النمو العقلي المعرفي:
يطلق بياجيه على هذا الطور من النموّ الإنساني اسم طور العمليات العيانية أو المحسوسة Concrete Operations، وفيه تظهر العمليات الاستدلالية التي يمكن أن تتفق مع أسس المنطق, فالتفكير المنطقي -أو ما يسميه بياجيه التفكير الإجرائي Operational- لا يظهر إلّا حين تتوافر للطفل ذخيرة من المفاهيم التي تنتظم فيما بينها في نسقٍ متماسكٍ "أي: على هيئة مبدأ". وهذه الأنساق التي تشكِّل التفكير المنطقي أو الإجرائي تسمى العلميات Operations, والعمليات في هذا الطور توصف بأنها محسوسة أو عيانية Concrete, أي: تكون على اتصالٍ وثيق بأصولها الحسية الحركية, وهي في ذلك تشبه الإدراك بصفة عامة في أنها مقيدة بالزمن, ومحددة بترتيب زمني طبيعي معين, وتتضمن قدرًا ضيئلًا من التجريد Abstraction "ومعناه أن تكون الأفكار منفصلة عن الأشياء والأحداث في العالم الواقعي", وما يعين الطفل على القيام بالعمليات المحسوسة في هذا الطور اكتساب الطفل لمبدئي ثبات الكم والمقلوبية "راجع شرحهما بالتفصيل في الفصل السابق".
وتُفْهَمُ العمليات بطريقة أفضل في إطار الأبنية المنطقية -الرياضية التي تمثل الطبيعة الجوهرية للتفكير, فالمنطق -عند بياجيه- هو مرآة الفكر، ولكنه مثل مرآة سنووايت Snow White, تعكس الحقيقة وليس المظهر. وهذا لا يعني أن سلوك التفكير يمكن اختزاله إلى صيغ المنطق أو معادلات الرياضيات، كما لا يعني أن أحدهما يُعَدُّ نموذجًا للآخر، وإنما يعني أن الأبنية المنطقية الرياضية تُعَدُّ المستوى الأكثر عمومية, وتجريدًا في تحليل عمليات التفكير.
ومن أمثلة عمليات التفكير، الجمع والطرح والضرب والقسمة والمطابقة والتصنيف والترتيب, كما توجد عمليات "دون منطقية" infra-logical تتناول علاقات الموضع والمساقة، وعلاقات الجزء بالكل, وذلك بالنسبة للأشياء الحقيقية؛ لأن العمليات محسوسة كما قلنا.
وقد اهتم بياجيه في هذه المرحلة بأبنية منطقية تظهر فيها العمليات, يسميها "التجمعات groupments", ويوجد منها ٩ أنواع، ثمانية أنواع منها أولية, ونوع واحد فقط يعد ثانويًّا, ومن بين الأنواع الثمانية الأولية تظهر أربعة منها في عمليات أو قواعد يمكن تطبيقها على الفئات "التي تعتمد على التصنيف", وتظهر الأربعة الأخرى في علمياتٍ تطبق على العلاقات "التي تعتمد على الترتيب", وتوحد في كل حالة عمليات ثابتة لا تتغير هي عمليات التركيب والارتباط والذاتية والمقلوبية.
стр. 282
ولعل التغير الجوهري الذي يطرأ على الطفل في هذا الطور أنه يستطيع التفكير باستخدام المعلومات التي يدركها إدراكًا مباشرًا، كما يصبح أكثر مرونةً في استخدام هذه المعلومات, فعلى عكس طور ما قبل العمليات الذي يعتمد فيه الطفل في حَلِّ المشكلات على خاصية واحدة في الشيء المدرك, نجده يصبح الآن قادرًا على أن يحوّلَ انتباهه من خاصيةٍ إدركيةٍ في الشيء الذي يدركه إلى خاصية أخرى، بل قد يتعامل مع عدة خصائص في وقت واحد، ويترتب على ذلك قدرة الطفل على تجميع ملاحظات وعمليات عديدة في مفهوم واحد, متجاوزًا بذلك الحاجة إلى المعالجة الفيزيائية للتحول من حالة لأخرى. إن الطفل في هذه المرحلة يبدأ في الانتباه إلى ما هو مهم, وتجاهل ما هو غير مرتبط أو منبت الصلة, وبالتالي يميز السمات والخصائص الجوهرية لتجميع الشياء تجميعًا منطقيًّا في فئات فيما يسمى تكوين المفاهيم Concep Formition. ويؤدي التحرر من كلٍّ من التمركز حول الذات والمركزية في الإدراك في زيادة المرونة في التفكير، كما تزداد القدرة على بناء فئات فرعية, وكذلك الوصول إلى تصنيفات متعددة منفصلة أو متداخلة أو هرمية. ومن أهم خصائص تفكير الأطفال في هذه المرحلة, ما أشرنا إليه من التحرر من التركيز على خاصية واحدة, أو بُعْدٍ واحدٍ في الشيء أو الحدث, وهذه العملية تسمى اللا تمركز decentration, وتبدأ بالفعل قبل ظهور التفكير باستخدام العمليات المحسوسة, ثم تصبح أكثر عمومية وشيوعًا في الاستخدام مع مشكلات أكثر تعقدًا خلال طور التمييز.
أما الإنجاز العرفي الهام الآخر الذي يظهر في هذا الطور, فيتمثل في قدرة الطفل على قلب أو عكس عمليات تفكيره, ومثال ذلك: أن الطفل يستطيع أن يجري ذهنيًّا عمليات قلب أو عكس مكاني حين يحاول وضع فردة الحذاء اليمنى في القدم الأيمن لشخص آخر بالمقارنة بقدمه, وتسمى هذه العملية "المقلوبية" Reversibiliy"، وتعتمد على عملية أساسية أخرى هي عملية التعدي Transitivity, أو ما يسميه بياجيه: الاستدلال التحويلي Transformational Reasoning, فحالما يستطيع الطفل أن يبدأ تفكيره من نقطة معينة "أ", ويفهم جميع الخطوات التي تؤدي إلى نقطة أخر "ب", فإنه يستطيع أيضًا أن يمتد بهذا المسار إلى نقطة ثالثة "جـ", وهذه العملية تظهر في طفل المرحلة الابتدائية في صورة تعدي لخاصية التساوي من نوع أ=ب، ب=جـ, إذن: أ=جـ, وهي عملية أساسية في التفكير المنطقي.
ونعود إلى خاصية المقلوبية, فحالما يستطيع الطفل القيام بعملية التعدي
стр. 283
يمكنه أن يتابع هذا المسار المعرفي من نقطة إلى أخرى, أو يعكسه, أو يدور حوله, أو يغيره دون أن يفقد خصائصه الأصلية, ومن ذلك مثلًا أن يصنع الطفل طائرة ورقية, ثم يفرد الورقة ليرى خطوط الطي، كما يستطيع استخدام نفس السلم الموسيقي صعودًا وهبوطًا، وقد يفك اللعبة إلى أجزائها, ثم يعيد تركيبها, وتعد هذه أيضًا من العمليات الأساسية في فهم عمليات الجمع والطرح في الحساب.
ولكي نوضح ذلك أكثر, نذكر مثال بياجيه المشهور في تجارب ثبات الكم conservation أو المقدار، فإذا عُرِضَ على الطفل في هذا الطور إناءين متساوين مليئين بالماء, ثم صُبَّ أحدهما في إناءٍ أطول وأضيق, فإنه يحكم على مقدار الماء في هذ الحالة بأنه لم يتغير "على عكس حكمه في الطور السابق بأن المياء يزداد مقداره بعد صبه في الإناء الثاني"؛ لأن الطفل أصبح يستطيع أن يسترجع الخطوات بتتابع صب الماء من الإناء الأصلي إلى الإناء الآخر, كما أن الطفل أصبح أكثر قدرة على اللا تمركز؛ بحيث أصبح إدراكه يشمل كلًّا من طول الإناء وعرضه معًا عند الحكم على مقدار الماء في كلٍّ من الإناءين، ولهذا يحكم عليهما بأنهما متساويان.
وفي الحكم على أن مقدار السائل لم يتغير رغم تغير الأواني, يظهر الطفل ما يسميه بياجيه القدرة على إدراك ثبات الكم أو المقدار, وهكذا يدرك الطفل أن بعض جوانب الأشياء أو المواد لا تتغير, حتى ولو تعرضت لبعض التحولات, وبذلك يظهر الطفل بعض الثبات الإدراكي للعالم الخارجي, ومع اكتساب هذ المهارة يصبح قادرًا على التنبؤ بما يحدث للأشياء المادية التي يحتك بها في حياته اليومية.
وكان بياجيه وإنهلدير "Piaget & lnhelder" يريان أن جميع الأطفال يمرون بنفس المراحل في اكتساب ثبات الحكم لجميع خصائص الأشياء, إلّا أن البحوث التالية كشفت عن أن ثبات الخصائص المختلفة تظهر في أعمار مختلفة, فثبات الأعداد يظهر في حوالي السادسة من العمر, فعند هذه السن يدرك الطفل أن الأعداد متساوية بصرف النظر عن طريقة تنظيمها "في أكوام أو صفوف، إلخ", ويظهر ثبات الكتلة في سن السابعة, وحينئذ يدرك الطفل بأن كتلتين من الصلصال تكونان متساويتين من حيث كمية ما فيهما من الصلصال, بصرف النظر عن الشكل الذي تكون عليه "كرة أو خيط طويل", وفي سن التاسعة يظهر ثبات الوزن حيث يدرك أن كرتي الصلصال متساويتان في الوزن, بصرف النظر عن الشكل الذي يكون عليه كل منهما, أما ثبات الحجم volum
стр. 284
فلا يظهر إلّا في سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة "مطلع المراهقة", ويقاس ثبات الحجم بإدراك الطفل لمقدار السائل المزاح "حجم الماء" نتيجة وضع إسطوانتين معدنيتين فيه على التوالي تكونان متساويتين في السعة, ومختلفتين في الوزن, ويحتاج الأمر أن يكون الطفل أكثر نضجًا لكي يدرك أن المتغير الأساسي في تغيير حجم السائل هو سعة size الشيء الذي يوضع فيه, وليس وزنه، فالأشياء ذات السعة الأكبر تزيح كمية من السائل أكبر من الأشياء الأصغر.
وكان بياجيه يعتقد أن الأطفال من جميع الثقافات يظهرون القدرة على ثبات المقدار لمختلف الخصائص بنفس الترتيب السابق، على الرغم من أن معدَّل اكتسابهم للمفاهيم المختلفة قد يختلف تبعًا لاختلاف الخبرات التي يتعرضون لها "كخبرة دخول المدرسة أو عدم دخولها". ومعنى ذلك عنده: أن ثبات العدد يسبق ثبات الكم، ويسبق هذا ثبات الوزن, ويكون ثبات الحجم هو آخر ما يكتسبه الطفل "Brainred ١٩٧٨", إلّا أن بعض الدراسات التي أجريت على ثقافاتٍ غير غريبة -ومنها مصر- أظهرت أن هذا التتابع ليس بالضرورة صحيحًا "سنية جمال عبد الحميد، ١٩٨٧".
ويوجد مظهر آخر لاختلاف تفكير الطفل في هذا الطور عن تفكير طفل طور ما قبل العمليات, في أن تفكير طور التمييز يتسم بالقدرة على إدراك التحويلات transformations, والتي تؤدي إلى تغيير الشيء من حالة إلى أخرى, ويمكن للطفل أن يكوِّن صورة ذهنية كلية عن سلسلة من الأحداث، كما يستطيع أن يصف هذه السلسلة التي قد تتضمن الماضي والحاضر والمستقبل, دون أن يكون في حاجة إلى أدائها مرة أخرى. وهذا على عكس طفل الطور السابق الذي لا يستطيع مثل هذا الوصف, ويحتاج إلى أداء الأحداث أداءً فعليًّا؛ لأنه متمركز في الحاضر فقط, وإحدى النتائج العملية لهذا الوعي أن الطفل يصبح أكثر قدرة على الاستفادة من قواعد التحكم في سلوكه, وخاصة حين يخبر عن نواتج أخطائه السلوكية نحو ذاته والآخرين. فالطفل في الطور السابق يركز انتباهه على حالة العقاب الراهنة، بينما هو الطوار الحالي أكثر قدرة على ربط العقاب الذي يتعرض له بسلوكه في الماضي والمستقبل.
ومن العمليات المعرفية الهامة التي تظهر في هذا الطور القدرة على التصنيف classification, التي تعتمد على القدرة على تكوين المفهوم وبناء الفئات التي أشرنا إليها, ويشمل ذلك القدرة على تحديد العناصر الراهنة التي تؤلف الفئة, أو ما يسميه بياجيه: مفهوم النطاق الداخلي للفئة class intension, والقدرة على
стр. 285
إعداد قائمة بالعناصر الجديدة التي يمكن أن تتضمنها الفئة, أو ما يسميه بياجيه: النطاق الخارجي للفئة class extension, وخلال سنوات المدرسة تزداد مهارات الطفل في التجمع وربط هذه التجمعات بعضها إلى بعض؛ ففي سن السابعة يستطيع الجمع باستخدام فئة العدد "٥" أو"١٠" ومضاعفاتها، وفي سن الثامنة يستطيع استخدام فئة العدد "٢" ومضاعفاته, وإحدى الهوايات الشائعة لدى أطفال هذا الطور "من ٧-١٢ سنة" جمع الأشياء "طوابع البريد، الملصقات، العينات، إلخ", ثم تصنيفها تبعًا لأبعاد مختلفة عديدة: اللون، الحجم، المحتوى، النوع، إلخ.
وتوجد عملية معرفية هامة أخرى تظهر في هذا الطور, وهي عملية التسلسل seriation, ويُقْصَدُ بها: القدرة على ترتيب الأشياء تبعًا لمتصل كمي, فإذا عرضت على الطفل مجموعة من العصي ذات الأطوال المختلفة, فإنه يستطيع ترتيبها من الأقصر إلى الأطول أو العكس "piaget lnheldr ١٩٥٩". ولعلنا نذكر أن طفل الطور السابق "قبل العمليات" يستخدم في مثل هذه الحالة المقارنات العشوائية بين أزواج الأشياء بدلًا من المقارنة المنظمة المنسقة التي تبدو في طور العمليات العيانية.
