البلوغ على السلوك بالغة السوء, ومن هذه التأثيرات تذكر هيرلوك،Hurlock ١٩٨٠ ما يلي:
١- الرغبة في التفرد والانعزال: أشرنا إلى أن الطفل في مرحلة المدرسة الابتدائية يكون لديه ميلٌ لمصاحبة الآخرين, ويصل هذا الميل إلى قمته في نهاية فترة الطفولة المتأخرة, ثم سرعان ما يحدث مع البلوغ -وفي وقت وجيز- أن يفقد الطفل ميله لرفاق اللعب، فينسحب من الجماعة ويقضي معظم وقته وحده، وإذا كانت له حجرته الخاصة فإنه يغلقها على نفسه, وهذا الانسحاب من الجماعة يصاحبه نزاعٌ مع الأصدقاء القدامى, وبالتالي انهيار لكثير من صداقات الطفولة, كما يحدث أيضًا انعزال مفاجئ وواضح عن نشاط الأسرة.
٢- النفور من العمل والنشاط: في هذه الفترة نلاحظ أيضًا على المراهق الذي كان في طفولته ممتلئًا حيويةً ونشاطًا, والذي لم يكن يبدو عليه التعب من العمل أو اللعب "كما نشاهد في فناء مدرسة ابتدائية مثلًا" يبدو عليه التعب بشكلٍ واضحٍ, ونتيجة لذلك فهو يعمل عملًا ضئيلًا ويؤدي أقل ما يمكن في المنزل, ويهمل واجبات المدرسة, ومن المؤكد أن هذا النفور ليس كسلًا إراديًّا, كما أنه ليس نتيجةً للتغير في المستوى العقلي للفرد، وإنما هو نتيجة مباشرة للنمو الجسمي السريع الذي يفوق طاقته, وكلما كانت التغيرات مفاجئة عند البلوغ كانت التغيرات في أداء الطفل في المدرسة وفي تحصيله مفاجئة أيضًا, وعادةً ما يُلَامُ التلميذ على هذا الكسل في المنزل والمدرسة, وقد يؤدي ذلك إلى مزيدٍ من النتائج غير السارة.
٣- عدم التآزر: في بداية البلوغ وما يصاحبه من نموٍّ سريعٍ وغير مُنَظَّمٍ, يطرأ على المراهق تأخر مؤقت في أنماط معينة من التآزر والتوازن والرشاقة؛ فتتناقص القدرة الحركية ويختل المشي, وبعد أن يعود النمو إلى معدله البطيء, وبعد أن يتكيف الفتى أو الفتاة للتغيرات الحادثة في نسب الجسم, يعود النشاط إلى التآزر تدريجيًّا.
٤- الملل: يظهر على المراهق مللٌ من اللعب بالألعاب التي كان يستمتع بها في المراحل السابقة, سواء كانت مع أقران المدرسة أو في الحياة الاجتماعية العامة, ويظهر ذلك في رفضه الاشتراك في هذه الأنشطة, ويصفها بأنها "طفلية", وحين لا يقابل سلوكه بالتقبل من الآخرين يظهر عليه اتجاه اللامبالاة, أو الإحساس بالنبذ والرفض.
стр. 317
٥- عدم الاستقرار: تتغير ميول المراهق كما يتغير جسمه، إلّا أنه عند البلوغ لا يكون عادةً قد كَوَّنَ ميولًَا جديدة تمتص انتباهه كما كان يحدث في الطفولة, ولذلك نجده ينتقل من نشاطٍ لآخر, ولا يشعر بالرضا من أيٍّ من هذه الأنشطة, ويصاحب ذلك مشاعر التوتر والقلق.
٦- الرفض والعناد: تتميز اتجاهات المراهق عند البلوغ بأنها اتجاهات رفض ومعاداة للأسرة والأصدقاء والمجتمع عمومًا، ولذلك كثيرًا ما نجده مهمومًا محزونًا، ولا يقتصر همه على نفسه, بل يمده إلى الغير؛ فيفسد على الآخرين سرورهم بالمخالفة والمعارضة وعدم التعاون ورفض رغباتهم, وفي المنزل يكون غيورًا من إخوته وناقدًا لهم؛ فيسبهم ويتعارك معهم دون سببٍ واضحٍ, ويعاندهم عن قصد, ويجادل مع أفراد الأسرة "الأم والأب وغيرهما"، لمجرد إثارة المتاعب وخاصةً لإخوته, ويسلك خارج المنزل بنفس الطريقة تقريبًا مع أصدقائه, وتنشأ بينه وبينهم المعارك لأتفه الأسباب.
وينتج عن ذلك انهيار الصداقات القديمة, ومع التَّقَدُّمِ في البلوغ يزداد المراهق نضجًا في سلوكه الاجتماعي, ويصبح أكثر صداقة وتعاونًا مع الآخرين.
٧- مقاومة السلطة: يظهر على الطفل خلال فترة الطفولة ميلٌ لمقاومة السلطة يصاحبه رغبة في الاستقلال، إلّا أن هذا الميل يزداد حِدَّةً أثناء فترة البلوغ, ولذلك يحدث في هذه الفترة أكبر مقدار من الصراع والنزاع بين المراهقين ووالديهم "وخاصة الأم" وخاصة عند حوالي سن ١٣سنة, والسبب في كثرة الصراعات مع الأم أنها الأكثر اتصالًا بالمراهق داخل المنزل منذ طفولته, فإذا كانت الأم أقل تقييدًا وأكثر تسامحًا تقل هذه المنازعات معها, ويسعى المراهق إلى مقاومة كل ألوان السلطة، وحين يكتشف أن محاولاته تبوء بالفشل يزداد عنادًا. وقد يلجأ إلى الانسحاب من مثل هذه المواقف التي قد تؤدي إلى العقاب بسبب عدم الطاعة, وقد يصدر عنه ما يمكن أن يصنف بأنه "سوء سلوك"، ومعظمه من النوع البسيط, والمراهق العادي في هذه الفترة لا يصدر عنه ما يمكن أن يضعه في فئة "الأحداث الجانحين"، على الرغم من أن عدم استقراره يجعله مثيرًا لإزعاج الآخرين, وتصدر عنه أفعال مزعجة، إلّا أن هذا كله يتناقص خلال النموِّ أثناء المراهقة, وخاصةً مع اكتمال النضج الجنسي.
٨- رفض الجنس الآخر: يظهر سلوك رفض الجنس الآخر في نهاية الطفولة المتأخرة, ويصل قمته في فترة البلوغ, ومن الأمور الشائعة في هذا السن
стр. 318
العداء الصريح بين الجنسين, ويكون رفض الإناث للذكور أكثر من رفض الذكور للإناث, ويظهر هذا الرفض في صورة مختلفة عن المرحلة السابقة, فلم يعد الأمر مجرد انسحاب كلٍّ من الجنسين بعيدًا عن الآخر, وإنما تظهر في البلوغ صور العداء الصريح بينهما، ويتمثل ذلك في النقد المستمر والتعليق اللاذع.
٩- الانفعالية الشديدة: يؤدي التوتر والاضطراب الناتجان عن الاتجاهات والميول المتغيرة من ناحيةٍ, وعن التغيرات الجسمية والغددية من ناحيةٍ أخرى, إلى حِدَّةِ الانفعالات التي تظهر في فترة البلوغ, ويكون المراهق شديد الحساسية, ويفسِّرُ معظم ما يسمعه من الكبار أو الأقران على أنه مُوَجَّهٌ إليه، وتزداد هذه الحساسية بالنسبة للإخوة، كما تزداد في هذه الفترة المخاوف المتوهمة, فيشعر المراهق بالقلق من المشكلات التي تتعلق بكفاءاته الشخصية والاجتماعية, ويتحول من تذوق الفكاهة الذي كان عليه في المرحلة السابقة إلى الشعور بالكآبة, وقد تكون حالته الانفعالية موضع تعليق الكبار في بيئته ونقدهم, مما يزيد من شعوره بأنه لم يَعُدْ محبوبًا من أحدٍ, وأن "العالم كله ضده".
١٠ - نقصان الثقة بالنفس: إن الطفل الذي كانت ثقته بنفسه زائدة, وتسيطر عليه مشاعر الزهو والغرور, يصبح عند البلوغ أقل ثقة بنفسه، فيشك في قدراته, ويشعر بأنه أصبح أقل كفاءة من الناحيتين الشخصية والاجتماعية, وقد يختفي هذا الشعور وراء كثيرٍ من أنماط العناد التي يبديها؛ فرفضه للأعمال والمهام المتوقعة منه ينشأ من خوفه من العجز, كما قد يختفي وراء كثير من التباهي والتفاخر بقدراته, ثم الانسحاب عندما يطلب منه أداء المهام والأعمال موضع هذا التباهي, وهكذا يكون "مفهوم الذات" عنده غير مُسْتَقِرٍّ, وقد يقود هذا أحيانًا إلى وقوع بعض المراهقين في هذه الفترة في جناح الأحداث؛ فالقيام بالأعمال التي توقعه تحت طائلة العقاب من الوالدين أو المعلمين أو السلطة الجنائية "الشرطة والقضاء" تُعَدُّ أحيانًا من قبيل تأكيد الذات المفتقدة في هذه الفترة, وينشأ معظم الشعور بعدم الثقة لدى المراهقين في فترة البلوغ من الأسباب الآتية:
أ- نقص المقاومة الجسمية والقابلية الشديدة للتعب.
ب- الضغوط الاجتماعية المستمرة التي تطلب منه القيام بما هو أكثر مما كان يؤديه من قبل.
جـ- نقد الكبار لطريقته في أداء العمل, أو لعدم قيامه به.
١١- الاهتمام بمسائل الجنس: يؤدي نمو الأعضاء الجنسية الأولية
стр. 319
والثانوية في فترة البلوغ إلى تركيز اهتمام المراهق على مسائل الجنس إلى الحدِّ الذي يشغل معظم وقته وتفكيره, فيقارن بين شكل جسمه وأجسام الآخرين من أقرانه من نفس الجنس، ويقرأ بعض الكتب على أمل الحصول على بعض المعلومات عن الجنس، ويلجأ إلى بعض المصادر غير الدقيقة؛ مثل الأصدقاء أو الخدم أو الشارع أو الكتب الرخيصة أو أفلام الجنس التي شاعت في السنوات الأخيرة, وتمثل خطرًا بالغًا على المراهقين في هذه الفترة بالذات، بالإضافة إلى خطرها على الإنسان في مختلف مراحل عمره, وقد يقود ذلك كله المراهق إلى بعض المشكلات الجنسية, وخاصة ممارسة العادة السرية, وتتناقص هذه المشكلات وتَقِلُّ حدتها مع اكتمال النضج الجنسي, وخاصة إذا توافرت ظروف تربوية مناسبة.
١٢- أحلام اليقظة: أحلام اليقظة هي أفضل وسائل قضاء الوقت لدى المراهق في سن البلوغ, وعادةً ما تدور أحلامه حول "بطل مظلوم مغبون الحق", والبطل بالطبع هو المراهق نفسه، وقد يكون الظلم الذي يتخيله من نوع سوء الفهم أو سوء المعاملة التي يلقاها من الأبوين أو المعلمين أو الأصدقاء أو المجتمع, وتكون أحلام اليقظة بهذه الطريقة مصدرًا هامًّا للتعبير عن الانفعالات وإشباع الدوافع, فهو يستمتع بدوره في حلم اليقظة مهما اشتدت المعاناة؛ لأنه يعلم أن نهاية الحلم ستكون دائمًا لصالحه.
ومهما كانت هذه الأحلام سارّة للمراهق, إلّا أنها تُدَعِّمُ فيه اعتقاده -الذي أشرنا إليه- وهو أنه لا أحد يحبه, وبالطبع كلما ازداد المراهق اندماجًا في هذه الأحلام يزداد بُعْدًا عن الواقع, ويزداد تكيفه الاجتماعي سوءًا.
١٣- شدة الحياء: يصاحب فترة البلوغ شعور المراهق بالحياء, ويصبح أكثر وعيًا بجسمه وأعضائه؛ فيشعر بالغضب إذا دخل عليه أحدٌ غرفته فجأة وهو يُغَيِّرُ ملابسه، أو يقتحم عليه الحمام وهو يغتسل، وهي أمور لم تكن تثير فيه مشاعر القلق في مرحلة الطفولة, وبالطبع فإن هذا الشعور هو نتاجٌ مباشرٌ للتغيرات الجسمية السريعة في هذه الفترة, إلّا أنه يُعَدُّ أساس الشعور الأخلاقي فيما بعد، "فالحياء شعبة من الإيمان" كما قال الرسول ﵊.
стр. 320
النمو العقلي المعرفي:
يستمر النمو العقلي في المراهقة سواءً من الوجهة الكمية أو الكيفية؛ فالتغَيُّر يكون كميًّا, بمعنى أن المراهق يصبح أكثر قدرة على إنجاز المهامِّ العقلية على نحوٍ أكثر سهولة وسرعة وكفاءة من الطفل, كما أن هذا التغيُّر يكون كيفيًّا, بمعنى أنه تحدث في المراهقة تغيرات في طبيعة العمليات المعرفية تجعلها مختلفة عنها في مرحلة الطفولة.
فمع بداية مرحلة المراهقة تنمو في الفرد القدرة على التفكير باستخدام العمليات الصورية أو الشكلية Formal opertions كما يسميه بياجيه، ويُعَدُّ ظهور هذه القدرة في رأيه المرحلة الرابعة والأخيرة في النمو العقلي والمعرفي عند الإنسان, والتي يتم الوصول إليها خلال الفترة العمرية بين ١١، ١٥ عامًا، وهو رأيٌ تَعَرَّضَ للنقد في السنوات الأخيرة, وسوف نعرض لذلك في تناولنا لمرحلة الرشد.
إن المراهق والراشد -بعد ذلك- يستطيع باستخدام العلميات الصورية أن يفكر بدرجة كافية من المرونة حول العالم الذي يعيش فيه، ويتناول العموميات المجردة من حوله؛ كمفاهيم الحرية والعدالة, كما يستطيع أن يدرك الخصائص الداخلية للأشياء, ولا يقتصر عند حدود الخصائص الخارجية التي يحكمها الإدراك الحسي.
إلّا أن هذا لا يعني أن المراهق يفكِّرُ كما يفكر الراشد, وإنما يعني أن المراهق أصبحت تتوافر لديه القدرة على استخدام نفس المنحى الذي يستخدمه الراشد في حل المشكلات.
