← Медицина

Медицина · id 11738

نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين

آمال صادق

Полный текст (770 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ويختلفان دون أن يؤدي ذلك إلى هدم الأسرة, ومن مصادر الصراع الزواجي دخل الأسرة وطرق إنفاقه، وكيفية التعامل مع والديهما وغيرهما من الأقارب، والاستعداد للوالدية، والتوافق الجنسي، وغيرها, وقد ظلت هذه الجوانب من التوافق الزواجي موضع المناقشة والبحث على المستوى العام والمهني المتخصص لفترات طويلة. ومن أهم الموضوعات التي يتناولها الباحثون في هذا الصدد ما يتصل بالتوافق الجنسي بعد الزواج "في الغرب أجريت مسوح عديدة أكدت أن حوالي ٨٠% من النساء بين سن ١٨، ٢٤ يفقدن عذريتهن قبل الزواج، وفي هذا دلالة على الزيادة الكبيرة في ممارسة الجنس قبل الزواج، ومع ذلك, فإن بعض علماء النفس في الغرب يرون أن هناك مشكلات توافق جنسي بعد الزواج", ولعل أسوأ ما يمكن أن يحدث أن تتحول الحياة الجنسية بعد فترة الزواج إلى نوعٍ من السلوك الروتيني. ومن العوامل الهامة التي تؤثِّر في التوافق الزواجي هو مدى إخلاص الزوجين كلّ منهما للآخر, وفي الغرب، بالرغم من أنه حدث تغير خطير في الاتجاه نحو تقبل "التسامح إزاء النشاط الجنسي قبل الزواج" إلّا أنه لم يحدث تغير مناظر نحو تقبل "السلوك الجنسي خارج نطاق العلاقات الزوجية"، أو ما يُسَمَّى على وجه العموم، الخيانة الزوجية؛ ففي مسحٍ هامٍّ أجري في الولايات المتحدة "Brodzinsky et al ١٩٨٦" وجد أن ما بين ٨٠% إلى ٩٠% من المفحوصين الأمريكيين لا يوافقون على هذه العلاقات، على الرغم من أن الشباب منهم لا يرغبون في وصف هذا السلوك، إذا حدث، بأنه خطأ أو خطيئة تحت جميع الظروف، أو أنه لا يغتفر. ومن العجيب أن يذكر بعضهم أن هذا السلوك الجنسي يمكن أن يكون مقبولًا إذا وافق عليه الزوجان، وإذا كان جزءًا من عقد الزواج المبدئي؟! إلّا أن ما لا يقبل عندهم هو الخداع أو الخيانة؛ لأن ذلك يتضمن الكذب والسلوك غير الأمين, ومع ذلك فإن نسبة تصل إلى ٥٠% من جميع الرجال المتزوجين في الولايات المتحدة يقررون أنهم يمارسون خطيئة الزنا، بينما يقرر ممارسة نفس الجريمة حوالي نصف هؤلاء "٢٥%" من النساء المتزوجات, ومع ذلك فإنه في ٢٠% فقط من هذه الحالات يعرف الزوج أو الزوجة حدوث ذلك. ولعل القارئ يدرك من هذه الحقائق حكمة الإسلام العظيم في تركيزة في الاختيار الزواجي على عامل الصلاح والتقوى والأخلاق الكريمة الفاضلة في كلٍّ من الزوجين. وهناك جانب آخر من أدوار التوافق الزواجي هو توافق الأدوار nole

стр. 422

adjustnent, فحين يتزوج شخصان فإن إحدى صور التوافق الهامة التي يجب أن تحدث هي تكامل أدوارهما وتعلم العيش معًا كزوجين, ويلعب الدور الحاسم هنا مقدار حب ومودة كلٍّ منهما للآخر, ومن المعروف أن الخبرة الحقيقية للمعيشة معًا والأنشطة التعاونية قد تكون متعة أو صدمة؛ فأيام الحرية التي تتسم بها حياة "العزوبية" قد ولَّتْ أو على الأقل قُيِّدَتْ بشكلٍ جادٍّ, وسرعان ما يدرك المرء أن حاجاته ورغباته يجب أن تتأثر وتتكامل مع حاجات ورغبات شريك حياته, ابتداءً من اختيار مطعمٍ للعشاء, وحتى طريقة تربية الأولاد، فهي كلها قرارات مشتركة. ويتطلب الأمر أحيانًا المناقشة بين الطرفين والوصول إلى حلول وسط. فبعد الزواج يجب على كلٍّ من الزوج والزوجة خلق دور جديد يسمح بالمشاركة في اتخاذ القرارات, كما أن عليهما تحديد المشكلات الأكثر عملية وواقعية, والوصول إلى هذا كله قد يتطلب بعض التغير في سلوك الشخص وعاداته التي اكتسبها من قبل, وقد أكدت دراسة مبكرة قام بها فنسنت "Vincent ١٩٦٤" أن التوافق الزواجي يؤدي إلى إحداث تغيرات هامة لدى المتزوجين, وذلك بالنسبة لبعض سمات الشخصية؛ مثل السيطرة وتقبُّل الذات بالمقارنة بالمجموعات الضابطة من غير المتزوجين الذين لم يظهروا مثل هذه التغيرات. وفي الماضي القريب "حتى الستينات من القرن الحالي" كان الميل لتغيير الأدوار أكثر وضوحًا لدى المرأة؛ حيث كان عليها أن تستبدل مكانة ربة البيت بمكانة الطالبة أو المرأة العاملة "Barry ١٩٧٠", وهذا الانتقال كان يؤدي بها إلى رضا زواجي أقل منه عند زوجها, ولذلك كانت المرأة المتزوجة تظهر مشكلات نفسية أكثر بمقارنتها بكلٍّ من الرجل المتزوج أو المرأة غير المتزوجة, ثم إنه بالمقارنة بين الرجال المتزوجين وغيرهم من العزاب, أثبتت البحوث حينئذ أن المتزوجين يعيشون أعماراً أطول, وتكون صحتهم الجسمية أفضل, ويقررون أنهم أكثر سعادةً من غير المتزوجين, ومن ناحيةٍِ أخرى فإنه إذا أصبح الزوج غير سعيد فإن ذلك كان يؤثر في علاقته الزوجية على نحوٍ أكثر عمقًا من عدم سعادة الزوجة، فأغلب حالات الطلاق كانت ترجع في جوهرها إلى شقاء الأزواج أكثر من شقاء الزوجات. أما الآن فإن التوقعات الاجتماعية حول الأدوار في الزواج أصبحت أكثر مرونة, ففي دراسةٍ أجراها ميسلين "Meislin ١٩٧٧" وجد أن ٢٧% فقط من الشباب "الذين تمتد أعمارهم بين ١٨، ٢٩عامًا" فضلوا الأدوار "التقليدية" للزواج على الأدوار الجديدة المشتركة، وذلك بالمقارنة بنسبة ٥٩% من جيل أبائهم.

стр. 423

وبالإضافة إلى ذلك, فإن أزواج النساء العاملات يؤدون المهام المنزلية على نحوٍ أكثر تكرارًا إذا قورنوا بأزواج النساء غير العاملات, وتشعر المرأة العاملة برضًا أكبر حين تطلب من زوجها المساعدة في "عمل البيت" ورعاية الطفل, إلّا أن المقارنة بين نشاط العمل داخل المنزل لكلٍّ من الزوجين كشفت عن أن الأزواج يقضون في هذه المهام وقتًا أقصر بكثيرٍ من الزوجات "في أمريكا بلغ المتوسط اليومي ٢.٥ ساعة للزوج في مقابل ٥ ساعات للزوجة", ومعنى ذلك أن الزوجة هي بصفة عامة المسئولة عن معظم العمل المنزلي ورعاية الطفل، وتقوم بذلك بالفعل معظم الوقت, أمَّا الأزواج فيقضون معظم وقتهم في المهام الموجهة تقليديًّا نحو الذكورة؛ مثل: غسيل السيارة وإصلاح الأعطال داخل المنزل, وهي مهام أقل حدوثًا من المهام التي تكون المرأة مسئولة عنها داخل بيتها. ولعلِّ من المسائل الهامة التي تشغل بال الباحثين المعاصرين هي العلاقة بين الأدوار الجنسية وأدوار العمل, فحين يعمل الزوجان في خارج المنزل، وهو أمرٌ يتزايد حدوثه في الوقت الحاضر، فإن النمط التقليدي لسيطرة الرجل داخل المنزل قد يتقلص, وربما يتلاشى, فمن المعروف أن المرأة التي تختار أن تكون ربة بيتٍ هي أقل سيطرة وأكثر سلبية, وأكثر توجهًا نحو الرعاية والتضحية الذاتية, أما المرأة العاملة المتزوجة فهي على العكس من ذلك تبدو في بعض الحالات غير تقليدية وتنافسية، ولا تظهر مشاعر التضحية الذاتية, وبالمثل فإن أزواج ربات البيوت هم أكثر سيطرة من أزواج النساء العاملات, وحين تقاس درجة الرضا الزواجي في مثل هذه الأحوال, نجد أن الزوجات أكثر رضًا ويؤدين بطريقة أكثر فعالية من الزوجات اللاتي لا يعملن خارج المنزل، على الرغم من أن النتائج حول أزواج النساء العاملات كانت متناقضة في البحوث المختلفة, فقد أكد بحث قام به "Burke Weir ١٩٧٦" أنهم يكونون في العادة أقل رضًا, ويقررون وجود ضغوط عمل أكثر، كما أنهم أكثر قلقًا، ويبدون أسوأ من ناحية الصحة الجسمية والنفسية, وتتناقض هذه النتائج مع تلك التي أظهرها بحث "Both ١٩٧٧" حين وجد أن هؤلاء الأزواج لا يظهرن أيّ علاماتٍ تدل على التوتر الزواجي, والخلافات العائلية أكثر من أزواج النساء غير العاملات "ربات البيوت", بل إنه يستنتج من نتائجه أن الفئة الأولى من الأزواج "أي: أزواج النساء العاملات" كانوا أسعد حالًا وأقلّ تعرضًا للإجهاد النفسي, بل وقرروا أكثر من المجموعة الأخرى أن زوجاتهم "محبات" و"أقل ممارسة للنقد"، فإذا ظهرت عليهم بعض علامات الضغط والتوتر النفسي, فإن ذلك لا يكون عادةً إلّا خلال فترة الانتقال -أي حين

стр. 424

تلتحق الزوجة بالعمل لأول مرة, أو حين تعود الزوجة العاملة إلى البيت لتقوم بمهام رعاية أطفالها. ويظهر أزواج النساء العاملات اتفاقًا أكبر مع زوجاتهم حول المسائل الهامة "مثل الإنفاق، والعلاقات العائلية"، كما يسهل عيهم الوصول إلى حلول "وسط" للمسائل التي لا يتفقون عليها, إلّا أنه بالنسبة لبعض الأزواج ظهرت مشكلة حديثة العهد, وهي الموازنة بين أدوارهم الزواجية وأدوارهم المهنية, فلقد أصبح من الشائع مثلًا أن يعمل الرجال تحت إمرة النساء، وأن يتنافس الرجال والنساء على الترقيات والمناصب, ومع ذلك فإنه في المنزل يتطلب الأمر أدوارًا مختلفة؛ فالزوجة مثلًا قد تتجنب أن يشعر زوجها بالتهديد بسبب تسلطها في إدارة المسائل العائلية، على الرغم من أن هذه القسمة نفسها هي التي تحظى بالتقدير في العمل "إذا كانت تتولّى وظيفة قيادية", وقد تكشف المرأة العاملة أيضًا أن نجاحها في العمل, أو التزامها الشديد بمسئولياتها, قد لا يحظى بالترحيب من زوجها, ويدعم ذلك النتائج التي تؤكد أن نسبة يعتد بها من بين نساء اللاتي يشغلن وظائف عليا إما مطلقات أو عوانس "أي: لم يتزوجن أبدًا". ويوجد مظهر هام آخر للتوافق الزواجي, هو أن يتوافق كلٌّ من الزوجين لخصائص الآخر, فمن بديهيات علم النفس أن لكلِّ فرد شخصيته الفريدة التي تؤثر في طريقته في تناول المواقف والتكيف معها, وبعض خصائص الشخصية تعين الفرد على المواءمة الجيدة مع الزواج وبناء علاقة قوية مع الشريك، بينما بعضها الآخر لا يساعد على ذلك, ومن الخصائص التي ترتبط بالرضا الزواجي ما يلي: ١- النضج الانفعالي. ٢- التحكم الذاتي وضبط النفس. ٣- الرغبة في إظهار الأسرار الشخصية لشريك الحياة. ٤- القدرة على إظهار العاطفة والاعتبار نحو الآخرين. ٥- القدرة على معالجة الإحباط والتحكم في الانفعالات. ٦- التقدير العالي للذات. ٧- المرونة. ٨- القدرة على التواصل بشكلٍ صريحٍ وأمينٍ مع شريك الحياة. وتؤكد بعض الدراسات أنه عند بداية الزواج تلعب سمات شخصية الزوج دورًا أكبر من سمات شخصية الزوجة في تحقيق السعاة الزوجية فيما بعد. ومن

