أن يتَّبِعَ نمطًا ثابتًا من السلوك في مجالات الحياة، قد يميزه ما بقي من عمره, وأي محاولة لتغيير هذا النمط في مرحلة وسط العمر أو الرشد المتأخر تكون صعبة، بل قد تؤدي للاضطراب الانفعالي عند الفرد, وفي الظروف العادية فإن معظم الراشدين لا يحتاجون لمثل هذا التغيير. إنهم حينئذٍ حالما يصلون إلى النضج فالرشد يتزوجون وينجبون وينخرطون في عملٍ يظلون يؤدونه معظم حياتهم، بل يستقرون في حيٍّ يعيشون فيه معيشة شبه دائمة.
وهذه الحلول المبكرة لمشكلات حياة الراشدين قد تكون ملائمة أو غير ملائمة للمستقبل، وإذا كانت القرارات معتمدة على دوافع قوية وميول صحيحة وقدرات ملائمة, فإنها قد تكون قرارات رشيدة، أما إذا اتُّخِذَتْ بسرعة لإرضاء رغبات والدية عاجلة, أو رغبات خاصة, فقد يأتي عليهم وقتٌ يندمون فيه كثيرًا على ما فعلوا، ولات حين مندم.
٣- الرشد المبكر هو طور الحل المستقل للمشكلات: ففيه يواجه المرء مشكلات عديدة جديدة, تختلف في جوهرها عن تلك التي كان يواجهها في المراحل السابقة من حياته، وهو مطالب بمواجهة هذه المشكلات دون إشرافٍ أو توجيهٍ أو معاونةٍ من الآباء أو المعلمين, كما كان يحدث من قبل, وبالطبع لو فُرِضَ على البعض التعامل مع مشكلات الرشد في مرحلة المراهقة أو الشباب بسبب الزواج أو العمل المبكرين, فإنهم قد يتوقعون مساعدة الوالدين؛ لأن هذه المشكلات عادةً ما تكون أقوى من قدراتهم على حلها بمفردهم, إلّا أن الشخص بعد وصوله إلى سن الرشد يتوقع له الوالدان والكبار عامةً أن يواجه المشكلات وحده، بل إن كبرياءه قد يمنعه من اللجوء إليهم طلبًا للمعونة, وتصبح المشكلة أشد تعقيدًا بالنسبة للراشد الصغير الذي يقضي مراهقته كلها, ومعظم شبابه, وجزءًا من مرحلة الرشد "حتى سن الخامسة والعشرين مثلًا" في التعليم، فذلك يجعله في حالة اعتماد "شبه دائم" على الوالدين، الذي يتمثّل في أبسط صورة في الاعتماد المالي والاقتصادي.
٤- الرشد المبكر هو طور القرارات الهامة: ففيه يحاول المرء تحسس معالم الأرض الجديدة التي يجد نفسه فيها، وأيّ قرارٍ يتخذه له خطره على مسار حياته طوال السنوات الباقية من عمره، أو على مَنْ يرغب أن يشاركه حياته، ولهذا فقد يجد نفسه في موقف اللاقرار indicison, يحاول فيه اختبار الحلول المختلفة للمشكلة الواحدة حتى يصل إلى أفضل الحلول، وهذا في حَدِّ ذاته مصدر للتوتر، بل وللصراع، ولهذا نجد الفرد في هذا الطور مواجهًا بمشكلات توافق أكثر بكثيرٍ مما واجهه من قبل, بل أكثر مما يواجهه في العادة المراهقون المبكرون، إلّا أنه عند منتصف الثلاثينات يكون قد حلَّ معظم المشكلات على نحوٍ كافٍ بحيث يتناقص التوتر الانفعالي، ويحل محله الاستقرار الانفعالي مع نهاية هذه المرحلة عند حوالي سن الأربعين "Havighurst ١٩٥٣".
ويتناول هذا الفصل التغيرات التي تطرأ على الجوانب المختلفة في السلوك الإنساني في هذا الطور من الحياة.
стр. 387
النمو الجسمي:
خلال طور الرشد المبكر وخاصةً من أوائل العشرينات وحتى أوائل الثلاثينات, يكون الفرد قد وصل إلى قمة نموه البيولوجي والفسيولوجي, وبالطبع لا تصل جميع أجهزة الجسم إلى قمة النموِّ في وقتٍ واحدٍ، بل لا تصل كلها إلى قمة النموِّ خلال هذا الطور من الحياة؛ فكل جهاز من أجهزة الجسم له نمطه الخاص ومعدله المميز في النموِّ, ومن الطريف أن نذكر أن طور الرشد المبكِّرِ يتسم بالنضج والتدهور البيولوجيين معًا, ومع ذلك فإننا حين نفحص الجسم ككلٍّ, يبدو لنا أن هذا الطور هو طور النشاط البيولوجي الأمثل.
فخلال الرشد المبكِّرِ يكون معظم الناس قد بلغوا أقصى طول القامة, وتصل المرأة إلى هذا الحد في سن ١٧ أو ١٨سنة, بينما تطول الفترة بعض الشيء عند الرجل لتصل إلى سن ٢١ سنة تقريبًا, أما الحد الأقصى للوزن فعلى العكس من ذلك لا يصل إليه الإنسان إلّا في الطور التالي "وسط العمر", والوصول إلى قمة القوة الجسمية يتلو عادةً وصول الفرد إلى الطول الأقصى, ولهذا فإن الفرد لا يصل إليها إلّا في منتصف العشرينات أو في أواخرها, أما القدرة على النشاط البدني، والتي لا تَتَطَلَّبُ القوة فحسب, وإنما تَتَطَلَّبُ أيضًا السرعة والتآزر والجَلَدَ "الاحتمال", فإنها تصل إلى حدها الأقصى خلال هذ الطور من العمر، ولهذا يقع معظم الأبطال الرياضيين عادةً في هذه المجموعة العمرية, وبخاصةٍ حتى مطلع الثلاثينات، بعدها نجد أن القوة والنشاط الجسميين يتناقصان تدريجيًّا, ليصل معدل النقص فيهما حوالي١٠% خلال الفترة من ٣٠-٦٠ سنة.
وكذلك فإن عددًا من الوظائف الحسية والعصبية تصل إلى مستوياتها القصوى خلال الرشد المبكر، فالحدة البصرية والسمعية يبلغان أقصى قوتهما في سن العشرين تقريبًا، وتظل الحدة البصرية ثابتة نسبيًّا في مرحلة وسط العمر، بينما تظهر حدة السمع تناقصًا تدريجيًّا خلال نفس الفترة, وبالإضافة إلى ذلك, فإن الوزن الكليِّ للمخ, والأنماط الناضجة للموجات الكهربائية للمخ, يَتِمُّ اكتمالهما
стр. 388
خلال الرشد المبكر.
والراشدون المبكرون هم أكثر الأفراد صحةً في المجتمع, وأسباب الوفاة لديهم ترجع إلى الحوادث أكثر منها إلى الأمراض "Brodzinsky et al ١٩٨٦", ومع ذلك فإن بعض المشكلات الصحية التي قد تظهر في المراحل التالية من حياة الإنسان تبدأ بوادرها في هذا الطور العمريّ، ولذلك يطلق عليها الباحثون "الأمراض الصامتة"، وتشمل الحمَّى الروماتيزمية, وتصلُّب الشرايين, وتضخم أعضاء الجهاز التنفسي، وسرطان الرئة، وتليُّف الكبد، وأمراض الكُلَى, والتهاب المفاصل, كما أن الراشدين المبكرين يكونون أيضًا عرضةً للاضطرابات التي ترتبط بالإجهاد النفسيّ, ومن ذلك: التوتر الزائد, وإدمان الخمور والمخدرات، والاكتئاب، وقرح المعدة والسمنة, ولعل هذه الحقائق تؤكد أهمية برامج الطب الوقائي التي يجب أن تُقَدَّمَ لهؤلاء, والتي قد تمنع استفحال هذه المخاطر فيما بعد, إلّا أن الأهم من ذلك أن تكون لدى الراشدين المبكرين المنعة الناتجة عن عقيدةٍ دينيةٍ قويةٍ, والرغبة في اتباع النصائح العلمية, وهذا هو العامل الحاسم, فنحن نعلم أنه على الرغم من الانتشار الهائل في وقتنا الحاضر للمعارف العلمية التي تؤكد مخاطر التدخين, فإن الملايين لا يزالون يتشبثون بهذه العادة المدمرة لصحة الإنسان, ثم إن هناك أدلة قوية على أن للدين دوره الحاسم في التغلب على مشكلة إدمان المخدرات والمسكرات.
ووصول الراشد المبكر إلى الحَدِّ الأمثل للنشاط البيولوجي له آثاره الهامة في توافقه الشخصيّ والاجتماعيّ والمهنيّ, وبالطبع فإنه في المهن التي تتطلَّبُ القدرات الجسمية والحسية, تُعَدُّ فترة الرشد المبكر "ربيع" الحياة المهنية لها, وخاصةً خلال الفترة من ٢٠-٣٥ سنة، التي تكون عندها هذه القدرات في أَوُجَّهَا، ثم تتناقص تدريجيًّا بعد بلوغ الفرد سن الأربعين "بداية الرشد الأوسط", صحيح أن بعض الأفراد لا يظهرون تناقصًا في هذه القدرات مع التقدُّمِ في السن, ولعلنا نذكر في هذا الصدد بعض الموسيقيين والفنانين التشكيليين المشهورين, الذين استمرت قدراتهم الحسية على درجةٍ كافيةٍ من القوة حتى مع بلوغهم الثمانيات من العمر,
وبالنسبة للمرأة, فإن قدرتها على الإنجاب تصل أيضًا إلى قوتها خلال طور الرشد المبكر, ويمكن القول أن أفضل سن الحمل الأول من الوجهة البيولوجية هو العشرينات من العمر؛ حيث تصل الأعضاء والأجهزة الفسيولوجية عند الحمل إلى أفضل نموٍّ وتآزرٍ لها خلال هذا الطور من النموِّ دون سواه؛ فالمرأة خلال الرشد
стр. 389
المبكر لا قبله ولا بعده "أي ليس أثناء المراهقة, ولا خلال الرشد الأوسط" تكون أكثر قدرةً على إنتاج البويضات المخصبة، كما أن دورتها الهورمونية المرتبطة بالتناسل تكون أكثر انتظامًا، وتكون بيئة الرحم والحوض أكثر ملاءمة لحمل الجنين, وأكثر يسرًا في ولادته, وعلى الرغم من أن بعض النساء يحملن بدون مشكلاتٍ خلال المراهقة المتأخرة, أو مع بداية الأربعينات من العمر, إلّا أن معدَّلَ الخصوبة في هذه الحالات ليس بنفس جودة طور الرشد المبكر، كما أن الولادة تكون أكثر صعوبة، بالإضافة إلى احتمال إصابة الجنين ببعض النقائص التي تناولناها فيما سبق عند عرض خصائص مرحلة الجنين.
وهكذا فإن طور الرشد المبكر هو طور اكتمال النموِّ الجسميّ, باستثناء الحالات القليلة التي تتعرض للإصابة بالأمراض أو النموِّ غير السوي, ولا يلاحظ الراشد الصغير أيَّ علاماتٍ تدل على التدهور أو على التقدم في السن إلّا بعد الأربعين، وهي علاماتٌ تجعله حينئذٍ أكثر اهتمامًا بصحته وجسمه, إنه عندئذ يبدأ في المقارنة بين أدائه في طور الرشد الأوسط, وأدائه في طور الرشد المبكر، فيدرك مدى ما كان عليه من صحة وقوة ونشاط وفعالية وإنجاز، وبعبارة أخرى: فإن الخصائص الجسمية القصوى للرشد المبكِّر لا يدركها المرء في أوانها، وإنما يقدرها حين يعود بذكرياته إلى الوراء, بعدما يصل إلى الرشد الأوسط أو الشيخوخة، وحينئذٍ يقدر النعم التي كان قد أنعم الله عليه بها، والتي ربما لم يحافظ عليها حقَّ المحافظة، وقد يندم على ما فَرَّطَ في حق نفسه، ولات حين مندم.
стр. 390
النمو العقلي المعرفي:
كما هو الحال في النموِّ الجسميِّ, فإن بعض القدرات العقلية المعرفية تصل إلى قمتها خلال الرشد المبكر, وتؤكد البحوث أن المهام التي تتطلَّب السرعة في زمن الاستجابة أو زمن الرجع وذاكرة المدى القصير، والقدرة على إدراك العلاقات المعقدة, تُؤَدَّى بطريقة عالية الكفاءة خلال المراهقة وبداية العشرينات من العمر, كما أن بعض القدرات الابتكارية وخاصةً تلك التي تتطلَّبُ إنتاج أفكار, أو نواتج فريدة "الأصالة" أو متنوعة "المرونة", تصل إلى أعلى مستوياتها خلال الرشد المبكر أيضًا, إلّا أن معظم القدرات الأخرى تستمر في النموِّ بعد هذا الطور؛ فالقدرات العقلية المرتبطة بالنشاط اللغوي والسلوك الاجتماعي مثلًا تظل في حالة نموٍّ مستمرٍّ خلال الخمسينات من العمر, وربما بعد ذلك, وهذه هي المهارات والقدرات التي تتحسن بالتعلم والخبرة.
ويوجد سؤال هامٌّ تحيطه المشكلات المنهجية يتصل بالتحسن والتدهور في
стр. 391
القدرات العقلية للراشدين, وكما سنرى عند تناول مرحلتي وسط العمر والشيخوخة, فإن الأداء الجيد للراشدين المبكِّرين على اختبارات الذكاء, في مقابل الأداء الأقل جودة عندهم في مرحلتي وسط العمر والشيخوخة على نفس الاختبارات, قد يرجع في جوهره إلى "اصطناعٍ" ينتج عن طبيعة مناهج البحث المستخدمة، بالإضافة إلى المشكلات المتضمنة في بعض النماذج النظرية حول النموِّ العقلي.
ولعل أكثر هذه المشكلات حدَّةً ما يتصل بنموذج بياجيه في النموِّ العقلي، فمن المعروف أن هذا النموذج ينتهي بالمرحلة التي تُسَمَّى مرحلة العمليات الشكلية أو الصورية "والتي تتسم باستخدام طرق الاستدلال الفرضي الاستنباطي, والتفكير المجرد على نحوٍ عامٍّ, وفي مختلف المجالات كما بينا آنفًا", كما أن بحوث بياجيه وتلاميذه ظلَّت تؤكد لسنوات طويلة أن هذه المرحلة يتم الوصول إليها بين سن ١٢، ١٥ سنة, أي طور المراهقة, وبالفعل فإن كثيرين من المراهقين يصلون إليها في هذ السن.
