← Медицина

Медицина · id 11738

نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين

آمال صادق

Полный текст (770 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

حدود طور بلوغ السعي "الشباب ": نتيجةً لذلك نجد أن كثيرًا من الأشخاص -وخاصة أولئك الذين يستمرون في التعليم- يكونون في مرحلة يمكن أن نسميها طور تأجيل الرشد moratorium, وهو طور الشباب الذي يطابق مفهومه التربوي سنوات الدراسة بالمرحلتين الثانوية والجامعية, ونحن في هذا نتفق مع ما يراه أحد علماء الاجتماع المصريين المعاصرين البارزين "عزت حجازي ١٩٨٧", الذي يحدد بداية مرحلة الشباب بأنها تتمثل في "اقتراب شكل الجسم ووظائفه من آخر درجات النضج، ومن الناحية النفسية يكاد عمر الفرد العقليّ يصل إلى قمته، ويتيقظ إحساس الشخص بأنه لم يعد صغيرًا، ويطالب بتوقف معاملته على أنه صغير، ومن الناحية الاجتماعية يتأكد اعتراف الآخرين بأن الشخص لم يعد طفلًا، وإن كانوا يترددون في الاعتراف به كرجل".

стр. 352

كما يحدد عزت حجازي "١٩٧٨" نهاية مرحلة الشباب بسن الخامسة والعشرين, أو ما حولها؛ لأن هذه هي السن التي تحدث عندها تحولات هامة في حياة الفرد, فعندها يترك التعليم بعد استكماله -عادةً- ويلتحق بعمل دائم، ويتزوج، أو يسعى إلى تحقيق ذلك على الأقل، فهو بعبارة أخرى يترك "فترة الاعتماد", ويبدأ حياة "الاستقلال عند الراشدين". وترتبط مرحلة الشباب أيضًا بالمدى الواسع من الخيارات, وبالبدائل المتاحة من أساليب الحياة والأدوار الاجتماعية, ولم يتوافر للشباب في تاريخه كما يتوافر له الآن من تنوع الفرص التي يمكن أن يعيش بها حياته، بالإضافة إلى زيادة مسئوليته الشخصية عن اختياره، دون تدخل مباشر من الأسرة, أو من تقاليد المجتمع، وهذا التنوع في الفرص, ومسئولية الفرد عن قراره, أدَّيَا إلى إطالة الفترة التي تسبق هذا الاختيار, وخاصةً في مسألتي العمل والزواج، مما أدَّى مرةً أخرى إلى تأجيل الرشد كما بينا. إلّا أن ما يجب أن نحذر منه أن تطول هذه الفترة الانتقالية أكثر مما يجب, كما يجب أن نحذِّرَ من أن تكون هذه الإطالة رغم أنف الشباب أنفسهم، بسبب الظروف الاجتماعية الاقتصادية القاهرة التي تجعل من الصعب على الشباب أن يجد عملًا مناسبًا، أو تجعل من المستحيل عليه أن يتزوج ويكوّن أسرة؛ إذ قد يظهر -حينئذ- ما يسميه كينسترون "Kinistron ١٩٧١" "رفض التطبيع"، ويتخذ ذلك في رأينا إحدى صورتين: العزلة والاغتراب, أو العنف والتطرف، وكلتاهما يعاني منه المجتمع المصري والعربي الحديث. ولعل هذا يفسر لنا تداخل حدود صور الشباب "المراهقة المتأخرة كما تسمى أحيانًا, وهي تسمية غير موفقة" مع حدود الرشد -كما سنبين في الفصل التالي؛ فبعض الشباب يصلون إلى مستوى الأهلية الكاملة لممارسة مهام الرشد عند حوالي ١٨ سنة، فهم يعملون ويُجَنَّدُون ويتزوجون في هذا السن, ولعل هذا يثير المشكلة التي سنتناولها بالتفصيل في الفصل التالي, حين يوصف هؤلاء جميعًا بأنهم غير "راشدين"؛ لأنهم لم يبلغوا بعد سن الرشد الذهبي, أي ٢١ عامًا. إلّا أننا يجب أن ننبه إلى مسألة هامة, وهي أن وجود مرحلة للانتقال من ضعف الصبا إلى قوة الرشد واجبة في العصر الحاضر, وهكذا فإن المراهقين الذين يُحْرَمُونَ من مراهقتهم تمامًا كمرحلة انتقال إلى الرشد، حين يجبرون على العمل في سن البلوغ أو قبله أو بعده بقليل, يعانون من عوائق الرشد، مثلهم في ذلك مثل

стр. 353

الشباب الذين يُؤَجَّلُ انتقالهم إلى الرشد بشكل غير طبيعي, وتستمر اعتماديتهم نتيجةً لإطالة مرحلة التعليم, ولهذا فلا بُدَّ أن يصبغ التعليم الثانوي بالطابع المهني؛ لأن الشاب أو المراهق المتأخر "طالب المرحلة الثانوية في الأغلب" في حاجة إلى أن تتوافر له خبرة عمل حقيقية, تهيئ له شعورًا بالاستقلال١, وحبذا لو تجاوزت خبرات العمل هذه التي يتدرب خلالها طالب المرحلة الثانوية حدود "الخدمة التعليمية" إلى مجال "الإنتاج التعليمي"؛ بحيث يحصل الطالب على عائدٍ ماديٍّ مباشر من تعليمه الإنتاجي. ويمكن أن نحدد بداية هذه المرحلة بالتحاق المراهق بالمرحلة الثانوية أو ما يقابلها من مستوى عمري، وهو في مصر في العادة بين ١٤-١٥ سنة، وهو طور يقابل ما يُسَمَّى تقليديًّا بالمراهقة المتوسطة, على حد تصنيف قسم على علم نفس النمو في الجمعية الأمريكية لعلم النفس لمرحلة المراهقة إلى: مراهقة مبكرة "١٢ -١٤ سنة", ومراهقة متوسطة "١٤-١٦سنة"، ومراهقة متأخرة "١٦-٢١ سنة", وفي رأينا أن يقتصر مصطلح المراهقة على ما يُسَمَّى المرهقة المبكرة "أي بلوغ الحلم"، أما مرحلتا المراهقة المتوسطة والمتأخرة بالإضافة إلى الرشد "٢١-٢٥", فيشملها جميعًا الطور الذي أسميناه طور السعي, أو طور الشباب. وقد أشرنا إلى أن الحصول على مكانة عالية في المدرسة أو المنزل مفيد كدافع لدى المراهق والشاب لاكتساب أنماط السلوك الناضج، وفي نفس الوقت يعطيه نمطًا محددًا للسلوك المتوقع كهدف يسعى إليه, وسواء وصل المراهق أو الشاب إلى هدفه أم لم يحصل قبل سن ٢١, فإن ذلك ليس له أثر يذكر على حصوله على مكانة الراشد. إنه بوصوله إلى هذ السن يصبح أتوماتيكيًّا -من الناحية القانونية على الأقل- له كل الحقوق والاعتبارات والمسئوليات القانونية التي يتمتع بها الراشد. وتستخدم تسميات كثيرة للفتيان والفتيات في طور السعي "الشباب أو المراهقة المتأخرة", ويشيع في الإشارة إليهم استخدام لفظ "الشباب"، ولو أن الأكثر شيوعًا في اللغة العربية أن يشار إليهم باسم الشبيبة, تمييزًا لهم عن الشباب من الراشدين "أو مرحلة الرشد المبكر", كما أن لفظ "رجل" و"امرأة" يمكن

стр. 354

استخدامه دون حرج في هذه المرحلة، وهو يعني اعتراف المجتمع لهم بمستوى النضج اللازم لتحمل المسئولية, وفي اللغة الإنجليزية تشيع الإشارة إليهم بعبارة "أبناء العقد الثاني من العمر Teenagers ١, ولو أن هذا الوصف لا يوافق عليه الشباب أنفسهم -ونحن نوافقهم على ذلك؛ لأنه يعبِّرُ عن طور المراهقة المبكرة أو بلوغ الحلم أكثر مما يعبِّرُ عن طور بلوغ السعي. ويتميز طور السعي بعدد من الخصائص العامة؛ فالتقلب وعدم الاستقرار الذي كان يسود المراهقة المبكرة يحلّ محلَّه بالتدريج نوعٌ من الاستقرار والثبات, ويظهر ذلك على وجه الخصوص في استقرار الميول المهنية واللامهنية "الهوايات", وفي نوع الملابس، وفي أساليب الترويح، وفي اختيار المهنة، وفي الصداقات، وفي السلوك الانفعالي, وخاصةً نقصان التقلُّب المزاجي، وفي الاتجاهات الاجتماعية التي لم تَعُدْ تتأثر بالدعاية أو الإعلان, أو آراء الآخرين, كما كان الحال في المراهقة المبكرة. وبسبب هذا الاستقرار المتزايد, يزداد تكيُّفُ الشاب على نحوٍ أفضل لظروف الحياة، ويتوقف على البيئة التي يعيش فيه الفرد تحديد متى يحلّ الاستقرار محل التقلُّب, وكيف سينجح الشاب في تحقيق ذلك، فإذا كان عليه أن يعيش مع أسرته طول الوقت، وإذا كان الوالدان يميلان إلى المبالغة في حمايته, فإنه سيظل غير ناضجٍ في هذه الناحية من النموّ، أما إذا أتيحت له الرص أن يعيش بعيدًا عن الحماية الزائدة للوالدين؛ في المعسكرات أو في المدارس الداخلية, أو في المدن الجامعية للكليات والمعاهد, أو في القوات المسلحة, فإن ذلك يدفعه إلى أن يتخذ قراراته بنفسه متحررًا من ضغوط الوالدين، وسوف يؤدي ذلك به إلى مزيدٍ من الاستقرار في سلوكه. وبالإضافة إلى ذلك, فإن الآخرين خارج نطاق أسرته لا يقبلون منه السلوك المتقلب المتذبذب، فهم أقل من الوالدين تسامحًا في هذا الصدد, وهذا يهيئ للشاب دافعًا إلى مزيدٍ من الاستقرار, والشاب الذي ينمو في عائلة كبيرةٍ؛ حيث يُتَوقَعُ منه أكثر مما يتوقع من الشاب الذي يعيش في أسرة صغيرة, أن يكون أكثر استقرارًا في سلوكه؛ لأنه أقل تعرضًا للحماية الزائدة من الوالدين, ونشير هنا إلى أن مقدارًا معقولًا من عدم الاستقرار في هذه المرحلة, هو علامة نضج اجتماعي وعقلي، فقد ينشأ عن الحماية الزائدة أثر مضاد, وهو الاستقرار الزائد, وهو ما يسبب للشباب نقصانًا في الثقة في قدرته على التعامل مع مشكلات حياته بمفرده, ويؤدي به ذلك إلى أن يصبح جامدًا متصلبًا, ويُنَمَّى لديه النمط التسلطي في الشخصية, أما ظهور بعض علامات عدم الاستقرار فقد يدل على أن الشاب يواجه بعض الصعوبات والمشكلات في محاولته تخطي عادات الطفولة, وإحلال العادات الأكثر نضجًا محلها.