стр. 425

أهم هذه العوامل "هويته الذكورية المستقرة"، وكذلك اليسر الاقتصادي النسبي للزوج ومستواه التعليمي, وقد يكون العامل الأكثر أهميةً في التوافق الزواجي لدى الزوجة إدراكها لمدى نضج زوجها وكيف يتواءم مع دور الزوج والوالد والشريك المتعاون, وكلما ارتفع تقدير الزوجة لزوجها في النضج الانفعالي, وكلما اقتربت صورته عندها من تحقيق الدور التي تحدده الثقافة للزوج أكثر سعادة. الوالدية: إن أحد الدوافع القوية لدى الكائنات الحية دافع المحافظة على بقاء النوع, ويشمل ذلك إنجاب جيل جديد ورعايته, وأثناء مسار النمو الإنساني يجد الإنسان نفسه -طوعًا أو كرها، باختياره أو مصادفة- أبًا أو أمًّا, وتؤكد الإحصائيات الحيوية في معظم المجتمعات الحديثة أن حوالي ١٠% من جميع الزيجات لديها على الأقل طفل واحد "Brodzinsky et al ١٩٨٦". وفي نموذج إريكسون في النمو الاجتماعي تظهر الوالدية "Parenthood" استجابةً لما يسميه أزمة "التدفق في مقابل الركود", فبعد حل أزمة العلاقة الحميمة والتآلف والمودة في مقابل العزلة, يبدأ الراشد الصغير في التعبير عن أزمة الخصوبة في صورة قرارات ومشاعر حول الوالدية, ويرى إريكسون أن الرغبة في رعاية الآخرين هي التزامٌ إنسانيٌّ عامٌّ في جميع العصور, وستبقى كذلك في المستقبل. ومن ناحيةٍ أخرى, فإن محض الرغبة في الحصول على الأطفال لا يدل على "تدفق حقيقيّ", فبعض الناس يكونون غير قادرين على القيام بدور الوالدية نتيجةً للصعوبات التي تعرضوا لها هم أنفسهم في مراحل سابقة من حياتهم؛ فالزوجة أو الزوج الذي تعوزه القدرة على إدراك المشاعر والخبرات لدى من يتعامل معهم, والرغبة في التضحية والإيثار في علاقاته مع الآخرين, عادةً ما يكون غير مُعَدٍّ لرعاية أطفال صغار, بل تدفعه أنانيته وتمركزه حول ذاته إلى الانشغال بنفسه بدلًا من السعي إلى رعاية جيل جديد، وفي علاقته بشريك حياته لا يتجاوز في ذلك اعتبار نفسه طفلًا يحتاج لرعايته واهتمامه. وقد أجريت بحوث حول دافع الخصوبة fertiliy motivation- أي: الأسباب التي تدفع الناس إلى الحصول أو عدم الحصول على طفل، وحددت العوامل التي تؤثر في هذا القرار, وأكدت البحوث أن هناك اختلافاتٍ حول تقدير قيمة الأطفال لدى الوالدين, كما تختلف الأسباب التي يقررها الآباء لإنجاب الأطفال. وبالنسبة للمسألة الأولى: نجد أن أحد الاتجاهات السائدة لدى بعض الآباء والأمهات اعتبار "الوالدية" كما لو كانت مهنةً يمكن للشخص أن يمارسها أو لا

стр. 426

يمارسها, ومن ذلك تقول إحدى الزوجات: "إن بعض الناس لديهم مهارة في الوالدية, أما أنا وزوجي فنحن مهرة فقط في إدارة المصنع الذي نملكه". ويوجد اتجاه آخر نحو الوالدية يعتمد على فكرة التكلفة والفائدة cost-benefit, وهذا الاتجاه النفعي يزن أو يقايض البهجة التي يمكن الحصول عليها من الأطفال مقابل النواتج التي يحصل عليها المرء من النجاح في مجالاتٍ أخرى كالدراسة أو العمل, وهذان الاتجاهان نحو الوالدية يفترضان أن لدى بعض الناس -وخاصة النساء- فرصًا أخرى أكثر تفضيلًا للنمو الشخصي وتحقيق الذات "كالعمل" تفوق الحصول على الأطفال, بل إن بعض الدراسات التي أجريت في الثقافات الغربية أكدت ذلك، فالمتعلمون الأمريكيون مثلًا يقررون أن مشاعر رضاهم عن أطفالهم أقل بمقارنتهم بمن هم أقل تعليمًا، ويفسر الباحثون ذلك بأن المجموعة الأولى "الأفضل تعليمًا" لديها وسائل بديلة لتحقيق الذات "Russell ١٩٧٤". ومع ذلك, فإن الرضا الذي يحققه النجاح المهنيّ لا يمنع معظم النساء الموجهات مهنيًّا من إنجاب طفل واحد على الأقل, فالاندماج في العمل قد يؤدي إلى تأجيل إنجاب الطفل, أو تحديد عدد الأطفال في الأسرة، إلّا أنه ليس بديلًا عن الحياة بدون أطفال على الإطلاق. والسؤال الآن: ما الذي يدفع الزوجين للتحول إلى الوالدية؟ توجد قائمة طويلة من العوامل حددتها البحوث التي أجريت على الأزواج والزوجات نذكر منها: ١- الضغط الاجتماعي: وخاصة ضغوط والدي الزوجين واللذين يرغبان أنفسهما في القيام بدور الأجداد. ٢- السعادة بالأطفال في ذاتهم, والشعور بأن العمل وحده ليس هو القيمة الوحيدة في الحياة كلها، فالطفل قيمة في ذاته، وهو الذي يجعل الحياة تستحق أن تعاش. ٣- الرغبة في الراحة الانفعالية التي يهيؤها الأطفال لآبائهم عندما يكبرون, وخاصة عند تقدُّمِ الآباء في السن. ٤- الرغبة في وجود ورثة يورثهم الشخص موارده وأفكاره وأذواقه عبر الزمن. ٥- تحسين الحياة الزوجية أو حمايتها من التحطم والانهيار, أو لربط الزوج فلا يفكر في الطلاق أو الزواج بامرأة أخرى.

стр. 427

٦- الهرب من الملل أو من عملٍ غير مرضٍ بالاندماج في تربية الأطفال. ٧- إدراك الطفل على أنه صورة للمكانة الاجتماعية؛ ففي بعض الثقافات يُعَدُّ وجود الأطفال من أسس بناء العصبية العائلية, ناهيك عن دورهم كموارد اقتصادية "من خلال عملهم" لدى الأسر الفقيرة. ٨- قد تحتاج المرأة الشقية في زواجها, أو الوحيدة, إلى طفلٍ تكون معه علاقة تعلق حقيقية تعوضها عن المودة المفقودة مع الزوج. ويجب أن نلاحظ أنه مع شيوع وانتشار وسائل منع الحمل "في بعض المجتمعات الحديثة", فإن بعض الأطفال قد يُولَدُون على غير رغبة الوالدين نتتيجة الخطأ في استخدام هذه الوسائل, ويصل عدد الأطفال غير المخطط لهم في بلد كالولايات المتحدة إلى حوالي ثلثي الأطفال، وهذا لا يعني بالضرورة أن يكونوا غير مرغوبين بعد ولادتهم. وعملية الوالدية هي عملية نمائية ارتقائية, فبالنسبة للمرأة تُعَدُّ عملية الحمل في ذاتها أهمية نمائية خاصة؛ حيث تسمح لها بإدراك ما يُسَمَّى "الإنتاجية الذاتية"، والتي تُعَدُّ محور الإنجاز الأنثوي من الوجهتين الرمزية والبيولوجية, وبالنسبة للوالدين فإن الحصول على طفلٍ له أهميته ودلالته في إحياء وبعث بعض الصراعات السابقة التي ربما يكونان قد تجاوزاها, ويرى بعض أصحاب التحليل النفسي -ومنهم بنيدك Benedek- أن الأم تحتفظ بآثارٍ في الذاكرة حول طفولتها، مثل كيف كانت تغذى وتحضن، وكيف كانت تخفف آلامها، وجوانب السعادة والشقاء في طفولتها, وهي قد تسترجعها عند تعاملها مع طفلها الوليد, وبالإضافة إلى ذلك فإن أسلوبها في الأمومة تشتقه من توحُّدها المبكر والأساسيّ مع أمها. وخبرة الوالدية خبرة تكاملية، تربط كلًّا من الزوج والزوجة بالطفل, وتظل كذلك طوال الحياة, كما أنها خبرة تدل على امتداد الحياة واستمرارها, وتصف بعض الأمهات ذلك بالقول بأنها مع الأمومة تجد أن طفلها وجده "والد الأم" عبارة عن مرآتين متقابلتين لإدراك ذاتها من خلالهما, ويصدق ذلك بالطبع على الأب. فالأم والأب يدركان جزءًا من ذاتهما في والد كلٍّ منهما الذي يكون بالطبع في مرحلة الشيخوخة أو يقرب منها، كما يجد كلٌّ منهما جزءًا من هذا الوالد الجد فيه، وهذه هي المرآة الأولى, أما المرآة الثانية فهي الطفل الوليد؛ حيث يدرك فيه الراشد الصغير "والده أو والدته" جزءًا من نفسه "Neugarten". وخلال فترة الرشد المبكر يواجه الوالدان خبرات جديدة تنشأ عن ظروف

стр. 428

الحمل والولادة "وخاصةً أول مرة"، وأساليب رعاية الطفل الوليد، ومواجهة متطلبات طفل ما قبل المدرسة وغير ذلك, ويتطلب ذلك تعلمًا جديدًا بالإضافة إلى فرصٍ جديدةٍ للتدريب على ضبط النفس, فمثلًا نوبات الغضب لدى طفل العامين, أو التمرد لدى طفل ما قبل المدرسة, قد تدفعان الأم أو الأب إلى الحيرة في مواجهتها، وقد يدفعهما ذلك إلى مزيدٍ من المعرفة عن سلوك الطفل وخصائص نموه، وهكذا قد يبدأ الراشد الصغير في قراءة الفصول الأولى من هذا الكتاب، وكأنه يحاول بذلك أن يفهم ذاته كما يفهم طفله, وهكذا تصبح عملية تطبيع الطفل فرصة لأن يعيد الوالدان تطبيع نفسيهما للمواقف الجديدة, ففي الوقت الذي يُعَلِّمَانِ فيه الطفل عادات الأكل والإخراج والسلوك المرتبط بدوره الجنسي، يتعلمان هم أشياء كثيرة؛ مثل: كيف يتكلمان مع الطفل الوليد، وكيف يحققان له الراحة، وكيف يدفعانه إلى الابتسام، وكيف يكَوّنان علاقة جديدة معه تتسم بالجد والمرح، الصراحة والحب معًا, ناهيك عَمَّا يترتب على ميلاد الطفل من "تقييد" لنشاط الوالدين خارج المنزل، وتقييد خصوصياتهما داخله, بالإضافة إلى نقص التواصل بين الوالدين، فقد وجد "Schulz ١٩٧٢" أن مقدار الكلام المتبادل بين الزوجين يقل إلى النصف بعد ميلاد الطفل الأول، ويتوجه حديثهما إلى الطفل نفسه, وقد يؤدي ذلك إلى نقص الرضا الزواجي، ويزداد هذا النقص مع إضافة أطفال جدد إلى الأسرة، إلّا أنه لوحظ أنه بعد أن يكبر الأولاد تعود الحياة الزوجية إلى طبيعتها الأولى مرة أخرى, هذا النقص في الرضا الزواجي بعد الإنجاب لا يحدث مع جميع الأزواج؛ ففي حالاتٍ أخرى يؤدي وجود الأطفال إلى تدعيم العلاقة الزوجية وتقويتها وليس إضعافها Brodzinsky et al١٩٨٦, وهكذا يواجه الراشدون أزمةً تَتَطَلَّبُ توافقًا يكونون في العادة مهيَّئِينَ له، ويعود بعض هذه المشكلة إلى أن المجتمع لا يبذل جهدًا يذكر في التربية الوالدية، فلا يُعَدُّ الوالدان عادةً لهذا الحدث الهام سواء قبل الإنجاب أو بعده. وهذا مطلب جوهريٌّ حبذا لو اهتمت به كليات التربية في برامج خدمتها للمجتمع الذي تعمل في نطاقه١. ويقود دور الوالدية الزوجين إلى تكوين علاقات جديدة مع المجتمع؛ فالأمهات الجدد يبدأن في تكوين علاقات صداقة مع أندادهن من الأمهات للبحث عن الرفقة والنصحية, وتزداد صلة الآباء والأمهات من الراشدين الصغار بوالديهم "الأجداد والجدات" بحثًا عن الدعم الانفعالي وربما المادي "في صورة رعاية الطفل أثناء عمل الأم مثلًا", ثم يزداد اهتمام الوالدين من الراشدين الصغار بمؤسساتٍ اجتماعيةٍ لم تكن تحظى بالانتباه من قبل، سواء قبل الزواج أو بعده, وقبل الحصول على الأطفال مثل مؤسسات رعاية الأم والطفل، ودور الحضانة, ومع نمو الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة يبدأ الوالدان في التعرف على الحدائق والمكتبات والأندية, ثم المدارس المناسبة للطفل.

