بالوالدين المسنين, فمما يلفت النظر أنه في الوقت الذي يتحرر فيه الآباء في منتصف العمر من مسئوليات والتزامات تربية أبنائهم, نجد أن بعض أوقاتهم واهتماماتهم يتوجه بشكلٍ أكبر نحو والديهم المسنين الذين يكونون عادةً قد دخلوا في المراحل المتأخرة من الحياة, ومن الوجهة التاريخية, فإن هذا الموقف الذي يتطلب إعادة توجيه الاستثمار الانفعالي نحو الوالدين المسنين هو ظاهرة حديثة؛ لأنه حتى جيلين فقط, كان الراشدون في منتصف العمر هم عادةً أكبر الأعضاء الأحياء في الأسرة الممتدة؛ حيث لم يكن الوالدان المسنان في الأغلب في عداد الأحياء.
ومع ارتفاع معدلات الأعمار زاد عدد المسنين والمعمرين، إلّا أن المجتمعات الحديثة لم تضع عبء رعايتهم كله على الأبناء من منتصف العمر, فخدمات التأمين الاجتماعي التي توفر للمسنين دخلًا ثابتًا في الوقت الحاضر، وكذلك انتشار خدمات التأمين الصحي، ووجود بعض دور الرعاية لهم, خففت من الأعباء التي تُلْقَى على عاتق الأبناء في منتصف العمر في رعاية والديهم المسنين.
إلّا أن ذلك لا يعني أن الراشدين في منتصف العمر متحررون تمامًا من مسئولياتهم نحو الجيل الأكبر؛ فالواقع أن كثيرين من راشدي منتصف العمر لا يزال عليهم أن يقدموا الرعاية لوالديهم المسنين, ويلعبوا دورًا هامًّا في حياتهم, وعندئذ قد تعكس أدوار الوالدية والبنوة, فنجد الابن هو الراعي لوالديه, ويصدق هذا خاصةً حين يكون الوالدان في المراحل المتأخرة من الشيخوخة, وقد بينت بعض البحوث أن الوالدين المسنين قد لا يريدون أن يتحولوا إلى معتمدين على أبنائهم، وقد يظهرون جهدًا قويًّا نحو الاستقلال، إلّا أنهم قد لا يستطيعون. وبالرغم من هذا الاتجاه, فإن هناك أدلة على أن الصلة بين الأبناء الراشدين وآبائهم المسنين لها أهميتها وفائدتها للصحة النفسية للمسنين خاصة.
وتُوجَدُ قرارات هامة وصعبة يجب أن يتخذها الأبناء الراشدون بالنسبة لآبائهم المسنين, ومن ذلك مثلًا هل يُتْرَكُ المسنون يعيشون وحدهم, حين يكونون في ظروف جيدة من حيث الصحة الجسمية والنفسية؟ هل يمكن وضع الوالد المسن في بيت للرعاية؟ إن التوازن هنا قد يكون صعبًا بين شعور المسن بحاجته إلى الاستقلال وبين حاجته الفعلية للرعاية، وفي جميع الأحوال, فإن ما يجب أن يحكم علاقة الأبناء في منتصف العمر بوالديهم المسنين هو مبادئ الإسلام الحنيف, يقول الله تعالى في الإشارة إلى علاقة الأبناء بالآباء على وجه العموم
стр. 492
وفي مختلف مراحل العمر:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] .
وفي الإشارة الخاصة إلى هذه العلاقة عند تقدُّم الوالدين في السن يقول الله تعالى:
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] .