وكلٌّ من التفكير باستخدام العمليات الصورية, والتفكير باستخدام العمليات العيانية "في الطور السابق", يعتمد على العمليات المنطقية, والفرق الجوهريّ بينهما: أن التفكير العياني يرتبط بالموقف الراهن والخصائص المحسوسة في البيئة، أما التفكير الصوري فيتعامل مع المشكلات المجردة واللفظية, سواء أكانت حقيقية أم مفترضة، وسواء في الحاضر أو الماضي أو المستقبل؛ فالتفكير الصوري يحرر تفكير المراهق -ثم الراشد فيما بعد- من المحتوى النوعي الخاص للمشكلات.
والتفكير الصوري هو عملية "من مستوى رفيع", ويتسم بالخصائص الخمس الآتية:
١ - الاستدلال المجرد: بالطبع تنمو لدى الأطفال -قبل مرحلة المراهقة- القدرة على التعميم قبل سن ١١ سنة, إلّا أنَّهم لا يكونون مستعدين لفهم الخصائص المجردة مثل التطابق والكتلة, ومع بلوغ المراهقين سن ١٥ سنة يمكن لمعظمهم التعامل مع معظم هذه المفاهيم، ومنها المفاهيم الفلسفية؛ مثل الديمقراطية والحق والعقيدة وغيرها, بل قد تكون لديه مشاعر واتجاهات نحو المفاهيم والأفكار, وليس مجرد الأشياء والأشخاص.
стр. 321
ويمكن للمراهق كذلك أن يبدأ في التفكير على المستوى النظري بدلًا من الاقتصار على حدود الحقائق الملاحظة والواقع الظاهريّ للموقف الذي يوجد فيه "Flavell Flavell", ومن ذلك مثلًا: أن طفل المدرسة الابتدائية "طور التمييز" إذا أُعْطِيَ المقدمتين الآتيتين:
البقرة أكبر من القطة.
القطة أكبر من الفأر.
فإنه يستطيع أن يستنتج بسهولة النتيجة الآتية:
البقرة أكبر من الفأر.
إلّا أن نفس هؤلاء الأطفال يرفضون الاستدلال الآتي على الرغم من صحته المنطقية:
الفأر أكبر من القطة.
القطة أكبر من البقرة.
إذن: الفأر أكبر من البقرة.
والصعوبة التي يواجهونها في تَقَبُّلِ منطق هذه النتيجة الأخيرة أنها تتعارض مع خبراتهم اليومية الملاحظة، ولا يستطيع الطفل في طور التمييز أن يفصل بين الشكل والمحتوى في المشكلة التي يقوم بحلها, أمَّا في المراهقة، ومع وصول الشخص إلى مستوى العمليات الصورية, فإنه يكون قادرًا على هذا الفصل, وبالتالي يستطيع أن يحلل التضمينات المنطقية لمواقف وعبارات افتراضية تمامًا.
وعلى الرغم من أن الطفل في مرحلة التفكير العياني "المرحلة السابقة" يفكر باستخدام الرموز, مما يعينه على إتقان العلميات الرياضية, إلّا أنه يستخدم هذه الرموز في الإشارة إلى مدلولاتٍ محسوسة، ولذلك يسمى الاستدلال في هذه المرحلة "التفكير الإجرائي من الدرجة الأولى".
أمَّا التفكير الإجرائي في مرحلة العمليات الصورية "المراهقة", فإنه يتَّسِمُ بالقدرة على التفكير في "الرموز التي تمثل رموزًا أخرى"، ومن أمثلة ذلك استخدام الرموز س، ص, ع, في الجبر؛ لتحل محل الرموز من الدرجة الأولى, أي الأعداد ١، ٢، ٣, وغيرها في الحساب, وهكذا يصبح المراهق في طور التفكير الصوري في غير حاجة إلى أمثلة محسوسة, أو رموزٍ من الدرجة الأولى حتى يفكر, وهكذا يصبح التفكير مجردًا تمامًا، أي: يصبح قدرةً على المعالجة المنطقية للقضايا والرموز المشتقة من الحقيقة العيانية والمعتمدة عليها، أي: يصبح -بلغة
стр. 322
بياجيه- "تفكيرًا إجرائيًّا من الدرجة الثانية", وبالتالي يستطيع المراهق إيجاد قيمة أكبر الثلاثة في العلاقتين "أ < ب، جـ < ب".
٢- التمييز بين الواقع والمحتمل: لعلَّ القدرة على التمييز بين الحقيقي "أي: الموجود في عالم الواقع", والافتراضي "أي: الذي يحتمل وجوده, ولا يوجد بالضرورة في عالم الواقع" هي أهم خصائص التفكير الصوري الإجرائي, باعتباره أعلى صور التفكير المجرد, معنى ذلك أن المراهق -ثم الراشد فيما بعد- قادران على معالجة جميع ما يحتمل أن يُوجَدَ, وليس فقط تمثيلات "صور" الأشياء التي توجد بالفعل, ومعنى ذلك أيضًا: أن المراهق يستطيع أن يفكِّرَ على النحو التالي: أنه إذا كان أحد جوانب الواقع أو الحقيقة صحيحًا, فإن بعض النواتج يمكن أن تستنتج, ثم يمكن أن تختبر, ويصبح التفكير في هذه الحالة حول القضايا وليس حول الحقائق.
فمن الملاحظ في مرحلة التفكير العياني أن المحتمل أو الممكن يترادف مع الواقعي أو الحقيقي، بينما في التفكير الصوري يُعَدُّ الواقع أو الحقيقة أحد الاحتمالات العديدة الممكنة. إن المراهق في هذا الطور لم يَعُدْ قانعًا بالتعامل مع الخبرة المباشرة, ولكنه يفكِّرُ بشكلٍ مستمرٍّ في البدائل المختلفة, ويستثمر المراهق هذه القدرة الجديدة في التعامل مع مختلف جوانب الحياة: السياسة، الدين، التربية، المستقبل المهني، الألعاب الرياضية، العلاقات الاجتماعية, وغيرها؛ فهو يتعامل مع الأفكار والمثل العليا والأيديولوجيات, وربما لهذا السبب يوصف المراهق بأنه "غير واقعي" أو "مثالي" أو "حالم".
ومع ذلك, فإن التفكير في الإطار الاحتمالي بعين المراهق على تناول البدائل والاختيارات المختلفة للمشكلة الواحدة، فسرعان ما يتحقق من أنه لا توجد طريقة واحدة فقط لحل المشكلة أو المسألة, وهذه المرونة الجديدة في التفكير تسمح له بالتعامل مع الأفكار العيانية والمجردة من منظورات مختلفة، بل قد يفكر في المستحيل, أو في الموقف المضاد, أو بطريقة لا تتفق مع حقائق الواقع "بنظرة ابتكارية أو إبداعية".
وكذلك يمكن للمراهق أن يتوقع وجهة نظر الآخر المعارِضِ له, ويصوغ حُجَجًا مضادة لها, ويمكن استثمار هذه القدرة في أنشطة المناظرات في المدرسة الثانوية.
ومن أهم النواتج المترتبة على نموِّ القدرة على التفكير الاحتمالي ما يلي:
أ- زيادة اهتمام المراهق بمستقبله التعليمي والمهني, ويتمثَّل ذلك في الحاجة
стр. 323
إلى تحديد الأهداف وتنظيم الأنشطة لبلوغ هذه الأهداف, مع تنمية القدرة على تقويم البدائل, ومعرفة ما لكلٍّ منها وما عليه.
ب- زيادة اهتمام المراهق بالمقارنة بين الحال الذي عليه الواقع, وما يجب أن يكون عليه الحال, وهذه المقارنات تؤدي بالمراهقين إلى الانشغال بالقضايا السياسية والاجتماعية والدينية؛ مثل قضايا البيئة أو حقوق الإنسان أو المسائل الدينية والأخلاقية، وقد يقود ذلك إلى الإندماج في بعض الجماعات النشطة في المسائل، وربَّمَا يؤدي هذا النشاط إلى صراعٍ مع الوالدين والمعلمين والقيادة والسلطة, وربما يؤدي ببعض المراهقين إلى الانتساب إلى جماعات العنف والتطرف, ولحمايتهم يجب على الراشدين تقدير وجهة نظر المراهق ومعاونته على إدراك الفجوة بين الواقع والمحتمل "ومنه المستحيل"، وتعميم برامج تهيء له أهدافًا بديلة من خلال النشاط الاجتماعي المشروع، وهذه هي مسئولية المدرسة الإعدادية أو الثانوية, وبرامج رعاية الشباب على وجه الخصوص.
٣- اتساع نطاق التفكير: إلى جانب التغير في طبيعة التفكير في هذا الطور تظهر زيادةٌ في المدى أو الاتساع, فيصبح المراهق أكثر قدرةً على التعامل مع المثيرات الأكثر بُعْدًا في الزمان والمكان, كما أن العمليات المعرفية تصبح أكثر ارتباطًا بمعظم أنماط السلوك؛ بحيث تصبح هذه الأنماط أيسر في التحكم فيها معرفيًّا, وهكذا لا يصبح المراهق قادرًا على التفكير في المسائل العقلية وحدها, وإنما يستطيع أن يفكر أيضًا في المشكلات الانفعالية, ومشكلات العلاقات الإنسانية, وامشكلات الأخلاقية, والمشكلات العامة "مثل مشكلات مستقبل الجنس البشري", وغيرها, ويتميِّز المراهق بحماسه في التأمل، وهو يمارس العمليات الصورية في فهم عالمه كما يفعل الطفل في مرحلة الذكاء الحسي -الحركي, حين كان يستطلع عالمه بأصابعه وفمه.
٤- التفكير العلمي: تظهر العمليات الصورية في مجالاتٍ عديدةٍ من حياة الإنسان, وخاصةً ما يتصل منها بسلوك حل المشكلة؛ ففي إحدى تجارب بياجيه كان يعرض على المفحوصين شيئًا معلقًا بحبلٍ "أشبه ببندول الساعة", ويمكن لهذا البندول أن يتعدل بتغيير عدة عوامل منها: طول الحبل، وزن الشيء، الارتفاع الذي عنده يتحرك البندول، القوة التي يدفع بها، وكان على المفحوص أن يحدد أيّ هذه العوامل يحدد سرعة حركة البندول, والإجابة الصحيحة هي أن طول الحبل هي العامل الحاسم، كما أن على المفحوص أن يدرك أن اختبار أثر
стр. 324
أحد هذه المتغيرات يتطلب التحكم "أو تثبيت" العوامل الأخرى حتى يمكنه الحصول على نتائج دقيقة.
وقد لاحظ بياجيه أن الأطفال في طور العمليات المحسوسة "طور التمييز" يبدأون مثل هذه التجربة بالتعامل الماديّ مع العوامل المختلفة التي يمكن أن تؤثر في معدل سرعة البندول, وكانوا بذلك أكثر تعليلًا وانتظامًا ودقةً من أطفال طور ما قبل العلميات "طور الحضانة"، كما أنهم أكثر قدرةً على الملاحظة الموضوعية، إلّا أن استنتاجاتهم لا تكون في أحسن الحالات صحيحةً إلّا صحة جزئية؛ لأنهم لم يخططوا لأيّ تحكم أو ضبط أو تثبيت، بالإضافة إلى عجزهم عن تجاوز النتائج القابلة للملاحظة مباشرة؛ ففي إحدى التجارب قارن الطفل بين بندول مؤلف من حبل طويل وشيء ثقيل, ببندول آخر مكون من حبل قصير وشيء خفيف، واستنتج من ذلك أن كلًّا من الطول والارتفاع له أهميته, أما في مرحلة العمليات الصورية "وهي طور التفكير العلمي الصحيح" لا يغير المراهق إلّا وزن الشيء فقط, ويبقى طول الحبل وارتفاع البندول وقوة الدفع متساوية في كلٍّ من البندولين.
٥- الاستدلال الترابطي: من خصائص التفكير الصوري ما يسميه إنهلدير وبياجيه: الاستدلال الترابطي Combinatorial, وقد اكتشفا هذه الخاصية من التجربة الآتية, لقد أعطيا للمفحوص ٤ زجاجات متشابهة, تحتوي على سوائل لا لون لها ولا رائحة, ومتطابقة إدراكيًّا، ورمز لكلٍّ منها بالرموز الآتية ١ حامض كبريتيك مذاب, ٢ ماء, ٣ ماء مشبع بالأوكسيجين, ٤ كبريتات مخففة, ثم أضاف زجاجة "لها قطارة" رمز لها بالرمز "ج", تحتوي على البوتاسيوم اليودي، ومن المعروف أن الماء المشبع بالأوكسجين يؤكسد البوتاسيوم اليودي في وسيط حمضي، وعلى ذلك فإن المزيج "١ × ٣ × ج" يعطي لونًا أصفر, أما الماء فهو محايد، وبالتالي فإن إضافته لا تغير اللون، بينما الكبريتات المخففة "٤", تحول المزيج "١ × ٣ × ج" إلى اللون الأبيض, ويعرض الفاحص على المفحوص كأسين؛ أحدهما يحتوي على "١ × ٣", والثاني يحتوي على "٢"، ويصب أمام المفحوص قطرات عديدة من "ج" في كلٍّ من الكأسين, ويلاحظ ردود الأفعال المختلفة, وبعد ذلك يطلب من المفحوص ببساطةٍ أن يحضر اللون الأصفر باستخدام الزجاجات "١، ٢، ٣، ٤، ج" حسبما شاء.
لقد طلب من المفحوص في هذه التجربة إنتاج السائل الملون المعروض أمامه, دون أن يعرف طريقة الحصول عليه. إن هذه التجربة لو عرضت على الطفل في طور التفكير العياني فسوف يحلّ المشكلة بالمزاوجة بين كل سائلين فقط،
стр. 325
وقد يتسم ذلك بالعشوائية وتكرار المزاوجات, أما المراهق في طور التفكير الصوري, فإنه يستطيع اختبار جميع الروابط الممكنة، ويشمل ذلك المزاوجة بين أكثر من سائلين، وهو بذلك يفكر في إطار العلل "الأسباب" الضرورية والكافية, ومن ذلك مثلًا أن المراهق قد يكتشف أن المزج بين العناصر الكيميائية الثلاثة التي تنتج السائل الأصفر قد يكون ضروريًّا لإنتاج هذا اللون، ولكنه قد لا يكون كافيًا، ولذلك قد يستمر المراهق في إجراء اختباراته للبحث عن صور أخرى للمزج تؤدي إلى نفس النتيجة, أي أن المراهق باحث عن "الأسباب المتعددة" التي تتفاعل معًا، وبالتالي فإن تفكيره لا يكون "أحاديّ الرؤية", أو "حتميّ السببية", أي لا يكون من نوع التفكير في السبب الواحد والوحيد.