стр. 429

الطلاق: حين يتزوج رجل وامرأة؛ فالمفترض في علاقتهما الزوجية أن تسودها المودة والرحمة والمحبة وحسن المعاشرة كما تقضي الشريعة الإسلامية، وإذا حدث ذلك فإن الحياة الزوجية تستمر إلى أن تنتهي بوفاة أحد الزوجين أو كليهما. إلّا أن بعض الزيجات قد تفتقد الشروط اللازمة لاستمرارها، أو قد يقع أحد الزوجين أو كلاهما في دائرة الضغوط والعواصف التي عادةً ما تحدث في الحياة الزوجية نتيجةً لظروف الحياة اليومية وتوتراتها، أو قد ينحرف سلوك أحدهما عن جادة الفضيلة، أو قد يسيء أحدهما للآخر إساءة بالغة، وعندئذ يقع المحظور وتنفصم عرى الزواج، ويكون الطلاق. وتؤكد الدراسات التي أجريت على حالات الطلاق أن معظمها يقع لأزواجٍ لم يبلغوا مرحلة الرشد المبكر، وبعضها يقع خلال السنوات الأولى من الزواج، وأكبر نسبة بين المستويات الاقتصادية والاجتماعية الدنيا، والمستويات التعليمية المنخفضة، وبين الذين لا يكون بينهم تكافؤ في هذه المستويات, أو ليس بينهم تماثل ديني "Garrett ١٩٨٢". ويفسر الباحثون شيوع الطلاق بين الزيجات المبكرة "أي: قبل سن الرشد" بأن الأزواج في هذا السن لم يستقلوا سيكولوجيًّا عن الوالدين، كما أن التزام الشخص في هذا السن نحو الأسرة والمهنة ليس بقوة التزام الراشدين, ويعوزه تكوين علاقات ناضجة مع شريك حياته، ناهيك عن نقص الاستقلال الاقتصادي بسبب قلة الدخل. ويقترح "Hunt Hunt ١٩٧٧" ثلاثة سيناريوهات شائعة لحدوث الطلاق هي: ١- ضعف الزواج أو فتوره نتيجةً لانقضاء الوقت أو مرور الزمن, وما يصاحب ذلك من جهل أو تجاهل أحد الزوجين تمامًا لمشاعر الآخر، ونقص الأنشطة والقرارات المشتركة بينهما, ويشبه ذلك ما يحدث لصورة فوتوغرافية

стр. 430

قديمة، وما يطرأ عليها من ذبول, وفي هذه الحالة قد يحدث الطلاق مع أيِّ فرصةٍ تسنح مهما كانت درجة أهميتها "ابتداءً من مشاجرة عابرة, إلى قرار بتغيير مكان العمل أو السكن", وقد يحدث ذلك على الرغم من عدم وجود صراعٍ صريحٍ طويلٍ, أو وعيٍ شعوريٍّ بسببٍ واضحٍ للطلاق, وهذا السيناريو قليل الحدوث. ٢- صدمة أحد الزوجين في الآخر "كأن تكتشف الزوجة علاقة بين زوجها وامرأة أخرى أو العكس", ويرى الباحثان "Hunt &Hunt ١٩٧٧" أن ما يحدث في هذه الحالة أن يسترجع الزوجان تاريخ حياتهما الزوجية, ويكتشفان أنه لم يكن فيها إلّا القليل الذي يربط بينهما، ويبالغان في التركيز على الخبرات غير السعيدة التي عاشاها معًا, إلّا أنَّ ما يحدث في أقطار العالم النامي "ومنها بلادنا العربية والإسلامية" أن يصاحب هذا السيناريو بعنفٍ واضحٍ نتيجةً لتقدير قيمة العِرْضِ والشرف عند الرجال، ولمشاعر الغيرة عند النساء, وعلى الرغم من ندرة هذا السيناريو في أقطارنا العربية والإسلامية "ومنها مصر" إلّا أن العنف الزواجي الذي يشهده مجتمعنا في الفترة الأخيرة يُعَدُّ مؤشرًا على خطورته. ٣- صراع زواجي طويل الأمد، ربما منذ الزواج، نتيجةً لفساد أو خطأ أسس اختيار كلٍّ من الزوجين للآخر, وفي هذا السيناريو يدرك كلٌّ من الشريكين -وبعد وقت يطول أو يقصر- أن الطلاق هو أفضل الحلول, وهذا النوع هو الأكثر شيوعًا. ونشير هنا إلى أن الإسلام حين أباح الطلاق شرعه لمواجهة الظروف غير العادية وحلًّا للمشكلات "المستعصية" في حياة الزوجين، ولهذا جعله "أبغض الحلال"، وجعل له الضوابط التي تكفل صالح المجتمع وصالح الأسرة معًا، مع كفالة التوازن في حقوق الزوجين، وتمثل ذلك فيما يلي: ١- إضفاء طابع القدسية والمهابة والجلال والإكبار والتعظيم على عقد الزواج دون غيره من العقود التي تربط مصالح الناس, ولذلك يصفه القرآن الكريم وصفًا متميزًا عن غيره من العقود بقوله عن الزوجات: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] . والميثاق الغليظ هنا هو عقد الزواج. ويقول الرسول ﵊: "تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن". ٢- الأصل في الإسلام هو استمرار الزواج وتجنب الطلاق، ولهذا أوصى

стр. 431

بحسن معاملة كلٍّ من الزوجين للآخر، وحفظه في السر والعلن، بل ذهب القرآن الكريم إلى أبعد من ذلك, بطلب المعاشرة الحسنة بين الزوجين ولو مع الكراهية، فقد تنشأ المحبة والمودة من خلال هذه المعاشرة من ناحيةٍ وتجنبًا للطلاق من ناحيةٍ أخرى. يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] . وقال ﵊: "لا يَفْرَكْ "أي لا يبغض" مؤمنٌ مؤمنةً, إن كره منها خلقًا رضي منها آخر". وفي الحديث النبوي الشريف بصيرة عميقة بالسلوك الإنساني, فمن قواعد هذا السلوك في مجال العلاقات بين الأشخاص "الصداقة، العمل، إلخ" أننا نقبل فيهم بعض خصائصهم, ثم نعدل من سلوكنا ليتوافق مع الخصائص التي لا نوافق عليها فيهم، وهذا شأن العلاقات الزوجية كذلك. ٣- البحث عن حلولٍ للمشكلات ورأبٍ الصداع في الحياة الزوجية دون اللجوء إلى الطلاق, يقول الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] . ويقول أيضًا: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤] . وقد حددت الشريعة الإسلامية قواعد التعامل مع النشور "للزوج والزوجة", والتحكيم بين الزوجين لحل الخلافات يمكن للقارئ المهتم الرجوع إليها في المراجع المتخصصة في الفقه الإسلامي. ٤- لا يكون الطلاق إلّا بعد استنفاد كل الطرق الممكنة لحل المشكلة، وهو حلٌّ بغيض كريه رغم أنه من الحلال, وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" رواه أبو داود. وهذا الحديث الشريف حكمةٌ نبويةٌ خالدةٌ، يشعر منه المسلم أن الطلاق "ليس لعبة ولا لهوًا، وليس تصرفًا عاديًّا يمارسه الزوج، بل هو دواء مرير أو جراحة

стр. 432

خطيرة يستعمل عند اللزوم وعند الضرورة، وهي استحالة الحياة الزوجية لأسباب جوهرية" "عزت العزيزي وآخرون: ١٩٨٥: ٤٥١". ٥- عدم النظر إلى الرجل المطلق أو المرأة المطلقة نظرة لومٍ واحتقارٍ؛ فالطلاق -إذا اضطر إليه المسلم أو المسلمة- أمر طبيعيّ، ولا يجوز النفور من زوج المرأة أو الرجل بعد الطلاق، وقد تزوج رسول الله ﷺ من مطلقة مولاه زيد بن حارثة بأمر من الله . يقول الله مخاطبًا رسوله الكريم: ﴿.. فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] . وقد أجريت بضعة بحوثٍ على خبرة الطلاق، وتكشف نتائج هذه البحوث عَمَّا يأتي: ١- خبرة الطلاق من أكثر الأحداث إثارةً للضغط والإجهاد والتوتر في حياة الراشدين، وتكاد في ترتيبها تتلو مباشرة خبرة وفاة رفيق العمر "التي تُعَدُّ أكثر الأحداث إيلامًا"، وخاصةً في ضوء ما تفرضه خبرة الطلاق من متطلبات إعادة التنظيم وإعادة التكيف. ٢- توافق ما بعد الطلاق يرتبط ارتباطًا وثيقًا بدرجة الاستعداد له وتوقع حدوثه "Wallerstein Kelly ١٩٨٦", ويوجد فريق من الناس لا يتوافق أبدًا مع الطلاق مهما كانت درجة الشقاء أثناء الزواج، وهؤلاء يستجيبون لانهيار العلاقة الزوجية باضطراباتٍ سلوكية تختلف في شدتها وحدتها التي قد تصل إلى حد الانتحار. ٣- تختلف الاستجابات الانفعالية للطلاق، ويعتمد ذلك إلى حَدٍّ كبيرٍ على الظروف التي تسبقه مباشرة؛ فالزوجة السعيدة تشعر بالصدمة العنيفة نتيجةً لمفاجأة الطلاق, أما الزوجة الشقية بزواجها وتعاني صراعًا عنيفًا مع زوجها لبضعة سنواتٍ قد تشعر بالراحة بعد الطلاق, ومع ذلك فهناك أدلةٌ متوافرةٌ على أن كلًّا منهما يعاني الكثير من الألم بعد الطلاق. ٤- يواجه المطلق "والمطلقة" أزمة هوية جديدة في محاولة بناء أسلوب جديد لحياته أو حياتها, ويرتبط ذلك بالمفاهيم الشائعة في الثقافة عن فئة المطلقين، واتجاهات الآخرين نحوهم، والتي تكون في كثير من الأحيان سالبة، وهو موقف لا يتفق في جوهره مع روح الإسلام -كما أشرنا- ولهذا كثيرًا ما نلاحظ على سلوك المطلقين أنه يتسم بالعزلة والتفرد والخوف من المخاطرة بتكوين علاقات اجتماعية. ٥- تنشأ عن الطلاق بعض المشكلات العملية؛ فالمراة المطلقة التي كانت أثناء زواجها متفرغة لرعاية بيتها وأطفالها قد تجبرها الظروف الاقتصادية على العمل, كما قد تنشأ علاقات والدية جديدة بين الزوجين السابقين في حالة وجود أطفال تنظمها قواعد حضانتهم.

стр. 433

النمو المهني: الأهمية السيكولوجية للعمل: دخول الإنسان إلى ميدان العمل هو أحد مؤشرين -مع الزواج- على أنه أصبح من الراشدين، بل إنه هو المؤشر الوحيد على الرشد لأولئك الذين يؤجلون زواجهم إلى ما بعد الاستقلال الاقتصادي "والحصول على مهنة هو أعظم علاماته", ولهذا يحتل العمل عند الراشدين مكانةً بالغة الأهمية في تحديد هويتهم، ويظل كذلك لفترة تمتد حوالي أربعين عامًا من العمر, ويمكن أن نلخص الأهمية السيكولوجية للعمل لدى الراشدين فيما يلي: ١- العمل تعبيرٌ عن حاجةٍ داخليةٍ لدى الإنسان تدفعه نحو الاستقلال النفسي والاقتصادي والإتقان والتعامل الفعال مع البيئة, وتسمى هذه الحاجة دافعية الإنجاز achievement motivation, وبالطبع فإن هذا الدافع يختلف بين الأفراد وداخل الفرد الواحد في مختلف مراحل نموه. وعند الراشد تؤثر قوة دافع الإنجاز في طريقته في تفسير خبراته المهنية وتوجهها, ولهذا نجد بعض الراشدين من النساء ومن الرجال من ذوي الإنجاز العالي يصلون إلى مواقع القيادة والسلطة في مجالات عملهم بالمقارنة بأقرانهم من ذوي الإنجاز المنخفض. ومن العوامل التي تعدل سلوك الإنجاز سيطرة دافع آخر قد يكون أحيانًا "الحاجة إلى الانتساب أو الانتماء Affiliation لدى الراشدين, وهو دافعٌ يوجه الإنسان نحو تكوين علاقات إنسانية أكثر يسرًا مع الزملاء، وقد يكون في أحيانٍ أخرى دافع تجنب النجاح, وخاصةً إذا كانت عواقب النجاح في العمل تؤدي إلى رفض شخصي واستهجان اجتماعي "كما هو الحال في نظرة بعض الثقافات إلى نجاح المرأة في العمل", وفي مثل هذه الحالة يكون اتجاه الشخص إزاء الإنجاز المهني أقرب إلى الحياد أو التناقض الوجداني, ومن ناحيةٍ أخرى فإن مثل هذا الشخص إذا لم يحرز نجاحًا لن يدفعه ذلك إلى بذلك مزيد من الجهد.