إلّا أن بياجيه في بعض كتاباته المتأخرة "Peaget ١٩٧٢" اقترح أن مرحلة العمليات الصورية قد لا تصل إلى النموِّ أو تصبح واضحة المعالم إلّا في الفترة بين طور السعي"الشباب" والرشد المبكر "أي ١٥-٢٠سنة"، بالإضافة إلى أن كثيرًا من الراشدين لا يفكرون بالفعل بهذه الطريقة "Keating ١٩٨٠"، كما أنها قد يتم التعبير عنها في نطاقٍ أكثر ضيقًا مما كان مفترضًا من قبل؛ فمثلًا يمكن للشباب أن يُظْهِرَ استدلالًا فرضيًّا في مجال تخصصه دون غيره من المجالات, كما أثبتت البحوث التجريبية الأكثر حداثة أن المراهق والشاب قد لا يستطيع استخدام التفكير الصوريّ وتعميمه من مجالٍ لآخر, ومن ذلك أن "Delisi Staudt ١٩٨٠" وجد أن طلاب الجامعة يمكنهم التعبير عن المفاهيم الإجرائية الصورية بسهولة في مجال تخصصهم الرئيسي وليس في غيره؛ فطلاب الفيزياء كانوا أكثر نجاحًا في المهام التي تتعامل مع المتغيرات التي تؤثر في تذبذب بندول الساعة، بينما واجهوا صعوبات جمَّةٍ عند تطبيق هذه العمليات الصورية على المسائل السياسية أو الأدبية, وعلى العكس, فإن طلاب العلوم السياسية كانوا أكثر نجاحًا في مهام التخصص, وأقل نجاحًا في المهمتين الآخريين "العلمية والأدبية", أما طلاب الأدب الإنجليزي فكانوا بالمثل أكثر نجاحًا في تطبيق العمليات الصورية على المهام الأدبية وحدها.
ما هي العوامل التي تحدد الاختلافات في نموِّ التفكير باستخدام العمليات الصورية, وطرق التعبير عنه؟ من الواضح أن العوامل الثقافية تلعب الدور الحاسم
стр. 392
في ذلك دون شكٍّ، ومن ذلك درجة التقدُّمِ التكنولوجي في المجتمع؛ فالمجتمعات ذات المستوى التكنولوجي المتقدم تكون في حاجة إلى عدد أكبر من الأفراد ذوي القدرة العالية على التفكير المجرد، وعلى ذلك فإن مثل هذه المجتمعات أكثر تهيؤًا لتوفير مسالك وسبل لنمو هذا النمط من التفكير وطرق التعبير عنه، ومن هذه السبل التربية, وقد أيدت البحوث الحديثة وجود علاقة موجبة بين عدد سنوات الدراسة ونموّ مبادئ التفكير باستخدام العمليات الصورية, ويوجد عامل آخر يرتبط بالتفكير الصوري هو مستوى الذكاء, فمن المتوقَّع أن يكون الأشخاص الأكثر ذكاءً أكثر قدرةً على تنمية واستخدام العمليات الصورية أيضًا.
ويوجد جدل حادٌّ في أروقة علم نفس النموِّ حول ما أشرنا إليه من أن الراشدين لا يصلون جميعًا بالضرورة إلى المستوى المعرفي للعمليات الصورية, بل ربما لا يصل إلى هذه المرحلة بالفعل أكثر من ٥٠% منهم, ويذكر "Dasen ١٩٧٢" أن هذا النمط من التفكير أقل شيوعًا في الثقافات غير الغربية, وهذا القول أكده "Leskow Smock ١٩٧٠" من قبل, كما يذكر آخرون "Elkind ١٩٦١" أن هذه القدرة أقل نموًّا لدى النساء, كما أنها لا تظهر إلّا لدى نسبة لا تزيد عن ١٧% من طلاب الجامعة "Tolmlinson- Keasey ١٩٧٢", ويفسر بعض الباحثين هذه النتائج بأنها لا ترجع إلى عدم القدرة لدى هؤلاء على استخدام الاستدلال المنطقي كما يحدده مفهوم بياجيه عن العمليات الصورية, وإنما ترجع إلى أن بعض ميول الاستجابة وبعض خصائص الاختبارات المستخدمة لا تسمح لكلِّ شخصٍ بإظهار كفاءته بنفس الدرجة "Brodzinsky et al ١٩٨٠", فإذا كان الشخص غير مهتم بالمهمة التي يؤديها في الموقف التجريبي أو الاختباري، أو كان على على درجة عالية من القلق نتيجة وضعه موضع التقويم، أو كانت المهارات المطلوبة لحل المشكلة قد تعرضت "للصدأ" نتيجةً لعدم الاستعمال, فإن أداء هذا الشخص حينئذٍ يكون أضعف من أدء شخصٍ آخر لديه الدافعية للعمل، ودرجة منخفضة من قلق التقويم، ويمارس بانتظام هذه المهارات اللازمة لحل المشكلة، ولعل أهم العوامل التي تؤثر في أداء الأفراد في هذه المهام اللازمة لحل المشكلة, ولعل أهم العوالم التي تؤثر في أداء الأفراد في هذه المهام الخاصة بالعمليات الصورية وغيرها من المهام التي استخدمها بياجيه, تعود في جوهرها إلى ما يُسَمَّى في الوقت الحاضر الأسلوب المعرفي Cognitive Style, والذي يدل على النمط الذي تَعَوَّدَ عليه الفرد كأسلوب في حل المشكلات؛ فالأشخاص الذين يتسمون بالأسلوب التأملي -أي: أولئك الأكثر حذرًا وحيطةً, وأكثر رويةً وأناةً, وأكثر انتظامًا, ويستخدمون التخطيط في سلوك حل المشكلة- يؤدون أداء جيدًا في هذا المهام, كما يؤدي في المهام
стр. 393
بنفس الجودة أصحاب أسلوب الاستقلال عن المجال Field- independent، وهم الأشخاص الأكثر قدرة على التمييز بين المعلومات المرتبطة وغير المرتبطة بسياق حل المشكلة, وعلى العكس فإن أولئك الأكثر اندفاعًا في الاستجابة لمواقف المشكلة، وأولئك الأكثر اعتمادًا على المجال, أو الذين يعانون من صعوبة التعرف على ما هو مرتبط بمشكلة معينة تتضمن معلومات أخرى, يؤدون أداءً سيئًا في هذه المهام.
ولعل هذه النتائج جميعًا دفعت بعض الباحثين المعاصرين إلى التشكك في مسلَّمة بياجيه, في أن المستوى الأعلى للنموِّ المعرفي يتم الوصول إليه بإحراز العمليات الصورية, وقد حاول بعضهم تحديد مستوياتٍ من النشاط المعرفي تتجاوز هذه المرحلة، ونشير فيما يلي إلى مجموعةٍ من البدائل الهامَّةِ لوصف النشاط العقلي لدى الراشدين، وأهمها وأكثرها شيوعًا ثلاثة هي:
١- إيجاد المشكلات: يرى آرلن "Arlin ١٩٧٥" أن إيجاد المشكلة Problem- finding, هو المستوى الخامس من النشاط المعرفي "الأعلى من مستوى العمليات الصورية عند بياجيه", وهو الذي يتسم به سلوك الراشدين, ويتمثَّل ذلك في قدرة الراشد على توليد أسئلة جديدة ومرتبطة حول العالم الذي يحيط به, وعلى ذلك فإن الفرد هنا يطرح مشكلات جديدةً بدلًا من محض التنبه إلى المشكلات القائمة, كما أن الباحث عن المشكلات قد يكتشف طرقًا جديدةً في النظر إلى المسائل المألوفة من أجل الوصول إلى حلول جديدة ممكنة, ويرى آرلن أن هذا السلوك قد يكون هو العملية التي تربط بين البنى المعرفية عند بياجيه وعملية الابتكار. وفي رأيه أن العمليات الصورية هي شرطٌ ضروريٌّ, ولكنه غير كافٍ لحل المشكلة, وعلى أية حالٍ فإن هذه المرحلة الخامسة المقترحة لم تحظ بعد بالقبول العام لدى الباحثين، وهناك من يتشكك فيها على أسس تجريبية ومنطقية, وترى آمال صادق "١٩٨٩" أن سلوك إيجاد المشكلات لا يقتصر على سلوك الراشدين، وإنما هو من خصائص التفكير الابتكاري والإبداعي بصفة عامة, سواء أكان في الطفولة أم المراهقة أم الرشد.
٢- التفكير الجدلي: وهي عملية إضافية أخرى اقترحها ريجل Riegel" ١٩٧٥ ١٩٧٣, لتفسير النشاط المعرفي لدى الراشدين, وخلاصة ذلك أنه يرى أن تفكير الراشدين يتسم بالخاصية الجدلية dialectic على طريقة الفيلسوف الألماني هيجل، أي: بالقدرة على التعرف على الصراع المعرفي, والتناقض بين الأفكار, وتقبله, بل وحتى الرغبة فيه والسعي إليه, وفي هذا ينتقد ريجل مسلَّمَة بياجيه في
стр. 394
أن التفكير باستخدام العمليات الصورية -وهو أعلى المستويات عنده- هو أكثر صور التفكير نضجًا, كما ينتقد أيضًا رأيه في أن التفكير الناضج ينشد تحقيق التوازن -أي: تحقيق حالة من عدم التوتر فيها يلائم كل شيء بعضه بعضًا "راجع الفصل الخامس من هذا الكتاب", وعلى العكس فإنه يرى أن التفكير الناضج "وهو بالطبع تفكير الراشدين" لا يسعى إلى التوازن أو خفض التوتر، وإنما هو سعيٌ مستمرٌّ نحو الأزمة المعرفية؛ فالعقل الناضج يحتاج إلى الاستثارة المستمرة، ويرحب بالتناقض الظاهري الذي يصاحب وجهتي نظر متعارضتين أو أكثر؛ لأن هذا هو "الغذاء" الذي يهيئ الفرصة لنمو العقل الإنساني.
ويرى ريجل أن التفكير الجدلي يمكن أن يحدث في أيِّ مرحلة من المراحل التي اقترحها بياجيه، على الرغم من أن محتوى العملية الجدلية يكون أقل تعقدًا بكثير في المراحل الدنيا؛ فطفل ما قبل المدرسة مثلًا يعزي صفات مطلقة للأشياء والأشخاص، فخصائص مثل كبير وصغير، ثقيل وخفيف, وغيرها، إما أن تكون أو لا تكون؛ فالشخص إما أن يكون كبيرًا أو صغيرًا, وبعد ذلك يصبح العقل أكثر وعيًا بالصراع والتناقض في هذه الخصائص؛ فالأخ الأكبر يكون أطول حين يقارن أخيه بأخيه الأصغر, ولكنه "أي: الأخ الأكبر" يكون أقصر حين يقارن بأبيه, فكيف يكون الشخص طويلًا وقصيرًا في نفس الوقت؟! إن الطفل يحل هذا التناقض الظاهري بالتعرف على أن بعض الخصائص لها خاصية نسبية، أي أنها لا تفهم إلّا في سياق خاص، أو في علاقتها بشيء آخر.
وهذا المستوى الذي يصل إليه الطفل لا يحل المشكلة المباشرة التي تواجهه، ولكنه يزوده باستراتيجية معرفية ضرورية لإدراك العالم من حوله من منظور أكثر اتساعًا وشمولًا وعمقًا.
وكما يفعل الصغار يفعل أيضًا الشباب والراشدون المبكرون، فهم يتعاملون مع العالم المحيط بهم من خلال المنظور الجدلي، والفرق بين الصغار والكبار هو المستوى الرفيع الذي تكون عليه هذه العملية في طور الرشد؛ فالتناقضات التي يوجهها الراشدون تكون أكثر حدوثًا على مستوى الأفكار المجردة, ولا تقتصر على المستوى العياني كما هو الحال عند الصغار.
وبهذا تكون حياة الراشد في جوهرها مجاهدة ومكابدة, مع تناقضات وصراعات كثيرة في حياته, تتصل بالأخلاق والسياسة والتربية والدين وفلسفة الحياة, ولعل هذا -والله أعلم- أحد ألوان الكَبَدِ الذي يعانيه الإنسان, والذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى:
стр. 395
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] .
إلّا أن الراشدين ليسوا بالضرورة في حاجةٍ إلى حل جميع التناقضات التي يواجهونها، فالإنسان الناضج -رأى ريجل- هو الذي يتقبل هذه التناقضات على أنها خاصية أساسية من خصائص الفكر والحياة الإنسانية.
٣- التفكير النسبي العملي في إطار سياقات معينة: اقترحت هذا النموذج جيزيلا لابوفى -فيف عام ١٩٨٢ "Lambouvie Vief ١٩٨٢", في نقدها المفصَّلِ لاستخدام نموذج بياجيه أو غيره من النماذج المتمركزة حول الطفل أو المراهق, في تفسير النمو المعرفي للراشدين, وفي رأيها أن التركيز على هذا النموذج يمكن أن يعبِّرُ عن تدهورٍ أو نكوصٍ في تفكير الراشدين, وليس تقدمًا أو تطورًا, ويمكن توظيف مثل هذا النموذج عند تناول النشاط المعرفي للمسنين المعمرين الذين قد يبلغون أرذل العمر؛ حيث الانتكاس والنكوص بالفعل, أما عند تفسير سلوك الراشدين، وهم الفئة العمرية التي تدل على القوة واكتمال النموّ، في إطار أفكار بياجيه فإننا نقع -في رأيها- في خطأ بالغ.
بل إن الاعتماد على النموذج التقليدي لبياجيه في تفسير تفكير الراشدين قد يوحي لنا بحدوث عمليات سوء توافق لديهم إذا لاحظنا أن تفكيرهم المنطقي والصوري يتناقص, بينما يتزايد لديهم التركيز الأكثر برجماسية,. والموجِّه عيانيًّا نحو الواقع, إلّا أن حقيقة الأمر أن هذا ما يحدث بالفعل في تفكير الراشدين, وهو علامة على مزيدٍ من التوافق والتقدم، بل إن التفكير الصوري قد يكون اختيارًا خاطئًا في طور الرشد بسبب الطابع المثالي الغالب عليه, والذي قد يبعده عن التوجه العملي نحو عالم الواقع.