وهكذا فإن قدرة الطفل في طور التمييز على التفكير تكون أكبر من قدرة الطفل الأصغر سنًّا, إنه يستطيع التعامل مع عدة متغيرات في وقت واحد, ويتضح هذا على سبيل المثال من التعامل مع عدة متغيرات في وقت واحد, ويتضح هذا على سبيل المثال من التعامل مع الزمان والمكان معًا "كما هو الحال في الجغرافيا والتاريخ" أو مع السرعة والمسافة "كما هو الحال في الرياضيات"، إلّا أن ما يجب أن نؤكده أن قدرة الطفل في هذه المرحلة على التعامل مع عدة متغيرات في وقت واحد تكون في بدايتها, ولا تعني نهاية هذه المرحلة وصول هذه الخاصية إلى اكتمال النضج المعرفي, وعلى هذا, فعلى الرغم من أن طفل المدرسة الابتدائية يظهر قدرًا من الموضوعية، إلّا أنه توجد فروق بين الأطفال في بداية هذه المرحلة ونهايتها، وهي فروق تؤثر في قدرة الطفل على التفكير, ومن ذلك مثلًا: أن قدرة طفل هذه المرحلة على فهم الأفكار والمفاهيم أكبر بوضوح من قدرة الطفل في المراحل السابقة, ومع ذلك فإن طفل المدرسة الابتدائية قد يواجه صعوبة مع التجريدات التي تقع خارج نطاق خبرته, أو التي لا يدركها بالتمثيل Representaion "أو التصور الذهني".
وعمومًا نستطيع القول أنه باتساع عالم الطفل عند دخوله المدرسة تتزايد أيضًا ميوله, ومع تنوّع ميوله وألعابه يزداد فهمه للناس والأشياء التي لم يكن لها
стр. 286
معنى في المراحل السابقة, ولا يزيد فهمه للبيئة عن طريق التعليم الرسمي الذي يتلقاه في المدرسة فحسب, ولكنه يزيد أيضًا من وسائل الإعلام, وخاصة السينما والراديو والتليفزيون والفيديو, ومن تبادل الأفكار مع أقرانه، ومن قدرته على القراءة, وبالنمو السريع في تكوين مفاهيم جديدة في هذا العمر مع عدم وجود وفرة كافية من المعلومات تقوم بدور المراجعة النقدية على تكوين هذه المفاهيم, تكثر لدى الطفل الأخطاء؛ فكثيرًا ما يخطئ في تقدير الزمن، كما قد يكوّنُ مفهومًا خاطئًا عن الذات إذا قلَّلَتْ الجماعة من قدراته, أو بالغت في تقديرها, وقد يمارس حاسة الفكاهة بشكل فج، وقد يحكم على الشخصية الكلية للآخر في ضوء سمة أو سمتين فقط, وليس في ضوء نمط الشخصية ككل, وبمرور الوقت, وبزيادة الخبرة, يصبح الطفل أكثر نقدًا في تقديراته, ويصاحب ذلك نقصان تدريجي في أخطاء الإدراك.
ومن خبرات الطفل المباشرة يكتشف معنى المكان، وباستخدام المقاييس المختلفة "الأوزان والأطوال" يتعلم معنى الوزن بالجرام والكيلو جرام, والقياس بالسنتيمتر والمتر والكيلو متر, ويساعده العمل المدرسي في الحساب على تكوين أفكار أوضح عن المكان والمسافة, مما لو ترك وحده لخبراته الشخصية. كما أن الأعداد تأخذ معانٍ جديدة عندما يبدأ في استخدام النقود, وحين يبدأ في حلِّ مسائل الحساب, ودراسة التاريخ والجغرافيا, مع التأكيد على عادات وتقاليد وطرق حياة الناس في البلدان الأخرى, وفي عصور مختلفة من التاريخ تزيد من معنى مفهوم الزمن, حتى الجدول المدرسي واليوم المدرسي, وما يصاحب ذلك كالجرس والحصص على فترات منتظمة, تساعد الطفل على تقدير الزمن بدقة أفضل مما كان يفعل في المراحل السابقة.
ومن الخبرات الواسعة في المدرسة يمكن لطفل مرحلة الطفولة المتأخرة أن يكوّن مفاهيم واقعية عن الأشياء الصحيحة, فلم يعد مستساغًا أن يعزو صفات الحياة إلى جميع الأشياء غير الحية, كما كان يفعل من قبل. وبعض الأطفال في هذا السن يواجهون صعوبة التمييز بين ما هو حي, وما فيه صفات حية؛ مثل القمر والنهر. كما أنه يصبح واقعيًّا حول مفهوم الموت ويدرك معناه, إلّا أنه لا يهتم كثيرًا بما بعد الموت, ويعود هذا إلى عدم اهتمامه عمومًا في هذا السن بالدين كموضوع شخصي, ويزداد مفهوم الذات وضوحًا عندما يرى الطفل نفسه في عيون المعلمين والأقران, وليس في عيون الوالدين فقط, ويستفيد أيضًا في توضيح مفهومه عن ذاته بالمقارنة بين قدراته الآخرين من زملائه, ويصبح واعيًا بالفروق الجنسية, والأدوار الجنسية التي هي بطبيعتها جزء من مفهوم الذات.
стр. 287
النمو الاجتماعي:
يحدث في هذه المرحلة نموّ اجتماعي سريع؛ حيث ينتقل الطفل بسرعة من كائنٍ متمركزٍ حول ذاته أناني, تتميز تصرفاته الاجتماعية بالصراع الدائم, إلى كائنٍ متعاونٍ وعضوٍ متوافقٍ في جماعة اجتماعية تتكون مع أقرانه, وإذا أردنا أن تتضح لنا معالم النمو الاجتماعي في هذه المرحلة نجري مقارنة سريعة بينها وبين المرحلة السابقة, وخاصة فيما يتعلق بنمو الحاجة للارتباط بالآخرين.
إن المشاعر الجماعية لدى أطفال سن ما قبل المدرسة "الطفولة المبكرة" ليست قوية, ولذلك فإنهم لا يبذلون جهدًا للامتثال للمعايير التي يضعها الكبار لهم, والأطفال في هذا السن لا يكونون شبكة وثيقة من العلاقات تؤلف جماعات يمكن تناولها بالبحث, وحينما يوجدون معًا يكونون أقرب إلى "تجمعات من الأفراد" أكثر من كونهم "جماعات حقيقية", ومن المعروف أن العلاقات التي يكوّنها الشخص مع الآخرين تستخدم كؤشر مبدئي على مستوى النضج الانفعالي والاجتماعي الذي يصل إليه. وفي هذا الصدد نجد أن اتجاهات الرضيع أو الطفل الصغير تكون -كما أشرنا في الفصلين السابقين- متمركزة حول الذات، واهتمامه بالآخرين يقتصر على آثار اتجاهاتهم وسلوكهم في شعوره بالراحة، وعلاقته بوالديه هي علاقة شخص صغير يطلب الانتباه والحب والرعاية والحماية, وهو في الأساس يأخذ أكثر مما يعطي, وحينما يلعب مع الأطفال الآخرين يظهر تمركزه حول الذات في قاعدة "كل ما عندهم هو لي, وكل ما لي هو لي أيضًا". وبالطبع يحاول أبواه وإخوته ورفاق اللعب الأكبر والأكثر نضجًا أن يساعدوه على أن يتعلم المشاركة والقيام بدور محدد، إلّا أنه قد يتعلم هذا السلوك الذي يدل على التطبيع الاجتماعي؛ كنوع من المساومة تجنبًا للقلق الذي يعانيه حينما يعارض الوالدان سلوكه المتمركز حول الذات, وربما تعمل هذه العوامل جميعًا وغيرها في وقت واحد, ومهما كان السبب, فإن الطفل حينما يصل إلى نهاية سنوات ما قبل المدرسة "أي: في حوالي سن السادسة" يصبح أكثر اهتمامًا بحقوق ومشاعر ورفاهية الوالدين ورفاق اللعب، إلّا أن ذلك يكون في حده الأدنى؛ لأن الطفل لا يزال في موقف المتلقي أكثر من موقف المعطي, ومع ذلك فإن هذا التغير يمثل اتساعًا لمدى حياته العاطفية والاجتماعية.
أما عن علاقات الطفل بالآخرين في مرحلة الطفولة المتأخرة, فلا شك في أن المدرسة هي أهم وسيط للتطبيع الاجتماعي في هذه المرحلة؛ فالمعلمون يشجعون عن وعيٍ وقصدٍ أنواعًا كثيرة من السلوك الجماعي من خلال أمور مثل اللعب
стр. 288
الجماعي والدراسة الجماعية والنشاط الجماعي وغيرها, وتحقيق هذا الهدف يتطلب في الطفل كثيرًا من المهارات والنضج, لذلك فإن الأطفال يتقدمون في ذلك بدرجات بطيئة؛ فخلال الصفوف الأولى من المدرسة الابتدائية نجد أن أفضل تنظيم اجتماعي هو علاقة زميل اللعب, والتي قد تتكوّن بشكلٍّ فجٍّ في مرحلة مبكرة خلال مرحلة الحضانة "الطفولة المبكرة".
وهذه الظاهرة من ظواهر النمو الاجتماعي "أي: علاقة زميل اللعب" تظهر بوضوحٍ في مرحلة الطفولة المتأخرة, عندما يريد الطفل أن يشاركه في خبراته شخص آخر يمكنه أن يتواصل معه بسهولة وسرعة, فلم يصبح قانعًا أن يقضي كثيرًا من الوقت يلعب وحده, أو يراقب الأطفال أثناء اللعب, كما أنه لا يريد أن يقضي وقتًا أطول مع الكبار، وخاصةً إذا علمنا أن مرحلة الطفولة المتأخرة هي فترة استكشاف الأشياء والأشخاص والأحداث الموجودة في العالم خارج المنزل، وهنا تظهرحاجته إلى زميل اللعب.
تكوين جماعات الأطفال: مع تركيز المدرسة الابتدائية على السلوك الاجتماعي ينمو طفل هذه المرحلة نموًّا سريعًا من الوجهة الاجتماعية، ويتحول بسرعة من فردٍ أنانيٍّ متمركزٍ حول الذات, تتسم علاقاته الاجتماعية بالصراع والعراك المستمر, إلى عضوٍ متعاونٍ جيد التوافق مع جماعة اجتماعية تتألف من الأقران في نفس السن.
ويحدث في هذه المرحلة أيضًا تغير في أنماط السلوك؛ حيث يحل السلوك الأكثر نضجًا محل السلوك غير الناضج في المرحلة السابقة؛ فالخلفة "أو المعارضة المستمرة" تتناقص حدتها مع بلوغ الطفل سن السادسة، رغم أن الأطفال الذكور يصلون إلى قمة أخرى للمخالفة عند بلوغ سن العاشرة أو الحادية عشرة؛ حيث يتمردون على سلطة الكبار؛ كطريقة لتأكيد دورهم الجنسي, وهكذا يصبح طفل المدرسة الابتدائية غير قانع باللعب منفردًا، أو العمل مع أفرد أسرته وحدهم, بل إن وجود زميل واحد للعب، بل وزميلين لم يعد كافيًا. إنه يحب أن يكون وسط "شلة" من الأطفال، يؤلفون جماعة من عدد كافٍ من الأفراد, يمكنها أن تمارس الألعاب المناسبة لهذ السن, وطوال الفترة التي تمتد من دخول المدرسة الابتدائية, وحتى البلوغ الجنسي, تتزايد تدريجيًّا لدى الطفل الرغبة في الانتماء إلى جماعةٍ, والحصول على تقبلها الاجتماعي له, ويصدق هذا على كلٍّ من البنين والبنات. ومن مؤشرات هذه الرغبة المتزايدة زيادة الوقت الذي يقضيه الطفل خارج المنزل مع نموه المتزايد.
стр. 289
وشِلَلُ الأطفال في هذه المرحلة هي جماعات لعب, وتختلف عن شِلَلِ وعصابات المراهقين التي سنتناولها بالتفصيل فيما بعد، في أنها لا تتجاوز حدود اللهو "البريء", صحيحٌ أن الأطفال وهم يمارسون هذا "اللهو" البريء قد يقعون في بعض الأخطاء, إلّا أنها تكون في العادة "غير مقصودة", على عكس "أخطاء المراهقين" التي تكون في الأغلب مقصودة, وتتألف شِلَلُ الأطفال في هذه المرحلة من أفرادٍ من نفس الجنس لا يتجاوز عددهم في البداية "في الفترة من ٥-٨سنوات" ثلاثة أو أربعة أطفال, فمن الصعب على الطفل في هذه الفترة أن يركِّزَ على علاقات الجماعات الكبيرة طويلًا، ويشعر بالراحة أكثر إذا عمل ولعب في جماعات صغيرة, وحين يلعب أطفال هذه الجماعات الصغيرة معًا وحاول طفلٌ آخر أن ينضم إليهم, فإن الجماعة الأصلية تعترض على ذلك, إلّا أن هذا الطفل سرعان ما يؤلِّفُ مع طفلين أو ثلاثة آخرين جماعة أخرى, وهذه مرحلة طبيعية وعادية في النمو الاجتماعي, ومن العبث أن يفرض الوالد أو المعلم على جماعات الأطفال طفلًا آخر لينضمَّ إليها, وبعض هذه الجماعات يكون على درجة لا بأس بها من الاستقرار, فقد تستمر لأشهر أو سنوات، وبعضها الآخر وقتيّ, ويختلف ذلك تبعًا لتوافر الزملاء واهتمامهم, إلّا أنه مع زيادة الاهتمام بالألعاب الرياضية يتسع نطاق "الشلة"؛ بحيث يصبح عددها كافيًا لتشكيل فريق, ومن الملاحظ بصفة عامة أن جماعات الذكور تكون أكبر عددًا من جماعات الإناث, ويتأثر حجم الجماعة في كل حالة بالعدد المتاح من الأطفال, والأنشطة التي يرغب أعضاء الجماعة في ممارستها.
ومعظم شِلَلِ الذكور تقوم في بعض الأحيان بأنشطة ليست مرغوبة من الكبار، بينما يقل حدوث ذلك في شِلَلِ الإناث, وبالطبع تختلف أنشطة شِلَلِ الأطفال من الجنسين من ثقافةٍ لأخرى، ومن ثقافةٍ فرعيةٍ لأخرى داخل المجتمع الواحد, كما تختلف تبعًا للمستوى الاقتصادي والاجتماعي, ومع ذلك يوجد قدر من التشابه بين هذه الجماعات، فشِلَلُ الأولاد تنشغل عادةً بالأنشطة الرياضية العنيفة "مثل كرة القدم", بينما تنشغل شِلَلُ البنات بالأنشطة الرياضية الأقل عنفًا "مثل التنس", وبينما قد تمارس جماعات الذكور هواية "إزعاج الآخرين", تقتصر أنشطة جماعات الإناث على مجرد الجلوس معًا والتحدث بعضهن إلى بعض.
وعادةً ما يكون لشِلَّةِ الأطفال مكان محدد للالتقاء, ويكون هذا المكان عند الذكور بعيدًا كلما أمكن عن رقابة الوالدين وتدخلهم، بينما يكون عند الإناث بيت إحداهن تتوافر فيه المساحة والحرية التي تسمح لهن بالنشاط.
стр. 290
ولجماعات الأطفال أثر كبير في أفرادها؛ فالطفل يساير المعاير التي تحددها هذه الجماعة إلى درجة أننا نجد الأطفال من شِلَّةٍ معينةٍ يتشابهون في المظهر والآراء وأنماط السلوك, وكل طفل يحاول الالتزام بهذه المعايير خوفًا من رفض الجماعة له، وحين تتعارض معايير الوالدين مع معايير الجماعة, فإن الطفل يساير معايير جماعته.
