخصيّ عن منظور الآخرين, ويسلك الطفل في هذا الطور كما لو أن الآخرين يدركون عالمه بنفس الطريقة التي يدرك بها هو هذا العالم, ولعل من الأشياء الطريفة التي يلاحظها الوالدان على أطفالهم حينئذ, أن يغمض الطفل عينيه ثم يقول لهما "إنكما لا ترياني"، وهو ما يمكن أن نسميه "سلوك النعامة"، فهو طالما لا يراهما, فإنه يفترض أنهما بالضرورة لا يريانه، فمنظوره الشخصي هو منظورهما أيضًا كآخرين, ويوجد مثال آخر يذكره الطفل كثيرًا, وهو أن الشمس أو القمر يتبعاه حيثما يكون, وهناك مثال ثالث من حياتنا الشخصية حينما رأى نجلنا خالد "وهو في الطور من النمو" من نافذة السيارة وهي واقفة في الطريق الزراعي, ومن بعد جمالًا تحمل أحمالًا من النباتات الخضراء فصاح قائلًا "شجر بيمشي", وهكذا يتسم تفكير الطفل في هذا الطور بعدم القدرة على إدراك الموضوع, وقد استنتج البعض من ذلك: أن قدرات الطفل على التقمص الوجداني للآخرين أو التعاطف معهم تكون محدودة للغاية, إلّا أن البحوث الحديثة أكدت أن الطفل الصغير الذي لا يتجاوز عمره سنتين لديه القدرة على إظهار بعض علامات التعاطف نحو طفلٍ مصابٍ أو مضطرب, بل إن البحوث أكدت أيضًا أن صغار الأطفال يعرفون أن للآخرين إدراكاتهم الخاصة "Flavel Flavel ١٩٧٧", وقد تكون الصعوبة الجوهرية لديه عدم إدراك ذاته كأحد موضوعات البيئة.
стр. 258
وتغلب خاصية التمركز حول الذات على لغة الطفل في هذا الطور، فهو لا يستطيع مواءمتها مع وجود الآخرين, ولا تختلف لغته حين يكون وحده عن لغته مع وجود غيره من الأطفال أو الكبار, ولا يبذل جهدًا في نقل أفكاره لغيره, وتتناقص بالطبع نسبة الكلام المتمركز حول الذات مع زيادة التفاعل الاجتماعي للطفل, ومع بلوغ الطفل سن السابعة "نهاية هذا الطور" يكون واعيًا بالمستمع, ويعدل في لغته؛ بحيث تصبح مفهومة منه, ويفسر بياجيه هذا التحول من اللغة الذاتية إلى اللغة الاجتماعية على أنه دليل على النمو العقلي للطفل نحو وضع عدة وجهات نظرٍ موضع الاعتبار في وقت واحد.
وبالطبع, فإن تفكير الطفل في فترة ما قبل المفاهيم يعتمد على الأشياء والأحداث, ومعظم التمثيلات "الصور" الذهنية عنده تشير دائمًا إلى هذه الأشياء والأحداث كوقائع فيزيائية مادية، سواء استخدم في عمليات التمثيل الذهني الرموز أو الإشارات؛ فالعصا عند الطفل ترمز إلى البندقية, وحينما يتقدم به العمر قد يستخدم الكلمة لتدل على عملية عدوانية كاملة، ويكون السلوك المعرفي حينئذ أقرب إلى التجريد "أي: دون الإشارة إلى شيء فيزيائي".
ب- فترة التفكير الحدسي: من ٤ سنوات حتى ٧سنوات, وفيها يتحرر الطفل من كثير من نقائص المرحلة السابقة, ومع ذلك يظلُّ محكومًا بحدودٍ كثيرة، والسبب الرئيسي في ذلك: أن تفكير الطفل لم يتحرر تمامًا من الإدراك المباشر, ومن أهم خصائص التفكير في هذه المرحلة أنه -حسب تفسير بياجيه- من النوع الحدسي lntuitiv.
وحتى يمكن فهم معنى الحدس عنده نذكر ما لاحظه على الأطفال من سن ٤ حتى ٥سنوات, الذين يذهبون وحدهم إلى المدرسة ويعودون منها, ومع ذلك لا يستطيعون رسم خريطة للطريق باستخدام المكعبات, كما أن الطفل في هذا السن يستطيع أن يفهم أن لديه أخًا هو "س", ولكنه ينكر أن "س" لديه أخ؛ فالعلاقة عنده من جانب واحد, وهذه إحدى الصفات الهامة للتفكير في هذا الطور, ويسميها بياجيه اللامقلوبية irreversibility, وتعد إحدى الاكتشافات الهامة في تاريخ علم النفس.
ومن خصائص التفكير في هذا الطور أيضًا أن الميل للاستجابة لأحد جوانب الموقف لا يزال سائدًا، أي: الاستجابة تكون مقيدة بخصائص المثير، وهذه إحدى الخصائص الهامة للتفكير في هذه الفترة -أي: فترة التفكير الحدسي- ويسميها بياجيه خاصية التمركز Centering على أحد الجوانب الإدراكية الخاصة. ولهذا
стр. 259
نلاحظ على الطفل في هذا الطور أنه غير قادر على التناول الدقيق للمعلومات التي توفرها المواقف والأحداث والأشياء, ومن أشهر تجارب بياجيه التي أكدت وجود هذه الخاصية: تجربة أواني الماء، وفيها عرض على الطفل كوبين متطابقين ممتلئين بمقدارٍ متساوٍ من الماء "أي: إلى نفس المستوى", وتم تصنيف الكوبين إلى أن أحدهما يخص الطفل, والآخر يخص المجرب, وبعد أن عرف الطفل أن الكوبين يحتويان على نفس المقدار من الماء يقوم المجرب بصب السائل الموجود في كوب الطفل في كوب آخر أطول وأضيق, ثم يسأل الطفل أي الكوبين فيه كمية أكبر من السائل؟ أو هل تتساوى كمية السائل في الكوبين؟ أو أيّ الكوبين تختار لتشرب ما فيه من سائل؟ وكانت الإجابة المعتادة للطفل أن يختار الكوب الذي به ما أطول, على أساس أن فيه مقدارًا أكبر من الماء, وقد لا يختاره على أساس أنه به ماء أقل بسبب ضيقه.
إن هذا الطفل في المثال السابق يركز انتباهه على طول السائل في الكوب، أو على عرض الكوب, فيختار الإناء الأصلي، وتكون إجابته في هذه الحالة: أن الإناء الأوسع أو الأطول يكون فيه ماء أكثر, وفي كلتا الحالتين يعتمد الطفل في الحكم على بعدٍ واحدٍ وليس على البعدين معًا "الطول والاتساع", ولا يستطيع الطفل التعامل مع هذه المشكلة بكفاءةٍ إلّا إذا تحرر من هذه الخاصية, وتحول إلى سلوك التحرر من التمركز decentering, وعندئذ يمكنه أن يحوّل انتباهه من أحد جوانب المشكلة "أو خصائص المثير"، وهو في المثال السابق طول السائل، إلى جانبٍ آخرٍ وهو اتساع الكوب, وفي هذه الحالة وحدها يمكنه أن يصل إلى الاستنتاج الصحيح, وهو أن الكوبين يحتويان على مقدارين متساويين من الماء, أي: لا بُدَّ من التركيز على كلتا الخاصيتين ليصل إلى الاستنتاج الصحيح، وهو ما يفعله المراهق والراشد كما سيتضح فيما بعد.
ويطلق بياجيه على هذه الخاصية: عدم قدرة الطفل على إدراك بقاء الكم أو المقدار Conservation أو ثباتهما invariance، وهي خاصية أخرى هامّة تميز التفكير في هذا الطور, وتُعَدُّ هي وخاصية اللامقلوبية من أعظم ما قدمه بياجيه لعلم النفس في القرن العشرين.
وبسبب خبرات الطفل المحدودة بالأشخاص والأشياء, وقصور محصوله اللغوي, فإننا نجد أن مفاهيم الطفل تتسم بأنها غير دقيقة, بل وخاطئة, بالإضافة إلى خاصية مقاومة التغيير التي أشرنا إليها, ويشيع في هذه المرحلة كثير من المفاهيم التي تؤكدها الثقافة التي يعيش فيها الطفل، وبعضها يكون خاصًّا بالطفل, نتيجة الظروف التي يعيش فيها هو, وتتصف جميع المفاهيم في هذه المرحلة بخصائص
стр. 260
"التفكير قبل العملياتي" التي عرضها بياجيه، يصدق هذا على المفاهيم الاجتماعية والمفاهيم الفيزيائية على حَدٍّ سواء.
ويحتاج الأمر إلى أن نشير مرةً أخرى إلى ظاهرة التمركز حول الذات في تفكير الأطفال في هذا الطور، فمحض وجود هذه الظاهرة يفسر لنا أثر انفعالات الطفل على تفكيره، وخاصةً فيما يتصل بنمو المفاهيم عنده, فعادةً ما تصاحب المفاهيم لديه بشحنة انفعالية على نحوٍ يجعلها تقاوم التغير والتعديل إذا تطلب الأمر ذلك؛ فمفهوم شهر رمضان قد يُبْنَى عند الطفل في هذه المرحلة حول الشحنة الانفعالية المصاحبة للفوازير والمسلسلات فيه، ويصعب على الطفل بعد ذلك تغيير هذا المفهوم حين يكتشف فيما بعد المعنى الديني الصحيح لشهر الصوم.
стр. 261
النمو الانفعالي والوجداني:
تتميز هذه المرحلة بأن الانفعالات فيها أكثر شيوعًا وأكثر حِدَّةً من المعتاد, وتصفها هيرلوك "Hurlock ١٩٨٠" بأنها مرحلة "عدم التوازن"؛ حيث يكون الطفل سهل الاستثارة، ويصدق هذا الوصف خاصةً على الفترة من ٢.٥-٣.٥ سنة, ومن ٥.٥-٦.٥ سنة, وتظهر علامات شدة الانفعالات خاصةً في صورة حدة المزاج وشدة المخاوف وقوة الغيرة, وترجع حدة الانفعالات في هذه المرحلة جزئيًّا إلى التعب الذي يسببه للطفل اللعب المستمر، ورفض النوم والراحة, وتناول مقدار أقل مما يحتاجه من الطعام نتيجة الثورة على النظام الثابت لوجبات الطعام، وهي مشكلة شائعة في هذا السن.
