الذي يهيؤه الزواج لهم, وفي الولايات المتحدة يعيش البيض من أبناء الطبقة المتوسطة أطول من البيض الفقراء أو أعضاء وجماعات الأقليات, بسبب الظروف البيئية الميسرة التي يعيش فيها البيض من أبناء الطبقة المتوسطة دون سواهم, وأن بعض أبناء الريف الذين يعيشون في نظامٍ اجتماعيٍّ متماسك يعيشون أطول, وتكون صحتهم الجسمية أفضل من بعض سكان الحضر والعواصم الكبرى, ويستنتج "Brodzinsky et al ١٩٨٦" من هذه الحقائق أن قلة صراعات الأدوار ووجود نظم اجتماعية مدعمة "أصدقاء أو أقارب" وتوافر نمط أكثر انتظامًا للحياة قد يكون من أسباب إطالة مدى الحياة أو قصره, أو سهولة التعرض للمرض أو صعوبته -بمشيئة الله تعالى.
ومن العوامل التي تلعب دورًا هامًّا في التغلُّب على التغيرات الجسمية التي تصاحب التقدم في السن الطريقة التي يتناول بها الإنسان حياته في طور بلوغ الأشد, ويذكر "Belloc&Breslow ١٩٧٢" أن هناك سبع عادات شخصية ترتبط بالصحة والمرض في مرحلة وسط العمر, وتمتد إلى المراحل التالية "الشيخوخة" أيضًا وهي:
١- التدخين.
٢- تعاطي المسكرات والمخدرات.
٣- النوم الأقل من سبع ساعات في الليل "وبنسب أقل لأكثر من تسع ساعات".
٤- الفشل في تناول طعام الأفطار.
٥- زيادة الوزن "وبنسب أقل انخفاض الوزن بشكل واضح".
٦- الفشل في ممارسة الألعاب الرياضية بشكل منتظم.
٧- الأكل بين الوجبات.
وقد أكدت البحوث أن معدل الوفيات بين أولئك الذين يمارسون أربع عادات أو أكثر من هذه القائمة, أعلى من أولئك الذين لا يمارسون هذه العادات بمعدلٍ يصل أربعة أضعاف, وبين النساء يكون المعدل بين اللاتي يمارسن هذه العادات ضعف المعدل السابق "أي ثمانية أمثال".
ويلعب النظام الغذائي السليم دورًا أهم من جميع العادات السابقة, فلا يكفي أن يأكل المرء الوجبات في أوقاتها، بل من الواجب اختيار عدد السعرات المناسب بعناية، مع مراعاة خفض ما يؤكل من الدهنيات والسكريات والمواد المنتجة
стр. 457
للكلسترول والأملاح, وزيادة تناول الأطعمة ذات الألياف, ولعل ما يؤكد أهمية ذلك ما كشفت عنه البحوث الطبية الحديثة, من أنَّ حوالي نصف حالات مرض السرطان في الإنسان ترتبط بالغذاء؛ فزيادة الدهنيات ترتبط بسرطان الثدي والقولون، كما قد تُحْدِثُ وتُطَوِّرُ أنواعًا أخرى من السرطان, ويمكن خفض المخاطرة بسرطان القولون بتناول الأطعمة ذات الألياف؛ ومن أمثلتها الحبوب والفاكهة والخضروات الطازجة.
ويوجد عامل آخر مرتبط بالصحة في منتصف العمر حظي باهتمامٍ كبير في السنوات الأخيرة, وهو ضغط الحياة العام؛ كما يتمثل في الأحداث المؤدية للإجهاد النفسي Stress, فقد لوحظ وجود علاقة موجبة بين مرض القلب وعدد التغيرات العظمى في حياة الإنسان ونوعها, والتي أشرنا إليها من قبل، مثل وفاة رفيق الحياة أو الطلاق أو فقد العمل أو التقاعد, ومع ذلك فإن كثيرًا من الناس يمرون بخبراتٍ ضاغطةٍ ومجهدةٍ في حياتهم دون أن يقعوا في أسر المرض, والسؤال الآن: ما الذي يميز المتوافقين مع هذه الضغوط دون سواهم؟
لقد حاول "Kobasa ١٩٧٩" الإجابة على هذا السؤال بإجراء دراسة مقارنة بين مجموعتين من المديرين من المستويين المتوسط والمرتفع في سلَّمِ الإدارة, والذين يعانون من أحداث ضاغطة ومجهدة خلال السنوات الثلاث السابقة على البحث, وقسَّم المجموعة الكلية إلى مجموعتين فرعيتين؛ إحداهما عانت من الإجهاد دون أن تقع في غائلة المرض "مجموعة متوافقة"، بينما قررت المجموعة الثانية تعرضها لأمراضٍ عديدة بعد الأحداث المجهدة "مجموعة عدم توافق", وقد أظهرت النتائج أن أولئك الذين توافقوا مع ضغوط الحياة بمقارنتهم بالذين لم يتوافقوا كان لديهم إحساس أكثر وضوحًا بقيمتهم وأهدافهم في الحياة وإمكاناتهم، ولديهم ثقة أقوى بأنفسهم، كما كان لديهم اتجاه أكثر إيجابية نحو البيئة، بل اندمجوا فيها على نحوٍ أكثر إيجابية، وكانوا أقدر على تقييم التغيرات التي يتعرضون لها على نحوٍ له معنى، وتكاملها في خطة عامة لحياتهم, كما كانوا أكثر اتجاهًا نحو تقرير أن "موضع الضبط" بالنسبة لهذه الأحداث داخلي -أي: الاعتقاد في أنهم يمكنهم معالجة أحداث الحياة، ويمكنهم، إلى حَدٍّ ما، التحكم فيها, ويصف كوباسا الذين كانوا أكثر نجاحًا في التوافق مع ضغوط الحياة بأنهم ذوو شخصية جسورة ذات قدرة على الاحتمال.
وبالإضافة إلى متغيرات الشخصية يوجد عامل آخر يؤثر في الطريقة التي يتوافق بها المرء مع أحداث الحياة, يتصل بطبيعة هذه الأحداث نفسها، أي: ما إذا
стр. 458
كان الحدث يتم الشعور به منفصلًا عن الأحداث المجهدة الأخرى، أم أن المرء يشعر بضغوطٍ متعددةٍ متآنية في وقتٍ واحدٍ, أو متتابعة بشكل متلاحق. وتؤكد البحوث في هذا الصدد أن الإنسان يتوافق جيدًا مع الأحداث المنفصلة؛ مثل التقاعد أو المرض أو وفاة رفيق "أو رفيقة" الحياة, والأشق على المرء أن يتوافق مع سلسلة من هذه الأحداث تتوالى في نفس الوقت أو في أوقات متقاربة.
أما بالنسبة لأسباب الوفاة، فإنه بينما نجد أن سببه الرئيسي في الرشد المبكر يرجع إلى الحوادث أو الانتحار, فإن الأسباب الرئيسية في وسط العمر ترجع إلى المرض وخاصةً أمراض القلب والسرطان, فحوالي ٤٠% من حالات الوفاة في هذا الطور ترجع لأمراض القلب "٨٠% من حالات الوفاة بمرض القلب من الرجال". وبالطبع فإن لأمراض القلب صلة بالوراثة والنظام الغذائي "وخاصة تناول الأطعمة ذات الكولسترول المرتفع" والتدخين والسمنة ونقص التمرينات الرياضية, ومع ذلك فإن ٥٠% من حالات مرض القلب لا ترتبط بأي سبب معروف, وقد حدد العلماء مؤخرًا١ نمطًا يسمونه النمط "أ" للسلوك, باعتباره الحلقة المفقودة والعامل الهام في إحداث مرض القلب المرتبط بالانسداد التاجي, وهذا النمط السلوكي ليس نمطًا في الشخصية, ولكنه لونٌ من متصل السلوك يرتبط بدرجات متفاوتة من المخاطرة بظهور مرض القلب, وفي أحد أطراف المتصل يوجد ما يسمى أنماط السلوك المرتبطة بالنمط "أ", والتي تشمل السرعة الزائدة في الكلام, وعدم الصبر على التأخير، والتنافسية الزائدة، والبحث المستمر عن الإنجاز، والشعور بعدم الراحة، الاستعداد للاستثارة حتى في المواقف التي لا تتطلَّبُ ذلك.
ويتسم النمط "أ" أيضًا بضغط الزمن وضيق الفترة الزمنية المتاحة؛ حيث يشعر الفرد أن لديه الكثير مما يجب إنجازه مع قلة الوقت المتاح, وكاستجابةٍ لضغط الزمن والميل نحو إحراز الإنجاز يجد أصحاب هذا النمط السلوكي أنفسهم في مشقة وكَبَدٍ مستمرٍّ سعيًا للتحكم في بيئتهم والسيطرة عليها, وبالإضافة إلى ذلك فإن أصحاب هذا النمط يتحركون ويتكلمون ويمشون, بل وحتى يأكلون بسرعة، بل قد يحاولون إنجاز مهمتين معًا وفي وقت واحد, وبسبب سعيهم الذي يكاد يكون قهريًّا نحو الإحراز, فإنهم يقدرون الذاتية بسرعة إنجاز أهداف عالية المكانة.
стр. 459
كما أن لديهم استعدادًا للسلوك العدواني؛ ففي أيِّ حوارٍ بسيطٍ قد يتحوّل الأمر لدى الشخص من النمط "أ" إلى مشادة عدائية غاضبة صاخبة, ولا توجد فروق بين الجنسين في ذلك، فسواء كان الشخص من هذا النمط رجلًا أو امرأةً فإنه يكون عرضةً للإصابة بمرض القلب.
وفي الطرف الثاني للمتصل نجد الأنماط المرتبطة بالسلوك "ب", والتي هي على العكس تمامًا مما سبق وصفه؛ حيث نجد شخصًا مسترخيًا هادئًا غير متسرعٍ في نظرته للعالم، أقل عدوانية، وسعيه للإنجاز عادةً ما يكون متدرجًا وبطيئًا.
والعلاقة السببية بين النمط "أ" من السلوك ومرض القلب تعتمد على أربع فئات من النتائج التي توصلت إليها البحوث.
١- وجود النمط "أ" من السلوك في الأفراد الذين يعانون من مرض القلب من نوع الانسداد التاجي.
٢- القابلية الشديدة للإصابة بالمرض لدى الأشخاص من النمط "أ"، فهذا النمط يرتبط على الأقل بضعف عدد الحالات من مرضى القلب بمقارنته بالنمط "ب".
٣- وجود اضطراب بيوكيميائي مرتبط بالانسداد التاجي لدى الأشخاص من النمط "أ".
٤- التجارب الناجحة التي فيها إحداث السلوك من النمط "أ" داخل المعمل, أظهرت تغيرات بيوكيميائية شبيهة بما يحدث لمن يعانون من الانسداد التاجي.
ويرى بعض الباحثين أن الأشخاص من النمط "أ" عادةً ما يكونون مشغولين إلى حَدٍّ كبير بعملهم وأسرتهم على نحوٍ يجعلهم يتجاهلون الأعراض الجسمية التي تُعَدُّ مؤشرات هامة على المرض, ويؤدي ذلك بدوره إلى الإصابة بمرض القلب, واستفحال هذه الإصابة بسبب تقاعسهم في البحث عن المشورة الطبية, أو تغيير سلوكهم لخفض التوتر.
стр. 460
النموّ الجنسي:
خلال مرحلة وسط العمر تطرأ على الإنسان تغيرات جوهرية في أعضائه الجنسية والتناسلية، وهي عملية تطلق عليها بعض الثقافات تسمية متشائمة هي "سن اليأس"١ climacteric عند النساء خاصة, وهذه التغيرات ترتبط بالنقص في إنتاجية الهورمونات الجنسية، وخاصة الإستروجين estrogene الذي يفرزه المبيضان في المرأة, والتستوستيرون testosterone الذي تفرزه الخصيتان في الرجل, فعلى الرغم من أن الغدة النخامية تستمر في التأثير على الأعضاء الجنسية، وعلى الرغم أيضًا من أن الغدد الصمَّاء الأخرى تستمر في أداء وظائفها كما كان الحال من قبل، إلّا أن الغدد الجنسية تكون أقل إنتاجية في منتصف العمر.
وفي المرأة يبدأ التناقص في مستويات الإستروجين والبروجستيرون progesterone في أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات, وهذا النقص في مستويات الإستروجين خاصةً يؤدي إلى توقف الطمث, وبالتالي العجز عن الحمل بسبب توقف التبويض وضمور المبيضين والرحم, وتوقف الطمث يستغرق فترةً تمتد من سنتين إلى خمس سنوات, ومن هنا جاءت تسمية "سن اليأس" التي تشيع عند الإشارة إلى النساء، ونفضل أن يستخدم المصطلح اللغوي العربي "الطهر" للإشارة إلى هذه الحالة؛ فالطهر لغة هو نقيض الحيض، وهو يحمل معنًى أكثر إيجابية، بالإضافة إلى ارتباطه بالتطهر في السياق الإسلامي العام.
وشعور المرأة بهذه التغيرات في هذا الطور يكاد يتشابه مع ما يحدث في طور المراهقة؛ فالمرأة تشعر ببداية واضحة "للأنوثة Wonanhood" مع بدء الطمث الأول، إلّا أنه خلال العام الأول أو نحوه تكون دورة الطمث غير مخصبة، وهذا يعني أن الفتاة الصغيرة لا تكون مستعدة للحمل لفقدان الخصوبة، ويظل ذلك لبعض الوقت حتى ينتظم إفراز البويضات, وفي سن "الطهر" تشعر المرأة مرةً أخرى بعلاماتٍ واضحة نسبيًّا تدل على التغير في الطمث أيضًا, ومن ذلك حدوث توقف للطمث لمدة ١٢ شهرًا، متصلة في المتوسط، في سن الخمسين, على الرغم من وجود اختلافات فردية واسعة, ومثل الفتاة في بداية المراهقة تكون
стр. 461
خصوبة المرأة في منتصف العمر غير منتظمة أيضًا، فقد تكون بعض دورات الطمث غير مخصبة, ولكنها قد تفاجئ بأنها حامل في دورة تالية.