ومن خلال علاقات الطفل مع أعضاء شِلَّتِِهِ يتعلم التنافس والتعاون مع الآخرين كعضوٍ في فريق، ويتحمَّل المسئوليات التي تًوَكَّلُ إليه، ويشارك الآخرين مشاعرهم حين تُسَاءُ معاملتهم, أو يُنْبَذُونَ, أو يُهْمَلُونَ، وتغلب عليه تدريجيًّا الروح الرياضية, سواء في الفشل أو النجاح, وفي هذا كله تدريب على التطبيع الاجتماعي لا يوفره للطفل إلّا وجوده وسط جماعاتٍٍ اجتماعية من أقرانه. وآثار هذا التدريب لها قيمتها في حياة الطفل اللاحقة, حتى ولو كان ذلك على حساب بعض الاضطراب الذي يحدث في علاقة الطفل بوالديه.
الصداقة في مرحلة الطفولة المتأخرة: يُفَضِّلُ الأطفال في هذه المرحلة رفقة الأقران من نفس الجنس, ويصل العداء للجنس الآخر إلى قمته قبيل البلوغ, وتكون اتجاهات الأولاد نحو البنات أكثر موضوعية وحيادًا من اتجاهات البنات نحو الأولاد, وترجع غلبة الطابع الانفعالي على اتجاهات البنات نحو الجنس الآخر إلى شعورهن بالضيق نتيجةً لمقدار الحرية الأكبر الذي يسمح به للذكور دون الإناث, بالإضافة إلى أن النضج الجنسي المبكر للبنات "سن البلوغ عند البنات يسبق هذا السن عن الأولاد" يجعلهن يشعرن بأنهن أكثر نضجًا من الناحية الاجتماعية بمقارنتهن بالأولاد من نفس السن.
وتوجد عوامل كثيرة تحدد اختيار الطفل في هذه المرحلة لأصدقائه, وكقاعدة عامة لُوحِظَ أن الطفل يختار أولئك الذين يدركهم على أنهم يشبهونه, وبسبب حدود المساحة التي يتاح للطفل فيها اختيار أصدقاءه, فإن اختياراته عادةً لا تتجاوز نطاق جيران المنزل أو المدرسة "زملاء مقعد الدراسة أو الفصل", ومن العوامل التي تحدد اختيار الأصدقاء في هذه المرحلة سمات الشخصية, وتحصل سمات المرح والألفة والتعاون والأمانة والكرم والروح الرياضية على أعلى التقديرات عند الأطفال في اختيار أصدقائهم.
وحالما يكوّن الأطفال في هذه المرحلة مجموعة من الأصدقاء يبدأون في معاملة الأخرين بقسوة؛ لأنهم ليسوا أصدقاء, ومعظم معايير الشِّلَّةِ التي يتمُّ الاتفاق عليها, تهدف إلى عدم السماح للآخرين الذين لا يعدون من الأصدقاء بالانتساب
стр. 291
إليها, ويصل هذا التحيز لجماعة الشِّلَّةِ إلى قمته في حوالي سن الحادية عشرة, وعادةً ما يجد أيّ طفل جديد في الحي أو المدرسة صعوبة بالغة في الحصول على تَقَبُّلِ شِلَّةٍ أو تكوين صداقات, وعليه أن يبادر بتكوين علاقاتٍ إذا كان يرغب في الحصول على أصدقاء، ويتمُّ ذلك على مراحل متتابعة: محاولة الكلام أو اللعب مع إحدى هذه الجماعات الموجودة بالفعل، ثم مراقبتهم وهم يلعبون, ومحاولة تقليدهم ومحاكاتهم، ثم محاولة جذب انتباههم إليه, وفي البداية تتجاهله الجماعة أو تهمله، وعليه أن يحاول عدة مرات، فإذا نجح في جذب انتباه أحد أعضاء هذه الجماعة يستطيع من خلال هذه العلاقة الثنائية أن يخترق الجماعة، وقد ينجح في أن يكون له مكان في الشِّلَّةِ.
وعلى الرغم من هذا, فإن الشِّلَّةَ تكون عبارة عن وحدة اجتماعية، يحكمها قدر من السرية يمنع الآخرين من الانضمام إليها بسرعة وسهولة, ومع ذلك يُوجَدُ مقدارٌ كبيرٌ من الصراع والعراك بين أعضائها, وقد يتخاصمون, وبعض هذه الخصومات ينتهي بسرعة وتعود الصداقة إلى مجاريها، وبعضها الآخر ينتهي بالقطيعة, ومعنى ذلك أن من النادر أن تكون صداقات الأطفال استاتيكية؛ فالطفل يتحوَّل في نظر زميله في الشِّلَّةِ من "أفضل الأصدقاء" إلى "عدو"، ومن "أحد الزملاء" إلى "أخلص الأصدقاء", يحدث هذا بسرعة ولأتفه الأسباب, ومع تَقَدُّمِ الطفل في السن تصبح صداقاته أكثر استقرارًا.
القيادة عند طفل المدرسة الابتدائية: قائد شِلَّةِ الأطفال في هذه المرحلة يجب أن تتوافر فيه الخصائص الطيبة التي تحبذها الجماعة, ومن المهم أن نشير هنا إلى أن الأولاد والبنات في هذه المرحلة يتسمون ببداية نموّ الاتجاه نحو "تقدير البطل"، والذي سيبلغ ذروته في مرحلة المراهقة, ويظهرون هذا الاتجاه نحو أيّ شخص تتوافر فيه الصفات التي يعجبون بها, والطفل الذي يحظى باحترام الشِّلَّةِ, وتتأكد شعبيته بينهم, هو ذلك الذي يكون متميزًا في هذه الصفات عن باقي الأعضاء, ويذكر الأطفال من هذه الصفات خاصةً الذكاء والكياسة والثقة بالنفس والاتزان الانفعالي والقدرة على النشاط البدني والوعي برغبات الآخرين والاهتمام بها والجدارة بالثقة فيه "Hurlock ١٩٨٠".
وقد يكون الأكثر أهميةً أن يُظْهِرَ القائدُ تميزه وتفوقه بالفعل؛ فالطفل الهادئ المنطوي قد يتجاهله أعضاء الجماعة مهما كان ممتازًا في صفاته, وفي جميع القادة -من الأطفال وغيرهم- لُوحِظَ أن الانبساط هو السمة الغالبة, وبالطبع كلما زاد حجم الجماعة تَطَلَّبَ ذلك في القائد أن تكون مهاراته القيادية أكبر, كما أن الطفل الذي كانت له خبرة سابقة بالقيادة في مرحلة العمر السابقة "الطفولة المبكرة" تتوافر له فرصة أكبر ليكون قائد جماعة في المدرسة الابتدائية.
ومن خصائص القيادة أن تتوافر في صاحبها بين أعضاء جماعته, وقد لُوحِظَ بصفة عامة أن الطفل الأكثر شعبية تتوافر فيه من السمات الإيجابية, ما يجعله على درجة كبيرة من التوافق الشخصي والاجتماعي.
стр. 292
اللعب في مرحلة الطفولة المتأخرة:
على الرغم من أن الطفل في مرحلة الطفولة المتأخرة لا يتوافر له وقت اللعب الكبير الذي كان متاحًا في المرحلة السابقة بسبب انشغاله بالأعمال المدرسية, إلّا أنَّ اللعب يظل له أهمية في جميع الأنشطة التي يقوم بها الطفل في هذه المرحلة؛ فخصوبة اللعب واتساع نطاقه يصل إلى قمته خلال هذه السنوات, وخاصة مع سعي الطفل المستمر لاستطلاع واستكشاف مجالات وصور جديدة للعب.
وبالطبع, فإن صورة طفل "المدرسة الابتدائية" على أنه أكثر جدية وأكثر انشغالًا بالعمل, هي التي تدفع البعض إلى اعتبار اللعب في هذه المرحلة غير مفيد، بل ومضيَّعًا للوقت, إلّا أن هذا غير صحيح في ضوء النظريات والتفسيرات العديدة التي حاولت فهم قيم ووظائف اللعب في هذه المرحلة, وتشمل هذه النظريات "Bigner ١٩٨٣" مفهوم اللعب كمتنَفَّسٍ مشروعٍ للطاقة الزائدة عند الطفل "هربرت سبنسر"، وكوسيلة للتعبير عن الانفعالات العميقة من خلال أنشطة مقبولة "سيجموند فرويد", وكخبرة يشعر فيها الطفل بالنمو الاجتماعي "ستانلي هول"، وكوظيفة للاستمتاع والسرور والسعادة "تشارلوت بوهلر", وكإعداد لأدوار الطفل في المستقبل، وخاصة دور الراشد "جروس"، وكعملية تعلُّمٍ تسمح للطفل بتنمية مهارات التفكير "جان بياجيه", ويضيف آخرون إلى هذه الوظائف تنمية الابتكارية وتشجيعها، والتدريب على العلاقات الاجتماعية بين الأشخاص, وغيرها من المهارات الاجتماعية، وبلورة سمات الشخصية ومفهوم الذات, واللعب أيضًا هو وسيلةٌ لخفض التوتر وتنمية الجسم الإنساني, ويزوّد موقف اللعب الأطفال بمعملٍ يمكنهم فيه اختبار قدراتهم في تفاعلها مع البيئة.
وتُظْهِرُ أنشطةُ اللعب في هذه المرحلة التتابعَ الذي بدأ في مرحلة الطفولة المبكرة؛ فأنشطة اللعب الجماعية تتوازى مع التوجه المتزايد لدى الطفل نحو الأقران, وقدرته على التفاعل الفعَّال معهم في موقف جماعيّ, وتظهر قدرة الأطفال على اللعب في جماعات بين سن ٥، ٨سنوات، ويساير تطور جماعات
стр. 293
اللعب الخطوات التي تناولناها في وصف النموّ الاجتماعي.
ويذكر بعض الباحثين "Bigner ١٩٨٣" أن نمو اللعب يمر بالمراحل الأربعة الآتية:
أ- الأنشطة البسيطة الحسية الحركية التكرارية.
ب- اللعب الإنشائي أو الاستخدام الابتكاري للمواد.
جـ- اللعب الرمزي والدرامي.
د- الألعاب ذات القواعد.
ويقل في هذه المرحلة النوع الأول من اللعب، ويظهر اللعب الإنشائي والذي يتمثَّلُ في صنع الأشياء كهدف في ذاته دون التفكير في استخدامها الفعلي، ويشيع بين الذكور التركيب باستخدام العدد والآلات، أما البنات فيفضِّلْنَ أنشطة تركيبية أكثر دقة مثل الخياطة, ويتناقص الاهتمام في هذه المرحلة تدريجيًّا بالرسم والتشكيل بالصلصال, ويزيد الاهتمام بالموسيقى والغناء, وتشيع هوايات الجمع "طوابع البريد، العينات، إلخ". أما بالنسبة للألعاب ذات القواعد, فمن المعتاد أن يزداد اهتمام الطفل بها بعد دخوله المدرسة تخلصًا من أنماط اللعب غير المميزة التي تسود في مرحلة الطفولة المبكرة, وحينما يصل إلى سن العاشرة أو الحادية عشرة تكون ألعابه من النوع التنافسيّ، ويتركز اهتمامه على المهارة والتفوق, وليس محض المتعة والسرور.
وفي الأوقات التي لا يستطيع فيها الطفل أن يكون مع أصدقائه يقضي وقت فراغه من العمل المدرسي ومن المسئوليات المنزلية في ممارسة بعض الهوايات، وبالطبع ليس منها اللعب المنفرد, فقد يقرأ "بعد تعلم القراءة في المدرسة", أو يستمع إلى الراديو، أو يشاهد التليفزيون والفيديو، أو يذهب إلى السينما، أو يقضي وقته في أحلام اليقظة.
وما يهمنا أن نشير إليه هنا هو نموّ هواية القراءة عند الطفل, لقد أُجْرِيَتْ دراساتٌ حول ما يفضله أطفال نهاية المرحلة الابتدائية من قصص، ومنها يتَّضِحُ أن الأطفال الأعضاء في جماعات الأقران "أي: أعضاء في جماعات زملاء لعب, وأصدقاء من نفس العمر" كانوا أقلَّ اهتمامًا بقصص الحيوان, وهذه النتيجة لها أهمية خاصة حينما نتذكر أن تفضيل قصص الحيوان وصوره هو خاصية من خصائص سلوك الأطفال الصغار, وبعبارة أخرى: يمكن أن نعتبره مؤشرًا للنضج السيكولوجي, ومعنى ذلك أن الأطفال الذين كانت لديهم القدرة على الاستقلال بأنفسهم في جماعاتٍ خارج الأسرة, يميلون إلى أن يكونوا أكثر نضجًا من أولئك الذين ليست لديهم القدرة على تكوين هذه العلاقات, كما تأكَّدَ أيضًا أن الفروق كانت أوضح عند البنات منها عند الذكور, وأن عدد البنات في هذا السن اللاتي فضَّلْنَ قصص الحيوان كُنَّ أقل من البنين, وهذا يعني أن البنات عند نهاية المرحلة الابتدائية يَكُنَّ أكثر نضجًا من الذكور من نفس العمر.
стр. 294
النمو الانفعالي والوجداني:
يكتشف طفل مرحلة الطفولة المتأخرة أن التعبير العنيف عن الانفعالات, وخاصة الانفعالات غير السارة, سلوك غير مُحَبَّذٍ اجتماعيًّا لدى أقرانه؛ فهم يعتبرون الانفعالات الحادة سلوكًا "طفوليًّا", واستجابة الانسحاب عند الخوف نوعًا من الجبن, وعلى ذلك يكون لدى الطفل دوافع قوية ليتعلَّم التحكم في التعبيرات الصريحة عن الانفعالات, إلّا أن مثل هذه الدوافع لا يكون عادةً قويًّا داخل المنزل, ولهذا كثيرًا ما نجد الطفل يعبر عن انفعالاته في البيت بقوةٍ كما كان يفعل في مراحل نموه السابقة, وعادةً ما تكون التعبيرات الانفعالية في هذه المرحلة من النوع السارِّ؛ كالضحك والقهقهة والجري والقفز والارتماء على الأرض, ورغم أن هذه التعبيرات الانفعالية "ليست ناضجة" بمعايير الكبار، فإنها تدل على أن الطفل سعيد ومتوافق, إلّا أن انفعالات الطفل في هذه المرحلة ليست كلها من هذا النوع، فقد تحدث حالات تقلب المزاج، وقد يعاني الطفل من القلق أو الإحباط, وعادةً ما تلجأ البنات إلى البكاء، أما الأولاد فََيَقِلُّ في هذا السن لجوؤهم إلى البكاء, ويظهرون بدلًا منه العبوس وتقطيب الجبين, والطفل الذي يشعر بأن لا مكان له في المدرسة -إما لأنه شديد التفوق أو شديد التخلف- والذي تكون بيئته الأسرية مقيدة لنشاطه, والذي يتوقع منه الآباء أكثر مما يستطيع، أو الذي تكون مستويات طموحه غير واقعية -وبالتالي يفشل- قد يعاني من الانفعالات غير السارة, وقد يؤدي إلى توافق سيئ في المنزل والمدرسة.