ويرجع علماء النفس معظم الانفعالية الحادة في هذه المرحلة إلى أسباب نفسية, وليس إلى أسباب فسيولوجية, فمعظم الأطفال يشعرون أنهم يستطيعون القيام بكثيرٍ مما لا يسمح لهم الآباء به, ويثورون على هذه القيود التي يفرضها عليهم الوالدان, ثم يغضبون مرةً أخرى لأنهم يجدون أنفسهم عاجزين عن أداء ما يعتقدون أنهم قادرون على أدائه بسهولة ونجاح.
ومع اتساق أفق الحياة الاجتماعية للطفل بخروجه إلى النادي وزيادة الأصدقاء, والذهاب إلى دار الحضانة أو روضة الأطفال, ينشأ توتر جديد من النوع الذي يصاحب أيّ عمليات توافق أو تكيف في العادة.
ومن الأسباب التي تجعل هذه المرحلة أقلَّ جاذبية للكبار إذا قورنت بالمرحلة السابقة, تلك الانفعالية الزائدة, وتعد الانفجارات الانفعالية مصدر ضيقٍ للوالدين, كما أنها تدفع الأقارب وأصدقاء الأسرة إلى تجنب التعامل مع الطفل, وبالطبع توجد فروق فردية بين الأطفال ترجع إلى الظروف الصحية للطفل أولًا، وإلى الظروف البيئية الاجتماعية المحيطة به ثانيًا، وإلى أنماط السلوك الانفعالي التي تكونت لديه في مرحلة الرضاعة ثالثًا, بالإضافة إلى ترتيب الطفل بين إخوته؛ فالطفل الأول أكثر تعرضًا لكشف انفعالاته من باقي الإخوة.
стр. 262
النموّ الاجتماعي:
يتسم النمو الاجتماعي في مرحلة الطفولة المبكرة باتساع عالم الطفل وزيادة وعيه بالأشخاص والأشياء, وفي هذه المرحلة يزداد اندماج الأطفال في كثير من الأنشطة، فهم يتعلمون الجديد والمتنوع من الكلمات والعناوين والأفكار والمفاهيم، ويمرون بخبراتٍ جديدة مع العالمين الفيزيائيّ والاجتماعيّ, وهذا التعلم يهيئ للطفل الأرضية المناسبة للتحول إلى كائن اجتماعي.
ومع اتساع العالم الاجتماعي للطفل يَقِلُّ تعلق الطفل بالوالدين تدريجيًّا, وتحلّ محله علاقات يكونها الطفل مع أطفال آخرين خارج نطاق الأسرة, وعادةً ما تكون الخبرات الاجتماعية للطفل خارج المنزل مصدر اضطراب انفعالي له, وخاصة إذا كان أصغر من الأطفال الآخرين, ونجاح الطفل في التكيف مع العلاقات الاجتماعية الخارجية يتأثر بنوع الخبرات الاجتماعية التي يتلقاها داخل المنزل؛ فالأطفال الذين تتم تنشئتهم اجتماعيًّا بالمنزل, يحققون تكيفًا اجتماعيًّا خارجيًّا أفضل من غيرهم, كما أن طبيعة علاقات الطفل مع إخوته تؤثر في تكيفه الاجتماعي الخارجي, والطفل الذي يظلُّ معتمدًا على الوالدين تتأثر علاقاته بأقرانه, وتجعله غير مرغوب فيه، مما يدعوهم إلى رفضه كرفيق لعب.
وأهم صور السلوك الاجتماعي اللازمة للنجاح في التكيف الاجتماعي تبدأ في الظهور والنمو في هذه المرحلة، وخاصةً أن الاتجاهات الاجتماعية الأساسية وأنماط السلوك الاجتماعي يتمُّ تشكيلها في هذه المرحلة.
وإذا كان الطفل حتى سن ثلاث سنوات لا يظهر إلّا مستوًى منخفضًا من التفاعل الاجتماعي مع الأطفال الآخرين, فإنه بعد سن الثالثة يظهر زيادة ملحوظة في هذا التفاعل، وعلى هذا يمكننا القول أن الفترة من ٣-٦ سنوات هي العمر "الحرج" في عملية التطبيع الاجتماعي للطفل, ويتوقف إلى حَدٍّ كبيرٍ كيفُ وكمُّ السلوك الاجتماعي الذي ينمو في هذه الفترة على الظروف البيئية التي يتعرض لها الطفل وعلاقاته بها، ويشمل ذلك سلوك القيادة والسيطرة والتبعية والاعتماد والمسايرة وغيرها.
стр. 263
اللعب في مرحلة الطفولة المبكرة:
تتفق ميول اللعب عند أطفال هذه المرحلة مع النمط التي يظهره كلٌّ من الاستعداد الناتج عن النضج والبيئة التي يحدث فيها النمو, وتوجد بالطبع بعض الفروق، فالأطفال ذوو الذكاء المرتفع يفضلون اللعب الدرامي والأنشطة الابتكارية, وفي ألعابهم الإنشائية يميلون إلى التصميمات الأكثر تعقيدًا, والتي يظهرون فيها بعض خصائص الإبداع.
وتظهر أيضًا فروقٌ في اللعب تبعًا للجنس، فهناك ألعاب للذكور وأخرى للإناث, ويؤثر ذلك على أدوات اللعب التي يستخدمها كلٌّ منهما, وطرق استخدامها, كما يؤثر في نمط اللعب عند الطفل ما يتاح له من هذه الأدوات, والمساحة المخصصة للعب، وكلٌّ منهما يعتمد على المستوى الاجتماعي والاقتصادي للأسرة, ومع وجود هذه الاختلافات إلّا أنه توجد أنماط عامة بين الأطفال, لعل أهمها: استخدام اللعب، اللعب الإيهامي، اللعب الإنشائي، وتنظيم المباريات والقراءة "عند الطفل الذي تعلَّم مبكرًا هذه المهارة"، السينما، الراديو، التليفزيون, وتوجد في كل ثقافة فرعية في المجتمع أنواع من اللعب تشيع بين الأطفال فيها؛ فألعاب أطفال القرية تختلف عن ألعاب أطفال المدينة, إلّا أن ما يلفت النظر حقًّا في برامج الأطفال في محطات الإذاعة والتليفزيون أنها لا تقدِّمُ البرامج الملائمة لهذه الثقافات الفرعية, وقد حَلَّلَ أحد مؤلفي هذا الكتاب "فؤاد أبو حطب، ١٩٨٦" البرامج التي تُقدَّم للأطفال في وسائل الإعلام المصرية, فوجد أن صورة الطفل الشائعة فيها هي صورة طفل المدن الكبرى, أو العواصم الكبرى من أبناء الطبقة المتوسطة أو العليا, أما أطفال الشرائح الأخرى في المجتمع المصري فليس لها نصيب, وهي صورة تصدق بدرجات متفاوتة على معظم وسائل الإعلام في العالم الثالث.
وإذا تأملت اللعب الجماعي في هذه المرحلة, نجد أن أكثر صور اللعب تبكيرًا ما يسمى "اللعب المتوازي" حيث يلعب الطفل بجوار الأطفال الآخرين وليس معهم, وبعد ذلك يظهر "اللعب الارتباطي", وفيه يلعب الطفل مع الأطفال الآخرين بأنشطة متشابهة إن لم تكن متطابقة، ثم اللعب "التعاوني"؛ حيث يصبح الطفل عضوًا في جماعة, إلّا أن الشائع أن يقوم الطفل بدور المراقب حيث يلاحظ الأطفال الآخرين أثناء اللعب, وقد يتحدث معهم, ولكنه لا يشاركهم في عضوية الجماعة, وفي سن ٤ سنوات يظهر لعب الفريق, ومعه يصبح واعيًا بوجود الآخرين, ويمارس دوره المحدد معهم, ويسعى لجذب الانتباه عن طريق الاستعراض.
стр. 264
النمو الخلقي:
لا يستطيع طفل ما قبل المدرسة أن يتعلم ويستخدم المبادئ المجردة للخطأ والصواب بسبب طبيعة النمو العقلي في هذا المرحلة, ولهذا فهو يدرك السلوك الخلقي ويتعلمه خلال مواقف نوعية خاصة.
ويزداد تعلم السلوك الخلقي تعقدًا حين يطلب من الطفل أداء أعمال مختلفة في المواقف المتشابة من أفراد مختلفين " ومن نفس الأفراد أحيانًا" في أوقات مختلفة, إنه لا يستطيع أن يدرك في هذه الحالة لماذا يكون السلوك "خطأ" أحيانًا و"صوابًا" أحيانًا, وقد يقع في شرك سوء التمييز والخلط.
وفي هذه المرحلة يحكم الطفل على السلوك بأنه صواب أو خطأ في ضوء نتائجه, دون أن يعرف لماذا توصف بعض الأعمال بالصواب وأخرى بالخطأ, ومع ذلك, فإنه يصنف الأفعال إلى "صواب" و"خطأ", وعلى أساس هذا التصنيف يقيم بناءه الأخلاقيّ الذي سوف يوجِّهُ سلوكه مع النمو اللاحق, وعلى الرغم من أن الطفل قد يحاول الخروج على القواعد من طريق اللجوء إلى شخص آخر غير الوالدين "أو غير الوالد المتشدد" ليسمح له بالقيام بأعمال توصف عادة بأنها "مشاغبات"، أو أنه قد يحاول اختبار الحدود، فإن طفل هذه المرحلة لا يحاول وضع القواعد موضع التساؤل، أو اقتراح أعمال بديلة لتلك التي يرفضها الكبار، أو المساومة مع سلطة الكبار كما يفعل عادةً الأطفال الأكبر سنًّا، بل أن الطفل في هذه المرحلة لا يشعر بالذنب إذا ضبط وهو "يقترف" فعلًا من الأفعال "السيئة"، فاستجاباته في هذه الحالة قد تكون إمَّا الخوف من العقاب المتوقع, أو اللجوء إلى حيلة "التبرير" لتفسير ما حدث.
ولعلَّ من أهم خصائص النموّ الخلقي في هذه المرحلة أن الطفل قد يتعلم أنه لو صدر عنه سلوك "عدم الطاعة الإرادي" من النوع البسيط, فإن ذلك يلفت إليه الأنظار أكثر من إصداره للسلوك الذي يوصف عادة بأنه سلوك "طيب", وحين يكشف الطفل ذلك فإنه يلجأ إلى الخروج على القواعد لفتًا للانتباه عندما يتجاهله الكبار المسئولون عن رعايته "الأم أو الأب أو مشرفة الحضانة", وعندئذ لا يوازي الألم المؤقت الناجم عن العقاب الشعور الكبير بالرضا الناجم على تركيز انتباه الكبار عليه.