стр. 434

٢- العمل مصدر لشعور الفرد بقيمته, وبالتالي فإنه وثيق الصلة بتقديره لذاته وتحديد هويته, ويكشف ذلك عن الأثر النفسي المدمِّر للبطالة على شخصية الراشدين, ويتوقف تقدير الراشدين العاملين لذواتهم على تفسير كلٍّ منهم لخبرة العمل, ومن ذلك أسلوب الشخص في عزو attribution أسباب النجاح والفشل المهنيين أو تحديد موضع الضبط locus of control لكلٍّ منهما, فإذا كان الراشد يعزو أسباب نجاحه إلى عوامل داخلية مستقرة فيه من ناحية، وأسباب فشله إلى عوامل خارجية غير مستقرة "مؤقتة أو عارضة", فإنه يكون أكثر تقديرًا لذاته، كما يكون لديه شعور قوي بالكفاءة الشخصية "Huyck Hoyer ١٩٨٢", وتوجد فروق بين الجنسين في هذا الصدد؛ فالنساء أكثر احتمالًا في عزوِ النجاح إلى الحظ والمصادفة أو سهولة العمل، بينما الرجال يعزونه إلى قدرتهم العالية وجهدهم الزائد, أما في حالة الفشل فإن المرأة قد تعزوه إلى نقص قدرتها، والرجل إلى نقص جهده المبذول "Mednick et al ١٩٧٥", وهكذا فإن المرأة قد تشتق تقديرًا أقل لذاتها, وشعورًا أدنى بالكفاءة من إنجازٍ قد تتساوى فيه مع الرجل. ومن ناحيةٍ أخرى فإن العمل -على الرغم من أنّ له نفس المعاني العامة لدى الجميع- قد يحقق لبعض أصحابه شعورًا أكبر بالقيمة, وتقدير الذات بسبب الترتيب الهرميّ "الهيراركي" للمهن من ناحية, ومبالغة المجتمع في تقدير بعضها على حساب البعض من ناحية أخرى. ٣- العمل له أهميته الاجتماعية للفرد إلى جانب أهميته للشخصية، فهو مصدر للمكانة الاجتماعية، وبالعمل يقدم الراشد إلى الآخرين شيئًا له قيمة، سواء كان ذلك إنتاجًا أو خدمة, ويحصل على موافقة الآخرين وتعزيزهم, كما أن العمل يهيئ للراشد فرصًا كثيرة للمشاركة الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي, سواء داخل بيئة العمل "مع الزملاء والمرؤسين والرؤساء" أو خارجها، حين يكوّن الشخص علاقات صداقة جديدة مع زملاء العمل, أضف إلى ذلك أن العمل هو المصدر الرئيسي للدخل عند الكثيرين، وهو بذلك يسمح للراشد بإعالة نفسه وأسرته, وأخيرًا فإن العمل هو الوسيلة الأساسية لشغل وقت الراشدين وتنظيمه, ويحقق لهم بذلك صورة سوية للتوافق الاجتماعي, ولعلنا ندرك المغزى العميق لذلك إذا تأملنا حالات سوء التوافق الاجتماعي لدى الذين يعيشون محنة البطالة أو الذين يتقاعدون. وبسبب هذه الأهمية البالغة للعمل كانت له مكانته الرفيعة في الإسلام؛ فهو في الإسلام من ألوان العبادة, يقول الرسول ﵊:

стр. 435

"على كل مسلمة صدقة, قال: أرأيت إن لم يجد؟، قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق، قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة المهلوف، قال: أرأيت إن لم يستطع؟، قال: يأمر بالمعروف أو الخير، قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة" رواه البخاري ومسلم. وكان رسول الله ﷺ يستعيذ بالله دائمًا من "العجز" و"الكسل", وقد وصف القرآن الكريم العمل كثيرًا بصفة الصلاح, وورد ذكر العمل الصالح في عشرات الآيات القرآنية, وهو يلي الإيمان بالله في العديد من هذه الآيات, والعمل الصالح يشمل كلَّ ما يقوم به الإنسان نحو خالقه ونحو نفسه ونحو أسرته ونحو مجتمعه ونحو الإنسانية كلها. الاختيار المهني: يتشابه اختيار الراشد لمهنته -إلى حَدٍّ كبير- مع اختياره لزوجته؛ ففي كلٍّ منهما قد توجد ضغوط أسرية، كما تحدد العوامل الاجتماعية إلى حَدٍّ ما الاختيار ودرجة الرضا عنه. والاختيار المهني، كالاختيار الزواجي أيضًا، عملية متبادلة, فكما أن كلًّا من الزوج والزوجة يدرس كل منهما الآخر قبل قرار الزواج، فإن العامل وصاحب العمل "في القطاع الخاص" أو إدارة المؤسسة "في الحكومة والقطاع العام" يتبادلان الدراسة والفحص "إلّا في حالات التعيين "الإجباري" عن طريق القوى العاملة, وكذلك فكما أن الزواج قد ينتهي نهاية غير سعيدة بالطلاق, فإن العامل قد يُفْصَلُ من عمله، أو يستقيل منه. وكالنمو الزواجي, فإن النمو المهني عملية مستمرة على مدى حياة الإنسان, فقد يبدأ التهيؤ له مع مرحلة المراهقة -وربما قبلها بقليل- ولا ينتهي بمجرد الدخول في سوق العمل. وبالمثل نشأت في كلٍّ من الزواج والعمل ضرورات عملية لإنشاء خدمات الإرشاد والتوجيه النفسي, صحيح أن خدمات التوجيه المهني أكثر شيوعًا في وقتنا الحاضر من خدمات الإرشاد الزواجي، إلّا أن الحاجة إليهما ماسة، وهي أكثر إلحاحًا في ظروف المجتمعات العربية الإسلامية المعاصرة باعتبارها تنتمي إلى العالم الثالث أو الدول النامية, والتي تعاني من البطالة وسوء الاختبار المهني من ناحية, ومن مشكلات الزواج التي تناولناها فيما سبق من ناحية أخرى. وتحتل مسألة الاختيار المهني Vocational choice محور الاهتمام في جميع الخدمات النفسية التي يجب أن تُقَدَّمَ للراشدين الصغار "ومن قبلهم المراهقين

стр. 436

والشباب بالطبع", وقد ذكرنا فيما سبق "الفصل الرابع عشر" إلى أن مشكلات المهنة تحتل مكانة هامة بين ما يعبر عنه الشباب من مشكلاتهم. وقد أشرنا إلى أن الأسرة تلعب دورًا كبيرًا في الاختيار المهني، ويتم ذلك من خلال عملية التطبيع الاجتماعي التي تمارسها الأسرة على أعضائها منذ طفولتهم، وبها يتعلم الصغار ويتأثرون بتوقعات الوالدين لهم بالنسبة للمستقبل، وبخاصةٍ حياتهم المهنية, وبالطبع فإن ذلك قد يؤدي إلى سوء الاختيار، وخاصةً إذا لم تتوافر لدى الشخص المتطلبات السيكولوجية للمهنة التي اختارها، وخاصة القدرات والاستعدادات وسمات الشخصية اللازمة للنجاح فيها، ولذلك حظي موضوع "الميول المهنية" بمكانةٍ هامةٍ لدى علماء النفس من أصحاب نظرية الشخصية المهتمين بالاختيار المهني، وخاصة عند الراشدين الصغار. ومن الآراء النظرية التي ظهرت في السنوات الأخيرة مرتبطة بذلك إطار هولاند "Holland ١٩٦٦ ١٩٧٣" وقد يقترح ستة أنماط "للشخصية" وهي: ١- النمط البحثي investigative: وهو الذي تشغله كثيرًا الأفكار في ذاتها, ولا يهتم بتنفيذها أو تطبيقها في عالم الواقع, ويشعر بالحاجة إلى الفهم ويستمتع بالعمل الذي يتطلب المهام الغامضة، ويندمج في هذه المهام على حساب النشاط الاجتماعي، وهو النمط الذي ينجح في الأعمال العلمية. ٢- النمط الاجتماعي social وهو الشخص الذي يظهر اهتمامًا بالآخرين, ويحتاج إلى أن ينتبه إليه الآخرون أيضًا، ولديه مهارات لفظية واجتماعية، ويتجنب الانشغال بالمشكلات المحددة, ويفضل حل المشكلات من خلال إدراك مشاعر الآخر ومعالجة الأنشطة الاجتماعية, وهو النمط الذي ينجح في الأعمال ذات الطابع الاجتماعي؛ مثل الخدمة الاجتماعية والنشاط الديني والطب والتدريس والعلاج النفسي والسلك الدبلوماسي والنشاط الرياضي. ٣- النمط الواقعي realistic: وهو الشخص الذي يهتم بالعمل مع الأشياء, وعادةً ما يكون أقل اجتماعية، وقد يتسم بالعدوانية، ولديه مهارة حركية وتآرز بدني جيد، وتعوزه المهارات اللغوية والاجتماعية، ويفضل حل المشكلات العملية المحسوسة على المشكلات المجردة, وهذا النمط عادةً ما ينجح في المهن الميكانيكية والتكنولوجية. ٤- النمط الفني artistic: وأصحاب هذا النمط يركزون على العواطف والانفعالات، ويتسمون بعدم الاجتماعية, ويتجنبون المشكلات الواضحة, أو تلك التي تتطلب جهدًا بدنيًّا عنيفًا، ويظهرون الحاجة للتعبير الفردي, ويفضلون التعامل

стр. 437

مع مشكلات البيئة من خلال الحاجة التي تظهر في صورة تعبير ذاتي, وهذا النمط ينجح عادةًَ في المهن الفنية والجمالية المختلفة "الفنون التشكيلية، الموسيقى، الرقص، الباليه، المسرح، السينما، الشعر، القصة، الرواية". ٥- النمط التقليدي conventional: وهو الشخص الذي يتسم بالمسايرة، وله طابع عملي محافظ ودقيق، وتعوزه التلقائية والمرونة والأصالة "قدرات الإبداع بصفة عامة", ويفضل العمل مع الأنشطة العددية واللفظية الواضحة والجيدة التكوين، ويتجنب المواقف الغامضة, والتي قد تتضمن العلاقات بين الأشخاص والمهارات الجسمية، وهو أكثر نجاحًا في الأعمال المالية والإدارية؛ كالمحاسبة والمراجعة والسكرتارية والأعمال الكتابية. ٦- النمط المقدام enterprising: ويتسم أصحاب هذا النمط بالمهارات اللغوية والقدرات الإقناعية العالية، ولديهم سمات السيطرة والمغامرة والعدوانية، ويدرك الفرد منهم ذاته على أنه قوي وقائد، ويتجنب الأعمال التي تتطلب استخدام لغة محددة, أو تحتاج إلى فترات طويلة من الجهد الذهني، ويفضل المهام الاجتماعية الغامضة، ولديه شغف قوي بالسلطة والمكانة والقيادة، وهو أكثر نجاحًا في أعمال القيادة الإدارية, وقطاع الأعمال والبيع والإعلام والفندقة والسياحة والعلاقات العامة والسمسرة والإخراج السينمائي والتليفزيوني. وقد أكدت البحوث أن كلًّا من أنماط الشخصية المهنية "كتلك التي وصفناها" والميول المهنية "كتلك التي يقيسها مقياس كيودر الشهير" تظل ثابتة لمدى زمني طويل, ومع ذلك فإن النظريات المهنية المعتمدة على الأنماط فيها بعض جوانب القصور، ولعل أهمها أنها تتسم بالتجريد والتبسيط. إلّا أننا في جميع الأحوال يجب أن نضع في الحسبان السياق الثقافي والاجتماعي الذي يتم فيه الاختيار المهني؛ فالقرارات المهنية لا يتخذها أفراد تعيش في "فراغٍ اجتماعي"، وإنما يوجد دائمًا تفاعل ديناميي بين الشخص والبية الثقافية والاجتماعية المحيطة به "Schaie Willis ١٩٨٦", وقد أشرنا إلى ضغوط الوالدين من قبل، ونشير الآن إلى ضغوط الأسرة الجديدة التي يكوّنها الراشد، فقد تحدد التزاماته إزاءها الكثير من نشاطه المهنيّ، ناهيك عن ضغوط المجتمع الكبير والثقافة العامة التي تؤثر في الاتجاهات المهنية للناس, ولعل أكثر الأمثلة وضوحًا على ذلك "الاتجاه نحو العمل اليدوي"، الذي كان حتَّى وقت قصير سالبًا عند الراشدين المصريين, ثم تحوَّلَ إلى القطب الموجب في السنوات الأخيرة مع ما يحصل عليه الحرفيون -في الوقت الحاضر- من دخول كبيرة تتجاوز

стр. 438

المهن الأخرى "وخاصة المهن الجامعية" بكثير, ومن الأمثلة الأخرى الترتيب الهرمي التراتبي للتعليم الجامعي "المرتبط -في جوهره- بعالم العمل"، فأوصاف مثل كليات القمة والسفح والقاع -بالرغم مما فيها من إيذاءٍ للمشاعر، وسوء إدراكٍ لقيمة العمل- إلّا أنها تتضمن الضغوط الثقافية الاجتماعية التي أشرنا إليها. تطور الحياة المهنية: تتوافر -في الوقت الحاضر- نظريات كثيرة حول النموّ المهني عبر الحياة، وسوف نقتصر على نظريتين منها, هما نظرية سوبر, ونظرية ليفنسون. وتتلخص نظرية دونالد سوبر Donald Super في النمو المهني, والتي اقترحها عام ١٩٥٧, وعدَّلَهَا عام ١٩٦٣, أن الناس يمرون بخمس مراحل من نموهم المهني هي: ١- أثناء المراهقة "١٤-١٨سنة" تتبلور أفكار المراهق حول العمل, وفي هذا الوقت من المحتمل أن يتعرض الشخص لمجالات مهنيةٍ معينةٍ من خلال وسائل الإعلام أو التعليم المدرسي أو الأصدقاء أو الأقارب، أو من خلال خبرة مباشرة عند القيام بأعمالٍ لبعض الوقت "أثناء الإجازة للطلاب مثلًا", وخلال ذلك يقارن المراهق بين مختلف المجالات المهنية وقدراته ومهاراته وميوله وخصائص شخصيته وغيرها. ٢- أثناء المرحلة التي يسميها هذا الكتاب بلوغ السعي أو الشباب "١٨-٢١سنة", وتتضمن بعض التفضيل المهني وبداية التدريب على مهنة معينة, وغالبًا ما يشمل ذلك تربية متخصصة أو نوعية؛ كتلك التي توفرها مراكز التدريب المهني لطلاب ما بعد المرحلة الثانوية, أو برامج الكليات المهنية "كالطب والهندسة والتربية والزراعة"١. ٣- مرحلة الدخول إلى عالم العمل لأول مرة "٢١-٢٤سنة", وممارسة التدريب الذي تلقاه المرء عمليًّا, وتُعَدُّ هذه الخطوة تغيرًا جوهريًّا في إدراك الذات لدى بعض الناس؛ فمع القيام بدور "الشخص العامل" يبدأ كثيرون ممن في هذا السن في إدراك أنفسهم كراشدين لأول مرة. ٤- مرحلة استقرار العمل "٢٤-٣٥" وفيها يزداد استقرار الشخص في مجال مهنته, ويبدأ في تنمية مكانته المهنية من خلال الترقي فيها.