والانفعالات الشائعة في هذ السن هي نفسها التي نجدها في مرحلة الطفولة المبكرة, إلّا أنها تختلف عنها في ناحيتين هما: طبيعة الموقف الذي يستثير الانفعالات, وصور التعبير عن هذه الانفعالات, وهذه التغيرات ناتجة عن اتساع خبرات الطفل, وتعلمه أكثر من أن تكون ناتجة عن زيادة النضج الفسيولوجي, فزيادة ذكاء الطفل واتساع خبراته يؤديان به إلى أن يفسِّرَ المواقف تفسيرات مختلفة عما كان يحدث في المرحلة السابقة، وبالتالي يستجيب لها استجابات مختلفة ناتجة عن اتصاله بأشخاص أكثر خارج نطاق الأسرة، مما يساعد على
стр. 295
اكتشاف كيف يشعر الناس المختلفون إزاء التعبيرات الانفعالية المختلفة, وسعيًا للحصول على التَّقَبُّلِ الاجتماعي يحاول أن يتعلَّم مسايرة هذه الأنماط الاجتماعية المقبولة للتعبير الانفعالي.
وأشهر الانفعالات في هذه المرحلة هي الخوف والغضب والغيرة والاستطلاع والسرور.
وبالنسبة لانفعال الخوف نلاحظ أنه في الوقت الذي تتناقض فيه المخاوف المستثارة من الأشياء المحسوسة, تزداد المخاوف من الأشياء المتخيلة ومن ذلك الظلام وما يرتبط به "كالجن والعفاريت"، والموت وما يرتبط به, وتظهر أنواع جديدة من المخاوف مثل: الخوف من أن يوصف الطفل بأنه "مختلف" عن أقرانه, فيتعرض للسخرية منهم, والخوف من الفشل في المهامِّ التي يقوم بها, وحتى لا تبدو عليه أعراض الخوف أمام أقرانه فيسخرون منه, يحاول الطفل في هذه المرحلة أن يتجنب قدر الإمكان أن "يُضْبَطَ متلبسًا بحالة الخوف".
وعلى الرغم من أن الخوف انفعالٌ طبيعيٌّ عند الإنسان, إلّا أنه قد يتحول إلى خوفٍ مرضيٍّ أو رهاب "فوبيا" إذا زاد عن حدِّه, أو كان غير واقعيٍّ, أو غير مسيطر عليه؛ بحيث يستدعيه أو يستثيره موضوع أو موقف بذاته. وقد أُجْرِيَتْ دراسةٌ حديثةٌ قامت بها مها فؤاد أبو حطب "M Abou Hatab ١٩٩٥" للحصول على الماجستير في الطب النفسي للأطفال Child Psychiatry لتحديد المخاوف المرضية الشائعة لدى أطفال المدرسة من سن ٨-١٤ سنة من الجنسين, ومن المستويات الاقتصادية الاجتماعية المختلفة, وكانت عينة الدراسة مؤلفة من ٤٦٠ طفلًا في المدى العمرية المشار إليه، من الجنسين "٢٠٦ من الذكور، ٢٥٤ من الإناث" من تلاميذ المدارس الابتدائية والإعدادية بمحافظة القاهرة, وكشفت الدراسة عن أن الأطفال من مختلف الأعمار يظهرون مخاوف مرضية من أشياء كثيرة؛ منها الظلام والأحلام المفزعة والكوابيس والموت والعقاب والامتحان والمدرسة, وعلى الرغم من وجود اختلافات بين الجنسين وبين المستويات الاقتصادية والاجتماعية في نوعية المخاوف, إلّا أن الجميع اتفقوا على الخوف من المدرسة والخوف من الامتحان, وهذه نتيجةٌ تستحق أن يضعها المربون في مصر موضع الاعتبار, حتى لا تصبح المدرسة مصدرًا للاضطراب النفسي للأطفال.
وتظهر بوادر القلق في هذه المرحلة, وأهم مصادر القلق المشكلات المدرسية, والمشكلات المرتبطة بالتوافق الشخصي والاجتماعي والمشكلات الصحية, ويتغلب قلق المدرسة على غيره من مصادر القلق، وأشهر أنواعه قلق الاختبارات، والقلق
стр. 296
من التأخير عن المدرسة، والقلق من التخلف الدارسي, وبصفة عامة, فإن الأشياء التي تسبب للطفل القلق هي تلك التي لها أهميتها عند الوالدين أو عند جماعة الأقران, ويعتمد ذلك على النظام القيمي لدى كلٍّ منهما, ويزداد القلق العام لدى الطفل الأقل تقبلًا من أقرانه, وبصفة عامة يمكن القول أن القلق لدى البنات أكثر حدوثًا من البنين, ويزداد القلق مع نموِّ الطفل وزيادة الضغط عليه.
أما بالنسبة للغضب: فإنه أكثر حدوثًا في هذه المرحلة من المرحلة السابقة؛ لأن طفل المدرسة الابتدائية لديه رغبةٌ أقوى في الاستقلال, وهذه الرغبة كثيرًا ما تتعرض للإحباط, ويشعر طفل هذه المرحلة بالغضب أيضًا حين يقاطع أثناء اندماجه في أداء أحد الأنشطة، أو حين يتعرض للنقد، أو حين تُجْرَى مقارنة غير عادلة بينه وبين غيره من الأطفال, كما يشعر بالغضب حين يُعَاقَبُ أو يُلَامُ على عملٍ يفعله، وحين يرى شخصًا يغش أو يظلم الآخرين، أو حين يُتَّهَمُ بالكذب.
وبالنسبة لانفعال الغيرة: يلاحظ أن الطفل الذي يشعر بالغيرة من إخوته داخل المنزل, قد ينقل هذا الشعور إلى زملاء الفصل, وخاصة الذين يظهرون التفوق عليه, أو الشعبية دونه بين التلاميذ.
أما عن انفعال الاستطلاع: فيتسم في هذه المرحلة بأنه أقلّ قوةً من المرحلة السابقة, وقد يرجع ذلك إلى أن معظم البيئة من حوله أصبحت مألوفة له, فإذا ظهرت في هذه البيئة أشياء جديدة, أو إذا أصبحت الأشياء الممنوعة في الماضي موضع اهتمامه في هذه المرحلة "كاللعب بالكبريت أو إشعال موقد الغاز", فإنها تستثير الاستطلاع فيه من جديد, ويستخدم في الاستطلاع طرقه السابقة؛ فهو يفحص الأشياء للكشف عن غموضها، وقد يفكها ليعرف كيف تعمل, وبالإضافة إلى هذا الاسكتشاف المباشر يلجأ طفل هذه المرحلة إلى الأسئلة لمزيد من المعرفة, وحين يصل الطفل إلى الصف الثالث الابتدائي يلجأ إلى القراءة, ومنذ ذلك الحين تزداد أهمية القراءة كمصدر للمعلومات, ولا يحب الطفل في هذه المرحلة أن يُقَبِّلَهُ أحد الوالدين أو يحتضنه وخاصة في وجود الآخرين, ويرفض أن ينادى باسم "الدلع". وبدلًا من ذلك يظهر الطفل مشاعره بشكل غير مباشر عن طريق البقاء مع من يحب, وأن يؤدي الأشياء التي يطلبونها منه، وأن يساعدهم قدر الإمكان, وتكون لديه شخصايته المفضلة بين الإخوة ورفاق اللعب وبين الوالدين.
ويظهر الطفل انفعال السرور والفرح بالابتسام والضحك, ويزداد اهتمامه باللعب بالألفاظ وتذوق الفكاهة, وفي هذه المرحلة تنتاب الطفل فترات من الانفعالية العنيفة, وهي فترات عدم التوازن الناتج عن عدم الاهتمام به أو عن بعض الصعوبات التي يواجهها.
стр. 297
النموّ الخلقي:
يُولَدُ الحسّ الخلقي لدى طفل المرحلة السابقة "الطفولة المبكرة", حين يدرك أن أنماطًا سلوكية معينة تُصَنَّفُ على أنها صواب أو جيدة وتثاب, وأخرى خطأ أو سيئة وتعاقب, ومع نمو الطفل يؤلّفُ السلوك الخلقي مجموعة معقدة من الأفكار والقيم والمعتقدات.
وفي مرحلة الطفولة المتأخرة يواجه الطفل أحد التحديات الهامة في حياته, وهو تنمية الضمير واكتساب قيم المجتمع التي يعتبرها هامَّة في ضبط السلوك, ويرى كولبرج "راجع الفصل الخامس" أن النمو الخلقي في هذه المرحلة له مستويان: أحدهما يظهر في أواخر الطفولة المبكرة ويستمر معظم مرحلة الطفولة المتأخرة, وهو الذي يسميه مستوى ما قبل العرف والتقاليد "أو ما قبل الأخلاقية", ويسود خلال الفترة من ٤-١٠ سنوات, أما المستوى الثاني: فهو مستوى الالتزام بالعرف والتقاليد أو مستوى المسايرة.
ويتأثر النظام الأخلاقي في هذه المرحلة بمعايير الجماعة التي ينتمي إليها الطفل, وهذا لا يعني أنه يرفض معايير الأسرة لصالح الشِّلَّةِ، وإنما يعني ببساطة: أنه لو كان عليه أن يختار فإنه يقبل معايير جماعة الأقران حين يكون مع الجماعة؛ كوسيلة للحصولِ على مكانة فيها, فإذا حدث أن الجماعة ككلٍّ تحبِّذُ نمط السلوك الذي يتعارض مباشرةً مع معايير الكبار, فإن الطفل يساير الجماعة.
ولم تَعُدْ المفاهيم الأخلاقية عند الطفل ضيقة أو محدودة, كما كان الحال في المرحلة السابقة, إنه يعمِّمُ بالتدريج المفاهيم؛ بحيث تشير إلى أيِّ موقف مشابه, وليس إلى موقف بذاته, فقد يتعلم أن السرقة سلوك خاطئ بصرف النظر عَمَّا إذا كان الأمر يتصل بسرقة النقود أو ممتلكات الآخرين أو عملهم, كما هو الحال في الغش, وكذلك يعتبر الطفل الكذب سلوكًا خاطئًا, سواء كانت الكذبة تقال للوالد أو المعلم أو زميل الفصل, ونتيجةً لذلك يقلّ سلوك الكذب عنده إذا قورن بالمرحلة السابقة "معظم الكذب في المرحلة السابقة من نوع التخيل".
وبوصول الطفل إلى نهاية مرحلة الطفولة يقترب نظامه الأخلاقيّ من مستوى الرشد، ويتفق سلوكه مع معايير الكبار, ويُلاحَظُ أن الأطفال ذوي الذكاء المرتفع يكونون أكثر نضجًا في أحكامهم الخلقية وسلوكهم الخلقي من ذوي الذكاء المنخفض, وأن الإناث بصفة عامة أكثر نضجًا من الوجهة الأخلاقية من الذكور.
стр. 298
ويعتمد نظام التدريب الخلقيّ على العناصر الثلاثة المتضمنة فيه, وهي: تعليم المفاهيم الأخلاقية, وعقاب السلوك الخاطئ المتعَمَّد، وإثابة السلوك الصائب، مع شيءٍ من التعديل يلائم الحاجات النمائية لأطفال هذه المرحلة. فالتعليم يجب أن يهتم بشرح الأسباب التي تؤدي إلى الحكم على بعض صور السلوك بأنها مقبولة أو مرفوضة, وطبيعة المكافأة أو الإثابة يجب أن تتفق مع المستوى العمريّ والنمائيّ للطفل, فمكافآت المرحلة السابقة قد لا تصلح مع طفل المدرسة الابتدائية, وتكون الغلبة للمكافآت اللفظية بدلًا من المكافآت المادية التي تصلح لمرحلة الطفولة المبكرة, وينطبق هذا المبدأ على أساليب العقاب, ومع ذلك, فإن من الملاحظ أن العقاب البدنيّ أكثر شيوعًا في المستويات الاقتصادية الاجتماعية الدنيا, وهو أسلوب أقل فعالية في تكوين الضمير أو الضبط الداخلي, أما الأطفال الذين يعاقبون لفظيًّا فإنهم لا يلجأون إلى أسلوب كبش الفداء؛ كالذين يعاقبون بدنيًّا، وقد يعانون من مشاعر الذنب والعار التي تُعَدُّ بداية تكوين الضمير.
стр. 299
نموّ الشخصية:
الأزمة الجوهرية التي يواجها الطفل في طور التمييز "طور المرحلة الابتدائية" هي تلك التي يسميها إريك إريكسون: أزمة الإنجاز والكفاءة في مقابل الشعور بالنقص، ولعلنا نذكِّرُ القارئ بأن هذا الطور هو الذي يقابل ما يسميه فرويد: "مرحلة الكمون"؛ فالطفل في هذا الطور يريد أن ينشغل بأنشطة كثيرة تحظى بانتباهه واهتمامه، كما يريد أن يمارسها مع أقرانه, ويرى إريكسون أن أطفال المدرسة الابتدائية يحتاجون إلى بعض اللعب واللعب الإيهامي, كما أنهم يستمتعون بهذا النشاط، ولكنهم يشعرون بعدم الرضا إذا بُولِغَ في هذا النشاط, ويرغبون في القيام بعمل "مفيد". إنهم يودون الحصول على التقدير من خلال إنتاج شيءٍ ما، وإحراز الرضا من خلال إكمال عملٍ ما بمثابرة واضحة, ومعنى ذلك: أن الطفل يجب أن يصبح قادرًا على القيام بالأعمال وصنع الأشياء بدرجة كافية من الجودة قد تصل إلى حَدِّ الكمال كما يراه, فإذا لم يشعر بالإنجاز فإن ذلك يقوده إلى تنمية مشاعر النقص وعدم الكفاءة, ومسئولية المعلمين في هذه المرحلة هي تهيئة خبرات نجاحٍ لكل طفل، ويَتَطَلَّبُ ذلك معرفة إمكاناته والتحكم في بيئته, إلّا أنّ ما يحذر منه إريكسون أن يصبح الإنجاز غاية في ذاته، إنه حينئذ يصبح معوقًا للنمو اللاحق للفرد.
ولهذا فإنه لو استطاع الكبار أن يقدموا للطفل بعض الأعمال والمهام التي يستطيع إنجازها, والتي يعتبرها جذابة وذات قيمة، ولو استطاع الكبار أن يقدموا له
стр. 300
التوجيه اللازم لإكمال الأعمال وإتقانها, تكون لديه فرصة أفضل للخروج من مرحلة الكمون بشعور صحيٍّ بالكفاءة والمهارة, إلا أن الطفل الذي لم يحل حلًّا مناسبًا الأزمة السابقة، أو الطفل الذي لم تهيؤه أسرته جيدًا لحياة المدرسة، فإن هذه المرحلة تُحْدِثُ فيه شعورًا عكسيًّا، أي: الشعور بالعجز والنقص وعدم الكفاءة. وتنشأ مشاعر النقص أيضًا إذا كان ما تعلمه الطفل وأتقنه يعتبره المعلمون والأقران في الفصل غير ذي أهمية وقيمة.