إلّا أن هذا ليس السبب الوحيد "لسوء سلوك" الأطفال في بعض الأحيان, فقد يكون من أسباب ذلك التغطية على الفشل في أداء واجبٍ مطلوبٍ منه, أو الخلط الناتج عن تغير القواعد التي يفرضها الكبار يومًا بعد يوم، أو الرغبة في اختبار سلطة الكبار لتحديد المدى الذي يمكن السماح به دون التعرض للعقاب.
وتوجد فروق بين الجنسين في أنواع السلوك الذي يتسم بالخروج على القواعد, فالأولاد يميلون إلى التخريب, بينما تميل البنات إلى العناد, وأكثر مشكلات السلوك ظهورًا في هذه المرحلة التبول اللاإرادي والاستعراضية والتخريب, ونوبات الغضب العصبية, ومحاولات جذب الانتباه بأي طريقة.
стр. 265
نمو الشخصية:
إن نمط شخصية الطفل التي توضح أسسه في مرحلة الرضاعة, تبدأ في التشكيل في مرحلة الطفولة المبكرة؛ ففي هذه المرحلة يتعلَّمُ الطفل أن يفكر في ذاته ويشعر بنفسه كما تتحدد بالآخرين, وتنمو صورته عن نفسه, أو مفهومه لذاته, من طريقة معاملته من جانب والديه وغيرهما من الآخرين؛ كالإخوة والأقارب، وإدراكه هو لمفهومهم عنه, وهكذا تحدد العلاقات الأسرية خاصةً طبيعة مفهوم الذات, وقد يكون لاتجاهات الأم نحو الطفل ومعاملتها له أثرٌ مميزٌ هنا, بسبب الدور الخطير الذي تلعبه في حياة الطفل, كما يلعب دورًا هامًّا أيضًا نظام التدريب الذي يُسْتَخْدَمُ مع الطفل في المنزل؛ فإذا كان النظام تسلطيًّا عقابيًّا فإنه يؤدي بالطفل إلى تنمية الشعور بالتمرد على السلطة والعدوان من ناحية، أو إلى الاستجابات الانسحابية الانطوائية من ناحيةٍ أخرى.
وتلعب المطامح والتطلعات التي يحددها الوالدان للطفل دورًا هامًّا في تكوين مفهوم الذات عنده, فإذا كانت أعلى من مستوى الطفل, فإن الفشل يسلمه إلى الإحباط والقلق, وعلى الرغم من أن بعض الأطفال يتجاهلون الفشل في هذه المرحلة إلّا أن معظمهم يستجيبون له بطلب المساعدة أو استخدام التبرير, أو الإسقاط, ومهما كانت طبيعة استجابة الطفل, فإن الفشل يترك أثرًا واضحًا في مفهوم الذات, ويضع الأساس لمشاعر النقص والدونية وعدم الكفاءة.
وعندما تقترب هذه المرحلة من نهايتها، ويصبح الطفل على أعتاب دخول المدرسة, تكون معالم شخصيته قد تحددت؛ بحيث يمكن تمييز خصائصها وسماتها, فبعض الأطفال يتسمون بالقيادة, والآخرون بالتبعية, وبعضهم يميلون إلى الظهور, والآخرون ينشدون البعد عن الأضواء, وهكذا يتوجه الطفل إلى أن تصبح معالم ذاتيته متفردة, وهذه الفردية تتأثر كثيرًا بالخبرات الاجتماعية المبكرة خارج المنزل.
ولكي تنمو شخصية الطفل في هذا الطور نموًّا سليمًا, فيجب أن يتجاوز أزمتين هامتين أشار إليهما إريك إريكسون، وهما:
стр. 266
١- أزمة الاستقلال الذاتي في مقابل الشعور بالعار والشك: تحدث هذه الأزمة خلال المرحلة التي يسميها فرويد: المرحلة الشرجية خلال السنة الثانية من العمر, وفيها يختبر الطفل والديه وبيئته, ويتعلم ما يستطيع وما لا يستطيع التحكم فيه, ويتطلب ذلك تنمية الشعور بالتحكم الذاتي دون فقدانٍ لتقدير الذات؛ حيث يشعر الطفل بحرية الإرادة, والتحكم الزائد من جانب الوالدين يغرس في الطفل شعورًا بالشكِّ في إمكاناته, وبالعار بالنسبة إلى حاجاته أو جسمه, ويبدأ شعور الطفل بالاستقلال الذاتي في النموّ منذ لحظة تحرره من الأم "بالفطام", ويعتمد ذلك على نموِّ مشاعر الثقة في المرحلة السابقة.
وتتأثر هذه المرحلة بنضج الجهاز العضلي مع زيادة قدرة الطفل على الاحتفاظ بالأشياء أو طردها وإخراجها، وخاصة فضلات الجسم؛ فإفراغ المثانة "من البول", والأمعاء "من البراز", لا يؤدي بالطفل إلى الشعور بالراحة فحسب، ولكن يؤدي به أيضًا إلى الشعور بقدرته على التحكم في نظام الإخراج لديه.
ويرى إريكسون أن هذا الشعور الجديد بالقوة لدى الطفل, هو أساس نموِّ شعوره بالاستقلال الذاتي، وإحساسه بقدرته على أن يصنع الأشياء بنفسه, وفي نفس الوقت فإنه يخاطر بالتسرع على نحوٍ يوقعه تحت طائلة رقابة المحيطين به, ومعنى ذلك أن الطفل في هذه المرحلة عليه أن يحقق التوازن بين صرامة الأب التي تجعل الطفل يدرك أنه يعيش في عالمٍ يمنعه من تجاوز الحدود من ناحية، ومرونة الأم وصبرها، واللذان يسمحان للطفل بإحراز تحكمٍ مناسبٍ وبالتدريج في المثانة والأمعاء من ناحيةٍ أخرى, فإذا كان الضبط الخارج جامدًا متصلبًا ملحًّا, فإن الطفل يحاول التحكم في المثانة والأمعاء قبل أن يكون قادرًا على ذلك، وهنا يواجه الطفل ما يسميه إريكسون "Erikson ١٩٥٩" بالتمرد المزدوج والفشل المزدوج". إنه يكون عاجزًا عن التعامل مع جسمه ومع بيئته الاجتماعية "الوالدين" معًا, وهنا يجد الطفل في البحث عن الحلِّ إما بالنكوص إلى الوراء إلى أنشطة المرحلة الفمية "مثل مصّ الأصابع" أو التظاهر بالتقدم إلى الأمام عن طريقة التحول إلى العدوان والعناد؛ فقد يتظاهر بأنه أحرز التحكم, وذلك برفض مساعدة الآخرين, على الرغم من أنه عاجز في الواقع عن تحقيق هذا الاستقلال.
ويرى إريكسون أن الوالدين اللذين يفرضان على العقل قواعد تدريب صارمة على الإخراج في هذه المرحلة "أي: في سن سنتين" قد يؤثران في النموّ الوجداني والانفعالي بتحويله في المراحل التالية "ومنها مرحلة الرشد" إلى شخصٍ يشعر بالقهر والقسر والإلزام, ويتسم بالبخل في المال وبالتقتير في الوقت
стр. 267
والطاقة والبذل, وبالشح في العاطفة, ويصاحب هذا السلوك القهريّ الزائد شعورٌ مستمرٌّ بالشكِّ من ناحيةٍ والعار من ناحيةٍ أخرى, والود والحنان والشفقة يؤدي بالطفل إلى تنمية شعوره بالتحكم الذاتي دون فقدان التقدير للذات, والذي يتطور في المستقبل "عند الرشد" إلى شعور الاستقلال الذاتي الذي يقبله المجتمع.
٢- أزمة المبادأة في مقابل الشعور بالذنب: تنشأ هذه الأزمة في المرحلة التي يسميها فرويد: الجنسية الطفلية من سن ٣-٦ سنوات, فمع زيادة مشاعر الثقة والاستقلال الذاتي, ومع اكتساب الطفل لمهارات جديدة في استخدام اللغة والحركة وتناول الأشياء ومعالجتها, وخاصة في السنتين الثالثة والرابعة من العمر, يتسع خيال الطفل؛ بحيث يحتوي على أشياء كثيرة بعضها يخفيه وبعضها يحلم بالحصول عليه، وحينئذ ينمو لدى الطفل شعور بالمبادأة، فيستطيع الذهاب إلى أماكن جديدة, ويمارس حب الاستطلاع والاستكشاف، ويبدأ في الظهور شعورٌ بتحديد الهدف, مع صور مبدئية للطموح, ويؤدي نموّ المبادأة وما يتلوها من خبرات الشعور بالذنب إلى تكوين الضمير, ويتعرض الطفل لأوامر ونواهي الوالدين, فإذا تجاوز المحظور، سواء في عالم الواقع أو الخيال، فإنه يشعر بالذنب, إلّا أنه حين يبالغ الوالدان والمعلمون في كَفِّ مبادأة الطفل, فإن ذلك يؤدي إلى أن يصبح الطفل محدود الأفق، ممتلئًا بمشاعر الذنب, أما حين لا يستخدمون هذه النواهي إلّا قليلًا, فإن الطفل لا ينمو لديه ضمير مكتمل, ولهذا لا بُدَّ من الوصول إلى حَلٍّ متوازنٍ لأزمة المبادأة والشعور بالذنب.
стр. 268
الخبرات التعليمية في طور الحضانة:
يواجه الطفل في سن ما قبل التمييز "الحضانة" عددًا أكبر من الراشدين الجدد حين يذهب إلى دار للحضانة أو روضة للأطفال, ومن الشائع أن يكون المعلمون في هذه المؤسسات التربوية لطفل ما قبل المدرسة من الإناث، إلّا أن السنوات الأخيرة شهدت عددًا من الرجال يعلمون في هذه المؤسسات أيضًا، وخاصةً في المجتمعات الغربية, ووجود كلٍّ من الذكور والإناث كمعلمين لأطفال ما قبل المدرسة, يهيئ لهؤلاء الأطفال جوًّا أقرب إلى الجوِّ الأسريّ، كما يهيئ لهم نماذج سلوكية من الجنسين، بالإضافة إلى ما يعنيه من معانٍ بالغة, وأهمها أن رعاية طفل ما قبل المدرسة هي مهمة الرجال والنساء على حَدٍّ سواء.