٤- العلاقات بالأحفاد:
من الأدوار الأسرية الهامة التي تنشأ في طور منتصف العمر دور الجدِّ, ويذكر "Hagestad, ١٩٨٥" أنه نظرًا لزيادة مدى الحياة لدى الإنسان في الوقت الحاضرِ أصبح معظم الأطفال الآن يعرفون ويتعاملون مع جميع أجدادهم، ربما لأول مرة في التاريخ, وعلى الرغم من أنَّ الصورة النمطية للجد أنه الشخص الأبيض الشعر، المتجعد الوجه، المتقدم في السن، الضعيف البنية، والذي يقضي وقته في الجلوس في البيت أو المقهى نتيجة لتقاعده عن العمل، فإن هذه الصورة لم تعد صحيحة اليوم, فمع التغير في معدلات الخصوبة والوفاة, والتغير في خصائص السكان طوال السنوات الأخيرة, صار الجد أقرب إلى مرحلة منتصف العمر منه إلى مرحلة الشيخوخة, فقد أصبح العمر المميز ليصير المرء جَدًّا هو حوالي ٥٠ سنة للنساء, و٥٣ سنة للرجال, بل إن الزواج المبكر قبل سن العشرين "وهي ظاهرة بدأت في التناقص في السنوات الأخيرة" قد يجعل المرء جدًّا في منتصف الثلاثينات, وعلى ذلك فإن الجدَّ لأول مرةٍ يمكن وصفه بأنه شخص صحيح البنية، ينشغل في منتصف العمر, يجدون من الصعب عليهم تقبل دور الجدِّ أول الأمر، ويشعرون بأن ذلك يلقي عليهم ظلال وأثقال العمر، بينما صورة الذات التي يحاولون المحافظة عليها هي صورة الشباب.
وهكذا تتفاوت صورة "الجدِّ" وتمتد ابتداءً من الشخص القادر الأقرب إلى الشباب، في طور بلوغ الأشد، وحتى الشخص العاجز المتقدم في السن في طور الشيخوخة المتأخرة, وبالطبع توجد فوارق بين الفئتين من منظور النموّ الإنساني, ومع ذلك فإن الجد -مهما كان طور النموِّ الذي هو فيه- يلعب دور النموذج التكاملي بين الوالدين من الراشدين "الأبناء" والأطفال "الأحفاد" داخل الأسرة الواحدة "Kivnick ١٩٨٦", فوجودهم يحافظ على "هوية" الأسرة ويحقق معنى
стр. 493
الاتصال والتواصل فيها "Bengtson, ١٩٨٥", كما أن تحول الإنسان إلى دور الجدِّ يعني أيضًا توسيع نطاق هويته هو؛ بحيث تشمل أدورًا جديدة تصلح للتعامل مع التغيرات الحادثة في العلاقات الأسرية.
وتؤكد نتائج البحوث التي قام بها ترول "Troll, ١٩٨٢" أن الأجداد يلعبون دورًا هامًّا في نفس الأسرة, إنهم يقدمون للأجيال الصغيرة الدعم الانفعالي والنصيحة العملية الناجمة عن رصيد الخبرة والنضج المتراكمين, وذلك بالنسبة للقيم الأساسية وأسلوب الحياة والمهنة والتربية والوالدية وغيرها, وتقوم الجدة خاصةً بالوظيفة الهامة لرعاية طفل ابنتها العاملة.
وكما يختلف الأفراد في شخصياتهم وأسلوبهم في الوالدية, فإنهم يختلفون أيضًا في أساليبهم في القيام بدور الجد أو الجدة, ومن الدراسات الكلاسيكية في هذا الصدد تلك التي قام بها "Neugatrin, ١٩٦٨ Nengatren & Weisteinm, ١٩٦٤" وفيها حددا خمسة أساليب للتفاعل بين الحفيد والجد "الذي عادةً ما يكون عمره في الخمسينات والستينات, وينتمي إلى الطبقة المتوسطة"، على النحو الآتي:
١- التفاعل الشكلي: وفيه يظهر الجد اهتمامه بالحفيد، ويقدم له أحيانًا الهدايا والخدمات الخاصة؛ مثل الرعاية أثناء عدم وجود الوالدين, ولكنه لا يتدخل في تربية الطفل، ويترك الوالدية للوالدين.
٢- التفاعل من خلال اللهو واللعب: وهو نمط من التفاعل غير الشكلي, ويظهر في صورة اتجاهٍ غير مقيد نحو الحفدة، وفيه يقوم الجد بدور رفيق اللعب, ويتوقع لهذا الأسلوب أن يؤدي إلى علاقة وثيقة متبادلة بين الحفيد والجدِّ.
٣- التفاعل من خلال دور الرعاية: وهنا يقوم الجد أحيانًا "ودائمًا في الأغلب بالنسبة للجدة" بمسئوليات رعاية الطفل، حيث يحلان تقريبًا محل الوالدين, وخاصةً في بعض الظروف الخاصة بهما؛ كالسفر إلى الخارج أو العمل الشاق.