стр. 439

٥- مرحلة البلورة المهنية consolidtion والتقدم المهني "advancement ٣٥-وما بعدها" وتمتد هذه المرحلة في أكبر مدى زمني في دورة الحياة المهنية للشخص، كما أن الشخص فيها يصل إلى قمة كفاءته, ويحرز مستوى رفيعًا من القيادة أو السلطة. أما النموذج الذي يقترحه دانيال ليفنسون Danial Levinson فقد ظهر لأول مرة عام ١٩٧٧، وهو أقل تحديدًا من نموذج سوبر, بالإضافة إلى تركيزه على وجود فترات متعددةٍ يظهر فيها ما يسميه "إعادة التقويم", وفي رأيه أن من العبث القول: إن المرء منذ نهاية مراهقته يختار مهنة معينة اختيارًا نهائيًّا, ويستقر فيها ويستمر يؤديها طوال حياته بعد ذلك. ويتلخص نموذج ليفنسون في أنه مع الرشد المبكر يدخل المرء مرحلة يحاول فيها الاستقرار على مهنة أو على اتجاهٍ مهنيٍّ معينٍ يتفق مع ميوله وشعوره بهويته, وفي هذا يستطلع الاحتمالات المختلفة في عالم العمل، وفي ذات الوقت يحاول المقابلة بين ما يجده وبين إحساسه بإمكاناته هو, وتكون مهمته تكوين بنية لحياته تربط بين عالم العمل من ناحية, وإدراكه لذاته من ناحية أخرى, وهذه هي مرحلة الاختيارات المؤقتة. وخلال الفترة من ٢٨-٣٢ سنة يمر كثير من الناس بفترة انتقالية, أي: أزمة إعادة تقويم؛ فبالنسبة لاختياره السابق قد يكتشف أنه تجاهل بعض مكونات ذاته، وهذا الجوانب من الذات تظهر على السطح حينئذ, ويكون عليه التعامل معها, كأن يكشتف الطبيب أنه أديبٌ فيتحول إلى العمل الصحفي, وبالطبع فإن بعض الناس قد يجدون أن المطابقة بين ما يقومون به من عملٍ وبين هويتهم ملائمة, وبالتالي يلتزمون بعملهم على نحوٍ أشدٍّ, ويرى ليفنسون أنه إذا لم يحدث مثل هذا الاقتناع عند حوالي سنة ٣٤سنة، فإن الفرص تكون قليلة لأن تحقق الحياة المهنية للراشد رضًا عن عمله وعن هويته المهنية. وفي الأغلب يستقر الراشد في مهنته مع بداية الثلاثينات من العمر, فهو عندئذ يكون على درجة من الالتزام العميق بمسئوليات العمل والأسرة، ويكون عليه تصميم الخطط والأهداف طويلة المدى لحياته وتنفيذها, وعلى الرغم من أنه يشعر بالاستقلال في عمله، إلّا أنه يكون -في الواقع- عرضة لكثيرٍ من القيود التي تفرضها قواعد العمل وأصول المهنة, وقد يدفعه ذلك إلى الانتقال إلى المرحلة التالية, وهي مرحلة تحقيق الذات المهنية. وتحدث مرحلة تحقيق الذات المهنية ابتداءً من أواخر الثلاثينات, وحتى أوائل

стр. 440

الأربعينات من العمر, وحينئذ يظهر المرء الحاجة إلى تدعيم المجتمع له في دوره المهني، أي: حاجته لأن يصبح قائدًا أو رئيسًا أو مديرًا في عمله, وهذه المرحلة تنتهي بأزمةٍ أخرى, وهي أزمة التحول في وسط العمر عند حوالي سنة٤٠-٤٥سنة, وسواء أحصل المرء أم لم يحصل على الاعتراف الذي يسعى إليه, ويشعر أنه يستحقه, فإنه يمر بمرحلة إعادة تقويم, وحينئذ يكون عليه إما أن يعيش في سلامٍ مع نفسه, أو يغير بناء حياته تغييرًا جوهريًّا, وبالطبع قد ينتج عن هذا التحول نموٌّ شخصيٌّ كبيرٌ أثناء وسط العمر، أو طور بلوغ الأشد، وهو موضوع الفصل التالي.

стр. 441

عمالة الصغار وبطالة الكبار: لعلنا يجب أن ننبه إلى أن نموذج سوبر وليفنسون في النمو المهني، لهما طابعهما الثقافي، ولا يقبلان النقل أو الانتقال إلى الثقافات الأخرى، ومنها الثقافة المصرية، فتحديد سن الثامنة عشرة مثلًا بداية للحياة المهنية الحقيقية، يتفق مع نظام اجتماعي يعتبر التعليم الأساسي شاملًا لمرحلة ما قبل التعليم الجامعي "أي: حتى نهاية المرحلة الثانوية"، وهو حال التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية. ومن ناحية أخرى، نود أن ننبه أيضًا إلى أننا أشرنا إلى أن العمل هو أهم مؤشرات الرشد، ولعل هذا هو الافتراض الأساسي وراء اعتبار سوبر سن الحادية والعشرين "وهو سن الرشد في معظم النظم القانونية المعاصرة"، هو العمر الذهبي للدخول الفعلي في عالم العمل, والسؤال الآن: ماذا عن تطور الحياة المهنية في ثقافتنا المصرية؟ وللإجابة على هذا السؤال قام فؤاد أبو حطب "١٩٩٦" بدراسة تناول فيها قضيتين من أخطر قضايا المجتمع المصري المعاصر، هما: عمالة الصغار، وبطالة الكبار. عمالة الصغار: لقد شغلت قضية عمالة الأطفال الاهتمام على المستوى الدولي، عقب إنشاء منظمة العمل الدولية عام ١٩١٩، حيث توالت -منذ ذلك الحين- الاتفاقيات الدولية، التي تنظم اشتغال صغار السن في الأنشطة المختلفة, وابتداءً من عام ١٩٧٣، أصبح سن الخامسة عشرة، هو الحد الأدنى لتشغيل الأحداث في كافة الأنشطة الاقتصادية، وإن أجازت تخفيضه إلى الرابعة عشرة في الدول النامية، وحرَّمَت تشغيل الأحداث الذين لم يتجاوزوا الثامنة عشرة، في الأعمال التي تشكل خطورة على الصحة أو الأخلاق. وقد أجازت منظمة العمل الدولية للسلطات الوطنية منح تراخيص عمل،

стр. 442

للأحداث فيما بعد ١٣-١٥عامًا، للقيام بالأعمال الخفيفة، بشرط عدم الإضرار بصحة الطفل، أو نموّه الجسمي والعقلي، أو عرقلة مواظبته على الدراسة في مرحلة التعليم الأساسي. ومع ذلك، فإن تقارير منظمة العمل الدولية، تشير إلى التزايد المستمر في ظاهرة عِمالة الأطفال، وخاصةً في الدول النامية، ومن ذلك التقرير الصادر عام ١٩٨٨، الذي يقدر عدد الأطفال العاملين تحت السن القانونية، بحوالي مائة مليون طفل، معظمهم من الدول النامية، ويرجع ذلك بالطبع إلى ما تعانيه هذه البلدان من مشكلات اجتماعية واقتصادية وتعليمية صعبة. وقد أُجْرِيَتْ في مصر دراسة هامة، حول عِمَالة الأطفال، قام بها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، بالاشتراك مع منظمة اليونيسيف، صدرت عام ١٩٩١, وفي هذه الدراسة، قُدِّرَتْ أعداد الأطفال المصريين العاملين من سن ٦-١٥عامًا، بحوالي مليون ونصف مليون طفل، كما تشير الإحصاءات الرسمية, ويذكر التقرير أن هذه الأعداد تتزايد بشكلٍ مُطَّرِدٍ، بلا تخطيط أو توجيه، وساعد على ذلك مجموعة من العوامل، لعل أهمها: ١- التضخم وارتفاع الأسعار. ٢- هجرة العمالة المدربة إلى سوق العمل العربية. ٣- التسرب من التعليم. ٤- تهافت أصحاب الورش الصغيرة على تشغيل الصغار. ويرجع تفضيل أصحاب الورش الصغيرة لتشغيل الصغار دون الكبار، إلى انخفاض أجورهم، وبساطة ما يقومون به من أعمال، تتناسب وطاقتهم المحدودة وغير المدربة "المركز القومي للبحوث الاجتماعية١٩٩١، ص١٠". وقد أجريت الدراسة على عينة من صغار السن، الذين يعملون في الورش الصناعية الصغيرة، من الذكور والإناث، ومن الفئة العمرية ١٢-١٥سنة، وهي الفئة التي يمنع القانون اشتغالها بالأعمال ذات الطبيعة الشاقة, وقد اختيرت العينة من القاهرة الكبرى بمحافظاتها الثلاث: القاهرة والجيزة والقليوبية، ومن الريف والحضر. وفي صناعاتٍ تمثل استغلالًا للطفل، وخطورةً عليه في سنه المبكرة، وقورنت بعينة ضابطة. وقد كشفت الدراسة عن أهم العوامل المؤدية لعمالة الأطفال وهو: الفشل في التعليم الأساسي "٨٠%" أو ممن لم يلتحقوا به أصلًا "٢٠%".

стр. 443

ولعل من أهم النتائج النفسية التي توصل إليها البحث، أن الأطفال العاملين يعانون من سوء التوافق الاجتماعي، وسوء التوافق العام، بالمقارنة بالعينة الضابطة, وفَسَّرَ الباحثون ذلك بأن هؤلاء الصغار "يلعبون أدوارًا اجتماعية، تحتاج إلى متطلباتٍ لم تخلق أساسًا لذوي الأعمار الصغيرة، كما أن إحساسهم بالمسئولية الاجتماعية والاقتصادية، عن أسرٍ تحتاج إلى دعمهم الماديّ، قد خلق نوعًا من الصراع بين رغبتهم في أن يعيشوا حياةً مناسبة لحياة الصغار، بما فيها من لعبٍ وانطلاق، وممارسة هواية محببة إلى نفوسهم من يماثلون في العمر, وصراعٌ آخر يتمثل في كونهم يتحمَّلون مهام العمل، على ما فيها من تبعاتٍ ومشاقٍ" المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، ١٩٩١، ص٨٤. إلّا أن الطريف حقًّا أن نشير إلى أن هؤلاء العاملين للصغار، يشعرون بالرضا عن أنفسهم لمساعدة الأهل, فقد أكد ذلك حوالي ٩٢% من أطفال العينة، ويتفق ذلك مع ما أظهروه من توافقٍ شخصيٍّ، لا يختلف عن أطفال العينة الضابطة. وعلى الرغم من أن هذه النتيجة قد تبدو إيجابية، إلّا أنها يجب ألّا تصرفنا عن النتائج السلبية في معظمها، التي كشف عنها هذا البحث، وأهمها -من الناحية النفسية- نقص ذكاء الأطفال الصغار العاملين، بالمقارنة بأطفال العينة الضابطة، والذي يُعَدُّ -في ذاته- مؤشرًا على سوء بيئة العمل لهؤلاء الأطفال، ونقص القدرة والدافعية لمواصلة التعليم, وانخفاض المستوى الاقتصادي والثقافي للبيئة الأسرية والمجتمعية المباشرة لهؤلاء الأطفال. أما النتيجة التي تخص رضا الأطفال العاملين عن أدائهم وتكيفهم الشخصي، فلعلها تكشف لنا عن المردود السيكولوجي للعمل -حتى في أصعب الظروف- على الذات، ويمكن استثمار هذه النتيجة في تطوير منظومة التعليم، بحيث يصبح "للتمهين" وجود حقيقي, ولعلَّنَا لا نكون قد نسينا أن فلسفة التعليم الأساسي، هي -في جوهرها- توفير فرص "للتهيئة المهنية" للأطفال. بطالة الكبار: لعل من أهم الظواهر التي تكشف لنا عن قيمة العمل، وموضعه في حياة الإنسان، دراسة سيكولوجية اللاعمل، ونخص بالذكر حالتيين، هما البطالة unempolyment والتقاعد retirement.

стр. 444

ونتناول في هذا القسم سيكولوجية البطالة، ثم نتناول سيكولوجية التقاعد في الباب التالي: ومن تحصيل الحاصل، أن نقول: إن البطالة ذات أثر خطير، ليس فقط على الفرد، وإنما على المجتمع بأسره، ولم يشعر الناس بأثرها إلّا في المجتمع الصناعي الحديث، سواء أكان هذا الأثر اقتصاديًّا أم سيكولوجيًّا. ونود أن ننبه -منذ البداية- إلى أن البطالة تحدث في ظروف الرخاء الاقتصادي، كما تحدث في ظروف الشدة الاقتصادية، إلّا أن أثرها -في ظروف العسر- أشد وأقسى؛ ففي دراسة أجريت في الولايات المتحدة أكدت أن البطالة لم تفارق المجتمع الأمريكي طوال القرن العشرين، ولم يقل معدلها -في جميع الأحوال- عن ٥٠% من قوة العمل, ويشمل تعريف البطالة هنا أولئك الذين يتركون العمل لفتراتٍ قصيرةٍ عند تغيير العمل، وأولئك اللذين يجبرون على ترك العمل فترات أطول، بسبب التغيرات الموسمية، وأولئك الذين لا يدخلون سوق العمل أصلًا، بسبب الانكماش الاقتصادي. وقد تناول علماء النفس ظاهرة البطالة بالدراسة والبحث، واقترحت نماذج نظرية لتفسير سلوك الشخص المتعطل، ومن أهم هذه النماذج نموذج بلم Blum، الذي يقترح أن سلوك البطالة يمر بثلاثة مراحل أساسية، هي: ١- شعور بالصدمة، حتى ولو كان هناك تحذير مبكر بفقدان العمل، أو عدم توافر فرصة, وفي هذه المرحلة، يسترجع المرء متوالية الأحداث التي أدت به إلى البطالة، ويبرر الحكمة في ترك العمل، أو عدم الدخول فيه أساسًا "سوء بيئة العمل، سوء التعليم، إلخ". وسرعان ما يستقر على رأي، أنه يمكنه الاستفادة من إجازة أو راحة، هو في حاجة إليها "بعد فترة عمل أو تعليم طويلة", ويتبع ذلك تقدير لقدراته، وصياغة خطط للسعي نحو الحصول على عمل. ٢- البحث الجدي والنشط عن عمل، وعادةً ما يبدأ معظم المتعطلين في البحث عن عملٍ أفضل من عملهم السابق، أو البحث عن عملٍ مشابهٍ له إذا أعيتهم الحيل واستمرت البطالة, ومع مرور الوقت وضغط الحاجة إلى العمل يبدأون في البحث عن أيّ عمل, وفي هذه الفترة، يعاني المرء من مشاعر الفشل والإحباط والتعاسة، ومع ذلك فإنه لا يفقد الأمل في النجاح.