ونحب أن نشير هنا إلى أن برامج طفل ما قبل المدرسة وُجِدَتْ في معظم العصور "آمال صادق، أميمة أمين ١٩٨٥" إلّا أن الاهتمام بها تزايد خلال السنوات التاريخية الماضية، مع زيادة مطردة في عدد الأطفال الذين يلتحقون بها
стр. 269
وقد اختلفت المبررات، ولعل أشهرها شيوعًا, استخدامَ برنامج مدرسة الحضانة في أغراض التربية التعويضية "Harris ١٩٨٦", فقد لُوحِظَ في الولايات المتحدة الأمريكية أن الأطفال الذين يُولَدُون وينشأون في ظروف اجتماعية واقتصادية غير ملائمة, يلحقهم آباؤهم في مؤسساتٍ تقدِّم برامج للتدخل التعويضي سعيًا وراء إكسابهم المهارات التي تتوافر لدى الأطفال من ذوي المستويات الاجتماعية والاقتصادية الأفضل, والتي تُعَدُّ ضروريةً للنجاح في المدرسة الابتدائية في الطور النمائي التالي.
وهناك سبب آخر وراء الاهتمام الزائد في السنوات الأخيرة بإلحاق الأطفال في هذه المؤسسات التربوية، وهو الإسراع بتنميتهم المعرفية, وفي هذه الحالة يعتقد بعض الآباء والأمهات أنه لو توافرت لأطفالهم فرصة اكتساب المهارات الأكاديمية في وقتٍ مبكرٍ فإنهم سوف يتفوقون على أقرانهم حين يحين أوان الالتحاق بالمدرسة الابتدائية, ويتفق هذا الشعور مع الطبيعة التنافسية الإنجازية للمجتمع الحديث, إلّا أنه قد لا يتفق مع طبيعة الطفل "فؤاد أحمد أبو حطب، أمال صادق، ١٩٩٥"؛ فنتائج هذا ضارة, وخاصةً إذا تحولت روضة الأطفال إلى "مدرسة", ثم إلى مدرسة من نوعٍ شديد المطالب, على النحو الذي نلاحظه اليوم في مجتمعنا؛ حيث تقدم للأطفال برامج "تعليم" منظمة, ثم يزداد الأمر خطرًا على الصحة النفسية والاجتماعية والثقافية للطفل حين يتعلم طفل الحضانة لغة أجنبية, أويتعلم بلغة أجنبية، إننا وحينئذ تبذر بذور "الاغتراب" الثقافي في وجدان الطفل.
ويوجد سبب ثالث لزيادة عدد الأطفال الذين يلتحقون في الوقت الحاضر بدور الحضانة ورياض الأطفال, يتصل أساسًا بالتغيرات التي طرأت على بنية الأسرة المعاصرة, وعلى رأسها خروج المرأة للعمل, ولعل المفهوم الشائع لدى هؤلاء الأمهات العاملات عن دار الحضانة أنها مجرد مكانٍ لإيواء الطفل خلال الفترة التي تنشغل فيها عنه بالعمل, وبالطبع فإن بعض المؤسسات تعمل في ضوء هذا التصور، حتى تحولَّت إلى "مخازن" للأطفال كما بينا آنفًا.
أما السبب الرابع والأخير: فهو رغبة الآباء والآمهات في أن تكون دار الحضانة أو الروضة فرصةً تهيئ للطفل أن يلتقي بغيره من الراشدين وبالأطفال الآخرين, وتعلم مهارات التفاعل الاجتماعي في مواقف أكثر اتساعًا وشمولًا، وأداء مهام جديدة لا تتوافر عادةً داخل البيت، وكل ذلك بغرض مزيد من التطبيع الاجتماعي للطفل, وهذه المجموعة من الآباء والأمهات هم الأقلية بمقارنتهم
стр. 270
بالمجموعات الثلاث السابقة، وهم الأصوب في إدراك طبيعة الخبرات التربوية في هذا الطور من النموّ.
وعلى كلٍّ, فإن وجود الطفل في دارٍ جيدةٍ للحضانة, قد يؤثر تأثيرات إيجابية في نموه في هذا الطور، وخاصة إذا كانت الأنشطة التي يقوم به الطفل في هذه الدار مصممة بحيث تستثير النموّ في مختلف مجالاته، فاللعب "والذي يجب أن يكون هو جوهر النشاط في مثل هذه المؤسسات" ينمي الطفل جسميًّا وحركيًّا ومعرفيًّا واجتماعيًّا. ومن مزايا النشاط الحر هنا أن الطفل عادةً يختار نشاطه بإرشاد معلمه أو معلمته، وبهذا تتهيأ له الفرصة للنجاح فيما يختار, وهذا النجاح ينمي في الطفل مشاعر الثقة وتقدير الذات, وبالإضافة إلى ما يتوافر للطفل من ممارسة بعض الأنشطة المعرفية؛ كالعَدِّ وتمييز الألوان, فإن الفرص تتوافر له أيضًا لتنشيط الخيال وحب الاستطلاع والإبداع, كما أنه يتعلم تقدير حاجات الآخرين مع اكتساب المهارة في التفاعل مع الأقران والكبار, وهذه الخبرات لا تتوافر كلها داخل البيت, وبها يتم انتقاله "بسلام" من طور اللعب والملاعبة -الذي يشغل حيزه الزمني السنوات السبع الأولى من حياة الطفل- إلى طور التأديب والتهذيب والتعليم الرسمي في المدرسة الابتدائية في طور التمييز. وتوجد طرق كثيرة يستخدمها المربون مع أطفال ما قبل المدرسة, تتناولها المؤلفات المتخصصة "آمال صادق، أميمة أمين، ١٩٨٥، سعد مرسي أحمد، كوثر كوجك ١٩٨٤".
ولتحقيق أهداف تربية الطفل في سن ما قبل المدرسة, لا بُدَّ من إعداده لذلك, وخاصة أن دخوله دار الحضانة يُعَدُّ خطوةً هامةً في حياته, ولعل أهم ما يجب الحرص على تحقيقه تكوين اتجاهات إيجابية لدى الطفل نحو التعلم ونحو المدرسة، وذلك من خلال جعل هذه المؤسسات التربوية مصدرًا للبهجة في التعلم "سيد أحمد عثمان، ١٩٧٧"، ولعل هذا يبرر إشارتنا إلى أهمية أن يكون اللعب محور النشاط في هذا الطور, أما الربط بين "فكرة المدرسة"، ومظاهر التهديد والعقاب والعمل الشاق, فإنه له أضراره على مستقبل الطفل التعليمي. ولعلنا نشير هنا إلى أن تكوين "الاتجاه الموجب" نحو المدرسة منذ هذا الطور المبكر, قد ينتقل إلى جميع مراحل التعليم التالية, حتى ولو تضمنت بعد ذلك مظاهر التهديد "التقويم، والامتحانات"، والعقاب "الالتزام بقواعد ونظم المدرسة كمؤسسة اجتماعية"، والعمل الشاق باعتبار التعليم سوف يصبح أكثر تنظيمًا وتوجيهًا نحو المستقبل, وكل هذا قد ينقلب إلى ضده إذا كان الاتجاه المبكر نحو المدرسة سلبيًّا منذ إلحاق الطفل بدار الحضانة أو الروضة.
стр. 271
الفصل الثاني عشر طور التمييز
النمو الجسمي والفسيولوجي
...
الفصل الثاني عشر: طور التمييز
تمتد مرحلة سن التمييز أو "الطفولة المتأخرة كما تسمى أحيانًا في المؤلفات المتخصصة" من سن ٦ أو ٧ سنوات حتى بداية البلوغ الجنسي في سن ١٢سنة تقريبًا، أي: أنها تشمل مرحلة المدرسة الابتدائية تقريبًا, وفيها يبطؤ معدل النمو، إلّا أن الطفل يواجه فيها تحديات كثيرة تتطلب أساليب توافق جديدة؛ ففيها يُعَدِّلُ الوالدان وغيرهما من الأشخاص المهمين في حياة الطفل "ومنهم المدرسون" التوقعات من الطفل بالنسبة للسلوك الملائم, كما أنها مرحلة الجهد المركَّز لمعرفة الذات والبيئة, بطريقة تختلف عن المراحل السابقة في الحياة.
وخلال هذه المرحلة يتمُّ التركيز على اكتساب وإتقان المهارات الأساسية, وهي مهمة تقع مسئولياتها على عاتق المدرسة, إلّا أن المجتمع يتوقع لطفل هذه المرحلة أيضًا أن يتقن بعض المهارات الشخصية والاجتماعية الأخرى, وتسهم الأسرة مع المدرسة في إكساب الطفل هذ المهارات, كما ينشغل أطفال هذه المرحلة في كثيرٍ من الأنشطة التي تنمِّي فيهم الشعور بالإنجاز على حد تعبير إريكسون "راجع الفصل الثالث". ونجاح الطفل في اكتساب هذه المهارات المتوقعة يؤدي إلى تدعيم مفهومٍ صحيٍّ وسليمٍ للذات من خلال المهام المطلوبة لهذه المرحلة.
ونعرض فيما يلي خصائص النمو في هذه المرحلة.
النمو الجسمي والفسيولولجي:
مرحلة الطفولة المتأخرة هي فترة نموٍّ جسميٍّ بطيءٍ وموحَّد تقريبًا؛ فبالنسبة للطول نجد في بداية المرحلة "في سن السادسة" أن متوسط طول الطفل الولد في مصر كما تحدده إحصاءات إدارة الصحة المدرسية هو ١١٠.٧ سم, والبنت ١٠٩.٨، وحين يصلا إلى سن ١٢ سنة, يكون متوسط طول الولد ١٣٨.٥ سم, بينما يكون متوسط طول البنت ١٤١.٥ سم، ومعنى ذلك أن الفروق الفردية الطفيفة التي كانت لصالح الذكور في البداية تصبح لصالح الإناث في النهاية.
ويرجع تفوّق البنات على البنين في الطول في نهاية هذه المرحلة إلى أن الذكور يبدأون البلوغ بعد البنات بسنة تقريبًا, ولذلك فإنهم في العادة يكونون في
стр. 272
المتوسط أقصر من البنات في نفس السن, وطول مرحلة الطفولة المتأخرة يكون نموّ الجسم بطيئًا بمعدل ٨سم تقريبًا في السنة, ويعطي مقياسَا عظام الرسغ واليد "بأشعة إكس في هذه المرحلة" تنبؤًا بالطول في مرحلة الرشد أكثر دقة من قياس هذه العظام في مرحلة الطفولة المبكرة, وكذلك نلاحظ أن الزيادة في الوزن بطيئة وموحدة أيضًا في هذه المرحلة؛ فيتغير الوزن من ١٨ كيلو جرامًا تقريبا في سن السادسة لكلٍّ من الجنسين إلى ٣٢ كيلو جرامًا للذكور، ٣٤ كيلو جرامًا للإناث في سن ١٢سنة, ويتأثر الوزن بعوامل عديدة أهمها التغذية, وخلال هذه المرحلة تعتبر الدهون مسئولة عن نسبة من الوزن الكلي للجسم تصل إلى ما بين ٢١% و٢٩%. وتؤثر العوامل السيكولوجية في وزن الطفل في هذه المرحلة، فحين يفشل الطفل في تكيفه الاجتماعي فإنه يميل إلى المبالغة في تناول الطعام؛ كتعويضٍ عن عدم التقبُّل الاجتماعي, ويصدق هذا على وجه الخصوص على الأطفال الذين يعيشون في أسر صغيرة, وعادة ما تنشأ عادات المبالغة في الأكل من ضغوط الوالدين على الأطفال في السنوات السابقة, وقد ينشأ عن المبالغة في الطعام سمنةٌ ظاهرةٌ يكون من نتيجتها عدم استطاعة الطفل القيام بنشاط بدنيٍّ كبيرٍ, وتضيع منه فرصة اكتساب المهارات اللازمة للتكيف الاجتماعي.