ومن الملاحظ أنه مع تقدُّمِ الشباب في دراستهم الجامعية, أو في مجال حياتهم المهنية, تتناقص في تفكيرهم خاصية "المطلق", وتتزايد خاصية "النسبي"؛ ففي إدراك الراشد توجد منظورات متعددة, وسياقات مختلفة, وحلول بديلة للمشكلات، ولعل هذا يفسر لنا النقص في استخدام التفكير الصوري خلال الانتقال من المراهقة إلى الرشد, ويدل هذا على السعي نحو إحداث تكاملٍ جديدٍ في التفكير الإنساني من خلال تَقَبُّلِ ضوابط عالم الواقع وقيوده وحدوده وشروطه، وهذا كله من سمات تفكير الراشدين. وتعني هذه الاستراتيجية التوافقية أن الراشد يعتمد اعتمادًا أقل على البحث عن اليقين المنطقي في حل المشكلات، ولهذا فإن جزءًا من هذا التغير المعرفي يظهر لدى الراشدين المبكِّرِين في صورة التخصص والنسبية والواقعية, بدلًا من التفكير المطلق والمثالي والعام لدى من هم أصغر سنًّا.
стр. 396
وعلى هذا فلا بُدَّ لنا من استخدام محكاتٍ مختلفةٍ للحكم على النضج المعرفي في مرحلة الرشد؛ لأن استخدام المحكات الخاصة بمرحلة العمليات الصورية مضلل, والبديل لذلك ما يتسم به تفكير الراشدين من خصائص الالتزام والتخصص والخبرة العملية, وتوجيه الطاقة حتى يجد الشخص لنفسه مكانًا ومكانة في النسق الاجتماعي المعقد الذي يعيش فيه, وبهذا تحل الاهتمامات العملية الناضجة للراشدين محل انبهار المراهقين بممارسة المنطق الصوري المثالي.
وهكذا يسقط التصور الذي ظلَّ شائعًا لأكثر من نصف قرن، وهو أن التفكير المنطقي الصوري هو الصورة الأكثر نضجًا ورقيًّا في تفكير الإنسان، وأنه حالما يصل إليه المرء "مع البلوغ الجنسي ومرحلة المراهقة", فإنه يصبح سمة تفكيره طوال حياته بعد ذلك, فقد تَأَكَّدَ أن النشاط المعرفي للراشدين هو في جوهره من النوع النسبي والعملي والمحسوس والعياني والموجَّه نحو سياقٍ معين, وفهم الراشد لظروف الواقع وقيوده وضوابطه علامة على مزيدٍ من النضج والنمو المعرفيين, وليس مؤشرًا على انتكاسٍ إلى مرحلة العمليات العيانية السابقة "في نموذج بياجيه".
وهكذا ترى لابوني -فيف, وجود مرحلة خامسة في النمو المعرفي للإنسان تتلو مرحلة العمليات الصورية, وتظهر في صورة التفكير النسبي العملي السياقي, وتبدأ خصائص هذه المرحلة في الظهور في السنوات التي تتلو مباشرةً المرحلة الثانوية في التعليم، أو مع دخول المراهق سوق العمل، ولهذا فإنها أكثر احتمالًا في الظهور لأول مرةٍ في الطور الذي أسميناه بطور بلوغ السعي أو الشباب, وهي بالقطع من خصائص السلوك المعرفي في الرشد، ويزداد هذا النمط من التفكير تبلورًا مع التقدُّم في العمر الثاني للإنسان "الرشد".
وتعقيبًا على هذه التصورات المختلفة للنشاط المعرفي الراشدين نقول -إنصافًا لبياجيه: إنه كان يرى أن دخول الإنسان عالم العمل قد يؤدي إلى ظهور أنماطٍ جديدة من التكيف, صحيح أنه لم يقترح مرحلة خامسة في النمو المعرفي، إلّا أنه كان على وعيٍ بأن "العمليات الصورية" ليست خاتمة المطاف, وعلى الرغم من أنه لا يوجد بين علماء نفس النمو اتفاق حول وجود وطبيعة مرحلة متميزة بعد مرحلة العمليات الصورية, إلّا أن عددًا كبيرًا من البحوث الحديثة يصف لنا التغيرات التي تطرأ على تفكير الراشدين, والتي لا يمكن تناولها مباشرةً وبسهولةٍ في إطار نموذج بياجيه, والنماذج الثلاثة التي تناولناها ليست كلّ ما في حقيبة البحث النفسي الحديث، فهناك أيضًا نماذج أقل شيوعًا؛ منها نموذج الإفراط في
стр. 397
الملاءمة overaccomdation الذي ترى فيه "Haan ١٩٨٢" أن نجاح الراشدين الصغار في التكيف والتوافق مع الظروف البيئية لا يتحقق بمجرد المواءمة، أي: عملية التوافق من جانب الإنسان بحيث يتكيف أفضل مع الظروف الراهنة، وتعديل سلوكه لمواجهة هذه المطالب كما يرى بياجيه، "راجع سيد أحمد عثمان، فؤاد أبو حطب ١٩٧٨", وإنما ما يحدث في الرشد المبكر هو الإفراط في هذه المواءمة, وهوسلوك ترى هان أنه لا يتناقص إلّا مع بلوغ وسط العمر "مرحلة بلوغ الرشد"؛ حيث يكون فيها الفرد قد حقق نجاحًا مؤكدًا, أو حقَّقَ نوعًا من المصالحة بين نفسه ومقدار الإنجازات التي أحرزها، وعندئذ تخف وطأة المبالغة في المواءمة التي كان عليها في طور الرشد المبكر؛ حيث يلعب السياق الاجتماعي الدور الحاسم، وفي هذا يتفق نموذج هان مع نموذج لابوني -فيف, الذي أشرنا إليه.
ويوجد نموذج آخر يؤكد أيضًا أهمية السياق الاجتماعي, يرى أن أهم خاصية معرفية في سلوك الراشدين هي "الإنجاز" achievement, وهو النموذج الذي اقترحه سكائي "١٩٧٧ Schaie", وفيه يرى وجود أربعة مراحل للنمو المعرفي مدى الحياة هي: مرحلة الاكتساب, وتشير إلى طَوْرَي الطفولة والمراهقة, وفيهما ينشط الطفل والمراهق في بيئة "واقية حامية", ويكون هدفه الاكتساب المعرفي, ومع بلوغ الفرد مكانة الرشاد تصبح البيئة التي يعيش فيها أقل وقايةً وحمايةً له، وخاصة حمايته من نواتج الفشل في حل المشكلات, ولهذا فإن الهدف المعرفي في هذه الفترة "طور الرشد المبكر" ليس اكتساب المعرفة، كما كان الحال من قبل، وإنما إحراز الممكن والمحتمل، ولهذا يسمي سكائي هذا الطور بمرحلة الإنجاز, ثم يضيف إلى ذلك مرحلتين أخريين, هما مرحلة المسئولية في طور وسط العمر "بلوغ الأشد"، ثم إعادة التكامل في مرحلة الشيخوخة "العمر الثالث للإنسان", ويرى سكائي أن الإنسان في المراحل الثلاث الأخيرة "الإنجاز والمسئولية وإعادة التكامل" يكون مطالبًا بإحداث التكامل بين قدراته العقليةِ على مستويات عالية متزايدة التعقد من الأدوار الاجتماعية, ومرةً أخرى يلعب السياق الاجتماعي الدور الحاسم في النشاط العقلي للراشدين.
ويوجد نموذج ثالث -بين النماذج التي تعتمد في جوهرها على السياق الاجتماعي- قدمه كيرت فيشر "Fescher ١٩٨٠", وفيه يقترح عشر مراحل من النموِّ المعرفي خلال دورة الحياة للإنسان، منها ست مراحل للطفولة، ومرحلة سابعة تميز ظهور علامات التفكير المجرد لأول مرة "مع المراهقة"، وتبقى
стр. 398
المراحل الثلاث الأخيرة أوثق اتصالًا بتفكير الراشدين, وهي: بناء الخريطة المجردة abstract mapping, أو قدرة الراشد على إدراك العلاقة بين هويته المجردة والأشخاص الآخرين، وبناء النسق المجرد abstract sysems, أو القدرة على إدراك التآزر المتبادل بين هوية الراشد وغيره من الأشخاص الهامين, وكذلك التوقعات المجتمعية منه، ثم بناء نسق الأنساق المجردة system of abstract systems, ويعني: التآزر بين مختلف جوانب هوية الراشد طوال حيانه حتى يدرك "شخصيته" ككلٍّ له معنى, وهذه المراحل تتطلَّبُ إتقان بعض "المهارت المعرفية" على حدِّ تعبير فيشر, والتي يحتاج إليها الراشدون في السياق الاجتماعي الذي يتعاملون معه على النحو الذي أوضحته لابوتي-فيف.
ويمكننا أن نخلص من العرض السابق بالقول بأنه توجد على الأقل ثلاث خصائص هامة في تفكير الراشدين تستحق الاهتمام هي:
١- تفكير الراشدين يتسم بالنسبية, وهو بذلك يختلف عن تفكير المراهقين الذي يميل إلى أن يكون مطلقًا؛ فالراشدون أكثر تقبلًا لوجود أنساق معرفية متنافسة ومتعارضة, وينشأ ذلك جزئيًّا من اتساع العالم الاجتماعي للراشد، والذي يشمل وجهات نظر مختلفة, وأدوارا اجتماعية عديدة, بل ومتنافسة.
٢- يدرك الراشدون أن التناقض هو خاصية من خصائص عالم الحقيقة والواقع, ولا يحتاج الأمر إلى حل الصراعات والتناقضات المعرفية لكي يحقق الراشد توافقه وتكيفه مع البيئة المحيطة به، وإنما قد يتحقق هذا التكيف يتقبل هذه التناقضات, بل إن تفكير الراشدين لا يقبل هذه التناقضات في عالم الواقع فحسب, وإنما قد يسعى إليها, ويعتمد عليها للوصول إلى حلول جديدة للمشكلات, من خلال النشاط الإبداعي "التفكير من خلال إيجاد المشكلات".
٣- يسعى الراشدون في تفكيرهم إلى إحداث التكامل, أو التركيب بين جوانب المعرفة المتناقضة للوصل إلى تكوينٍ جديدٍ أكثر شمولًا واتساعًا, يسميه بعض الباحثين "Commons et al ١٩٨٢" ما بعد الأنساق. ومعنى ذلك أنه بينما نجد المراهق يقتصر في تفكيره على الوصول إلى نسقٍ من التفكير مجردٍ وواحدٍ وعام ومنظم حول مبادئ العمليات الصورية, فإن الراشد -على العكس من ذلك- يبدأ في النظر إلى المعرفة على أنها تكامل وتآزر بين أنساق متعددة متنافسة, فوجود مفاهيم مختلفة متعددة حول الدين والعلم مثلًا, والتي تبدو ظاهريًّا لدى المراهق متعارضةً في وصف وتفسير الأمور الدينية والدنيوية, فإن ذلك لا يُعَدُّ بالنسبة للراشد محيرًا, كما كان يبدو من قبل, فبدلًا من النظر إلى إجابة واحدة صحيحة فإن الراشد يدرك أن المعرفة هي دائمًا تكامل وتركيب بين وجهات النظر التي تبدو متعارضة "في مثال العلم والدين قد يتجه نحو البحث في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم مثلًا"، فكل خبرة ينظر إليها من زاوية مختلفة, أو من منظور مختلف, وتؤدي به إلى معلومات واستبصارات جديدة.
стр. 399
النمو الخلقي:
الرشد المبكر "بلوغ الرشد": هو الوقت الذي يكتسب فيه الإنسان استبصارًا قويًّا بالصواب والخطأ, اعتمادًا على الخبرة الشخصية, والنمو الخلقي، أو نموّ النسق القيمي الشخصي لديه, يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنمو المعرفي, ويبدو أن توافر القدرة المنطقية يُعَدُّ شرطًا ضروريًّا حتى يمكن للشخص أن يفكِّرَ على مستوى خلقي معين, وفي هذا الصدد يرى كولبرج "Beltes Schaie" أن الشخص يجب أن يكون قد وصل إلى مستوى العمليات الصورية في المعرفة "كما يحددها بياجيه" قبل أن ينشغل بالاستدلال الخلقي في المستوى القائم على المبادئ principled, أو المستوى المتجاوز للتقاليد Post conventional. وعلى هذا فإن المستويات العالية من النموِّ الخلقي يبدو أنها تتطلَّبُ ما هو أكثر من إحراز مستوى معين من النموِّ المعرفي، فهي تتطلَّبُ أيضًا أنواعًا معينة من الخبرات الشخصية؛ فدخول الفرد بيئة العمل مثلًا يعرضه لبدائل انفعالية, وخيارات وجدانية, وقيم متصارعة, وإدراكات جديدة للذات, وحينئذ قد يستجيب للمواقف المشكلة التي تتطلب حكمًا أخلاقيًّا بنوعٍ من التقدير النسبي, فما هو صواب ليس إلّا مسألة نسبية, ويعتمد ذلك على خصائص الشخص وحاجاته وظروفه, وهذا الوضع يعكس الوعي الجديد لدى الراشد بتنوع القيم لدى الناس, ومع تماسك الهوية وبلورتها يصل الشخص إلى مستوى أعلى من الحكم الخلقي, وينتقل إلى المرحلة الخامسة في نموذج كولبرج, أي: مستوى التعاقد الاجتماعي، وفي حالاتٍ نادرةٍ إلى مستوى الوجهة الخلقية العامة المعتمدة على المبادئ, والتي تمثِّلُ المرحلة السادسة عنده, وقد بينت بعض الدراسات التي أجريت في أمريكا أن معظم الراشدين المبكرين "الذين تجاوزوا المرحلة الانتقالية التي أسميناها بلوغ السعي أو الشباب" لا يظهرون أعلى المستويات الخلقية عند كولبرج, كما أثبت البعض الآخر أن المستوى التعليمي ليس هو العامل الحاسم، وإنما الأكثر حسمًا هو خبرات حياة الراشد. "Brodzinsky, et. al., ١٩٨٦".