٦- الاستدلال متعدد الأبعاد: تعتمد هذه الخاصية على الخاصية السابقة؛ فالمراهق الذي يستطيع الربط بين عللٍ وأسبابٍ متعددةٍ للحدث الواحد, يمكنه التفكير في حلولٍ متعددة للمشكلة الواحدة, ويتطلب ذلك قدرةً على تناول البدائل متآنية "أي: في وقت واحد" من حيث الإيجابيات والسلبيات, ويؤدي ذلك بالمراهق إلى ترتيب البدائل, كما يعينه على الاختيار على تفضيل البديل الأكثر ملاءمة وفعالية في تحقيق هدف "أو أهداف" معينة بأقل قدرٍ من الآثار السلبية, وهذه إحدى القدرات الهامة في التفكير المستقبلي والتخطيطي, ويتطلب ذلك توافر مصادر كافية من المعلومات.
٧- التفكير الفرضي الاستنباطي: في المثال السابق نشير إلى أن المراهقين حين تُعْرِضُ عليهم هذه المشكلة يبدأون في التفكير في جميع الارتباطات المحتملة للعناصر، أو على الأقل, الاحتمالات الضرورية للوصول إلى تحديدٍ كاملٍ للسببية "العلية", وتتوافر لديهم عادةً طريقة منظمة للوصول إلى هذه الارتباطات مثل "١ × ج" إلخ، ثم "١ × ٢ × ج" إلخ, وتفصح لغة المفحوصين بوضوحٍ عن استخدام المنهج الفرضي الاستنباطي hypothetico- deductive في التعامل مع البيانات، مثل استخدام العبارات الشرطية "إذا ... إذن". ومن ذلك العبارة التي جاءت في بروتوكولات أحد المراهقين "إذا كان السائل "٤" ماء, فإنك حين تضعه على المزيج "١ × ٣" لن يمنع ذلك اللون الأصفر من الظهور، وعلى ذلك, فإنه ليس ماء؛ لأنه في الواقع حال دون ظهور اللون الأصفر", وبهذه الطريقة لم يعد المراهق يصوغ عبارات بسيطة حول المعطيات فحسب "السائل ٤ماء"، وإنما أصبح قادرًا على صياغة "عبارة حول العبارات", أو "قضية حول القضايا"، "مثال ذلك عبارة أن السائل ٤ ماء, تتضمَّنَ منطقيًّا أنه لا يمنع ظهور اللون
стр. 326
الأصفر", وهذا نوعٌ من التضمين المنطقي يدل على ما يسميه بياجيه "التفكير بين القضايا", وتعليمات من الدرجة الثانية كما سبقت الإشارة؛ فعبارة السائل ٤ لا يمنع اللون الأصفر من الظهور, لا تدرك في عالم الواقع, وبالتالي تتناول بوضوح "الممكن" و"الحقيقي", وهكذا فإن من خصائص التفكير الفرضي الاستنباطي أنه يتطَلَّبُ من المراهق أن يستدل من حقائق الواقع "الأمبريقي" على المحتمل أو الممكن، ثم العودة إلى الحقيقة الأمبريقة, وهذا النمط من التفكير هو أساسٌ آخر للتفكير العلمي, ويمكن وصفه بالبدء في صياغة فروض من نوع "إذا.... إذن ... ", ويتألف الجزء بعد حرف الشرط "إذا" من فكرة نظرية "أو احتمال"، أما الجزء بعد كلمة "إذن" فيدل على ما يتوقعه المرء من نتيجةٍ إذا كانت الفكرة صحيحة, ويتضمن التفكير الفرضيّ أيضًا القدرة على الوصول إلى الخاصية المشتركة أو المحورية بين مجموعة من الأشياء أو الأحداث التي تبدو غير مرتبطة لتؤلف فئة أو تظرية جديدة, فإذا كان التصنيف أو المبدأ أو القانون صحيحًا, إذن "بالاستدلال الاستنباطي" يمكن التنبؤ بأن أشياء أو أحداث أخرى يمكن أن تنتسب إلى هذه الفئة, أو ينطبق عليها المبدأ. وهذا هو أساس بناء القانون في العلم, بل يفيد التفكير الفرضي في بناء الفرد لفلسفته في الحياة وقيمه وأهدافه.
وجميع سمات التفكير الصوري تجعله أداةً جيدةً للاستدلال العلمي, فقد أظهرت بروتوكولات المراهقين أنهم قادرون على الوصول إلى الحل الصحيح بطريقةٍ قد تُعَدُّ من قبيل الاكتشاف العلمي؛ فالاستدلال الفرضي الاستنباطي، والطريقة الترابطية، وغيرهما من خصائص التفكير الصوري, تزود المراهقين بالأدوات اللازمة لتمييز المتغيرات التي تُعَدُّ سببية، وتثبيت أحد العوامل لتحديد الأثر السببي لعامل آخر، وهكذا, والمراهق يستطيع أن يتخيل التحويلات المختلفة التي تسمح بها البيانات حتى يمكن اختبارها تجريبيًّا، كما يستطيع إعطاء تفسير منطقي صحيح لنتائج هذه الاختبارات التجريبية؛ فمثلًا إذا حدث أنه حصل على اللون الأصفر من المزيج "١ × ٣ × ج" دون غيره، فإنه يستطيع أن يستنتج أن "١ × ٣ × ج" هو السبب الضروري والكافي، أي أن "١ × ٢ × ٣ × ج" قد ينتج هذا اللون, إلّا أن "٢" ليس ضروريًّا, وبهذا يعرف المفحوص أن المشكلة قد حلت.
وهكذا نجد المراهق حين يعمل بأقصى قدرته العقلية فإنه يستخدم هذا النوع من الأسلوب العلمي. إنه لا يندمج ببساطة في التجربة، كما أن تفكيره ليس مقيدًا بالنتائج المباشرة القابلة للملاحظة, إنه يبدأ أولًا بتأمل جميع الاحتمالات "أو الفروض" حول: ما الذي يساعد على سرعة البندول؟ أو كيف نحضر سائلًا
стр. 327
ذا لونٍ أصفر؟ وبهذا يكون قادرًا على تخيُّل أن هناك عاملًا أو مجموعة من العوامل تحدث النتيجة، ويستطيع أن يستنبط ما يمكن أن يحدث إذا اختبر بعض هذه الحالات "أو الفروض", وعلى هذا فإنه حتى قبل أن يبدأ التجربة يكون قادرًا على وضع خطة أو تصميمٍ لاختبار كل احتمال بديلٍ بطريقةٍ منظمةٍ.
وهذا التطور المعرفي الذي يجعل المراهق يفكر "ذهنيًّا" في المشكلة, دون أن يؤدي بالفعل جميع الخطوات, يمكن أن يلاحظ في جميع مظاهر الحياة اليومية للمراهق, ويصاحب ذلك كله نمو مفهوم الزمن وزيادة القدرة على إدراك المستقبل ووضع أهداف طويلة المدى, فعلى عكس الطفل الذي ينشغل بما هو حاضر الآن, وماثل في المكان, لا يستطيع المراهق أن يدرك الحالة الراهنة المباشرة التي عليها الأشياء فحسب، وإنما يمكنه أن يدرك أيضًا ما يمكن أن تتضمنه وتفترضه. إنه يستطيع عندئذ أن يدرك الفرق بين الواقع والممكن, ولعل هذا يفسر لنا نقد المراهقين لبعض جوانب الواقع الاجتماعي, وانشغالهم ببدائل لما هو واقع. وهذا مثال على القدرة النامية لدى المراهق على استخدام التفكير المؤسس على العلميات الصورية أو الشكلية, إلّا أن هذا قد لا يتجاوز حدود الانشغال في "لعبة الأفكار", ولعل هذا ما دعا بعض الباحثين إلى وصف الاهتمامات المعرفية للمراهقين بأنها لا تتجاوز "الأقوال إلى الأفعال" "Mussen et al ١٩٨٤".
وبالإضافة إلى ذلك, فإن المراهق يكون أكثر وعيًا بالتمييز بين مجرد إدراك الأشياء واختزانها في الذاكرة, والمراهقون أكثر قدرةً على استخدام استراتيجيات أكثر تطورًا كمعينات للذاكرة, بالإضافة إلى أن منظور "زمن المستقبل" لديهم أكثر اتساعًا منه عند الأطفال.
ويشير جون فلافل إلى خاصيةٍ عامةٍ في تفكير المراهقين, وهي ما يسميه "الإحساس باللعبة", أي: وعي المراهق بأن كثيرًا من جوانب الحياة يتطلب توقع الاستراتيجيات وصياغتها وتنميتها حتى يمكنه التعامل مع المشكلات، سواء كانت هذه المشكلات تتصل بالسلوك الشخصي أو السلوك الاجتماعي.
والتغيرات العقلية والمعرفية في هذه المرحلة تلعب دورًا هامًّا في معاونة المراهق على التفاعل مع المطالب التربوية والمهنية المعقدة, فمن المستحيل على طالب المرحلة الإعدادية "أو المرحلة الثانية من التعليم الأساسي" أن يتقن المواد الأكاديمية التي يدرسها دون أن يتوافر لديه مستوى رفيع من التفكير المجرد، أو القدرة على التفكير باستخدام صيغ لفظية ورمزية لا ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالأشياء
стр. 328
العيانية الملموسة في عالم الواقع "من أمثلة ذلك الرياضيات واللغة".
وتعتمد جوانب أخرى كثيرة من نموِّ المراهق على التقدُّم المعرفي الذي يحرزه في هذه المرحلة؛ فالتغير في علاقات المراهق بوالديه، وفي سمات الشخصية، وفي التخطيط للمستقبل التعليمي والمهني، وفي زيادة الاهتمام بالمسائل الاجتماعية والسياسية والدينية والشخصية، بل وفي نمو الشعور بالهوية الشخصية، كلها تتأثر بالتغيرات العقلية والمعرفية في هذه المرحلة.
وانشغال المراهق بالتفكير في ذاته, وخاصة أفكار المراهق عن نفسه, من خصائص مرحلة العمليات الصورية. فمن المعتاد أن نلاحظ على المراهق تحولًا إلى التأمل الذاتي "الاستبطان", ولهذا يبدو على التفكير والسلوك في هذه المرحلة طابع التمركز حول الذات, ولا يعني هذا الوصف أن تفكير المراهقين هو عودة إلى التفكير الطفولي في مراحله المبكرة, فالفرق الجوهري هنا: أن تمركز المراهق حَوْلَ ذاته يتضمن فحص أفكاره ومشاعره وسمات شخصيته ومظهره الجسمي, ويؤدي به ذلك إلى زيادة الشعور بالذات، وهو شعور قوي في حَدِّ ذاته.
والشعور بالذات لدى المراهقين ليس غرضًا في ذاته؛ فالفتى الذي يقف أمام المرآة يتأمل عضلاته، أو الفتاة التي تقف أمام المرآة أيضًا تغيِّرُ في تسريحة شعرها, قد يتضمن ذلك الرغبة في جذب انتباه أقرانهم في زيارة أو حفلة, إلّا أن من المآسي البسيطة في حياة المراهقين أنهم حين يلتقون يكون كلٌّ منهم منشغلًًا بنفسه أكثر من انشغاله بالمراهقين الآخرين, على الرغم مما بذله كلٌّ منهم لجذب انتباه الأقران إليه.
وانصراف المراهق إلى المسائل العقلية قد يستخدمه كحيلةٍ نفسيةٍ للتعامل مع مشاعر القلق التي يعانيها, ويتمثَّل ذلك في اهتمام المراهق بالمسائل المجردة الفلسفية غير الشخصية, والتي يهتم بها اهتمامًا شخصيًّا مباشرًا, ومن ذلك مسائل الدين والحرية والمسئولية وطبيعة الصداقة, وتفيد هذه الممارسات العقلية -إلى جانب دورها في خفض قلق المراهقين- في تدريبهم على التفكير المجرد, وصَوْغِ الفروض واختبارها, وبصفة عامة فإن "العقلانية" -كحيلة دفاعية- تُسْتَخْدَمُ عادةً من قِبَلِ المراهق الذكيّ المثقف من أبناء المستويات الاقتصادية الاجتماعية المتوسطة, ويحتاج الميدان إلى بحوثٍ لمعرفة ما إذا كانت هذه الحيلة تشيع في الفئات الأخرى للمراهقين، ومعرفة محتوى "العقلانية" لديهم, وخاصة في بيئاتنا العربية والإسلامية, وعمومًا فإن النمو العقلي -كالنمو الجسمي- يسير في مرحلة المراهقة تدريجيًّا نحو الاستقرار الذي سوف نشهده عامةً مع الرشد.
стр. 329
النمو الانفعالي:
يوجد اتفاق عام على أن مرحلة المراهقة هي مرحلة "أزمة"، ولعل جورج ستانلي هول كان أوَّلَ من أطلق هذا الوصف في عبارته الشهيرة "مرحلة الضغوط والعواصف", وهو وصفٌ يتضمن المعنى التقليدي, وهو أن المراهقة مرحلة توتر انفعالي شديد, مصدره التغيرات الجسمية والسيكولوجية التي تحدث في هذه المرحلة, إلّا أننا إذا علمنا أن النموَّ يستمر طوال مرحلة المراهقة بمعدلٍ بطيءٍ، بعد البلوغ خاصة، وأن معظم النمو ليس إلّا محض تكملة للتغيرات التي حدثت بالفعل أثناء البلوغ، فإن هذا التفسير البيولوجي الحتمي للأزمة يصبح موضع شك, والأصح أن نضع في الاعتبار نتائج بحوث علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا التي أكدت أن أزمة المراهقة "تختلف في شكلها ومضمونها وحِدَّتِهَا من مجتمعٍ إلى مجتمعٍ، ومن حضارةٍ إلى حضارةٍ، وأنَّ المراهق أو الشاب يعكس في أزمته -في المحل الأول- ظروفًا اجتماعية وحضارية معينة, لا ظروفًا بيولوجية ونفسية. فالأزمة لا تكون استجابةً لتغيرات داخل الفرد نفسه، وإنما تكون نتيجة لاستجابة البيئة -أي المجتمع والحضارة- التي يعيش فيها للتغيرات التي تطرأ عليه "عزت حجازي، ١٩٧٨: ٥٣".