وتتغير نسب الجسم خلال سنوات الطفولة المتأخرة, فيتناقص سوء توزيع النسب الشائع في المراحل السابقة للنموّ بالرغم من أن الرأس يظل أكبر نسبيًّا إذا قورن بباقي أجزاء الجسم، وعمومًا يمكن القول أن نسب الجسم في هذه المرحلة تشبه كثيرًا ما هي عليه في مرحلة الرشد.
وفي هذه المرحلة يفقد الطفل معظم أسنانه اللبنية, وما أن يبلغ نهاية المرحلة تكون قد نمت معظم أسنانه الثابتة, ونتيجةً لذلك يتغير شكل الفم, ويزداد حجم الجزء الأسفل من الوجه, وبالتالي تزول بعض مظاهر عدم التناسب في الوجه والتي نلاحظها في المراحل السابقة, كما تحدث تغيرات في مدى انطباق الأسنان "أو درجة التطابق بين أسنان الفكّ العلوي وأسنان الفكّ السفلي، وخاصة في المرحلة الانتقالية بين الأسنان اللبنية والأسنان الدائمة, وحين يكون الانطباق غير كاملٍ بين الفكين يتأثر الوجه تأثرًا خطيرًا, وينشأ ما يسمى بالعامية "الضب".
وخلال هذه الفترة تتسطح الجبهة وتبرز الشفاه وتكبر الأنف وتأخذ شكلًا محددًا, وهذه التغيرات تغير الصورة التي عليها مظهر الطفل في مرحلتي الرضاعة والطفولة المبكرة.
ومع النمو يصبح الجذع أكثر نحافةً, ويزداد الصدر عرضًا واتساعًا, وتزداد
стр. 273
الرقبة طولًا، على نحوٍ يسمح بوضوح الأكتاف, كما يزداد حجم الحوض, وتصبح الأذرع والسيقان أكثر نحافةً مع بطءٍ شديدٍ في نمو الجهاز العضلي, كما يتطور نموّ الأيدي والأقدام, وهذه التغيرات تُعَدُّ مسئولةً عن تلك الصورة الكاريكاتيرية لطفل هذه المرحلة: كائن نحيل يبدو كما لو كان كله ذراعين وساقين.
أما بالنسبة لنموِّ الجهاز العصبي -وخاصة المخ- فلعلنا نذكر أن معظم نموّ المخ يحدث في مرحلة ما قبل الولادة, ويزداد نموّ المخ خلال مرحلتي الرضاعة والطفولة المبكرة حتى يصل في نهاية المرحلة السابقة "أي في عمر السادسة" إلى حوالي ٩٠% مع حجم مخ الراشد, ومع ذلك فهناك وظيفتان هامَّتان من وظائف المخ تستمران في النموِّ خلال مرحلة الطفولة المتأخرة، أولاهما: تكوين نخاع الألياف العصبية في المخ والنخاع الشوكي وفي الأنسجة العصبية المرتبطة، وثانيتهما: تنظيم وظائف المخ, والعملية الأولى تساعد على زيادة كفاءة الخلايا العصبية، وفيها يتم ترسيب المواد الدهنية المحيطة بهذه الخلايا؛ بحيث تسمح باستثارة توصيل النبضات الكهربائية على نحوٍ يسمح لها بالانتقال من خلية إلى أخرى, وفي العملية الثانية يتم التخصص العصبي حيث يصبح النصف الكروي الأيسر للمخ مسئولًا عن المهارات اللغوية, ويحدث التآزر بالنسبة للسلوك الحركي، أما النصف الكروي الأيمن فيصبح مسئولًا عن المعلومات الإدراكية وتفسير العلاقات المكانية.
وتحدث في هذه المرحلة فروقٌ بين الجنسين نتيجةً للمعدلات المختلفة لنموِّ كلٍّ من النصفين الكرويين؛ ففي الذكور يكون النصف الكروي الأيمن أكثر فعالية، ويساعدهم ذلك على أداء الأنشطة غير اللغوية بفعالية أكبر من البنات, أما في البنات فإن النصف الكروي الأيمن يكون أكثر نموًّا، ولهذا نلاحظ أنهن أكثر تفوقًا من الذكور في المهارة اللغوية, بينما يتفوق عليهن الذكور في مهارات التمييز المكاني.
стр. 274
النمو الحركي:
تلعب المهارات الحركية دورًا هامًّا في نجاح الطفل في مرحلة الطفولة المأخرة, سواءً في أداء نشاطه المدرسي أو في لعبه مع غيره من الأطفال، ولذلك فإن الطفل الذي يكون نموَّه الحركيّ أقل من أقرانه من الأطفال يشعر عادةً بالعجز والضعف، وقد ينسحب من الجماعة، وتتكَوَّنُ لديه اتجاهات سلبية نحو نفسه ونحو الحياة الاجتماعية, وحين تتهيأ للطفل الفرصة فإنه يشارك في النشاط الحركي بمختلف أنواعه.
وتتوقف المهارات التي يتعلمها الطفل في هذه المرحلة على البيئة التي يعيش فيها من ناحية، وعلى فرص التعلم من ناحيةٍ أخرى، وعلى ما هو شائع بين أقرانه من ناحيةٍ ثالثة.
وتظهر فروقٌ بين الجنسين ليس فقط في مهارات اللعب في هذا السن, ولكن في مستوى اكتمال هذه المهارات، فتتفوق البنات على البنين في المهارات التي تشتمل على العضلات الدقيقة مثل: الرسم والخياطة والنسيج والتريكو, بينما يتفوق البنون في المهارات التي تشتمل على العضلات الغليظة؛ مثل: لعب الكرة والجري وقفز الحواجز.
وابتداءً من سن ٦ سنوات تنمو في هذه المرحلة مهارات مساعدة الذات التي ترتبط بالأكل واللبس والاستحمام؛ بحيث لا يحتاج الطفل في هذه النواحي إلّا إلى مساعدة ثانوية, إلّا أن الكبار في بيئة الطفل قد لا يقتنعون بذلك, ويستمرون في تقديم المساعدة للطفل, وباستمرار الممارسة تكتمل هذه المهارات إلى حيث يمكن للطفل أن يؤديها بنفس القدر من السرعة والامتياز مثل الكبير, وفي المدرسة تنمو لدى الطفل المهارات المطلوبة في الكتابة والقراءة والرسم والموسيقى والغناء وصنع الأشياء. أما المهارات الاجتماعية التي يتعلمها الطفل والتي تتصل بالأعمال المنزلية؛ مثل: تنظيف الأطباق, وكنس الحجرات, وتوضيب السرير, والطبخ, لا تعطي للطفل السعادة فحسب, وإنما تعطيه شعورًا بأهمية الذات.
وتتحدد مهارات الطفل باليد التي لها السيادة في مهاراته الحركية, وهل هو أيسر أو أعسر أو أن يديه يمكن استخدامها معًا بنفس السهولة, فعند بلوغ الطفل العام السادس من عمره يكون قد تكوَّنت لديه عادة سيادة إحدى اليدين؛ بحيث يصعب عليه الانتقال منها إلى اليد الأخرى, وبالطبع إذا تعلَّمَ الطفل استخدام اليد اليمنى فإن تكيفه يكون أكثر سهولة مما لو تعلَّم استخدام اليد اليسرى، ليس فقط لأن الأدوات والآلات والمواد معدة للاستخدام باليد اليمنى فحسب, ولكن لأن نماذج التدريس معدة لأولئك الذين يستخدمون اليد اليمنى أيضًا؛ فالطفل الأعسر سوف يصبح الأمر صعبًا عليه, ويشعر بالإحباط حين يحاول استخدام المواد المعدة لغيره من الناس، أو حين يحاول تَعَلُّمَ مهارة جديدة بمحاكاة نماذج معدة لمستخدمي اليد اليمنى.
والطفل الذي لا يصل إلى مستوى سيادة إحدى اليدين عند دخوله المدرسة، أي: أنه يستطيع استخدام إحدى اليدين في بعض المهارات, واليد الأخرى في مهاراتٍ أخرى, لن يجد صعوبةً في الانتقال من يدٍ إلى أخرى، ولكن قد تكون
стр. 275
مهاراته أقلّ في مستواها من طفلٍ آخر لديه سيادة إحدى اليدين, إلّا أن المشكلة في هذه الحالة أن الطفل حين يصل إلى مرحلة المراهقة يكون من المتَعَذَّرِ عليه محاولة تكوين سيادة إحدى اليدين, أو الانتقال من استخدام اليد اليسرى إلى اليد اليمنى, فعند هذه المرحلة "أي: المراهقة" تصل المهارات إلى درجة من التعلُّمِ بحيث تؤدي أيّ محاولة لتغييرها إلى الخلط بالنسبة للطفل, وسوف يقاوم التغيير الذي يجده صعبًا ومحبطًا معًا.
وعادة ما ينتج عن ذلك القلق والتوتر الذي يعبر عن نفسه في شكل اضطرابات الكلام وصعوبات القراءة واللوازم العصبية.
стр. 276
أمراض طفل المدرسة:
خلال السنوات الأولى من هذه المرحلة يتعرض معظم الأطفال للأنواع المختلفة من أمراض الأطفال الشائعة؛ كالحصبة والسعال الديكي والجديري وغيرها, وباستثناء هذه الأمراض, فإن مرحلة الطفولة المتأخرة يمكن وصفها بصفةٍ عامَّةٍ بأنها مرحلة صحة جسمية, وبالطبع قد يحدث أحيانًا أن يعاني الطفل من اضطرابات المعدة أو أمراض البرد, إلّا أنها عادةً ما تكون لفترات قصيرة, ولا تترك أثرًا في البنية الجسمية للطفل, وحتى لو كان المرض متكررًا, فإنه نادرًا ما يؤدي إلي موت الطفل في هذه المرحلة إذا قارنَّا ذلك بالمراحل السابقة.