وقد كانت نظرية كولبرج في النموِّ الأخلاقي, وخاصة في مراحل الرشد, وعلى وجهٍ أخصٍّ المستوى الخلقي المتجاوز للتقاليد, موضع نقدٍ شديدٍ
стр. 400
"Murphy &Gilligan, ١٩٨٠". فعلى الرغم من أن معظم الباحثين يقبلون المستويين الأولين في هذا النموذج، إلّا أن الاختبار الأمبريقي للنموذج أثبت أن كثيرًا من الناس عند الرشد يظهرون تراجعًا إلى مراحل مبكرة, بدلًا من التقدُّمِ نحو مراحل أعلى, وأدى هذا النقص في التطابق بين تنبؤات النموذج ونتائج البحث الفعلية إلى اقتراح بعض التعديلات في هذا النموذج, وخاصةً ما يتصل بمرحلة الرشد, وما يتصل بالقول بأن العلميات الصورية تُعَدُّ الأساس المعرفي لنموِّ أخلاق ما بعد التقاليد, ويرى مورفي وجليجان في بحثهما المشار إليه أن ما يحدد النموِّ الخلقي في مرحلة الرشد هو مستوى من التفكير أكثر تقدمًا وأكثر رفعةً من المستوى الصوري "وقد أشرنا إلى ذلك في القسم السابق"؛ فالتحول من المراهقة أو الشباب إلى الرشد المبكر يصاحبه تحول في الطريقة التي يطبق بها التفكير الصوري بطريقة قطعية ومطلقة عند التعامل مع المسائل الخلقية, بينما الأمر أكثر نسبيةً عند الراشدين بسبب خبرتهم المتزايدة بالصراع الأخلاقي والاختيار، ومعنى ذلك أنهم يعترفون ويقبلون المنظورات المتعددة للمواقع الخلقية المشابهة.
ويُوجَدُ مجالٌ خلافيٌّ آخر في النمو الأخلاقي عند الراشدين, مصدره العلاقة بين مستوى الاستدلال الأخلاقي وبين القيم والسلوك السياسيين, ولقد كانت هان وزملاؤها "Hann, et, al. ١٩٦٨" أول ما أثبت أن مراحل النمو الخلقي عند كولبرج ترتبط بالأيديولوجية والنشاط السياسيين؛ فقد لاحظ هؤلاء الباحثون أن طلاب الجامعة من ذوي التفكير على مستوى المبادئ الأخلاقية, في مقابل ذوي التفكير على مستوى أخلاق التقاليد, كانوا أكثر إيجابية في المسائل الاجتماعية والسياسية, وأكثر تحررًا في وجهته، وأكثر مشاركة في الاجتماعات والأنشطة ذات الطابع السياسي, وعلى الرغم من أن الطلاب كانوا في مرحلة ما قبل التقاليد, وخاصة الذكور منهم, فإنهم أظهروا أيضًا نزعة أكثر ثورية في وجهتهم السياسية, وحين أجريت تحليلات عميقة لخصائص شخصيتهم وظروفهم الاجتماعية والأسرية, اتضح أن العوالم المؤثرة في اتجاهاتهم السياسية, وسلوكهم الاجتماعي كانت مختلفة, وتَمَثَّلَ ذلك في جوهره في أن "ثورية" الطلاب الذين هم في مستوى ما قبل التقاليد, لا تدل كثيرًا على شيء من الاعتقاد أو الالتزام السياسيين، وإنما هي أكثر دلالة على إحباطاتٍ شخصيةٍ عميقةٍ, وغضب شديد, ورفض للقيم المجتمعية التقليدية, كما يوجد باحثون آخرون ارتباطًا بين أخلاق المبادئ ورفض
стр. 401
المحافظة السياسية, وهذه النتائج قد تفسر لنا كثيرًا من صور "التطرف" السياسي الذي شهدته بعض مجتمعات الدول النامية "ومنها مصر" في السنوات الأخيرة؛ فالتطرف هنا قد لا يكون عن اعتقادٍ "عميق"، بقدر ما هو تعبير عن رفضٍ وغضبٍ وتنفيسٍ عن إحباط وفشل, وعلى الرغم من أن العلاقة بين الاستدلال الخلقي والتوجه السياسي, فُسِّرَتْ بوجهٍ عام في إطار النمو المعرفي، أي: على أنها تعكس أثر مستوى النضج الخلقي على الاتجاهات السياسية، إلّا أن البحوث الأمبريقية أكدت أن ذلك قد لا يكون صحيحًا, والأصح القول بأن الطريقة التي يفكر بها الشخص عند تناوله المسائل الخلقية تعكس التزامًا سياسيًّا واجتماعيًّا أساسيًّا وليس العكس, ومعنى ذلك أن التعبير عن أخلاق ما بعد التقاليد قد لا يمثل انتقالًا إلى مستوى معرفي وخلقي متميز كيفيًّا، كما قد يفهم من النموذج الأصلي لكولبرج، وإنما هو تعبير عن التزام بالأيديولوجية السياسية والاجتماعية, وخاصة التصنيف الشهير "اليسار في مقابل اليمين" أو "التحرر في مقابل المحافظة".
وقد أخضع نموذج كولبرج للاختبار الأمبريقي في دراسة مصرية, قام بها شحاتة محروس طه "١٩٨٩"، أجريت على ٥٧٦ فردًا من الجنسين؛ من أطفال مرحلة الحضانة, وتلاميذ الصفوف الرابع والسادس والثامن من التعليم الأساسي, وطلاب الصف الثاني الثانوي, والمرحلة الجامعية, والباحثين في الدراسات العليا, والعاملين في مهنة التدريس, وتوصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:
١- تسود المرحلة الأولى من النمو الخلقي عند كولبرج "أخلاق الخضوع" على أحكام الأطفال المصريين, وتُعَدُّ مسيطرة حتى بعد سن ٩ سنوات بقليل.
٢- تسيطر المرحلة الثانية من النمو الخلقي "أخلاق الفردية والأنانية" على أحكام الأطفال المصريين من سن ٩ إلى قبيل ١٢سنة.
٣- تسيطر المرحلة الثالثة من النمو الخلقي "أخلاق التوقعات المتبادلة بين الأشخاص" والتي تنتمي إلى مستوى سيادة العرف والتقاليد, على أحكام تلاميذ الحلقة الثانية من التعليم الأساسي "المرحلة الإعدادية".
٤- أما المرحلة الرابعة, والتي تنتمي إلى نفس المستوى الخلقي "أخلاق النظم الاجتماعية والضمير" فتسيطر على أحكام الطلاب من سن ١٧ سنة أو قبلها بقليل، وتظل هي السائدة في أحكام الراشدين فيما بعد.
ومن أهم النتائج التي تخص النمو الخلقي للراشدين خاصة -والتي أظهرها هذا البحث- أن مستوى ما بعد العرف والتقاليد, أو مستوى المبادئ الخلقية يسود
стр. 402
أحكام الراشدين المصريين بعد المرحلة الرابعة مباشرة, وقد أرجع الباحث وصول نسبة كبيرة منهم لمستوى المبادئ "على عكس ما حدث لدى الراشدين في المجتمعات الغربية كما أظهرته البحوث السابقة" إلى طبيعة الأخلاق الإسلامية التي تركز تركيزًا على الضمير وتربيته, وحب الخير للناس أجمعين, بصرف النظر عن جنسهم أو مولدهم أو دينهم.
وقد وجد الباحث أيضًا أن الاعتراض على القانون والمؤسسات الرسمية والعادات, يظهر لدى أفراد العينة ابتداءً من الحلقة الثانية من التعليم الأساسي وحتى الرشد, إلّا أن هذا الاعتراض كان موجهًا بشكلٍ أقوى نحو المؤسسات الحكومية، وبشكلٍِ أقل نحو العادات والتقاليد الموروثة.
ولعل من أهم النتائج التي توصَّلَ إليها هذا البحث, أن المرحلة السادسة لدى كولبرج "أخلاق المبادئ العامة" ليست من صياغة الفرد واختياره فحسب، وإنما تعتمد اعتمادًا أساسيًّا على المبادئ الإسلامية والأخلاق المستمدة منها, وهذه النتيجة تؤكد -في رأينا- وسطية الإسلام؛ حيث التآلف الابتكاري بين الأخلاق الفردية "والتي تعني في جوهرها المسئولية", والأخلاق الجماعية "التي تعني في جوهرها التكافل الاجتماعي"، وكلاهما من أسس الأخلاق في الإسلام.
стр. 403
نمو الشخصية والتوافق ومسألة الهوية:
يصف هافيجهرست "Havighurst ١٩٧٢" الرشد المبكر بأنه أكثر مراحل العمر امتلاءًا وفرديةً وتوحدًا؛ فخلال هذا الطور يتعرض المرء لضغوطٍ هائلةٍ حتى يحقق لنفسه مكانًا في المجتمع, ومع ذلك فإن القوى المعينة للفرد في هذا الطور على إنجاز هذا الهدف قليلة, بالمقارنة بالمراحل السابقة التي تُوجَدُ فيها بالفعل المؤسسات التعليمية المختلفة, بالإضافة إلى الدور الكبير للوالدين, ويذكر هافيجهرست أنه -باستثناء مرحلة الشيخوخة- يلقى الراشدون عامة أقل دعم تربويٍّ لإنجاز مهامهم النمائية بالمقارنة بأي مجموعة عمرية أخرى.
ولعل من أهم ما يميز هذا الطور في حياة الإنسان, سعي الراشد للوصول إلى تحديد "معنًى" واضحٍ لحياته, فبعد أن تجاوز المشكلات الأساسية الخاصة بالهوية في طور المراهقة والشباب, فإنه يكون مع مطلع الرشد قد أحرز -ولو مؤقتًا- حلًّا لمشكلة تحديد ذاته، ثم يبدأ في الانشغال بتوسيع نطاق هذا المفهوم في المجتمع، أي: بالبحث عن وسائل جديدة يعبِّرُ بها عن ذاته, وخاصة في مواقف العلاقات الإنسانية والاجتماعية, وكثير من الأشخاص في هذ الطور يكون لديهم شغف بالتعرف على أصدقاء جدد، والالتحاق بالجماعات التطوعية والخيرية, والحصول
стр. 404
على عضوية عدد كبير من المؤسسات الاجتماعية "كالنقابات", ولهذا نلاحظ على الراشد الصغير أنه يتسم بالحركة والتغير اللذين يتم التعبير عنهما بكثير من الطرق, ويقترح وايت "White ١٩٧٥" خمسة مظاهر نمائية شائعة في هذا الطور, تمثِّلُ إمكانات نموه، والتي قد لا تتحقق جميعًا بالضرورة خلال الرشد المبكر وهي:
١- استقرار هوية الأنا أو الذات: يقصد بهوية الأنا أو الذات ego identity, المشاعر التي يكونها الشخص حول نفسه, وتتسم هذه الظاهرة في هذا الطور بأنها أقل تأثرًا بالخبرات المؤقتة أو العارضة كما كان الحال في الماضي، فلا يمكن لذات الشخص أن تتفكك أو تتحلل كما كان يمكن أن يحدث لها منذ عشر سنوات خلت, حين يوصف مثلًا بالجبن أو الفشل, وخاصةً إذا كان الشخص متأكدًا أن ذلك وصف غير صحيح لذاته, ونتيجةً للالتزام الكبير بالأدوار الاجتماعية "وخاصة الدور المهنيّ", وبالآخرين من حوله "كالزوجة والأبناء", فإن الراشد يكون أكثر استقرارًا واتساقًا ووضوحًا في نمو شعوره بذاته، ولهذا يحدث ما يسميه وايت: اسقرار هوية الأنا أو الذات.
٢- تحرير العلاقات الشخصية: الراشد كذلك أقل تأثرًا برغباته ونزعاته وخيالاته الخاصة في علاقاته الشخصية إذا قورن بالمراهق أو الشاب, وهذه الحرية تسمح له بتنمية علاقات مع الآخرين, تتفق مع الخصائص والحاجات التي يتسم به الآخرون, وهذا لون راقٍ من التوافق, فحالما يصل الراشد إلى نظرة مستقرة نحو ذاته يكون أقل قلقًا, وأخف اهتمامًا بذاته على نحوٍ يجعل من التيسير عليه تقبل الآخرين, وتكوين علاقات شخصية ناجحة معهم.
٣- تعميق الميول والاهتمامات: خلال هذا الطور ينشغل الراشد الصغير انشغالًا أكبر بمجالات خاصة من الميول والاهتمامات, والراشدون في ذلك على عكس الأطفال والمراهقين والشباب الذين تكون اندماجاتهم في هذه المجالات قصيرة الأمد؛ فالراشد المبكر يظهر التزامًا حقيقيًّا بميوله, سواء أكانت في المجال الأكاديمي أم المهني, في مجال الهواية أم في نطاق العلاقات الشخصية, ولهذا السبب نجد أن الراشد يستفيد من أنشطته أكثر ممن هم أصغر منه سنًّا, سواء أكان ذلك في ضوء المهارات التي يتعلمها, أو الرضا والإشباع الذي يحصل عليه.
٤- زيادة إنسانية القيم: يظهر الراشدون أيضًا وعيًا متزايدًا بالمعنى الإنساني للقيم, وبالوظيفة التي تؤديها في المجتمع, ولم تعد الأخلاق عنده -كما بينا- قواعد جامدة أو مطلقة كما كان الحال من قبل، وإنما أصبح ينظر
стр. 405
إليها في ضوء أكثر شخصية وإنسانية، اعتمادًا على خبرات الحياة، والنظام القيمي العام للمجتمع "النظام القيمي الإسلامي في المجتمعات الإسلامية".
٥- توسيع نطاق الرعاية: إن اهتمام الراشد برفاهية الآخرين يتسع نطاقه خلال فترة الشباب والرشد المبكر, ويتزايد الاتجاه نحو التعاطف مع الآخرين, ولا يقتصر ذلك على الأشخاص الذين يعرفهم أو يتعامل معهم؛ كالزوجة والأبناء والأقارب, وإنما يمتد إلى الإنسانية عامة، ويشمل ذلك أشخاصًا قد لا يرفهم الراشد شخصيًّا، وخاصةً الذين ينتمون إلى الفئات الأقل حظًّا في المجتمع؛ كالفقراء والمرضى والمقهورين.
ومن المتغيرات التي تؤثر في تكيف الراشدين المبكرين الطريقة التي يواجهون بها الناس, ويتفاعلون بها مع ما يسميه بعض الباحثين "Brodzinskey et al ١٩٨٦" أحداث الحياة, ويعرف حدث الحياة Lif-evevt على المستوى العام جدًّا بأنه أيّ خبرة لها أهميتها لدى الفرد، كما يمكن أن يعرف على نحوٍ أكثر تخصيصًا بأنه ما يؤدي أو يتطلب تغيرًا جوهريًّا في النمط الساري لحية الفرد, وتوجد أحداث حياة يتعرض لها تقريبًا جميع الراشدين؛ كخبرة الدخول في مجال العمل أو الزواج, كما توجد أحداث أخرى يتعرض لها قليل منهم؛ كخبرة السجن أو المرض المزمن, وفي جميع الأحوال تتطلب هذه الأحداث توافقًا من جانب الراشد، يصدق ذلك على الأحداث السارة والأحداث الضارة جميعًا.