وهذا ما تؤكده أيضًا البحوث النفسية الحديثة, فعلى الرغم من أن كلَّ مراهقٍ يواجه بعض الظروف الضاغطة المجتهدة Strissors التي يمكن التنؤ بها, إلّا أن معظم المراهقين لا يشعرون بأن مرحلة المراهقة أكثر صعوبة من غيرها في حياة الإنسان "Simmon ١٩٨٧", ويعتمد ذلك في جوهره على النواحي المزاجية للمراهق، وعلاقته بوالديه, والخبرات والفرص التي تتهيأ له في بيئته الاجتماعية, وعلى هذا فإن "زملة الضغوط والعواصف" ليست عرضًا ملازمًا للمراهقة, وتلعب الأسرة دورها الحاسم، فكلما كانت علاقة المراهق بوالديه -في أطوار ما قبل المراهقة- على درجة كافية من السواء النفسي, كانت الظروف أكثر ملاءمة لاجتياز مرحلة المراهقة، وخاصةً في طورها المبكر، بنجاح.
تفسير الأزمة إذن يجب أن نبحث عنه في الظروف الاجتماعية التي تحيط بالمراهق, ومن ذلك ضغوط وتوقعات الجماعة على الفرد الذي لا يتزود طوال سنوات الطفولة بأيّ إعداد لمواجهة الظروف المتغيرة التي يتعرض لها خلال المراهقة, وفي ضوء هذا نقول: إننا لا نتوقع لجميع المراهقين أن يمروا بخبرة
стр. 330
"الضغوط والعواصف" التي أشار إليها ستانلي هول. صحيحٌ أن معظمهم يعاني من عدم الاستقرار الانفعالي من وقت لآخر, وهذا طبيعيٌّ بسبب التكيفات التي يجب أن تتمَّ لأنماطٍ جديدةٍ من السلوك, ولتوقعاتٍ اجتماعيةٍ جديدة, إلّا أن هذا كله لا يؤدي بالمراهق -حتمًا- إلى سوء التوافق أو الاضطراب النفسي.
ويؤكد هذا القول النتائج الهامة التي توصَّلَ إليها رائد بحوث المراهقة في مصر صموئيل مغاريوس "١٩٥٧"؛ ففي دراسته الهامة التي قام بها عام ١٩٥٧ على ٦٧ حالة من الشباب المصري الذين تجاوزوا مرحلة المراهقة, مستخدمًا طريقة تحليل الوثائق الشخصية "في صورة السير الذاتية", توصَّلَ من تحليل محتوى المذكرات التي كتبها هؤلاء المفحوصون إلى تصنيف "أشكال" المراهقة في مصر إلى أربعة أنواع هي: المراهقة التكيفية، والمراهقة الانسحابية المنطوية، والمراهقة العدوانية المتمردة، والمراهقة المنحرفة.
وعلى الرغم من أن انفعالات المراهق تكون في العادة حادةً، والتعبير عنها لا يخضع للتحكم، وبالرغم من ظهور بعض أعراض سوء التوافق نتيجةً لهذا, فإننا عادةً ما نلاحظ تحسنًا في السلوك الانفعالي عامًا بعد عامٍ, ومرةً أخرى نجد أن النموَّ الانفعالي يتجه تدريجيًّا نحو الاستقرار مع الاقتراب من مرحلة الرشد، شأنه في ذلك شأن النمو العقلي والجسمي.
وعمومًا فإن الأنماط الانفعالية لدى المراهق, تشبه إلى حَدٍّ كبيرٍ ما لدى الطفل، ولكنها تختلف عنها في نوع المثيرات التي تثير لدى المراهق انفعالاته، وفي صور التعبير عنها؛ فالغضب يستثار في المراهقة المبكرة نتيجة النقد أو السخرية, أو حين يشعر المراهق أن أصدقاءه يُعَامَلُونَ معاملةً غير ملائمة من الوالدين أو المعلمين، أو حين يُحْرَمُ من بعض الامتيازات التي يعتبرها من حقوقه، أو حين يُعَامَلُ "كطفلٍ", كما يشعر بالغضب حين لا تستقيم في نظره الأمور، أو حين يعجز عن إتمام ما أَعَدَّ نفسه لإنجازه، أو حين يُقَاطَعُ أثناء الانشغال بعمل، أو حين يقتحم الآخرون عالمه الخاص, أو يتم التعدي على ممتلكاته الشخصية.
ويشعر المراهق الصغير بكثير من مشاعر الإحباط حين يُعَاقُ إشباع حاجاته, وخاصةً حاجته إلى الاستقلال, كما تُوجَدُ مصادر كثيرة للتوتر, بعضها ينشأ عن سلوك الآخرين إزاءه "وخاصة الوالدين والمعلمين وغيرها من ممثلي السلطة الاجتماعية", وبعضها من الأشياء التي توجد في بيئته ولا يحبها، وبعضها الثالث من سلوكه هو, وقد يستخدم المراهق في هذه المرحلة الاستجابات الصريحة
стр. 331
للتعبير عن العدوان "كالعنف البدني عند الذكور, والصراخ والبكاء عند الإناث"، إلّا أنه يدرك بالتدريج أن مثل هذه الاستجابات تُعَدُّ من علامات عدم النضج، ويتعلم التحكم فيها, وتحل وسائل التعبير اللفظي محل الوسائل المباشرة في التعبير عن العدوان, ولا يكاد يصل المراهق إلى نهاية مرحلة المراهقة المبكرة إلّا ويكون تحكمه في استجابات الغضب قد وصل إلى درجة جيدة من النموّ؛ بحيث لا تظهر علامات التعبير المباشر عن العدوان إلّا في قليلٍ من الأحيان, وبالطبع تختلف صور التعبير عن العدوان تبعًا للمستوى الاقتصادي والاجتماعي وحسب الجنس.
ويتعلم المراهق أن معظم الأشياء التي كان يخاف منها أثناء الطفولة ليست مصدر خطرٍ أو أذًى كما يتوهم, ولهذا تزول معظم مخاوفه السابقة, وتحل محلها مخاوف جديدة يرتبط معظمها بالمواقف الاجتماعية التي قد يتعرض لها، كالوجود مع الغرباء, أو مع عدد كبير من الناس, أو في عزلة عن الآخرين, وتصل هذه المخاوف إلى قِمَّتِها في سن الثانية عشرة, ثم تبدأ في الزوال تدريجيًّا "M.Abou- Hatab ١٩٩٤", ويصبح مع المخاوف معتدل الحدة, ومع ذلك يؤدي به إلى الشعور بالخجل أو الارتباك, ومن ذلك حين يسعى المراهق إلى السلوك على النحو الذي يسلكه الراشدون، أو حين يجهل أفضل طريقة للسلوك في موقف اجتماعي معين, وقد يشعر بالارتباك من ملابسه, وخاصة في بعض المجتمعات التي تعد الملابس نوعًا من رموز المكانة الاجتماعية, ولعل هذا يفسر لنا كثيرًا من الخلل الاجتماعي الذي طرأ على مراهقينا نتيجةً لسيطرة فكرة "المستَوْرَد" على ما يلبسون، وأصبح أقصى ما يتمناه المراهق أن يحصل على "بنطلون مستورد", والمراهقة على "بلوزة" مستوردة تحقيقًا للوجاهة الاجتماعية التي أشاعها بهذا المعنى عصر "الانفتاح" في مصر, وخاصة في مراحله العشوائية المبكرة، وقد سقط في سبيل هذا الهدف كثير من الضحايا, ولعل الدعوات التي ظهرت في السنوات الأخيرة للتركيز على شعار "صُنِعَ في مصر" تؤدي إلى تعديل هذا السلوك في الاتجاه الصحيح.
ويمثِّلُ العمل المدرسي وما يرتبط به من امتحانات مصدر كثيرٍ من القلق لدى المراهق الصغير, ومن المصادر الأخرى لقلق المراهق مظهره, ونقص التفاهم مع والديه، والعلاقة بين الجنسين، وصعوبة تكوين صداقات، ونقص وسائل الترفيه الملائمة, والاختيار التعليمي والمهني، والمسائل الدينية والصحية، والملابس والنقود، وبعض المشكلات الشخصية مثل نقص التحكم الانفعالي.
стр. 332
النمو الاجتماعي:
لعل من أهم مطالب النموّ في مرحلة المراهقة تحقيق التكيف الاجتماعي, ولا شكَّ أن المراهق الذي تَتَكَوّنُ لديه قاعدة هذا التكيف خلال أطوار الطفولة, سوف يواجه المطالب الاجتماعية الجديدة بتكيفٍ ناجح, وبعض المراهقين يفشلون في تحقيق هذه المطالب, فيتوقفون عن المحاولة, وينكصون على أعقباهم إلى صور العلاقات الاجتماعية التي كانوا يمارسونها في مرحلة الطفولة، أو تصدر عنهم صور تعويضية من السلوك تحل محل السلوك الاجتماعي المعتاد.
ولعل أكثر صور التوافق الجديد أهميةً لدى المراهق الصغير، وأكثرها صعوبةً في نفس الوقت، ما يجب عليه أن يفعله إزاء الأثر المتزايد لجماعة الأقران، بالإضافة إلى الجماعات الاجتماعية الجديدة التي تظهر الحاجة إليها في هذه المرحلة، وأنماط السلوك الاجتماعي الجديد التي لم تكن شائعة في المراحل السابقة.
فمع اقتراب الطفل من نهاية مرحلة الطفولة وبداية مرحلة المراهقة, يزداد بُعْدُ الفرد عن الأبوين والمنزل إلى حَدٍّ كبيرٍ, ومعظم الوقت الذي يقضيه خارج المنزل "وهو أكثر مما يقضيه داخل المنزل" يكون مع جماعة الأقران, وهذا يعني بالضرورة أن هذه الجماعة لها أثر بالغ في اتجاهات المراهق الصغير وميوله وقيمه وسلوكه قد يفوق أثر الأسرة, إلّا أن هذا ليس قاعدة عامة, فتحديد الأثر النسبي لكلٍّ من الأسرة وجماعة الأقران يعتمد إلى حَدٍّ كبير على نظرة المراهق إلى كفاءةٍ كلٍّ منهما في توجيه سلوكه, فحين تكون مشكلاته مرتبطة بالحياة على وجه العموم, نجد المراهق الصغير يتوجه إلى والديه، أما إذا كانت هذه المشكلات مرتبطة بالمواقف الراهنة والخاصة, يلجأ إلى جمعة الأقران, وبصفة عامة يمكن القول أن مراهقي الحضر أكثر تأثرًا بجماعة الأقران، وأن مراهقي الريف أكثر تأثرًا بالأسرة, ويزداد أثر جماعة الأقران حدَّةً مع زيادة رغبة المراهق بالنمط السلوكي الذي تحدده الجماعة؛ فحين يكتشف المراهق الصغير مثلًا أن تفوقه الدارسي يجعله "مختلفًا" عن أعضاء الجماعة, فإنه يصبح أقل شغفًا بالحصول على تقديرات عالية في الامتحانات, ويفضِّلُ أن يكون "واحدًا من القطيع", بل إن البعض يبالغ في تصرفاته التزامًا بمعيار الجماعة حتى يتخلص من الصورة التي كانت له عند الآخرين حينما كان طفلًا، أي: صورة "الطفل الطيب المؤدب".
ولعل من أخطر مصادر المشكلات للمراهق الصغير تفضيله لمعايير جماعة
стр. 333
الأقران التي قد تتعارض مع معايير الكبار "وخاصة الوالدين", وعلى ذلك فإن الأب الذي يُصِرُّ على أن يذهب ابنه المراهق إلى النوم في تمام الساعة الثامنة مساء، كما كان طفلًا، قد يجد نفسه في موقف صراعٍ مع ابنه حين تكون معايير جماعة الأقران التي ينتسب إليها هي اعتبار الساعة العاشرة أو العاشرة والنصف مثلًا وقتًا معقولًا للنوم, وفي هذه الحالة يعيش المراهق في عالمٍ يحكمه معياران؛ أحدهما يقوم على توقعات الكبار منه، والآخر يعتمد على توقعات جماعة الأقران, وينشأ لدى المراهق الذي يحب والديه, والذي يريد في نفس الوقت أن يكون مقبولًا من جماعة الأقران, مشكلة اتخاذ قرارٍ مناسبٍ حول أيّ المعيارين سوف يتحكم في سلوكه، وهو عادةً ما يختار معيار جماعة الأقران بسبب الاتجاه الخارجي للنموّ في هذه المرحلة، وهذا التعامل مع المعايير المتضادة قد يخلق لدى المراهق مشكلات عامة وخاصة لدى الذكور.
إلّا أن أهم تَغَيُّرٍ يطرأ على السلوك الاجتماعي في هذه المرحلة أن "شِلَلَ" gangs الأطفال تتلاشى بالتدريج مع البلوغ الجنسي, وفي بداية المراهقة, مع تحوّل اهتمامات الفرد من نشاط اللعب في الطفولة إلى الأنشطة الاجتماعية في المراهقة, ولهذا تحل جماعات جديدة محل الشِّلَلِ القديمة, وعادة ما تكون جماعات الذكور أكبر وأقل تحديدًا, بينما جماعات الإناث أصغر وأكثر تحديدًا.
وأشهر أنواع التجمعات الاجتماعية في مرحلة المراهقة المبكرة ما تسميه هيرلوك "Hurlock" الرفقة الحميمة, والثلة clique, والجمهرة corwd, والجماعة المنظمة, ثم العصابة, وتتألف جماعة الرفقة الحميمة من أفضل الأصدقاء؛ فمع البلوغ يختار الفتى صديقًا وثيق الصلة به, يكون موضع سره، وكذلك تفعل الفتاة. هذا الرفيق يشبع لدى المراهق الكثير من حاجاته الاجتماعية؛ فنجده يقضي معه وقتًا أطول مما يقضيه مع الأصدقاء الآخرين, وعادةً ما يكون الرفيق من نفس الجنس لديه نفس الميول والقدرات, والعلاقة بينهما تكون وثيقةً إلى الحدِّ الذي يتأثر فيه كلٌّ منهما بالآخر, وعلى الرغم مما ينشأ بينهما من اختلاف، بل وصراعٍ قد يكون مريرًا، فإن صلة الصداقة بينهما تكون من القوة بحيث تتجاوز كل ذلك, وتعود الأمور بينهما إلى طبيعتها من جديد, وهكذا فإن جماعة الرفقة الحميمة هي في جوهرها من نوع المثنى diad.