وعلى الرغم من أن هذا التحدي يُعَدُّ الاهتمام الرئيسي للأطفال خلال هذه المرحلة, فإنه توجد مهام نمائية إضافية تتم فيها أيضًا، وهذه المهام تؤدي إلى استكمال الشعور النامي بالذات، وإنجاز هذه المهام يعين على تنمية مفهومٍ صحيحٍ للذات.
والشعور بالواجب والإنجاز والدأب الذي يتحدث عنه إريكسون, هو نتيجة للخبرات الناجحة التي يمر بها طفل هذه المرحلة, وهذا الاتجاه يمكن وصفه بطرق مختلفة منها ما يلي:
أ- اتجاه موجب نحو العمل.
ب- إتقان المهارات العقلية أو الاجتماعية التي تتوقع الثقافة من الأطفال في هذا السن أن يكتسبوها.
جـ- القدرة النامية على تحمُّل الشخص لمسئوليات أفعاله وسلوكه.
وباتساع العالم الاجتماعي للطفل بدخوله المدرسة, تبدأ عوامل لها أهميتها في التأثير على نموّ شخصيته؛ فمفهومه للذات يصبح في حاجةٍ إلى التعديل, لقد كان الطفل طوال الفترة السابقة من حياته يرى نفسه من خلال والديه فقط، ولهذا فإن مفهومه للذات قد لا يخلو من التحيز, والآن أصبح يرى نفسه من خلال معلميه وزملائه في الفصل والمدرسة وجيرانه, بل إن والديه أصبحا يستجيبان له بطريقة مختلفة أيضًا, ولأن اتجاه الطفل نحو ذاته يتأثر باتجاهات الأشخاص المهمين نحوه, فإن مفهومه لذاته يتكوَّن من تقديراتهم له, وأحكامهم عليه؛ فإذا كانت هذه التقديرات والأحكام إيجابية, يتكون لدى الطفل مفهوم إيجابي للذات لتقديرات الآخرين له مختلفًا عن تقديراتهم الحقيقية, ومع ذلك يقوم مفهومه لذاته على إدراكه هو لهذه التقديرات والأحكام, وليس على أساس حقيقتها, ولعل هذا ما يجعل الذات لها طبيعة فينومينولوجية "أي: على أساس الإدراك الشخصي أو الذاتي, وليس
стр. 301
الواقع الموضوعي", وطفل هذه المرحلة يميل إلى التفكير في نفسه كفردٍ متميزٍ ومختلف عن الآخرين, ولا تكون لديه أفكار واضحة ومحددة عن قدراته ونواحي قصوره, كما لا يكون متأكدًا من الطريقة التي يتقبله بها الآخرون, وبسبب هذه المشاعر الخاصة بانعدام الأمن يحاول الطفل أن يتَّبِعَ النمط المقبول لدى الجماعة التي ينتمي إليها, ويشكل نفسه في هذا النمط تشكيلًا كبيرًا قدر الإمكان.
وحين تقترب هذه المرحلة من نهايتها, ويبدأ الطفل في تقدير البطولة كما تتمثَّل في الشخصيات التاريخية أو نجوم المسرح أو السينما أو عالم الألعاب الرياضية أو القادة السياسيين, يبدأ في تكوين مفهوم الذات المثالية، أي: نوع الشخص الذي يجب أن يكون عليه, وفي البداية يكون هذا المثل الأعلى منمطًا على أساس ما يوجد في عالمه الواقعي من آباء ومعلمين وغيرهم ممن هم في بيئته المباشرة, ولكن مع اتساع آفاقه تمتد مثله العليا ويصبح بعض الأشخاص الذين لا يعرفهم, ولكن يسمع عنهم أو يقرأ حولهم, هم نواة هذه الذات المثالية.
ولأن الطفل في هذه المرحلة يقضي وقتًا أطول مع الأطفال الآخرين, فإنه يكون أكثر وعيًا بوجود بعض صفات الشخصية التي يقدِّرُها الأطفال الآخرون, ووجود صفات أخرى لا يحبونها. وبالطبع لكلِّ جنسٍ من الجنسين قائمة الصفات التي يقدرها, ويؤدي ذلك إلى تكوين عادات معينة ترتبط بجنس الطفل, وبذلك تلعب ضغوط الجماعة دورًا هامًّا في تشكيل شخصية الطفل، فيسعى إلى بناء شخصيته بالصورة التي تقبلها الجماعة على أمل أن يكسب الاعتراف والتقبل اللذين يسعى إليهما.
وتتغير بالطبع المثل العليا لسمات الشخصية المقبولة بالتقدم في العمر, كما توجد فروقٌ في هذه السمات حسب المستوى الاقتصادي الاجتماعي, ومع ذلك توجد بعض السمات المشتركة؛ ففي جميع الفئات الثقافية نجد أن من المستحب أن يكون الولد أكثر عدوانية من البنت, كما أن الفروق الثقافية تتضح في درجة نمو المسئولية لدى الطفل, ومع التقدُّمِ في العمر, فإن شخصية الطفل تصبح أقل مرونةً وأكثر ثبوتًا في نمط محدد. وفي بداية حياة الطفل داخل المدرسة تظهر أعراض بعض اضطراب الشخصية, وقد تتزايد هذه الأعراض وتزداد سوءًا ما لم تُقَدَّمُ خدماتٌ علاجية, والصور الشائعة لأنماط الشخصية التي تنبئ باضطرابات في المستقبل هي ما يتميز بالانسحاب والاستثارة الشديدة ورفض السلطة ومقاومتها والاكتئاب المزمن والقلق المستمر.
стр. 302
دور المدرسة في طور التمييز:
طور التمييز -في الإطار الإسلامي- هو طور التأديب والتهذيب والتعليم المنظم, صحيحٌ أن كثيرًا من الأطفال في الوقت الحاضر يتعرضون لنوعٍ من التعليم المنظَّم في طور الحضانة "السابق على التمييز", إلّا أن فلسفة تعليم الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة مختلفة ومتميزة عن تلك التي توجه المدرسة الابتدائية، وهذا يجعل خبرة الطفل مع هذه المدرسة خبرةً جديدةً حقًّا, ولعلنا نعيد الإشارة هنا إلى أن برامج دور الحضانة ورياض الأطفال يجب أن تعتمد على خبرات اللعب عند الطفل, وتركز برامجها حول حاجاته, وهذا الأسلوب من التعليم غير الرسميّ الموجَّه ذاتيًّا, يختلف عن التعليم المنظَّم الموجَّه بأهدافٍ تربويةٍ تعليميةس واضحةٍ في المدرسة الابتدائية.
والسن الذي تحدده معظم النظم التعليمية الحديثة لدخول المدرسة الابتدائية، هو سن السادسة, وقد اقتبست معظم نظم التعليم في بلادنا العربية والإسلامية هذا المحك, وقد اعتمد ذلك على نتائج البحوث المبكرة التي ظلت لفترة طويلة تؤكد على السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل باعتبارها مرحلة متميزة, تختلف عما يليها من سنوات الطفولة, إلّا أن نتائج بحوث النموّ الراهنة تؤكد لنا أن العمر الأكثر ملاءمة لتلقي التعليم المنظَّم هو سن السابعة, ويؤكد ذلك ما أوردناه في الفصل الحالي من شواهد من النموّ الجسمي والعقلي والمعرفي والاجتماعي والانفعالي وغيرها, وإذا عدنا إلى شريعتنا الإسلامية الغرَّاء سوف نجد أن سن السابعة -بإجماع الفقهاء- هو سن التمييز, وفي هذا دلالات إعجاز علمي جديد لشريعتنا السمحة, ولهذا فإن الأمر في رأينا يحتاج إلى نظر ٍجديدٍ أبسط إجراءاته الإدارية رفع سن القبول في المرحلة الابتدائية إلى سن السابعة, باعتباره أنسب الأعمار لبدء التعليم المنظم, ولعل هذا يحدث -في مصر خاصة- بعض المواءمة مع ما تقرر من خفض سن سنوات المرحلة الابتدائية إلى خمس سنوات؛ حيث ينتهي التعليم الأساسي بصورته الراهنة مع بلوغ الطفل سن ١٤ عامًا١, وهو عمر أصغر من حد بلوغ السعي "العمل وكسب العيش" كما سنبين فيما بعد. أما السنوات من سن الرابعة "حد الاستئذان" وسن السابعة "حد التمييز", فيمكن للطفل أن يقضيها في دار الحضانة أو روضةٍ للأطفال, بشرط أن تقوم هذه المؤسسات بدورها المناسب
стр. 303
لسن ما قبل المدرسة, وألا تتحول إلى مرحلة جديدة لها خصائص التعليم المنظَّم، أو سنوات إعدادٍ وإجهادٍ للطفل تمهيدًا لدخوله مرحلة التعليم الأساسي، كما هو الحال الآن.
ويقضي الطفل في المدرسة الابتدائية في مصر خمس سنوات، أي: أنه ينتهي منها مع مطلع البلوغ وبداية سن المراهقة, والسؤال الآن: كيف تؤثر هذه السنوات في طفل طور التمييز؟
الإجابة المباشرة والأكثر وضوحًا, أن هذه المدرسة هي المكان الذي يكتسب فيه الطفل الكثير من المعلومات والمعارف عن العالم من حوله، والكثير من المهارات التي تفيده في التعامل مع هذه المعلومات، والكثير من القيم والاتجاهات الدينية والاجتماعية والأخلاقية, فهو يتعلم كيف يقرأ ويكتب ويتكلم بطريقة صحيحة, ويشمل ذلك التهجّي الصحيح للكلمات, وبناء الجمل والفقرات والموضوعات, ويتعلم أيضًا كيف يجمع ويطرح ويضرب ويقسم ويتعامل مع الكسور, كما يتعلَّم حقائق العلم والتاريخ والجغرافيا والأدب، ويتذوق فنون الرسم والموسيقى، ويمارس النشاط البدني بطريقة منظمة، كما يمارس بعض المهارات العملية المفيدة, ويتعرف على بعض مظاهر تكنولوجيا العصر "كالكومبيوتر", ومع إنهاء الطفل لهذه المرحلة، ببلوغه سن الحادية عشرة تقريبًا, يكون قد اكتسب معظم المهارات والمعلومات والاتجاهات التي لا بُدَّ له منها في حياته اليومية.
وعلى الرغم من أن هذه المعلومات والمهارات لها أهمية كبيرة في تحديد مستقبل نموّ الطفل, إلّا أنَّ النظام المدرسي الذي يتعرض له الطفل خلال هذا الطور قد يكون أكثر أهمية؛ فالمدرسة تزوّد الطفل بقواعد النظام والاستقلال والتقويم، كما تهيئ له التعامل مع قيم المجتمع الذي يعيش فيه, وأخصها قيم المجتمع العربي الإسلامي الذي يعيش فيه الطفل, والتي توجه سلوكه في المستقبل، وهو دور لا يزال مفقودًا في المدرسة العربية الحديثة.
стр. 304
الباب الرابع: المرحلة الأولى لنمو الإنسان أطوار المراهقة والشباب
مدخل
...
تمهيد للباب الرابع: أهمية أطوار المراهقة والشباب
يُعَدُّ تخصيص مرحلة خاصة في النموّ الإنساني تسمى مرحلة المراهقة والشباب اختراعًا اجتماعيًّا ولغويًّا حديث العهد, فمنذ عهد قريب كان التوحيد بين البلوغ الجنسي والرشد شائعًا, إلّا أنه منذ نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وظهور تغيرات اجتماعية وثقافية عديدة في المجتمع الحديث, تَطَلَّبَ الأمر تناول مرحلة خاصة للنمو الإنساني بين هذين الحدثين، نقصد: البلوغ الجنسي والرشد, ويعود الفضل إلى ج. ستانلي هول مؤسس علم نفس النمو في اقتراح المصطلح الذي يدل على هذه المرحلة, وهو Adolescence١ في اللغة الإنجليزية. وأجرى بحوثه المبكرة في مجال النموّ في هذه المرحلة بالفعل, ونشرها في كتابٍ شهير من مجلدين عام ١٨٩١, وشاعت أفكاره حول طبيعة المراهقة, وظلت مسيطرة على الميدان لفترة طويلة من الزمن.
لقد اعتمدت أفكار ستانلي هول -كما بينا في الفصل الثاني- على نظرية التطور لداروين وخاصة مفهوم "التلخيص", والذي يعني أن الأفراد يمرون خلال مراحل النمو ما يعكس التطور الاجتماعي للجنس البشري, والنمو من الميلاد إلى النضج يتبع نمط النمو الاجتماعي من البدائية إلى التحضر, وفي هذا السياق تكون المراهقة -في رأيه- مرحلة "الضغوط والعواصف" التي تعكس خصائص مراحل الانتقال المضطربة في تطور المجتمعات البشرية, وفي رأيه أن البيئةَ لا تؤثِّرُ في الميكانيزمات ذات الطبيعة البيولوجية, والتي تتحكم في التغيرات التي تحدث في المراهقة, وهو الرأي الذي تحدّاه أصحاب وجهة النظر البيئية, وأكدت بحوثهم أن المراهقين في الثقافات المختلفة يتعرضون لخبرات مختلفة، ولعل أشهر هذه البحوث ما قامت به عالمة الأنثروبولوجيا مارجريت ميد, ففي بعض المجتمعات يعزى للأطفال بعض أدوار الراشدين, وفيها يتحدد الرشد بالبلوغ الجنسي, ولهذا يرى البعض أن مفهوم المراهقة بمعناه وخصائصه وحدوده الزمنية صنعته ظروف المجتمع الصناعي الحديث بتعقده وتركيبه, ولا ندري ماذا سيحدث في المستقبل في المجتمعات التي يطلق عليها توفلر مجتمعات "الموجة الثالثة" في عصر ما بعد
стр. 305
الصناعة, وقبل ذلك لم تكن هذه الفترة الانتقالية موجودة؛ ففي المجتمعات الريفية الزراعية, ومجتمعات المدن الصغيرة التي تسودها حضارة الموجة الأولى "كما يسميها توفلر" كان الأطفال حالما يبلغون السن الذي يستطيعون فيه من الناحية الجسمية أداء الأعمال والمهن, يتم الاعتراف بهم كراشدين، وتُوكَلْ إليهم المسئوليات, ويكلفون بالواجبات, ويعطون الحقوق والامتيازات التي يحظى بها الكبار, بل إن بعض الأطفال ما بين سن ٧سنوات وقبل البلوغ كانوا يمارسون النشاط المهني, ويدخلون عالم العمل على نحوٍ أذاب الحدود بين عالم الرشد وما قبله "Conger Peterson ١٩٨٤".