وفي السنوات الأخيرة انخفض معدَّل وفيات الأطفال بصفة عامة, ويرجع ذلك بالطبع إلى التقدُّم في ميدان الخدمات الطبية للأطفال, وخاصة في ميدان الأمراض المعدية والتدرن الرئوي والتهاب اللوزتين وغيرها.
وتُعْتَبَرُ الآثار النفسية للأمراض في هذه المرحلة أشد من آثارها الجسمية؛ فالمرض يحدث اضطرابًا في التوازن العضوي للجسم, ويؤثِّرُ بالتَّالى على سلوك الطفل واتجاهاته؛ بحيث يجعله متوترًا لحوحًا في مطالبه, بالإضافة إلى ما يسببه له المرض من غيابٍ عن المدرسة, وحرمانه من الاشتراك مع الأقران في اللعب بعد المدرسة, مما يؤثِّرُ على اكتسابه للمهارات اللازمة للتكيف في هذه المرحلة. وقد ثبت أن من أهم أسباب التغيب عن المدرسة في هذه المرحلة الأسباب الطبية, في حين لا يزيد عدد حالات الغياب لغير هذه الأسباب عن ١٣% فقط, وبالإضافة إلي ذلك توجد نسبة من الأطفال ينتظمون في الدراسة, ومع ذلك يعانون من نقائص جسمية مختلفة؛ كنقص البصر وضعف السمع وسوء التغذية وتسوس الأسنان, وبالإضافة إلى ذلك يعاني بعض الأطفال من أمراضٍ متوطنةٍ متنوعةٍ, وأمراض مزمنةٍ؛ كأمراض القلب والكساح والحساسية والسكر, بالإضافة إلى البلهاريسيا والأنكلوستوما.
стр. 277
وبعض الأطفال في هذه المرحلة يمكن وصفهم بأنهم مستَهْدَفُون للمرض, بمعنى أنهم يتعرضون للمرض أكثر من غيرهم من الأطفال الذين هم في مثل سنهم, وقد يرجع ذلك إلى ضعفٍ وراثيٍّ أو ظروف بيئية سيئة، إلّا أن السبب الأهم يرجع إلى الظروف التي تكون عليها حياة الطفل في هذه المرحلة, فقد يكون أسلوب التنشئة الوالدية فيه قدر كبير من التسامح يصل إلى حَدِّ الفوضى, وفي هذه الحالة يأكل الطفل وينام ويفعل ما يشاء، وقد يكون فيما يأكل ويفعل ضرر على صحته, وقد يكون الأسلوب تسلطيًّا؛ بحيث يضع الطفل طول الوقت تحت ظروف التوتر والضغط إلى الحدِّ الذي يستثير فيه مشاعر القلق, ويجعله مستهدفًا للمرض.
وبعض خبرات المرض والاستهداف للمرض التي يعاني منها الطفل يكون حقيقيًّا, وبعضها الآخر قد يكون متوهمًا؛ فالطفل يتعلم من خبراته السابقة أنه حين يكون مريضًا فإنه لا يتوقع منه القيام بالأنشطة المعتادة، ويلقى اهتمامًا ورعايةً أكبر، ويتحرر بعض الشيء من قيود النظام المنزلي, وعلى هذا فحين تنشأ ظروف غير سارّة في حياته, أو حين يُطْلَبُ منه أداء عملٍ مدرسيٍّ أو منزليٍّ لا يحبه, أو يشعر بعدم القدرة عليه, فإنه يستخدم المرض كحيلة هروبية, وقد يتحول ذلك إلى حيلة لا شعورية من نوع الميكانيزمات النفسية.
وقد يعاني الطفل من أيّ نوعٍ من أنواع التعويق الجسمي، بعضه قد يكون فيه منذ الولادة, والبعض الآخر يحدث له في أوقات مختلفة من مراحل نموِّه بسبب المرض أو الحوادث أو الإهمال في الرعاية الصحية له, وأشهر أنواع التعويق ضعف السمع والبصر وشلل الأطفال, وهذه العوائق تؤثِّرُ في الطفل وخاصةً حين تحرمه من المشاركة مع أقرانه في النشاط المدرسي وغير المدرسي، ويتوقف هذا الأثر على معاملة الآخرين له, وخاصة أعضاء جماعة الأقران, في هذه الحالة لا نجد إلّا القليل منهم من يشارك الطفل المعوَّق وجدانيًّا ويهتم به, أما الأغلبية فغالبًا ما يتجاهلونه أو يرفضونه.
وتعتبر الحوادث من أهم أسباب وفيات الأطفال في هذه المرحلة, فعلى الرغم من أن الحوادث تكون عادةً أقل حدوثًا في هذا السن، إلّا أنها إذا وقعت تكون أخطر, ومعظم هذه الحوادث يقع خارج المنزل -على عكس حوادث المراحل السابقة, وهي بين الذكور أكثر حدوثًا من الإناث, وقد يرجع ذلك إلى أن طبيعة الدور الجنسي للذكور يتطلب قدرًا من الجسارة والإقدام, وإصابة الرأس هي الأكثر حدوثًا, بينما إصابة الساقين أقل حدوثًا, وقد يكون بعض الأطفال من النوع المستهدف للحوادث والإصابات, وهم عادةً أولئك الذين يتسمون بالنشاط الزائد وعدم الاستقرار والقلق والاندفاعية والمخاطرة ومقاومة السلطة, والأقل تقبلًا من الزملاء, وعكس هؤلاء هم الأقل استهدافًا للحوادث.
стр. 278
النموّ اللغوي:
باتساع عالم الطفل يكتشف أن الكلام أداةٌ هامةٌ في السلوك الاجتماعي, ويدفعه ذلك إلى إتقان الكلام, وكذلك يتعلم أن الصور البسيطة من الاتصال مثل الصراخ والإيماءات ليست مقبولةً اجتماعيًّا, ويعطيه هذا حافزًا إضافيًّا لتحسين قدرته على الكلام، بالإضافة إلى أن المدرسة تؤكد على النواحي اللغوية مثل حصيلة المفردات وبناء الجمل, وحين يتعلم الطفل القراءة يضيف إلى مفرداته اللغوية إضافاتٍ جديدةٍ, ويصبح أكثر ألفةً بالنمط الصحيح للكلمات والبناء الصحيح للجمل.
ويتوقف النموّ اللغوي في هذه المرحلة على عوامل كثيرةٍ؛ منها المستوى العقلي, والمركز الاجتماعي والاقتصادي والجنس, وبالنسبة للجنس يُلَاحَظُ أن الذكور في هذه المرحلة أقلّ من الإناث في المحصول اللغوي, وفي صحة بناء الجمل, وفي القدرة على التعبير عن المعاني, كما أن لديهن نقائص كلامية أكثر من البنات.
وكما هو الحال بالنسبة لكل مرحلة, فإن فهم الطفل للكلمات يتفوق على استعماله لها, فهو يعرف معاني كثيرة بطريقة غامضة, ويمكنه أن يفهمها عندما تستخدم الكلمة في ارتباطها بكلماتٍ أخرى، ولكنه لا يعرف تلك المعاني بحيث يمكنه استخدامها بنفسه, وخلال هذه المرحلة يتزايد المحصول اللغوي العام زيادةً كبيرةً, فمن دارسته في المدرسة, وقراءته, واستماعه للآخرين والراديو, ومشاهدته للتليفزيون, ينشئ الطفل المفردات التي يستخدمها في كلامه وكتابته, ويُقَدَّرُ عدد الكلمات التي يعرفها الطفل الذي ينهي الصف الأول الابتدائي بما يقع بين ٢٠ ألف و٢٤ ألف كلمة, أي بنسبة ٥% إلى ٦% من كلمات معجم عادي, وحين يصل إلى الصف السادس الابتدائي يصل محصوله اللغوي حوالي ٥٠ ألف كلمة.
ولا يقتصر الأمر على أن الطفل يتعلم كلمات جديدة كثيرة, ولكنه بالإضافة إلى ذلك يتعلم معانٍ جديدة للكلمات القديمة, وبالتالى تزداد مفرداته ثراءً, كما يتمُّ تعلم الكلمات ذات المعاني المحدودة والخاصة, وتظهر في هذا الجانب فروقٌ بين الجنسين أيضًا؛ فمفردات الألوان عند البنات مثلًا أكثر منها عند البنين, بسبب اهتمام البنات بالألوان, كما يتفوق الذكور على الإناث في الكلمات الجافة التي قد يكون بعضها بذيئًا, وبالطبع فإن عدد الكلمات التي يعرفها الطفل بدرجة كافية بحيث يستخدمها في كلامه وكتابته، تحدد إلى حَدٍّ كبير نجاحه في المدرسة.
стр. 279
وتظهر في هذه المرحلة صورة جديدة من اللغة, هي ما يسمى باللغة السرية, والتي يستخدمها الطفل في اتصاله بأصدقائه المقربين, وتتخذ اللغة السرية شكل تشويه للكلام العادي, أو قد تكون محاكاة للغة السرية كما تستخدم عند الطفل الأكبر, وتتكون هذه اللغة في شكلها المكتوب من شفرةٍ تتألف من رموز أو رسوم للتعبير عن كلماتٍ أو أفكارٍ كاملة, كما قد تكون لغة حركية تتكون في الأغلب من استخدام الإشارات والإيماءات, ومن تكوين كلماتٍ بواسطة الأصابع, كما هو الحال في لغة الصم والبكم, وتستخدم البنات اللغة السرية أكثر من الذكور, ويقضين وقتًا أطول في تأليف رموزٍ جديدة وإشارات للكلمات, وابتداءً من سن العاشرة حتى مرحلة المراهقة المبكرة, تُعَدُّ الفترة التي يصل فيها استخدام اللغة السرية إلى قمتها، رغم أن معظم الأطفال يبدأ في استخدام هذ اللغة السرية ابتداءً من الصف الثاني من المرحلة الابتدائية, وعلى خلاف مرحلة الطفولة المبكرة, فإن الطفل هنا يستطيع أن ينطق الكلمات صحيحة بدون أخطاء، فيما عدا الأطفال الذين لديهم عيوب كلامية. والكلمة الجديدة التي يسمعها الطفل لأول مرةٍ قد ينطقها خطأً عند استخدامها، ولكن بعد الاستماع إلى النطق الصحيح مرةً أخرى, أو أكثر, يكون قادرًا على النطق الصحيح لها, والطفل في هذه المرحلة لديه ميلٌ إلى التحدث بصوتٍ عالٍ كما لو كان المستمع إليه أصم, وهذه الظاهرة لا تؤثر في المستمع إليه بعدم التقبل له, أو الرفض للاستماع إليه فحسب, ولكنها قد تؤدي إلى الخشونة في صوت الطفل أيضًا, وعادة ما يلجأ الأولاد إلى هذا لأنهم يعتقدون أن التحدث بصوتٍ هادئٍ رخيمٍ خاصية "أنثوية".