стр. 355

التغيرات الجسمية في طور السعي: إن انفجار النموِّ الجسمي الذي يبدأ مع البلوغ الجنسي, ويستمر بمعدل متناقص التسارع في المراهقة المبكرة, يقل تدريجيًّا في طور السعي, ويساعد هذا البطء على إحداث التكامل بين مختلف الوظائف العضلية لدى الشاب, ولهذا نلاحظ على الفرد في هذه المرحلة تحسنًا واضحًا يتجاوز به صور الخلل والارتباك الذي كان ملاحظًا في الطور السابق, وخاصةًَ في النشاط الحركي. ويطرأ على النمو في الطول والوزن في هذا الطور استقرار واضح، فالزيادة في كلٍّ منهما ضئيلة جدًّا, ويعرض الجدولان "١٤-١" "١٤-٢" الصورة الكاملة للنمو في الطول والوزن طوال فترة المرحلة الأولى، من حياة الإنسان

стр. 356

"مرحلة ضعف الصبا الذي يتوجه إلى الرشد". ويتضمن الجدولان المعايير المصرية لنموِّ الطول والوزن, كما وردت في تقارير الإدارة العامة للصحة المدرسية بوزارة التربية والتعليم المصرية, ويتضح منها أن النموَّ الجسمي يسير مضطردًا حتى سن ١٥ سنة عند البنات، و١٧ سنة عند البنين، ثم تكون الزيادة بعد ذلك ضئيلة للغاية, ومعنى ذلك أن النموَّ الجسمي في المرحلة التي تُسَمَّى طور السعي أو الشباب أو المراهقة المتأخرة, يصل إلى درجة من الاستقرار والثبوت، وهو ما نلاحظه أيضًا على غيره من جوانب النمو, وخاصةً في النواحي السلوكية. وتتزايد الفروق بين الجنسين في الوزن أكثر منها في الطول, وذلك لتأثر الوزن بظروف التغذية وغيرها من الظروف البيئية التي تفرض على الإناث قيودًا -وخاصة في طَوْرَي المراهقة المبكرة والشباب- للمحافظة على رشاقة الجسم, ولهذا تبدو البنات أخف وزنًا من البنين في هذه المرحلة النمائية. ويلاحظ على الشاب أن عدم التناسب بين أعضاء الجسم الذي كان ملاحظًا

стр. 357

في الطور السابق يتلاشى تدريجيًّا حتى يصل إلى النسب التي تتحدد بمعايير الراشدين, ويحدث أكبر تصحيح لهذه النسب في أعضاء الوجه، ومع نهاية هذه الفترة يصبح الشكل العام لقوام الشاب له خصائص الرجل الناضج أو المرأة الناضجة, فمع اتساع الصدر واستطالة الجذع تتلاشى تدريجيًّا لدى الذكور صورة الهزال التي كان عليها قوام المراهق الصغير, ويدل قياس مختلف العظام أن الهيكل العظمي يتوقف على النمو عند حوالي سن ١٨سنة, أما الأنسجة الأخرى غير العظام فتستمر في النمو بعد وصول العظام إلى حجمها الكامل, ولا يظهر "ضرس العقل" عادةً إلّا مع بداية الرشد, ومع طور السعي تكتمل الخصائص الجنسية الثانوية, والوظائف الجنسية الأولية, ويزول حب الشباب وغيره من الاضطرابات الجلدية. ويستمر أثناء طور السعي نمو الأبنية والوظائف الجسمية للأعضاء الداخلية حتى تصل إلى اكتمال النضج, وأسرع معدلات النمو هي في نموِّ القلب الذي يصل حجمه الكامل في سن ١٧ أو ١٨, كما تصل سعة الرئة عند البنات إلى مستوى النضج في سن ١٧، ولكنها لا تصل إلى هذا المستوى عند الذكور إلّا بعد عدة سنوات بعد ذلك, ويبطؤ معدل نمو الجهاز الهضمي بعد أن كان ينمو نموًّا سريعًا في طور بلوغ الحلم "المراهقة المبكرة". أما من حيث الصحة الجسمية: فيمكن وصف مرحلة الشباب بصفة عامة بأنها مرحلة صحة جيدة, ومقاومة للأمراض, وتنخفض نسبة الوفيات انخفاضًا كبيرًا في هذه المرحلة، ومعظم الوفيات ترجع إلى الحوادث أكثر منها إلى المرض, إلّا أن الشباب هنا -شأنه في ذلك شأن المراهق الصغير- قد يستخدم المرض كحيلة للهرب من المسئوليات والواجبات غير المرغوبة, ويظهر ذلك خاصةً في صورة اضطرابات الجهاز الهضمي والأرق والصداع, ويشيع في البنات توهم المرض أكثر من البنين. ومن ناحية التآزر الحركي يُلاحَظُ على الشاب أنه لم يعد يشعر بالاضطراب الحركي الذي يشيع في المراهقة المبكرة "بلوغ الحلم" نتيجة للنموِّ الحركي السريع حينئذ, لقد أصبح الفرد في طور السعي قادرًا على التحكم في أجزاء جسمه المختلفة، وتعلَّمَ أن يستخدمها بدرجةٍ واضحةٍ من الإتقان والنجاح, وبالإضافة إلى ذلك, فإن زيادة القوة الجسمية التي تصاحب نموَّ الجهاز العضلي تدفعه إلى الاستفادة من هذه القوة الجديدة المكتسبة, وذلك بتعلُّم المهارات الحركية المعقدة التي كان يعجز عن اكتسابها في الطور السابق.

стр. 358

النموّ العقلي المعرفي: أشرنا في الفصل السابق إلى أن بياجيه يرى أن مرحلة العمليات الصورية هي آخر مراحل النموّ المعرفي، وكل ما يحدث بعد ذلك هو بلورة Consolidation, واستقرار Stabilization هذه العمليات, ومعنى ذلك أن الأفراد بعد تجاوزهم الفترة من سن ١١-١٥ سنة تقريبًا "البلوغ والمراهقة المبكرة" يصبحون أكثر تعودًا على استخدام العلميات الصورية, وخاصةً في المجالات التي ترتبط بالتخصص المهني والأكاديمي. إلّا أن هذا التصور التقليدي للنموِّ العقلي والمعرفي يتعرض في الوقت الحاضر للنقد من ناحيتين؛ أولاهما: أن هناك مراحل يمر بها الفرد لنموِّ العمليات الصورية ذاتها، وثانيهما: أن هناك محاولات لتجاوز مرحلة العمليات الصورية, واقتراح مراحل أخرى من النموِّ المعرفي تتلوها, وسوف نتناول المسألة الثانية بشيءٍ من التفصيل في الباب الخامس من هذا الكتاب, والذي يدور حول مرحلة الرشد الإنساني, أما المسألة الأول فنعرض لها هنا. والمسلَّمة الأساسية التي تقوم عليها فكرة مستويات التفكير باستخدام العمليات الصورية, أن هذا النمط من التفكير لا يظهر كله مرة واحدة في بداية المراهقة، وقد كان بياجيه متنبهًا إلى ذلك, إلّا أنه لم يفصله بشكلٍ كافٍ، وكان يذكر على وجه الخصوص مستويين هما: ١- التفكير في البدائل والفروض والاحتمالات، ويظهر في طور المراهقة المبكرة, كما أوضحنا في الفصل السابق, والمراهق في هذا المستوى عندما يحاول حل مشكلة البندول, ويتوصل إلى حلٍّ لها, فإنه يتوقف، أي أنه لا يختبر جميع المتغيرات بطريقة منظمة. ٢- التفكير المنظم في الاحتمالات المختلفة، ويبدأ في الظهور في المراحل المتأخرة من المراهقة, أو بلغة هذا الكتاب طور السعي, وفي هذا المستوى يبحث الشاب عَمَّا هو ضروريّ, وكذلك ما هو كافٍ لتغيير سرعة حركة البندول، وبالتالي يحاول اختبار كلِّ متغيرٍ, وجميع العلاقات الممكنة بين المتغيرات. إلّا أن البحوث تقترح ما هو أكثر من هذين المستويين, وقد قام كثيرٌ من الباحثين باستخدام كثيرٍ من المهام التي اقترحها بياجيه, ووجدوا أن تفكير الشباب يسير في مستويات أربعة "Case ١٩٨٥", ولكي نوضح هذه المستويات الجديدة نضرب مثالًا من مهمة شهيرة لبياجيه, وهي التي يطلب فيها من المفحوص الحكم

стр. 359

على ما يحدث حين تُوضَعُ أوزان مختلفة في كِفَّتَيْ ميزان, ولحلِّ مثل هذه المشكلة يجب على المفحوص أن يضع في الاعتبار كلًّا من ثقل الوزن والبعد عن نقطة الارتكاز، ولعلنا نذكر هنا أن أطفال طور التمييز "من سن ٧-٨سنوات" يذكرون أن الميزان يكون في حالة توازن إذا كان الثقل متساويًا في الكفتين، ولكنهم لا يدركون أن البعد عن نقطة الارتكاز له أهمية, وإدراك ذلك يمر خلال أربعة مستويات "أو مراحل فرعية" على النحو الآتي: ١- مقارنة الفروق بين الوزنين بالفروق بين المسافتين من نطقة الارتكاز, واختيار المسافة التي تحدد في أي اتجاهٍ يميل الميزان, ويظهر هذا السلوك قبل سن الحادية عشرة بقليل, ويتطور في طور بلوغ الحلم "المراهقة المبكرة"، وفيه يستخدم المراهق عملية الطرح "وهي عملية من الدرجة الثانية" بدلًا من محض جمع الأوزان الذي كان يلجأ إليه الطفل في مرحلة العمليات العيانية, إلّا أن هذه الاستراتيجية لا تزال محددة وقليلة الفعالية. ٢- تكوين نسب بسيطة للمقارنة بين متغيري الوزن والمسافة, ويظهر هذا السلوك خلال الفترة من ١١-١٣ سنة, فإذا واجه المراهق وجود وزنين إلى اليسار, ووزن واحد إلى اليمين، ووحدتي قياس للمسافة إلى اليسار, وأربع وحدات منها إلى اليمين, يدرك المراهق المبكر أن نسبة الأوزان التي توجد إلى اليمين إلى تلك التي توجد إلى اليسار هي ٢: ١، وهي نفس النسبة أيضًا للمسافة, وبهذا قد يستنتج أن الكفتين سوف تتوازيان, فإذا اختلفت النسبة, فإنه قد يتنبأ بأن الميزان سوف يميل في اتجاه الطرف الأكبر من طرفي النسبة, والنسبة المستخدمة هنا هي عملية صورية أكثر تطورًا من الطرح، إلّا أن من قيود هذه الاستراتيجية أن المراهق لا يستطيع حل المشكلة إلّا إذا كانت الأوزان والمسافات تقبل القسمة بعضها على بعض. ٣- استخدام القسمة في الحصول على النسبة, حتى ولو كانت الوحدات لا تقبل القسمة بعضها على بعض، ويظهر هذا السلوك المعرفي صريحًا خلال طور السعي, وخاصة في مراحله المبكرة "ما يُسَمَّى أحيانًا المراهقة المتوسطة" من سن ١٣- ١٥ سنة, فمثلًا إذا كان هناك وزنان إلى اليمين, ووزنٌ واحد إلى اليسار، وكانت المسافات عبارة عن ٥ وحدات إلى اليمين, ووحدتين إلى اليسار, فإن المراهق يقسم ٢ على ٥, ويستخدم في ذلك طريقة القسمة المطولة, فيحصل على العدد "٢.٥"، يقارن ذلك بحاصل قسمة الوزنين وهو "٢", وعندئذ يختار المقدار الأكبر وهو "٢.٥" على أنه سيحدد وجهة ميل الميزان, وفي هذا المستوى يستخدم

стр. 360

المراهق عناصر أكثرَ تَمَّ تمثيلها ذهنيًّا، كما يقوم بعمليات حسابية أكثر تقدُّمًا من المستوى السابق, إلّا أن فعالية هذه الاستراتجية لا تزال غير كافية. ٤- استخدام القسمة في حسبا نسبتين؛ إحداهما للمسافة والأخرى للوزن, ثم يقارن بينهما, ولا يظهر هذا السلوك إلّا بعد سن ١٥سنة، أي: في طور المراهقة المتأخرة كما يُسَمَّى أحيانًا, والذي يقابل المدرسة الثانوية بالنسبة لطلاب المدارس. فمثلًا إذا كان على أحد طرفي الميزان ٧ وحدات وزن، وعلى الطرف الآخر ٣ وحدات، وكانت وحدات المسافة ٢، ٥ على التوالي، فإن المراهق يحسب نسبة الوزن لتصبح ١: ٢.٥، ونسبة المسافة لتصبح ١: ٢.٥, وحينئذٍ يستنتج أن الميزان سوف يميل في اتجاه النسبة الأكبر, وهذا المستوى هو أكثر المستويات تجريدًا؛ لأن الأعداد المستخدمة هنا ليس لها أيّ مقابل إدراكيٍّ مباشرٍ في العالم الفيزيائي, وحينئذٍ نقول: إن المراهق وصل إلى التفكير باستخدام العلميات الصورية الأكثر نضجًا وتقدُّمًا, والذي يظهر في العادة مع نهاية المرحلة الثانوية, ويستمر في المرحلة الجامعية. وتوجد أدلة أخرى على أن دخول الطفل مرحلة المراهقة لا يُعَدُّ دليلًا على وصول النمو العقلي إلى حَدِّه الأقصى كما افترض بياجيه، وهذه الأدلة قدَّمَها الباحثون في ميدان القدرات العقلية, ولقد كان ثرستون من أوائل العلماء الذين اهتموا بدراسة نموِّ القدرات العقلية؛ فأعدَّ منحنًى لنموِّ كل قدرة من القدرات السبع التي يتألف منها هذا الاختبار, لأعمار تمتد من سن ٥ حتى ١٧ سنة، واستخدم طريقته في القياس المطلق، فوجد أن نتائجه تتفق مع بحوثٍ سابقةٍ أجراها حول مقاييس الذكاء العام "كما يقاس باختيار ستانفرد - بينيه" وهي أن المنحنيات تتخذ صورة حرف S الأجنبي، وتبدأ بنقطةٍ تتعدَّى الصفر المطلق عند الولادة, وتصل إلى مستوى الرشد كخط مقارب Asymptote١. وكانت نقطة الصفر في مقياس القدرة أدنى من المتوسط في كل عمر، فقام ثرستون بتوفيق البيانات لكل اختبارٍ حتى تتطابق مع منحنى جومبيرتز Gompertz Curve٢، واستطاع بذلك أن

стр. 361

يستكمل منحنيات النموِّ إلى وقت الولادة من ناحيةٍ, وإلى سن ١٩سنة من ناحيةٍ أخرى. وقد أعاد ثرستون تطبيق طرقه في القياس على المنحنيات التي تمثل القدرات السبع؛ بحيث تكون قيمة الخط المقارب الأعلى هي الواحد الصحيح عند مستوى الراشد الصغير المتوسط، وبهذه الطريقة أمكنه المقارنة بين المنحنيات السبعة على أساس العمر الذي يصل فيه الطفل المتوسط إلى ما يعادل ٨٠% من النضج، فتوصل إلى الأعمار التقريبية التي يوضحها الجدول رقم "١٤-٣".