أما في المجتمع الصناعي الحضري الحديث الذي أنتجته الموجة الثانية من الحضارة "على حَدِّ تعبير توفلر أيضًا" فقد حدثت تغيرات في حياة الأسرة, وتغيرت النظرة إلى الطفل وإلى عملية نموه تبعًا لذلك, واعتُبِرَتْ المراهقة فترة إعدادٍ لدور الرشد التالي, وتطلَّبَ ذلك ظهور النظم التعليمية الحديثة التي أدت بدورها إلى إطالة فترة الإعداد هذه، ومع إطالة هذه الفترة تزداد اعتمادية الفرد, ويؤجل بلوغه مرحلة الرشد، ويظل في هذه المرحلة الانتقالية التي لا يكون فيها طفلًا ولا راشدًا، ثم يزداد وضعه غموضًا حين يعامل كطفلٍ, ومع ذلك فعندما يتصرف كطفلٍ يُلامُ على ذلك, وعمومًا فإن المراهقة هي إعداد للرشد, وهي مرحلة تحل فيها اتجاهات الكبار وتصرفاتهم محل التصرفات الطفلية السابقة.
وهكذا تطلَّب الأمر الانتظار حتى نهاية القرن التاسع عشر ليظهر الاهتمام الحديث بالمراهقة كمرحلة هامة اجتماعيًّا وسلوكيًّا, وأسباب ذلك كما بينَّا ديموجرافية وثقافية؛ فإدراك المراهقة كمرحلةٍٍ متميِّزَةٍ في النمو الإنساني اعتمد على وجود جماعة من الأفراد في مرحلة ما قبل الرشد وبعد البلوغ الجنسي, تجمعهم خبرات مشتركة تجعل منهم نهايةً لمرحلة الطفولة.
أما من الناحية الثقافية, فقد شهدت أواخر القرن التاسع عشر زيادة الهجرة إلى المدن ونموّ التصنيع, وعلى الرغم من أن معظم المراهقين استمرّ في العمل إلّا أن طبيعة العمل بدأت تتغير, فمع نموّ الميكنة ازداد تقسيم العلم وضوحًا, وأدرك المراهقون أن الأعمال الأقل مهارة لا تحمل أملًا في رفع المستوى الاقتصادي, بينما الأعمال الأكثر تعقيدًا والتي كان يتزايد عددها تحمل أملًا أكبر، إلّا أن هذه الأعمال الجديدة تَتَطلَّبُ نضجًا أكثر وتعليمًا أرقى, وهنا ظهرت الحاجة إلى إطالة فترة التعليم وإرجاء سن دخول العمل والزواج, وتكوين الأسرة, وكانت الطبقات
стр. 306
الأكثر استفادة من التطور الجديد الطبقة العليا في المجتمع، ثم الطبقة الوسطى النامية حينئذ؛ لأن الثروة المتاحة وحجم الأسرة المحدود سمح لهم بما اعتُبِرَ "استثمارات" في التعليم من أجل المستقبل, ثم انتقل ذلك إلى الطبقات الأخرى مع شيوع التعليم الإلزامي والمجاني، إلّا أن هذا لم يحدث إلّا بعد ثمنٍ فادحٍ من تشغيل الأطفال والنساء في الأعمال الشاقة, والذي كان في ذاته أحد الثمار المرة للثورة الصناعية, وكان من نتائج ذلك الزيادة السريعة في عدد المدارس والكليات والجامعات، وسرعان ما أصبحت هذه المؤسسات أكثر تنظيمًا، كما ازدادت مطالبها وتعددت مستوياتها, وهكذا تهيأت الظروف طوال النصف الأول من القرن العشرين للتحديد الواضح لمرحلةٍ واضحةٍ في نموّ الإنسان, هي مرحلة المراهقة التي لم تَعُدْ محض نهاية للطفولة, وإنما أصبحت طليعةً لمرحلة أخرى إضافية, هي مرحلة الشباب, والذي تحددت معالمه خاصة منذ أواخر الستينات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين, فيما أطلق عليه "ثقافة الشباب"، ولو أن القرآن الكريم قد نبه منذ أربعة عشر قرنًا إلى ذلك فيما أسماه "بلوغ السعي" كما سوف نبين فيما بعد.
من العرض السابق يتبين أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الحديثة أدت إلى ظهور جماعة المراهقة، ومع مزيدٍ من التعقد في ظروف المجتمع ظهرت جماعة الشباب، وهكذا ظهرت جماعتان تمثلان طورين "انتقاليين" في عمر الإنسان قبل تحوله الرشد, وهيأ ذلك كله الظروف للبحث حول الطبيعة السيكلولوجية لهاتين الفئتين العمريتين، وطرق توجيهما ووسائل التنبؤ بمستقبلهما. وكل هذه المسائل تغيرت مع مرور الزمن ومع تغير المجتمعات ذاتها، إلّا أن المهم أن نقول: إنه مع مطلع القرن العشرين بدأ "عصر المراهقة" بالمعنى الحديث للكلمة. أما الوعي الاجتماعي بمسألة الشباب فلم يظهر بشكلٍ جادٍّ إلّا بعد الحرب العالمية الثانية, ثم وصل إلى قمته في تمرد "صراع الأجيال" الذي شهدته الستينات, ثم ظهر منذ أواخر السبعينات اهتمام جديد سنتناوله بالتفصيل فيما بعد, وهو الاهتمام بالشيخوخة, وهكذا يمكننا القول أنه إذا كان القرن التاسع عشر هو "قرن الطفولة", فإن النصف الأول من القرن العشرين هو "عصر المراهقة"، وعقدي الستينات والسبعينات فيه هما "زمن الشباب". أما فترة أواخر هذا القرن فربما يسودها استشراف خصائص المرحلة الثالثة في نمو الإنسان، أي: شيخوخته.
وإذا كانت المراهقة تتحدد بدايتها بوضوح بالبلوغ الجنسي, فإن نهايتها التي تتحدد ببلوغ السعي, ثم الرشد أقل وضوحًا للأسباب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي أوضحناها, وقد نبَّه الفقه الإسلامي إلى هذه الحقيقة السيكلوجية
стр. 307
الهامة في إشارته إلى ضرورة أن يُؤْنَسَ الرشد في الإنسان حتى تكتمل له أهلية الأداء المدنية، ويرجع ذلك إلى الاختبار والتجربة، ولهذا السبب لم يحدد جمهور فقهاء المسلمين سنًّا معينة مطلقة لبلوغ كلٍّ من السعي "الشباب" والرشد، وترك الأمر للظروف الاجتماعية والنفسية المتغيرة "راجع الفصل الثالث".
وحتى نضع الظروف التي تعرَّضَ له المجتمع الإنساني الحديث في الاعتبار ونحن نتناول مرحلتي المراهقة والشباب, لا يمكن لنا القفز مباشرة الآن من البلوغ الجنسي إلى الرشد, ولهذا نقسِّمُ هذه المرحلة إلى طورين رئيسيين ملتزمين بالإطار الإسلامي:
١- طور بلوغ الحلم "المراهقة": وتشمل بداية واكتمال التغيرات الجسمية المرتبطة بالبلوغ الجنسي, وتنتهي في حوالي الخامسة عشرة, وتشمل المرحلة التعليمية التي تسمى المرحلة الإعدادية, أو المرحلة المتوسطة, أو المرحلة الثانية من التعليم الأساسي, أو المرحلة الأولى من التعليم الثانوي, حسب أحوال النظام التعليمي وطبيعته.
٢- طور بلوغ السعي "الشباب": وهي تسميةٌ أفضل من التسمية الشائعة باسم المراهقة المتأخرة، وتبدأ مع اكتمال التغيرات الجسمية, وتمتد إلى سن الرشد الحقيقي "١٨عامًا", أو القانوني "٢١عامًا", وتشمل المرحلة الثانوية، وقد تمتد إلى المرحلة الجامعية حسب مؤشرات الاستقلال السيكولوجي "التي تدل على الرشد" التي يبديها الفرد, وتسمية هذا الطور بالوصف القرآني البديع "بلوغ السعي", يحمل معنى إمكان سعي الشباب في أمور دنياه كسبًا لعيشه إذا لم يشأ إكمال تعليمه, ثم إنه يحمل تضمينًا هامًّا حول توجيه طبيعة التعليم في هذا الطور؛ بحيث يحقق للشباب السعي أيضًا في أمور دنياه, وهي مسألة هامَّة سنتناولها بالتفصيل عند عرضنا لهذا الطور في النمو الإنساني, ومعنى ذلك أن هذا الطور هو في واقع الأمر في منزلة بين المراهقة والرشد.
стр. 308
الفصل الثالث عشر: طور بلوغ الحلم "المراهقة "
البلوغ الجنسي:
يعتبر بلوغ الحلم أو البلوغ الجنسي حدثًا هامًّا في حياة الإنسان حين يتغير الفرد من كائنٍ غير جنسيٍّ إلى كائن جنسي, وهي فترة قصيرة تتداخل مع نهاية الطفولة, وتمتد إلى بداية المراهقة, ويسمي بعض العلماء بداية البلوغ فترة "قبيل المراهقة", وحيث إنه من المعتاد الفصل بين الطفولة والمراهقة بوصول الطفل إلى النضج الجنسي, فإن فترة البلوغ هي فترة تداخل، وفيها لا يعتبر الطفل نفسه طفلًا بسبب ما يطرأ على جسمه من تغيرات جسمية وفسيولوجية سريعة, ومع ذلك يُنْظَرُ إليه على أنه لا يزال طفلًا, وخاصة من جانب الوالدين والمعلمين, وعادةً ما يؤدي ذلك التناقض إلى الاضطراب, وإلى الشعور بعدم الأمن, وفي كثير من الأحيان إلى سلوك غير مرغوب فيه.
ولقد كانت ولا تزال لهذا الحدث أهمية في الجماعات البدائية التي تقوم بعملية "تدشين الشباب" مع البلوغ؛ لأنه مقبل على واجبات النضج والتزاماتها, سواء أكانت رجولة أم أنوثة, وفي المجتمعات الحديثة يتوقع الناس أيضًا من الفتى أو الفتاة سلوكًا مختلفًا ببلوغه النضج الجنسي.
وتوجد محكَّات عديدة تُسْتَخْدَمُ في تحديد بداية البلوغ ومرحلة النمو التي يصل إليها الطفل عنده, ومن هذه المحكات عند البنات الطمث "الحيض" لأول مرة, إلّا أن هذا المحك لا يُعَدُّ بداية أو نهاية التغيرات الجسمية الهامة التي تحدث مع البلوغ، فقبل حدوثه تكون الأعضاء الجنسية قد بدأت في النمو، كما تكون الخصائص الجنسية الثانوية قد بدأت في الظهور، وتستمر هذه التغيرات في الحدوث لفتراتٍ مختلفة بعد ظهور الطمث الأول, ولهذا يرى بعض الباحثين اعتبار هذا المحك نقطة متوسطة في حدث البلوغ الجنسي عند البنات Hurlorck ١٩٨٠".
أما محك البلوغ الجنسي عند الذكور فيتحدد بإفراز السائل المنوي لأول مرة.
стр. 309
وهو حدث يتمُّ تلقائيًّا، وأثناء نوم الطفل في معظم الحالات, وبلوغ الحلم عند البنين مثل الطمث الأول عند البنات تسبقه بعض التغيرات الجسمية الهامة، وبالتالي لا يُعَدُّ في ذاته محكًّا دقيقًا لبداية البلوغ, وإذا ظهرت هذه التغييرات على الطفل سواء كان ذكرًا أو أنثى, فإنه يكون قد بلغ مرحلة النمو التي يسميها القرآن الكريم "بلوغ الحلم".
ومن الطرق المستخدمة في تحديد البلوغ, التحليلُ الكيميائيُّ لعيناتٍ من البول عقب الاستيقاظ من النوم مباشرة, وهذا أسلوب دقيق على الرغم من صعوباته, ويحلل بول الذكور لمعرفة مدى وجود الحيوانات المنوية فيه، وتحديد مقدار ما يوجد فيه من مادة الكرياتين وهورمون الأندروجين, ومادة الكرياتين توجد عادةً في بول الذكور قبل النضج الجنسي، فإذا وجدنا أن بول الطفل أصبح خاليًا من هذه المادة, نستنتج من ذلك بلوغه الجنسي, أما هورمون الأندروجين "وهو الهورمون الجنسي عند الذكور" فهو لا يوجد عادةً في البول قبل سن ١/٢ ١٢ سنة, ويُحَلَّلُ بول الإناث لمعرفة مقدار ما فيه من هورمون الأستروجين "وهو الهورمون الجنسي الأنثوي", وعادة ما يزيد مقدار هذا الهورمون في بول البنت بعد بلوغها سن الحادية عشرة.
وتوجد طريقة أخرى في تحديد البلوغ, تتمثل في استخدام أشعة أكس في تصوير أجزاء مختلفة من الجسم, وتدل صور اليدين والركبتين على تحديد بدء البلوغ ومعدل حدوثه، كما تفيد صور اليد والرسغ في التنبؤ بالعمر الذي يحدث فيه الطمث عند البنت, وحين تستخدم هذه الطريقة مع الأطفال في المدرسة الابتدائية يمكن التنبؤ بالبلوغ الجنسي المبكر أو المتأخر, وهذه الطريقة هي أكثر الطرق دقةً، على الرغم من أنها، كطريقة التحليل الكيميائي للبول، تكتنفها صعوبات عملية تحول دون استخدامها على نطاقٍ واسع.
والشائع في الوقت الحاضر تحليل البلوغ الجنسي إلى ثلاثة أحداث متتالية: بدء ظهور الخصائص الجنسية الثانوية دون نضوج للوظيفة التناسلية، ثم استمرار نموّ الخصائص الجنسية الثانوية دون أن تكتمل مع إنتاج الخلايا الجنسية في الأعضاء التناسلية، وأخيرًا حين يكتمل نمو الخصائص الجنسية الثانوية مع ممارسة الأعضاء الجنسية لوظائفها بشكلٍ ناضجٍ تمامًا.
ويصعب أن نحدد تحديدًا دقيقًا سن البلوغ الجنسي, أو بلوغ الحلم؛ لأن النضج الجنسي يختلف من فرد لآخر, وعمومًا يمكن القول أن النبات يصلن إلى النضج
стр. 310
الجنسي مبكرين عن الذكور بعامٍ أو عامين في المتوسط, ومن العوامل المسئولة عن هذه الفروق سرعة نموّ الجهاز العصبي لدى الإناث.
وتُوجَدُ فروق بين الأفراد "داخل الجنس الواحد" في سن البلوغ الجنسي, والاختلافات التي تنشأ في ذلك ترجع إلى الاختلافات في سرعة نشاط الغدد الصماء المسئولة عن بداية التغيرات التي تحدث في هذا السن, ويتأثر ذلك بدوره بعامل الوراثة, وبالظروف الصحية العامة للفرد, وطبيعة الغذاء؛ فالتغذية التي تسودها البروتينات تؤدي إلى الإسراع بالبلوغ عند البنات, أما التغذية التي تسودها الكربوهيدرات فتؤدي إلى تأجيل النضج, كما أن البنية الجسمية للطفل تؤثر في تحديد سن نضجه الجنسي, أضف إلى ذلك أن بعض الأمراض المزمنة "كالسكر" تؤجل البلوغ الجنسي..