أما الثلة فهي تجمع أكبر, إنها تشكل ثلاثة أو أربعة من الأصدقاء الحميمين الذين تجمعهم ميول وقدرات مشتركة أيضًا, وقد تتألف من عدة أزواج من الرفاق
стр. 334
الحميمين, وتكون الثلل في مراحل تكوينها المبكر من نفس الجنس، وتجمع أعضاؤها روابط قوية لا تتوافر في صداقات الطفولة, ويقضي أفراد الثلة أكبر وقت مستطاع مع بعضهم, وتتركز أنشطتهم على الأنشطة الجماعية؛ كالاستذكار الجماعي، أو الذهاب إلى الأفلام السينمائية، أو مشاهدة المباريات الرياضية، أو حضور الحفلات, أو التواصل سواء بالحديث المباشر, أو باستخدام التليفون "أكبر عدد من المكالمات التليفونية التي يقوم بها المراهق الصغير تكون مع أفراد ثلته", ومن المتوقع للمراهق حين ينتمي إلى ثلةٍ معينةٍ أن يساير معايير السلوك فيها, حتى لو اختلفت أو تعارضت مع معايير أسرته.
والجمهرة هي أكبر التجمعات الاجتماعية في مرحلة المراهقة، ولهذا توجد فيها مسافات اجتماعية بين أعضائها, وعادة ما تبدأ بثلةٍ ثم يزداد حجمها بانضمام أعضاء جدد؛ كأفراد أو كرفاق حميمين أو كثلل أخرى, وفي مثل هذه الظروف لا يكون جميع أعضاء الجمهرة متجانسين, وقد تكونه الجمهرة في البداية من نفس الجنس، ومع نموّ الاهتمام بالجنس الآخر تصبح هذه الجماعات مختطلة, وعادةً ما تكون أنشطة هذه الجماعات ذات طابع اجتماعي.
أما الجماعة المنظمة فهي تلك التي تنظمها المدارس والأندية وغيرها من المؤسسات الاجتماعية لتهيئة الفرصة للمراهقين لممارسة الأنشطة الاجتماعية, ولو نظمت هذه الجماعات تنظيمًا جيدًا لأشبعت الكثير من الحاجات الاجتماعية لدى المراهقين، إلّا أنه لسوء الحظِّ لا تحقق ذلك, بسبب الفشل في إكسابهم المهارات الاجتماعية، وروح السيطرة التي يفرضها أحيانًا قادة هذه الجماعات "الذين هم في العادة من الكبار".
ويوجد بعض المراهقين الأقل توافقًا من الوجهة الاجتماعية, وليس لديهم إلّا قليل من الصداقات بين زملائهم, ولهذا نجدهم يقضون وقتهم يتسكعون في الطرقات وعلى نواصي الشوارع والميادين, مؤلفين ما يمكن أن يسمى عصابة, وعادةً ما تكون هذه العصابات من نفس الجنس, وعلى الرغم من أن أفراد هذه العصابات لا يتحولون بالضرورة إلى أحداثٍ جانحين، إلّا أننا نلاحظ أن معظم الوقت يُقْضَى في سلوكٍ مضادٍّ للمجتمع, وفي بعض أحداث العنف, ولعل هذه الفئة تؤلف الجمهور الأعظم لأحداث العنف الجماعي التي تعرضت لها مصر في السنوات الأخيرة.
ومن أهم مظاهر التغير التي تطرأ على السلوك الاجتماعي للمراهق الصغير
стр. 335
محاولة تقمص شخصية أحد الراشدين، يفعل ما يفعلون في المواقف الاجتماعية المختلفة, ويلجأ بعضهم في سبيل تحقيق ذلك إلى الميل إلى إصدار أنماطٍ سلوكيةٍ تعبر عن مكانة الراشد، وأشهر الأمثلة في هذا الصدد التدخين, وقد يظهر هذا الميل لدى مراهق الأسر القادرة في صورة رغبة قوية في قيادة السيارة, ويزداد استخدام هذين النمطين السلوكيين كرموزٍ لمكانة الرشد عند المراهقين مع تقدمهم في السن.
ومن أنواع السلوك الاجتماعي الهامة التي تطرأ على حياة المراهقين الصغار العلاقات بين الجنسين؛ فالمراهق يتحول من النفور من الجنس الآخر في مرحلة الطفولة المتأخرة والمراهقة المبكرة, إلى الشغف والاهتمام به في أطوار المراهقة المتوسطة والمتأخرة, وهذا التحوّل يرتبط بالطبع بالنمو الفسيولوجي الذي يحدث بسرعة فائقة في هذه المرحلة.
ميول المراهقين:
تنشأ في مرحلة المراهقة ميول جديدة نتيجةً للتغيرات الجسمية والاجتماعية, وما يميل إليه المراهق يتوقف على جنسه وذكائه والبيئة التي يعيش فيها, وفرص التعليم المتاحة له, وما يهتم به أقرانه, وقدراته وميوله, وأسرته, وغير ذلك من العوامل الكثيرة, ويمكن تصنيف ميول المراهقين إلى ثلاثة أنواع على النحو الذي تقترحه هيرلوك "Hurlock ١٩٨٠", أي: الميول الاجتماعية، والميول الشخصية، وميول الترويج.
والميول الاجتماعية هي تلك التي تتعلق بالمواقف الاجتماعية, ويميل المراهق بإخلاصٍ شديدٍ إلى الآخرين, وخاصة أولئك الذين يشعر أنهم في حاجة إلى الرعاية، ويتمثّل هذا الميل في مشاركته النشطة في النشاط الاجتماعي المدرسي، وفي مشروعات خدمة البيئة التي تنظم عادة لمساعدة سكان المنطقة التي توجد فيها المدرسة, كما تظهر على المراهق ميول سياسية, سواء كانت تتعلق بالسياسة الداخلية أو بالسياسة الدولية, وتتمثل هذه الميول في كتاباته وفي نشاطه العملي، وقد يقوى هذا الميل عنده فيظهر في شكل جهد واضح لإصلاح الأسرة والأصدقاء والمدرسة.
стр. 336
أما عن الميول الشخصية فلها أهميةٌ خاصةٌ لدى المراهق, وخاصةً بسبب التغيرات البدنية التي تطرأ عليه خلال البلوغ, والتي تستمر ولو بمعدل بطيء بعد ذلك في مرحلة المراهقة المبكرة, وبعض هذا الاهتمام يعود جزئيًّا إلى معرفة المراهق أن كلًّا من التقبُّل الاجتماعي وتحقيق الذات يتأثر بالمظهر العام للفرد, ويرجع إلى هذا السبب معظم السلوك الذي يصدر عن المراهقين الصغار, ويبدو لنا غريبًا, وخاصةً عند محاولتهم ارتداء أزياء غير مألوفة, وتصفيف الشعر بطرقٍ غير عادية, وتكوين اتجاهات وعادات غريبة. هذه كلها جهود من قبل المراهق للحصول على التقبُّلِ الاجتماعيّ من خلال الالتزام بمعايير الجماعة من ناحية، وللوصول إلى تحقيق ذاته كشخص له حقوق وامتيازات الراشد من ناحية أخرى, وقد ينتج عن هذا ما يسميه الراشدون "البدع" أو "التقاليع"؛ لأنها تتغير تغيرًا سريعًا ومفاجئًا.
وبزيادة الاهتمام بالجنس الآخر تظهر على المراهق ميولٌ واهتماماتٌ بمظهره وملبسه وزينته, وخاصةً لدى البنات، كما يظهر عند المراهق ميلٌ ورغبةٌ في الاستقلال، والذي يظهر بصورة مخففة في نهاية الطفولة, ويتزايد مع بداية المراهقة, ويتمثل ذلك في مقاومة سلطة الكبار, سواء أكانوا آباء أم معلمين, ويؤدي ذلك إلى كثير من الصراعات والمشكلات معهم, كما تظهر على المراهق ميولًا للتمرد, وهي جميعًا أعراضٌ لرغبته في السلوك مستقلًّا عن الكبار, وحتى يحقق تلك الرغبة في الاستقلال تكون للنقود أهمية خاصة، ولا يتمثَّل ذلك في مناقشة مقدار ما يأخذ من مصروف، ولا حريته في إنفاقه فقط، وإنما يتساءل المراهق أيضًا كيف يمكنه أن يكسب نقودًا إضافية ليواجه احتياجاته، ولذلك قد يعمل بعض المراهقين في هذه المرحلة بعض الوقت, ثم يتزايد ميل المراهق نحو الامتلاك؛ كالحصول على الملابس وأدوات الرياضة، ويكون هذا الميل لدى الفتيان أقوى منه لدى الفتيات, وتتوقف حدة هذه الميول على القيم المسيطرة في المجتمع, فحين تكون القيم المادية هي السائدة تسود هذه الميول.
وطالب المدرسة الإعدادية والثانوية مشغولٌ منذ دخوله فيها بمستقبله الدارسي والمهني, والمفروض أن مستويات الطموح المهنية غير الواقعية في مرحلة الطفولة تتحول إلى الواقعية في المراهقة, وحتى تصبح هذه المستويات واقعية؛ فالمفروض أن يتعرف المراهق على قدراته وميوله وإمكاناته واستعداداته عن طريق خدمات نفسية منظمة, وقد توجهت وزراة التربية والتعليم منذ عام ١٩٩٠ إلى تقديم هذه الخدمات في المرحلة الثانوية, وذلك بتعيين أخصائيين
стр. 337
نفسيين في هذه المدارس, ونحن في حاجة إلى امتداد هذه الخدمات إلى جميع مراحل التعليم "المرحلة الإعدادية والمرحلة الابتدائية".
أما عن علاقة المراهق بالمدرسة: فعادة ما نجده يشكو من قيودها وواجباتها ومقرراتها وطريقة إدارتها؛ فهو ناقدٌ لمعلميه, وناقدٌ لطريقة تدريسهم, ومع هذا فكثيرٌ من المراهقين ينجح أكاديميًّا واجتماعيًّا ويحب المدرسة، فالمدرسة الإعدادية والثانوية للمراهق طريقٌ لتحقيق أهداف مهنية وتعليمية أعلى, ولهذا نجده في أغلب الأحوال يعمل بجدٍّ, ويقرأ باتساعٍ, ويشارك في النشاط, ويتأثر ميل المراهق للدراسة بتفوقه في مواد معينة, واتجاهه نحو معلميه, والفتيان يفضلون عمومًا المواد التي يعتقدون أن لها قيمة واقعية؛ كالعلوم والرياضيات. وأغلب المراهقين يكوّنون اتجاهات عدم التقبل نحو المواد التي اشتهرت بأنها صعبة وقد يفشلون فيها. والواقع أن مشكلة الفقد التعليمي هي من أخطر مشكلات التعليم الإعدادي والثانوي على الإطلاق، والفشل في هاتين المرحلتين ليس في أغلب الأحوال لأسباب أكاديمية, وإنما قد تكون وراءه أسباب اجتماعية، كالفشل في تكوين علاقات اجتماعية ناجحة.
أما عن الميول الترويحية: فإنها تختلف في هذه المرحلة عن ميول الطفولة, فنتيجةً لضغوط العمل المدرسي, سواء أكان رسميًّا أم خلال النشاط المدرسي, لا يجد المراهق وقتًا كافيًا للترويح, ولهذا فإنه لا بُدَّ أن يختار أنواع النشاط التي يمكن أن يستمتع بها مما يحدِّدُ هذه الأنشطة, ويفضل المراهق الصغير الأعمال الرياضية التي تتطلب بذل مقدار كبير من الطاقة, ويصل هذا الميل إلى قمته في مرحلة المراهقة المبكرة, ومن بين جميع الألعاب, تحتل السباحة قائمة الهوايات الرياضية لكلٍّ من الجنسين, وتزداد نسبة الفتيات اللاتي يفضلن الاستمتاع بالرياضة كمتفرجات, بينما يفضل الفتيات القيام بدور المشارك, وخاصة في كرة القدم.
أما عن ميول القراءة الحرة: فهي أقل في مرحلة المراهقة المبكرة منها في السنوات المتأخرة من الطفولة, وقد يكون سبب ذلك ضغوط العمل المدرسي, وعمومًا فإن الفتيان في هذا السن يفضلون القراءة حول العلوم والاختراعات، وتفضل البنات القصص الأدبية, وخاصةً القصص الرومانسية, كما يفضِّل المراهقون ذكورًا وإناثًا قراءة المجلات بصفة عامة على قراءة الكتب، كما يحبون قراءة القصص الفكاهية, سواء كانت في المجلات أو الكتب.
ويفضل المراهقون من بين الأفلام السينمائية الأفلام الرومانسية "وتفضيلها
стр. 338
أعلى عند البنات", وأفلام المغامرات "وتفضيلها أعلى عند البنين", كما يحبون الأفلام الكوميدية, ولا يميلون إلى الأفلام التعليمية من أيّ نوع, ويُعَدُّ الذهاب إلى السينما أحد الأنشطة الهامة لجماعات المراهقين.
ويحب المراهقون الاستماع إلى الراديو والكاسيت السمعي ومشاهدة التليفزيون وأفلام الفيديو, وبعضهم يفضل الاستماع إلى الراديو والكاستيات السمعية أثناء الاستذكار, بحجة أن ذلك يعين على مزيدٍ من التركيز, وتتعرض برامج التليفزيون إلى نقد المراهقين, ويفضل الكثيرون أفلام الفيديو عليها، ولعل ذلك يرجع إلى أن هذه البرامج لا تكاد تشبع حاجات هذه الفئة العمرية الحرجة؛ لأنها في العادة إما أن تكون للأطفال أو الكبار, دون وعي بالمراهقة التي تقع في منزلة بين المنزلتين.
ويقضي المراهقون الصغار جزءًا من الوقت الذي يخصص لأداء العمل المدرسي وغيره من واجبات هذه المرحلة في أحلام اليقظة, والمحتوى الغالب على أحلام اليقظة في هذه المرحلة هو صورة "البطل المنتصر"، وفيه يتقمص شخصية بطل يحبه، وقد يؤدي هذا النشاط إلى تكوين مفهوم غير واقعي عن الذات، إلّا أنه مع ذلك يفيد كميكانيزم لا شعوري في حل الصراع النفسي لدى المراهق.