٤- التفاعل من خلال دور السلطة: وهنا يعتبر الجد "وخاصة الجد الرجل" مستودع الحكمة الأسرية، وقد يتطرف هذا الدور حين يقوم الجد أو الجدة بدور تسلطي في الأسرة، حيث يصبح أفرادها ومنهم الآباء الراشدون تابعين له، وهو وحده الذي يوزع الموارد والمعرفة والنصيحة للآخرين.
стр. 494
٥- التفاعل عن بعد: وهنا تكون علاقات الجد مع الحفيد محددة، فيزوره في العطلات والمناسبات الخاصة، ويقدم له الهدايا في هذه الزيارات القليلة, ولهذا فهو بالنسبة لحفيده "شكل بعيد" distant figure" من الناحية الوجدانية.
ويلاحظ الباحثان أيضًا أن كثيرًا من الأجداد يشعرون في علاقتهم بأحفادهم بشعور "البعث البيولوجي", أي: الشعور باستمرار خط الأسرة، بالإضافة إلى الشعور بتحقيق الذات انفعاليًّا من خلال دورهم الأسري الجديد, ومن ذلك مثلًا أن الجدة قد تعيش من جديد خبرة حملها وولادتها وأمومتها المبكرة من خلال الخبرات الجديدة لابنتها أو زوجة ابنها, كما أن الجد بدوره قد يدرك أن لديه من الوقت والاهتمام بأحفاده مالم يتوافر له أبدًا لأطفاله, ولعل هذا يفسر معنى بعض الأمثال الشعبية في هذا الصدد مثل: "أعز من الولد، ولد الولد".
وقد أجريت دراسات حول الأنشطة التي يمارسها الأجداد مع أحفادهم، ومن هذه الدراسات "Cherlin Furstenberg ١٩٨٦" الذي أُجْرِيَ في إطار الثقافة الأمريكية، ونحن في حاجةٍ إلى بحوثٍ مناظرة في ثقافتنا العربية الإسلامية, ويلخص الجدول "١٧-٣" هذه النتائج.
جدول "١٧-٣" الأنشطة التي يمارسها الأجداد مع الأحفاد
وقد كشفت نتائج البحوث "Robertson,١٩٧٩" من أن كثيرًا من الراشدين الكبار يجدون دور الجد أكثر سهولة ويفضلونه على دور الوالدية, ولهذا فليس من المستغرب أن يصف بعض الأجداد أنفسهم بأنهم أجداد جيدون, بينما لم يكونوا كذلك كوالدين.
стр. 495
التوافق الزواجي:
مع بلوغ طور العش الخالي في دورة الحياة الأسرية يدخل الزوج والزوجة مرحلة جديدة من حياتهما الزوجية؛ فابتعاد الأبناء عن البيت يسمح لهما أن يعيدَا تركيز انتباه بعضهما على بعض وعلى زواجهما, ويكون هذا هو وقت إعادة اكتشاف كلٍّ منهما للآخر، وأحيانًا التعرف على الفجوة التي ربما كانت توجد بينهما, كما أنه الوقت الذي يُعَادُ فيه إعادة تأمل نمط الحياة الزوجية, وبعض الأزواج قد يندهشون حين يكتشفون أن العلاقة بينهما لم يطرأ عليها ضعف أو فتور, بل تكاد تكون نفس قوتها السابقة على الرغم من مرور أكثر من عشرين عامًا على الزواج, بينما يجد آخرون أن حياتهم الزوجية صارت يغلب عليها الطابع الروتيني مع نقص في عمليات التواصل بين الزجين, مما يتطلَّب تغيرًا في بعض أساليب التفاعل بينهما لإحياء العلاقة من جديد.
ويُعَدُّ الجانب الأكثر تعرضًا للبحث في موضوع الحياة الزوجية في طور منتصف العمر موضوع التوافق الزواجي, وكان الاتجاه القديم أن معظم الزيجات تصبح أقل حيوية, كما أن العلاقة الزوجية تزداد جفافًا مع مسيرة الزواج, إلّا أن الدراسات الحديثة أوضحت أن هناك نقاط صعود وهبوط في الرضا الزواجي في السنوات المتأخرة من الحياة الزواجية, فلكلٍّ من الزوجين تُعَدُّ المرحلة التي يكون فيها الأبناء في سن المدرسة نقطة هبوط توافقي "توافق سلبي"، بينما مرحلة ما بعد الأطفال postchild والتقاعد يتم إدراكها إدراكًا إيجابيًّا "Huyck, ١٩٨٢", وعلى الرغم من أن المرحلة التي يترك فيها الأبناء المنزل هي عادةًَ فترة ضغط وتوتر، فإن عدم الرضا يرتبط بالأبناء أو الوالدية أكثر من ارتباطه بالزواج في ذاته, أو بعلاقة أحدهما بالآخر.