стр. 445

٣- المرحلة النهائية أو مرحلة الانهيار، فمع استمرار الفشل في الحصول على عمل، بعد طول البحث عنه، يبدأ المرء في الوقوع في أسر مشاعر القلق والتشاؤم وفقدان الأمل. وبعض الأشخاص يمرون بهذه المراحل بسرعة أو ببطء، ويتوقف ذلك على خبرات النجاح والفشل في كل مرحلة منها، كما أن المشاعر السلبية تزداد لدى أولئك اللذين لديهم خبرات نجاح في الماضي "مهنيًّا أو تعليميًّا"، أكثر من خبرات للفشل، ولعل هذا يدعم الدعوة إلى التزام الدولة بتعيين أوائل الخريجين. ماذا عن الآثار النفسية للبطالة؟ فيما يلي، نلخص نتائج البحوث التي أجريت في هذا الصدد: ١- فقدان الشعور بالأمن اقتصاديًّا وسيكولوجيًّا. ٢- التوجه أولًا نحو لوم الذات على الحال التي عليها المتعطل، ثم الانتقال إلى تكوين اتجاهٍ عدوانيٍّ نحو الظروف التي أنشأت هذه الحال. ٣- المعاناة من مشكلة معالجة الوقت، فالشخص العامل تتمركز أنشطته اليومية حول العمل الذي يستغرق القسط الأكبر من وقت نشاطه، أما المتعطل فإن الوقت يُعَدُّ عبئًا ثقيلًا عليه. ٤- اختلال النظام اليومي للحياة الأسرية، فتضطرب مواقيت النوم واليقظة والأكل، مع شعور بالضياع والخسران. ٥- السعي نحو إخفاء حالة التعطل في البداية، فيُلَاحَظُ على المتعطل أنه يغادر منزله في موعد العمل اليومي، يعود إليه في موعد العودة المعتاد، ويستغل وقته إما في البحث عن عمل، أو التجول العشوائي, ومن الطريف أن البحوث التي أجريت على المتعطلين في بريطانيا -أثناء فترة الانكماش الاقتصادي الكبير "في أوائل الثلاثينات"- لوحظ أنهم لم يكونوا يترددون على المقاهي والبارات، وهي خالية خلال ساعات العمل، وإنما في أوقات الذروة، مع خروج العاملين من أعمالهم. ٦- إنفاق العاطلين يتم بطريقة غير معقولة، ومعظم الإنفاق يكون على الكماليات، وهو نوعٌ من سلوك المجازفة أو المخاطرة تتسم به جميع الحالات الحرجة "المرضى، المستويات الاقتصادية/ الاجتماعية المنخفضة" والتي تسمى at risk cases.

стр. 446

٧- اللجوء إلى الخيال وأحلام اليقظة، كحيلٍ دفاعية، أو الهرب من الموقف، من خلال الأمراض السيكوسوماتية, وقد يلجأ البعض إلى المصارف غير القانونية، وقد يتحول البعض إلى التطرف في السلوك، ونادرًا ما يلجأون إلى الانتحار أو الإدمان, ومع ذلك فإن أغلبية المتعطلين، يظلون مواطنين صالحين. ٨- زيادة حِدَّةِ البطالة لدى عضو الأسرة المسئول عن الإنفاق عليها، فعادةًَ ما يشعر بالمشاعر السلبية "كالإكتئاب" إذا تغيرت اتجاهات المحيطين به من الأهل والأقارب والأصدقاء، من التعاطف والفهم، إلى النقد والرفض "باعتباره كاسب لقمة العيش". ٩- تكثيف العادات اليومية للمتعطل، والتي تُعَدُّ تغيرًا سيكولوجيًّا هامًّا، فالقارئ -أثناء العمل- يزداد قراءة أثناء التعطل، والمتدين يزداد تدينًا، وهكذا. ١٠- انعكاس البطالة على شعور الأطفال بعدم الأمن والقلق، مما ينعكس -بدوره- على رب الأسرة المتعطل، على نحوٍ يؤدي إلى خفض معنوياته، وضعف سلطته الوالدية. ١١- من أهم التغيرات في شخصية المتعطل، انخفاض الروح المعنوية، ونقص التوازن الانفعالي، وزيادة التعصب والتحامل "مع ظاهرة كبش الفداء", وزيادة مشاعر النقص.

стр. 447

الفصل السابع عشر: طور بلوغ الرشد "وسط العمر " مدخل ... الفصل السابع عشر: طور بلوغ الأشد:"وسط العمر" مع دخول الفرد في سن الأربعين يبدأ طورٌ جديدٌ في النمو الإنساني يُسَمَّى في الكتابات المتخصصة باسم طور الرشد الأوسط أو وسط العمر, والذي يمتد حتى بلوغ الراشد سن التقاعد, وقد آثرنا أن نطلق على هذا الطور التسمية القرآنية البليغة "بلوغ الأشد"١. وقد ورد لفظ "أشد" في بعض آيات القرآن الكريم دون تقييدٍ بعمر معين, يقول الله تعالى في موضعين من كتابه العزيز: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [غافر: ٦٧] . ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [الحج: ٥] ثم ورد مقيدًا بسن الأربعين مرةً واحدةً في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥] . وقد نقل القرطبيّ عن الحسن قوله في ذلك أن بلوغ الأشد هو بلوغ الأربعين من العمر, والأشد هو بلوغ القوة التي قد تكون في البدن، وقد تكون في المعرفة بالتجربة، ولا بُدَّ من حصول الوجهين, ولهذا نجدنا في هذا الصدد لا نوافق على ما أوردته المعاجم العربية في تعريف الأشد بأنه ما بين الثماني عشرة سنة إلى الثلاثين من العمر؛ ففي هذا يتداخل بلوغ الأشد مع بلوغ السعي وبلوغ الرشد، وهي كلها مفاهيم قرآنية لا بُدَّ أن يكون بينها فوارق واضحة. ومفهوم بلوغ الأشد يتطابق مع مفهوم نمائي آخر هو الكهولة٢، مع

стр. 448

اختلافنا مرةً أخرى مع التعريف الذي تقدمه المعاجم لهذا المصطلح, بأن الكهل من كانت سنون عمره بين الثلاثين والخمسين, والأصح في رأينا أن تكون بداية بلوغ الأشد "وهو طور الكهولة أيضًا" في سن الأربعين كما حدده القرآن الكريم, ونهايته مع مطلع الشيخوخة. ولعل ما يؤيد التطابق بين الأشد والكهولة ما جاء في قول الشاعر سحيم بن وثيل "على الرغم من اختلافنا معه في الحد الأدنى الزمني الذي وضعه": أخو خمسين مجتمع أشدى ... ونجني مداورة السنين ويؤيده مرة أخرى قول الطبري في تفسيره للقرآن الكريم, من أن انتهاء الكهولة فيها مجتمع الأشد، أي: قمته وذروته. وتجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد مؤشر واحد يكفي وحده للدلالة على الانتقال من طور الرشد المبكر إلى طور بلوغ الأشد "الرشد الأوسط"، وإنما يوجد عدد من المؤشرات تتسم بأنها فردية وشخصية, وتختلف من شخص إلى آخر, ولعل أهم هذه المؤشرات ما يلاحظه المرء على جسمه من علامات تدل على التقدم في السن, ومنها ما يقع في نطاق الأسرة والعمل من أحداثٍ تنبه الشخص إلى أنه لم يعد "صغيرًا" أو "شابًّا"، كما كان من قبل, ومن ذلك شغل وظيفة "قيادية" في مجال العمل، أو وفاة والديه, فيتحول في لحظة واحدة ليصبح منتميًا إلى "جيل الكبار" في الأسرة، أو حين يصير الأبناء مراهقين أو شبابًا، ففي ذلك علامة مؤكدة على أنه لم يعد صغيرًا؛ لأنه يوجد جيل جديد أصغر منه، وقد يكون الأكثر دلالة على هذا التحوّل النمائي ميلاد حفيد، أي: ظهور الجيل الثالث في الأسرة.

стр. 449

الخصائص العامة: تلخص هيرلوك "Hurlock ١٩٨٠" الخصائص العامة لطور الرشد الأوسط, أو ما نسميه بلوغ الأشد على النحو الآتي: ١- يُعَدذُ هذا الطور -بعد مرحلة الشيخوخة أو الرشد المتأخر- أكثر الأطوار إفزاعًا للإنسان، فعادةً لا يعترف الراشد أنه بلغه إلّا إذا أجبرته "المرة" أو "تاريخ الميلاد" على هذا الاعتراف, ويرجع هذا إلى ما يشيع عن هذه المرحلة من أفكارٍ سلبيةٍ وصورٍ نمطيةٍ غير ملائمة، ومنها نقصان الحيوية الجسمية والجنسية وفقدان القدرة على الإنجاب، والتركيز على أهمية الشباب في الثقافات المعاصرة، ومن عوامل شيوع هذه المعتقدات نقصان المعلومات الصحيحة عن هذه المرحلة وعدم التهيؤ لها، فكما يخشى الأطفال والآباء البلوغ وما يصاحبه من تغيرات جسمية وسلوكية، يخشى الراشدون والراشدات مرحلة وسط العمر, وبالطبع فإن هذا الخوف يمكن اختزاله بالمعلومات المسبقة والإعداد الجيد. ٢- كما أن البلوغ هو فترة انتقال من الطفولة إلى المراهقة والرشد، فإن وسط العمر هو الفترة التي يتخلّى فيها الفرد عن الخصائص الجسمية والسلوكية للرشد، ويبدأ في الدخول في عهدٍ جديدٍ تنشأ فيه خصائص جسمية وسلوكية جديدة، ومع هذا التغيرات يبدأ الراشد في تعلُّمِ أنماطٍ سلوكية جديدة، ولعب أدوار مختلفة. وهو كمثل البالغ أيضًا يتوقع منه أن يفكر ويسلك على نحوٍ مختلفٍ عَمَّا كان يفعل حين كان أصغر سنًّا, ومثل البلوغ أيضًا, فإن تغيرات الرشد الأوسط لها تضمينات انفعالية هامة لدى كلٍّ من النساء والرجال. ٣- طور وسط العمر يتطلب إعادة تكيف للتغيرات الجسمية وللأدوار المتغيرة, ولو أن التكيف لبعض الأدوار الجديدة يكون شاقًّا، ومن ذلك التكيف للاقتراب من التقاعد، ويظهر هذا خاصَّةً في منتصف الخمسينات من العمر, ويكون على الفرد أن يعوّض فقدان أحد الأدوار بنشاطٍ أكبر في الأدوار الأخرى, أو بتنمية دور جديد محل الدور المفقود, وأكثر الأدوار تعرضًا للتغير خلال طور وسط العمر -ومع اقترابه من نهايته- أدوار الوالدية والزواج "بوفاة رفيق الحياة في بعض الأحيان", وتعويض هذه الأدوار أو إكمالها أو إحلال أدوار جديدة محلها يتخذ صورًا شتَّى من التكيُّف؛ مثل التقليل من أهمية بعض الأدوار؛ بحيث يتناقص تدريجيًّا ما تستغرقه من وقت الراشد واهتمامه، وزيادة الاهتمام بالأدوار التي كانت مهملة في الماضي مثل دور الوسيط في العلاقات العائلية، والمنسق لأنشطة الأصدقاء، والمنظم للأنشطة التطوعية "جمع التبرعات مثلًا" وغيرها. وتغيير الأدوار ليس من المسائل السهلة, وخاصةً بعد أن يكون الفرد قد لعب هذه الأدوار لفترة طويلة نسبيًّا من الزمن، وتعلم أن يشتق منها الرضا والإشباع. فالتكيف لمرحلة وسط العمر يتطلب مرونة؛ بحيث يمكن للفرد أن يتحوّل إلى الأدوار الجديدة, إلّا أن ما يعوق هذا التوافق -أحيانًا- أن نجاح الفرد في أحد أدواره القديمة قد يقوده إلى التصلب والجمود، مما يجعل التوافق لدور جديد صعبًا, كما أن الشخص الذي لعب في الماضي عددًا محدودًا من الأدوار, يكون أقل مرونة من شخص آخر تعددت أدواره وتنوعت، وتعلم من الخبرة أن يشتق رضاه من أدوار مختلفة، وفي هذه الحالة يكون التحول إلى دور جديد مسألة هينة, ولتيسير عملية التوافق لدور جديد يمكن للمرء أن يفعل ما يوصي به هافيجهرست بأن "يسحب رأس ماله الانفعالي من أحد الأدوار السابقة, ويستثمره في دور جديد"