стр. 339
النمو الخلقي والاهتمامات الدينية:
من المهام النمائية الهامة في مرحلة المراهقة المبكرة, تعلُّم المراهق ما تتوقعه منه الجماعة, وتشكيل سلوكه ليتوافق مع هذه التوقعات, دون إشراف مستمر ودون تهديد بالعقاب على النحو الذي كان سائدًا في مرحلة الطفولة, ولهذا نجد المراهق يحل المبادئ الخلقية العامة محل المفاهيم الخلقية النوعية أو الخاصة، كما يحل الضوابط الداخلية للسلوك محل الضوابط الخارجية.
وإذا كان المراهق قد اجتاز مرحلة الطفولة ولديه أساس أخلاقي قوي, فإنه يستطيع أن يواجه ضغوط المراهقة بنجاح، وخاصة حين يصبح السلوك الخلقي مسئولية ذاتية، لقد أصبح هو مصدر الضبط، ولم يعد الأمر في يد المعلمين أو الوالدين كما كان الحال في مرحة الطفولة, ولعل من الأخطاء التي يقع فيها الوالدان والمعلمون في هذه المرحلة أنهم لا يهتمون بتدريب المراهق على إدراك العلاقة بين المبادئ الخاصة التي تعلمها في الطفولة والمبادئ العامة التي تُعَدُّ جوهريةً في ضبط السلوك في المراهقة، وبالتالي في مرحلة الرشد، ويكتفون في هذا الصدد بالقول بأنه قد تَعَلَّمَ أثناء الطفولة القواعد التي تميز بين الخطأ والصواب،
стр. 340
الحق والباطل، الفضيلة والرذيلة, وغيرها.
والواقع أن المراهق لا يكون مستعدًّا لتقبُّلِ المفاهيم الخلقية دون مناقشةٍ كما كان الحال عليه أثناء الطفولة, إنه يحاول بناء نظامه الأخلاقي معتمدًا على المبادئ الخلقية التي تكونت لديه أثناء الطفولة, والتي يجب أن تتعدَّلَ وتتغيَّرَ لتلائمَ المستوى الأكثر نضجًا من النمو في هذه المرحلة, ويقوده ذلك إلى اكتشاف أوجه التناقض في بعض المبادئ الخلقية، وخاصةً التناقض بين القول والعمل في سلوك الوالدين والمعلمين, وهذا الاكتشاف بالذات يؤدي بالمراهق إلى كثيرٍ من الخلط والاضطراب, كما قد يكتشف المراهق ما يمكن أن يسمى "المعيار المزدوج" Double Standard؛ فالكذب يمكن أن يكون أبيض, وسرقة الممتلكات الشخصية أسوأ من سرقة الملكية العامة, ويعض أنماط السلوك في العلاقة بين الجنسين تُعَدُّ خطأً إذا صدرت عن البنات, بينما هي ليست كذلك بالنسبة للبنين، والأخطر من هذا شيوع اتجاه تسامحي نحو الغش في الامتحانات، ويبرر المراهقون ذلك بأن الكثيرين يلجأون إلى هذه الوسيلة للنجاح في الامتحان من ناحية، وبأن هناك ضغوطًا على الطلاب للحصول على درجاتٍ عالية لتحقيق أهدافهم التعليمية والمهنية, وشيوع هذه المعايير المزدوجة بين المراهقين مؤشرٌ على الانهيار القيمي العام, والمراهقة في هذه الحالة ليست إلّا مرآة تنعكس عليها هذه الصورة المدمرة للمجتمع, ومن الواجب أن ننبه إلى ذلك, وخاصة بعد شيوع كثير من الظواهر الخطيرة في مجتمعنا في الوقت الحاضر, والتي تهدد بالشر المستطير.
ولعل أشدَّ مصادر الخطر ضررًا أن يعجز الضمير -وهو قوة الضبط الداخلي عند الإنسان الراشد الذي تعتبر مرحلة المراهقة المقدمة الطبيعية له- عن النموّ بالمعدل المطلوب, والضمير هو الذي يحوّل سلطة التحكم في سلوك الفرد إلى داخله, وليس إلى سلطة خارجية, والمفروض أنه مرحلة نموّ طبيعية في المراهقة, بعد أن تكون قد ظهرت بوادر مشاعر الذنب والعار في الطفولة المبكرة عند القيام بسلوك لا يتفق مع المعيار الاجتماعي، وهي المشاعر التي يُفْتَرَضُ فيها أن تسود هذه المرحلة "وخاصة الشعور بالذنب" لتنقل المراهقين من المستوى الخلقي التقليدي إلى المستوى بعد التقليدي, على حد تعبير كولبرج "راجع الفصل الخامس", ومن الواجب التمييز بين الشعور بالذنب والشعور بالعار؛ فالأول قوةُ ضبطٍ داخليةٍ, بمعنى: أنه يحدث استجابات انفعالية غير ملائمة حين يدرك الفرد أن سلوكه لا يلتزم بالمعيار القيمي، أما الشعور بالعار فينتج استجابات انفعالية فقط, حين يشعر الفرد بأن الآخرين يحكمون على سلوكه بعدم الملاءمة, وعلى هذا فإن
стр. 341
السلوك حين يوجه بالشعور بالذنب يكون موجهًا داخليًّا, بينما سيادة الشعور بالعار يعني أن السلوك لا يزال موجهًا من الخارج, وعلى أية حالٍ, فكلٌّ من الشعورين يتحكَّم في السلوك الخلقي للمراهق الصغير.
والمراهقة هي مرحلة سعي إلى الكمال, ونتيجة لذلك نجد المراهقين يصنعون لأنفسهم وللآخرين معايير أخلاقية مرتفعة يصعب أحيانًا الوصول إليها, وحين يعجز عن تحقيق نموذج "الكمال الأخلاقي" الذي حدده، يشعر المراهق بالذنب, ويعاني من اضطراب الضمير, ولهذا نجد المراهق أكثر استعدادًا من الطفل في تقبل اللوم, إلّا أنه لو زادت حدة مشاعر الذنب عنده، وتكرر حدوثها, قد يشعر المراهق بعدم الكفاءة الشخصية، ويلجأ نتيجةً لذلك إما إلى الهرب في أحلام اليقظة، أو إلى تكوين اتجاه الامبالاة, ومن المؤكَّدِ أن كثيرًا من أسباب شقاء المراهقين الصغار, هي مشاعر ذنبٍ ناجمة عن شعورٍ, بعضه حقيقيّ, ومعظمه متوهم.
وتتميز المراهقة أيضًا بأنها فترة يقظة دينية توضع فيها المعتقدات الدينية التي قد كوَّنَها الفرد في طفولته موضع الفحص والمناقشة والنقد، وتتعرض للتعديل حتى تتفق مع حاجاته الجديدة الأكثر نضجًا, وتستغرق هذه الأمور منه وقتًا طويلًا, ولذلك فإن مرحلة المراهقة يصبغها الاهتمام الديني, ويزيد من اهتمام المراهق بالمسائل الدينية أنه مطالبٌ بممارسة العبادات بشكلٍ أكثر جديةٍ مما كان عليه الحال في الطفولة, بالإضافة إلى أن مناقشاته مع أصدقائه يغلب على موضوعاتها المسائل الدينية، كما أن بعض الحوادث التي تقع له؛ كموت صديق أو قريب, أو الصعوبات التي يواجهها, تجعله يزداد تركيزًا على الدين.
والفحص الناقد لمعتقدات الطفولة قد يقود المراهق إلى الشك, وبالطبع تُوجَدُ فروق فردية وجماعية في خبرة الشكّ الديني لدى المراهقين؛ فهو أشد لدى الذكور منه لدى الإناث, كما أنه أقل حدوثًا لدى المراهقين الذين ينشأون في أسرٍ تهتم بالدين دون مبالغة, وقد يزداد هذا الشعور أو يقل مع نموِّ المراهق, ويتوقف ذلك على طبيعة الخبرات التعليمية التي يتعرض لها في المدرسة؛ فإذا كانت التربية الدينية تُقَدَّمُ للمراهق بشكل صوري، وإذا كانت مقررات العلوم الحديثة التي يدرسها في المدرسة تزيد لديه الفجوة بين العلم والدين, فإن ذلك قد يزيد حدة الشعور بالشك لديه, ويصاحب هذا الشك توتر انفعالي تزداد حدته مع عمق معتقداته الطفلية.
стр. 342
وهذا الشك هو جزءٌ من النموِّ المعرفيّ العام للمراهق الذي تناولناه فيما سبق, وإذا أمكن للمراهق تجاوز أزمة الشك بسلام من خلال برنامج جيد للرعاية النفسية, يتضمن بين مكوناته رعاية دينية مستنيرة، فإن ذلك يقوده إلى ما يسميه سترانج "Strang ١٩٥٧" "حكمة الاعتقاد", وإذا نجحنا في ذلك, فإن مراهقنا لا يكاد يتجاوز المرحلة الثانوية إلّا وتكون لديه مفاهيم صحيحة عن عقيدته الدينية, ولعلنا بذلك نحمي مراهقينا من الوقوع في براثن الذين يمارسون هواية "اللعب بالدين"، وهي هواية وصلت بالمجتمع المصري إلى حافة الخطر, ثم لعلنا بذلك نفتح باب الاجتهاد البحثي في هذا الموضوع الهامِّ الذي لم يحظ من علماء النفس المصريين والعرب باهتمامٍ يُذْكَرُ منذ أجريت الدراسة الهامة حول نمو الشعور الديني لدى الطفل والمراهق, والتي قام بها في مطلع الخمسينيات أحد أعلام الجيل الثاني لعلم النفس في مصر "عبد المنعم المليجي ١٩٥٥".
стр. 343
نمو الشخصية في مرحلة المراهقة المبكرة:
مع بداية المراهقة يشعر الفتيان والفتيات بما فيهم من صفات حميدة أو ذميمة، ويحكمون عليها بالمقارنة بأصدقائهم, كما يشعرون بدور سمات الشخصية في العلاقات الاجتماعية، ويعطيهم ذلك دافعًا لتحسين شخصياتهم, على أمل زيادة تقبلهم الاجتماعي, ولتحقيق ذلك لا يجب على المراهق أن يكوّنَ مفهومًا واقعيًّا عن الذات فحسب, ولكن يجب أن يكون راغبًا أيضًا في تقبُّل هذا المفهوم.
والمراهق يمكنه أن يكوّنَ صورة مثالية عن نفسه, وتحقيقها بالفعل في عالم الواقع، ويمكنه أن يقبل نفسه بمعنى أن يحب نفسه, ويشعر بأن الآخرين يجدون فيه صفات حميدة, ونتيجةً لذلك يكون أكثر تكيفًا من الناحيتين الشخصية والاجتماعية من مراهقٍ آخر تكون صورة ذاته المثالية غير واقعية, وتجعله يعجز عن تحقيقها بالفعل, وقد يؤدي به ذلك إلى عدم تقبل ذاته، وإلى أن يسلك على نحوٍ يجعل من الصعب على الآخرين تقبله.
ويؤثر في نموِّ الشخصية في هذه الفترة عوامل لم تكن لها قوة مماثلة أثناء الطفولة, ويتحدد الأثر الذي تحدثه بالأسس التي قد تكون تكوّنت لدى المراهق بالفعل خلال مراحل نموه السابقة, فإذا كان عانى كثيرًا من مشاعر النقص, والتي قد تكون قد تدعمت مع بدء المراهقة، فإن مكانته في جماعات المراهقين سوف تزيد لديه حدة هذا الشعور, ومن هذه العوامل المظهر الشخصي للمراهق وملابسه
стр. 344
واسمه وأسرته وأقرانه ومستوى طموحه وتطلعه, وهي جميعًا عوامل تحتاج إلى دراسات جادة في بيئتنا العربية والإسلامية.
وترجع بعض التغيرات التي تطرأ على شخصية المراهق إلى أثر الضغوط الاجتماعية التي يتعرض لها, ويتضح ذلك خاصةً في السمات المتصلة بجنس المراهق؛ فسمات المخاطرة والإقدام مثلًا تميز الفتيان، بينما تميز الفتيات سمات الرقة والمحافظة, وتوجد سمات أخرى تُعَدُّ مقبولةً اجتماعيًّا, وأخرى غير مقبولة اجتماعيًّا لكلٍّ من الجنسين, ويسعى المراهق لتنمية الصفات المقبولة في شخصيته, ونحن في حاجة إلى دراسات جادة تحدد لنا هذه السمات الفارقة لدى كلٍّ من الجنسين في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
وهنا يجب أن نؤكد أن الوالد والمعلم يُقَدِّرُ التلاميذ المراهقين على أسسٍ تختلف عن أسس تقدير بعضهم البعض؛ فهو قد يقدر التلميذ مثلًا لأنه مؤدب أو متدين أو يستذكر دروسه ويؤدي واجباته المدرسية، بينما يُقَدِّرُ المراهقون بعضهم بعضًا على أسسٍ مختلفة، وليس معنى ذلك أن يتبنى المعلم والأب أسس تقدير المراهقين لأنفسهم عند تقديره هو لهم، ولكن معرفة المدرس والوالد بهذه الحقيقة يفيده في فهم شخصية المراهق؛ فالمعلم حين يمتدح التلميذ لأنه متفوق في المدرسة قد يؤدي ذلك به إلى نبذه من جماعة المراهقين التي ينتسب إليها, والتي قد تكون عادةً من ذوي الأداء المدرسي العادي, وقد يؤدي به ذلك إلى أن يتخلف دراسيًّا عن قصدٍ كما بينا من قبل, والمهم للمعلم وهو يتعامل مع المراهقين أن يتعرف على أسس تقدير المراهقين بعضهم لبعض حتى لا يتعارض أسلوبه في معاملة المراهق مع مواضع هذا التقدير.
وربما لا يُوجَدُ عاملٌ يلعب دورًا في مفهوم الذات لدى المراهق يفوق مستوى الطموح، فمن المعتاد أن يحدد المراهق أهدافه؛ بحيث تتجاوز قدراته بسبب ضغوط الوالدين من ناحية، وبسبب عدم قدرته على تقدير قدراته التقدير الصحيح من ناحيةٍ أخرى, وحين يفشل في تحقيق أهدافه يشعر بعدم الكفاية, ويدفعه هذا بدوره إلى الخضوع لمزيد من الضغط للقيام بمزيدٍ من العمل، ويؤدي ذلك كله به إلى القلق, أو اللجوء إلى بعض الحيل اللاشعورية, ومنها الإسقاط "أي: عزو الفشل إلى الآخرين".