стр. 362

السلوك الانفعالي والوجداني ومشكلات الشباب: تخفُّ تدريجيًّا الحدة الانفعالية التي تشيع في طور المراهقة المبكرة بانتقال الفرد إلى طور السعي, بشرط توافر أنماط ملائمة من التكيُّف للبيئة, والتي تتناسب مع المطالب الجديدة التي تفرض على الشباب، إلّا أنه يلاحظ تعرض الشباب خلال هذا الطور للتوتر الانفعالي نتيجة المشكلات الجديدة التي يتعرض لها, والتي تنشأ عادةً من تمرده على سلطة الكبار. ولا تختلف انفعالات الشابِّ عن انفعالات المراهق الصغير أو الطفل في النوع، وإنما الاختلاف في حدة هذه الانفعالات "حيث تزداد القدرة على التحكم فيها"، وتكرار حدوثها، وطبيعة الاستجابات التي تصدر عن المراهق عند حدوثها "وسائل التعبير عنها", والمثيرات التي تؤدي إليها, والانفعال الأكثر

стр. 363

حدوثًا بصفةٍ عامة هو انفعال الغضب, أما مشاعر الحب فعادةً ما تتوجه إلى شخصٍ من الجنس الآخر مع خلع الصفات المثالية عليه، إلّا أن هذا لا يعني التخلي عن المشاعر الوجدانية الموجهة إلى جماعة الأصدقاء من نفس الجنس, أو إلى صديقٍ حميمٍ, أو إلى الوالدين أو أحدهما. ومن الموضوعات وثيقة الصلة بالسلوك الانفعالي والوجداني في طور السعي ما يُسَمَّى "مشكلات الشباب", وهو موضوعٌ حظي بأكبر قدرٍ من دراسات الباحثين في مصر "إبراهيم شهاب ١٩٥٣، خليل ميخائيل معوض ١٩٧١، عثمان لبيب فرج ١٩٦١، محمد عثمان نجاتي ١٩٦٣، سعد جلال وعماد الدين سلطان ١٩٦٦، منيرة حلمي ١٩٦٧، فؤاد أبو حطب ١٩٧٧" وفي بعض الأقطار العربية. والواقع أن معظم المشكلات التي تظهر في السنوات المبكرة للمراهقة التي يتمُّ حلها بنجاحٍ في ذلك الوقت, تستمر في مرحلة الشباب بالإضافة إلى ظهور مشكلات جديدة, والشاب في هذا الطور قادر على مواجهة المشكلات بطريقةٍ أكثر موضوعية، وقادر على اتخاذ القرارات دون أن يعوِّلَ كثيرًا على الوالدين أو المعلمين أو الأصدقاء, ثم إنه قادر على الدفاع عن قراراته والسعي لتحقيقها ما لم تتوفر له أدلة على خطأ هذه القرارات. ومعنى ذلك أن مشكلات الشباب في عمومها تشبه مشكلات المراهقة المبكرة, أما كيف يُقَابِلُ الشاب هذه المشكلات, وكيف يسعى لحلها بطريقة ناضجة, فهو ما يميز بينهما, كما أن عدد المشكلات وحدتها يتحدد بنمط حياة الشاب, سواء أكان يعيش مع أسرته أم يعيش خارج منزله, وسواء أكان لا يزال طالبًا أم خرج إلى عالم العمل, ومعظم المشكلات التي تسود في هذا الطَّوْرِ تتعلق بالجاذبية الشخصية والتكيف الاجتماعي والأسري والعمل والنقود والنجاح الأكاديمي والعلاقات الجنسية. وقد أكدت الدراسات التي أجريت على الشباب المصري أن لديهم عددًا كبيرًا من المشكلات الصحية على نحوٍ يوحي بحاجتهم إلى التربية السليمة. وتوجد نسبة عالية من الشباب المصري من الجنسين تزداد لديهم المشكلات العاطفية، فهو يريد أن يعرف كيف يجعل أفراد الجنس الآخر يهتمون به, وغالبية الأفراد من الجنسين يودون أن يعرفوا شيئًا عن أساليب السلوك الاجتماعي الصحيح في وجود الجنس الآخر، كما أنهم يودون أن يعرفوا بعض المسائل التي تتعلق بالزواج والحياة الزوجية المقبلة، كما أنهم في حاجة إلى معلومات جنسية علمية.

стр. 364

أما عن مشكلات المستقبل الدارسي والمهني للشباب, فقد أثبتت الدراسات المصرية أن نسبةً كبيرةً من الشباب من الجنسين يشعرون بالقلق إزاء هذا المستقبل, وخاصةً عندما يواجه بانتهاء الدراسة بالمرحلة الثانوية. ولعل حدة هذه المشكلة ترجع إلى نظام القبول بالتعليم الجامعي والعالي الذي أصبح نوعًا من المسابقة١، بينما نظام التوجيه المهني أصبح نوعًا من التوزيع العشوائي, في نظام القوى العاملة المعمول به في الوقت الحاضر, ولهذا فإن معظم الشباب لا يدرون شيئًا عن ميولهم المختلفة، أي: إنهم في حالة شكٍّ في حقيقة هذه الميول. وحين يرتب الشباب المصريون مجالات المشكلات, يرتب الفتيان مجال ما بعد المدرسة الثانوية في المقدمة, ويليه مدرستي والثقافة الجنسية, أما مجال التعامل مع الآخرين فيجيء ترتيبه الأخير, أما الفتيات فيرتبن مجال مدرستي في المقدمة, ويليه مجال التعامل مع الآخرين, وما بعد المدرسة الثانوية, أما مجال الثقافة الجنسية فيأتي في النهاية. أما من حيث الحدة: فقد لُوحِظَ أن المجالات التي أظهر فيها الشباب أعلى درجات الحدة هي: مدرستي، ما بعد المدرسة الثانوية، بيتي وعائلتي، الثقافة الجنسية، الأشياء العامة. أما عن ميول الشباب فإن ما يحددها عاملان هامان؛ هما البيئة التي يعيش فيها الشاب وجنسه؛ فالفتيان والفتيات الذين يعيشون في المدن الكبيرة أو المدن الصغيرة أو القرى, تختلف ميولُهم بعضهم عن بعض, وتظهر أهمية الجنس هنا خاصةً إذا علمنا أن طَوْرَ السعي هو الفترة التي يتحدد فيها نهائيًّا نمط السلوك المناسب لكلٍّ من الذكر والأنثى, ولهذا تتميز ميول كلٍّ منهما في هذا الطور تميزًا واضحًا, ويظهر ذلك واضحًا في الأحاديث التلقائية لكلٍّ منهما "فؤاد البهي السيد، ١٩٥٤". كما يكون أكثر وضوحًا في هوايات كلٍّ من الجنسين Hurlick ١٩٨٠"، رغم أن وظيفة الهواية تختلف هنا عن المراحل السابقة، فقد أصبحت من نوع "الهوايات النافعة" أكثر منها من نوع أعمال قضاء وقت الفراغ والترويح. وبالطبع توجد ميول مشتركة بين الجنسين، ولعل أهمها ما يتصل بالميول الشخصية, والتي تشمل على وجه الخصوص المظهر والاستقلال والمستقبل، وهذه المجالات الثلاثة على وجه الخصوص تشغل معظم وقت الشباب من الجنسين وتفكيرهم. ويحتل المظهر أهميةً خاصةً؛ لأنه يلعب دورًا كبيرًا في التوافق الاجتماعي

стр. 365

للشباب، ويعينه على ذلك اقتراب نموّه الجسمي من الاكتمال, كما تصل الرغبة في الاستقلال إلى قمة حدها في هذا الطور, وكثيرًا ما يبالغ الشباب في هذا الرغبة إذا علم أن بعض أصدقائه أكثر استقلالًا منه, وقد ينشأ عن ذلك صراع مع الوالدين, ويكتشف المراهق أن اعتماديته في هذه المرحلة ذات طابع اقتصادي في جوهرها، ويحاول البعض حلّ هذا الصراع بالبحث عن مصادر خاصة للدخل "من خلال العمل أثناء وقت الفراغ" تعينه على هذا الاستقلال, وبعض حالات التسرب في التعليم الثانوي والجامعي يعود إلى هذا السبب. أما الميول التي تتمركز حول المستقبل: فتبدأ في الظهور مع المراهقة المبكرة إلًا أنها سرعان ما تصبح مصدرًا للاهتمام الكبير في طور السعي, فمع الاقتراب من الرشد ومسئولياته يشعر الشاب بعبء المستقبل شديدًا, وخاصة إذا كان عليه أن يستقلَّ بحياته ويتزوج ويكوّن أسرة, ومع لعبة "خلط الأوراق" التي يعيشها المجتمع المصري في الوقت الحاضر, يشعر الفتى أن مَطَالِبَ هذا الاستقلال أصبحت مستحيلة التنفيذ مع سوق عملٍ محدودٍ يجبر الشباب على انتظار الوظيفة التي توفرها لها القوى العاملة, أو مسابقات التعيين "والتي غالبًا ما لا تتفق مع ميوله, بل ولا مع إعداده السابق"، والتي يحصل منها على "دخل محدود"، لا يكاد يغطي تكاليف الحياة اليومية المعتادة, ويصبح السؤال المكرر دائمًا، المعاد أبدًا, الذي يطرحه الشاب على نفسه: كيف أوفر من هذا الدخل المحدود ما يكفي الحاجات الأساسية, ويغطي تكاليف شقة متواضعة, وأثاث أقل تواضعًا لأتزوج وأكوّن أسرة؟ هذا السؤال البسيط لم يجب عليه أحد من صناع السياسة الاجتماعية والاقتصادية في مصر بعد, وواجبهم أن يجيبوا عليه؛ لأن المشكلة هنا من النوع الذي لا يقبل المعالجة السيكولوجية من خلال خدمات إرشاد نفسي مباشرة، وإنما هي نوعٌ من الكارثة الاجتماعية التي تنذر بالشر المستطير, والتي يتصل حلها بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية.