ويبلغ أطفال المناطق الجغرافية الحارة والمعتدلة أسرع من أطفال المناطق الباردة, كما أن الأطفال الذين يعيشون في البيئات الحضرية يبلغون أسرع من أطفال الريف, بسبب الاستثارة الثقافية.
ومن الأدلة على أن الظروف الثقافية والاجتماعية تؤثر في سن البلوغ الجنسي, ما حدث في الغرب من خفض سن بداية الطمث من ١٧سنة في أوربا عام ١٨٥٠, إلى ١٤،٥ سنة في الولايات المتحدة عام ١٩٠٠، وذلك بسبب التحسُّن في الأحوال الصحية والغذائية للأطفال, وقد استقرَّ هذا السن في أوربا طوال السنوات الأربعين الماضية عند سن يتراوح بين ١٢،٥، ١٢،٨ سنة, مما يدل على وصول الأحوال الصحية والغذائية إلى حدِّها الأمثل في هذه الأقطار Schuster" "Ashburn ١٩٩٢"
وتُوجَدُ أدلةٌ على ضرورة وصول وزن البنت إلى مقدارٍ يتناسب مع الطول لبدء البلوغ الجنسي، ويتمثل ذلك في التناسب بين وزن الجسم ومقدار الدهون فيه, ويفسِّر ذلك تأجيل الطمث لدى البنات اللاتي يمارسن الأنشطة البدنية العنيفة؛ مثل: رقص الباليه والسباحة والجري, إلى سن ١٥ سنة "Roy Benner ١٩٨٦".
وتفسر نظرية "الحد الحرج من الدهون" في الجسم, السبب في تأجيل البلوغ الجنسي لدى الإناث اللاتي يعشن في ظروف الفقر، كما تفسر خفض هذا السن في المجتمعات الصناعية المتقدمة.
وعمومًا فإن ظهور الطمث لدى البنت يكون بين سن ٩،٥، ١٥،٥ سنة, بمتوسط ١٢،٥, ويُعَدُّ ذلك المدى العادي للبلوغ الجنسي لدى الإناث، ولو أن
стр. 311
ظهوره قبل سن ١١سنة يُعْتَبَرُ مبكرًا, أما بالنسبة للذكور فإن سن البلوغ كما يتحدد ببدء إفراز السائل المنوي فيمتد بين ١١،٥، ١٧،٥ سنة بمتوسط يبلغ ١٤،٥سنة, ويوضح الجدول "١٣-١" ذلك.
"جدول "١٣-١" حدود البلوغ الجنسي للذكور والإناث
ويحتاج المراهق إلى فترة ٣ سنوات في المتوسط حتى يكتمل لديه النضج الجنسي, وهي الفترة التي يحددها نظام التعليم الحديث بالمرحلة الإعدادية أو المتوسطة، ولهذا فإن هذا التنظيم أكثر اتفاقًا مع الحقائق السيكولوجية من أيّ نظام بديلٍ يعْتَبِرُ هذه المرحلة جزءًا من المرحلة التالية "المراهقة المتأخرة أو الشباب", بدمج المرحلة الإعدادية "المتوسطة" في المرحلة الثانوية، أو جزءًا من المرحلة السابقة "الطفولة المتأخرة", بدمج المرحلة الإعدادية في المرحلة الابتدائية، وهو البديل الذي طرأ على التعليم المصري "وبعض نظم التعليم الأخرى في العالم العربي" في السنوات الأخيرة, فيما يُسَمَّى التعليم الأساسي, وهو نظامٌ كان فيه من التسرع والغفلة عن حقائق النمو الإنساني مما يدعو إلى تعديله, والعودة إلى البديل الصحيح.
стр. 312
النمو الجسمي:
مع البلوغ تحدث طفرة كبيرة في النمو, ويُعَدُّ البلوغ ثاني فترةٍ يحدث فيها أسرع تغيرات جسمية، وأولها مرحلة ما قبل الولادة, والنصف الأول من العام الأول بعد الولادة, ولذلك شاع وصف المراهقة بأنها مرحلة "انفجار في النمو"، وهو انفجار يحدث قبل البلوغ أو يتزامن معه، ويستمر لمدة عام أو عامين "تبعًا للفروق الفردية" قبل أن يصل الفرد إلى النضج الجنسي، ثم يستَمِرُّ لفترةٍ تمتد من ستة أشهر إلى عام كامل بعد ذلك. ومعنى ذلك: أن فترة التغير السريع تمتد لحوالي ثلاث سنوات تؤلف في مجموعها مرحلة المراهقة.
ويحدث مع البلوغ أربعة تغيرات جسمية هامة, تشمل حجم الجسم، ونسب أعضاء الجسم، ونموّ الخصائص الجنسية الأولية، ونموّ الخصائص الجنسية
стр. 313
الثانوية, وبعد اكتمال هذه التغيرات يتحول جسم الطفل الذي كان عليه طوال المراحل السابقة إلى جسم الراشد الذي سيصير إليه طوال مراحل عمره التالية.
وتأتي التغيرات في حجم الجسم من التغيرات في الطول والوزن, ويحدث الانفجار في نموّ الطول قبل الوزن, وأكبر زيادةٍ في الطول تحدث قبيل بداية البلوغ, وتكون فترة النمو السريع هي العام السابق عليه.
ولا تُعَدُّ الزيادة في الدهون المصدر الوحيد لزيادة الوزن في المراهقة عند الذكور، وإنما يضاف إلى ذلك الزيادة في أنسجة العظام والعضلات؛ فعند البلوغ تنمو العظام أسرع, وتتغير في الشكل والنسب والبنية الداخلية "حيث تصير أكبر صلابة", وتؤلف العضلات ٤٥% من وزن الجسم "وكانت في مرحلة الطفولة لا تزيد عن ٢٥%", وأكبر زيادة في العضلات تحدث خلال الفترة من ١٢-١٥ سنة.
وتصاحب التغيرات في الطول والوزن تغيرات في نسب الحجم، فتصل الأنف والرأس واليدان والقدمان إلى حجمها الكامل أولًا, وتنمو الأذرع والسيقان أسرع من الجذع، وهو آخر ما يكتمل نموه, وتؤدي هذه الفروق في معدل نمو أجزاء الجسم إلى مشاعر مؤقتة بالصعوبة والحرج, وأحيانًا يشعر المراهق بأن يديه وقدميه أطول من اللازم, ويظل الأمر كذلك طوال فترة المراهقة, ولا يصل الجسم الإنساني إلى نسبه المعتادة التي نلاحظها في الراشدين إلّا في مرحلة بلوغ السعي أو الشباب.
وتظهر بوضوحٍ الفروق بين الجنسين في شكل الجسم, صحيحٌ أن بعض هذه الفروق تظهر في الطفولة حين تتراكم الدهون في بعض أجزاء جسم البنت أكثر من الولد, إلّا أن هذه الخاصية تزداد وضوحًا وتحديدًا مع البلوغ, وعلى العكس من ذلك, يزداد جسم الذكور كثافةً مع زيادة حجم العظام وكثرة أنسجة العضلات, كما تزداد الأكتاف لديهم عرضًا, ونتيجةً لذلك يصبح الفتى أقوى من الفتاة "وخاصة بالنسبة للجزء العلوي من جسمه", ومن الأسباب الأخرى التي تعطي للذكور قوةً جسميةً بالنسبة لحجم الجسم في هذه المرحلة الزيادة في نمو القلب والرئتين، وزيادة ضغط الدم، ونموّ القدرة على نقل الأوكسجين إلى الدم، وانخفاض معدل نشاط القلب عند الراحة, كما أنهم يكونون أكثر مقاومةً للتعب الناتج من التدريب "Mussen et al ١٩٨٤".
ومع تَقَدُّمِ البلوغ يزداد عدم التشابه بين الفتى والفتاة في المظهر، والسبب
стр. 314
في ذلك هو النمو التدريجي للخصائص الجنسية الثانوية, والتي تُمثِّلُ السمات الجسمية التي تميز الذكر عن الأنثى؛ ففي الذكور يصير الصدر مسطحًا ويظهر شعر العانة، ثم شعر الإبط وشعر الوجه "الذقن والشارب"، ثم شعر الجسم "الذراع والساق والكتف والصدر", وتنشط الغدد الدهنية مع المراهقة, وقد يؤدي ذلك إلى ظهور حب الشباب, كما تطرأ تغيرات على صوت الولد, ويتحول إلى نوع الخشونة غير الكاملة, تجعله في منزلةٍ متوسطةٍ بين صوت الطفولة الناعم وصوت الرجولة الخشن.
أمَّا في الإناث فتزداد الأرداف عرضًا واستدارةً نتيجة اتساع عظام الحوض, وزيادة سمك الطبقة الدهنية تحت الجلد, وينمو الصدر ويزداد كبرًا واستدارة, كما يزداد الصوت نعومة, أما الخصائص المشتركة بين الجنسين فهي ظهور شعر العانة وشعر الإبط, ونشاط الغدد الدهنية وما تسببه من ظهور حَبِّ الشباب.
وعلى عكس التغيرات السريعة في بنية الجسم ووظائفه مع البلوغ, فإن الجهاز العصبي المركزي يكون قد وصل إلى اكتمال نموِّه تقريبًا في سن العاشرة، ولذلك لا يطرأ على هذا الجهاز أيِّ تغيُّرٍ مفاجئٍ مع المراهقة.
أما الزيادة التدريجية في نمو التحكم في المهارات الحركية الدقيقة وفي النشاط العضلي "كما سنوضح فيما بعد" فيبدو أنها ترجع إلى التعليم والتدريب والممارسة.
ومن حقائق النمو الإنساني أن المراهق قادرٌ على أداء أيِّ مهارةٍ يمارسها الراشدون، إلّا أن السياق الاجتماعي والأسري يحدد أيّ المهارات يستحق التقدير والتعزيز, فإذا علمنا أن المراهق في الأغلب يكون منخرطًا في مراحل تعليميه حاسمة, نجد أن القيم الاجتماعية السائدة المرتبطة بتقدير أو عدم تقدير ما تقدمه المدرسة يؤثر في نشاط المراهق, ومن ذلك مثلًا المبالغة في تقدير المواد الأكاديمية على حساب مواد الأنشطة والفنون والموسيقى، كما هو الحال في منظومة التعليم الحالية في مصر.
أثر التغيرات الفسيولوجية والجسمية أثناء البلوغ في السلوك:
يصاحب النموّ السريع والتغيرات الجسمية في هذه الفترة أعراضٌ غير ملائمة؛ كالتعب والكسل, وعادةً ما يقع الآباء في خطأ أن يتصوروا أنه ما دام الطفل صار كبيرًا جسميًّا على النحو الذي أصبح عليه في سن البلوغ, فإنه يمكنه القيام
стр. 315
بمسؤلياتٍ أكبر مما كان يستطيع في طفولته, وقد يحدث نفس الشيء في المدرسة, مع أنه في مرحلة نموٍّ يكون فيها أقل قدرة على القيام بهذه المسئوليات بنجاح, وقد يؤدي ذلك به إلى العصبية والتوتر والانفعالية العامة.
وعادةً ما تحدث في هذه الفترة اضطرابات في الجهاز الهضمي ينتج عنها تذبذب في سرعة التحول الغذائي, والسبب في ذلك التغيرات الغدِّيَّة والتغيرات في حجم وموضع الأعضاء الداخلية في الجسم, وهذه التغيرات قد تتداخل مع وظائف الهضم, كما أن فقر الدم "الأنيميا" شائع الحدوث في هذا السن, ليس بسبب التغيرات الملحوظة في كيمياء الدم, وإنما بسبب عادات الطعام غير المستقرة لدى المراهق, وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة الشعور بالتعب والكسل.
ويعاني المراهق على فترات متقطعة من آلام الصداع وآلام الظهر والهزال، إلّا أن هذه الأعراض أكثر شيوعًا عند البنات, وخاصة في فترة الدورة الشهرية, وباستثناء ذلك لا توجد إلّا أمراض قليلة تميز هذه الفترة العمرية "قارن ذلك بالطفولة", وعمومًا إذا كانت طفولة المراهق أكثر صحةً, وخاصةً من حيث التوازن الغذائي وتكوين عادات جيدة للنوم, فإن فترة البلوغ تَمُرُّ بسلامٍ أكبر من وجهة الصحة الجسمية, ولا تظهر إلّا التغيرات النفسية المصاحبة للتغيرات الجسمية والفسيولوجية.
ولا بُدَّ أن ننبه هنا إلى أن التغيرات التي تطرأ على سلوك المراهق واتجاهاته إزاء البلوغ هي في جوهرها نتاج تغيرات اجتماعية أكثر منها نتاج التغيرات الغُدِّيَّة, ونحن في هذا لا ننكر أهمية التغيرات الفسيولوجية في التوازن الجسمي, فكلما كانت البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها المراهق أقل تعاطفًا، وكان الآباء والإخوة والمعلمون والأقران أقل تفهمًا لأحواله، وكانت التوقعات الاجتماعية منه في هذا الوقت أكبر من حدود قدرته, كانت الآثار النفسية للتغيرات الفسيولوجية والجسمية بالغة, فإذا أصَرَّ الوالد مثلًا على معاملة المراهق على أنه لا يزال طفلًا, فإن هذا قد يعوق كثيرًا من نموِّه فيما بعد.
ويعتمد مقدار وعمق هذه التأثيرات للبلوغ على سرعة النضج وتأثيره على التكوين الجسمي العام للفرد من ناحية, وعلى المعلومات السابقة المتوفرة لديه والإعداد السيكولوجي اللاحق لهذه التغيرات من ناحية أخرى؛ ففي حالة عدم وجود أيِّ تمهيدٍ, أو حينما يكون هذا الإعداد في صورة معلومات غير دقيقة أو غير كاملة, فإن ذلك يؤدي إلى تكوين اتجاهات غير صحيحة, وحينئذ تكون تأثيرات
стр. 316
البلوغ على السلوك بالغة السوء, ومن هذه التأثيرات تذكر هيرلوك،Hurlock ١٩٨٠ ما يلي:
١- الرغبة في التفرد والانعزال: أشرنا إلى أن الطفل في مرحلة المدرسة الابتدائية يكون لديه ميلٌ لمصاحبة الآخرين, ويصل هذا الميل إلى قمته في نهاية فترة الطفولة المتأخرة, ثم سرعان ما يحدث مع البلوغ -وفي وقت وجيز- أن يفقد الطفل ميله لرفاق اللعب، فينسحب من الجماعة ويقضي معظم وقته وحده، وإذا كانت له حجرته الخاصة فإنه يغلقها على نفسه, وهذا الانسحاب من الجماعة يصاحبه نزاعٌ مع الأصدقاء القدامى, وبالتالي انهيار لكثير من صداقات الطفولة, كما يحدث أيضًا انعزال مفاجئ وواضح عن نشاط الأسرة.