وتؤكد الدراسات الكلينيكية "Hurlock ١٩٨٠" أن عدد الحالات التي تعاني سوء التوافق لأول مرة في مرحلة المراهقة المبكرة قليل بصفة عامة, مالم يحدث
стр. 345
تغير جسمي أو غُدِّي ملحوظ في الفرد، أو مالم يعانِ الفرد من صدمة انفعالية عنيفة, ومعظم حالات سوء التوافق في هذه المرحلة لها تاريخٌ مع السلوك المشكَّلِ, يمتد إلى السنوات المبكرة من مرحلة الطفولة, وبالطبع تتهيأ في المراهقة لهؤلاء المراهقين سوء التوافق فرصةً لزيادة هذه المشكلات الشخصية لديهم, وذلك بسبب التغيرات الشديدة التي تحدث في هذه المرحلة, وخاصة في مطلعها, ولهذا وجدنا البحوث التي تتناول مشكلات الشباب تتخذ بدايتها في العادة مرحلة المراهقة المبكرة, وقد أُجْرِيَتْ بحوثٌ كثيرةٌ في هذا الميدان, سنتناولها بالعرض عند الحديث عن طور السعي "الشباب". ويقودنا هذا إلى الإشارة إلى التمييز العام بين الشخصية "العادية" والشخصية "السليمة" في هذه المرحلة؛ فعادةً ما يُوصَفُ المراهق المبكر بأنه "عادي", لمحض أنه يقوم بأدواره تبعًا للتوقعات الاجتماعية، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أنه سليم, من وجهة نظر الصحة المدرسية, فالشخصية "السليمة" هي التي تشتق إشباعًا شخصيًّا ورضًا ذاتيًّا من القيام بالدور الذي تحدده التوقعات الاجتماعية, ولعلنا بهذا التمييز ننبه إلى ضرورة تهيئة بيئة مدرسية ومنزلية واجتماعية على نطاق المجتمع الشامل، تهيئ للمراهق تنمية مشاعر الإشباع والرضا الشخصي فيه، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلّا إذا توافرت في هذه البيئات شروط الصحة الاجتماعية والنفسية.
أزمة الهوية:
من بين جميع أزمات النموِّ تحتل أزمة تحديد الهوية في مقابل الغموض بؤرة اهتمام إريكسون في بناء نموذجه للنمو الوجداني والانفعالي, فمع البلوغ ينمو الجسم بسرعة, وتطرأ عليه تغيرات هائلة, وهذه التغيرات تحدث قدرًا من الاضطراب لدى المراهقين من الذكور والإناث؛ فتنشأ لهم أدوارٌ اجتماعيةٌ جديدةٌ، بالإضافة إلى أن صورهم عن ذواتهم كأطفال, لم تعد ملائمة للمظهر الجديد الذي هم عليه, ولمشاعرهم الجديدة نحو الجنس الآخر, وكذلك تنشأ مطالب وتوقعات جديدة لدى الكبار والأقران, تختلف عن تلك التي كانت في الطفولة, ويؤدي ذلك كله إلى خلطٍ شديدٍ لدى المراهق المبكِّر, يسميه إريكسون أزمة الهوية identity.
ومن العوامل التي تؤثر في طور المراهقة المبكِّرَةِ نتائج الخبرات التي تعرَّضَ لها المراهق في مراحل نموه السابقة، وهي التي تضمن التكامل الناجح بين الدوافع الأساسية لدى الفرد وقدراته الجسمية والعقلية وفرص الحياة التي توفرها له البيئة الاجتماعية, ومعنى ذلك أن نموَّ الطفل السابق على البلوغ "لفترة تصل إلى
стр. 346
١٢ سنة أو نحوها" يتم تركيبه وتوليفه مع مطلع المراهقة ليعطي للفرد شعورًا بالهوية الشخصية أو بتحديد الذات.
وهذا الشعور بالهوية الشخصية يتضمن أن يحتفظ الفرد لنفسه بصورة لذاته, فيها التماثل والاستمرار, والتي تتطابق مع التماثل والاستمرار الذي يكوّنه الآخرون عنه, والإضافة إلى ذلك, فإن المراهق يكون في حاجةٍ إلى أن يكتسب وعيًا متزايدًا بأهدافه, وفهمًا واضحًا للعالم الواقعيّ الذي يتعامل معه بأسلوبه في الحياة.
والخطر الحقيقيّ في هذه المرحلة يسميه إريكسون "خلط الأدوار" أو "خلط الهوية"؛ فالمراهق لا يعرف أحيانًا مَنْ يكون بالنسبة لنفسه وبالنسبة للآخرين؛ فالأولاد والبنات يتحولون فيها إلى صورة مصغرة من الرجال والنساء، ويعانون نتيجةً لهذه الصورة من الخلط والاغتراب والانفصال, ويُعَدُّ الشعور بالهوية المشكلة الجوهرية في هذه الفترة؛ فالمراهق يسعى إلى معرفة مَنْ يكون؟ وما دوره في المجتمع؟ وهل هو طفلٌ أم راشدٌ؟ هل يمكنه أن يصبح زوجًا وأبًا, أو يمكنها أن تصبح زوجةً وأمًّا؟ وكيف يكسب عيشه؟ وأيّ مهنة يعمل؟ وفوق هذا كله هل ينجح أم يفشل؟ ولهذا نجد المراهق مهتمًّا بإدراك الآخرين له, ومقارنته بإدراكه لذاته, ويؤدي به عدم القدرة على فهم الذات -أو نقصان الهوية- إلى الخلط والغموض, والفشل في حل هذه الأزمة يؤدي إلى إطالة مرحلة المراهقة، وفشل تكامل الشخصية في مرحلة الرشد.
ومن نوع الميكانيزمات الدفاعية ضد خلط الهوية التي يلجأ إليها المراهقون, التَّقَمُصُ الزائد للأبطال والجماعات والجماهير والغايات, وهو ميكانيزم قد يُفْقِدُ المراهق فرديته مؤقتًا, وبه يعاون المراهقون بعضهم بعضًا على التغلب على أزمة الهوية، وذلك من خلال المجتمع معًا, ويفسر لنا ذلك ظهور الجماعات التي تصبّ المراهقين في قالبها من حيث الملبس والكلام والسلوك والمثل العليا، وهي جماعات لا تتسامح عادةً مع من هم خارجها, وقد ينجم عن ذلك صراعٌ مع الوالدين والإخوة والآخرين القريبين منهم، وقد يمتد ذلك إلى الصراع مع السلطة في المجتمع, وقد يفسر لنا ذلك ظهور الجماعات المتطرفة التي يكون معظم أعضائها من المراهقين والشباب.
أما المراهقون الذين يستطيعون حل مشكلات المراهقة بنجاحٍ, فإنهم يحرزون شعورًا قويًّا بالفردية، بالإضافة إلى اعتراف المجتمع بهم كأعضاء فيه يقبلهم ويقبلونه، وهو شعور صحيٌّ يقود إلى المواطنة الصحيحة والسلوك الاجتماعي السليم.
стр. 347
مدرسة المراهقين:
تختلف خبرات المراهق في المدرسة عن خبرات الطفل, ومع ذلك فإن النتائج تكون متشابهة بين مدرسة الأطفال ومدرسة المراهقين.
وقبل أن نبدأ في عرض أثر المدرسة, نتناول إحدى مشكلات النظام التعليمي لهذه المرحلة, فقد ساد لفترةٍ من الوقت تخصيص مرحلة تعليمية منفصلة للطور النمائي الخاص بالبلوغ والمراهقة المبكرة "اصطلح على تسميتها المرحلة الإعدادية أو المرحلة المتوسطة", إلّا أنه منذ بضع سنوات شاعت "موجة" التعليم الأساسي الذي تَرَتَّبَ عليها دمج المرحلتين الابتدائية "التي تتطابق مع طور التمييز", والإعدادية "التي تتطابق مع طور المراهقة المبكرة أو بلوغ الحلم", في مرحلة واحدة مكونة من تسع سنوات, ثم طرأ تعديل جديد فخفض المدة الكلية لهذه المرحلة إلى ثماني سنوات, وفي جميع الأحوال اعتُبِرَ الطوران النمائيان مرحلة واحدة.
والواقع أن جميع الشواهد السيكولوجية تؤكد لنا أن طور البلوغ أو المراهقة هو مرحلة وسط بين المرحلة الأعلى "الشباب ثم الرشد", والمرحلة الأدنى "الطفولة", والأصح في رأينا أن تظل بوضعها الذي ظلَّ قائمًا لسنوات طويلة، فترة انتقالية بين الطفولة والشباب أو بلوغ السعي.
ويزيد من صحة الرأي الأخير أن الخبرات المدرسية في طور المراهقة المبكرة تختلف عن كلٍّ من تلك التي تقدَّمَ في كلٍّ من طور الطفولة والشباب؛ فالمعلمون عادةً ما يكونون أقل تعاطفًا وأقل اهتمامًا بالمشكلات الفردية إذا قورنوا بمعلمي المرحلة الابتدائية, أضف إلى ذلك أن خبرة البلوغ تدع المراهقين أكثر وعيًا بذواتهم, بمقارنتهم بالمرحلتين الأخريين, بالإضافة إلى ذلك فإنهم يشعرون بأنهم ينأون تدريجيًّا عن الطفولة, إلّا أنهم في نفس الوقت أبعد ما يكونون عن الرشد "على عكس الشباب في المرحلة الثانوية", ولهذا لا يُعَدُّ التعليم بالنسبة إليهم دافعًا للتخطيط الجادِّ للمستقبل المهني أو النشاط الأكاديمي, وعلى الرغم من أن حوالي ٢٥% من المراهقين المبكرين يهتمون بالحصول على درجات عالية في الامتحانات, إلّا أن معظمهم أكثر اهتمامًا بالجوانب الاجتماعية للمراهقة "Golhaber ١٩٨٦".
стр. 348
الفصل الرابع عشر: طور بلوغ السعي"الشباب "
طبيعة طور بلوغ السعي (الشباب)
...
الفصل الرابع عشر: طور بلوغ السعي "الشباب":
يشير القرآن الكريم إلى طورٍ في النمو الإنساني هو "بلوغ السعي", في حوار إبراهيم مع ابنه, حيث يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَي ... ﴾ [الصافات: ١٠٢] ويذكر القرطبي في تفسير ذلك, أن المقصود به أن الولد بلغ المبلغ الذي يسعى مع أبيه في أمور دنياه, معينًا له على أعماله, وقال مجاهد: أي شبَّ وأدرك سعيه سعي إبراهيم، وقال الفراء: كان إسماعيل يومئذٍ ابن ثلاث عشرة سنة, وقال ابن عباس: هو الاحتلام، وقال قتادة: مشى مع أبيه، وقال الحسن ومقاتل: هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة، وقال ابن زيد: هو السعي في العبادة, وقال ابن عباس: صام وصلى.
وهكذا نجد أن التفسيرات القديمة تختلف فيما بينها في معنى "بلوغ السعي", وتمتد بهذ الطور من مطلع البلوغ أو المراهقة "ابن ثلاث عشرة سنة، الاحتلام", وحتى بلوغ الرشد "سعي العقل الذي تقوم به الحجة", إلّا أننا نرى -والله أعلم- أن هذا الطور يمثل مرحلة انتقالية أخرى قبل وصول الإنسان إلى الرشد, ويمكن أن نطلق عليه طور "الشباب"، وهو طورٌ أعلى من المراهقة وأدنى من الرشد.
طبيعة طَوْرِ بلوغ السعي "الشباب":
بلوغ السعي "مثله مثل البلوغ الجنسي أو المراهقة"، مرحلة جديدة في الحياة الإنسانية, أحدثها في حياة الإنسان المجتمع الحديث الذي يتسم بالتعقد والتغير Kimmel ١٩٨٠" ١" وقد قدم مصطلح الشباب "الذي يقابل المصطلح القرآني بلوغ السعي" في سيكولوجية النموِّ الحديثة ليتعامل مع فترة ما بعد اكتمال البلوغ الجنسي أو المراهقة, وقبل ظهور علامات الرشد التي يجب أن نأنسها في الإنسان, ويذكر كنيستون "Kinistan ١٩٧١" أن الأشخاص الذين يستغرقون فترة طويلة
стр. 349
من الزمن حتى يصلوا إلى الرشد بمعناه الاقتصادي الاجتماعي التعليمي "وهو في وقتنا الحاضر يكون عند حوالي سن الخامسة والعشرين" يمكن أن يقال عنهم أنهم دخلوا مرحلة نمو اختيارية optional period هي طور الشباب.
ووصف هذا الطور بأنه "مرحلة اختيارية" وصفٌ هامٌّ؛ لأن بعض الأشخاص قد تظهر عليهم علامات الرشد دون حاجة إلى ذلك، وخاصةً أولئك الذين ينهون تعليمهم مع نهاية المرحلة الإعدادية "عند حوالي سن ١٥سنة" ويدخلون سوق العمل مبكرين "عند حوالي هذا السن"، وقد يتزوجون ويكوّنون أسرة حالما يسمح القانون بذلك "عند حوالي سن ١٨ سنة"، فهؤلاء جميعًا اختاروا -أو اختير لهم- الانتقال مباشرة من المراهقة إلى الرشد.