ومن حقائق السلوك في هذا الطور أن توقف الخصوبة عند المرأة لا صلة له بالنشاط الجنسي, إن المتعة الجنسية بين الزوجين في هذه المرحلة قد تكون أكثر من سواها بسبب التحرر الجنسي من الخوف من الحمل, ومع ذلك, فإن لسن الطهر عدد من الأعراض غير السارّة التي ترتبط به، ومن ذلك تصبب العرق الغزير, والشعور بالدوران والغثيان، والصداع وعدم الاستقرار, والانقباض والسمنة, ولهذا نجد أن حوالي ٣٠% من النساء يلجأن بعد انقطاع الطمث إلى الأطباء بسبب عرض أو أكثر مما سبق.
ويعزو الأطباء هذه الأعراض إلى عدم التوازن الهروموني، وكانوا يعالجونها في الماضي بطرق بيوكيميائية، وعادةً باستخدام الإستروجين, إلّا أن الدراسات الطبية الحديثة أظهرت وجود علاقة قوية بين الاستخدام طويل الأمد للإستروجين كجزءٍ من برنامج علاجي إحلالي، وبين احتمال حدوث سرطان الثدي وسرطان الرحم.
وبعض النساء يرفضون بقوة منحى النموذج الطبي لسن الطهر, والذي يصف هذه الحالة البيولوجية على أنها مرض, وعلينا أن نتذكر دائمًا أن سن الطهر يشير إلى توقف الطمث، والذي قد يصاحب أحيانًا -وليس دائمًا- بأعراضٍ جسمية من النوع الذي أسرنا إليه, وبعض هذه الأعراض يظهر عند النساء في مرحلة ما قبل توقف الطمث, بل إن الأعراض التي أشرنا إليها والتي يفترض فيها أنها تصاحب توقف الطمث ليست بالشيوع الذي يتوهمه البعض، فلا تتجاوز نسبة من يعانين منها إلّا نسبة ضئيلة, ولهذا نجد معظم النساء في هذا الطور لا يتوقفن عن القيام بمهام حياتهن اليومية, ومع ذلك فإن مثل هذا التنميط والقولبة لسن "الطهر" وخاصةً مع شيوع تسميته بسن اليأس يثير الكثير من مشكلات التوافق في طور وسط العمر أو بلوغ الأشد وخاصةً عند المرأة.
ماذا عن الرجال؟ هل يصلون أيضًا إلى سن يأس أو سن طهر؟
الإجابة على ذلك بالنفي بالقطع؛ لأنهم بالطبع لا يحيضون, ومع ذلك فتوجد تغيرات واضحة في الأعضاء التناسلية والجنسية للذكور خلال هذه المرحلة؛ فعند حوالي سن الخمسين يشعر الرجال بنقص في هرمون التستوستيرون، إلّا أن معدل نقصه يكون قليلًا عن نقص إستروجين المرأة, وهذ النقص الهرموني يؤدي إلى نقص في عد الحيوانات المنوية السليمة والنشطة, كما يحدث ضمورًا في حجم
стр. 462
الخصيتين, بالإضافة إلى تضخم غدة البروستاتا.
ومن ناحيةٍ أخرى, فإن الرجال على عكس النساء لا يؤثر فيهم إلّا قليلًا الضعف الجنسي النسبي، فأثره ضئيل في معدل خصوبة الرجل, ويوضح ذلك نتائج إعادة الزواج -إن حدث- في هذا الطور، فمعظم الرجال يصبحون آباءً خلال الرشد الأوسط؛ لأنهم يتزوجون في العادة نساء أصغر منهم لا يزلن في سنوات الخصوبة وإمكانية الحمل, ولعل هذا أحد مصادر القلق الرئيسية للزوجات عند بلوغ سن الطهر.
وعلى الرغم من أن بعض الرجال يقررون وجود بعض الأعراض المصاحبة للخلل الجنسي في طور وسط العمر؛ كالصداع والقابلية للاستثارة العصبية وغيرها، إلّا أن معظمهم لا يدركون التغيرات الجسمية التي تطرأ عليهم, ونادرًا ما يستشير الرجال الأطباء حول هذه الأمور, بل إن الرجل، على عكس المرأة عادةً، ليست له علاقة مستمرة مع طبيب متخصص في الوظائف الجنسية والتناسلية.
стр. 463
النمو العقلي المعرفي:
حتى وقت قريب كان هناك افتراض أن الذكاء، مثله في ذلك مثل القوة العضلية والطول, يصل إلى أقصى نموِّه مع نهاية المراهقة وبداية الرشد "أي: أوائل العشرينات", وهذا الافتراض يقوم على الأسس البيولوجية للذكاء, أي: المخ والوظائف العصبية المرتبطة به, إلّا أن البحوث الحديثة أكدت أنه على الرغم من أن بعض جوانب الذكاء قد لا يتجاوز نموها طور الرشد المبكر، إلّا أن النموَّ العقلي يستمر حتى وسط العمر, والنمو المستمر يحدث خاصةً لتلك القدرات العقلية والمعرفية التي تتأثر بتراكم خبرات الحياة.
وقد استخدمت نسبة الذكاء كمقياسٍ لذكاء الأطفال وتلاميذ المدارس الابتدائية والإعداية "التعليم الأساسي" وكذلك طلاب المدارس الثانوية والجامعات، وظهرت اختبارات لقياس ذكاء الأطفال والمراهقين, وأخرى لقياس الراشدين, وحين استخدمت هذه الاختبارات في قياس ذكاء مجموعات مختلفة من مختلف الأعمار أمكننا دراسة النشاط العقلي في جميع الأعمار في وقت واحد أو في أوقات مختلفة, ونعرض فيما يلي نتائج البحوث في هذ الصدد.
حد النمو العقلي: من المسائل الهامة التي طُرِحَتْ حول ذكاء الراشدين ما يُسَمَّى حَدّ النمو العقلي، أي: في عمرٍ يصل الفرد إلى قمة أدائه في الوظائف النفسية التي تقيسها اختبارات الذكاء؟ وما هو العمر العقلي للراشد المتوسط؟
стр. 464
تمثل الإجابة على هذين السؤالين تاريخًا طريفًا, لقد كانت بداية تقدير العمر العقلي للراشدين على أساس البيانات التي توافرت أثناء الحرب العالمية الأولى هو ١٤عامًا، إلّا أن الحد ظل يتزايد بانتظام، فأصبح ١٥عامًا عند نشر الطبعة الثانية من مقياس ستانفرد-بينيه عام ١٩٣٧، ثم ارتفع هذا الحد إلى بدايات العشرينات كما أكدت بحوث تقنين مقياس وكسلر لذكاء الراشدين WAlS.
وأكدت البحوث الطولية التي أُجْرِيَتْ ابتداءً من بحث ثورنديك المبكر عام ١٩٢٦حتى بحوث Bayley التي أجريت في الخمسينات, أن التحسن في درجات اختبارات الذكاء تستمر إلى سن العشرين وما بعده بقليل. بل أن هذا الحد وصل إلى سن ٢٥عامًا في الدراسة التي قامت بها جامعة بيركلي "وهو أقصى عمر شملته الدراسة", بل إن بعض المسوح التي أجريت في الخمسينات وأشهرها بحث Owens الأول, الذي أجراه عام ١٩٥٣ تؤكد أنه، بالنسبة إلى بعض الجماعات على الأقل، تستمر درجات اختبارات الذكاء في الزيادة طوال حياة الإنسان.
وفي رأي "Anastasi ١٩٥٨" أن الاختلاف بين نتائج البحوث المبكرة والبحوث المتأخرة يعكس تغيرات ثقافية وتحسينات في أدوات القياس؛ فاختبارات الذكاء المبكرة "ومنها مقياس ستانفرد-بينيه" أعدت في الأصل للأطفال، ثم عُدِّلَ محتواها فيما بعد بحيث يلائم أغراض قياس الراشدين, أما في الوقت الحاضر فقد ظهرت وتطورت أدوات قياس ملائمة للراشدين, تستثير اهتمامهم وتهيئ سقفًا ملائمًا وكافيًا يسمح بظهور التحسن المستمر, ومن ناحية أخرى فقد لوحظ أنه حتى عندما يعاد تطبيق الاختبارات المبكرة في الدراسات الحديثة تكون المتوسطات أعلى مما كانت عليه في الماضي "Owens ١٩٥٣", وهذا الكسب الإضافي يعزى في جوهره إلى العوامل التربوية والثقافية.
بداية التدهور العقلي: ترتبط بمسألة توقف النموّ العقلي التي تناولناها مسألة أخرى لا تقل أهمية عنها في بحوث الراشدين, وهي بداية التدهور العقلي, بل إن المسألتين اندمجتا مع توافر الأدلة والبيانات؛ بحيث نستطيع القول أن الأمر يعتمد على طبيعة المفحوصين، وطبيعة الوظائف العقلية التي نقيسها، بحيث نحصل على منحنيات نمو مختلفة، قد يظهر بعضها ارتفاعًا مستمرًا طوال حياة الإنسان، ويظهر البعض الآخر ثبوتًا واستقرارًا لا يتدهور مع التقدم في السن "حيث يتوازى المنحنى مع خط الأساس"، ويظهر البعض الثالث هبوطًا تدريجيًّا أو مفاجئًا.
وتتوافر في الميدان عدة بحوث واسعة النطاق, ومن البحوث المبكرة خاصة
стр. 465
توجد ثلاثة مسوح رئيسية، أولها قام به عام ١٩٣٣ "Jones and Conard, ١٩٣٣" وفيه طبَّقَا اختبار ألفا الحربي على ١١٩١ مفحوصًا, تمتد أعمارهم بين ١٠سنوات، ٦٠عامًا, يمثلون تقريبًا الأصل الإحصائي الكامل لهذه الأعمار بولاية نيوانجلاند الأمريكية, وفي الدراسة الثانية طبَّقَ "Milles&Milles, ١٩٣٢" صورة مختصرة وموقوتة من اختبارات أوتس للقدرة العقلية على ٨٢٣ مفحوصًا تمتد أعمارهم بين ٧سنوات، ٩٤عامًا. أما البحث الثالث فقام به "Wechsler ١٩٤٤" عند تقنين مقياسه الشهير في صورته الأولى التي عرفت في الماضي باسم مقياس وكسلر-بلفيو، وفيه جمع بيانات عن ٦٧٠طفلًا، ١٠٨١ راشدًا تصل أعمارهم إلى ٦٩عامًا, وكان اختيار عينة الراشدين على أساس أن يكون التوزيع المهني في كل فئةٍ عمرية متشابهًا إلى حَدٍّ كبيرٍ مع توزيعه في الإحصاء القومي العام في الولايات المتحدة, وقارن "Jones&Kaplan, ١٩٤٥" بين منحنيات النمو التي توصلت إليها الدراسات الثلاث على أساس الدرجات المعيارية, وذلك لجعل نتائج هذه الدراسات قابلة للمقارنة.
وقد أجريت بحوث أكثر حداثة استخدمت الاختبارات السابقة أو صورًا مشتقة منها، ومن هذه الدراسات بحث "Matarazzo, ١٩٧٢" الذي استخدم اختبار وكسلر، وبحث "Schaie, ١٩٨٥" الذي استخدم بطارية القدرات العقلية الأولية لترستون, وقد أظهرت هذه البحوث اختلافات واضحة في نتائجها, وذلك اعتمادًا على منهج البحث المستخدم، أي: ما إذا كان المنهج طوليًّا أو مستعرضًا.
نتائج البحوث المستعرضة: أوضحت البحوث المستعرضة أن منتجات النموِّ تظهر قمتها في بداية العشرينات من العمر, وأن الأداء في سن العشرينات أعلى من الأداء في منتصف العمر أو مطلع الشيخوخة, وقد فسّر ذلك بأن الذكاء يبدأ عملية تدهور طويلة المدى ابتداءً من سن العشرين, وفي الدراسات المستعرضة الأكثر حداثة وُجِدَ أن قمة الأداء يبدو أنها تحدث بين سن ٢٥، ٣٥سنة, وبصفة عامة نقول: إن الأشخاص في منتصف العمر والشيخوخة "كما سنوضح فيما بعد" يؤدون أداءً أقل في هذه الاختبارات من الراشدين الصغار، وكان معدل النقص مختلفًا في كل دراسة عن الأخرى, ويرجع هذا الاختلاف في جوهره إلى الفروق بين العينات وتنوع المقاييس المستخدمة.
ومن أهم النتائج التي لوحظت في هذه البحوث أن الفروق الفردية "التباين" داخل كل مجموعة عمرية كانت كبيرة، وأنها تميل إلى الزيادة مع التقدم في
стр. 466
العمر, ولهذا لوحظ تداخل كبير بين درجات الأعمار حتى تلك التي يفصل بينها فاصل زمني واسع، فأكثر الأفراد تفوقًا في أكثر المجموعات تقدمًا في السن, كان أداؤه أفضل بكثير من أكثر الأفراد تخلفًا في أصغر المجموعات سنًّا.
هل العمر مؤشر على مستوى القدرة؟ تؤكد النتائج السابقة أن العمر مؤشر غير ملائم على مستوى القدرة، وقد تدعمت هذه النتيجة بالبحث الذي قام به "Milles&Milles, ١٩٣٢" وفيه صنف عينة الراشدين إلى أربع مجموعات في ضوء مقدار التعليم, ابتداءً من مستوى المدرسة الابتدائية حتى مستوى الدراسات العليا. وتأكد أنه على الرغم من أن المجموعات الأربع أظهرت تدهورًا في متوسط الدرجات مع العمر, إلّا أن منحنيات النموّ العقلي لهذه المجموعات كانت مستقلة، فلم يحدث بينها تقابل أو تقاطع، وكانت مجموعة المستوى التعليمي المرتفع أكثر المجموات امتيازًا في الأداء العقلي, كما لوحظ أن الأفراد الذين بلغوا سن السبعين وكانوا من الذين واصلوا تعليمهم لما بعد مستوى البكالوريوس "دراسات عليا", كانت متواسطاتهم في اختبارات الذكاء أعلى من الأشخاص من سن العشرين الذين لم يتعد تعليمهم مستوى المدرسة الابتدائية.