стр. 450

"Havighurst ١٩٥٤". ومع تغير الأدوار يتطلب الأمر أيضًا التوافق للتغيرات في أنماط الحياة، ومن ذلك مثلًا: أن البيت الذي كان في الماضي مزدحمًا بالأبناء حينما كانوا صغارًا، أصبح الآن كبيرًا وخاويًا نتيجة استقلال الأبناء -الذين صاروا راشدين- بحياتهم الجديدة, لقد "خلا العش"، كما تقول هيرلوك، مما قد يتطلب الانتقال إلى مسكنٍ أصغر، وربما إلى حيٍّ جديدٍ إذا سمحت الظروف بذلك. ٤- طور وسط العمر هو وقت الإنجاز Achievement؛ ففيه يصل المرء إلى قمة الأداء, ويجني ثمار سنوات الإعداد الطويل, والعمل الشاق في المراحل والأطوار السابقة، وفيه يكون المرء قد حصَّلَ قدرًا كافيًا من الخبرة من خلال التعليم المستمر "إلّا في حالة الأميين", والعمل والعلاقات الإنسانية, مما يهيئ له قدرة على الحكم الصحيح أو التقويم الجيد للعلاقات الاجتماعية, كما أن مركزه المالي والاجتماعي يكون قد تدعم، ويبدأ على الأقل في إدراك المستقبل والأهداف التي يسعى إليها بوضوح, وفي ذلك يقول ورنر Werner أنه "لو صاحب هذا الاستقرار صحة جيدة فإننا نستطيع القول أن الحياة تبدأ في سن الأربعين. وهكذا يمكن أن توصف مرحلة وسط العمر بأنها قمة منحنى حياة الإنسان، ليس فقط من الناحية المالية والاقتصادية والنجاح الاجتماعي, وإنما من حيث السلطة والمكانة أيضًا, ويتم الوصول إلى هذه القمة عادةً بين الأربعين والخمسين، إلّا أن متوسط عمر الإنجاز يختلف تبعًا لنمط الإنتاج الابتكاري، وكيف هذا الإنتاج، والعمر الذي بدأ فيه المرء حياته المهنية، وغير ذلك من العوامل, ومن الملاحظ أن معدل الإنتاجية الجيدة في المجالات المختلفة لا يتغير كثيرًا في هذه المرحلة، كما أن التدهور يكون تدريجيًّا, إلّا أن ما يلفت النظر حقًّا أن الإنتاج ذا المستوى الرفيع يتناقص في عمر مبكر، وسرعة تناقصه تكون أكثر تزايدًا من الإنتاج ذي المستوى الأقل, وتؤكد البحوث التي أجريت في الولايات المتحدة "Hurlock ١٩٨٠" أن الإنتاج الابتكاري للمهندسين وغيرهم من التكنولوجيين يصل إلى قمته في حوالي سن الأربعين, ثم يتناقص بسرعة حتى سن الخامسة والستين. وفي دراسة أجريت على الأنشطة العلمية لعلماء النفس, أوضحت أن أعلى معدلات الإنتاج "كما يتمثل في النشر العلمي" يتم عندهم في الثلاثينات والأربعينات, مع هبوطٍ واضح في الخمسينات، وخلال الستينات لا يتعدَّى مقدار المنشور نصف ما ينشر في المراحل العمرية السابقة. ومنتصف العمر في الفترة الذي تُعَدُّ فيها القيادة في العمل هي مكافأة

стр. 451

الإنجاز، فمعظم القيادات الإدارية والصناعية والمهنية تكون في العادة في الخمسينات من العمر، وهذا يعني انقضاء أكثر من عشر سنوات بين وصول الفرد إلى قمة الإنجاز "بلوغ الأشد في الأربعين" وقمة الاعتراف بهذا الإنجاز, والسبب في ذلك أن المنظمات تريد قائدًا كون مكانته من خلال إنجازاته, ويمكنه بهذا أن يحوز الاحترام من خلال العلاقات الاجتماعية، وفي ذلك يقول ليهمان "Lehman ١٩٥٣": "إن الشروط الجوهرية للابتكارية والأصالة, والتي يمكن أن تؤدي إلى الإنجاز الشخصي إنما تأتي مبكرةً بكثير عن تلك التي تتطلبها المهارات الاجتماعية التي تسهم في القيادة والنبوغ, والتي عليها أن تتأخر ليس انتظارًا لاستبصار القائد في نفسه، وإنما لاستبصار المجتمع فيه".

стр. 452

النمو الجسمي مدخل ... النمو الجسمي: لعل أكثر العلامات وضوحًا على التغيرات الجسمية التي تطرأ في طور بلوغ الأشد تلك التي يدركها الآخرون، والتي تظهر على السطح الخارجي للجسم؛ فالجلد يفقد بعض مرونته مما يؤدي إلى ظهور التجاعيد فيه, بالإضافة إلى فقدان هذه المرونة في أجزاءٍ أخرى من الجسم, كما يبدأ الشعر في الخفة مع مطلع هذا الطور, ويتحول إلى اللون الرماديّ، وهو مقدمات الشيب, وتزداد نسبة وزن الجسم التي ترجع إلى الدهنيات بشكلٍ واضحٍ, سواءً لدى النساء أو الرجال، على الرغم من أن مشكلة السمنة تكون أكثر حدة لدى النساء. وتقلّ القوة العضلية بشكلٍ مستمر، ويكون معدل الضعف بطيئًا في البداية, ثم يتزايد تدريجيًّا طوال هذا الطور, وبالطبع فإن هذا المعدل تزداد سرعته بعد ذلك في المرحلة التالية من حياة الإنسان "أي: الشيخوخة والهرم", وقد حسب بعض الباحثين "Wolman ١٩٨٢" معدل التناقص في القوة العضلية بين سن ٣٠، ٨٠ سنة فبلغ ٤٢%, وهذا لا يعني أن الإنسان في الطور يكون عاجزًا عن أداء الأنشطة التي تتطلب جهدًا عضليًّا؛ فالأشخاص الذين تعودوا على العمل الجسميّ سوف يستمرون في إنتاجيتهم حتى في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، إلّا أن ذلك قد يتطلب وقتًا أطول. ومع التقدم في العمر وخاصةً مع بلوغ نهاية هذا الطور يلاحظ انخفاض ملحوظ في كفاءة التنفس, وخاصةً عند الجري أو القفز أو التسلق, ويظهر ذلك خاصة لدى الأشخاص ذوي الوزن الزائد, أو الذين يعانون من بعض أمراض الجهاز التنفسي أو الجهاز الدوري, وخاصةً أمراض القلب وتصلُّب الشرايين وكلاهما

стр. 453

شائع في أواخر طور وسط العمر. ويلاحظ أيضًا التغير في وظائف الحس؛ فالقوة البصرية تصل إلى قمتها في الرشد المبكر, وتظل مستقرةً نسبيًّا حتى العقد الرابع من العمر، وبعد ذلك يحدث هبوط فيها يتسم بأنه بطيء ولكنه مستقر, وفي جميع الحالات تقريبًا يمكن التغلب على مشكلات الدقة البصرية وتصحيح الضعف باستخدام النظارات والعدسات اللاصقة. ويلاحظ أن حجم إنسان العين يتناقص ابتداءً من سن الخمسين, مما يؤدي إلى قلة مقدار الضوء الذي يدخل العين, وهذا يعني أن الشخص في هذا السن يكون في حاجة إلى إضاءة أنصع ليرى بوضوح, وفي هذا السن أيضًا تنشأ وتلاحظ مشكلات تتصل بإدراك العمق والتكيف للظلام. والمشكلة السمعية الأكثر شيوعًا في هذا الطور, والتي ترتبط بالتقدم في السن هي مشكلة الفقدان المستمر للسمع Presbycusis, وخاصةً إدراك النغمات ذات التردد المرتفع، والذي يحدث لدى الرجال أكثر من حدوثه لدى النساء, وفي الظروف العادية يكون للنقص السمعيّ أثر ضئيل في نشاط الحياة اليومية للإنسان في هذا الطور, وفي المرحلة التالية, وخاصةً إذا تَمَّ تصحيحه بسماعات الأذن, ويحدث أيضًا بعض النقص في حواس الذوق والسمع والحساسية اللمسية, وخاصة في أواخر الأربعينات، ولكنها لا تلاحظ بشكلٍ واضحٍ إلّا في المراحل المتأخرة من الحياة. وتطرأ على الجهاز العصبي بعض التغيرات التي لا يكون لها في الظروف العادية إلّا أثر محدود في السلوك والإدراك والذكاء خلال مرحلة وسط العمر, فوزن المخ يتناقص بعد سن العشرين, ويكون هذا النقص تدريجيًّا في البداية, ثم تتزايد سرعته في مراحل العمر التالية, إلّا أن الدراسات التي استخدمت الرسام الكهربائي "EEG" والتي تسجل النشاط الكهربائي للمخ أظهرت فروقًا ضئيلة بين الراشدين المبكرين والراشدين في منتصف العمر, كما أن زمن الانعكاس البسيط "الناتج عن خبط الركبة مثلًا" يظل بدون تغير تقريبًا طوال الفترة من سن العشرين وحنى سن الثمانين, إلّا أن الأوجاع التي تصدر عن الرشد الكبير للمثيرات المركبة والمعقدة وغير المألوفة تكون أبطأ, ويظهر أيضًا بعض البطء في نشاط التوصيل العصبي وخاصة في الأعصاب الطرفية مما ينتج عنه بطءٍ عامٍّ في نشاط الجسم وعملياته "Timiras ١٩٧٢". وعلى الرغم من أن مرحلة بلوغ الأشد "وسط العمر" تتسم بهبوطٍ تدريجيٍّ في النشاط الجسمي بالمقارنة بالقمة التي وصل إليها هذا النشاط في العشرينات من

стр. 454

العمر، إلّا أن الإنسان لا يشعر بالتحوّل العكسي المفاجئ من التحسن إلى التدهور, فمن المعروف أنه منذ المراحل الأولى لحياة الإنسان تحدث العمليتان معًا, ومن ذلك مثلًا أن الخلايا العصبية لا تتكاثر بعد السنة الأولى من حياة الإنسان, ومعنى ذلك أن عددها لابد أن يتناقص تدريجيًّا. إلّا أنه بسبب الوفرة الهائلة لهذه الخلايا طوال مراحل العمر السابقة فإننا لا نشعر بالفقدان, ويظل هذا الشعور سائدًا حتى نهاية الستينات على الأقل، بل وحتى السبعينات أحيانًا, كما أن أمراض القلب في منتصف العمر ليست إلّا نتاج شروط وظروف تراكمية, وليست نتاج شروط وظروف مفاجئة؛ فبالنسبة للشخص العادي يبدأ نشاط القلب "كما يقاس في حالة الراحة" في الهبوط، ليس في منتصف العمر، وإنما ابتداءً من مطلع العشرينات من العمر بمعدلٍ يبلغ حوالي ١% في السنة، إلّا أن الظاهرة لا تلاحظ بوضوح إلّا في سن الخمسين تقريبًا, وعلى ذلك فإن طور بلوغ الأشد "وسط العمر" ليس نقطة تحوّل حادّة في نموِّ الإنسان الجسمي, وإنما هو ببساطة النقطة التي عندها يبدأ الميزان في الميل تدريجيًّا وبشكلٍ حتميٍّ من التحسن إلى التدهور. وإذا كانت التغيرات الجسمية التي تظهر في الرشد الأوسط تتوجه نحو التدهور "وهي كذلك لدى بعض الأشخاص في هذا الطور"، فإن مما يستحق الذكر أنها لا تمثل عجزًا وضعفًا في المجتمع الحديث؛ فالقوة الحسية والنشاط العضلي والصحة الجسمية لم تعد مطلوبة وحدها للبقاء في عصرنا, فقليل من المهن والأعمال تتطلب الآن الدقة الحسية أو الاستجابة الحركية السريعة التي كانت مطلوبة في عصور سابقة, بالإضافة إلى أن الخبرة والحكمة والقدرة على الحكم التي تتوافر لدى الشخص في منتصف العمر تعتبر عوامل تعويضية ملائمة تتجاوز أيّ نقص أو تدهور يحدث في الجسم الإنساني.