٢- النفور من العمل والنشاط: في هذه الفترة نلاحظ أيضًا على المراهق الذي كان في طفولته ممتلئًا حيويةً ونشاطًا, والذي لم يكن يبدو عليه التعب من العمل أو اللعب "كما نشاهد في فناء مدرسة ابتدائية مثلًا" يبدو عليه التعب بشكلٍ واضحٍ, ونتيجة لذلك فهو يعمل عملًا ضئيلًا ويؤدي أقل ما يمكن في المنزل, ويهمل واجبات المدرسة, ومن المؤكد أن هذا النفور ليس كسلًا إراديًّا, كما أنه ليس نتيجةً للتغير في المستوى العقلي للفرد، وإنما هو نتيجة مباشرة للنمو الجسمي السريع الذي يفوق طاقته, وكلما كانت التغيرات مفاجئة عند البلوغ كانت التغيرات في أداء الطفل في المدرسة وفي تحصيله مفاجئة أيضًا, وعادةً ما يُلَامُ التلميذ على هذا الكسل في المنزل والمدرسة, وقد يؤدي ذلك إلى مزيدٍ من النتائج غير السارة.
٣- عدم التآزر: في بداية البلوغ وما يصاحبه من نموٍّ سريعٍ وغير مُنَظَّمٍ, يطرأ على المراهق تأخر مؤقت في أنماط معينة من التآزر والتوازن والرشاقة؛ فتتناقص القدرة الحركية ويختل المشي, وبعد أن يعود النمو إلى معدله البطيء, وبعد أن يتكيف الفتى أو الفتاة للتغيرات الحادثة في نسب الجسم, يعود النشاط إلى التآزر تدريجيًّا.
٤- الملل: يظهر على المراهق مللٌ من اللعب بالألعاب التي كان يستمتع بها في المراحل السابقة, سواء كانت مع أقران المدرسة أو في الحياة الاجتماعية العامة, ويظهر ذلك في رفضه الاشتراك في هذه الأنشطة, ويصفها بأنها "طفلية", وحين لا يقابل سلوكه بالتقبل من الآخرين يظهر عليه اتجاه اللامبالاة, أو الإحساس بالنبذ والرفض.
стр. 317
٥- عدم الاستقرار: تتغير ميول المراهق كما يتغير جسمه، إلّا أنه عند البلوغ لا يكون عادةً قد كَوَّنَ ميولًَا جديدة تمتص انتباهه كما كان يحدث في الطفولة, ولذلك نجده ينتقل من نشاطٍ لآخر, ولا يشعر بالرضا من أيٍّ من هذه الأنشطة, ويصاحب ذلك مشاعر التوتر والقلق.
٦- الرفض والعناد: تتميز اتجاهات المراهق عند البلوغ بأنها اتجاهات رفض ومعاداة للأسرة والأصدقاء والمجتمع عمومًا، ولذلك كثيرًا ما نجده مهمومًا محزونًا، ولا يقتصر همه على نفسه, بل يمده إلى الغير؛ فيفسد على الآخرين سرورهم بالمخالفة والمعارضة وعدم التعاون ورفض رغباتهم, وفي المنزل يكون غيورًا من إخوته وناقدًا لهم؛ فيسبهم ويتعارك معهم دون سببٍ واضحٍ, ويعاندهم عن قصد, ويجادل مع أفراد الأسرة "الأم والأب وغيرهما"، لمجرد إثارة المتاعب وخاصةً لإخوته, ويسلك خارج المنزل بنفس الطريقة تقريبًا مع أصدقائه, وتنشأ بينه وبينهم المعارك لأتفه الأسباب.
وينتج عن ذلك انهيار الصداقات القديمة, ومع التَّقَدُّمِ في البلوغ يزداد المراهق نضجًا في سلوكه الاجتماعي, ويصبح أكثر صداقة وتعاونًا مع الآخرين.
٧- مقاومة السلطة: يظهر على الطفل خلال فترة الطفولة ميلٌ لمقاومة السلطة يصاحبه رغبة في الاستقلال، إلّا أن هذا الميل يزداد حِدَّةً أثناء فترة البلوغ, ولذلك يحدث في هذه الفترة أكبر مقدار من الصراع والنزاع بين المراهقين ووالديهم "وخاصة الأم" وخاصة عند حوالي سن ١٣سنة, والسبب في كثرة الصراعات مع الأم أنها الأكثر اتصالًا بالمراهق داخل المنزل منذ طفولته, فإذا كانت الأم أقل تقييدًا وأكثر تسامحًا تقل هذه المنازعات معها, ويسعى المراهق إلى مقاومة كل ألوان السلطة، وحين يكتشف أن محاولاته تبوء بالفشل يزداد عنادًا. وقد يلجأ إلى الانسحاب من مثل هذه المواقف التي قد تؤدي إلى العقاب بسبب عدم الطاعة, وقد يصدر عنه ما يمكن أن يصنف بأنه "سوء سلوك"، ومعظمه من النوع البسيط, والمراهق العادي في هذه الفترة لا يصدر عنه ما يمكن أن يضعه في فئة "الأحداث الجانحين"، على الرغم من أن عدم استقراره يجعله مثيرًا لإزعاج الآخرين, وتصدر عنه أفعال مزعجة، إلّا أن هذا كله يتناقص خلال النموِّ أثناء المراهقة, وخاصةً مع اكتمال النضج الجنسي.
٨- رفض الجنس الآخر: يظهر سلوك رفض الجنس الآخر في نهاية الطفولة المتأخرة, ويصل قمته في فترة البلوغ, ومن الأمور الشائعة في هذا السن
стр. 318
العداء الصريح بين الجنسين, ويكون رفض الإناث للذكور أكثر من رفض الذكور للإناث, ويظهر هذا الرفض في صورة مختلفة عن المرحلة السابقة, فلم يعد الأمر مجرد انسحاب كلٍّ من الجنسين بعيدًا عن الآخر, وإنما تظهر في البلوغ صور العداء الصريح بينهما، ويتمثل ذلك في النقد المستمر والتعليق اللاذع.
٩- الانفعالية الشديدة: يؤدي التوتر والاضطراب الناتجان عن الاتجاهات والميول المتغيرة من ناحيةٍ, وعن التغيرات الجسمية والغددية من ناحيةٍ أخرى, إلى حِدَّةِ الانفعالات التي تظهر في فترة البلوغ, ويكون المراهق شديد الحساسية, ويفسِّرُ معظم ما يسمعه من الكبار أو الأقران على أنه مُوَجَّهٌ إليه، وتزداد هذه الحساسية بالنسبة للإخوة، كما تزداد في هذه الفترة المخاوف المتوهمة, فيشعر المراهق بالقلق من المشكلات التي تتعلق بكفاءاته الشخصية والاجتماعية, ويتحول من تذوق الفكاهة الذي كان عليه في المرحلة السابقة إلى الشعور بالكآبة, وقد تكون حالته الانفعالية موضع تعليق الكبار في بيئته ونقدهم, مما يزيد من شعوره بأنه لم يَعُدْ محبوبًا من أحدٍ, وأن "العالم كله ضده".
١٠ - نقصان الثقة بالنفس: إن الطفل الذي كانت ثقته بنفسه زائدة, وتسيطر عليه مشاعر الزهو والغرور, يصبح عند البلوغ أقل ثقة بنفسه، فيشك في قدراته, ويشعر بأنه أصبح أقل كفاءة من الناحيتين الشخصية والاجتماعية, وقد يختفي هذا الشعور وراء كثيرٍ من أنماط العناد التي يبديها؛ فرفضه للأعمال والمهام المتوقعة منه ينشأ من خوفه من العجز, كما قد يختفي وراء كثير من التباهي والتفاخر بقدراته, ثم الانسحاب عندما يطلب منه أداء المهام والأعمال موضع هذا التباهي, وهكذا يكون "مفهوم الذات" عنده غير مُسْتَقِرٍّ, وقد يقود هذا أحيانًا إلى وقوع بعض المراهقين في هذه الفترة في جناح الأحداث؛ فالقيام بالأعمال التي توقعه تحت طائلة العقاب من الوالدين أو المعلمين أو السلطة الجنائية "الشرطة والقضاء" تُعَدُّ أحيانًا من قبيل تأكيد الذات المفتقدة في هذه الفترة, وينشأ معظم الشعور بعدم الثقة لدى المراهقين في فترة البلوغ من الأسباب الآتية:
أ- نقص المقاومة الجسمية والقابلية الشديدة للتعب.
ب- الضغوط الاجتماعية المستمرة التي تطلب منه القيام بما هو أكثر مما كان يؤديه من قبل.
جـ- نقد الكبار لطريقته في أداء العمل, أو لعدم قيامه به.
١١- الاهتمام بمسائل الجنس: يؤدي نمو الأعضاء الجنسية الأولية
стр. 319
والثانوية في فترة البلوغ إلى تركيز اهتمام المراهق على مسائل الجنس إلى الحدِّ الذي يشغل معظم وقته وتفكيره, فيقارن بين شكل جسمه وأجسام الآخرين من أقرانه من نفس الجنس، ويقرأ بعض الكتب على أمل الحصول على بعض المعلومات عن الجنس، ويلجأ إلى بعض المصادر غير الدقيقة؛ مثل الأصدقاء أو الخدم أو الشارع أو الكتب الرخيصة أو أفلام الجنس التي شاعت في السنوات الأخيرة, وتمثل خطرًا بالغًا على المراهقين في هذه الفترة بالذات، بالإضافة إلى خطرها على الإنسان في مختلف مراحل عمره, وقد يقود ذلك كله المراهق إلى بعض المشكلات الجنسية, وخاصة ممارسة العادة السرية, وتتناقص هذه المشكلات وتَقِلُّ حدتها مع اكتمال النضج الجنسي, وخاصة إذا توافرت ظروف تربوية مناسبة.
١٢- أحلام اليقظة: أحلام اليقظة هي أفضل وسائل قضاء الوقت لدى المراهق في سن البلوغ, وعادةً ما تدور أحلامه حول "بطل مظلوم مغبون الحق", والبطل بالطبع هو المراهق نفسه، وقد يكون الظلم الذي يتخيله من نوع سوء الفهم أو سوء المعاملة التي يلقاها من الأبوين أو المعلمين أو الأصدقاء أو المجتمع, وتكون أحلام اليقظة بهذه الطريقة مصدرًا هامًّا للتعبير عن الانفعالات وإشباع الدوافع, فهو يستمتع بدوره في حلم اليقظة مهما اشتدت المعاناة؛ لأنه يعلم أن نهاية الحلم ستكون دائمًا لصالحه.
ومهما كانت هذه الأحلام سارّة للمراهق, إلّا أنها تُدَعِّمُ فيه اعتقاده -الذي أشرنا إليه- وهو أنه لا أحد يحبه, وبالطبع كلما ازداد المراهق اندماجًا في هذه الأحلام يزداد بُعْدًا عن الواقع, ويزداد تكيفه الاجتماعي سوءًا.
١٣- شدة الحياء: يصاحب فترة البلوغ شعور المراهق بالحياء, ويصبح أكثر وعيًا بجسمه وأعضائه؛ فيشعر بالغضب إذا دخل عليه أحدٌ غرفته فجأة وهو يُغَيِّرُ ملابسه، أو يقتحم عليه الحمام وهو يغتسل، وهي أمور لم تكن تثير فيه مشاعر القلق في مرحلة الطفولة, وبالطبع فإن هذا الشعور هو نتاجٌ مباشرٌ للتغيرات الجسمية السريعة في هذه الفترة, إلّا أنه يُعَدُّ أساس الشعور الأخلاقي فيما بعد، "فالحياء شعبة من الإيمان" كما قال الرسول ﵊.
стр. 320
النمو العقلي المعرفي:
يستمر النمو العقلي في المراهقة سواءً من الوجهة الكمية أو الكيفية؛ فالتغَيُّر يكون كميًّا, بمعنى أن المراهق يصبح أكثر قدرة على إنجاز المهامِّ العقلية على نحوٍ أكثر سهولة وسرعة وكفاءة من الطفل, كما أن هذا التغيُّر يكون كيفيًّا, بمعنى أنه تحدث في المراهقة تغيرات في طبيعة العمليات المعرفية تجعلها مختلفة عنها في مرحلة الطفولة.
فمع بداية مرحلة المراهقة تنمو في الفرد القدرة على التفكير باستخدام العمليات الصورية أو الشكلية Formal opertions كما يسميه بياجيه، ويُعَدُّ ظهور هذه القدرة في رأيه المرحلة الرابعة والأخيرة في النمو العقلي والمعرفي عند الإنسان, والتي يتم الوصول إليها خلال الفترة العمرية بين ١١، ١٥ عامًا، وهو رأيٌ تَعَرَّضَ للنقد في السنوات الأخيرة, وسوف نعرض لذلك في تناولنا لمرحلة الرشد.
إن المراهق والراشد -بعد ذلك- يستطيع باستخدام العلميات الصورية أن يفكر بدرجة كافية من المرونة حول العالم الذي يعيش فيه، ويتناول العموميات المجردة من حوله؛ كمفاهيم الحرية والعدالة, كما يستطيع أن يدرك الخصائص الداخلية للأشياء, ولا يقتصر عند حدود الخصائص الخارجية التي يحكمها الإدراك الحسي.
إلّا أن هذا لا يعني أن المراهق يفكِّرُ كما يفكر الراشد, وإنما يعني أن المراهق أصبحت تتوافر لديه القدرة على استخدام نفس المنحى الذي يستخدمه الراشد في حل المشكلات.
وكلٌّ من التفكير باستخدام العمليات الصورية, والتفكير باستخدام العمليات العيانية "في الطور السابق", يعتمد على العمليات المنطقية, والفرق الجوهريّ بينهما: أن التفكير العياني يرتبط بالموقف الراهن والخصائص المحسوسة في البيئة، أما التفكير الصوري فيتعامل مع المشكلات المجردة واللفظية, سواء أكانت حقيقية أم مفترضة، وسواء في الحاضر أو الماضي أو المستقبل؛ فالتفكير الصوري يحرر تفكير المراهق -ثم الراشد فيما بعد- من المحتوى النوعي الخاص للمشكلات.
والتفكير الصوري هو عملية "من مستوى رفيع", ويتسم بالخصائص الخمس الآتية:
١ - الاستدلال المجرد: بالطبع تنمو لدى الأطفال -قبل مرحلة المراهقة- القدرة على التعميم قبل سن ١١ سنة, إلّا أنَّهم لا يكونون مستعدين لفهم الخصائص المجردة مثل التطابق والكتلة, ومع بلوغ المراهقين سن ١٥ سنة يمكن لمعظمهم التعامل مع معظم هذه المفاهيم، ومنها المفاهيم الفلسفية؛ مثل الديمقراطية والحق والعقيدة وغيرها, بل قد تكون لديه مشاعر واتجاهات نحو المفاهيم والأفكار, وليس مجرد الأشياء والأشخاص.