ومن العوامل الأخرى التي تدفعنا إلى الحذر في تفسير النتائج التي تجعل العمر مؤشر القدرة الوحيد, ما نجده في البحوث التي استنتج منها التدهور العقلي بعد عمر معين؛ فالدراسات التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة هي جميعًا من نوع البحوث المستعرضة، وبالتالي فربما تكون قد تأثرت بالتغيرات الثقافية التي أشرنا إليها في فصل سابق, فلا شكَّ أن مقدار التعليم يزداد جيلًا بعد جيل، وبالتالي فإن الجيل الذي بلغ الستين في هذه الدراسات تلقَّى مقدارًا من التعليم أقل من الجيل الذي لا يزال في سن العشرين والذي يقارن به, وعلى هذا فإن بعض التدهور الملاحظ في متوسطات الجيل الأكبر سنًّا قد يرجع إلى قلة التعليم وليس إلى التقدم في السن.
ويدعم هذا الفرض نتائج البحوث التي أجريت حول تقنين مقياس وكسلر بصورتيه الأصلية "وكسلر-بلفيو" والمعدلة في عامي ١٩٤٤، ١٩٥٥ على التوالي, فكلتا العينتين أظهرتا تدهورًا في درجات الذكاء خلال سنوات الرشد يتوازى مع نقصان مستوى التعليم ومقداره في الجماعات العمرية المتتابعة, إلّا أنه لوحظ على عينة التقنين الأكثر حداثة "Wechsler ١٩٥٥" أن التحسن في الأداء العقلي يستمر لفترة أطول, وأن التدهور لا يظهر إلّا في عمرٍ أكثر تأخرًا إذا قورن بأداء عينة تقنين اختبار "وكسلر-بلفيو" الأقدم "Wechsler, ١٩٤٤". وتتفق
стр. 467
هذه الاختلافات في النتائج مع الفروق التعليمية بين عينتي التقنين, وتعكس التغيرات التربوية في الفترة بين الدارستين "وطولها ١٥عامًا".
نتائج البحوث الطولية: من أهم مشكلات البحوث المستعرضة أنها -كما بينا من قبل- لا تساعدنا على افتراض أن الفروق بين المجموعات العمرية ترجع في جوهرها إلى التقدم في السن؛ فالصغار قد يحصلون على درجاتٍ أعلى من الكبار في اختبارات الذكاء, ليس بسبب أنهم أكثر ذكاءً, وإنما بسبب متغيرات أخرى؛ مثل تحسين مستوى التعليم، وارتفاع مستوى التغذية، وزيادة فرص استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة, وعلى ذلك فإن الدرجات العالية تمثل الفروق بين الأجيال كما أشرنا آنفًا في مقابل "أو بالإضافة إلى" أثار التقدم في السن, وقد تأكَّدَ أثر الأجيال من الدراسات التي استخدمت اختباريْ ستانفورد -بينيه ووكسلر. لقد أظهرت هذه الدراسات معايير في كلِّ فترة زمنية أعلى من تلك التي سبقتها, والتفسير الواضح لهذا النمط من النتائج أن العينات اللاحقة تؤدي أفضل من العينات السابقة, إلّا أن ما ليس واضحًا ما إذا كانت هذه النتيجة تعني أن صغار اليوم أكثر ذكاء من صغار الأمس، أم أن صغار اليوم أكثر خبرة في التعامل مع الاختبارات.
وللتقليل من أثر الأجيال وإعطاء صورة أوضح عن التغيرات في الذكاء عبر الزمن استخدم المنهج الطولي, ومن الدراسات التي أجريت في هذا الميدان دراسة Owens التي نشرت في تقريرين أحدهما عام ١٩٥٣ وثانيهما عام ١٩٦٦، وفيها درس ١٢٧ مفحوصًا من الرجال, طبَّقَ عليهم في الأصل اختبار ألفا الحربي حينما كانوا طلابًا مستجدين في جامعة ولاية إيواء عام ١٩١٩, ثم أعاد اختبارهم بنفس المقاييس بعد حوالي ثلاثين عامًا "أي عام ١٩٥٠", ثم استطاع إعادة اختبار ٩٦ منهم عام ١٩٦١, وقد أظهر التقرير الأول "Owens ١٩٥٣" أن الراشدين لم يظهروا أيّ تدهور عند إعادة اختبارهم, بل إن المجموعة أظهرت تحسنًا دالًّا في متوسط الكسب بلغ مقداره نصف الانحراف المعياري للتوزيع الأصلي, كما أن الاختبارات الفرعية الثمانية التي يتألف منها مقياس ألفا لم تظهر أيّ انخفاض له دلالة، بل إن خمسة من هذه الاختبارات الفرعية أظهرت زيادة في متوسط الدرجات.
وفي التقرير الثاني "Owens, ١٩٦٦" حسب الباحث معاملات الارتباط بين درجات المفحوصين الذين ظلوا موضوعًا للبحث عام ١٩٦١ "وعددهم ٩٦ مفحوصًا كما أشرنا", ويوضح الجدول رقم "١٧-١" هذه المعاملات.
стр. 468
جدول رقم "١٧-١"
معاملات الارتباط بين درجات اختبار ألفا الحربي
في الأعوام ١٩١٩، ١٩٥٠، ١٩٦١
ومن هذا الجدول يتضح وجود قدر ملحوظ من الاستقرار في الأداء العقلي خلال فترة تزيد عن أربعين عامًا هي فترة البحث، وكان الاستقرار أكثر وضوحًا في الدرجة الكلية للاختبار المستخدم, ومن المعروف أن هذا الاختبار من النوع اللفظي الجماعي, والذي يتطلب تطبيقه وإجراؤه ٢٥ دقيقة فقط حين يقدم في الظروف المادية, وبالرغم من قصره فإنه يعطي مؤشرات ثابتة نسبيًّا للنشاط العقلي عند الراشدين.
وقد سجَّل أووينز أيضًا التغيرات التي طرأت على مستويات الأداء طوال هذه السنوات في كلِّ مكون أساسي من مكونات اختبار ألفا، فوجد أن هؤلاء المفحوصين كانوا أعلى في الدرجة الكلية من متوسط عينة التقنين حينئذ بمقدار ٠.٧ وحدة انحراف معياري، ثم تحسنوا بما يسواي ١.٣ وحدة انحراف معياري, فوق المتوسط في الاختبار الثاني "١٩٥٠"، ثم لم تظهر فروق ذات دلالة إحصائية في الاختبار الثالث "١٩٦١"، ولاحظ الباحث أن الاختبار الفرعي الوحيد الذي أظهر تدهورًا خطيرًا بين عام ١٩٥٠، ١٩٦١ هو الاختبار العددي.
стр. 469
وفي رأي أووينز أن التدهور في هذا الاختبار لا يرجع إلى الطبيعة الموقوتة لهذا الاختبار الفرعي؛ حيث لوحظ أن السماح للمفحوصين بضعف الوقت المحدد له لم يؤثر تأثيرًا دالًّا في أدائهم.
وتؤكد نتائج هذه الدراسة أن درجات الذكاء عند الراشدين تظل مستقرة مع الزمن، إلّا أن هذا الاستقرار ليس مطلقًا، وإنما يوجد تغير نسبي, وقد ربط أووينز التغيرات في درجات الذكاء بعوامل كثيرة في حياة الإنسان؛ منه مثلًا النجاح الاقتصادي-الاجتماعي الذي يرتبط بالتحسن في الاختبارات اللفظية والاستدلالية.
وتوجد دراسة طولية أخرى استغرقت ٣٨ عامًا نشرها عام ١٩٧١ العالمان الأمريكيان "Kangas Bradway ١٩٧١" وفيها اختير المفحوصون لأول مرة عام ١٩٣١، كجزء من عينة ولاية كاليفورنيا في تقنين طبعة ١٩٣٧ من مقياس ستانفرد-بينيه، وكانوا جميعًا من أطفال ما قبل المدرسة في هذا العام "١٩٣١" متوسط أعمارهم ٤.٨ سنة, وقد أعيد اختبار كثير منهم أعوام ١٩٤١، ١٩٥٦، ١٩٦٩, وأثناء التطبيقين الأخيرين استخدام الباحثان أيضًا مقياس وكسلر لذكاء الراشدين WAlS. وتؤكد نتائج هذا البحث أن نسب الذكاء في سن ما قبل المدرسة تتنبأ بالنشاط العقلي اللاحق، إلّا أن قوتها التنبؤية تتناقص مع طول الفترات الزمنية بين مرات الاختبار, وعلى هذا فإن نسب ذكاء أطفال ما قبل المدرسة تتنبأ بدرجة أفضل بنسب ذكائهم في مرحلة المراهقة إذا قورنت بطور الرشد.
وقد حسب كانجاس وبرادوي في هذا البحث أيضًا التغيرات في متوسطات نسب الذكاء مع مرور الزمن، فوَجَدَا أن هناك زيادةً دالة في المتوسطات خلال هذه السنوات الثماني والثلاثين؛ فالمفحوصون الذين كان متوسط نسب ذكائهم في مقياس ستانفرد بينيه ١١١ عام ١٩٣٠, أصبح متوسطهم ١٣٠ عام ١٩٦٩, أما في مقياس وكسلر فقد كان متوسط نسب الذكاء الكلية ١٠٩ في عام ١٩٥٦, وبلغ ١١٨ في عام ١٩٦٩. وهكذا لم يثبت هذا البحث -في اتفاق مع بحوث كثيرة أخرى أشرنا إلى أمثلة منها فيما سبق- وجود أي دلالة على التدهور في النشاط العقلي في هذه المقياس مع مرور الوقت, ومن الصعب بالطبع تحديد أسباب الزيادة في نسب الذكاء، فربما كان للممارسة السابقة للاختبارات دور في هذه الزيادة.
ومن البحوث الطولية الهامة أيضًا بحث "Tuddenham et al ١٩٦٨" الذي أعيد فيه اختبار ١٦٤ من الذين تركوا القوات المسلحة الأمريكية بعد عشرين عامًا من الخدمة, وبعد أن مَرَّ على اختبارهم الأول ١٣عامًا، باستخدام اختبار
стр. 470
AGCT، وكان متوسط أعمارهم حينئذ ٣٠عامًا، وحسب عامل الارتباط بين مرتي الاختبار فبلغ ٠.٧٩ وقد لوحظ بعض التدهور الضئيل للغاية في الأداء بعد هذه الفترة، باستثناء اختبار الاستدلال الإدراكي "أحد مكونات هذه البطارية".
ومن الدراسات التي استخدمت اختبار روكسلر تلك التي قام بها "Matarazzo, ١٩٧٢" والتي توصلت إلى استقرار القدرات اللفظية على مدى زمني أطول, بينما تظهر الاختبارات الأدائية فروقًا في العمر؛ حيث الراشدين الأصغر سنًّا أفضل أداءً, وتأكدت هذه النتيجة في دراسات أخرى لاحقة "Field, Schaie& Leino, ١٩٨٨, Siegler, ١٩٨٣"
وخلاصة القول بالنسبة لهذه البحوث أننا حين نختبر نفس المفحوصين ونعيد اختبارهم هم أنفسهم على فترات زمنية مختلفة طوال مدى الحياة, لا تظهر بعض القدرات العقلية وخاصةً القدرات اللفظية إلّا تدهورًا قليلًا -إن وجد- في مرحلة وسط العمر, إلّا أن بعض الدراسات الرئيسية أظهرت أن الراشدين الصغار يكون أداؤهم أفضل من أداء الراشدين الكبار في قدرات أخرى, وخاصة القدرات العملية, وعلى ذلك فإن الفروق -إن وجدت- قد تعكس الذكاء كما يظهر لدى الشخص الأكثر صحة ودافعية.
وقد تأكد ذلك مرةً أخرى بالبحوث الموجهة بنظرية كاتل في الذكاء المتبلور والذكاء السائل، فقد وجد "Horn, ١٩٨٢" أن القدرات السائلة أو الإيجابية active "ومعظمها غير لفظي" تتدهور في عمر أكثر تبكيرًا من القدرات المتبلورة أو السلبية Passive "ومعظمها قدرات لفظية".
نتائج بحوث التحليل التتابعي: لا يتوافر في الميدان إلّا قليل من البحوث التي تعتمد على استراتيجية التحليل التتابعي التي تناولناها في فصل سابق, وقد تكون أهم هذه الدراسات ما قام به Schaie وزملاؤه في سلسلة من البحوث نشرت في أعوام ١٩٦٨، ١٩٧٣، ١٩٧٤, وفي هذه البحوث استخدمت عينة طولية اختبرت ثلاث مرات في أعوام ١٩٥٦، ١٩٦٣، ١٩٧٠، منها ١٦١ مفحوصًا اختبروا في المناسبات الثلاث جميعًا تمتد أعمارهم في المتوسط بين ٢٥، ٨١ عامًا، وتوجد مجموعة أخرى تتألف من أفراد من نفس جماعة عام ١٩٥٦ الأصلية, ولكنها اختبرت في مناسبة واحدة فقط من المناسبات الثلاث, وكان الاختبار الجماعي المستخدم هو اختيار ثرستون للقدرات العقلية الأولية, ويتألف من ٥ اختبارات فرعية, هي: معاني الكلمات، الإدراك المكاني، الاستدلال "التفكير"، العدد، وطلاقة الكلمات، كما استخدمت اختبارات أخرى لقياس القلب
стр. 471
السلوكي والسرعة الحركية, ويوضح الجدول رقم "١٧-٢" تصميم هذا البحث مع ملاحظة أن الأعمدة تدل على عينات مستعرضة, والسطور تدل على عينات طولية.