وهكذا يصبح الشباب كطورٍ جديدٍ في حياة الإنسان مرحلة انتقالية أخرى, تتم فيها التغيرات اللازمة للتحول إلى الرشد, وهذا التغيرات وما تتطلبه من تكيفات لمكانة الرشد ومستوياته من السلوك, تبدأ -كما بينا في الفصل السابق- أثناء البلوغ والمراهقة، إلّا أن ظروف العصر الذي نعيش فيه تطلَّبَت أن تظل مستمرة في الحدوث حتى تكتمل في مرحلة الشباب, إنها فترة وسيطة بين الحريات السابقة والمستويات والمسئوليات اللاحقة، وهي آخر مواقف التردد قبل أن يلتزم المرء بالتزامات الراشد بالعمل والأسرة؛ ولأن معظم مواقف التغيرات العظمى في الجسم والسلوك تكون قد حدثت بالفعل أثناء المراهقة, فإن طور السعي أو الشباب يكون عادةً مرحلة انتقال تدريجي أكثر بطئًا من الطور السابق, يصدق هذا على التغيرات الجسمية صدقه على التغيرات النفسية, ولعل هذا الإيقاع البطيء للنمو في هذه المرحلة, يهيئ المرء أن ينتهي من المرحلة الأولى من نموه بسلام, لينتقل إلى المرحلة الثانية من حياته؛ فالمرحلة الأولى توشك أن تنتهي بالشباب وينتهي معها "الضعف الأول", الذي أشار إليه القرآن الكريم، كما يوشك أن يولد العصر الجديد، مرحلة "القوة" و"بلوغ الأشد" حسب الوصف القرآني البليغ, وحتى يتم هذا الانتقال على نحوٍ يتضمن خصائص "الصحة" و"السلامة" أكثر من "الاضطراب" و"الخلل", كان لا بُدَّ أن يحدث هذا التدرج والبطء البديع, أليس في هذا معنى جديد للإعجاز الإلهي في نمو الإنسان؟
وإذا كان كلٌّ من المراهقة والشباب طورين جديدين في النمو الإنساني انتجتهما الثورة الصناعية التكنولوجية المعرفية الحديثة، إلّا أن بينهما اختلافٌ جوهري؛ فالمراهقة -كما بينا في الفصل السابق- يمكن تحديدها بيولوجيًّا واجتماعيًّا وسيكولوجيًّا، أما الشباب فهو ظاهرة اجتماعية سيكولوجية في جوهره، ولولا
стр. 350
الضرورات الاجتماعية السيكولوجية لأصبح هذا الطور الفصل الأول من المرحلة الثانية "قوة الرشد" في النمو, لا أن يكون الفصل الأخير من مرحلته الأولى "الضعف الأول", فمعدل التغير التكنولوجي, والزيادة المطردة في التعقد الاجتماعي, ونمو الحاجات التعليمية تطلب جميعًا أن تطول فترة إعداد هذه الشريحة من "الراشدين الصغار", حتى يمكنهم التعامل مع ظروف العصر بكفاءة واقتدار, ولعلنا نلاحظ أنه لم يحدث في التاريخ الإنساني أن أصبح التعليم الثانوي إلزاميًّا أو شبه إلزاميّ, كما حدث في القرن العشرين "وهو مرحلة من التعليم يمتد بالطالب إلى سن ١٨ عامًا تقريبًا"١، كما لم يحدث في التاريخ الإنساني أن تزايد عدد الراغبين في التعليم الجامعي والعالي بسبب ضرورته لكثير من المهن الحديثة, كما حدث في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، وهي مرحلة من التعليم تمتد بالطالب أحيانًا إلى ما بعد سن ٢١ عامًا, وهو عمر الرشد القانوني في معظم المجتمعات الحديثة، بل إن سنوات الدراسة لبعض التخصصات الجامعية كالطب, تصل بالطالب إلى سن الخامسة والعشرين تقريبًا قبل أن يتخرج, وقد صاحب ذلك كله صعوبات بالغة على غير المتخصص لكي يدخل سوق العمل مبكرًا, وخاصة في المستويات المهنية العليا.
стр. 351
حدود طور بلوغ السعي "الشباب ":
نتيجةً لذلك نجد أن كثيرًا من الأشخاص -وخاصة أولئك الذين يستمرون في التعليم- يكونون في مرحلة يمكن أن نسميها طور تأجيل الرشد moratorium, وهو طور الشباب الذي يطابق مفهومه التربوي سنوات الدراسة بالمرحلتين الثانوية والجامعية, ونحن في هذا نتفق مع ما يراه أحد علماء الاجتماع المصريين المعاصرين البارزين "عزت حجازي ١٩٨٧", الذي يحدد بداية مرحلة الشباب بأنها تتمثل في "اقتراب شكل الجسم ووظائفه من آخر درجات النضج، ومن الناحية النفسية يكاد عمر الفرد العقليّ يصل إلى قمته، ويتيقظ إحساس الشخص بأنه لم يعد صغيرًا، ويطالب بتوقف معاملته على أنه صغير، ومن الناحية الاجتماعية يتأكد اعتراف الآخرين بأن الشخص لم يعد طفلًا، وإن كانوا يترددون في الاعتراف به كرجل".
стр. 352
كما يحدد عزت حجازي "١٩٧٨" نهاية مرحلة الشباب بسن الخامسة والعشرين, أو ما حولها؛ لأن هذه هي السن التي تحدث عندها تحولات هامة في حياة الفرد, فعندها يترك التعليم بعد استكماله -عادةً- ويلتحق بعمل دائم، ويتزوج، أو يسعى إلى تحقيق ذلك على الأقل، فهو بعبارة أخرى يترك "فترة الاعتماد", ويبدأ حياة "الاستقلال عند الراشدين".
وترتبط مرحلة الشباب أيضًا بالمدى الواسع من الخيارات, وبالبدائل المتاحة من أساليب الحياة والأدوار الاجتماعية, ولم يتوافر للشباب في تاريخه كما يتوافر له الآن من تنوع الفرص التي يمكن أن يعيش بها حياته، بالإضافة إلى زيادة مسئوليته الشخصية عن اختياره، دون تدخل مباشر من الأسرة, أو من تقاليد المجتمع، وهذا التنوع في الفرص, ومسئولية الفرد عن قراره, أدَّيَا إلى إطالة الفترة التي تسبق هذا الاختيار, وخاصةً في مسألتي العمل والزواج، مما أدَّى مرةً أخرى إلى تأجيل الرشد كما بينا.
إلّا أن ما يجب أن نحذر منه أن تطول هذه الفترة الانتقالية أكثر مما يجب, كما يجب أن نحذِّرَ من أن تكون هذه الإطالة رغم أنف الشباب أنفسهم، بسبب الظروف الاجتماعية الاقتصادية القاهرة التي تجعل من الصعب على الشباب أن يجد عملًا مناسبًا، أو تجعل من المستحيل عليه أن يتزوج ويكوّن أسرة؛ إذ قد يظهر -حينئذ- ما يسميه كينسترون "Kinistron ١٩٧١" "رفض التطبيع"، ويتخذ ذلك في رأينا إحدى صورتين: العزلة والاغتراب, أو العنف والتطرف، وكلتاهما يعاني منه المجتمع المصري والعربي الحديث.
ولعل هذا يفسر لنا تداخل حدود صور الشباب "المراهقة المتأخرة كما تسمى أحيانًا, وهي تسمية غير موفقة" مع حدود الرشد -كما سنبين في الفصل التالي؛ فبعض الشباب يصلون إلى مستوى الأهلية الكاملة لممارسة مهام الرشد عند حوالي ١٨ سنة، فهم يعملون ويُجَنَّدُون ويتزوجون في هذا السن, ولعل هذا يثير المشكلة التي سنتناولها بالتفصيل في الفصل التالي, حين يوصف هؤلاء جميعًا بأنهم غير "راشدين"؛ لأنهم لم يبلغوا بعد سن الرشد الذهبي, أي ٢١ عامًا.
إلّا أننا يجب أن ننبه إلى مسألة هامة, وهي أن وجود مرحلة للانتقال من ضعف الصبا إلى قوة الرشد واجبة في العصر الحاضر, وهكذا فإن المراهقين الذين يُحْرَمُونَ من مراهقتهم تمامًا كمرحلة انتقال إلى الرشد، حين يجبرون على العمل في سن البلوغ أو قبله أو بعده بقليل, يعانون من عوائق الرشد، مثلهم في ذلك مثل
стр. 353
الشباب الذين يُؤَجَّلُ انتقالهم إلى الرشد بشكل غير طبيعي, وتستمر اعتماديتهم نتيجةً لإطالة مرحلة التعليم, ولهذا فلا بُدَّ أن يصبغ التعليم الثانوي بالطابع المهني؛ لأن الشاب أو المراهق المتأخر "طالب المرحلة الثانوية في الأغلب" في حاجة إلى أن تتوافر له خبرة عمل حقيقية, تهيئ له شعورًا بالاستقلال١, وحبذا لو تجاوزت خبرات العمل هذه التي يتدرب خلالها طالب المرحلة الثانوية حدود "الخدمة التعليمية" إلى مجال "الإنتاج التعليمي"؛ بحيث يحصل الطالب على عائدٍ ماديٍّ مباشر من تعليمه الإنتاجي.
ويمكن أن نحدد بداية هذه المرحلة بالتحاق المراهق بالمرحلة الثانوية أو ما يقابلها من مستوى عمري، وهو في مصر في العادة بين ١٤-١٥ سنة، وهو طور يقابل ما يُسَمَّى تقليديًّا بالمراهقة المتوسطة, على حد تصنيف قسم على علم نفس النمو في الجمعية الأمريكية لعلم النفس لمرحلة المراهقة إلى: مراهقة مبكرة "١٢ -١٤ سنة", ومراهقة متوسطة "١٤-١٦سنة"، ومراهقة متأخرة "١٦-٢١ سنة", وفي رأينا أن يقتصر مصطلح المراهقة على ما يُسَمَّى المرهقة المبكرة "أي بلوغ الحلم"، أما مرحلتا المراهقة المتوسطة والمتأخرة بالإضافة إلى الرشد "٢١-٢٥", فيشملها جميعًا الطور الذي أسميناه طور السعي, أو طور الشباب.
وقد أشرنا إلى أن الحصول على مكانة عالية في المدرسة أو المنزل مفيد كدافع لدى المراهق والشاب لاكتساب أنماط السلوك الناضج، وفي نفس الوقت يعطيه نمطًا محددًا للسلوك المتوقع كهدف يسعى إليه, وسواء وصل المراهق أو الشاب إلى هدفه أم لم يحصل قبل سن ٢١, فإن ذلك ليس له أثر يذكر على حصوله على مكانة الراشد. إنه بوصوله إلى هذ السن يصبح أتوماتيكيًّا -من الناحية القانونية على الأقل- له كل الحقوق والاعتبارات والمسئوليات القانونية التي يتمتع بها الراشد.
وتستخدم تسميات كثيرة للفتيان والفتيات في طور السعي "الشباب أو المراهقة المتأخرة", ويشيع في الإشارة إليهم استخدام لفظ "الشباب"، ولو أن الأكثر شيوعًا في اللغة العربية أن يشار إليهم باسم الشبيبة, تمييزًا لهم عن الشباب من الراشدين "أو مرحلة الرشد المبكر", كما أن لفظ "رجل" و"امرأة" يمكن
стр. 354
استخدامه دون حرج في هذه المرحلة، وهو يعني اعتراف المجتمع لهم بمستوى النضج اللازم لتحمل المسئولية, وفي اللغة الإنجليزية تشيع الإشارة إليهم بعبارة "أبناء العقد الثاني من العمر Teenagers ١, ولو أن هذا الوصف لا يوافق عليه الشباب أنفسهم -ونحن نوافقهم على ذلك؛ لأنه يعبِّرُ عن طور المراهقة المبكرة أو بلوغ الحلم أكثر مما يعبِّرُ عن طور بلوغ السعي.
ويتميز طور السعي بعدد من الخصائص العامة؛ فالتقلب وعدم الاستقرار الذي كان يسود المراهقة المبكرة يحلّ محلَّه بالتدريج نوعٌ من الاستقرار والثبات, ويظهر ذلك على وجه الخصوص في استقرار الميول المهنية واللامهنية "الهوايات", وفي نوع الملابس، وفي أساليب الترويح، وفي اختيار المهنة، وفي الصداقات، وفي السلوك الانفعالي, وخاصةً نقصان التقلُّب المزاجي، وفي الاتجاهات الاجتماعية التي لم تَعُدْ تتأثر بالدعاية أو الإعلان, أو آراء الآخرين, كما كان الحال في المراهقة المبكرة.
وبسبب هذا الاستقرار المتزايد, يزداد تكيُّفُ الشاب على نحوٍ أفضل لظروف الحياة، ويتوقف على البيئة التي يعيش فيه الفرد تحديد متى يحلّ الاستقرار محل التقلُّب, وكيف سينجح الشاب في تحقيق ذلك، فإذا كان عليه أن يعيش مع أسرته طول الوقت، وإذا كان الوالدان يميلان إلى المبالغة في حمايته, فإنه سيظل غير ناضجٍ في هذه الناحية من النموّ، أما إذا أتيحت له الرص أن يعيش بعيدًا عن الحماية الزائدة للوالدين؛ في المعسكرات أو في المدارس الداخلية, أو في المدن الجامعية للكليات والمعاهد, أو في القوات المسلحة, فإن ذلك يدفعه إلى أن يتخذ قراراته بنفسه متحررًا من ضغوط الوالدين، وسوف يؤدي ذلك به إلى مزيدٍ من الاستقرار في سلوكه.
وبالإضافة إلى ذلك, فإن الآخرين خارج نطاق أسرته لا يقبلون منه السلوك المتقلب المتذبذب، فهم أقل من الوالدين تسامحًا في هذا الصدد, وهذا يهيئ للشاب دافعًا إلى مزيدٍ من الاستقرار, والشاب الذي ينمو في عائلة كبيرةٍ؛ حيث يُتَوقَعُ منه أكثر مما يتوقع من الشاب الذي يعيش في أسرة صغيرة, أن يكون أكثر استقرارًا في سلوكه؛ لأنه أقل تعرضًا للحماية الزائدة من الوالدين, ونشير هنا إلى أن مقدارًا معقولًا من عدم الاستقرار في هذه المرحلة, هو علامة نضج اجتماعي وعقلي، فقد ينشأ عن الحماية الزائدة أثر مضاد, وهو الاستقرار الزائد, وهو ما يسبب للشباب نقصانًا في الثقة في قدرته على التعامل مع مشكلات حياته بمفرده, ويؤدي به ذلك إلى أن يصبح جامدًا متصلبًا, ويُنَمَّى لديه النمط التسلطي في الشخصية, أما ظهور بعض علامات عدم الاستقرار فقد يدل على أن الشاب يواجه بعض الصعوبات والمشكلات في محاولته تخطي عادات الطفولة, وإحلال العادات الأكثر نضجًا محلها.
стр. 355
التغيرات الجسمية في طور السعي:
إن انفجار النموِّ الجسمي الذي يبدأ مع البلوغ الجنسي, ويستمر بمعدل متناقص التسارع في المراهقة المبكرة, يقل تدريجيًّا في طور السعي, ويساعد هذا البطء على إحداث التكامل بين مختلف الوظائف العضلية لدى الشاب, ولهذا نلاحظ على الفرد في هذه المرحلة تحسنًا واضحًا يتجاوز به صور الخلل والارتباك الذي كان ملاحظًا في الطور السابق, وخاصةًَ في النشاط الحركي.
ويطرأ على النمو في الطول والوزن في هذا الطور استقرار واضح، فالزيادة في كلٍّ منهما ضئيلة جدًّا, ويعرض الجدولان "١٤-١" "١٤-٢" الصورة الكاملة للنمو في الطول والوزن طوال فترة المرحلة الأولى، من حياة الإنسان