стр. 366

السلوك الاجتماعي في طور السعي "الشباب ": تضيق في طور السعي دائرة الأصدقاء الحميمين, وتتسع دائرة الجماعات, ومعنى ذلك أن الشاب يقل عنده عدد أصدقاءه الحميمين, ويزداد عدد صداقاته العامة ومعارفه, كما يتوجه اهتمامه إلى اكتشاف عالم الجنس الآخر. ويلاحظ على السلوك الاجتماعي في هذا الطور أنه يتحوّل تدريجيًّا من الأنانية التقليدية التي تنشأ من الشعور بعدم الأمن في المواقف الجديدة, إلى تأكيد الذات, ولهذا نجد الفرد بدلًا من أن يذيب فرديته ليصبح أحد أفراد الجماعة, تزداد لديه الرغبة في الاعتراف به كفردٍ, والحصول على موافقة الجماعة على ذلك, ومن خلال التجريب يكتشف ما هو مرغوب اجتماعيًّا، ثم يستخدم طرقًا أكثر حذقًا في جذب الانتباه، فيرتدي أحدث موضات الأزياء, بدلًا من الانبهار بالملابس ذات الألوان والرسوم الزاهية, كما يعبر عن وجهات نظر محددة بدلًا من الزهو بما لديه من أفكار مستحدثة. ونتيجةً لتوافر الفرص الكثيرة للمشاركة الاجتماعية ينمو لدى الشاب استبصاره الاجتماعي, فيصبح أكثر قدرةً على الحكم على الأشخاص, سواء من نفس الجنس أو الجنس الآخر, ولذلك يحقق لنفسه توافقًا اجتماعيًّا أفضل مما كان عليه الحال في الطور السابق, ومع زيادة المشاركة الاجتماعية تزيد كفاءته الاجتماعية، كما تتمثل في الحوار وممارسة الألعاب الشائعة في مثل سنه, ويعرف أكثر الطرق الصحيحة للسلوك في المواقف الاجتماعية المختلفة, وبالطبع كلما زادت مشاركته الإيجابية في المسائل الاجتماعية أثناء مراهقته المبكرة تزداد كفاءته الاجتماعية في طور السعي, ونتيجةً لذلك كله يُلاحَظُ على الشاب أنه أكثر ثقة بالنفس. وتتوافر للشاب صداقات من مستويات مختلفة, وقد قلنا أن الصداقات الحميمة يقل عددها، وتزداد أهمية الثُّلَلِ التي تصبح أقرب إلى الجمهرة من حيث بنية العلاقات الاجتماعية فيها, ويتوافر ذلك خاصةً لأولئك الذين يلتحقون بمرحلة التعليم الجامعي والعالي, دون الذين يلتحقون بعملٍ أو مهنةٍ بعد انتهاء التعليم الثانوي, ويتوافر ذلك خاصةً أيضًا حين تكون بيئة الدراسة الجامعية أو العالية شبيهة ببيئة المدرسة الثانوية, أما إذا كانت الدراسة لا توفر إلّا القليل من الفرص للحياة الاجتماعية, ويحتل العمل فيها الاهتمام الأكبر, فإن التجمعات الاجتماعية تكون أقل تحديدًا, أما بيئة العمل لأولئك الذين لا يستكملون دراستهم, فالملاحظ فيها أن الشاب يتصل بأفرادٍ من مختلف الأعمار, ومعظمهم له صداقاته الخاصة خارج نطاق العمل, ومالم يتوافر لهذا الشاب بقيةٌ من أصدقاء الدراسة الذين يعيشون ويعملون بالقرب منه, فإنه قد يجد نفسه وحيدًا منعزلًا. وتوضح لنا البحوث التي أُجْريَتْ على ما يُسَمَّى "تذبذب الصداقة" أن الصداقات التي تتسم بقدرٍ من الثبات والاستقرار في المراهقة المبكرة, والتي لم تكن كذلك أثناء الطفولة, تصبح مرةً أخرى أقل استقرارًا في طور السعي, والسبب في هذا لا يرجع إلى اختلاف معايير اختيار الأصدقاء في هذا الطور, بقدر ما يرجع إلى تغير نمط حياة الشاب, فبعد الانتهاء من المدرسة الثانوية يذهب البعض إلى

стр. 367

الجامعات والمعاهد العليا، والبعض الآخر إلى المعاهد الفنية المتوسطة، ويلتحق البعض بالقوات المسلحة، ويحصل البعض على عملٍ أو مهنة، وقد يتزوج البعض، وهذا كله ينأى بهم عن البيئات "الطبيعية" التي عاشوا فيها طوال حياتهم السابقة, ويؤدي ذلك إلى انهيار كثيرٍ من الصداقات القديمة وإحلال صداقات جديدة محلها. وتتنوع الجماعات أثناء الشباب حسب طبيعة النشاط الذي يقوم به الفرد، وتشمل الجماعات الرياضية والاجتماعية والفكرية والأدبية والدينية وغيرها, ولهذا تتنوع الصفات التي يجب أن تتوافر في قائد كل جماعة منها, وهكذا تتحول القيادة في هذه المرحلة لتصبح موقفية كما هو الحال عند الراشدين, ولعل هذا يفسر لنا اختلاف السمات التي يقدرها الشباب في قادتهم, حسب طبيعة النشاط الذي يمارسونه. ويتسم طور السعي باستقرار السلوك القيادي, فبعد أن كان القادة يظهرون ويختفون في مرحلة الطفولة والمراهقة المبكرة, أصبح الأمر مختلفًا الآن؛ إن الشخص الذي يظهر مهارات القيادة وهو في السنة الأولى الجامعية مثلًا يظل كذلك طوال سنوات دراسته الجامعية, ويعتمد استمرار القيادة بالطبع على استقرار الجماعة من ناحيةٍ, وعلى مرونة القائد من ناحيةٍ أخرى, والقائد الناجح من الشباب هو الذي يكتسب مزيدًا من الاستبصار الاجتماعي؛ من خلال مشاركته الإيجابية في الأنشطة الاجتماعية المنوعة، وهذا يجعله أكثر قدرةً على المواءمة مع مطالب الجماعة، ويعينه هذا بدوره على الاستمرار في القيادة. ويلعب الانطباع دورًا هامًّا في التقبُّل الاجتماعي في هذا الطور, ويتأثر هذا الانطباع بعوامل كثيرة؛ منها مظهر الفرد وسلوكه, والأشخاص الذين يحتك بهم, ومستواه الاجتماعي, ودرجة التشابه بينه وبين آخرين يعرفهم الشاب من قبل, وحالما يتكون الانطباع فإنه يؤثر في سلوك الشاب واتجاهاته نحو الشخص, فإذا كان الانطباع موجبًا يزداد تقبلًا له, والعكس صحيح. وقد أجريت دراسات مصرية عديدة حول الصداقة والقيادة لدى الشباب من طلاب المرحلة الثانوية والجامعات، إلّا أننا نحب أن ننبه إلى أن هذه الشريحة ليست وحدها هي التي تؤلف المجتمع الأصلي لشباب مصر, وهذا يعني أننا في حاجةٍ إلى مزيدٍ من البحث على جماعات العمال والفلاحين والموظفين, وغيرهم ممن لم يكن لهم نصيب من الاهتمام البحثي حتى الآن.

стр. 368

النمو الخلقي والاتجاهات الدينية في طور السعي: حين يصل الفرد إلى سن السادسة عشرة يجد من الصعب عليه تطبيق المفاهيم الخلقية التي تعلمها على المواقف المتنوعة المتصارعة التي يواجهها خلال خبراته الاجتماعية اليومية والعديدة, ومع زيادة النمو واتساع نطاق الخبرة "وخاصة بعد الالتحاق بالجامعة أو بالعمل" تتكوّن لديه مفاهيم محددة عن الصواب والخطأ, وعن الحق والباطل, وعن الفضيلة والرذيلة، وبذلك يصبح أكثر قدرةً على التعامل مع المواقف الجديدة المتصارعة, ويسلك تبعًا لمفاهيمه الخلقية دون ضغط من الخارج، بالإضافة إلى أنه يصبح أكثر قدرةً على تعميم المفاهيم الخلقية التي تعلمها في علاقتها بأفعالٍ معينة. إلّا أن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذا الطور زيادة التسامح مع بعض صور السلوك غير الخلقي؛ فاتجاهات طلاب الجامعات نحو الغش أكثر تسامحًا, وربما تكون لهذ الاتجاه جذوره في المراحل السابقة التي تَفَشَّى فيها الغش بشكلٍ خطير, ويبررون هذا التسامح بأهمية التقديرات التي يحصل عليها الطالب في مستقبله التعليمي والمهني, ثم يزداد الطين بلة حين يكتشف الشاب من خلال ما يقرأ أو يسمع من قصص الانحراف والفساد أن بعض الأشخاص الناجحين اقتصاديًّا بل واجتماعيًّا هم من فئة "المنحرفين" هذه, وأنهم كثيرًا ما ينجون من العقاب حتى بعد اكتشاف فسادهم, ومن هنا تزداد مشكلة "المعايير المزدوجة" حدةً لدى الشاب, ويؤدي ذلك كله إلى تعويق نموِّه الخلقي لعجزه عن إدراك "المعنى المطلق" في القيم الخلقية, وبذلك يتأخر وصوله إلى المستوى الثالث للنموِّ الخلقي "مستوى ما بعد التقليدي" الذي وصفه كولبرج. ولعل وسائل الأعلام -وخاصة الصحافة- هي المسئولة الكبرى عن هذا "الانهيار الخلقي" لدى بعض الشباب، فلا يكاد يقرأ المرء فيها إلى جانب قصص الفساد قصةً واحدة لنموذجٍ خلقيٍّ رفيع, أضف إلى ذلك ما أضافه عصر الفيديو من عوامل خلل إضافية في النسق القيمي الأساسي, وإذا لم نتدارك الأمر بالحرص الواجب من خلال تقديم نماذج سلوكية, ومُثُلٍ عليا للشباب, بأسلوب العرض المناسب والجذاب، وليس بأسلوب الوعظ والخطابة، فإن كارثةً أخرى توشك أن تحلَّ. أما بالنسبة للاتجاهات الدينية: فلعلنا نذكر أن طور السعي ينبثق من فترة شكٍّ عاشها المراهق الصغير قبل ذلك، ولحسن الحظ فإن هذه الفترة يمكن أن تكون قصيرة ومؤقتة إذا أُحْسِنَ توجيه الشباب دينيًّا فيها, بالاعتماد على الطرق العلمية

стр. 369

التي نجح علماء النفس الاجتماعيون في استخدامها في مجال تغييرب الاتجاهات وتعديلها، وليس بالوعظ فقط، فليس بالوعظ وحده تتغير الاتجاهات. والحاجة إلى التدين حاجة هامة جدًّا لدى الإنسان، وهي أكثر أهميةً لدى الشباب وهو يقترب من سن الرشد؛ فالدين هو مصدر "القيم المطلقة" التي تمثل أعلى مستويات النمو الخلقي، وهو العاصم للشباب, ثم للرشد بعد ذلك من الوقوع في شَرَكِ "ازدواجية المعيار" التي أشرنا إليها، وإذا أُدْرِكَ بمعناها الصحيح يصبح وسيلة للتوافق الاجتماعي؛ لأنه ينبه المراهق الشاب إلى خطر التطرف, والتدين وسيلة إلى التوافق الشخصي أيضًا؛ لأنه يسهم في تحقيق سعادة الإنسان وشعوره بالأمن وكفاءته المهنية, وهي جميعًا من مؤشرات الصحة النفسية "محمد عثمان نجاتي، ١٩٨٢" ونحن في حاجة إلى دراساتٍ جادة تحدد لنا ما يمكن أن نسميه "النضج الديني" في ثقافتنا العربية الإسلامية, والذي به يمكننا الحكم على السلوك الديني بعد النضج, سواء اتخذ ذلك صورة التشدد المسرف, أو التهاون الشديد، وكلاهما ضد مبدأ التوسط والاعتدال الذي يُعَدُّ أحد المعالم الأساسية للنسق الإسلامي على وجه الخصوص "فؤاد أبو حطب، ١٩٨٥".