وقارن الباحثون بين الجماعات المختلفة في الدرجات الكلية "في صورة درجات معيارية" في اختبار القدرات العقلية الأولية, فلم يجدوا تدهورًا دالًّا في البيانات الطولية للجماعات من الأولى إلى الرابعة، وابتداءً من الجماعة التي يمثلها السطر الخامس "جماعة العمر من ٥٣-٦٧" ظهر تدهور منتظم مع التقدم في السن، وتتفق نتائج تحليل العينات المستقلة "الأعمدة" مع نتائج العينات الطولية "السطور", على الرغم من أن متوسطات العينات الأولى أقل قليلًا من متوسطات العينات الثانية، وهي فروق اصطناعية ترجع في جوهرها إلى أن عددًا من أفراد العينات الطولية لم يستمروا في المشاركة في البحث التتبعي, وربما يكون ذلك الانخفاض بسبب أن أولئك الذين أعيد اختبارهم هم الأكثرة قدرة, ولهذا نستطيع القول أن نتائج كل من العينات المستعرضة والعينات الطولية كما يظهرها هذا البحث متشابهة, وخاصةً فيما يتصل بتدهور النشاط العقلي، وأن هذا التدهور لا يبدأ إلّا بعد سن الخمسين.
стр. 472
وقد أفاد التصميم التتابعي الباحثين في دراسة أثر الوقت الذي يتم فيه الاختبار في أداء المفحوصين، ومن ذلك مثلًا: هل أولئك الذين اختبروا عام ١٩٥٦ وهم من عمرٍ معين يختلفون عن أولئك الذين اختبروا في عامي ١٩٦٣ أو ١٩٧٠ وهم في نفس السن؟ للإجابة على هذا السؤال وجد الباحثون أنه بالنسبة للعينات الطولية لم يلاحظ دليلٌ على تغير مقترن بعام الاختبار بالنسبة لبعض الأعمار "٤٦عامًا"، بينما لوحظ بعض هذا التغير في عمري ٥٣،٦٠ عامًا، فقد وجد أن أولئك الذين اختبروا عام ١٩٧٠ من هاتين الفئتين العمريتين أدوا أفضل من أقرانهم الذين اختبروا في الأعوام السابقة, كما أدت نتائج تحليل العينات المستعرضة إلى نفس النتائج, وقد يرجع هذا الاختلاف إلى عوامل ثقافية تتمثل في ارتفاع مستوى التعليم وزيادة الاهتمام بالاختبارات والتقدم الصحي وغير ذلك.
وفي مثل هذا النوع من البحوث إذا جُمِعَتْ درجات الأفراد من عمرٍ معينٍ بصرف النظر عن زمن تطبيق الاختبار, يمكننا في هذه الحالة دراسة آثار العمر في ثلاث فرص مختلفة من القياس, وقد لاحظ الباحثون "Schaie وزملاؤه في دراساتهم التي نحن بصددها" أن أكبر فرق بين البيانات المستعرضة والطولية هو في الأعمار ٥٣، ٦٧, وقد أظهرت البيانات الطولية تدهورًا مقداره ثلاث وحدات معيارية، بينما أظهرت البيانات المستعرضة هذا التدهور بمقدار ٩ وحدات, وفي رأي "Botwinick, ١٩٧٧" أن هذه الاختلاف بين نوعي البيانات قد يرجع إلى المصادفة, وفيما عدا هذين العمرين فإن البيانات الطولية والمستعرضة اتفقتا تمامًا.
ويلخص "Shaie, ١٩٩٤" نتائج بحوث التحليل التتابعي التي تركز على الفروق بين الأجيال في القدرات العقلية فيما يلي:
١- يوجد نموّ خطي موجب متصل "في صورة خط مستقيم" بالنسبة للقدرة الاستدلالية، أي: أن هذه القدرة تزيد مع التقدم في العمر.
٢- يوجد نمو متقطع "أي: غير متصل" ولكنه موجب أيضًا بالنسب للقدرة اللفظية والقدرة المكانية.
٣- يتخذ نمو القدرة العددية والقدرة على الطاقة اللفظية صورة الخط المنحنى؛ حيث يصل إلى قمته لدى جيل العشرينات من القرن الحالي, ثم يهبط تدريجيًّا لدى الأجيال اللاحقة.
وخلاصة القول بالنسبة لبحوث التحليل التتابعي التي تفصل بين آثار العمر وآثار الجيل, أن التناقص في معظم مجالات النشاط العقلي لا تحدث قبل الوصول إلى سن الستين, وحين يظهر بعض التدهور قبل سن الستين فإنه لا يكون كبيرًا، وليست له أهمية عملية "Shaie&Hertzog ١٩٨٣". وقد يكون أفضل استنتاج يمكن استخلاصه من نتائج البحوث حول نموّ الذكاء لدى الراشدين في منتصف العمر, أن النقص في الأداء -إن وجد- هو الاستثناء وليس القاعدة العامة.
стр. 473
إبداع الراشدين:
من المسائل الهامة الأخرى التي شغلت الباحثين في هذا الميدان في السنوات الأخيرات مسألة العلاقة بين العمر والابتكار, وخاصة في مجالات معينة؛ كالعلوم والفنون والموسيقى والآداب, وبالطبع يمكن البرهنة بسهولة على أن الإنجاز الابتكاري في هذه الميادين يمكن أن يقوم به أفراد من مختلف الأعمار, إلّا أن المؤكد أن الإنجاز الابتكاري المميز يميل للتبلور بصفة عامة في وسط العمر، والدليل على هذا كما تقول أنستازي "Anastasi ١٩٥٨": إن الصورة الفوتوغرافية لمعظم المبتكرين تظهرهم في أعمار متقدمة، إلّا أن "١٩٥٣ Lehman" يرى أن الأكثر احتمالًا أن هذه الصور التقطت لهم بعد أن صاروا كبارًا في السن وحققوا الشهرة, بينما البحث الصحيح في المسألة يؤكد لنا أن المبتكر قد يحقق إنجازاته الكبرى في عمرٍ أصغر بكثير من ذلك.
ومن أهم الدراسات في هذا الميدان ما قام به لهمان نفسه، فقد قام بتحليل مقدار كبير من البيانات المنشورة حول العمر الذي يظهر فيه الإسهام المتميز في أيّ مجالٍ من مجالات المعرفة والحياة, وتؤكد نتائجه أن قمة الإنتاج الابتكاري تقع بشكل منتظم في عقد الثلاثينات, ونعطي مثالًا على طريقته في البحث ونتائجه من مجال الكيمياء، فقد حصل على أسماء ٢٤٤ من علماء الكيمياء المشهورين "ولم يكن أحد منهم على قيد الحياة" والتواريخ التي توصلوا فيها إلى إسهاماتهم العظمى, ثم حللت البيانات لتحديد عدد هذه الإسهامات التي صدرت عن الجماعة الكلية خلال فترات زمنية طول كل منها خمس سنوات, وأكدت نتائجه أن معدل الإنتاج الابتكاري في الكيمياء يزيد زيادةً واضحةً حتى يصل إلى حده الأقصى في الفترة التي مداها ٣٠-٣٤ عامًا, ثم يتدهور بعد ذلك تدريجيًّا وبشكلٍ مستمرٍّ مستقر, وقد رسم لهمان منحنيات العلاقة بين العمر ومعدل الإنتاج الابتكاري للعلوم الأخرى والآداب والفنون والموسيقى, وتأكد في معظم الحالات أن القمة تقع في منتصف الثلاثينات. إلّا أن هذه القمة تكون في عمر مبكر عن ذلك بالنسبة إلى المحصلة ذات الكيف الرفيع من الانتاج الابتكاري في مختلف
стр. 474
المجالات, وعنده أن كمية الإسهامات ذات المستوى الرفيع تتناقص مع التقدم في السن, ولعل هذا ما دفع أنستازي إلى القول بأن الثلاثينات هي "العصر الذهبي" للإنجاز الابتكاري.
وفي دراسة أخرى قام بها "Dennis, ١٩٦٦" لإنتاجية المبدعين، ويقصد بها عدد الإسهامات بصرف النظر عن كيفها لدى مجموعة من الذكور عاشوا حتى سن الثمانين، فوجد أن الفنانين مثل الموسيقيين والشعراء يصلو إلى قمة إنتاجهم قبل العلماء من مختلف التخصصات؛ فالعلماء والباحثون الذين يتطلب عملهم الإبداعي جمع البيانات وتحليلها وتقويمها, سواء في العلوم الطبيعية أو الإنسانية, تستمر إنتاجيتهم إلى مرحلة وسط العمر وربما إلى مرحلة الشيخوخة.
والسؤال هو: ما هي العوامل التي ترتبط بتدهور الإبداعية لدى الفنانين مع التقدم في السن، وما هي تلك التي ترتبط بالإنتاجية اللاحقة لدى العلماء والباحثين؟
إن أحد التفسيرات المبكرة لهبوط الإبداعية هو النقص الواضح في النشاط العقلي المرتبط بالعمر "Bromley ١٩٥٦", وهذا بالطبع يستند إلى افتراض أن الإبداع والذكاء مرتبطان معًا، بل قد يكونا متطابقين, وكما رأينا فإن بعض البحوث الحديثة أظهرت أن الذكاء المتبلور، وهو المكوّن المعتمد على التعلُّم المستند إلى التراث الثقافي للشخص لا يتدهور مع العمر، بل إنه في الواقع قد يزيد عبر مدى الحياة.
وفي دراسة قام بها "Alpaugh&Birren, ١٩٧٧" حدد عاملين يرتبطان بتدهور الإسهام الإبداعي لدى المتقدمين في السن, هما التفكير التباعدي وتفضيل التعقد المعرفي, ويتضمن التفكير التباعدي القدرة على التفكير في أفكار جديدة مرتبطة بالموقف، والأصالة، والقدرة على تغيير وتحويل الأفكار من حالةٍ إلى أخرى. أما تفضيل تعقُّد الأفكار فقد ساوى بعض الباحثين بينه وبين الإبداع ذاته, وقد وجد الباحثان في دراسة لعينة مستعرضة تمتد أعمارها من ٢٠-٣٠ سنة، مع ضبط مستواها التعليمي، وجود هبوط منتظم في كل من المتغيرين مع زيادة العمر، بينما ظل ذكاء الأفراد ثابتًا، واستنتجا من ذلك أنه بالإضافة إلى الهبوط في عوامل مثل الطاقة والحيوية والنشاط، فإن التدور في الإنتاج الابتكاري عبر مدى الحياة يمكن تفسيره في ضوء النقص في التفكير التباعدي, وفي تفضيل التعقد, وليس في هبوط الذكاء ذاته.
стр. 475
ولم تؤكد بحوث أخرى وجود هبوط في التفكير التباعدي من الرشد المبكر وفي المراحل المتقدمة من العمر. ومن ذلك أن "Jaquish&Ripple, ١٩٨١" لاحظا أن الراشدين في منتصف العمر يؤدون أفضل من كل الراشدين المبكرين ومن الشيوخ في عدد من مهام التفكير التباعدي, كما أكدا أن القدرات الابتكارية لدى مفحوصي وسط العمر والشيخوخة ارتبطت بتقدير الذات, ومن ذلك أن الأشخاص الذين لديهم تقدير عالٍ لأنفسهم قد يكونون أكثر ابتكارية, وهكذا فإن وجود نظرة موجبة إلى الذات تُعَدُّ قوةً دافعة تحدد رغبة الشخص وإرادته للبحث عن حلول ابتكارية للمشكلات.
وبعض الباحثين يذكرون أن أنواعًا مختلفة من الابتكارية ترتبط بمختلف أطوار الرشد, ومن ذلك مثلًا الإشارة إلى الابتكارية الساخنة الثائرة hot-from-the-fire في الرشد المبكر، والابتكارية الرصينة Sculpted في وسط العمر "Jacques ١٩٦٤", فخلال السنوات المبكرة من الرشد يكون العمل الإبداعي حادًّا وعنيفًا وشديدًا وتلقائيًّا، ويبدو الإنتاج عند ظهوره كاملًا ونهائيًّا وجاهزًا، وكان أينشتين أوضح الأمثلة على ذلك.
أما ابتكارية وسط العمر فهي من ناحيةٍ أخرى أبطأ وأكثر هدوءًا ورصانةً, فبدلًا من الشدة والقفز السريع يتسم المرء بالبطء والعمل المثابر، وكان شكسبير وديكنز من الأمثلة البارزة على ذلك, ويبدو لنا أن قمة الإبداعية التلقائية الساخنة تكون في الرشد المبكر، أما صور الإبداعية التي تتطلب الخبرة وإعادة النظر والمراجعة والتأمل فقد تظَلّ إما غير متغيرة أو تزيد في وسط العمر.
والسؤال الأخير هنا: لماذا يتناقص الإنجاز الابتكاري عامَّةً مع التقدم في السن؟ هذا السؤال لايزال في حاجة إلى بحوث جيدة التصميم للإجابة عليه، وعمومًا يمكن أن نوجز أسباب هذه الظاهرة في ضوء الأدلة المتاحة فيما يلي:
١- زيادة الجمود والتصلب المعرفي مما يعوق المرونة, وهي من مكونات الابتكار.
٢- ضعف القوة الجسمية والحسية والصحية بصفة عامة.
٣- تغير الاهتمامات والميول والدوافع, مما يحول المبتكر عن الإنجاز.
٤- ضغوط الحياة اليومية "المالية والأسرية".
٥- الحصول على الشهرة والاكتفاء بها.
٦- الانشغال في الأنشطة الإدارية والتنفيذية.
٧- العجز عن ملاحقة الانفجار المعرفي الذي يتطلب تقويمًا مستمرًا للإسهامات المبتكرة.
стр. 476
نمو الشخصية
مدخل
...
نمو الشخصية:
يبدو للبعض أن الحديث عن نموِّ الشخصية في طور بلوغ الأشد أو منتصف العمر أمر غير ممكن؛ ففي وسط العمر يصل الإنسان إلى "تحديد طريقه", كما أنه فيما يبدو يكون قد أحرز استقرارًا شبه نهائي في سمات شخصيته, وهذا ما يقرره الراشدون الكبار حول أنفسهم عندما يدركون هذا الطور, فعادةً ما يصف الشخص الذي تجاوز عمره الأربعين سنة نفسه بقوله "لقد تحددت شخصيتي"، وأنه فات الأوان الذي يفكر فيه في تغيير أساسي في سلوكه، وأن الحياة بالنسبة له لا تتغير من يومٍ لآخر, ومن عامٍ لآخر.