ولعل أكثر هذه الأحداث شيوعًا ما يلي: الزواج للجنسين، الحمل والولادة "للإناث"، الطلاق، الدخول في سوق العمل، تغير الوضع المالي، تغير الأنشطة الاجتماعية وغيرها, بهذه الأحداث يشغل الراشد أدوارًا جديدة لم تكن له من قبل، مثل دور العامل والزوج والوالد، إلخ. وبالطبع لا يمارس الجميع هذه الأدوار في نفس الوقت، فبينما يتزوج البعض مثلًا في سن ١٨سنة, فإن آخرين قد لا يتزوجون إلّا في أواخر الثلاثينات، وهناك القليلون الذين لا يتزوجون أبدًا.
ولعلنا نذكر أن معظم الناس لديهم شعور بأنهم "مبكرون" أو "في الوقت المناسب " أو"متأخرون" بالنسبة للقيام بأدوار الرشد، وتؤكد البحوث أن شعور الفرد بأن "الوقت قد فاته" بالنسبة للقيام بدور معين يعد المصدر الرئيسي للقلق والتوتر لدى الراشدين.
ويختلف أيضًا ترتيبٌ القيام بأدوار الرشد, وقد كان الأمر في الماضي أكثر تحديدًا, فكان من المتوقع من المرأة أن تتزوج وتنجب أطفالًا وهي لم تتعد بعد
стр. 406
العشرين من عمرها, وكان من المتوقع من الرجل أن ينتهي أولًا من تعليمه, ثم يحصل على عملٍ, وبعد هذه الخطوات يتزوج ويكوّن أسرة, إلّا أنه حدث خلال العقود الأخيرة تغيرات في توقيت أحداث الحياة وتتابعها, وأصبح كلاهما أكثر غموضًا عَمَّا كان عليه في الماضي بالنسبة للجنسين, وزاد من ذلك الغموض صعوبة الظروف التي تحقق للإنسان رشده الذي هو في جوهره "استقلال اقتصادي واستقرار اجتماعي", ولعل أشقَّ هذه الظروف علي في مصر الآن البطالة وأزمة الإسكان "فؤاد أبو حطب ١٩٨٩".
ويعود بنا ذلك مرةً أخرى إلى مسألة "هوية الأنا أو الذات" في الرشد, لقد افترض النموذج الأساسي لإريكسون أن المراهقة "وربما الشباب" هي طور أزمة الهوية, يتجاوزها الإنسان مع الرشد المبكر إلى أزمة الألفة في مقابل العزلة، والتي يرى إريكسون أن الفرد يتعرض لها في فترة العشرينات من عمره بعد أن تتكون هويته وظيفيًّا، حتى ولو لم تستقر أو تثبت, وتعني الألفة intimacy أن يستطيع المرء أن يتشارك مع الآخرين عن طريق التخلي عن بعض هويته، وحينئذ تحلّ "النحن" محل "الأنا" عند التفكير في الحاضر أو المستقبل, ويؤدي الفشل في تكوين علاقات الألفة إلى العزلة السيكولوجية, والتي هي أبعد عن المرغوبية وعن الصحة النفسية في وقت واحد. أما النجاح في تخطِّي هذه الأزمة فيقود إلى الشعور بالتكافل والتماسك والتضامن مع الآخرين, سواء في العلاقات الزوجية داخل الأسرة، أو العلاقات مع جماعات الأصدقاء، أو مع جماعات التنافس والتعاون في العمل والترويح.
إلّا أن حلّ "أزمة الهوية" -وهو مؤشر سيكولوجي إضافي على بلوغ الرشد -ليس أمرًا سهلًا, وقد أشرنا إلى بعض صعوباته عند تناول طور الشباب "الفصل ١٤"، وتمتد هذه الصعوبات إلى العمر الثاني للإنسان, وبخاصة طور الرشد المبكر موضع اهتمامنا الآن, وكان مارشيا على رأس مَن اعتبروا أن حلَّ أزمة الهوية في مرحلة الرشد أكثر تعقيدًا من الوصف المبسط الذي يقدمه إريكسون, وفي هذا الصدد يقترح عاملين لهما الدور الحاسم في هذا الصدد؛ أولهما: وجود أزمة شخصية لدى الرشد في مجالٍ معينٍ مثل المهنة أو الدين أو السياسة، وثانيهما: وجود درجة من الالتزام الشخصي لديه بالمسائل الخلافية المختلفة في هذه المجالات, وبالطبع بين هذين العاملين "الأزمة والالتزام" يتوصل مارشيا -من خلال سلسلة من البحوث المنظمة- إلى تصنيف طرق حل أزمة الهوية في الرشد إلى أربع فئاتٍ يسميها مكانات الهوية identity statuses يوضحها الجدول رقم
стр. 407
"١٦-١" وهذه الفئات الأربع هي:
جدول رقم "١٦-١" تصنيف مكانات الهوية "عن مارشيا Marcia ١٩٨٠"
١- إحراز الهوية: "identity achievement": وأصحاب هذه المكانة من الراشدين هم أولئك الذين تعرضوا لأزماتٍ شخصية في واحد أو أكثر من مجالات الحياة الاجتماعية "المهنة، الزواج، الدين، السياسة.. إلخ" وتوصولًا إلى قرارٍ شخصيٍّ فيه التزام بموقف معين، قد يتفق أو يختلف مع رغبات الآخرين الهامين "الوالدين مثلًا" ووجهات نظرهم, وهؤلاء يتسمون بتقديرٍ عالٍ للذات, واستقلال سيكولوجي, واستدلال خلقي من مستوى رفيع، وألفة "بمعناها عند إريكسون" مع الأشخاص الآخرين، وقلق منخفض، كما يظهرون ميولًا واسعة النطاق, وهذا كله من مؤشرات الرشد.
٢- رهن الهوية "identity foreclosure": وأصحاب هذه المكانة هم عكس الفئة السابقة لأنهم لا يتعرضون لأزماتٍ شخصيةٍ, ومع ذلك لديهم أسلوب حياة واضح وقرارات قيمية محددة, وهؤلاء هم في العادة الذين يستسلمون لرغبات الآخرين الهامين وآرائهم "الوالدين أو القادة أو غيرهم" إما بسبب الضغوط الانفعالية أو الاقتصادية, أو الخوف من الرفض, أو الشعور بعدم الكفاءة, أو نقص القدرة, ويتسم هؤلاء بدرجة عالية من الجمود والتصلب والخضوع للسلطة, كما أن أسلوبهم في التعامل مع الآخرين فيه درجة عالية من التسلط، وهم أكثر تقليدية في الاستدلال الخلقي, ويعوزهم الاستبصار بأنفسهم, ومن هنا جاء وصفهم بأنهم "رهنوا" هويتهم لدى الآخرين, كما يرهن المعوز بعض ما يملك لدى شخص قادر لحين قدرته على السداد, وحين يأتي ذلك الوقت قد يغير بعض "التزاماته" السابقة، فيغير عمله أو تفشل حياته الزوجية.
٣- تأجيل الهوية identity moratorium: وهذه الفئة تشمل أولئك الذين لا يظهرون دليلًا واضحًا على الالتزام, ومع ذلك فهم غير قادرين على اتخاذ قراراتٍ حول حياتهم بسبب ما يتعرضون له من أزمات شخصية في عدد من
стр. 408
المجالات الاجتماعية, وهم يجاهدون للوصول إلى درجة من الإدراك الواضح لهويتهم, وهم يشبهون فئة إحراز الهوية "الفئة الأولى", إلّا أنهم بسبب عدم التزامهم بموقفٍ محدد يظهرون درجة عالية من القلق وكثيرًا من المسايرة للآخرين، كما أنهم أقل رضًا بإنجازهم, وأكثر استعدادًا لتغيير تعليمهم أو مهنتهم، وقد تنهار حياتهم الأسرية لأتفه الأسباب.
٤- خلط الهوية: identity diffusion: وأصحاب هذه المكانة يتفقون مع من هم في الفئة السابقة في أنهم ليس لديهم التزامٌ برأي واضحٍ أو موقف محدد إزاء القضايا الخلافية في الحياة الاجتماعية, إلّا أنهم يختلفون عنهم في أنهم لا يعانون من أزمات شخصية في مجالات هوية الحياة، فهم فئة اللاالتزام واللاأزمة معًا, وفي وقت واحد, ولهذا فهم أقل الفئات قدرةً على الوصول إلى قرارت حاسمة ومواقف واضحة في مسائل الحياة المختلفة، وهم أقل الناس تقديرًا لأنفسهم، كما أن درجاتهم تكون منخفضة في الاستدلال الخلقي والاستقلال النفسي والألفة بالآخرين, أضف إلى ذلك أن مستوى القلق لديهم أعلى من الجميع, ولهذا فهم لا يزالون بهذه الخصائص جميعًا في طور ما قبل الرشد السيكولوجي, حتى ولو وصلوا إلى العمر القانوني له.
стр. 409
الزواج والحياة الأسرية:
يُعَدُّ الزواج وتكوين الأسرة أحد مؤشرات الرشد الرئيسية كما بينا في الفصل السابق, ومن البديهي أن خبرة الإنسان بالحياة الأسرية لا تبدأ مع الرشد، وإنما تمتد إلى لحظة ميلاده, فإذا استثنينا أطفال الملاجئ والمؤسسات يمكننا القول أن كل طفلٍ يولد ويعيش وينمو طفولته ومراهقته ومعظم شبابه في "محضن الأسرة", ومع ذلك فإننا مع بلوغ الرشد تطرأ تغيرات هامة تميز الحياة الأسرية بعد الرشد عنها قبله؛ فالإنسان -قبل الرشد- هو موضوع رعاية وتنشئة وتدريب وتربية الوالدين، ومع الرشد يصبح الإنسان مسئولًا عن ذلك كله حين يصبح والدًا لابنائه هو, ولهذا نجد معظم الراشدين عند بلوغهم هذا الطور من حياتهم يكون له في واقع الأمر أسرتان: أحداهما هي أسرة المنشأ family of origin التي وُلِدَ فيها ورُبِّىَ وعاش حياته السابقة، وثانيتهما الأسرة النواة nuclear family التي يكوّنها هو مع شريكة حياته, والتي يسعيان بجهدهما المشترك إلى حمايتها وتنميتها.
وقد بدأ منذ عقدين من الزمان اهتمام عدد متزايد من علماء النفس والاجتماع والسكان بدراسة الأسرة من منظور نمائي ارتقائي، أو منظور دورة الحياة الذي يوجه هذا الكتاب, ويتضمن هذا المنظور افتراضًا أساسيًّا هو أن الحياة
стр. 410
الأسرية يمكن تناولها في صورة سلسلة من المراحل، لكلٍّ منها مهامه النمائية الخاصة، كما تظهر في كلٍّ منها صراعاته التي يجب مواجهتها، كما أن حلول هذه الصراعات تختلف من طورٍ أسريٍّ إلى آخر "Wolman".
وتبدأ دورة الحياة الأسرية للراشدين بالزواج بالطبع، وتنتهي بالطلاق أو ترمل أحد الزوجين, وبين هاتين النقطتين توجد سلسلة من المراحل يختلف عددها باختلاف أصحاب النظريات، والتي تصف أنماطًا بنيوية مختلفة للأسرة، وتوقعات متباينة للأدوار.
ويعود الفضل إلى إيفلين دوفال "Duvall ١٩٧٧" في ريادة بحوث "دورة الحياة الأسرية", وفي نموذجها تصف ثماني مراحل يختلف المدى الزمنيّ لكلٍّ منها، وخلالها تنمو "الأسرة العادية" التي لا تتعرض للتفكك أو التحليل بالطلاق أو الانفصال أو الهجر، وهذه المراحل هي:
١- زوجان فقد بدون أطفال, ومتوسط المرحلة سنتان تقريبًا.
٢- أسرة ذات أطفال رضع؛ حيث أكبر الأطفال يمتد عمره من لحظة ولادته حتى سن ٣٠ شهرًا من عمره.
٣- أسرة ذات أطفال في سن ما قبل المدرسة؛ حيث يمتد عمر أكبر الأطفال من سن ٣٠ شهرًا حتى ٦سنوات.
٤- أسرة ذات أطفال في سن المدرسة؛ حيث أكبر الأطفال يمتد عمره من ٦ سنوات إلى ١٢سنة.
٥- أسرة ذات أبناء مراهقين وشباب؛ حيث أكبر الأبناء يمتد عمره بين ١٢ سنة، ٢٠سنة.
٦- أسرة يتخرج فيها راشدون صغار؛ حيث يبدأ الأبناء في الاستقلال.
٧- زوجان في منتصف العمر: من طور العش الخالي وحتى سن التقاعد من العمل.
٨- زوجان مسنان: من سن التقاعد وحتى وفاة أحد الزوجين وترمل الآخر, وبالطبع فإن هذا النموذج يتأثر بعدة عوامل لعل أهمها:
١- عندما يؤجل الزوجان النسل فإن المرحلة الأولى قد تكون أطول من سنتين, كما أنها قد تقصر عن ذلك إذا تَمَّ الحمل عقب الزواج مباشرة, وبالطبع يؤثر ذلك في باقي الدورة الأسرية, ومن ذلك مثلًا أن المرحلة التي تمتد من العش الخالي إلى التقاعد تصبح أقصر أو أطول.
стр. 411
٢- إذا اضطر الوالدان لأسبابٍ إرادية إلى تأجيل النسل, فإن مرحلة الرشد المبكر كلها سوف يقضيانها في المراحل الثلاث الأولى من حياة الأسرة, وخاصة حين ترسل الأسرة أصغر الأطفال إلى المدرسة وعمر الوالدين بين ٣٥، ٤٠ سنة.
٣- يفيد هذا النموذج في وصف الحياة الأسرة المتماسكة، ولكنه يفشل في تفسير ما يطرأ عليها من خللٍ بسبب الطلاق أو الوفاة أو تعدد الزواج؛ فمعظم الراشدين في هذه الحالات يقضون بضع سنوات من رشدهم منفردين أو يربون أطفالًا ليسوا أبناءهم "زوج الأم، وزوجة الأب".
٤- على الرغم من أن هذا النموذج يصوّر الأسرة على أساس تكوينٍ اجتماعيٍّ من راشدين وأطفال صغار، إلّا أن بعض هذه الأسرة قد لا تنجب أطفالًا لأسباب طبية "العقم لدى الجنسين, أو خلل الوظائف الأنثوية لدى المرأة", والأسرة المؤلفة من زوجين يعيشان عمرهما بلا أطفالٍ تستحق البحث السيكولوجي المنظم.