стр. 370

نمو الشخصية في طور السعي ومسألة الهوية: لعل أهم المسائل التي تشغل اهتمام الشباب مسألة "تحديد الهوية", ولهذا فإن الأزمة الجوهرية للنموِّ الوجداني في هذه المرحلة هي أزمة الهوية في مقابل اختلاط الأدوار, على النحو الذي يحدده إيركسون, وينبه "Mussen et al ١٩٨٤" إلى أن طرق تحديد الهوية تختلف باختلاف الثقافات؛ فالثقافة الأمريكة مثلًا تركز على نموِّ الهوية من خلال الفردية الكاملة، بينما تركز ثقافات أخرى -كالثقافة الصينية واليابانية- على إحراز الهوية من خلال العلاقات الوثيقة بالآخرين, ومن خلال عضوية الفرد في نظام اجتماعي ثابت, ولعنا نضيف إلى ذلك أن جوهر الثقافة الإسلامية هو التوازن بين الفردية والجماعية؛ بحيث لا يجوز التضحية بأحد طرفي الثنائية على حساب الآخر, وفي جميع الحالات علينا أن ندرك أن جوهر نموِّ الهوية في الإنسان هو الحاجة إلى أن يدرك الفرد نفسه على أنه شخص متسق السلوك ومتميز عن الآخرين. ويشير إريسكون إلى أن عملية البحث عن الهوية في مرحلة المراهقة والشباب قد تتخذ أحد مسارين كلاهما خطأ, والمسار الأول يتمثل في التبلور المبكر للهوية قبل الأوان, وفيه يحدث تعويق لعملية تكوين الهوية, وهنا نجد المراهق ينشد بإلحاحٍ تقدير الآخرين واعترافهم, ويبالغ في تقدير السلطة, ويميل إلى أن يكون أكثر

стр. 371

مسايرةً وأقل استقلالًا, وتتسم قيمه الدينية بالجمود, وطرقه في التفكير بالتصلب. أما المسار الثاني فيكون مسارًا مفتوحًا بغير حدود, وفيه يسير المراهقون والشباب في عمليةٍ طويلةٍ من خلط الهوية، وقد يعجزون عن تنمية إحساس واضح قوي بالذات, وهؤلاء هم الذين يصفون أنفسهم بأنهم "يبحثون عن الذات" ولا يجدونها, ويتسم هؤلاء بضعف تقديرات الذات, ونظام خلقيٍّ غير مكتمل، ويواجهون صعوبات في تحمُّل المسئوليات الشخصية, ويتسمون بالاندفاعية وعدم تنظيم أفكارهم. وبالطبع فإن المسار الصحيح أن يبذل الشباب بعض الوقت في السعي الإيجابي الحثيث لتكوين الهوية، والتي قد يتعرض فيها لبعض الغموض والخلط, حتى يتوصل إلى شعورٍ قويٍّ بالذات, وفي هذه الحالة يتسم الفرد بالاستقلال والإبداع والتفكير المنظم, وهي سمات لا تتوافر بنفس الدرجة لدى أولئك الذين لا يمرون بمرحلة "مؤقتة" من الخلط والغموض في تكوين الهوية, أو أولئك الذين يمرون بمرحلة "طويلة" من هذا الخلط والغموض. وبالطبع فإن تكوين الهوية ليس عملًا شخصيًّا فرديًّا ينجح فيه الشاب أو يفشل, إنه في الواقع مهمة معقدة؛ فأنماط تكوين الهوية تختلف بين الأفراد من الشباب وبين جماعاتهم, نتيجةً لتأثيرات عوامل عديدة تشمل العلاقة بين الشاب ووالديه, وضغوط الثقافة العامة والثقافات الفرعية, ومعدل التغير الاجتماعي في المجتمع؛ ففي المجتمعات البدائية البسيطة حيث يوجد عدد محدود من أدوار الراشدين, وتغير اجتماعي محدود, يصبح تكوين الهوية مهمةٌ سهلةٌ يمكن الوصول إليها بسرعة, أما المجتمع المركب الصناعي السريع التغير, الذي يوفر للشاب بدائل كثيرة لأدوار الرشد, تكون عملية تكوين الهوية أكثر صعوبة, وتستغرق وقتًا أطول. وداخل المجتمع الواحد قد تكون الهوية سوية أو منحرفة؛ فالشاب قد يبحث عن الأدوار الشخصية والاجتماعية والمهنية التي يتوقعها المجتمع ويوافق عليها، أو قد يبحث عن أدوارٍ على درجةٍ كبيرةٍ من الخصوصية, يوصف بعضها بأنه غير عادي, وبعض هذه الأدوار الخاصة قد يكون إيجابيًّا وبنائيًّا، كدور الفنان المنعزل، وبعضها قد يكون سلبيًّا ومدمرًا؛ كدور مدمن المخدرات أو المجرم أو المتطرف. ويكتسب معظم الشباب بسهولة "الهوية الجنسية" مع وعي المراهق وتقبله للطبيعة البيولوجية الأساسية التي تميز الذكر عن الأنثى منذ وقت مبكر في حياته, أما أولئك الذين يرفضون دورهم الجنسي فإنهم يعانون فترة شباب عصيبةٍ تتسم

стр. 372

بالضغط والخلط، على نحوٍ يحول دون الوصول إلى هويةٍ كليةٍ متسقةٍ وواضحة. والمظهر الآخر من مظاهر هوية الشباب ما يُسَمَّى "الهوية المهنية"؛ فحصول المرء على عمل يقدره المجتمع, واتقان هذا العمل, يرفع درجة تقدير الذات عنده, ويؤدي إلى تنمية هوية مستقرة لديه, أما حين يوصف الشاب بأنه من نوع "العمالة الزائدة" أو "فائض الخريجين" كما يُصَبُّ ليل نهار في مسمع الشباب هذه الأيام، أو حين يدرك الشاب بعد جهد كبير في الدراسة أن المهنة التي أُعِدَّ لها لم تعد تحظى بالمكانة اللازمة "كما يحدث للمهن الجامعية هذه الأيام بعد شيوع سوق الحرفيين"، أو حين يوصف التخصص الذي ينتسب إليه بأنه من تخصصات "القاع", بينما توصف تخصصات وكليات أخرى بأنها في "القمة"، فإن ذلك يؤدي إلى زيادة الشك في الذات, وغموض الهوية, ونقصان تقدير الذات، وقد ينتهي بتكوين هوية سلبية, ويزداد الأمر سوءًا إذا أجبرت الظروف الشاب على الالتحاق بعملٍ يفتقدُ فيه الدافعية الذاتية والرضا الداخلي عنه. وقد ينشأ لدى الشاب أحيانًا ما يُسَمَّى صراع الأدوار الذي يؤثر تأثيرًا بالغًا على تكوين الهوية, ولعل المرأة هي الأكثر تعرضًا لهذه المشكلة، وخاصةً المرأة الشابة العاملة التي تحاول التوفيق بين أدوار العمل وأدوار الأمومة وتنشئة الطفل, وهو موقف صراعي لم تُقَدَّمُ له حلولٌ ناجحة حتى الآن. وإذا نجح الشاب في تحديد هويته بعد سعي دءوب لتجنب الغموض والخلط, فإنه ينتقل انتقالًا "سلميًّا" نحو الرشد, إلّا أن الفشل في هذه المهمة يؤدي إلى الشعور بالاغتراب Alienation, والاغتراب هو رفضٌ عميقٌ لقيم المجتمع, وانعزال عن الآخرين, مع سيادة الشعور بالوحدة وفقدان الجذور، وعدم إدراك لمعنى الحياة وهدفها ووجهتها، والإحساس بالتشيؤ "شعور المراهق بأنه شيء, وليس إنسانًا" والشعور المختلط المضطرب بالذات "فؤاد أبو حطب، ١٩٨١". والاغتراب بهذا المعنى اضطراب نفسي قد يكون خطيرًا, وربما يقود صاحبه إلى الانحراف أو الإدمان أو الانتحار, ولعل هذا كله يشعرنا بالحاجة إلى توافر الخدمات النفسية للشباب وإتاحتها لهم في أماكن الدراسة ومواقع العمل.

стр. 373

خاتمة المرحلة الأولى من حياة الأنسان: تناول الباب الرابع من هذا الكتاب ما أسميناه "المرحلة الأولى في نمو الإنسان", وتشمل هذه الفترة الزمنية من حياة الإنسان التي تصل إلى أكثر من عشرين عامًا؛ ابتداءً من تكوينه كجنين في رحم الأم, حتى وصوله إلى أعتاب الرشد, وهي الفترة التي ينطبق عليها الوصف القرآني الكريم بأنها مرحلة ضعف، يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ ولكنه ضعف التحول إلى قوة الرشد، يقول الله تعالى أيضًا: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ , ولعلنا نكون قد استوعبنا هذا التطور العظيم الذي تسلم خطواته بالتدريج إلى مستويات أرقى, حتى يكون الانتقال إلى مرحلة "القوة" الجديدة "سلميًّا" و"سليمًا" في آنٍ واحدٍ.

стр. 374

الباب الخامس: المرحلة الثانية من الأنسان"قوة الرشد " الفصل الخامس عشر: حدود الرشد وأهمية مرحلة القوة في حياة الأنسان مدخل ... الباب الخامس المرحلة الثانية من الإنسان: "قوة الرشد" الفصل الخامس عشر: حدود الرشد وأهمية مرحلة القوة في حياة الإنسان سبق أن أشرنا إلى أن الخطة العامة التي يسير عليها هذا الكتاب هي الالتزام بالتقسيم الثلاثي "لمراحل نموِّ الإنسان" كما حددها القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] . وقد تناولنا من الباب الثاني وحتى الباب الرابع من هذا الكتاب، وعلى مدى أربعة عشر فصلًا المرحلة الأولى من حياة الإنسان، وهي مرحلة الضعف الأول على حد التعبير القرآني المعجز, والذي يمتد به جنينًا في رحم الأم حتى يصل به شابًّا فتيًّا على أعتاب الرشد. ونتناول في الباب الخامس وما يليه "مرحلة القوة", ويقصد بها هنا قوة الرشد الإنساني, والكلمة الأجنبية المقابلة لمصطلحنا العربيّ "الرشد" هي adult hood، والراشد هو adult، وكلاهما مشتق من نفس الفعل اللاتيني الذي منه كلمة adolescence أي: مراهقة، وهو adolescere, ويعني "أن يتجه نحو النضج"، والفرق بينهما أن الكلمة التي تقابل مصطلح "مراهقة تأتي من مصدر الفعل "مضارعه أو تصريفه الأول" ولذلك فهي تعني أن الفرد لا يزال في عملية التحول إلى النضج، بينما الكلمة التي تعني الرشد تأتي من اسم المفعول "التصريف الثالث لهذا الفعل اللاتيني" وهو adultes, ولذلك فهي تعني اكتمال النضج، وبهذا يصبح الفرد جاهزًا لشغل مكانته في المجتمع مع غيره من الراشدين١. والرشد في اللغة العربية هو نقيض الغي والسفه, والراشد هو من يصيب وجه الأمر والطريق, ولا يكون الإنسان كذلك إلّا إذا بلغ "اكتمال النضج".

стр. 375

محكات الرشد: ينبه القرآن الكريم إلى أن الحكم على الإنسان بالرشد أمرٌ يحتاج إلى التعرف على علاماته "وإيناس" إشاراته١، وهو أمر يحتاج أيضًا إلى خبرة العلم ونتائجه، ومنه علم النفس، يقول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] . وهكذا يفتح القرآن الكريم للإنسان باب الاجتهاد والبحث في المحكات التي يجب أن يعتمد عليها في الحكم على المراهق أو الشاب بأنه بلغ الرشد, ونعرض فيما يلي المحكات المختلفة التي استُخْدِمَتْ في مختلف العصور للوصول إلى هذا الحكم. ١- المحك الجنسي: يشيع في الثقافات البدائية -ولدى عدد من الشعوب المتحضرة حتى وقتنا الحاضر- تعيين الرشد بحدود بيولوجية، فيبدأ بالبلوغ الجنسي, وينتهي بتوقف هذا النشاط "وهو يشيع بين العامة باسم سن اليأس climacteric, وهو مصطلح سوف نعارضه فيما بعد", وهذه جميعًا ترتبط بوظائف الجنس. وهذا المحك ينطبق عليه ما يسميه المناطقة "الشرط الضروري" إلّا أنه ليس كافيًا؛ فالرشد يتطلب بالطبع أن يكون المرء قد بلغ جنسيًّا أولًا، إلّا أن البلوغ الجنسي لا يؤدي -حتميًّا- إلى الرشد, وقد أشرنا في الفصول السابقة كيف أن النمو الإنساني في المجتمعات الحديثة تَطَلَّبَ ظهور مرحلة أو أكثر من المراحل الانتقالية بين الطفولة والرشد؛ فالمراهقة هي طور البلوغ الجنسي خاصةً، وما يصاحبه من تغيرات جوهرية, وقد أطلقنا عليه طور بلوغ الحلم, وهي تسميةٌ قرآنية، أما طور الشباب فهي تلك الفترة الانتقالية بين اعتماد الضعف الأول "الطفولة والصبا" وقوة الرشد, وأطلقنا عليه تسمية قرآنية أخرى هي طور بلوغ السعي. وقد عَبَّرَ القرآن الكريم عن ذلك بوضوح؛ ففي الآية الكريمة السابقة اعتبر