إلّا أن الملاحظات العارضة بالإضافة إلى نتائج البحوث العلمية السيكولوجية تذكر لنا أن طور وسط العمر لا يختلف عن غيره من أطوار ومراحل النموّ الإنساني, في أنه طور نموّ وتغير مستمرين, ولعل الحكمة القديمة التي تقول: "إن الحياة تبدأ في سن الأربعين" تدعم هذا القول، كما تدعمه عبارات كثيرة شائعة؛ بعضها له أساس علمي عن أزمة منتصف العمر, بل إن بعض الكُتَّاب يذهبون إلى أبعد من ذلك, فيقارنون بين "أزمة" الرشد الأوسط و"أزمة" المراهقة، واخترع بعضهم مصطلح middlescence ليعني وجود فترة اضطراب في وسط الحياة، بالإضافة إلى الدور الاجتماعي الجديد لها, ويرون أن في هذا الطور تتوفر للراشد فرص جديدة لحل أزمة الهوية التي تظل موضع المعاناة منذ المراهقة, فوسط العمر "فرصة ثانية لتؤدي الأعمال التي تحبها، وتغني أغانيك المفضلة، وأن تكون حقًّا وصدقًا أنت نفسك" "على حد تعبير ليشون الكاتب المعاصر ليشون Leshon".
وفي تناول موضوع نموِّ الشخصية وتغيرها في هذا الطور يركز العلماء على مسألة أثر التقدم في السن على الشخصية, فهل يظهر الأفراد تغيرات منتظمة في جوانب الشخصية؛ مثل الميول والاتجاهات والقيم, مع انتقالهم مع الرشد المبكر إلى وسط العمر وأخيرًا إلى الشيخوخة، أم أن الشخصية تستقر عبر دورة حياة الراشد؟
وعلى الرغم من أن المقاومة المباشرة بين مختلف الأعمار في إحدى سمات الشخصية, أو مجموعة من هذه السمات تبدو الطريقة الصحيحة للإجابة على هذا
стр. 477
السؤال إلّا أن الأمر في الواقع ليس بهذه البساطة؛ فالشخصية هي أكثر جوانب الفرد تعقيدًا وتركيبًا ويصعب قياسها عبر الزمن, ويميز بعض العلماء في هذا الصدد بين البنية الأساسية للشخصية أو نمط السمات فيها, وبين أنماط السلوك الظاهر أو الأدلة التي تدل على هذه السمات, وتؤكد البحوث أن البنية الأساسية للشخصية مستقرة عبر الزمن، أما ما يطرأ عليه التغيير فهو السلوك الظاهر, أو الأداء الذي يتم من خلاله التعبير عن هذه البنية؛ فالشخص قد يظل يوصف بالعدوانية سواءً في رشده المبكر أو الأوسط، إلّا أن طريقة التعبير عن هذا العدوان قد تخلف من طور لآخر؛ فقد يكون العدوان إيجابيًّا في الطور الأول؛ حيث يغلب عليه طابع الهجوم والمواجهة والتحدي، وسلبيًّا الطور الآخر؛ كنيسان دعوة الشخص موضع العدوان على الغذاء أو خداع الرئيس, وهذا لا يعني أن السمة تغيرت تغيرًا جوهريًّا في الطورين، أو أن بنية الشخصية غير مستقرة, وبالمثل فإن التشابه بين أنماط السلوك الظاهر في الطورين لا يدل على تشابه السمة فيهما أيضًا. فالأشخاص الذين يقدمون المساعدة لزملائهم، قد يفعلون ذلك بسبب ما لديهم من دافع أساسي أصيل للمساعدة, أو بسبب دافعهم للحصول على تقدير الذات, والسعي إلى تضخيم صورتها من خلال جعل الآخرين يدركون أنفسهم ضعافًا أو غير قادرين, أو لديهم نقص في مجال معين, وهذا نوعٌ من السلوك العدواني السلبي تجاه الآخرين.
وكما هو الحال في دراسة النموّ العقلي المعرفي، فإننا في دراسة نموِّ الشخصية في حاجة إلى التمييز بين الفروق الشخصية التي ترجع إلى النمو الفعلي والمنهجية, فإن معظم البحوث التي أجريت حول نموِّ الشخصية تدعم فرض استمرار بنية الشخصية في مرحلة الرشد، ويصدق هذا خاصةً على البحوث التي استخدمت الطريقة الطولية, وأكثر الخصائص استقرارًا هي القيم "الجمالية، الدينية، الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية" والميول المهنية, وحين استخدمت الطريقة المستعرضة كانت النتائج أكثر تعقيدًا بالطبع؛ حيث توصلت بعض الدراسات مثل التصلب والمحافظة ومفهوم الذات والرضا عن الحياة.
ومن الدراسات التي أكدت استقرار الشخصية تلك التي قامت بها "Haan, ١٩٨١" وهي دراسة طولية لعينة من المفحوصين بدأ بعضها من مرحلة الطفولة، إلّا أن معظمها بدأ من مرحلة المراهقة واستمرت الدراسة حتى بلوغ المفحوصين طور وسط العمر, وأجريت المقارنة في ست سمات هي:
стр. 478
١- الاستثمار المعرفي: Cognitive investment وهي بُعْدٌ أحاديّ القطب, يشير إلى السهولة والمهارة في التعامل مع الأمور العقلية، والتفكير القائم على الروية والاهتمام بالإنجاز الشخصي.
٢- التفريط في مقابل الإفراط في التحكم الانفعالي: وهو بعد ثنائي القطب, يمثل أحد طرفيه الاتجاه الضاغط الاندفاعي في التعامل مع الأشخاص، في مقابل الاتجاه اللين المقيد للانفعالات.
٣- الذات المفتوحة في مقابل الذات المغلقة: وهو بعد ثنائي القطب أيضًا, يمثل درجة انفتاح أفكار المرء ومشاعره وخبراته على الآخرين والبيئة ويسره في التعبير عن ذاته، في مقابل عكس ذلك.
٤- التعاطف في مقابل العداء: وهو بعد ثنائي القطب كذلك, ويدل في أحد طرفيه على الدفء والاستجابية للأشخاص الآخرين, ووضعهم موضع الاعتبار والرعاية، في مقابل العداء والخصومة والتوتر في التعامل معهم.
٥- التفريط في مقابل الإفراط في الجنسية الغيرية: وهو بعد ثنائي القطب, يشير إلى الاختلاف في طرق المرء في التعبير عن سلوكه الجنسي.
٦- الثقة بالنفس: وهي بعد أحادي القطب يدل على التوازن ورباطة الجأش والتسلط والإنتاجية والرضا عن الذات وتقديرها, وخاصةً في مواقف العلاقات بين الأشخاص.
ولقد أكدت نتائج هان أن أبعاد الشخصية الست كانت على درجة كافية من الاستقرار النسبي من المراهقة وحتى الرشد الأوسط, وبالطبع فإن طول الفترة الزمنية بين المراحل أثرت في درجة الاستقرار؛ فقد لوحظ مثلًا قدر أكبر من الاستقرار من المراهقة إلى الرشد المبكر، ومن الرشد المبكر إلى الرشد الوسط، بينما أظهرت المقارنة بين المراهقة والرشد الأوسط درجة من عدم الاستقرار بسبب طول الفترة الزمنية, كما وجدت الباحثة أيضًا أن الأبعاد الأكثر ارتباطًا فيما بينها "وخاصة الاستثمار المعرفي والذات المفتوحة في مقابل المغلقة، والثقة بالنفس" كانت أكثر استقرارًا, وبالإضافة إلى ذلك, فإن شخصيات النساء كانت بصفة عامة أكثر استقرارًا من شخصيات الرجال, ويحدث أكبر تغير في شخصيات الرجال بين المراهقة والرشد عند تولي مسئوليات هامة مثل العمل وما يترتب عليه من استقلال مالي واقتصادي, وعلى هذا فإن ما يسمى أزمة وسط العمر -إن كانت توجد على الإطلاق- فإنها تتمضن إعادة تشكيل أو إعادة تنظيم خصائص شخصية قائمة بالفعل, وليس تحويلًا كاملًا للشخص إلى "كائن إنساني جديد".
стр. 479
الميول المهنية واللامهنية:
من الدراسات المبكرة حول العلاقة بين الميول والعمر تلك التي قام بها سترونج عام ١٩٣١, وهي دراسة مستعرضة معتمدة على استجابات ٢٣٤٠ رجلًا تمتد أعمارهم بين ٢٠، ٦٠ عامًا, يعملون في ٨ مجالات مهنية كبرى، استخدم فيها اختباره الشهير للميول المهنية, وفي دراسة تالية قام بها نفس الباحث عام ١٩٤٣, استخدم فيها عينات عمر مماثلة واستخدم المنهج الطولي التتبعي في بعض الحالات.
وقد تكون أهم النتائج التي توصل إليها سترونج أن الميول تظل متشابهة في مختلف الجماعات العمرية، فالأشخاص في المهن المختلفة يظهرون اختلافًا في أنماط ميولهم أكبر مما يوجد بين المستويات العمرية المختلفة, وأكبر تغير يمكن إرجاعه إلى العمر يحدث بين عامي ١٥، ٢٥عامًا, وأحد هذه التغيرات زيادة عدد الاستجابات التي تدل على حب المرء لعمل ما, وقد يكون سبب ذلك اتساع مدى الخبرة، أما بين عامي ٢٥، ٥٥ عامًا, فإن التغيرات الجوهرية تتضمن نقصًا في "حب" الأنشطة التي تطلب مهارة جسمية ومخاطرة، وكذلك الأعمال التي تتطلب الكتابة، كما ظهر نقص دالّ في حب الأنشطة التي تتمضن تغيرًا أو تداخلًا مع العادات الثابتة عند الفرد.
وتوجد فروق جوهرية بين الرجال والنساء؛ فالرجال بصفة عامةٍ يميلون إلى تركيز اهتماماتهم وميولهم في نطاق مهين محدود لمدة تمتد بين ٢٠، ٢٥عامًا، وخاصةً بعد ما يدركون التفاوت البيّن بين التوقعات المهنية المبكرة "خلال طور الشباب" والإنجازات الحقيقة "Levinson, et al., Nichols, ١٩٨٦", إلّا أنه مع وعي الشخص بقصر الفترة المتبقية له في حياته المهنية قد يعيد حساباته؛ فالبعض يحاول تحقيق أحلامه قبل فوات الأوان، والبعض الآخر يتواضع بطموحاته المهنية ويصير أكثر اهتمامًا بالأمور الأسرية، والبعض الثالث -بعد فشل محاولاته في إحراز تقدم مهني- يقنع بما هو فيه "Schuster Ashburn ١٩٩٢".
أما النساء فإنهن يمارسن عادةً أدوارًا متعددة، فالمرأة لديها فرص متعددة للدخول في العمل والخروج منه، ويؤثر ذلك على ميولها المهنية التي تتسم بأنها
стр. 480
أكثر مرونةً حتى في مرحلة وسط العمر.
ولعل الميول اللامهنية هي الأكثر أهمية في طور وسط العمر، ففيه يكتشف الراشدون أهمية أنشطة وقت الفراغ والترويح، والتي قد تحل في مراحل لاحقة محل أدوار العمل, وقد يكون بعض هذه الأنشطة متمركزًا على ما يدور داخل المنزل "كالخياطة للنساء، والنجارة للرجال"، وبعضه الآخر خارجه "كالرحلات والزيارات", وقد يمارس البعض أنشطة التعبير الذاتي؛ كالموسيقى والفن والكتابة، أو القيام بأنشطة خدمة البيئة والمجتمع المحلي.
стр. 481
التوافق:
يؤكد اتجاه نتائج بحث قام به بروزويك عام ١٩٥٥, الذي عرضناه سابقًا, والذي تَمَّ فيه تحليل مفردات اختبار الشخصية المتعدد الأوجه "مينسوتا", والمقارنة بين استجابات عينة من طلاب الجامعات بأخرى من رجال الأعمال والمهنيين, تمتد أعمارهم بين ٤٥-٥٥ عامًا, أن عينة الراشدين الأكبر سنًّا تظهر تدهورًا في اللياقة البدنية، وميلًا متناقصًا لأنشطة العنف والمغامرة، وقلقًا أكبر حول العمل والتوافق الوجداني، إلّا أن توافقهم الاجتماعي للأسرة والأقارب كان أفضل من الراشدين الصغار.
وتؤكد البحوث التي قام بها كوهلن عام ١٩٤٥, وجود فروق فردية واسعة في استجابة الراشدين للتغير في الحياة، وأهمية العوامل النفسية في تحديد التوافق الانفعالي في مثل هذه المرحلة من العمر, وفي رأيه أن محافظة الأفراد مع تقدمهم في السن على ميولهم النشطة, واستمرارهم في عمل ملائم, له أهمية مطلقة في تحقيق التوافق الجيد.
وقد ناقش كوهلن ثلاثة فروض حول العلاقة بين العمر والتوافق وهي:
١- العلاقة المنحنية، أي: تظهر زيادة في البداية, ثم تتجه نحو التناقص في الأعمار المتقدمة، وبالطبع يصل التوافق في مثل هذا النوع من العلاقات إلى حَدٍّ أمثل عند عمر معين.
٢- عدم وجود تغير كلي في مستوى التوافق مع التقدم في السن, وذلك في الظروف المعتادة، وإنما قد يحدث تحوّل في بعض مجالات التوافق؛ حيث يصبح لبعض هذه المجالات أهمية أكبر أو أقل في بعض الأعمار.
٣- الفروق بين الراشدين الصغار والكبار في التوافق يرجع في جوهره إلى
стр. 482
مدى القابلية للتأثر بالضغط والتهديد، وبالتالي كلما زادت عوامل التوتر في البيئة أو داخل الشخص أدت إلى نقصان التوافق بصفة عامة أو في بعض مجالاته.