٥- مقدار الوقت الذي يستغرق في المراحل الثلاث الأولى من حياة الأسرة قصير نسبيًّا، فيكاد يكون نصف حياة الأسرة عند الراشدين هو ما بعد استقلال الأبناء, وهذا يتطلب توسيع النظر إلى وظائف الأسرة ومهامها؛ بحيث لا تقتصر على رعاية الصغار.
٦- يفشل النموذج في تناول التداخل والتفاعل في دورات حياة الأسرة عبر الأجيال؛ فمثلًا الأسرة النووية المكَوَّنة من زوجين شابين ولهما أطفال في سن ما قبل المدرسة, قد تُصَنَّفُ على أنها في المرحلة الثالثة من نموذج دوفال, إلّا أن هذه الأسرة في نفس الوقت قد تظل جزءًا من الأسرة الأكبر؛ حيث الوالدان في الأسرة النووية هم أبناء لآباءٍ وصلوا إلى منتصف العمر أو تجاوزوه إلى مرحلة الشيخوخة، وبالتالي تصنف في المرحلة السابعة أو الثامنة في النموذج السابق, وحينئذ قد ينشأ صراعٌ الأدوار لدى الراشدين الصغار، فهم يقومون بدور الوالدية لأبنائهم، ودور البنوة لوالديهم في وقت واحد, وهو الصراع الذي حلَّه الإسلام من خلال تحديد حقوق وواجبات الأبناء والوالدين مهما كانت المرحلة العمرية التي هم منها, وهو موضوع سنتناوله بالتفصيل فيما بعد.
стр. 412
مفهوم الأسرة:
والسؤال الذي يجب أن نطرحه الآن هو: ما هي الأسرة؟ وما هو الدور الذي تلعبه في حياة الوالدين والأبناء؟ وعلى الرغم من أن الإجابة على هذين السؤالين تبدو واضحة من أول وهلةٍ, إلّا أن التأمل العميق فيهما يكشف عن مدى تعقدهما.
ونبدأ بتعريف الأسرة فنقول: إن الأسرة يمكن تعريفها بنيويًّا أو وظيفيًّا, والتعريف البنيوي يركز على نمط التنظيم الذي يميز هذه الوحدة المجتمعية، وعلى تحديد أعضاء هذه الوحدة، وكيفية ارتباطهم بعضهم ببعض، وطبيعة العلاقات الاجتماعية بينهم. أما التعريف الوظيفي للأسرة فيركز على أنشطتها وعلى الدور الذي تلعبه في حياة أفرادها "Garrett ١٩٨٢".
والمفهوم الوظيفي للأسرة يتضمن أنها تتألف من أبٍ وأم وطفل أو أكثر، لكلٍّ منهم أدواره ومسئولياته، وتتوزع هذه الأدوار والمسئوليات على نحوٍ محدد؛ حيث الأب هو العائل, والأم ترعى جبهة المنزل, وهذا الفصل بين الأدوار والمسئوليات داخل بنية الأسرة عميق الجذور في المجتمع الإنساني, ويرى لامب "lamb١٩٨٢" أن ذلك يقوم على أربعة افتراضات أساسية حول حياة الأسرة وهي:
١- الأطفال يحتاجون إلى والدين؛ أحدهما امرأة هي الأم, وثانيهما رجل هو الأب.
٢- توزيع مسئوليات الأسرة يجب أن يعكس الأدوار الجنسية السائدة في تهيؤٍ لمواجهة تحديات عالم العمل.
٤- الرعاية الأولية للأطفال الصغار يجب أن يوفرها أعضاء الأسرة.
إلّا أن هذه الافتراضات تعرضت لتحدين رئيسيين نعرضهما ونناقشهما فيما يلي:
١- تعدد أنماط الأسرة: يرى البعض أنه على الرغم من أن معظم الأسر يتكوّن بالطريقة المعتادة: زواج رجل وامرأة ثم إنجاب الأطفال، فإن استقرار هذه الوحدة المجتمعية قد يهتز أو ينهار، فبعض هذه الأسرة ينهار بسبب الانفصال أو الطلاق, وزيادة معدلات الطلاق أدت إلى زيادة عدد البيوت التي يعيش فيها والد واحد منفرد أو مع الأولاد, وعلى الرغم من أن معظم الذين يطلقون يتزوجون مرة أخرى، إلّا أن الأبناء من الزواج الأول يعيشون في الأغلب مع أحد الوالدين دون الآخر، وفي بعض الحالات المتطرفة قد يودع الأطفال في الملاجئ أو مؤسسات الرعاية محرومين تمامًا من رعاية الوالدين معًا, أضف إلى ذلك أن زيادة معدلات الهجرة للخارج أثرت تأثيرًا كبيرًا على بنية الأسرة الحديثة؛ ففي مصر مثلًا توجد الآن أسر كثيرة يعيش أبناؤها بضع سنوات من عمرهم مع والد
стр. 413
واحد "الأم أو الأب فقط" حيث يعمل الوالد الآخر في الخارج, ثم إن هناك من الأزواج من يعانون من مشكلات الخصوبة التي تتمثل في العقم وعدم القدرة على الإنجاب، ويقودهم ذلك إلى أن يعيشوا حياتهم بلا أطفالٍ أو أن يتبنوا أطفالًا لآباءٍ آخرين، وعندئذ يظهر ما يسمى الأسر البديلة "وهو نظام لا يعترف به الإسلام", كما أن هناك بالطبع الراشدين الذين يقررون بإرادتهم العيش بلا أطفالٍ عن طريق تحديد النسل، أو أولئك الذين يختارون حياة العزوبية وعدم الزواج, ناهيك عن الظواهر التي أفرزها المجتمع الغربي المعاصر والذي ظهرت في صورة العلاقات غير الشرعية والعلاقات الجنسية الشاذة, وهكذا يرى أصحاب هذا الرأي أن النمط الأساسي للأسرة الذي سبق وصفه ليس هو النمط الوحيد, وإنما توجد له بدائل كبيرة؛ بعضها مشروع, وبعضها الآخر غير مشروع.
ونرد على هذا الرأي بالقول بأن معظم الحالات التي أشير إليها -باستثناء الحالة الناجمة عن العقم- هي ظواهر غير طبيعية في نظام الأسرة, وليست بدائل له, والفيصل في الحكم على سواء هذه الظواهر أو عدم سوائه هو الإسلام.
ونبدأ بظاهرة الذين يختارون العزوبية وعدم الزواج, ونميز هنا بين أولئك الذين يلجأون إلى ذلك عن عجزٍ، ومنه العجز المادي والاقتصادي؛ فهؤلاء يحضهم الإسلام على الإكثار من الصوم والعبادة حفظًا للطهر والعفة, أما أولئك الذين يمتنعون عن الزواج مع قدرتهم عليه فإنهم بذلك يجافون سنن الاجتماع الإنساني وفطرته -والإسلام في جوهره دين الفطرة- وينأون عن دعوة الإسلام لتكوين الأسرة وحضه على الزواج؛ ففي حديث شريفٍ متفق عليه يقول الرسول ﷺ :
"يا معشر الشباب مَن استطاع منكم الباء فليتزوج, فإنه أغض للبصر وأَحْصَنُ للفرج, ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".
ويقول الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] .
ويقول أيضًا:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .
أما الأزواج الذين يحرمون أنفسهم من نعمة الإنجاب رغم قدرتهم عليه وعلى
стр. 414
رعاية الأبناء, فهم أيضًا يجافون فطرة الإسلام, يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢] .
ويشير إلى أن هذه سنة المرسلين والأنبياء وهم ما يجب الاقتداء بهم، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] .
فإذا تعرضت هذه العلاقة الحميمة للتدهور بسبب الطلاق، أو نشأت فيها بعض الظواهر غير الطبيعية "كالهجرة المؤقتة"، أو نشأت علاقات بين الجنسين خارج نظام الزواج، فإن ذلك كله يعد من قبيل الخلل الاجتماعيّ والفساد الأخلاقي الذي يحتاج إلى العلاج والتصحيح لا إلى الاعتراف به كبديلٍ للنظام الأساسي للأسرة المؤلفة من زوجين "رجل وامرأة" وأبنائهما.
وتقوم الأسرة بتكوينها الأساسي الذي أشرنا إليه بوظائف هامة باعتبارها وحدة اجتماعية تربط أعضاءها معًا، وتربطهم في نفس الوقت بالمجتمع الأكبر الذي يعيشون فيه, ونلخص هذه الوظائف فيما يلي:
أ- الأسرة هي السياق الطبيعيّ للعلاقات الجنسية الشرعية: فلقد خلق الله الإنسان من ذكر وأنثى، والدافع الجنسي دافع مشروع في الإسلام كغيره من دوافع السلوك, بشرط أن يتم إشباعه بالطرق التي يقرها الإسلام "الحلال", وإذا تُرِكَت العلاقة بين الجنسين لا يحكمها نظامٌ ولا تحميها شريعةٌ تحوَّلَ الإنسان إلى الحيوانية, ونظام الأسرة يحفظ للإنسان إنسانيته من خلال علاقة مشروعة بين الجنسين، وهو بذلك يحفظ لكلٍّ من الرجل والمرأة عفته وطهره.
ب- الأسرة هي السياق الطبيعيّ للإنجاب الشرعي: ومن المعروف أنه حتى في المجتمعات الغربية التي انفلتت فيها معايير العلاقات الجنسية يُعَدُّ أي إنجاب خارج نطاق الأسرة إنجابًا غير مشروع illegitimate. والشرعية تحدد موضع الطفل في البنى التنظيمية للمجتمع، وتحدد مسئوليات الوالدين في رعايته وتنشئته.
جـ- الأسرة أساس البنية الاجتماعية: الأسرة في نظر الإسلام أرقى من أن تكون مجرَّدَ وسيلة لقضاء الشهوة الجنسية, أو وسيلة لإنجاب الأولاد, ولكنها الأساس التي يقوم عليها البناء الاجتماعي, وتصل الأسرة في أهميتها إلى حَدِّ أن جعلها
стр. 415
الله من آياته التي تستحق التآمل والتدبر، يقول تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] .
د- الأسرة هي المؤسسة المسئولة عن تطبيع أعضائها: ويشمل ذلك تدريب كلٍّ من الكبار والصغار على التعامل مع الآخرين, ومن المعتاد أن يكون الأطفال هم الموضوع الأَوْلَى للتطبيع الاجتماعي داخل الأسرة، فالوالدان يربيان ويرعيان ويعلمان الأطفال المهارات وأنماط السلوك اللازمة للتعامل الاجتماعي مع العالم المحيط بهم, وخاصة خارج المنزل, وبالمثل فإن الكبار "الوالدين" يمرون بخبرة تطبيع اجتماعيٍّ على نحوٍ غير مباشر "أي غير مقصود كما هو الحال في تطبيع الصغار", وذلك حينما يتفاعل الزوجان معًا ومع أطفالهما, وذلك كله من خلال جوٍّ من "المودة والرحمة" اللذين أشار إليهما القرآن الكريم.
هـ- الأسرة تنمي دور الرفقة بين أعضائها: فالعلاقة الأسرية في جوهرها تعاون مشترك وتفاعل متبادل، ويؤدي ذلك إلى قيام كل عضوٍ فيها بواجباته وتحمل مسئولياته، وبذلك تتحقق للأسرة وحدتها، ويتزود أعضاءها بدعمٍ ماديٍّ ومعنويٍّ من خلال علاقة رفقة سليمة وألفة حميمة، ومن أمثلة ذلك القيام بأنشطة مشتركة لقضاء وقت الفراغ، والاحتفال معًا بالمناسبات المختلفة، واستماع كلٍّ منهما لمشكلات الآخر, إن أعضاء الأسرة ليسوا محض أقارب تجمعهم علاقة دم، ولكنهم أكثر من ذلك، فهم أصدقاء جيدون.
٢- تغير أدوار الزوجين: هناك حجة أخرى يستخدمها نقاد النموذج الأساسي للأسرة الذي عرضناه آنفًا, خلاصتها أن هناك تغيرات جوهرية طرأت على أدوار كلٍّ من الزوجين, سواء داخل المنزل أو خارجه, وكان السبب الرئيسي في ذلك خروج المرأة للعمل, وفي ذلك يشير "Shaie Willis ١٩٨٦:١٠٨" بالقول بأن عالم العمل تغيَّر جوهريًّا بالنسبة للمرأة في السنوات الأخيرة, وتمثل ذلك في عدة مظاهر؛ منها: أن نسب النساء العاملات أصبحت عالية في القوى العاملة في معظم المجتمعات الحديثة "في إحصاء حديث في الولايات المتحدة وجد أن المراة تمثل ٤٥% من مجموع القوى العاملة فيها", كما أنه لُوحِظَ أن معظم هؤلاء النساء العاملات من المتزوجات واللاتي لهن أطفال، بينما كانت الأغلبية منهن في الماضي من غير المتزوجات, بل كانت بعض المهن تشترط عدم الزواج؛ كالتمريض والتدريس, وبالإضافة إلى ذلك فإن المرأة
стр. 416
العاملة تكاد توجد في جميع المهن والأعمال, ولم يعد الأمر مقتصرًا على مهنٍ بذاتها, كما كان الحال في الماضي.
والسؤال الجوهريّ: لماذ تعمل المرأة؟ لقد كشفت دراسة حديثة أُجْرِيَتْ في الولايات المتحدة "Schaie Willis ١٩٨٦" أن الضرورات الاقتصادية هي الدافع الرئيسي لعمل المرأة، سواء كانت هذه الضرورات لدعم الدخل الاقتصادي للأسرة أو إعالة الذات, إلّا أن من الطريف أن نذكر أن نسبة كبيرة من النساء يذكرن أن المرأة تعمل حتى لا تكون قوة معطلة؛ ولأن العمل في حَدِّ ذاته يُعَدُّ مصدرًا للسعادة الشخصية, ووسيلة لتحقيق الذات، وخاصةً بالنسبة للمرأة الموهوبة أو ذات القدرة العالية, ومن الطريف أيضًا أن نشير أن بعض النساء -كما بينا- دخلن مجالات للعمل "كالهندسة" كانت في الأصل حكرًا على الرجال, وقد أكدت الدراسات النفسية التي أُجْرِيَتْ على مثل هؤلاء النساء أنهن لقين التشجيع من الوالدين أو المعلمين أو الأزواج، وكان دور التشجيع أكثر أهميةً لديهن من دوره لدى أقرانهن من الرجال العاملين في نفس المهن. كما أن بعض النساء العاملات الناجحات ذكرن أن أزواجهن كانوا يشعرون بالفخر لنجاحهن، وأن نجاح المرأة وتنافسها وإنجازها لا يعني فقدانها لطبيعتها كأنثى, بل إن العلاقة بين زوجين عاملين ناجحين عادةً ما تكون علاقة حميمة وثيقة ومليئة بالإشباع العاطفي, وهذا كله يدحض كثيرًا من الأفكار الشائعة عن المرأة العاملة وتوافقها الزواجي.