стр. 376

بلوغ النكاح "وهو البلوغ الجنسي" شرطًا سابقًا على الرشد، ولكنه تَطَلَّبَ منا أن نتحقق من حدوث هذا الرشد بالفعل، وهذا يعني أن الرشد قد يصاحب البلوغ الجنسي, وقد يأتي بعده, إلّا أنه بالطبع لا يسبقه. وقد كان الرشد يتطابق مع البلوغ الجنسي في الثقافات البدائية, كما يتطابقان في بعض الثقافات البسيطة الحديثة "كالثقافة الريفية أو الثقافة البدوية", إلّا أنه مع تقدُّم المدنية تَطَلَّبَ الأمر دفع العمر المعترف به للرشد بعد سبع أو ثماني سنوات من طور البلوغ الجنسي للفرد "المراهقة", وبالمثل فإن "سن اليأس" أو التغير في الحياة من الشخص الجنسي إلى الشخص اللاجنسي asexual لا يعني فقدان الرشد. ٢- محك العمر: تتفق معظم الثقافات المعاصرة، ومنها مصر والدول العربية والإسلامية، على أن الإنسان يصل إلى رشده عند بلوغ الحادية والعشرين، وهو السن الذي يتحدد قانونيًّا بأنه إذا بلغه المرء استقلَّ بتصرفاته. والسؤال الجوهري هنا: لماذا سن الحادية والعشرين كمحدد للرشد؟ ربما يفيدنا أن نجيب على هذا السؤال أن نتناوله في ضوء تحديد ما يسمى الحدث١ juvenile من ناحيةٍ، وفي ضوء قوانين العمل، باعتبار العمل هو أهم مؤشرات الرشد "كما سنبين فيما بعد" من ناحيةٍ أخرى. إن قوانين العمل في مصر تمنع تشغيل الأحداث قبل سن ١٢سنة, وذلك بالنسبة إلى الأفراد الخاضعين لقانون العمل في جمهورية مصر العربية، وأجاز القانون لوزير العمل أن يمنع تشغيل من لم يبلغوا سن ١٥ سنة في بعض الصناعات "قرار رقم ١٥٤ لسنة ١٩٥٩", كما أجاز له أن يشترط لتشغيل هؤلاء الأحداث في بعض الصناعات أن تكون له تذاكر عمل تثبت مقدرتهم الصحية على القيام بها, كما أجازت المادة ١٢٤-٣ من قانون العمل المصري لوزير العمل أن يمنع تشغيل الأحداث الذين تبلُغ سنهم ١٧ سنة كاملة في بعض الصناعات الأخرى "قرار رقم ١٥٦ لسنة ١٩٥٩". ولكن من هو الحدث الذي تشير إليه النصوص السابقة؟ تحدد معظم التشريعات المعاصرة الحد الأدنى للحدث "وهو حد المسئولية" ما بين ٧، ٨ سنوات "وهو سن التمييز في الشريعة الإسلامية"، والحد الأقصى بين ١٦، ١٨

стр. 377

سنة, وهذا المحك العمري يشمل فئة من الصبية والناشئة والفتيان, وأطلقت عليهم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في ندوةٍ عقدتها بالكويت عام ١٩٧٦ تسمية "فئة اليافعين", ويمثل الحد الأقصى لهذه المرحلة مظاهر استقلالٍ متعددةٍ تُمَثَّلُ في الوصول إلى الأهلية للمواطَنَةِ الكاملة، ومن مظاهر ذلك الحصول على البطاقة الشخصية, وبطاقة قيادة السيارة, والمثول أمام سلطات التجنيد الإجباري، وحق العمل بلا قيد، وحق الزواج وتكوين الأسرة للمرأة "في سن ١٦", وللرجل "في سن ١٨"، ناهيك عن المسئولية الجنائية الكاملة. والتناقض الجوهري "من الوجهة القانونية والتشريعية" أن يُوصَفَ هذا المواطن الذي يبلغ من العمر "١٦-١٨ سنة بأنه "قاصر", أو بأنه "طفل" كما هو الحال في قانون الطفل الجديد في مصر، بالرغم من هذا كله, وعليه أن ينتظر من ٣-٥ سنوات حتى يبلغ سن الرشد الذهبي ٢١ عامًا, فهل يستطيع علم النفس أن يحل هذه المعضلة؟ وهل نستطيع من خلال نتائجه ونتائج العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى أن نتوصل إلى محكات أكثر تحديدًا للرشد؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة وأمثالها على درجة كبيرة من الأهمية في هذا الصدد، وخاصةً إذا تنبهنا إلى بضعة حقائق سيكولوجية أفرزها العصر الحديث, نذكر منها: ١- تناقص الوعي بالتغيرات الفسيولوجية والسيكولوجية التي تحدث مع بلوغ الرشد والتقدم فيه، وذلك لأن الوسائل الطبية الجديدة والتغيرات في "موضات" الأزياء تساعد الرجال والنساء من مختلف الأعمار على أن يبدوا ويشعروا ويتصرفوا كما لو كانوا في غير أعمارهم, وخطوط التقسيم بين الأعمار المستخدمة في الوقت الحاضر هي معالم عامة وليست حدودًا خاصة فاصلة، وتظهر على وجه الخصوص حين يُتَوقَّعُ من المرأة أو الرجل أن يظهروا "في المتوسط" بعض التغيرات في المظهر, أو وظائف الجسم, أو جوانب السلوك، أو حين تؤدي الضغوط البيئية في ثقافة معينة إلى ظهور مشكلات تَوَافُقٍ لا يستطيع تجنبها إلّا القليل من الرجال أو النساء من عُمْرٍ معين. ٢- تغير أدوار بعض المراهقين "ابتداءً من سن ١٦"، بل وبعض الأطفال حين يدخلون عالم العمل خاصةً مبكرين، فهم يسلكون سلوك الراشدين على نحوٍ أكثر تبكيرًا من أقرانهم الذين يواصلون تعليمهم، صحيح أنهم يحرمون من فرصة جعل هذا الانتقال من الطفولة إلى الرشد بطيئًا خلال طَوْرِيْ المراهقة والشباب, إلّا أنهم يَتَّسِمُونَ بالفعل بكثيرٍ من سمات الراشدين, على الرغم من أنهم لم يبلغوا سن

стр. 378

الحادية والعشرين, إلّا أن الأخطر من هذه حقًّا ما يحدث حين تطول فترة الاعتماد وتمتد أحيانًا إلى ما بعد سن الحادية والعشرين, على نحوٍ يشبه اعتماد الأطفال أو المراهقين الصغار، وخاصةً حين يلعب المراهق الكبير أو الشاب دور "الطالب", ويظل يحمل هذه الصفة وحدها في نظر "الكبار". ٣- الفوارق في التبكير بالرشد أو تأخيره, وخاصة بين الجنسين من ناحيةٍ، وبين المستويات الاقتصادية الاجتماعية من ناحية أخرىٍ؛ فالمراهقات الكبيرات تطول فترة اعتمادهن لأسباب ثقافية, والذكور من أبناء المستويات الاقتصادية الاجتماعية المتوسطة والعليا أكثر اعتمادًا من أبناء المستويات الدنيا، ربما لأن هؤلاء يدخلون عالم العمل أكثر تبكيرًا من أولئك. وهكذا يصبح الرشد السيكلولوجي -في ضوء مؤشر الاستقلال- مسألة نسبية, فهناك من يصلون إليه مبكرين "ابتداءً من السن التي تخرجهم من فئة اليافعين أو الأحداث وربما قبلها", وهناك من تمتد بهم فترة الاعتماد إلى أعمار تتعدَّى سن الرشد القانوني في صورته الراهنة. ٣- المحك الاجتماعي: يبدو لنا من مناقشتنا السابقة لمحكي البلوغ الجنسي والعمر أن الفيصل في الحكم على رشد الإنسان يعود في جوهره إلى العوامل الثقافية والاقتصادية والاجتماعية, وهذا ما اتفق عليه فقهاء المسلمين في تعريفهم للرشد بأنه بلوغ الصبي "صالحًا في دينه مصلحًا لماله", وحسن التصرف في المال -كعلامة من علامات الرشد- يعني أن الفرد قادرٌ على شغل مكانته في المجتمع, والقيام بمسئولياته فيه, وقد نبه القرآن الكريم إلى أهمية هذا المحك في قوله تعالى عند الإشارة إلى السفة، وهو نقيض الرشد: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ... ﴾ [النساء: ٥] . كما يشير إلى هذا المحك الاجتماعي أيضًا عند الإشارة إلى ما يجب عمله عقب التحقق من بلوغ الصبي طور الرشد: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٤] . ويُعَدُّ هذا من جوانب الإعجاز السيكولوجي للقرآن الكريم, ولعنا نشير هنا إلى أن علم النفس الحديث لم ينتبه إلّا مؤخرًا إلى أهمية محك الأدوار الاجتماعية في تحديد الرشد، باعتباره يفوق محك العمر الزمني, أو النضج البيولوجي, ولهذا فإن الشخص الذي يوصف الآن بالرشد هو ذلك الذي لم يعد طفلًا أو مراهقًا أو طالبًا

стр. 379

شابًّا، وإنما تحوَّلَ إلى أدوارٍ جديدة: الساعي لكسب العيش من خلال عمل منظم ومستمر، الزوج أو الزوجة، الوالدية, إلخ, وفي عملية التحوّل إلى الرشد يختلف الأفراد اختلافاتٍ جوهرية في توقيت هذه المهام التي يؤدونها, والأدوار التي يقومون بها, وبعبارة أخرى فإنهم يصلون إلى "مكانة الرشد" في أوقات مختلفة. ولعلنا هنا نعيد الإشارة إلى ما سبق أن ذكرناه, من أن بعض الأشخاص قد يصلون إلى سن الخامسة والعشرين وهم لا يزالون في مرحلة التعليم، بينما يمارس غيرهم دور الزوج والوالد قبل هذه السن بسنوات، بل إن بعضهم قد يدخل سوق العمل قبل ذلك ببضع سنوات كذلك "بعد إنهاء مرحلة التعليم الأساسي في سن ١٥ سنة, وربما قبلها فيما اصْطُلِحَ على تسميته "عمالة الأطفال". ٤- المحك السيكولوجي: المحك الاجتماعي للرشد الذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة هو محكٌّ موضوعيٌّ، إلّا أن هناك محكًّا سيكولوجيًّا يعتمد على الخبرات الذاتية للفرد، يضاف إليه ويجعله جزءًا من البنية الأساسية لشخصية الفرد, ويشير علماء النفس المعاصرون إلى بضعة مؤشرات توجه هذا المحكَّ السيكولوجي, تشمل ما يلي: أ- العمر المدرك Perceived age: ويُقْصَدُ به العمر الذي يشعر فيه الفرد شعور ذاتيًّا أنه أصبح راشدًا, ومن الواضح أن إدراكنا لأنفسنا يعكس كثيرًا من الجوانب المختلفة "العمر الزمني، النضج البيولوجي، الأدوار الاجتماعية التي نمارسها، التوافق النفسي والاجتماعي وغيرها", ولعل ذلك يفسر لنا لماذا يشعر بعض الأشخاص ويتصرفون كأنهم راشدون وهم لا يزالون ربما في طور الطفولة١, بينما نجد آخرين في منتصف العشرينات من العمر أو أواخرها, ومع ذلك يعانون من صراعٍ بين حاجاتهم ورغباتهم التي تبدو طفولية, وبين شخصية الراشد التي يصبون إليها. ب- الاستقلال: المؤشر السيكولوجي الرئيسي للرشد هو الاستقلال, فمع الرشد يشعر المرء أنه مسئول عن نفسه وعَمَّنْ يعول، ويتخذ قراراته بنفسه دون حاجة مستمرة إلى دعم الآخرين "وخاصة من هم أكبر منه مثل الوالدين والمعلمين", ويتجه الاستقلال على وجه الخصوص إلى تلك القرارات التي تتصل بحياة الراشد الشخصية, سواء كانت هذه القرارات تافهة أو هامة, ثم إنه لا يحب أن يتدخل الآخرون في هذه الشئون، ويتحمَّل المسئوليات والنواتج المترتبة عليها.