ويذكر كوهلن أن الأدلة العلمية المتاحة التي تَمَّ الحصول عليها بوسائل مختلفة: المقابلات، وسائل التقرير الذاتي، الأساليب الإسقاطية، تدعم هذه الفروض الثلاثة جميعًا، إلّا أن معاملات الارتباط بين متغيرات التوافق المقيسة والعمر الزمني تميل إلى الانخفاض, ويقترح كوهلن في هذ الصدد نظرية دينامية للتقدم في السن, وفيها لا تعتبر خصائص الشخصية نتيجة لعملية التقدم في السن, وإنما هي من المتغيرات الهامة التي تؤثر في هذه العملية ذاتها.
وإذا أردنا تناول نموّ الشخصية في مرحلة وسط العمر في إطار نموذج إريكسون, فإن الأزمة التي تتطلب حلًّا في هذه المرحلة في رأيه لا تزال هي أزمة الإنتاجية أو التدفق في مقابل العقم أو الركود, والتي تمثّل المرحلة السابعة في نموذجه للنمو الوجداني، وهي بذلك استمرار لبعض ما كان عليه الحال في طور الرشد المبكر. فالإنتاجية أوالتدفق لا تزال عند الراشدين الكبار -كما كان الحال عن الراشدين الصغار- هي الاهتمام بتكوين وتوجيه الجيل القادم, وهي عند البعض يتم التعبير عنها, كما كان الحال في الرشد المبكر في سياق الأسرة من خلال الحب ورعاية العلاقة بالزوج والأبناء, إلّا أنه قد يضاف جانب هام آخر يميز الرشد الأوسط وهو إنتاجية العلم, ويتمثّل ذلك في الإشراف على العاملين الصغار المبتدئين بتوجيههم ومساعدتهم في تنمية مستقبلهم المهني؛ فالتدفق هو علاقة الشخص بالمستقبل، وهو الوسيلة التي يثبت بها المرء وجوده عبر الزمن. وعكس التدفق، في نظرية إريكسون، العقم أو الركود, وهو شعورٌ بالاستلاب الشخصي والملل واهتمام بالذت.
وقد تطورت نظرية إريسكون بالنسبة للراشدين, وخاصةً في طور منتصف العمر على يدي روبرت بك "R Peck "١٩٦٨"، وعنده أنه توجد أربعة تحديات أو مهام كبرى أمام الراشدين في هذا الطور وهي:
١- تفضيل الحكمة والخبرة على القوة الجسمية: فالراشدون الكبار عليهم أن يعترفوا ويقبلوا التدهور الحتمي في النواحي الجسمية, ويعتمدوا أكثر على المعرفة والخبرة والعمليات العقلية لتحقيق الرضا عن الحياة، وإلّا يظهر ما يسميه بك "اكتئاب وسط العمر" إذا استمر الجسد هو المظهر الرئيسي للهوية, أما إذا استبدلت القيم الأعمق بالخصائص الجسمية فإن الراشد
стр. 483
يتوصل إلى الحكمة اللازمة لحل المشكلات الحياة، وإلّا يظهر ما يسميه بك "اكتئاب وسط العمر"، إذا استمر الجسد هو المظهر الرئيسي للهوية, أما إذا استبدلت القيم الأعمق بالخصائص الحسمية فإن الراشد يتوصل إلى الحكمة اللازمة لحل مشكلات الحياة.
٢- إعادة تحديد العلاقات بالآخرين: فعليهم أيضًا إدراك الآخرين "ومنهم شريك الحياة" بشكلٍ متزايدٍ كأفراد ورفقاء، وتصبح العلاقات معهم "ومنها العلاقة الزوجية" بشكلٍ عامٍّ أكثر اتساعًا وأكثر اجتماعيةً.
٣- المرونة الانفعالية: أي تحويل الاستثمار الانفعالي لدى الراشد من التركيز على شخصٍ واحدٍ أو نشاط واحد إلى أشخاص جدد أو أنشطة جديدة, وهذه القدرة لها أهمية خاصة في منتصف العمر بسبب التعرض المتزايد لفقدان أو تدهور بعض هذه العلاقات في هذا الطور؛ مثل: وفاة الوالدين، كبر الأبناء وتركهم البيت، طرح بعض الأنشطة جانبًا "خاصة الأنشطة الرياضية العنيفة", وحتى يمكن التكيف لهذه التغيرات يجب أن يكون الشخص في منتصف العمر قادرًا على إعادة استثمار هذه الطاقة الانفعالية مع أفراد ومواقف جديدة.
٤- المرونة العقلية والتفتح على الخبرات الجديدة وطرق التعامل مع الأشياء والأشخاص: فالراشد الناضج يواجه دائمًا مشكلات تتطلَّب حلولًا مبتكرة يبدعها هو، أو تقويمًا إيجابيًّا للبدائل التي يقدمها لها الآخرون, أما الراشدون الأقل نضجًا فيستمرون في الاعتماد على الأفكار الجاهزة لديهم، والحلول المعتادة عندهم، والاتجاهات المألوفة لهم، وعندئذ يصبحون عبيدًا للماضي، وبدلًا من أن يتحكَّموا في حياتهم، تتحكم الظروف المحيطة بهم فيهم.
ويضيف هافييجهرست "Havighurst ١٩٧٤" إلى ذلك, أن طور وسط العمر مرحلة فريدة في حياة الإنسان, فلا توجد فترة أخرى في حياته لها مثل ذلك الأثر في المجتمع, ثم إن المجتمع أيضًا يطلب منه أعظم المطالب في نفس الوقت, وعلى ذلك فإن راشدي منتصف العمر يجب عليهم التعامل في المنزل مع مهام مثل مساعدة الأبناء من المراهقين والشباب, على أن يكونوا راشدين مسئولين سعداء، والإبقاء على علاقة توافقية سليمة في الزواج, وهم يواجهون ضغوطًا في العمل، ومع ذلك يكون عليهم الوصول إلى مستوى رفيع من الأداء المهني والمحافظة عليه, وفي نفس الوقت يطلب منهم المجتمع أن يقبلوا وينفذوا مسئولياتهم الاجتماعية وواجباتهم في المواطنة, كما أن الشخص في هذا الطور
стр. 484
يجب عليه أن يجد منافذ جديدة لوقت الفراغ تعكس التغيرات التي طرأت على الجسم والميول والقيم والمكانة الاقتصادية وبنية الأسرة.
وأخيرًا فإن ليفنسون "Levinson, ١٩٧٩" يرى أن مرحلة وسط العمر هي وقت بلورة الميول والقيم والالتزامات, فعنده أن الراشدين ابتداءً من مطلع الثلاثينات وحتى حوالي سن الأربعين يبدأون في الاستقرار، وعندئذ تكون هناك التزامات أعمق نحو الأسرة والعمل والأصدقاء وكل من يهم وما يهم الشخص, وعند حوالي سن الأربعين ولمدة حوالي خمس سنوات يمر المرء بمرحلة التحول إلى وسط العمر, وهي فترة تمثّل المعبر بين الرشد المبكر والرشد الأوسط، أو على حَدِّ تعبير ليفنسون بين المستقبل والماضي, فهي وقت مراجعة رصيد الذات, وفيها تعود أسئلة قديمة منذ أيام المراهقة إلى الظهور مثل "من أكون؟ " وإلى أين "المصير؟ " وهكذا، وتكون لها أهميتها مرةً أخرى, عندئذ يبدأ المرء في تقويم إنجازاته الشخصية في ضوء الأهداف السابقة, كما يعيد تنظيم هذه الأهداف في ضوء كلٍّ من الإنجاز الراهن والمتوقع, وتبعًا لما يراه ليفنسون فإن التخطي الناجح لهذه المرحلة الانتقالية في وسط العمر يتطلب العمل وسط التناقضات بين ما هو كائن وما يجب أن يكون, وإذا استطاع الراشد قبول حقائق حياته الجديدة فإنه يظهر مستوًى جديدًا من الاستقرار مع دخوله طور منتصف العمر, كما يظهر صفات يتطلبها هذا الطور مثل: الحكمة والحكم الجيد وحسن التمييز والتقدير والشفقة على الآخرين "وخاصة الصغار" وسعة الأفق, وإذا لم يتوافر ذلك فيه قد يظهر بينه وبين من هم أصغر منه سنًّا ما يُسَمَّى "صراع الأجيال", ومن الطريف أن نذكر هنا أن الراشدين الكبار الذين كانت علاقاتهم طيبة برؤسائهم في سنواتهم المبكرة, يصبحون هم أنفسهم رؤساء ممتازين في هذا الطور, وخاصةً من حيث إرشاد وتوجيه نموّ الصغار, ويصدق هذا أيضًا على العلاقات بالأبناء, وهكذا فإن أزمة "صراع الأجيال" التي تبدأ في الظهور في هذا الطور قد تكون جذورها وبذورها في التنشئة المبكرة للراشدين الكبار أنفسهم.
стр. 485
نمو الحياة الأسرية
مدخل
...
نمو الحياة الأسرية:
تتغير طبيعة الحياة الأسرة تغيرًا جوهريًّا خلال طور وسط العمر, فلأن معظم الأشخاص الذين هم في منتصف العمر يتزوجون عادةً في العشرينات من عمرهم, وعادة ما ينجبون عقب ذلك مباشرة, فإنهم عندما يبلغون سن الأربعين يكون أكبر أبنائهم على وشك إنهاء تعليمه, والدخول في عالم العمل, أضف إلى ذلك أن الأبناء يصبحون أقل بقاءً في البيت, وبالتالي ينشأ جوّ عائلي مختلف عما كان عليه الحال من قبل, ويدوّن بعض ما يصدر عن الأبناء المراهقين والراشدين الصغار من بعض الحركة؛ مثل: استخدام التليفون أو مشاهدة التليفزيون أو الاستماع للموسيقى, يكون المنزل هدوءًا شاملًا, وبعد بضعة سنوات قليلة يتم خروج أصغر الأبناء إلى المجتمع راشدًا صغيرًا مستقلًّا, وحينئذ يصحب الوالدان في منتصف العمر وحيدين, ولعل هذا يفسر لنا قول "Dovall, ١٩٧٧" من أن الزوجين يقضيان حوالي نصف دورة حياتهما الزوجية وحدهما بعد أن يترك الأبناء المنزل.
وقد عرضنا في الفصل السابق نموذج دوفال لنموّ الحياة الأسرية, والذي حددت فيه عدد السنوات التي يقضينها الزوجان معًا ووحدهما, إلّا أن ما يجب أن ننبه إليه أن هذا النموذج لا يضع في الاعتبار كثيرًا من التنوع في الفروق الفردية في وقت الزواج، وكذلك الفروق الفردية في الإنجاب وعدد الأبناء، والفروق الزمنية بين ولادة كل طفلٍ وآخر "وبالطبع يشمل ذلك تلك الشريحة التي قد لا تنجب على الإطلاق", وعلى الرغم من النمط الشائع للزوجين في وسط العمر أنهما في مطلع الأربعينات يكونان على وشك أن يخرج أكبر أبنائهما إلى عالم الرشد، فإن بعض الآباء من نفس العمر, وخاصةً الذين يتزوجوم متأخرين أو يؤجلون الإنجاب, ربما يقضون هذه الفترة في التعامل مع صراعات وضغوط مراهقة الأبناء أو حتى طفولتهم, بل إن نسبة من الأزواج "ولو أنها قليلة" قد يجدون أنفسهم آباء لأول مرة خلال طور منتصف العمر, كما أن آثار الطلاق وإعادة الزواج وتكوين أسرة ثانية, وغير ذلك مما ناقشناه في الفصل السابق، كل هذا يغير عدد السنوات وتتابع الأحداث في دورة الحياة الأسرية.
إلّا أننا يجب أن نشير إلى أن عبارة "الآباء والأبناء" المستخدمة حتى الآن, قد تصف الراشدين في منتصف العمر في تفاعلهم مع أبنائهم الذين تمتد أعمارهم بين الطفولة ونهاية المراهقة, وقليلًا ما ندرك هؤلاء الراشدين في منتصف العمر كأبناء هم أنفسهم لوالديهم المسنين.
فمع زيادة متوسطات الأعمار وتحوّل الأسرة لتصبح أسرة صغيرة ووثيقة الصلة بالأجيال الأكبر, فإن نسبةً لا بأس بها من الأسر أصبحت متعددة الأجيال في طبيعتها وبنيتها, فمن الشائع أن نجد في الأسرة الواحدة ثلاثة أجيال أو أكثر يعيشون معًا وفي وقت واحد -الأجداد "من المسنين"، والآباء "في منتصف العمر"، والأبناء الأحفاد "في الرشد المبكر"، والأسباط "في الطفولة".
стр. 486
١- العلاقات بين الأجيال:
حتى عهد قريب لم يهتم علماء النفس وغيرهم من علماء العلوم الاجتماعية بمسألة العلاقات بين الأجيال, وقد نشأ هذا الإهمال جزئيًّا من وجهة نظر ضيقة للعلاقات الأسرية الأولية, فبدلًا من إدراك العلاقات بين الآباء والأبناء كعمليةٍ طويلة المدى, ركَّزَ معظم الباحثين على الفترة الأولى من دورة الحياة "الأسرية"، أي: الفترة التي ينجب فيها الزوجان ويربيان أطفالهما الصغار, حتى اللحظة التي ينطلق فيها هؤلاء الأطفال إلى العالم الخارجي, وبالإضافة إلى ذلك شيوع صورة نمطية؛ هي أن الراشدين الصغار حالما يستقلون فإنهم لا يحتاجون ولا يريدون الاتصال بوالديهم, إلّا أن حقيقة الأمر أن الأبناء الراشدين وأباءهم يظلون على اتصالٍ فيما بينهم، وأن هذه العلاقة عادةً ما تفيد الطرفين.