وطفل العام السادس لديه القدرة على التحكم في كل أنواع أبنية الجمل, وابتداءً من هذا العام وحتى العام التاسع أو العاشر من العمر, يتزايد بالتدرج طول الجمل التي يستخدمها, وبعد سن التاسعة يبدأ الطفل مرةً أخرى في استخدام الجمل الأقصر والأدق, وعند التحدث مع الأطفال الآخرين يستخدم أشباه الجمل بدلًا من الجمل الكاملة. ويُعَدُّ تكوين الجمل الصحيحة من الأعمال الصعبة في ثقافتنا العربية, بسبب الازدواج اللغوي الذي نعيشه بين العامية والفصحى، فإن طفل المدرسة الابتدائية يقع كثيرًا في الأخطاء النحوية حتى بعد تعلمها في الصفوف المتأخرة من المرحلة الابتدائية, وقد يرجع ذلك إلى سوء تدريس النحو لطلاب هذه المرحلة.
أما عن عيوب الكلام فليست بنفس الدرجة التي عليها في المرحلة السابقة, فالتهتهة واللجلجلة وإبدال الحروف وكل صور الحبسة التي تظهر عند الطفل في مراحل نموّه السابقة, قد تظل كما هي بمرور الزمن ما لم تبذل جهود علاجية
стр. 280
لتصحيحها, ولأن هذه الاضطرابات جميعًا تعود بأصولها إلى التوتر العصبي, فإنها قد تزداد سوءًا بدخول الطفل المدرسة الابتدائية, بسبب الارتباك الذي سوف يعانيه حين يضحك الأطفال على طريقته في الكلام, وما لم يكن هناك سبب عضويّ محدد؛ مثل وجود مسافة بين السنتين الأماميتين العلويتين، أو سوء في انطباق الفكين يمكن أن يعالجه ظهور الأسنان الدائمة للطفل, فإن العيوب الكلامية الأخرى التي تنشأ عن أسبابٍ أخرى لا بُدَّ أن تحظى بدراسة طبية ونفسية خاصة.
أمَّا عن محتوى كلام الطفل في هذه المرحلة, فإنه أقلّ تمركزًا حول الذات من الطفل في المرحلة السابقة, وانتقاله من التمركز حول الذات إلى ما يسميه بياجيه: اللغة الاجتماعية, لا يعتمد فقط على العمر, وإنما على بعض سمات شخصية الطفل التي تكون قد تحددت في هذه المرحلة، وما إذا كانت سمات من النوع المتمركز حول الذات أو من النوع الاجتماعي, كما تعتمد على الاتصالات الاجتماعية التي يقوم بها, وعلى حجم الجماعات التي يتحدث معها أو إليها, فكلما زاد حجم الجماعة تحولت لغته إلى الوجهة الاجتماعية, وحين يكون الطفل مع أقرانه تكون لغته أكثر اجتماعية مما لو كان مع الكبار والراشدين.
وعلى الرغم من أن الأطفال يمكنهم التحدث في أيِّ موضوع, فإن من الموضوعات المفضلة التي يتحدثون فيها معًا في هذا السن هي خبراتهم الخاصة, وحياة المنزل والأسرة, والألعاب الرياضية, واللعب والسينما, ونشاط الشلل والجنس, والأعضاء الجنسية والحوادث.
ويشعر الطفل بحريةٍ أكثر في مناقشة هذه الموضوعات والتعبير عن آرائه حولها حين لا يوجد الكبار, وحين يعبر طفل هذه المرحلة عن نفسه ويتباهى "بل قد يتبجح" بها, فإن مصادر مباهاته ليس ما لديه من نواحي مادية, وإنما حول مهاراته في الألعاب وقوته, وسلوك الزهو أكثر شيوعًا في الفترة بين سن ٩ و١٢ سنة وخاصة بين الأولاد.
ويحب الطفل في هذ المرحلة أن ينتقد الآخرين ويسخر منهم, وقد يلجأ إلى ذلك صراحة أو خفية, وحين ينقد الكبار يلجأ إلى ذلك في صورة شكوى أو اقتراح, أما نقد الأطفال من أقرانه, فإنه يأخذ شكل السباب أو السخرية أو المضايقة, وبدراسة كلام الطفل في هذه المرحلة نجدُ الأسئلة أصبحت أكثر تحديدًا في صيغتها من أسئلة طفل المرحلة السابقة, وتصل أسئلة "لماذا" إلى قمتها في الصفين الثاني والثالث الابتدائي، أما الأنواع الأخرى من الأسئلة، وخاصة أسئلة "ماذا", فتكون أكثر حدوثًا من المرحلة السابقة, كما يحتوي كلام طفل هذه المرحلة على كثيرٍ من الأوامر والتعليمات.
стр. 281
النمو العقلي المعرفي:
يطلق بياجيه على هذا الطور من النموّ الإنساني اسم طور العمليات العيانية أو المحسوسة Concrete Operations، وفيه تظهر العمليات الاستدلالية التي يمكن أن تتفق مع أسس المنطق, فالتفكير المنطقي -أو ما يسميه بياجيه التفكير الإجرائي Operational- لا يظهر إلّا حين تتوافر للطفل ذخيرة من المفاهيم التي تنتظم فيما بينها في نسقٍ متماسكٍ "أي: على هيئة مبدأ". وهذه الأنساق التي تشكِّل التفكير المنطقي أو الإجرائي تسمى العلميات Operations, والعمليات في هذا الطور توصف بأنها محسوسة أو عيانية Concrete, أي: تكون على اتصالٍ وثيق بأصولها الحسية الحركية, وهي في ذلك تشبه الإدراك بصفة عامة في أنها مقيدة بالزمن, ومحددة بترتيب زمني طبيعي معين, وتتضمن قدرًا ضيئلًا من التجريد Abstraction "ومعناه أن تكون الأفكار منفصلة عن الأشياء والأحداث في العالم الواقعي", وما يعين الطفل على القيام بالعمليات المحسوسة في هذا الطور اكتساب الطفل لمبدئي ثبات الكم والمقلوبية "راجع شرحهما بالتفصيل في الفصل السابق".
وتُفْهَمُ العمليات بطريقة أفضل في إطار الأبنية المنطقية -الرياضية التي تمثل الطبيعة الجوهرية للتفكير, فالمنطق -عند بياجيه- هو مرآة الفكر، ولكنه مثل مرآة سنووايت Snow White, تعكس الحقيقة وليس المظهر. وهذا لا يعني أن سلوك التفكير يمكن اختزاله إلى صيغ المنطق أو معادلات الرياضيات، كما لا يعني أن أحدهما يُعَدُّ نموذجًا للآخر، وإنما يعني أن الأبنية المنطقية الرياضية تُعَدُّ المستوى الأكثر عمومية, وتجريدًا في تحليل عمليات التفكير.
ومن أمثلة عمليات التفكير، الجمع والطرح والضرب والقسمة والمطابقة والتصنيف والترتيب, كما توجد عمليات "دون منطقية" infra-logical تتناول علاقات الموضع والمساقة، وعلاقات الجزء بالكل, وذلك بالنسبة للأشياء الحقيقية؛ لأن العمليات محسوسة كما قلنا.
وقد اهتم بياجيه في هذه المرحلة بأبنية منطقية تظهر فيها العمليات, يسميها "التجمعات groupments", ويوجد منها ٩ أنواع، ثمانية أنواع منها أولية, ونوع واحد فقط يعد ثانويًّا, ومن بين الأنواع الثمانية الأولية تظهر أربعة منها في عمليات أو قواعد يمكن تطبيقها على الفئات "التي تعتمد على التصنيف", وتظهر الأربعة الأخرى في علمياتٍ تطبق على العلاقات "التي تعتمد على الترتيب", وتوحد في كل حالة عمليات ثابتة لا تتغير هي عمليات التركيب والارتباط والذاتية والمقلوبية.
стр. 282
ولعل التغير الجوهري الذي يطرأ على الطفل في هذا الطور أنه يستطيع التفكير باستخدام المعلومات التي يدركها إدراكًا مباشرًا، كما يصبح أكثر مرونةً في استخدام هذه المعلومات, فعلى عكس طور ما قبل العمليات الذي يعتمد فيه الطفل في حَلِّ المشكلات على خاصية واحدة في الشيء المدرك, نجده يصبح الآن قادرًا على أن يحوّلَ انتباهه من خاصيةٍ إدركيةٍ في الشيء الذي يدركه إلى خاصية أخرى، بل قد يتعامل مع عدة خصائص في وقت واحد، ويترتب على ذلك قدرة الطفل على تجميع ملاحظات وعمليات عديدة في مفهوم واحد, متجاوزًا بذلك الحاجة إلى المعالجة الفيزيائية للتحول من حالة لأخرى. إن الطفل في هذه المرحلة يبدأ في الانتباه إلى ما هو مهم, وتجاهل ما هو غير مرتبط أو منبت الصلة, وبالتالي يميز السمات والخصائص الجوهرية لتجميع الشياء تجميعًا منطقيًّا في فئات فيما يسمى تكوين المفاهيم Concep Formition. ويؤدي التحرر من كلٍّ من التمركز حول الذات والمركزية في الإدراك في زيادة المرونة في التفكير، كما تزداد القدرة على بناء فئات فرعية, وكذلك الوصول إلى تصنيفات متعددة منفصلة أو متداخلة أو هرمية. ومن أهم خصائص تفكير الأطفال في هذه المرحلة, ما أشرنا إليه من التحرر من التركيز على خاصية واحدة, أو بُعْدٍ واحدٍ في الشيء أو الحدث, وهذه العملية تسمى اللا تمركز decentration, وتبدأ بالفعل قبل ظهور التفكير باستخدام العمليات المحسوسة, ثم تصبح أكثر عمومية وشيوعًا في الاستخدام مع مشكلات أكثر تعقدًا خلال طور التمييز.