стр. 380

ومرةً أخرى, فإن هذا المؤشر جزء من العالم الشخصي للإنسان، وهو وحده الذي يحدد ما إذا كان لا يزال يشعر بالرغبة في التبعية والاعتماد على الآخرين, أم أنه تحوَّل إلى الاستقلال بقراره. إلّا أن استقلال الرشد لا يعني التفرد والأنانية؛ فالراشد قد يطلب مشورة الآخرين ويلجأ إلى مناقشتهم ومحاجاتهم, إلّا أنه في النهاية صاحب القول الفصل فيما يتصل بحياته من قرارات. جـ الرغبة المستمرة في التعلم: من المؤشرات السيكولوجية للرشد الرغبة المستمرة -بل والمتزايدة- في التعلم، وخاصةً التعلم الذاتي الذي يتفق في جوهره مع مؤشر الاستقلال والمعالجة والتقصي والبحث, والتي ترتبط جميعًا بهذا النوع من التعلُّم، وتدل على تنوع الاهتمامات والميول، فإذا توقف الراشد عن التعلم كان هذا علامة النهاية من الناحية السيكولوجية. وقد أشار القرآن الكريم إشارةً صريحةً إلى أهمية التعلم في حياة الراشدين, يقول الله تعالى في وصفه لمرحلة الشيخوخة المتأخرة: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ... ﴾ [الحج: ٥] . وإذا كان فقدان القدرة على التعلُّمِ هو المحك القرآني الرئيسي للشيخوخة المتأخرة "الهرم أو أرذل العمر", فإن توافُرِ هذه القدرة واستمرارها في مراحل العمر السابقة على هذا التدهور في حياة الإنسان مؤشر على استمرار الرشد الإنساني. وإذا كان الاستقلال الذي أشرنا إليه محكًّا لتحديد الرشد هو في جوهره نتاجٌ للتعلم الاجتماعي, يصبح التعلُّم حينئذٍ هو جوهر حياة الراشدين بدءًا وانتهاءً، صحيحٌ أن لكلٍّ من البداية والنهاية حدوده التشريحية والفسيولوجية والنيرولوجية، بل والقانونية، إلّا أن الرشد السيكولوجي لا يتحدد إلّا بشغفٍ إلى مزيدٍ من التعلُّم عند الاستقلال، ثم توقُّفٌ عن التعلم عند العجز والهرم، بل نكاد نقول: إن التوقف عن التعلم هو اللحد السيكولوجي للإنسان, حتى ولو عاش من بعده أعمارًا وأعمار.

стр. 381

الحدود العملية للرشد: حتى يمكن تناول مرحلة الرشد لا بُدَّ من اللجوء إلى بعض الحدود العملية التي تسمح لنا بتحديد نقطة البدء, ويمكن بالطبع أن نعتبر العمر القانوني للرشد من نوع هذه الحدود, صحيح أنه ليس محكًّا صارمًا جامدًا فاصلًا، وإنما هو من المرونة بحيث يسمح باستيعاب َمْن تتوافر فيه مؤشرات الرشد قبله أو بعده. وعلى هذا, فإن الفترة من سن الرشد القانوني "٢١ عامًا" وحتى سن الأربعين تقريبًا, هي ما يصفه علماء النفس الارتقائيون بطور الرشد المبكر, وسوف نشير إليه بطور "بلوغ الرشد" التزامًا بالتعبير القرآني, وهو الطور الذي تحدث فيه أكبر عمليات التوافق في حياة الإنسان، وهذا ما يجعل له خصائص مميزة عن الأطوار والمراحل التي سبقته وتلك التي تليه. ومع بلوغ سن الأربعين يكون المرء قد وصل إلى طور "بلوغ الأشد" -حسب التعبير القرآني الكريم- وبدأ طورًا جديدًا يسميه علماء النفس الارتقائيون أيضًا طور الرشد الأوسط, أو وسط العمر، والذي يمتد حتى سن الستين أو بعده بقليل, ومن الغريب أن هذه المرحلة هي الأقل استطلاعًا وبحثًا من بين جميع مراحل العمر، لأنه حتى عهد قريب لم تكن هناك إلّا مشكلات قليلة لا تتعدى حدود المشكلات الفسيولوجية المرتبطة بما يُسَمَّى التغيرات مدى الحياة, والتي بدت هامة لدرجة جذبت انتباه علماء النفس الذين شغلتهم على التوالي: الطفولة فالمراهقة, ثم ازداد الاهتمام بالشيخوخة في السنوات الأخيرة، ثم بمرحلة الرشد المبكر. أما طور بلوغ الأشد أو وسط العمر "الرشد الأوسط" فلا زالت أقل المراحل بحثًا، فلا يتوافر حولها قدر كافٍ من البحوث والمعلومات العلمية. ومع تخطي الستين -وهي سن التقاعد الرسمي في معظم الأحوال- يدخل المرء في مرحلة الرشد المتأخر, والتي شمل الشيخوخة والهرم، وهي مرحلة الختام, والتي تمثل المرحلة الثالثة من حياة الإنسان, والتي سنخصص لها الباب التالي من هذا الكتاب.

стр. 382

نشاة ونمو الاهتمام بسيكولوجية الراشدين: في عرضٍ مختصرٍ لتاريخ سيكولوجية الرشد يذكر Perlmutter Hall ١٩٨٥" أن هذا الميدان تزايد البحث فيه بعد الحرب العالمية الثانية، على الرغم من أن الاهتمام بالنمو الإنساني -كما بينا في الفصول الأولى من هذا الكتاب- يمتد إلى جذور الفكر الإنساني، وعلى الرغم من أن علم نفس النمو -بعد ظهوره العلمي في القرن التاسع عشر- انشغل لأكثر من قرن من الزمان بسيكولوجية الطفولة, صحيح أن هناك بعض البحوث التي تركَّزَت أساسًا على الأطفال, والتي بدأت في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين, ألقت بعض الأضواء على سيكولوجية الرشد، وخاصةً تلك البحوث الطولية التي تتبعت عينات من الأطفال لعقود من الزمان, إلّا أنه لم تجر بحوث منظمة شاملة حول الموضوع حتى منتصف

стр. 383

القرن الحالي, ومن أشهر هذه البحوث التي تمت على الأطفال دراسة لويس ترمان, التي أجراها في جامعة ستانفرد بالولايات المتحدة الأمريكية على ١٥٠٠ طفل متفوق عقليًّا، ظلوا موضع الدراسة التتبعية حتى بلغوا السبعينيات من عمرهم, كما أجريت ثلاث دراسات منفصلة في جامعة كاليفورنيا، استمَرَّ كلٌّ منها لأكثر من نصف قرن, وهكذا وجد هؤلاء الباحثون أنفسهم يبحثون في سيكولوجية الراشدين, على الرغم من أن اهتمامهم المبدئي والأصلي كان متمركزًا حول سيكولوجية الأطفال. كما ظهرت دراسات متفرقة حول سيكولوجية الراشدين, وخاصة لمواجهة متطلبات الحرب العالمية الأولى، ولعل ظهور اختبار ألفا الحربي, كان فرصةً ملائمةً للاهتمام, خاصةً بذكاء الراشدين, والذي أدّى إلى ظهور أحد اختبارات الذكاء الشهيرة الملائمة لهذه الفئة العمرية, وهو اختبار وكسلر, وقد هيأ ظهور اختبارات ذكاء الراشدين الفرصة لإجراء بحوثٍ مختلفةٍ حول العلاقة بين التعليم والمستوى الاقتصادي والاجتماعي ونمو وتدهور الذكاء عبر مدى الحياة, أما المهارات الحركية للراشدين فكانت موضع اهتمام وحدة بحوثٍ خاصةٍ بجامعة ستانفرد منذ عام ١٩٢٨, وذلك بهدف دراسة مشكلات العاملين الذين يعانون من مشكلات صعوبة الحصول على أعمال مناسبة في مجال الصناعة. وفي ألمانيا بدأ الاهتمام بنموِّ الراشدين في العشرينات من القرن العشرين أيضًا, وشهد مطلع الثلاثينات ظهور شارلوت بوهلر التي بدأت اهتمامها بدراسة الأطفال والمراهقين, ثم وسَّعَتْ نطاقها إلى الراشدين, وتنبهت إلى أهمية دراسة النموِّ مدى الحياة. وخلال الحرب العالمية الثانية اتخذت خطوات هامة في ميدان دراسة نموِّ الراشدين, لعل أهمها تكوين لجنة لدراسة النموِّ الإنساني بجامعة شيكاغو, من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس، وتركيز مركز نافيلد للبحوث بجامعة كمبردج "في بريطانيا" حول سيكولوجية العامل الراشد, وقد صدرت عن هاتين الوحدتين العلميتين بحوثٌ هامَّةٌ حول الموضوع, حوَّلَتْ اهتمام المنظرين إلى هذا الميدان الهام, ويُعَدُّ نشر إريك إريكسون في عام ١٩٥٠ لنظريته الشاملة في نموِّ الشخصية على مدى حياة الإنسان علامة بارزة في هذا الميدان. وشهدت السنوات الأربعون الماضية اهتمامًا كبيرًا بسيكولوجية الراشدين, مع زيادة الحركة التي تُسَمَّى بتربية الكبار والتربية المستمرة, ويوجد في الوقت الحاضر عددٌ كبيرٌ من مراكز البحث والتدريب في هذا الميدان الهام في عدد من

стр. 384

الجامعات والمنظمات الدولية، وبخاصةٍ اليونسكو التي أنشأت عدة مراكز إقليمية لتعليم الراشدين "الذي شاع في اللغة العربية باسم تعليم الكبار", ومنها المركز الدولي للتعليم الوظيفي للكبار, في العالم العربي بسرس الليان في جمهورية مصر العربية. ونعرض في الباب الحالي نتائج البحوث حول النموِّ الإنساني في هذه المرحلة الهامة التي نسميها مرحلة قوة الرشد، وسوف يكون تناولنا لهذه المرحلة من خلال طورين رئيسيين هما: ١- طور بلوغ الرشد "الرشد المبكر": والذي يمتد من إيناس الرشد وحتى قبيل بلوغ الأشد في سن الأربعين. ٢- طور بلوغ الأشد "الرشد الأوسط أو وسط العمر": والذي يمتد من سن الأربعين وحتى إرهاصات الشيخوخة في حوالي سن الستين أو بعدها.

стр. 385

الفصل السادس عشر: أطوار بلوغ الرشد "طور الرشد المبكر " الخصائص العامة: الرشد المبكر early adulthood: هو تلك الفترة التي تمتد من سن الرشد القانوني "٢١ عامًا" -أو قبلها أو بعدها, حسب التبكير أو التأخير في ظهور علامات الرشد كما بينا في الفصل السابق- وحتى سن الأربعين, الذي يصفه القرآن الكريم بأنه سن بلوغ الأشد, وفي هذا الطور تحدث أكبر عمليات التوافق في حياة الإنسان، وهذا ما يجعل له خصائص مميزة عن الفترات والأطوار التي تسبقه, وتلك التي ستتلوه. وتلخص "Hurlock ١٩٨٠" هذه الخصائص فيما يلي: ١- الرشد المبكر هو طور الإنجاب: فعند معظم الراشدين الصغار تمثِّلُ الوالدية أحد الأدوار الأكثر أهمية في حياتهم, ويصدق هذا على المرأة أكثر من الرجل، على الرغم من أن الرجل في عصرنا يقوم بدور في رعاية الأطفال أكثر إيجابية مما كان يفعل في الماضي, وحين يتم الزواج خلال السنوات المتأخرة من المراهقة وقبل سن الرشد القانوني "فالقانون يسمح بذلك، وهذا أعظم متناقضاته" تكون الوالدية الدور الشاغل للراشدين الصغار خلال العشرينات والثلاثينات من العمر، بل إن بعض هؤلاء قد يصيرون أجدادًا قبل نهاية الرشد المبكر, أما الراشدون الذين لا يتزوجون إلّا بعد إكمال تعليمهم, أو بعد حلِّ مشكلات الحياة التي تزداد تعقيدًا وصعوبةً "كمشكلة البحث عن عمل أو سكن", فإنهم يقضون معظم هذا الطور يلعبون دور الوالدية، بل إن بعض هؤلاء يستمرون في لعب نفس الدور في طور بلوغ الأشد أو الرشد المتوسط "وسط العمر"، وهو الطور التالي في دورة حياة الإنسان. ٢- الرشد المكبر هو طور الاستقرار: فمع قيام الراشد الصغير بدور العائل، أي: كاسب الرزق للعيال، يجبره هذا الدور -إلى جانب دور الوالدية- على