ولأن المرأة لا يمكن أن تتجاهل دورها الأصلي كأم وراعية للبيت ظهرت في مجال عمل المرأة ثلاثة أنماط رئيسية:
١- النمط التقليدي: ويعني أن المرأة تعمل حتى تتزوج أو تنجب أطفالًا، وعندئذ تتخلى عن عملها وتركز جهودها على بيتها وأولادها.
٢- النمط المتقطع: وفيه تتوقف المرأة مؤقتًا عن عملها لرعاية أطفالها, ثم تعود إليه بعدما تسمح ظروفها بذلك.
٣- النمط المستمر: وفيه تواصل المرأة عملها دون توقف أو تقطع لرعاية الأطفال, وهذا النمط هو الأكثر شيوعًا في الوقت الحاضر، وساعد على ذلك توفير جداول العمل المرنة في بعض المهن، والخدمات التي قد تتوفر للأمهات العاملات في صورة دور حضانة ورعاية للأطفال.
وبالطبع قد ينشأ عن عمل المرأة -وخاصة ذات النمط المستمر- صراعٌ حادٌّ
стр. 417
بين مسئولياتها الأسرية والمهنية, بل إن أزواج هؤلاء النساء عَبَّروا عن هذا الصراع بين العمل والأسرة, ولا شكَّ في أنَّ معظم العبء يقع على عاتق المرأة, وخاصةً إذا كان عليها أن تقوم بمسئولياتها المهنية كاملة, ثم يكون عليها في نفس الوقت أن تقوم بمسئولياتها إزاء البيت والزوج والأولاد كاملة أيضًا, وهذا هو المصدر الرئيسي لما يُسَمَّى في هذه الحالة صراع الأدوار لدى المرأة العاملة.
وكان لا بُدَّ للأسرة ذات الزوجين العاملين أن تُكَيِّفَ من طبيعتها للملاءمة مع هذا الظرف, وتتوافر أدلة كافية "Maret Finlay ١٩٨٤ على أن بعض الأزواج يشاركون زوجاتهم العاملات في أعمال المنزل ورعاية الأطفال، إلّا أن الأغلبية يعتبرون هذه الأعمال من مهام المرأة، على الرغم من حماسهم الشديد لعملها بسبب ما توفره من دخل, وربما كان ذلك كله وراء الحجة المطروحة حول تغير الأدوار الزوجية.
إلّا أن تناولنا ومناقشتنا لهذه الحجة لا بُدَّ أن يكون -مرة أخرى- في إطار الإسلام, وفي هذا الإطار نقول: إن الإسلام لا يحرِّمُ عمل المرأة، فقد خرجت ابنتا نبي الله شعيب للعمل، وعملت المرأة المسلمة في صدر الإسلام في أوقات السلم والحرب, كما أنَّ الإسلام لا يجعل رعاية الأطفال مهمة الأم وحدها, بل إن مشاركة الأب هامة، وقد كان رسول الله ﷺ يداعب حفيديه الحسن والحسين ويلاطفهما ويرعاهما، بل نكاد نقول إنه لا يوجد مصدر للعار أو الخزي أن يشارك الزوج زوجته في بعض الأعمال المنزلية، وخاصةً بعض المهام الشاقة التي لا يستطيع أن يقوم بها فرد واحد، إلّا أن ذلك كله لا يعني أبدًا اختلاط الأدوار. فالطفل سيظل دائمًا في الأسرة في حاجة إلى أم تغذي -إن استطاعت- بالرضاعة الطبيعية التي تفوق قيمتها كل صور التغذية الصناعية، وتحدب عليه وتحضنه وتربيه، بل تتفرغ لهذه المهمة النبيلة لبعض الوقت على الأقل، وعندئذ تكون مسئولية الرعاية المادية للأسرة هي مسئولية الزوج, وفي الشريعة الإسلامية فإن الزوج هو المسئول وحده عن تهيئة المسكن الملائم والطعام والكسوة وغير ذلك من متطلبات الحياة المادية لأسرته, بل إن غنى الزوجة لا يؤثر مطلقًا في حقِّها على زوجها في نفقتها ونفقة أولادها منه, ولو كان أقلَّ منها مالًا، ولا يجب على المرأة أن تنفق على نفسها وعلى أولادها من مالها إلّا إذا شاءت هي.
стр. 418
الزواج:
تكوين الأسرة إذن من أسس الفطرة السليمة للإنسان والمجتمع، والزواج هو النظام الطبيعي الذي تبنى على أساسه, ويعرِّفُ الفقهاء الزواج بأنه عقدٌ يفيد حلّ استمتاع كلٍّ من العاقدين بالآخر على الوجه المشروع "محمد أبو زهرة، ب، ت"؛ ولأن الزواج قرار شخصيٌّ فإنه يتطلب عملية اختيار, فما هي العوامل التي تؤثر في الاختيار الزواجي؟
أجريت بحوث كثيرة في الثقافة المصرية والثقافات الأجنبية للإجابة على هذا السؤال, وقد توصلت هذه البحوث إلى ثلاثة عوامل رئيسية في هذا الصدد يعتمد عليها الزوج في اختيار زوجته، والزوجة في اختيار زوجها وهي:
١- الجاذبية الجسمية: وقد تأكَّدَ أن هذا العامل هو أفضل المؤشرات لتكوين المحبة والعاطفة بين المتعارفين الجدد, إلّا أنه مع زيادة التعارف بين طرفي العلاقة الزوجية تكون لمسات الشخصية والخصائص المعرفية الأهمية الأكبر، وتقل أهمية الجاذبية الجسمية.
٢- القرب المكاني: يميل الأفراد إلى اختيار شركائهم في الزواج من بين الذين يعيشون أو يعملون بالقرب منهم، وقد يكون السبب في ذلك سهولة التعرف عليهم, وتوافر فرص أكبر لمزيد من معرفتهم.
٣- التشابه: ويُقْصَدُ به ميل الفرد في اختيار شريك زواجه إلى ما يشبهه في الخصائص الاجتماعية والشخصية، وخاصةً التشابه في الدين والمستوى الاقتصادي والاجتماعي والعمر والمستوى التعليمي, وكذلك التماثل في القيم والنظرة إلى العالم وفلسفة الحياة, وتؤكد البحوث أن بعض عوامل التشابه قد يكون أقوى من البعض الآخر؛ ففي الثقافات متعددة الأعراق والأصول العنصرية "كالولايات المتحدة الأمريكية" يلعب التماثل العرقي دورًا هامًّا, وفي الثقافات التي يلعب فيها الدين دورًا رئيسيًّا "كالمجتمعات العربية والإسلامية" لا يكاد يختار المرء إلّا من ينتمي إلى نفس دينه، ولا يزال المستوى الاقتصادي والاجتماعي يلعب دورًا هامًّا، ولو أنه مع التغيرات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المجتمع الحديث "وخاصة في الدول النامية" حدثت تغيرات في معايير الزواج بالنسبة لهذا العامل، ولم يعد يمثِّلُ عائقًا جوهريًّا إذا توفرت لدى الفتى والفتاة والمقدمين على الزواج عوامل التشابه في الخصائص الشخصية والسلوكية وفي القيم، وفي المستوى التعليمي.
وتجب الإشارة هنا إلى أن عامل التشابه في الاختيار الزواجي من الموضوعات الخلافية بين أصحاب النظريات حول سيكولوجية الزواج, فقد تحدى مورشتاين Murstein النموذج الأساسي للتشابه بين الزوجين في الخصائص.
стр. 419
وفي رأيه أن الزوجين لا يحتاجان بالضرورة إلى أن يكونا متشابهين في الخصائص حتى تنجح العلاقة الزوجية, وإنما الأكثر أهميةً وجود عناصر "معززة" لدى كلِّ شريك في الآخر, وبعبارة أخرى: فإن كل فرد في العلاقة الزوجية لا بُدَّ أن تكون لديه القدرة على إشباع حاجات شريكه بصرف النظر عن خصائصه, وقد يحدث ذلك نتيجة تشابهها في بعض الخصائص، وقد يحدث أيضًا نتيجةً لاختلاف بعض خصائصها؛ بحيث يكمل كل منها الآخر، كما هو الحال مثلًا حين يكون أحد الزوجين متشددًا والآخر متسامحًا.
ومن الطريف أن نشير هنا إلى أن النتائج السابقة لم تشر إلى عاملٍ يفترض فيه أن يعد حاسمًا في تكوين العلاقة الزوجية وهو "الحب", والسبب أنه يُعَدُّ مسلَّمَة الحياة الزوجية خاصة, والحياة الأسرة عامة؛ فالحب هو العامل الحاسم في اختيار الزوج أو الزوجة, فأن يتزوج المرء بسبب المال أو القرابة أو الأصل العائلي قد لا يوافق عليه كثير من الشباب في المجتمع الحديث؛ لأن الزواج مسألة "شخصية", هذا على الرغم من أنه كان في الماضي، بل أنه لا يزال حتى الآن في بعض الثقافات والثقافات الفرعية في المجتمع الواحد، يعد مسألة عامة, فقد يختار "حكماء" الأسرة شركاء الزواج ربما على غير إرادتهم للربط بين العائلات، وفي هذا لا يُعَدُّ الزواج رابطة فردية بين شخصين, وقد تستخدم في هذا الاختيار أسس مادية بحتة كالمستوى الاقتصادي والاجتماعي, وقد ينشأ عن ذلك بالفعل مشكلات كثيرة للزوجين وأسرتيهما التي تنتهي كثيرًا في مثل هذه الحالة بالانفصال والطلاق.
وقد حذَّرَ الإسلام من ذلك كله، وجاءت الأسس التي وضعها لاختيار كلٍّ من الزوجين لشريكه١ تتفق مرةً أخرى مع أصول الفطرة السليمة, ولهذا جاءت صفة التدين والصلاح على رأس الخصائص التي يحبذها الإسلام في كلٍّ منهما, يقول رسول الله ﷺ بالنسبة للزوجة:
"تنكح المرأة لأربع؛ لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" متفق عليه.
ويقول ﵊ أيضًا بالنسبة للزوج:
"إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلَّا تفعلوا تكن فتنة في
стр. 420
الأرض وفساد كبير" رواه الترمذي.
أما مسألة العنصر الوجداني في الزواج فيركز عليه الرسول ﵊ في اختيار الزوجة، وفي ذلك يقول: "خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده" متفق عليه.
وعنصر الحُنُوِّ والرعاية في الزوجة ليس بالطبع من طرف واحد، وإنما هو تفاعل بين طرفين, وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .
والخطاب في هذه الآية الكريمة للرجال والنساء على حَدٍّ سواء.
ويضيف الإسلام -بالنسبة للمرأة خاصة- عامل الجاذبية الجسمية، إلّا أن هذا العنصر ليس له الأولوية، بل يأتي بعد التقوى والصلاح والاستقامة والأخلاق الفاضلة, وفي ذلك يقول الرسول الكريم:
"ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته, وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله" رواه ابن ماجة.
أما الرجل فيخصه الإسلام بخاصية القدرة على تحمُّلِ تبعات الزواج وخاصة القدرة الاقتصادية, ونشير هنا إلى حديث الرسول ﵇ -الذي تناولناه من قبل- وفيه يحثّ القادرين "الذين يستطيعون الباءة" على الزواج، ووجَّه الذي لا يستطيع إلى الصوم والعبادة إلى أن يستطيع, وحد الاستطاعة والقدرة هنا لا يقصد به الغنى والثراء، وإنما أن يتوافر لدى الرجل الحدِّ الأدنى الذي يمكنه من تحمُّلِ مسئولية بناء الأسرة والإنفاق عليها.
وكم نحن في حاجة إلى التوعية بهذه المبادئ النبيلة حتى يقوم الزواج في المجتمعات العربية والإسلامية على أسس سليمة، وحتى لا يتعرض للانهيار نتيجة الوقوع في أخطاء الاختيار، بل وحتى لا تنشأ المعضلات التي تعوق الشباب من اتخاذ قرار الزواج؛ مثل: غلاء المهور والغلوِّ في نفقات الزواج على نحوٍ يجعل الشباب من ذوي الحد الأدنى من القدرة عليه يحجمون عنه.
التوافق الزواجي: إن المهام التي تواجه أيَّ زوجين حديثين كثيرة وهامة, وقد ينشأ عن بعضها بعض الخلاف والصراع، ولذا فإن من المهمِّ فهم طرق الزوجين في التعامل مع هذا الصراع، أيّ كيف يتجادلان ويتحاوران
стр. 421
ويختلفان دون أن يؤدي ذلك إلى هدم الأسرة, ومن مصادر الصراع الزواجي دخل الأسرة وطرق إنفاقه، وكيفية التعامل مع والديهما وغيرهما من الأقارب، والاستعداد للوالدية، والتوافق الجنسي، وغيرها, وقد ظلت هذه الجوانب من التوافق الزواجي موضع المناقشة والبحث على المستوى العام والمهني المتخصص لفترات طويلة.
ومن أهم الموضوعات التي يتناولها الباحثون في هذا الصدد ما يتصل بالتوافق الجنسي بعد الزواج "في الغرب أجريت مسوح عديدة أكدت أن حوالي ٨٠% من النساء بين سن ١٨، ٢٤ يفقدن عذريتهن قبل الزواج، وفي هذا دلالة على الزيادة الكبيرة في ممارسة الجنس قبل الزواج، ومع ذلك, فإن بعض علماء النفس في الغرب يرون أن هناك مشكلات توافق جنسي بعد الزواج", ولعل أسوأ ما يمكن أن يحدث أن تتحول الحياة الجنسية بعد فترة الزواج إلى نوعٍ من السلوك الروتيني.