ما الذي يسبب زيادة الرضا الزواجي خلال هذا الطور من الحياة؟ توحي نتائج البحوث بأن ضغوط الدور التي يشعر بها المرء خلال السنوات المبكرة من الزواج تتناقص في منتصف العمر؛ فالأم -خاصة الأم العاملة- تشعر بالحرية من ضغط وعبء الجمع بين أدوار العمل والأمومة، كما أن الاهتمام العاطفي
стр. 496
المتجدد لدى الزوجين في هذا الطور قد يزيد التقارب والمحبة والمودة بين الزوجين, ويوجد عامل آخر قد يفسِّر الاتجاهات الإيجابية نحو الزواج لدى الراشدين الكبار "وفي الشيخوخة أيضًا", هو أن الأزواج الذين كانوا في مراحل مبكرة من عمرهم أقل رضًا وسعادةً في زواجهم, انفصلوا أو طلقوا بالفعل قبل هذا الطور. أما الذين استمرَّ زواجهم طوال هذا العمر فيمثلون مجموعةً منتقاةً من الأفراد هم الأكثر سعادةً والأكثر توافقًا في زواجهم, وإذا كان هذا التفسير صحيحًا -وهو بالفعل كذلك- فإن نتائج البحوث حول الرضا الزواجي مدى الحياة لا تدل كثيرًا على تغيرات نمائية حقيقية في نوعية الحياة الزوجية، وإنما هي أقرب إلى الاصطناع المنهجي الذي يرجع إلى زيادة انتقائية المفحوصين.
وفي تحديد العوامل المحددة للرضا الزواجي, يرى كثيرون أن العامل الأكثر أهميةً هو التوافق الجنسي, وعلى الرغم من أن هذا الجانب في الزواج له أهميته في السعادة الزوجية إلّا أن البحوث أكدت أن الأهمية القصوى هي للرفقة الزواجية Marital Companionship "Garrett, ١٩٨٢" وتعني الرفقة هنا: ما هو أكثر من مجرد قضاء وقت أطول مع شريك العمر, وأحد أسباب الربط بين علاقات الرفقة والرضا الزواجي أنها تهيئ للزوجين الفرصة لتخفيف أعباء الضغوط والتوازن والإحباطات التي تنشأ خلال مسيرة الحياة اليومية. وكما يذكر جاريت: فإنه في مثل هذه العلاقة يمكن لأحد الزوجين أن "يطلق البخار الحبيس" أمام شريك حياته دون خوفٍ من النقد أو الرفض, فدور شريك الحياة كمستمعٍ راغبٍ ومهتمٍّ وقادرٍ على تقديم التشجيع والنصحية, يؤدي إلى خفض التوترات, ويحدث عمقًا في العلاقات الزواجية, وينمي شعورًا بمزيد من الألفة المتبادلة بين الزوجين.
وعلى الرغم أن علاقات الرفقة الزواجية يمكن أن توجد لدى الأزواج من مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية, إلّا أن جاريت يلاحظ أنها أكثر شيوعًا بين الأزواج من الطبقتين المتوسطة والعليا أكثر منها بين من هم في الطبقة الدنيا "وخاصة طبقة ذوي الياقات الزرقاء من العمال", ويعود إلى تقسيم العمل الواضح الجامد في الأسرة من النوع الأخير؛ حيث الزوج هو "كاسب العيش", والزوجة هي "الأم وربة البيت", وهذا التقسيم الجامد للدور يؤدي إلى فقدان التواصل بين شريكي الحياة الزوجية, وبالطبع يودي إلى مشاعر منخفضة بالرضا الزواجي.
الطلاق: تؤكد الإحصاءات الحيوية في عددٍ من الثقافات, وخاصةً في أمريكا, أنّ حوالي ثلث الزيجات تنتهي بالطلاق، وحوالي ربع حالات الطلاق
стр. 497
تحدث بعد حوالي ١٥ عامًا من الزواج، وبالتالي قد تحدث أثناء مرحلة منتصف العمر, ومن غير الشائع حدوث طلاق بين من تزوجوا لمدة ٢٠ أو ٢٥عامًا.