وفي دراسة العلاقات بين الأجيال يوجد سؤالان شائعان هما:
١- ما مدى تأثير جيل ما في نمو الجيل الآخر؟
٢- هل التأثيرات بين الأجيال التي نلاحظها هي في جوهرها أحادية الاتجاه "حيث الآباء يوجهون ويشكلون سلوك وتوافق الأبناء" أم أنها متبادلة "أي: أن الآباء والأبناء يؤثر كلٌّ منهما في نموِّ الآخر تأثيرًا متبادلًا"؟
يعود الفضل إلى "Bengston&Troll, ١٩٨٧" في دراسة العلاقة بين الراشدين الصغار ووالديهم، وفي ذلك يؤكدان على أن عملية التطبيع الاجتماعي الأسري في الرشد هي عملية متراطبة تتسم بالتغذية الراجعة المتصلة ونظام من التأثيرات المتبادلة, كما أكدا على أن الانتقال بين الأجيال للقيم، والمعايير وأنماط السلوك وغيرها, لا يتأثر فقط بخصائص الفرد, وإنما بعوامل أخرى خارج نطاق الأسرة؛ مثل: الفترة التاريخية الخاصة التي يعيش فيها الناس وأصولهم الثقافية, فمثلًا إذا نشأ الشخص في بيئة ثقافية تشجع المناقشة والحوار بين الأفكار, فإن من المحتمل أن يستمرَّ على ذلك في حياة الرشد التالية، وبالتالي يظل يؤثر في الآخرين ويتأثر بهم. وقد تدعمت الطبيعة الثنائية الاتجاه للتأثيرات بين الأجيال في دراسات أخرى حديثة تناولت العلاقات الأسرية بين مجموعات من مختلف المراحل العمرية "مجموعات الوالد المسن والابن في مرحلة الرشد المبكر", وتبين أنه في المسائل التي تتصل بنظام التغذية والممارسات الصحية والاتجاهات السياسية والآراء حول تنشئة الأطفال يوجد دليل على أن تأثيرات التطبيع تتجه
стр. 487
صعودًا وهبوطًا في خطوط الأجيال المختلفة, ومعنى ذلك أن الوالدين لا يؤثرون في أبنائهم فحسب, وإنما يؤثر فيهم أبناؤهم أيضًا.
ويلخص ترول وبنجستون "في Wolman, ١٩٧٢" نتائج البحوث حول الانتقال بين الأجيال, وَوَجَدَا أن معظم الباحثين ركزوا على الاتجاهات والقيم في خمسة مجالاتٍ على وجه الخصوص هي: السياسة والدين والجنس والعمل وأساليب العمل, فقد لوحظ مثلًا أن التشابه في تفضيل الأحزاب السياسية متسق عبر الأجيال, ويظهر تشابه أيضًا -ولكن ليس بنفس قوة التشابه في الانتماء الحزبي- في التوجه السياسي العام, مثل التحرر في مقابل المحافظة, كما وُجِدَ تشابه في القيم الدينية, وعلى عكس ذلك كله وجد اختلاف بين الأجيال حول الأدوار الجنسية, وأساليب الحياة, والتوجه المهني.
وفي دراسة العلاقات بين الأجيال تُعْتَبَرُ مرحلة الرشد الأوسط ذات أهمية خاصة؛ فالراشدون في هذه المرحلة هم الرابطة بين الجيلين الأكبر والأصغر, وكون هذا الجيل يقع في منتصف خط الأسرة يعني أيضًا أنه يتأثر بالاتجاهين معًا؛ فبعض التأثيرات الأسرية تأتيه من أعلى إلى أسفل "أي: تأثير الوالدين المسنين في أبنائهم في منتصف العمر", والبعض الآخر يأتي من أسفل إلى أعلى "حيث يؤثر الأبناء المراهقون أو الراشدون الصغار في الوالدين في منتصف العمر", ولهذا نجد الشخص في هذا الطور يحاول جاهدًا إحداث التكامل بين أدواره الأسرية التي تبدو متعارضة, من ذلك دور القائد والراعي المعتمد على السلطة الوالدية بالنسبة لأبنائه، ودور الخضوع والطاعة بالنسبة لوالديه المسنين, وغنيٌّ عن القول أن هذه المهمة النفسية الاجتماعية تفرض تحديًا كبيرًا على الراشد في طور بلوغ الأشد.
وهنا يجب أن نميِّزَ بين نوعين من الأسر: الأسر ذات الأبناء من المراهقين، وتلك ذات الأبناء من الراشدين الصغار, وبالنسبة للنوع الأول فقد كتب الكثير حول المشكلات الكثيرة وسوء الفهم والتفاهم، وهو ما يشار عليه عادةً بمصطلح "فجوة الأجيال", والتي تتمركز حول الصراع بين الآباء وأبنائهم المراهقين والشباب حول "منحهم" الاستقلال أو "حصولهم" عليه, ولعل هذا ما دفع كثيرًا من الباحثين إلى أن يطلقوا على هذه الظاهرة "صراع الأجيال" "السيد عبد العاطي، ١٩٨٧", وعادةً ما تكون هذه المشكلة نتيجةً لمحاولة الآباء الحفاظ على سلطتهم وتحكمهم في المراهقين الذين هم بدورهم يسعون للاستقلال والحرية، إلّا أن التركيز على فجوة الأجيال أو صراع الأجيال يتجاهل حقيقةً هامةً, وهي أن المراهقين والشباب أنفسهم
стр. 488
يختلفون فيما بينهم في القيم بنفس درجة اختلافهم عن الوالدين، وإن لم يكن أكبر.
وحين يصل الأبناء إلى مرحلة الرشد يصبح لا مناص من إعطائهم فرص الاستقلال والاعتماد على النفس, وهذه المرحلة من الوالدية والتي عادةً ما تحدث للآباء -وهم في طور منتصف العمر- لم تحظَ بقدرٍ كافٍ من البحث العلمي, ومن أسباب ذلك: أن هذه الحالة عادةً ما يُشَارُ إليها على أنها طور "ما بعد الواليدة", وكأن خروج الأبناء إلى العالم الخارجي ينهي تمامًا مسئوليات الوالدين إزاء أبنائهم، وحقيقة الأمر أن الراشدين الكبار لا يتوقفون مطلقًا عن أن يظلوا آباء وأمهات لأبنائهم, حتى ولم يعودوا يعيشون معهم، فالراشدون الصغار، وبصرف النظر عن العمر, أبناءٌ لآبائهم, حتى ولو كانوا متزوجين، ولديهم هم أنفسهم أطفال، ولهم حياتهم المستقلة نسبيًّا, وهذا القول إن كان يصدق بعض الشيء على الثقافات الغربية فهو أكثر صدقًا على المجتمعات العربية والإسلامية.
٢- العلاقات بالأبناء الراشدين:
العلاقة بين الآباء في منتصف العمر وأبنائهم في مرحلة الرشد المبكر تختلف عن علاقة الوالدين بالأبناء في مراحل العمر السابقة في دورة الحياة الأسرية, ومن أهم ما يميِّز تلك العلاقة في هذا الطور أن كلًّا من الآباء والأبناء من الراشدين متكافئون بطريقة أو أخرى من الناحية الاجتماعية، وخاصةً من حيث الامتيازات والمسئوليات التي تتوافر لهم نتيجة مكانتهم كراشدين؛ فالحياة المستقلة وزيادة الدخل المادي وتكوين الأسرة النووية, تؤدي كلها إلى رفع مكانة الابن الراشد الصغير، ويترتب عليها أيضًا نوعٌ من عدم التوازن في علاقة الآباء بالأبناء على نحوٍ يختلف عَمَّا كان عليه الحال في المراحل السابقة, ويوجد مظهر آخر للعلاقة بين الوالدين والأبناء في هذه المرحلة, هو أن "الاستثمار" الانفعالي الأولى الكبير, الذي كان موجَّهًا نحو الأبناء يُعَادُ توجيهه نحو أفراد آخرين, فعند الراشد الصغير يفوق الاهتمام بالزوجة والأبناء الاهتمام بالوالدين, وبالمثل فإن الزوجين في طور منتصف العمر يبدآن في تركيز اهتمام كلٍّ منهما بالآخر, ويقل الاهتمام بأبنائهم الراشدين المستقلين والمعتمدين على أنفسهم نسبيًّا على الأقل, ومع الانشغال بأمور العيش تصبح العلاقة بهم جزءًا من نشاط وقت الفراغ, وليس نوعًا من الحياة اليومية, ومع ذلك فإن البحوث تؤكد أن العلاقة بين الوالدين والأبناء في هذا الطور تظل لها أهميتها.
стр. 489
ومن مظاهر العلاقات الأسرية في هذه المرحلة ظهور دور الحموين, فمع زواج الأبناء تتداخل العلاقات الاجتماعية بين أسرتين كانتا في الأصل مستقلتين, ويبدأ الوالدان في منتصف العمر مشاركة أبنائهم في الوقت والطاقة والعاطفة التي يوجهونها نحو والدي زوج البنت أو زوجة الابن, وقد ينشأ عن ذلك بعض المشاعر السلبية نحوهما, والتي تنعكس بدورها على حياة الأسرة الصغيرة الناشئة للأبناء, ويمتلئ تراث الكوميديا والفكاهة بنماذج "نمطية" لسلوك الحما أو الحماة "ونصيب الحماة هو الأوفر", إلّا أنه توجد أمثلة كثيرة للعلاقات الطيبة بين الأسرتين الكبيرتين, وبين الزوج أو الزوجة ووالدي شريك الحياة "نادية رضوان، ١٩٩٧".
ومع ذلك فإن العلاقة بين الأبناء الراشدين وآبائهم في منتصف العمر لا زالت تتسم في مصر بالقوة, فالأبناء الراشدون كثيرًا ما يعتمدون على أبائهم للحصول على الدعم الماديّ "وخاصة في الظروف الاقتصادية الراهنة في المجتمع المصري المعاصر"، ولرعاية أطفالهم الصغار "وخاصةً إذا كانت الزوجة الصغيرة تعمل"، ولتوفير السند الانفعالي في الأزمات, كما أن الآباء في منتصف العمر يحققون بهذه العلاقة توفير الإشباع الانفعالي لأنفسهم, والرغبة في الصحبة, والشعور بالإنجاز، أي: إنتاج نسلٍ مستقلٍّ مسئولٍ محبٍّ يحمل معنى الاستقرار والبقاء بعد الوفاة، أو بعبارة إريكسون يحقق لهم الإنتاجية والتدفق, أضف إلى ذلك أن الآباء في منتصف العمر يفخرون بإنجازات أبنائهم الراشدين كما لو كانت إنجازاتهم الشخصية؛ فهم يعتزون بتخرج الأبناء وترقيتهم في العمل، ويشاركونهم سعادتهم عند الزواج، وعند ولادة الأحفاد, بل إن الأمر عند بعض الآباء في منتصف العمر يصل إلى حد اعتبار أن نجاح الأبناء هو في حدِّ ذاته تعويض عن إشباع بعض حاجاتهم وتحقيق بعض أهدافهم التي لم تتحقق لهم أنفسهم, وعلى ذلك فإن العلاقة بين الآباء في منتصف العمر وأبنائهم الراشدين هي من نوع الاعتماد المتبادل، فكلٌّ منهما يعتمد على حاجات الآخر لتحقيق الأهداف وإحراز السعادة.
ومع ذلك فإن هذا الطور يوصف عادةً بالنسبة للحياة الأسرية بأنه طور "العش الخالي" empty nest. وبالطبع فإن لذلك مشكلاته؛ فبعض الوالدين يشعرون بإجهادٍ نفسيٍّ شديدٍ حين يغادر الأبناء نهائيًّا البيت, وتؤكد البحوث أن هذه الخبرة أكثر حِدَّةً لدى الأمهات منها لدى الآباء "Rupin١٩٨١", بل إن التوافق للحياة الأسرية الجديدة في هذا الطور قد يكون صعبًا للغاية على الأم التي
стр. 490
قضت معظم حياتها, وبذلت جل طاقتها في رعاية أبنائها، والتي حددت هويتها, واشتقت تقديرها للذات من دور الأمومة "Giele ١٩٨٢", وهذه "الأم المثالية" كما تسمى أحيانًا، تعتبر دورها في "رعاية الأبناء" هو أكبر إنجازاتها, وحين يترك الأبناء البيت تُحْرَمُ حينئذٍ من أكثر أدوارها وأنشطتها أهميةً، فتشعر بالاكتئاب وفقدان القيمة والجدوى, وتتحسر على الحب الذي كان, ويطلق علماء النفس الكلينيكيون على ذلك "زملة أعراض العش الخالي" والتي تظهر بوضوح لدى النساء في طور منتصف العمر, وخاصة اللاتي يعانين من الاكتئاب, وقد يكون ذلك وراء توتر العلاقات بين الأسرتين الكبيرتين بعد زواج الأبناء، وسوء العلاقة بين "الحماة" -خاصة- وبين زوج ابنتها, أو زوجة ابنها.
أما الأم التي تتنوع اهتماماتها "ومن ذلك الأم العاملة", وتقسّم وقتها ومهامَّها بين العمل مثلًا ورعاية الأبناء, فإن مشاعرها السلبية مع خبرة "العش الخالي" قد تكون أقل حدة وأخف وطأة، بل إن بعضهن قد يحول إنتاجيته نحو مجالات جديدة "Cooper&Gutmann, ١٩٨٧, Troll, ١٩٨٥".
ولم يهتم العلماء إلّا منذ فترة قصيرة بآثار العش الخالي على الوالدين من الرجال، وتؤكد الأدلة الحديثة على أن الأمهات لسن وحدهن اللاتي يتعرضن للاضطراب نتيجة ترك الأبناء البيت؛ ففي دراسةٍ أجريت في الولايات المتحدة وُجِدَ أن حوالي ٢٢% من الآباء يسجلون درجةً عاليةً من الشعور بالشقاء والتعاسة بسبب ترك آخر الأبناء المنزل "Brodznisky, et al., ١٩٨٦" وظهرت هذه الأعراض بشكلٍ أكبر لدى الآباء الأكبر سنًّا، والذين لديهم عدد قليل من الأبناء، والذين شغلتهم رعاية أبنائهم طوال فترة حياتهم السابقة, بحيث صرفتهم عن الاهتمامات والأنشطة الاجتماعية الأخرى.