ومن العوامل الهامة التي تؤثِّر في التوافق الزواجي هو مدى إخلاص الزوجين كلّ منهما للآخر, وفي الغرب، بالرغم من أنه حدث تغير خطير في الاتجاه نحو تقبل "التسامح إزاء النشاط الجنسي قبل الزواج" إلّا أنه لم يحدث تغير مناظر نحو تقبل "السلوك الجنسي خارج نطاق العلاقات الزوجية"، أو ما يُسَمَّى على وجه العموم، الخيانة الزوجية؛ ففي مسحٍ هامٍّ أجري في الولايات المتحدة "Brodzinsky et al ١٩٨٦" وجد أن ما بين ٨٠% إلى ٩٠% من المفحوصين الأمريكيين لا يوافقون على هذه العلاقات، على الرغم من أن الشباب منهم لا يرغبون في وصف هذا السلوك، إذا حدث، بأنه خطأ أو خطيئة تحت جميع الظروف، أو أنه لا يغتفر. ومن العجيب أن يذكر بعضهم أن هذا السلوك الجنسي يمكن أن يكون مقبولًا إذا وافق عليه الزوجان، وإذا كان جزءًا من عقد الزواج المبدئي؟! إلّا أن ما لا يقبل عندهم هو الخداع أو الخيانة؛ لأن ذلك يتضمن الكذب والسلوك غير الأمين, ومع ذلك فإن نسبة تصل إلى ٥٠% من جميع الرجال المتزوجين في الولايات المتحدة يقررون أنهم يمارسون خطيئة الزنا، بينما يقرر ممارسة نفس الجريمة حوالي نصف هؤلاء "٢٥%" من النساء المتزوجات, ومع ذلك فإنه في ٢٠% فقط من هذه الحالات يعرف الزوج أو الزوجة حدوث ذلك.
ولعل القارئ يدرك من هذه الحقائق حكمة الإسلام العظيم في تركيزة في الاختيار الزواجي على عامل الصلاح والتقوى والأخلاق الكريمة الفاضلة في كلٍّ من الزوجين.
وهناك جانب آخر من أدوار التوافق الزواجي هو توافق الأدوار nole
стр. 422
adjustnent, فحين يتزوج شخصان فإن إحدى صور التوافق الهامة التي يجب أن تحدث هي تكامل أدوارهما وتعلم العيش معًا كزوجين, ويلعب الدور الحاسم هنا مقدار حب ومودة كلٍّ منهما للآخر, ومن المعروف أن الخبرة الحقيقية للمعيشة معًا والأنشطة التعاونية قد تكون متعة أو صدمة؛ فأيام الحرية التي تتسم بها حياة "العزوبية" قد ولَّتْ أو على الأقل قُيِّدَتْ بشكلٍ جادٍّ, وسرعان ما يدرك المرء أن حاجاته ورغباته يجب أن تتأثر وتتكامل مع حاجات ورغبات شريك حياته, ابتداءً من اختيار مطعمٍ للعشاء, وحتى طريقة تربية الأولاد، فهي كلها قرارات مشتركة. ويتطلب الأمر أحيانًا المناقشة بين الطرفين والوصول إلى حلول وسط. فبعد الزواج يجب على كلٍّ من الزوج والزوجة خلق دور جديد يسمح بالمشاركة في اتخاذ القرارات, كما أن عليهما تحديد المشكلات الأكثر عملية وواقعية, والوصول إلى هذا كله قد يتطلب بعض التغير في سلوك الشخص وعاداته التي اكتسبها من قبل, وقد أكدت دراسة مبكرة قام بها فنسنت "Vincent ١٩٦٤" أن التوافق الزواجي يؤدي إلى إحداث تغيرات هامة لدى المتزوجين, وذلك بالنسبة لبعض سمات الشخصية؛ مثل السيطرة وتقبُّل الذات بالمقارنة بالمجموعات الضابطة من غير المتزوجين الذين لم يظهروا مثل هذه التغيرات.
وفي الماضي القريب "حتى الستينات من القرن الحالي" كان الميل لتغيير الأدوار أكثر وضوحًا لدى المرأة؛ حيث كان عليها أن تستبدل مكانة ربة البيت بمكانة الطالبة أو المرأة العاملة "Barry ١٩٧٠", وهذا الانتقال كان يؤدي بها إلى رضا زواجي أقل منه عند زوجها, ولذلك كانت المرأة المتزوجة تظهر مشكلات نفسية أكثر بمقارنتها بكلٍّ من الرجل المتزوج أو المرأة غير المتزوجة, ثم إنه بالمقارنة بين الرجال المتزوجين وغيرهم من العزاب, أثبتت البحوث حينئذ أن المتزوجين يعيشون أعماراً أطول, وتكون صحتهم الجسمية أفضل, ويقررون أنهم أكثر سعادةً من غير المتزوجين, ومن ناحيةٍِ أخرى فإنه إذا أصبح الزوج غير سعيد فإن ذلك كان يؤثر في علاقته الزوجية على نحوٍ أكثر عمقًا من عدم سعادة الزوجة، فأغلب حالات الطلاق كانت ترجع في جوهرها إلى شقاء الأزواج أكثر من شقاء الزوجات.
أما الآن فإن التوقعات الاجتماعية حول الأدوار في الزواج أصبحت أكثر مرونة, ففي دراسةٍ أجراها ميسلين "Meislin ١٩٧٧" وجد أن ٢٧% فقط من الشباب "الذين تمتد أعمارهم بين ١٨، ٢٩عامًا" فضلوا الأدوار "التقليدية" للزواج على الأدوار الجديدة المشتركة، وذلك بالمقارنة بنسبة ٥٩% من جيل أبائهم.
стр. 423
وبالإضافة إلى ذلك, فإن أزواج النساء العاملات يؤدون المهام المنزلية على نحوٍ أكثر تكرارًا إذا قورنوا بأزواج النساء غير العاملات, وتشعر المرأة العاملة برضًا أكبر حين تطلب من زوجها المساعدة في "عمل البيت" ورعاية الطفل, إلّا أن المقارنة بين نشاط العمل داخل المنزل لكلٍّ من الزوجين كشفت عن أن الأزواج يقضون في هذه المهام وقتًا أقصر بكثيرٍ من الزوجات "في أمريكا بلغ المتوسط اليومي ٢.٥ ساعة للزوج في مقابل ٥ ساعات للزوجة", ومعنى ذلك أن الزوجة هي بصفة عامة المسئولة عن معظم العمل المنزلي ورعاية الطفل، وتقوم بذلك بالفعل معظم الوقت, أمَّا الأزواج فيقضون معظم وقتهم في المهام الموجهة تقليديًّا نحو الذكورة؛ مثل: غسيل السيارة وإصلاح الأعطال داخل المنزل, وهي مهام أقل حدوثًا من المهام التي تكون المرأة مسئولة عنها داخل بيتها.
ولعلِّ من المسائل الهامة التي تشغل بال الباحثين المعاصرين هي العلاقة بين الأدوار الجنسية وأدوار العمل, فحين يعمل الزوجان في خارج المنزل، وهو أمرٌ يتزايد حدوثه في الوقت الحاضر، فإن النمط التقليدي لسيطرة الرجل داخل المنزل قد يتقلص, وربما يتلاشى, فمن المعروف أن المرأة التي تختار أن تكون ربة بيتٍ هي أقل سيطرة وأكثر سلبية, وأكثر توجهًا نحو الرعاية والتضحية الذاتية, أما المرأة العاملة المتزوجة فهي على العكس من ذلك تبدو في بعض الحالات غير تقليدية وتنافسية، ولا تظهر مشاعر التضحية الذاتية, وبالمثل فإن أزواج ربات البيوت هم أكثر سيطرة من أزواج النساء العاملات, وحين تقاس درجة الرضا الزواجي في مثل هذه الأحوال, نجد أن الزوجات أكثر رضًا ويؤدين بطريقة أكثر فعالية من الزوجات اللاتي لا يعملن خارج المنزل، على الرغم من أن النتائج حول أزواج النساء العاملات كانت متناقضة في البحوث المختلفة, فقد أكد بحث قام به "Burke Weir ١٩٧٦" أنهم يكونون في العادة أقل رضًا, ويقررون وجود ضغوط عمل أكثر، كما أنهم أكثر قلقًا، ويبدون أسوأ من ناحية الصحة الجسمية والنفسية, وتتناقض هذه النتائج مع تلك التي أظهرها بحث "Both ١٩٧٧" حين وجد أن هؤلاء الأزواج لا يظهرن أيّ علاماتٍ تدل على التوتر الزواجي, والخلافات العائلية أكثر من أزواج النساء غير العاملات "ربات البيوت", بل إنه يستنتج من نتائجه أن الفئة الأولى من الأزواج "أي: أزواج النساء العاملات" كانوا أسعد حالًا وأقلّ تعرضًا للإجهاد النفسي, بل وقرروا أكثر من المجموعة الأخرى أن زوجاتهم "محبات" و"أقل ممارسة للنقد"، فإذا ظهرت عليهم بعض علامات الضغط والتوتر النفسي, فإن ذلك لا يكون عادةً إلّا خلال فترة الانتقال -أي حين
стр. 424
تلتحق الزوجة بالعمل لأول مرة, أو حين تعود الزوجة العاملة إلى البيت لتقوم بمهام رعاية أطفالها.
ويظهر أزواج النساء العاملات اتفاقًا أكبر مع زوجاتهم حول المسائل الهامة "مثل الإنفاق، والعلاقات العائلية"، كما يسهل عيهم الوصول إلى حلول "وسط" للمسائل التي لا يتفقون عليها, إلّا أنه بالنسبة لبعض الأزواج ظهرت مشكلة حديثة العهد, وهي الموازنة بين أدوارهم الزواجية وأدوارهم المهنية, فلقد أصبح من الشائع مثلًا أن يعمل الرجال تحت إمرة النساء، وأن يتنافس الرجال والنساء على الترقيات والمناصب, ومع ذلك فإنه في المنزل يتطلب الأمر أدوارًا مختلفة؛ فالزوجة مثلًا قد تتجنب أن يشعر زوجها بالتهديد بسبب تسلطها في إدارة المسائل العائلية، على الرغم من أن هذه القسمة نفسها هي التي تحظى بالتقدير في العمل "إذا كانت تتولّى وظيفة قيادية", وقد تكشف المرأة العاملة أيضًا أن نجاحها في العمل, أو التزامها الشديد بمسئولياتها, قد لا يحظى بالترحيب من زوجها, ويدعم ذلك النتائج التي تؤكد أن نسبة يعتد بها من بين نساء اللاتي يشغلن وظائف عليا إما مطلقات أو عوانس "أي: لم يتزوجن أبدًا".
ويوجد مظهر هام آخر للتوافق الزواجي, هو أن يتوافق كلٌّ من الزوجين لخصائص الآخر, فمن بديهيات علم النفس أن لكلِّ فرد شخصيته الفريدة التي تؤثر في طريقته في تناول المواقف والتكيف معها, وبعض خصائص الشخصية تعين الفرد على المواءمة الجيدة مع الزواج وبناء علاقة قوية مع الشريك، بينما بعضها الآخر لا يساعد على ذلك, ومن الخصائص التي ترتبط بالرضا الزواجي ما يلي:
١- النضج الانفعالي.
٢- التحكم الذاتي وضبط النفس.
٣- الرغبة في إظهار الأسرار الشخصية لشريك الحياة.
٤- القدرة على إظهار العاطفة والاعتبار نحو الآخرين.
٥- القدرة على معالجة الإحباط والتحكم في الانفعالات.
٦- التقدير العالي للذات.
٧- المرونة.
٨- القدرة على التواصل بشكلٍ صريحٍ وأمينٍ مع شريك الحياة.
وتؤكد بعض الدراسات أنه عند بداية الزواج تلعب سمات شخصية الزوج دورًا أكبر من سمات شخصية الزوجة في تحقيق السعاة الزوجية فيما بعد. ومن
стр. 425
أهم هذه العوامل "هويته الذكورية المستقرة"، وكذلك اليسر الاقتصادي النسبي للزوج ومستواه التعليمي,
وقد يكون العامل الأكثر أهميةً في التوافق الزواجي لدى الزوجة إدراكها لمدى نضج زوجها وكيف يتواءم مع دور الزوج والوالد والشريك المتعاون, وكلما ارتفع تقدير الزوجة لزوجها في النضج الانفعالي, وكلما اقتربت صورته عندها من تحقيق الدور التي تحدده الثقافة للزوج أكثر سعادة.
الوالدية: إن أحد الدوافع القوية لدى الكائنات الحية دافع المحافظة على بقاء النوع, ويشمل ذلك إنجاب جيل جديد ورعايته, وأثناء مسار النمو الإنساني يجد الإنسان نفسه -طوعًا أو كرها، باختياره أو مصادفة- أبًا أو أمًّا, وتؤكد الإحصائيات الحيوية في معظم المجتمعات الحديثة أن حوالي ١٠% من جميع الزيجات لديها على الأقل طفل واحد "Brodzinsky et al ١٩٨٦".
وفي نموذج إريكسون في النمو الاجتماعي تظهر الوالدية "Parenthood" استجابةً لما يسميه أزمة "التدفق في مقابل الركود", فبعد حل أزمة العلاقة الحميمة والتآلف والمودة في مقابل العزلة, يبدأ الراشد الصغير في التعبير عن أزمة الخصوبة في صورة قرارات ومشاعر حول الوالدية, ويرى إريكسون أن الرغبة في رعاية الآخرين هي التزامٌ إنسانيٌّ عامٌّ في جميع العصور, وستبقى كذلك في المستقبل.
ومن ناحيةٍ أخرى, فإن محض الرغبة في الحصول على الأطفال لا يدل على "تدفق حقيقيّ", فبعض الناس يكونون غير قادرين على القيام بدور الوالدية نتيجةً للصعوبات التي تعرضوا لها هم أنفسهم في مراحل سابقة من حياتهم؛ فالزوجة أو الزوج الذي تعوزه القدرة على إدراك المشاعر والخبرات لدى من يتعامل معهم, والرغبة في التضحية والإيثار في علاقاته مع الآخرين, عادةً ما يكون غير مُعَدٍّ لرعاية أطفال صغار, بل تدفعه أنانيته وتمركزه حول ذاته إلى الانشغال بنفسه بدلًا من السعي إلى رعاية جيل جديد، وفي علاقته بشريك حياته لا يتجاوز في ذلك اعتبار نفسه طفلًا يحتاج لرعايته واهتمامه.
وقد أجريت بحوث حول دافع الخصوبة fertiliy motivation- أي: الأسباب التي تدفع الناس إلى الحصول أو عدم الحصول على طفل، وحددت العوامل التي تؤثر في هذا القرار, وأكدت البحوث أن هناك اختلافاتٍ حول تقدير قيمة الأطفال لدى الوالدين, كما تختلف الأسباب التي يقررها الآباء لإنجاب الأطفال.
وبالنسبة للمسألة الأولى: نجد أن أحد الاتجاهات السائدة لدى بعض الآباء والأمهات اعتبار "الوالدية" كما لو كانت مهنةً يمكن للشخص أن يمارسها أو لا