стр. 455

الصحة والمرض: من الحقائق المؤكدة منذ وقت طويل، وتدعمت في السنوات الأخيرة، بأن معدل التدهور الجسمي المصاحب للتقدم في السن يتحكم فيه جزئيًّا على الأقل الوراثة, إلّا أن ذلك لا يعني أن التقدم في السن عملية بيولوجية بحتة؛ فكثير من العوامل البيئية تلعب دورها في هذا الصدد, لقد تأكد مثلًا أن وفاة أحد الزوجين، والطلاق، وتغيير العمل أو محل الإقامة, قد تكون خبرات ضاغطة تسرع بالتقدم في السن, أو تزيد القابلية للإصابة ببعض الأمراض, وتظهر الإحصاءات الحيوية دور الكثير من العوامل البيئية في ذلك؛ فالمتزوجون مثلًا وخاصةً الرجال يميلون إلى العيش أطول من أندادهم من غير المتزوجين, ربما بسبب الاستقرار الاجتماعي

стр. 456

الذي يهيؤه الزواج لهم, وفي الولايات المتحدة يعيش البيض من أبناء الطبقة المتوسطة أطول من البيض الفقراء أو أعضاء وجماعات الأقليات, بسبب الظروف البيئية الميسرة التي يعيش فيها البيض من أبناء الطبقة المتوسطة دون سواهم, وأن بعض أبناء الريف الذين يعيشون في نظامٍ اجتماعيٍّ متماسك يعيشون أطول, وتكون صحتهم الجسمية أفضل من بعض سكان الحضر والعواصم الكبرى, ويستنتج "Brodzinsky et al ١٩٨٦" من هذه الحقائق أن قلة صراعات الأدوار ووجود نظم اجتماعية مدعمة "أصدقاء أو أقارب" وتوافر نمط أكثر انتظامًا للحياة قد يكون من أسباب إطالة مدى الحياة أو قصره, أو سهولة التعرض للمرض أو صعوبته -بمشيئة الله تعالى. ومن العوامل التي تلعب دورًا هامًّا في التغلُّب على التغيرات الجسمية التي تصاحب التقدم في السن الطريقة التي يتناول بها الإنسان حياته في طور بلوغ الأشد, ويذكر "Belloc&Breslow ١٩٧٢" أن هناك سبع عادات شخصية ترتبط بالصحة والمرض في مرحلة وسط العمر, وتمتد إلى المراحل التالية "الشيخوخة" أيضًا وهي: ١- التدخين. ٢- تعاطي المسكرات والمخدرات. ٣- النوم الأقل من سبع ساعات في الليل "وبنسب أقل لأكثر من تسع ساعات". ٤- الفشل في تناول طعام الأفطار. ٥- زيادة الوزن "وبنسب أقل انخفاض الوزن بشكل واضح". ٦- الفشل في ممارسة الألعاب الرياضية بشكل منتظم. ٧- الأكل بين الوجبات. وقد أكدت البحوث أن معدل الوفيات بين أولئك الذين يمارسون أربع عادات أو أكثر من هذه القائمة, أعلى من أولئك الذين لا يمارسون هذه العادات بمعدلٍ يصل أربعة أضعاف, وبين النساء يكون المعدل بين اللاتي يمارسن هذه العادات ضعف المعدل السابق "أي ثمانية أمثال". ويلعب النظام الغذائي السليم دورًا أهم من جميع العادات السابقة, فلا يكفي أن يأكل المرء الوجبات في أوقاتها، بل من الواجب اختيار عدد السعرات المناسب بعناية، مع مراعاة خفض ما يؤكل من الدهنيات والسكريات والمواد المنتجة

стр. 457

للكلسترول والأملاح, وزيادة تناول الأطعمة ذات الألياف, ولعل ما يؤكد أهمية ذلك ما كشفت عنه البحوث الطبية الحديثة, من أنَّ حوالي نصف حالات مرض السرطان في الإنسان ترتبط بالغذاء؛ فزيادة الدهنيات ترتبط بسرطان الثدي والقولون، كما قد تُحْدِثُ وتُطَوِّرُ أنواعًا أخرى من السرطان, ويمكن خفض المخاطرة بسرطان القولون بتناول الأطعمة ذات الألياف؛ ومن أمثلتها الحبوب والفاكهة والخضروات الطازجة. ويوجد عامل آخر مرتبط بالصحة في منتصف العمر حظي باهتمامٍ كبير في السنوات الأخيرة, وهو ضغط الحياة العام؛ كما يتمثل في الأحداث المؤدية للإجهاد النفسي Stress, فقد لوحظ وجود علاقة موجبة بين مرض القلب وعدد التغيرات العظمى في حياة الإنسان ونوعها, والتي أشرنا إليها من قبل، مثل وفاة رفيق الحياة أو الطلاق أو فقد العمل أو التقاعد, ومع ذلك فإن كثيرًا من الناس يمرون بخبراتٍ ضاغطةٍ ومجهدةٍ في حياتهم دون أن يقعوا في أسر المرض, والسؤال الآن: ما الذي يميز المتوافقين مع هذه الضغوط دون سواهم؟ لقد حاول "Kobasa ١٩٧٩" الإجابة على هذا السؤال بإجراء دراسة مقارنة بين مجموعتين من المديرين من المستويين المتوسط والمرتفع في سلَّمِ الإدارة, والذين يعانون من أحداث ضاغطة ومجهدة خلال السنوات الثلاث السابقة على البحث, وقسَّم المجموعة الكلية إلى مجموعتين فرعيتين؛ إحداهما عانت من الإجهاد دون أن تقع في غائلة المرض "مجموعة متوافقة"، بينما قررت المجموعة الثانية تعرضها لأمراضٍ عديدة بعد الأحداث المجهدة "مجموعة عدم توافق", وقد أظهرت النتائج أن أولئك الذين توافقوا مع ضغوط الحياة بمقارنتهم بالذين لم يتوافقوا كان لديهم إحساس أكثر وضوحًا بقيمتهم وأهدافهم في الحياة وإمكاناتهم، ولديهم ثقة أقوى بأنفسهم، كما كان لديهم اتجاه أكثر إيجابية نحو البيئة، بل اندمجوا فيها على نحوٍ أكثر إيجابية، وكانوا أقدر على تقييم التغيرات التي يتعرضون لها على نحوٍ له معنى، وتكاملها في خطة عامة لحياتهم, كما كانوا أكثر اتجاهًا نحو تقرير أن "موضع الضبط" بالنسبة لهذه الأحداث داخلي -أي: الاعتقاد في أنهم يمكنهم معالجة أحداث الحياة، ويمكنهم، إلى حَدٍّ ما، التحكم فيها, ويصف كوباسا الذين كانوا أكثر نجاحًا في التوافق مع ضغوط الحياة بأنهم ذوو شخصية جسورة ذات قدرة على الاحتمال. وبالإضافة إلى متغيرات الشخصية يوجد عامل آخر يؤثر في الطريقة التي يتوافق بها المرء مع أحداث الحياة, يتصل بطبيعة هذه الأحداث نفسها، أي: ما إذا

стр. 458

كان الحدث يتم الشعور به منفصلًا عن الأحداث المجهدة الأخرى، أم أن المرء يشعر بضغوطٍ متعددةٍ متآنية في وقتٍ واحدٍ, أو متتابعة بشكل متلاحق. وتؤكد البحوث في هذا الصدد أن الإنسان يتوافق جيدًا مع الأحداث المنفصلة؛ مثل التقاعد أو المرض أو وفاة رفيق "أو رفيقة" الحياة, والأشق على المرء أن يتوافق مع سلسلة من هذه الأحداث تتوالى في نفس الوقت أو في أوقات متقاربة. أما بالنسبة لأسباب الوفاة، فإنه بينما نجد أن سببه الرئيسي في الرشد المبكر يرجع إلى الحوادث أو الانتحار, فإن الأسباب الرئيسية في وسط العمر ترجع إلى المرض وخاصةً أمراض القلب والسرطان, فحوالي ٤٠% من حالات الوفاة في هذا الطور ترجع لأمراض القلب "٨٠% من حالات الوفاة بمرض القلب من الرجال". وبالطبع فإن لأمراض القلب صلة بالوراثة والنظام الغذائي "وخاصة تناول الأطعمة ذات الكولسترول المرتفع" والتدخين والسمنة ونقص التمرينات الرياضية, ومع ذلك فإن ٥٠% من حالات مرض القلب لا ترتبط بأي سبب معروف, وقد حدد العلماء مؤخرًا١ نمطًا يسمونه النمط "أ" للسلوك, باعتباره الحلقة المفقودة والعامل الهام في إحداث مرض القلب المرتبط بالانسداد التاجي, وهذا النمط السلوكي ليس نمطًا في الشخصية, ولكنه لونٌ من متصل السلوك يرتبط بدرجات متفاوتة من المخاطرة بظهور مرض القلب, وفي أحد أطراف المتصل يوجد ما يسمى أنماط السلوك المرتبطة بالنمط "أ", والتي تشمل السرعة الزائدة في الكلام, وعدم الصبر على التأخير، والتنافسية الزائدة، والبحث المستمر عن الإنجاز، والشعور بعدم الراحة، الاستعداد للاستثارة حتى في المواقف التي لا تتطلَّبُ ذلك. ويتسم النمط "أ" أيضًا بضغط الزمن وضيق الفترة الزمنية المتاحة؛ حيث يشعر الفرد أن لديه الكثير مما يجب إنجازه مع قلة الوقت المتاح, وكاستجابةٍ لضغط الزمن والميل نحو إحراز الإنجاز يجد أصحاب هذا النمط السلوكي أنفسهم في مشقة وكَبَدٍ مستمرٍّ سعيًا للتحكم في بيئتهم والسيطرة عليها, وبالإضافة إلى ذلك فإن أصحاب هذا النمط يتحركون ويتكلمون ويمشون, بل وحتى يأكلون بسرعة، بل قد يحاولون إنجاز مهمتين معًا وفي وقت واحد, وبسبب سعيهم الذي يكاد يكون قهريًّا نحو الإحراز, فإنهم يقدرون الذاتية بسرعة إنجاز أهداف عالية المكانة.

стр. 459

كما أن لديهم استعدادًا للسلوك العدواني؛ ففي أيِّ حوارٍ بسيطٍ قد يتحوّل الأمر لدى الشخص من النمط "أ" إلى مشادة عدائية غاضبة صاخبة, ولا توجد فروق بين الجنسين في ذلك، فسواء كان الشخص من هذا النمط رجلًا أو امرأةً فإنه يكون عرضةً للإصابة بمرض القلب. وفي الطرف الثاني للمتصل نجد الأنماط المرتبطة بالسلوك "ب", والتي هي على العكس تمامًا مما سبق وصفه؛ حيث نجد شخصًا مسترخيًا هادئًا غير متسرعٍ في نظرته للعالم، أقل عدوانية، وسعيه للإنجاز عادةً ما يكون متدرجًا وبطيئًا. والعلاقة السببية بين النمط "أ" من السلوك ومرض القلب تعتمد على أربع فئات من النتائج التي توصلت إليها البحوث. ١- وجود النمط "أ" من السلوك في الأفراد الذين يعانون من مرض القلب من نوع الانسداد التاجي. ٢- القابلية الشديدة للإصابة بالمرض لدى الأشخاص من النمط "أ"، فهذا النمط يرتبط على الأقل بضعف عدد الحالات من مرضى القلب بمقارنته بالنمط "ب". ٣- وجود اضطراب بيوكيميائي مرتبط بالانسداد التاجي لدى الأشخاص من النمط "أ". ٤- التجارب الناجحة التي فيها إحداث السلوك من النمط "أ" داخل المعمل, أظهرت تغيرات بيوكيميائية شبيهة بما يحدث لمن يعانون من الانسداد التاجي. ويرى بعض الباحثين أن الأشخاص من النمط "أ" عادةً ما يكونون مشغولين إلى حَدٍّ كبير بعملهم وأسرتهم على نحوٍ يجعلهم يتجاهلون الأعراض الجسمية التي تُعَدُّ مؤشرات هامة على المرض, ويؤدي ذلك بدوره إلى الإصابة بمرض القلب, واستفحال هذه الإصابة بسبب تقاعسهم في البحث عن المشورة الطبية, أو تغيير سلوكهم لخفض التوتر.

стр. 460

النموّ الجنسي: خلال مرحلة وسط العمر تطرأ على الإنسان تغيرات جوهرية في أعضائه الجنسية والتناسلية، وهي عملية تطلق عليها بعض الثقافات تسمية متشائمة هي "سن اليأس"١ climacteric عند النساء خاصة, وهذه التغيرات ترتبط بالنقص في إنتاجية الهورمونات الجنسية، وخاصة الإستروجين estrogene الذي يفرزه المبيضان في المرأة, والتستوستيرون testosterone الذي تفرزه الخصيتان في الرجل, فعلى الرغم من أن الغدة النخامية تستمر في التأثير على الأعضاء الجنسية، وعلى الرغم أيضًا من أن الغدد الصمَّاء الأخرى تستمر في أداء وظائفها كما كان الحال من قبل، إلّا أن الغدد الجنسية تكون أقل إنتاجية في منتصف العمر. وفي المرأة يبدأ التناقص في مستويات الإستروجين والبروجستيرون progesterone في أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات, وهذا النقص في مستويات الإستروجين خاصةً يؤدي إلى توقف الطمث, وبالتالي العجز عن الحمل بسبب توقف التبويض وضمور المبيضين والرحم, وتوقف الطمث يستغرق فترةً تمتد من سنتين إلى خمس سنوات, ومن هنا جاءت تسمية "سن اليأس" التي تشيع عند الإشارة إلى النساء، ونفضل أن يستخدم المصطلح اللغوي العربي "الطهر" للإشارة إلى هذه الحالة؛ فالطهر لغة هو نقيض الحيض، وهو يحمل معنًى أكثر إيجابية، بالإضافة إلى ارتباطه بالتطهر في السياق الإسلامي العام. وشعور المرأة بهذه التغيرات في هذا الطور يكاد يتشابه مع ما يحدث في طور المراهقة؛ فالمرأة تشعر ببداية واضحة "للأنوثة Wonanhood" مع بدء الطمث الأول، إلّا أنه خلال العام الأول أو نحوه تكون دورة الطمث غير مخصبة، وهذا يعني أن الفتاة الصغيرة لا تكون مستعدة للحمل لفقدان الخصوبة، ويظل ذلك لبعض الوقت حتى ينتظم إفراز البويضات, وفي سن "الطهر" تشعر المرأة مرةً أخرى بعلاماتٍ واضحة نسبيًّا تدل على التغير في الطمث أيضًا, ومن ذلك حدوث توقف للطمث لمدة ١٢ شهرًا، متصلة في المتوسط، في سن الخمسين, على الرغم من وجود اختلافات فردية واسعة, ومثل الفتاة في بداية المراهقة تكون
следующие страницы →