إلّا أننا يجب أن نشير إلى أن الوالدية -وخاصة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية- نادرًا ما تنتهي بمغادرة الأبناء بين العائلة، وكثير من "الأعشاش" لا تعاني من خواء حقيقي "Clemins & Axelson ١٩٨٥". فعلى الرغم من أن الأبناء قد لا يقيمون في البيت إلّا أنهم يستمرون في التعبير عن حاجتهم للدعم الوجداني والسند الإرشادي من خلال العلاقات الوالدية الحميمة، ويظل الوالدان لهما قيمتهما وقدرهما لدى الأبناء طوال حياتهما, وحتى بعد وفاتهما، Mc Crae & Costa ١٩٨٨".
٣- العلاقات بالوالدين المسنين:
يوجد نمط آخر من العلاقات داخل الأسرة متعددة الأجيال هو العلاقات
стр. 491
بالوالدين المسنين, فمما يلفت النظر أنه في الوقت الذي يتحرر فيه الآباء في منتصف العمر من مسئوليات والتزامات تربية أبنائهم, نجد أن بعض أوقاتهم واهتماماتهم يتوجه بشكلٍ أكبر نحو والديهم المسنين الذين يكونون عادةً قد دخلوا في المراحل المتأخرة من الحياة, ومن الوجهة التاريخية, فإن هذا الموقف الذي يتطلب إعادة توجيه الاستثمار الانفعالي نحو الوالدين المسنين هو ظاهرة حديثة؛ لأنه حتى جيلين فقط, كان الراشدون في منتصف العمر هم عادةً أكبر الأعضاء الأحياء في الأسرة الممتدة؛ حيث لم يكن الوالدان المسنان في الأغلب في عداد الأحياء.
ومع ارتفاع معدلات الأعمار زاد عدد المسنين والمعمرين، إلّا أن المجتمعات الحديثة لم تضع عبء رعايتهم كله على الأبناء من منتصف العمر, فخدمات التأمين الاجتماعي التي توفر للمسنين دخلًا ثابتًا في الوقت الحاضر، وكذلك انتشار خدمات التأمين الصحي، ووجود بعض دور الرعاية لهم, خففت من الأعباء التي تُلْقَى على عاتق الأبناء في منتصف العمر في رعاية والديهم المسنين.
إلّا أن ذلك لا يعني أن الراشدين في منتصف العمر متحررون تمامًا من مسئولياتهم نحو الجيل الأكبر؛ فالواقع أن كثيرين من راشدي منتصف العمر لا يزال عليهم أن يقدموا الرعاية لوالديهم المسنين, ويلعبوا دورًا هامًّا في حياتهم, وعندئذ قد تعكس أدوار الوالدية والبنوة, فنجد الابن هو الراعي لوالديه, ويصدق هذا خاصةً حين يكون الوالدان في المراحل المتأخرة من الشيخوخة, وقد بينت بعض البحوث أن الوالدين المسنين قد لا يريدون أن يتحولوا إلى معتمدين على أبنائهم، وقد يظهرون جهدًا قويًّا نحو الاستقلال، إلّا أنهم قد لا يستطيعون. وبالرغم من هذا الاتجاه, فإن هناك أدلة على أن الصلة بين الأبناء الراشدين وآبائهم المسنين لها أهميتها وفائدتها للصحة النفسية للمسنين خاصة.
وتُوجَدُ قرارات هامة وصعبة يجب أن يتخذها الأبناء الراشدون بالنسبة لآبائهم المسنين, ومن ذلك مثلًا هل يُتْرَكُ المسنون يعيشون وحدهم, حين يكونون في ظروف جيدة من حيث الصحة الجسمية والنفسية؟ هل يمكن وضع الوالد المسن في بيت للرعاية؟ إن التوازن هنا قد يكون صعبًا بين شعور المسن بحاجته إلى الاستقلال وبين حاجته الفعلية للرعاية، وفي جميع الأحوال, فإن ما يجب أن يحكم علاقة الأبناء في منتصف العمر بوالديهم المسنين هو مبادئ الإسلام الحنيف, يقول الله تعالى في الإشارة إلى علاقة الأبناء بالآباء على وجه العموم
стр. 492
وفي مختلف مراحل العمر:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] .
وفي الإشارة الخاصة إلى هذه العلاقة عند تقدُّم الوالدين في السن يقول الله تعالى:
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] .
٤- العلاقات بالأحفاد:
من الأدوار الأسرية الهامة التي تنشأ في طور منتصف العمر دور الجدِّ, ويذكر "Hagestad, ١٩٨٥" أنه نظرًا لزيادة مدى الحياة لدى الإنسان في الوقت الحاضرِ أصبح معظم الأطفال الآن يعرفون ويتعاملون مع جميع أجدادهم، ربما لأول مرة في التاريخ, وعلى الرغم من أنَّ الصورة النمطية للجد أنه الشخص الأبيض الشعر، المتجعد الوجه، المتقدم في السن، الضعيف البنية، والذي يقضي وقته في الجلوس في البيت أو المقهى نتيجة لتقاعده عن العمل، فإن هذه الصورة لم تعد صحيحة اليوم, فمع التغير في معدلات الخصوبة والوفاة, والتغير في خصائص السكان طوال السنوات الأخيرة, صار الجد أقرب إلى مرحلة منتصف العمر منه إلى مرحلة الشيخوخة, فقد أصبح العمر المميز ليصير المرء جَدًّا هو حوالي ٥٠ سنة للنساء, و٥٣ سنة للرجال, بل إن الزواج المبكر قبل سن العشرين "وهي ظاهرة بدأت في التناقص في السنوات الأخيرة" قد يجعل المرء جدًّا في منتصف الثلاثينات, وعلى ذلك فإن الجدَّ لأول مرةٍ يمكن وصفه بأنه شخص صحيح البنية، ينشغل في منتصف العمر, يجدون من الصعب عليهم تقبل دور الجدِّ أول الأمر، ويشعرون بأن ذلك يلقي عليهم ظلال وأثقال العمر، بينما صورة الذات التي يحاولون المحافظة عليها هي صورة الشباب.
وهكذا تتفاوت صورة "الجدِّ" وتمتد ابتداءً من الشخص القادر الأقرب إلى الشباب، في طور بلوغ الأشد، وحتى الشخص العاجز المتقدم في السن في طور الشيخوخة المتأخرة, وبالطبع توجد فوارق بين الفئتين من منظور النموّ الإنساني, ومع ذلك فإن الجد -مهما كان طور النموِّ الذي هو فيه- يلعب دور النموذج التكاملي بين الوالدين من الراشدين "الأبناء" والأطفال "الأحفاد" داخل الأسرة الواحدة "Kivnick ١٩٨٦", فوجودهم يحافظ على "هوية" الأسرة ويحقق معنى
стр. 493
الاتصال والتواصل فيها "Bengtson, ١٩٨٥", كما أن تحول الإنسان إلى دور الجدِّ يعني أيضًا توسيع نطاق هويته هو؛ بحيث تشمل أدورًا جديدة تصلح للتعامل مع التغيرات الحادثة في العلاقات الأسرية.
وتؤكد نتائج البحوث التي قام بها ترول "Troll, ١٩٨٢" أن الأجداد يلعبون دورًا هامًّا في نفس الأسرة, إنهم يقدمون للأجيال الصغيرة الدعم الانفعالي والنصيحة العملية الناجمة عن رصيد الخبرة والنضج المتراكمين, وذلك بالنسبة للقيم الأساسية وأسلوب الحياة والمهنة والتربية والوالدية وغيرها, وتقوم الجدة خاصةً بالوظيفة الهامة لرعاية طفل ابنتها العاملة.
وكما يختلف الأفراد في شخصياتهم وأسلوبهم في الوالدية, فإنهم يختلفون أيضًا في أساليبهم في القيام بدور الجد أو الجدة, ومن الدراسات الكلاسيكية في هذا الصدد تلك التي قام بها "Neugatrin, ١٩٦٨ Nengatren & Weisteinm, ١٩٦٤" وفيها حددا خمسة أساليب للتفاعل بين الحفيد والجد "الذي عادةً ما يكون عمره في الخمسينات والستينات, وينتمي إلى الطبقة المتوسطة"، على النحو الآتي:
١- التفاعل الشكلي: وفيه يظهر الجد اهتمامه بالحفيد، ويقدم له أحيانًا الهدايا والخدمات الخاصة؛ مثل الرعاية أثناء عدم وجود الوالدين, ولكنه لا يتدخل في تربية الطفل، ويترك الوالدية للوالدين.
٢- التفاعل من خلال اللهو واللعب: وهو نمط من التفاعل غير الشكلي, ويظهر في صورة اتجاهٍ غير مقيد نحو الحفدة، وفيه يقوم الجد بدور رفيق اللعب, ويتوقع لهذا الأسلوب أن يؤدي إلى علاقة وثيقة متبادلة بين الحفيد والجدِّ.
٣- التفاعل من خلال دور الرعاية: وهنا يقوم الجد أحيانًا "ودائمًا في الأغلب بالنسبة للجدة" بمسئوليات رعاية الطفل، حيث يحلان تقريبًا محل الوالدين, وخاصةً في بعض الظروف الخاصة بهما؛ كالسفر إلى الخارج أو العمل الشاق.
٤- التفاعل من خلال دور السلطة: وهنا يعتبر الجد "وخاصة الجد الرجل" مستودع الحكمة الأسرية، وقد يتطرف هذا الدور حين يقوم الجد أو الجدة بدور تسلطي في الأسرة، حيث يصبح أفرادها ومنهم الآباء الراشدون تابعين له، وهو وحده الذي يوزع الموارد والمعرفة والنصيحة للآخرين.
стр. 494
٥- التفاعل عن بعد: وهنا تكون علاقات الجد مع الحفيد محددة، فيزوره في العطلات والمناسبات الخاصة، ويقدم له الهدايا في هذه الزيارات القليلة, ولهذا فهو بالنسبة لحفيده "شكل بعيد" distant figure" من الناحية الوجدانية.
ويلاحظ الباحثان أيضًا أن كثيرًا من الأجداد يشعرون في علاقتهم بأحفادهم بشعور "البعث البيولوجي", أي: الشعور باستمرار خط الأسرة، بالإضافة إلى الشعور بتحقيق الذات انفعاليًّا من خلال دورهم الأسري الجديد, ومن ذلك مثلًا أن الجدة قد تعيش من جديد خبرة حملها وولادتها وأمومتها المبكرة من خلال الخبرات الجديدة لابنتها أو زوجة ابنها, كما أن الجد بدوره قد يدرك أن لديه من الوقت والاهتمام بأحفاده مالم يتوافر له أبدًا لأطفاله, ولعل هذا يفسر معنى بعض الأمثال الشعبية في هذا الصدد مثل: "أعز من الولد، ولد الولد".
وقد أجريت دراسات حول الأنشطة التي يمارسها الأجداد مع أحفادهم، ومن هذه الدراسات "Cherlin Furstenberg ١٩٨٦" الذي أُجْرِيَ في إطار الثقافة الأمريكية، ونحن في حاجةٍ إلى بحوثٍ مناظرة في ثقافتنا العربية الإسلامية, ويلخص الجدول "١٧-٣" هذه النتائج.
جدول "١٧-٣" الأنشطة التي يمارسها الأجداد مع الأحفاد
وقد كشفت نتائج البحوث "Robertson,١٩٧٩" من أن كثيرًا من الراشدين الكبار يجدون دور الجد أكثر سهولة ويفضلونه على دور الوالدية, ولهذا فليس من المستغرب أن يصف بعض الأجداد أنفسهم بأنهم أجداد جيدون, بينما لم يكونوا كذلك كوالدين.
стр. 495
التوافق الزواجي:
مع بلوغ طور العش الخالي في دورة الحياة الأسرية يدخل الزوج والزوجة مرحلة جديدة من حياتهما الزوجية؛ فابتعاد الأبناء عن البيت يسمح لهما أن يعيدَا تركيز انتباه بعضهما على بعض وعلى زواجهما, ويكون هذا هو وقت إعادة اكتشاف كلٍّ منهما للآخر، وأحيانًا التعرف على الفجوة التي ربما كانت توجد بينهما, كما أنه الوقت الذي يُعَادُ فيه إعادة تأمل نمط الحياة الزوجية, وبعض الأزواج قد يندهشون حين يكتشفون أن العلاقة بينهما لم يطرأ عليها ضعف أو فتور, بل تكاد تكون نفس قوتها السابقة على الرغم من مرور أكثر من عشرين عامًا على الزواج, بينما يجد آخرون أن حياتهم الزوجية صارت يغلب عليها الطابع الروتيني مع نقص في عمليات التواصل بين الزجين, مما يتطلَّب تغيرًا في بعض أساليب التفاعل بينهما لإحياء العلاقة من جديد.
ويُعَدُّ الجانب الأكثر تعرضًا للبحث في موضوع الحياة الزوجية في طور منتصف العمر موضوع التوافق الزواجي, وكان الاتجاه القديم أن معظم الزيجات تصبح أقل حيوية, كما أن العلاقة الزوجية تزداد جفافًا مع مسيرة الزواج, إلّا أن الدراسات الحديثة أوضحت أن هناك نقاط صعود وهبوط في الرضا الزواجي في السنوات المتأخرة من الحياة الزواجية, فلكلٍّ من الزوجين تُعَدُّ المرحلة التي يكون فيها الأبناء في سن المدرسة نقطة هبوط توافقي "توافق سلبي"، بينما مرحلة ما بعد الأطفال postchild والتقاعد يتم إدراكها إدراكًا إيجابيًّا "Huyck, ١٩٨٢", وعلى الرغم من أن المرحلة التي يترك فيها الأبناء المنزل هي عادةًَ فترة ضغط وتوتر، فإن عدم الرضا يرتبط بالأبناء أو الوالدية أكثر من ارتباطه بالزواج في ذاته, أو بعلاقة أحدهما بالآخر.
ما الذي يسبب زيادة الرضا الزواجي خلال هذا الطور من الحياة؟ توحي نتائج البحوث بأن ضغوط الدور التي يشعر بها المرء خلال السنوات المبكرة من الزواج تتناقص في منتصف العمر؛ فالأم -خاصة الأم العاملة- تشعر بالحرية من ضغط وعبء الجمع بين أدوار العمل والأمومة، كما أن الاهتمام العاطفي