أما الإنجاز العرفي الهام الآخر الذي يظهر في هذا الطور, فيتمثل في قدرة الطفل على قلب أو عكس عمليات تفكيره, ومثال ذلك: أن الطفل يستطيع أن يجري ذهنيًّا عمليات قلب أو عكس مكاني حين يحاول وضع فردة الحذاء اليمنى في القدم الأيمن لشخص آخر بالمقارنة بقدمه, وتسمى هذه العملية "المقلوبية" Reversibiliy"، وتعتمد على عملية أساسية أخرى هي عملية التعدي Transitivity, أو ما يسميه بياجيه: الاستدلال التحويلي Transformational Reasoning, فحالما يستطيع الطفل أن يبدأ تفكيره من نقطة معينة "أ", ويفهم جميع الخطوات التي تؤدي إلى نقطة أخر "ب", فإنه يستطيع أيضًا أن يمتد بهذا المسار إلى نقطة ثالثة "جـ", وهذه العملية تظهر في طفل المرحلة الابتدائية في صورة تعدي لخاصية التساوي من نوع أ=ب، ب=جـ, إذن: أ=جـ, وهي عملية أساسية في التفكير المنطقي.
ونعود إلى خاصية المقلوبية, فحالما يستطيع الطفل القيام بعملية التعدي
стр. 283
يمكنه أن يتابع هذا المسار المعرفي من نقطة إلى أخرى, أو يعكسه, أو يدور حوله, أو يغيره دون أن يفقد خصائصه الأصلية, ومن ذلك مثلًا أن يصنع الطفل طائرة ورقية, ثم يفرد الورقة ليرى خطوط الطي، كما يستطيع استخدام نفس السلم الموسيقي صعودًا وهبوطًا، وقد يفك اللعبة إلى أجزائها, ثم يعيد تركيبها, وتعد هذه أيضًا من العمليات الأساسية في فهم عمليات الجمع والطرح في الحساب.
ولكي نوضح ذلك أكثر, نذكر مثال بياجيه المشهور في تجارب ثبات الكم conservation أو المقدار، فإذا عُرِضَ على الطفل في هذا الطور إناءين متساوين مليئين بالماء, ثم صُبَّ أحدهما في إناءٍ أطول وأضيق, فإنه يحكم على مقدار الماء في هذ الحالة بأنه لم يتغير "على عكس حكمه في الطور السابق بأن المياء يزداد مقداره بعد صبه في الإناء الثاني"؛ لأن الطفل أصبح يستطيع أن يسترجع الخطوات بتتابع صب الماء من الإناء الأصلي إلى الإناء الآخر, كما أن الطفل أصبح أكثر قدرة على اللا تمركز؛ بحيث أصبح إدراكه يشمل كلًّا من طول الإناء وعرضه معًا عند الحكم على مقدار الماء في كلٍّ من الإناءين، ولهذا يحكم عليهما بأنهما متساويان.
وفي الحكم على أن مقدار السائل لم يتغير رغم تغير الأواني, يظهر الطفل ما يسميه بياجيه القدرة على إدراك ثبات الكم أو المقدار, وهكذا يدرك الطفل أن بعض جوانب الأشياء أو المواد لا تتغير, حتى ولو تعرضت لبعض التحولات, وبذلك يظهر الطفل بعض الثبات الإدراكي للعالم الخارجي, ومع اكتساب هذ المهارة يصبح قادرًا على التنبؤ بما يحدث للأشياء المادية التي يحتك بها في حياته اليومية.
وكان بياجيه وإنهلدير "Piaget & lnhelder" يريان أن جميع الأطفال يمرون بنفس المراحل في اكتساب ثبات الحكم لجميع خصائص الأشياء, إلّا أن البحوث التالية كشفت عن أن ثبات الخصائص المختلفة تظهر في أعمار مختلفة, فثبات الأعداد يظهر في حوالي السادسة من العمر, فعند هذه السن يدرك الطفل أن الأعداد متساوية بصرف النظر عن طريقة تنظيمها "في أكوام أو صفوف، إلخ", ويظهر ثبات الكتلة في سن السابعة, وحينئذ يدرك الطفل بأن كتلتين من الصلصال تكونان متساويتين من حيث كمية ما فيهما من الصلصال, بصرف النظر عن الشكل الذي تكون عليه "كرة أو خيط طويل", وفي سن التاسعة يظهر ثبات الوزن حيث يدرك أن كرتي الصلصال متساويتان في الوزن, بصرف النظر عن الشكل الذي يكون عليه كل منهما, أما ثبات الحجم volum
стр. 284
فلا يظهر إلّا في سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة "مطلع المراهقة", ويقاس ثبات الحجم بإدراك الطفل لمقدار السائل المزاح "حجم الماء" نتيجة وضع إسطوانتين معدنيتين فيه على التوالي تكونان متساويتين في السعة, ومختلفتين في الوزن, ويحتاج الأمر أن يكون الطفل أكثر نضجًا لكي يدرك أن المتغير الأساسي في تغيير حجم السائل هو سعة size الشيء الذي يوضع فيه, وليس وزنه، فالأشياء ذات السعة الأكبر تزيح كمية من السائل أكبر من الأشياء الأصغر.
وكان بياجيه يعتقد أن الأطفال من جميع الثقافات يظهرون القدرة على ثبات المقدار لمختلف الخصائص بنفس الترتيب السابق، على الرغم من أن معدَّل اكتسابهم للمفاهيم المختلفة قد يختلف تبعًا لاختلاف الخبرات التي يتعرضون لها "كخبرة دخول المدرسة أو عدم دخولها". ومعنى ذلك عنده: أن ثبات العدد يسبق ثبات الكم، ويسبق هذا ثبات الوزن, ويكون ثبات الحجم هو آخر ما يكتسبه الطفل "Brainred ١٩٧٨", إلّا أن بعض الدراسات التي أجريت على ثقافاتٍ غير غريبة -ومنها مصر- أظهرت أن هذا التتابع ليس بالضرورة صحيحًا "سنية جمال عبد الحميد، ١٩٨٧".
ويوجد مظهر آخر لاختلاف تفكير الطفل في هذا الطور عن تفكير طفل طور ما قبل العمليات, في أن تفكير طور التمييز يتسم بالقدرة على إدراك التحويلات transformations, والتي تؤدي إلى تغيير الشيء من حالة إلى أخرى, ويمكن للطفل أن يكوِّن صورة ذهنية كلية عن سلسلة من الأحداث، كما يستطيع أن يصف هذه السلسلة التي قد تتضمن الماضي والحاضر والمستقبل, دون أن يكون في حاجة إلى أدائها مرة أخرى. وهذا على عكس طفل الطور السابق الذي لا يستطيع مثل هذا الوصف, ويحتاج إلى أداء الأحداث أداءً فعليًّا؛ لأنه متمركز في الحاضر فقط, وإحدى النتائج العملية لهذا الوعي أن الطفل يصبح أكثر قدرة على الاستفادة من قواعد التحكم في سلوكه, وخاصة حين يخبر عن نواتج أخطائه السلوكية نحو ذاته والآخرين. فالطفل في الطور السابق يركز انتباهه على حالة العقاب الراهنة، بينما هو الطوار الحالي أكثر قدرة على ربط العقاب الذي يتعرض له بسلوكه في الماضي والمستقبل.
ومن العمليات المعرفية الهامة التي تظهر في هذا الطور القدرة على التصنيف classification, التي تعتمد على القدرة على تكوين المفهوم وبناء الفئات التي أشرنا إليها, ويشمل ذلك القدرة على تحديد العناصر الراهنة التي تؤلف الفئة, أو ما يسميه بياجيه: مفهوم النطاق الداخلي للفئة class intension, والقدرة على
стр. 285
إعداد قائمة بالعناصر الجديدة التي يمكن أن تتضمنها الفئة, أو ما يسميه بياجيه: النطاق الخارجي للفئة class extension, وخلال سنوات المدرسة تزداد مهارات الطفل في التجمع وربط هذه التجمعات بعضها إلى بعض؛ ففي سن السابعة يستطيع الجمع باستخدام فئة العدد "٥" أو"١٠" ومضاعفاتها، وفي سن الثامنة يستطيع استخدام فئة العدد "٢" ومضاعفاته, وإحدى الهوايات الشائعة لدى أطفال هذا الطور "من ٧-١٢ سنة" جمع الأشياء "طوابع البريد، الملصقات، العينات، إلخ", ثم تصنيفها تبعًا لأبعاد مختلفة عديدة: اللون، الحجم، المحتوى، النوع، إلخ.
وتوجد عملية معرفية هامة أخرى تظهر في هذا الطور, وهي عملية التسلسل seriation, ويُقْصَدُ بها: القدرة على ترتيب الأشياء تبعًا لمتصل كمي, فإذا عرضت على الطفل مجموعة من العصي ذات الأطوال المختلفة, فإنه يستطيع ترتيبها من الأقصر إلى الأطول أو العكس "piaget lnheldr ١٩٥٩". ولعلنا نذكر أن طفل الطور السابق "قبل العمليات" يستخدم في مثل هذه الحالة المقارنات العشوائية بين أزواج الأشياء بدلًا من المقارنة المنظمة المنسقة التي تبدو في طور العمليات العيانية.
وهكذا فإن قدرة الطفل في طور التمييز على التفكير تكون أكبر من قدرة الطفل الأصغر سنًّا, إنه يستطيع التعامل مع عدة متغيرات في وقت واحد, ويتضح هذا على سبيل المثال من التعامل مع عدة متغيرات في وقت واحد, ويتضح هذا على سبيل المثال من التعامل مع الزمان والمكان معًا "كما هو الحال في الجغرافيا والتاريخ" أو مع السرعة والمسافة "كما هو الحال في الرياضيات"، إلّا أن ما يجب أن نؤكده أن قدرة الطفل في هذه المرحلة على التعامل مع عدة متغيرات في وقت واحد تكون في بدايتها, ولا تعني نهاية هذه المرحلة وصول هذه الخاصية إلى اكتمال النضج المعرفي, وعلى هذا, فعلى الرغم من أن طفل المدرسة الابتدائية يظهر قدرًا من الموضوعية، إلّا أنه توجد فروق بين الأطفال في بداية هذه المرحلة ونهايتها، وهي فروق تؤثر في قدرة الطفل على التفكير, ومن ذلك مثلًا: أن قدرة طفل هذه المرحلة على فهم الأفكار والمفاهيم أكبر بوضوح من قدرة الطفل في المراحل السابقة, ومع ذلك فإن طفل المدرسة الابتدائية قد يواجه صعوبة مع التجريدات التي تقع خارج نطاق خبرته, أو التي لا يدركها بالتمثيل Representaion "أو التصور الذهني".
وعمومًا نستطيع القول أنه باتساع عالم الطفل عند دخوله المدرسة تتزايد أيضًا ميوله, ومع تنوّع ميوله وألعابه يزداد فهمه للناس والأشياء التي لم يكن لها
следующие страницы →