стр. 386

أن يتَّبِعَ نمطًا ثابتًا من السلوك في مجالات الحياة، قد يميزه ما بقي من عمره, وأي محاولة لتغيير هذا النمط في مرحلة وسط العمر أو الرشد المتأخر تكون صعبة، بل قد تؤدي للاضطراب الانفعالي عند الفرد, وفي الظروف العادية فإن معظم الراشدين لا يحتاجون لمثل هذا التغيير. إنهم حينئذٍ حالما يصلون إلى النضج فالرشد يتزوجون وينجبون وينخرطون في عملٍ يظلون يؤدونه معظم حياتهم، بل يستقرون في حيٍّ يعيشون فيه معيشة شبه دائمة. وهذه الحلول المبكرة لمشكلات حياة الراشدين قد تكون ملائمة أو غير ملائمة للمستقبل، وإذا كانت القرارات معتمدة على دوافع قوية وميول صحيحة وقدرات ملائمة, فإنها قد تكون قرارات رشيدة، أما إذا اتُّخِذَتْ بسرعة لإرضاء رغبات والدية عاجلة, أو رغبات خاصة, فقد يأتي عليهم وقتٌ يندمون فيه كثيرًا على ما فعلوا، ولات حين مندم. ٣- الرشد المبكر هو طور الحل المستقل للمشكلات: ففيه يواجه المرء مشكلات عديدة جديدة, تختلف في جوهرها عن تلك التي كان يواجهها في المراحل السابقة من حياته، وهو مطالب بمواجهة هذه المشكلات دون إشرافٍ أو توجيهٍ أو معاونةٍ من الآباء أو المعلمين, كما كان يحدث من قبل, وبالطبع لو فُرِضَ على البعض التعامل مع مشكلات الرشد في مرحلة المراهقة أو الشباب بسبب الزواج أو العمل المبكرين, فإنهم قد يتوقعون مساعدة الوالدين؛ لأن هذه المشكلات عادةً ما تكون أقوى من قدراتهم على حلها بمفردهم, إلّا أن الشخص بعد وصوله إلى سن الرشد يتوقع له الوالدان والكبار عامةً أن يواجه المشكلات وحده، بل إن كبرياءه قد يمنعه من اللجوء إليهم طلبًا للمعونة, وتصبح المشكلة أشد تعقيدًا بالنسبة للراشد الصغير الذي يقضي مراهقته كلها, ومعظم شبابه, وجزءًا من مرحلة الرشد "حتى سن الخامسة والعشرين مثلًا" في التعليم، فذلك يجعله في حالة اعتماد "شبه دائم" على الوالدين، الذي يتمثّل في أبسط صورة في الاعتماد المالي والاقتصادي. ٤- الرشد المبكر هو طور القرارات الهامة: ففيه يحاول المرء تحسس معالم الأرض الجديدة التي يجد نفسه فيها، وأيّ قرارٍ يتخذه له خطره على مسار حياته طوال السنوات الباقية من عمره، أو على مَنْ يرغب أن يشاركه حياته، ولهذا فقد يجد نفسه في موقف اللاقرار indicison, يحاول فيه اختبار الحلول المختلفة للمشكلة الواحدة حتى يصل إلى أفضل الحلول، وهذا في حَدِّ ذاته مصدر للتوتر، بل وللصراع، ولهذا نجد الفرد في هذا الطور مواجهًا بمشكلات توافق أكثر بكثيرٍ مما واجهه من قبل, بل أكثر مما يواجهه في العادة المراهقون المبكرون، إلّا أنه عند منتصف الثلاثينات يكون قد حلَّ معظم المشكلات على نحوٍ كافٍ بحيث يتناقص التوتر الانفعالي، ويحل محله الاستقرار الانفعالي مع نهاية هذه المرحلة عند حوالي سن الأربعين "Havighurst ١٩٥٣". ويتناول هذا الفصل التغيرات التي تطرأ على الجوانب المختلفة في السلوك الإنساني في هذا الطور من الحياة.

стр. 387

النمو الجسمي: خلال طور الرشد المبكر وخاصةً من أوائل العشرينات وحتى أوائل الثلاثينات, يكون الفرد قد وصل إلى قمة نموه البيولوجي والفسيولوجي, وبالطبع لا تصل جميع أجهزة الجسم إلى قمة النموِّ في وقتٍ واحدٍ، بل لا تصل كلها إلى قمة النموِّ خلال هذا الطور من الحياة؛ فكل جهاز من أجهزة الجسم له نمطه الخاص ومعدله المميز في النموِّ, ومن الطريف أن نذكر أن طور الرشد المبكِّرِ يتسم بالنضج والتدهور البيولوجيين معًا, ومع ذلك فإننا حين نفحص الجسم ككلٍّ, يبدو لنا أن هذا الطور هو طور النشاط البيولوجي الأمثل. فخلال الرشد المبكِّرِ يكون معظم الناس قد بلغوا أقصى طول القامة, وتصل المرأة إلى هذا الحد في سن ١٧ أو ١٨سنة, بينما تطول الفترة بعض الشيء عند الرجل لتصل إلى سن ٢١ سنة تقريبًا, أما الحد الأقصى للوزن فعلى العكس من ذلك لا يصل إليه الإنسان إلّا في الطور التالي "وسط العمر", والوصول إلى قمة القوة الجسمية يتلو عادةً وصول الفرد إلى الطول الأقصى, ولهذا فإن الفرد لا يصل إليها إلّا في منتصف العشرينات أو في أواخرها, أما القدرة على النشاط البدني، والتي لا تَتَطَلَّبُ القوة فحسب, وإنما تَتَطَلَّبُ أيضًا السرعة والتآزر والجَلَدَ "الاحتمال", فإنها تصل إلى حدها الأقصى خلال هذ الطور من العمر، ولهذا يقع معظم الأبطال الرياضيين عادةً في هذه المجموعة العمرية, وبخاصةٍ حتى مطلع الثلاثينات، بعدها نجد أن القوة والنشاط الجسميين يتناقصان تدريجيًّا, ليصل معدل النقص فيهما حوالي١٠% خلال الفترة من ٣٠-٦٠ سنة. وكذلك فإن عددًا من الوظائف الحسية والعصبية تصل إلى مستوياتها القصوى خلال الرشد المبكر، فالحدة البصرية والسمعية يبلغان أقصى قوتهما في سن العشرين تقريبًا، وتظل الحدة البصرية ثابتة نسبيًّا في مرحلة وسط العمر، بينما تظهر حدة السمع تناقصًا تدريجيًّا خلال نفس الفترة, وبالإضافة إلى ذلك, فإن الوزن الكليِّ للمخ, والأنماط الناضجة للموجات الكهربائية للمخ, يَتِمُّ اكتمالهما

стр. 388

خلال الرشد المبكر. والراشدون المبكرون هم أكثر الأفراد صحةً في المجتمع, وأسباب الوفاة لديهم ترجع إلى الحوادث أكثر منها إلى الأمراض "Brodzinsky et al ١٩٨٦", ومع ذلك فإن بعض المشكلات الصحية التي قد تظهر في المراحل التالية من حياة الإنسان تبدأ بوادرها في هذا الطور العمريّ، ولذلك يطلق عليها الباحثون "الأمراض الصامتة"، وتشمل الحمَّى الروماتيزمية, وتصلُّب الشرايين, وتضخم أعضاء الجهاز التنفسي، وسرطان الرئة، وتليُّف الكبد، وأمراض الكُلَى, والتهاب المفاصل, كما أن الراشدين المبكرين يكونون أيضًا عرضةً للاضطرابات التي ترتبط بالإجهاد النفسيّ, ومن ذلك: التوتر الزائد, وإدمان الخمور والمخدرات، والاكتئاب، وقرح المعدة والسمنة, ولعل هذه الحقائق تؤكد أهمية برامج الطب الوقائي التي يجب أن تُقَدَّمَ لهؤلاء, والتي قد تمنع استفحال هذه المخاطر فيما بعد, إلّا أن الأهم من ذلك أن تكون لدى الراشدين المبكرين المنعة الناتجة عن عقيدةٍ دينيةٍ قويةٍ, والرغبة في اتباع النصائح العلمية, وهذا هو العامل الحاسم, فنحن نعلم أنه على الرغم من الانتشار الهائل في وقتنا الحاضر للمعارف العلمية التي تؤكد مخاطر التدخين, فإن الملايين لا يزالون يتشبثون بهذه العادة المدمرة لصحة الإنسان, ثم إن هناك أدلة قوية على أن للدين دوره الحاسم في التغلب على مشكلة إدمان المخدرات والمسكرات. ووصول الراشد المبكر إلى الحَدِّ الأمثل للنشاط البيولوجي له آثاره الهامة في توافقه الشخصيّ والاجتماعيّ والمهنيّ, وبالطبع فإنه في المهن التي تتطلَّبُ القدرات الجسمية والحسية, تُعَدُّ فترة الرشد المبكر "ربيع" الحياة المهنية لها, وخاصةً خلال الفترة من ٢٠-٣٥ سنة، التي تكون عندها هذه القدرات في أَوُجَّهَا، ثم تتناقص تدريجيًّا بعد بلوغ الفرد سن الأربعين "بداية الرشد الأوسط", صحيح أن بعض الأفراد لا يظهرون تناقصًا في هذه القدرات مع التقدُّمِ في السن, ولعلنا نذكر في هذا الصدد بعض الموسيقيين والفنانين التشكيليين المشهورين, الذين استمرت قدراتهم الحسية على درجةٍ كافيةٍ من القوة حتى مع بلوغهم الثمانيات من العمر, وبالنسبة للمرأة, فإن قدرتها على الإنجاب تصل أيضًا إلى قوتها خلال طور الرشد المبكر, ويمكن القول أن أفضل سن الحمل الأول من الوجهة البيولوجية هو العشرينات من العمر؛ حيث تصل الأعضاء والأجهزة الفسيولوجية عند الحمل إلى أفضل نموٍّ وتآزرٍ لها خلال هذا الطور من النموِّ دون سواه؛ فالمرأة خلال الرشد

стр. 389

المبكر لا قبله ولا بعده "أي ليس أثناء المراهقة, ولا خلال الرشد الأوسط" تكون أكثر قدرةً على إنتاج البويضات المخصبة، كما أن دورتها الهورمونية المرتبطة بالتناسل تكون أكثر انتظامًا، وتكون بيئة الرحم والحوض أكثر ملاءمة لحمل الجنين, وأكثر يسرًا في ولادته, وعلى الرغم من أن بعض النساء يحملن بدون مشكلاتٍ خلال المراهقة المتأخرة, أو مع بداية الأربعينات من العمر, إلّا أن معدَّلَ الخصوبة في هذه الحالات ليس بنفس جودة طور الرشد المبكر، كما أن الولادة تكون أكثر صعوبة، بالإضافة إلى احتمال إصابة الجنين ببعض النقائص التي تناولناها فيما سبق عند عرض خصائص مرحلة الجنين. وهكذا فإن طور الرشد المبكر هو طور اكتمال النموِّ الجسميّ, باستثناء الحالات القليلة التي تتعرض للإصابة بالأمراض أو النموِّ غير السوي, ولا يلاحظ الراشد الصغير أيَّ علاماتٍ تدل على التدهور أو على التقدم في السن إلّا بعد الأربعين، وهي علاماتٌ تجعله حينئذٍ أكثر اهتمامًا بصحته وجسمه, إنه عندئذ يبدأ في المقارنة بين أدائه في طور الرشد الأوسط, وأدائه في طور الرشد المبكر، فيدرك مدى ما كان عليه من صحة وقوة ونشاط وفعالية وإنجاز، وبعبارة أخرى: فإن الخصائص الجسمية القصوى للرشد المبكِّر لا يدركها المرء في أوانها، وإنما يقدرها حين يعود بذكرياته إلى الوراء, بعدما يصل إلى الرشد الأوسط أو الشيخوخة، وحينئذٍ يقدر النعم التي كان قد أنعم الله عليه بها، والتي ربما لم يحافظ عليها حقَّ المحافظة، وقد يندم على ما فَرَّطَ في حق نفسه، ولات حين مندم.

стр. 390

النمو العقلي المعرفي: كما هو الحال في النموِّ الجسميِّ, فإن بعض القدرات العقلية المعرفية تصل إلى قمتها خلال الرشد المبكر, وتؤكد البحوث أن المهام التي تتطلَّب السرعة في زمن الاستجابة أو زمن الرجع وذاكرة المدى القصير، والقدرة على إدراك العلاقات المعقدة, تُؤَدَّى بطريقة عالية الكفاءة خلال المراهقة وبداية العشرينات من العمر, كما أن بعض القدرات الابتكارية وخاصةً تلك التي تتطلَّبُ إنتاج أفكار, أو نواتج فريدة "الأصالة" أو متنوعة "المرونة", تصل إلى أعلى مستوياتها خلال الرشد المبكر أيضًا, إلّا أن معظم القدرات الأخرى تستمر في النموِّ بعد هذا الطور؛ فالقدرات العقلية المرتبطة بالنشاط اللغوي والسلوك الاجتماعي مثلًا تظل في حالة نموٍّ مستمرٍّ خلال الخمسينات من العمر, وربما بعد ذلك, وهذه هي المهارات والقدرات التي تتحسن بالتعلم والخبرة. ويوجد سؤال هامٌّ تحيطه المشكلات المنهجية يتصل بالتحسن والتدهور في
следующие страницы →