ومن الأسباب الهامة للطلاق في أيِّ مرحلةٍ من مراحل العمر العنف الزواجي، وخاصةً عنف الزوج إزاء الزوجة، وقد يرجع أحيانًا إلى عنف الزوجة, وقد زادت حوادث عنف الزوجات في مصر في السنوات الأخيرة إلى درجةٍ تدعو للقلق والاهتمام, وقد يحدث الطلاق نتيجةً لضغوط أزمات الحياة أثناء هذه المرحلة, أو بسبب العلاقات غير المشروعة, إلّا أن كثيرًا من الباحثين يرون أن الطلاق -وخاصة في منتصف العمر- قد يحدث للاختلاف في معدَّلات النموِّ لدى شريكي الزواج, وقد اقترح "Troll, ١٩٨٢" نموذجًا للتوافق بين الزوجين, يعتمد على "حسن المطابقة" بين أنماط النموّ الفردي لكلٍّ منهما, وتبعًا لهذا النموذج يكون للزواج أفضل فرصة للاستمرار إذا ظلَّ كلٌّ من الزوجين ثابتًا في شخصيته, أو نما "أو تدهور" كلٌّ منهما في نفس الوقت تقريبًا عبر زمن الزواج, وتنشأ الخلافات الزوجية الحادة إذا حدث أيّ نقص في حسن المطابقة بين نمو الزوجين, ويحدث ذلك في ثلاثة حالات على وجه الخصوص:
١- حين يظل أحد الزوجين ثابتًا في شخصيته, بينما يتعرض الآخر لنموٍّ أو تدهور فيها.
٢- حين ينشأ تغيُّر في الشخصية في نفس الاتجاه لكلٍّ من الزوجين, ولكن معدل التغير يختلف اختلافًا كبيرًا لدى كلٍّ منهما.
٣- حين تتغير الشخصية من الزوجين في اتجاهين مختلفين.
والطلاق في هذه الحالة -شأنه في ذلك شأن المراحل الأخرى- خبرة أليمة، تتبعه الوحدة والشك في الذات, وتقلب المزاج على نحوٍ يتطلب إعادة التوافق من جديد, وبالطبع قد يتبع الطلاق زواج جديد، إلّا أن حالاته في هذا الطور أقل حدوثًا وأكثر ندرةً، وهو أكثر حدوثًا بين الرجال منه بين النساء، ومن لم يتزوج بعد الطلاق يظل ما بقي من عمره وحيدًا.
التَّرَمُّل: ومن ظواهر الوحدة الزواجية الأخرى إلى جانب الطلاق الترمُّل Widowhood, صحيح أنه أكثر ارتباطًا بالعمر الثالث للإنسان "الشيخوخة"، إلّا أن وفاة أحد الزوجين قد تحدث في طور منتصف العمر "كما قد تحدث في أيِّ مرحلة نمائية أخرى سابقة, تبعًا لقدرة الله ", إلّا أن ما يلفت النظر حقًّا أن المرأة في هذا الطور قد تعتبر نفسها قد بلغت مرحلة الشيخوخة بعد أن تفقد
стр. 498
زوجها, وما يخص طوْرَ منتصف العمر من مشكلات التَّرَمُّلِ أن المرأة -أو الرجل- قد يفقد شريك الحياة، بينما الأصدقاء الآخرون يعيشون حياةً زوجيةً عادية, ولهذا قد تتغير العلاقات الاجتماعية بالأصدقاء؛ فالأرمل آخر من يدعى -وقد تُنْسَى دعوته- في المناسبات الاجتماعية، في الوقت الذي يصعب عليه في هذا السن هجر الحياة كما يحدث بالفعل لمن هو في مرحلة الشيخوخة, والسبب في ذلك أن الشخص في طور منتصف العمر لا يزال يمارس حياته المهنية والاجتماعية المعتادة, ولهذا فإن التَّرَمُّلَ في طور منتصف العمر خبرة شديدة الإيلام, وخاصة مع ما يصاحبها من شعورٍ قاسٍ بالوحدة, وشعورٍ قويٍّ بالاغتراب.
العزوبية: أما المظهر الأخير للوحدة الزواجية في هذا الطور فهو العزوبية Singlehood, فهناك نسبة من الأشخاص الذين يبلغون منتصف العمر دون أن يتزوجوا أبدًا, وللأسف فإنه لا تتوافر لدينا بحوث كافية عن هذه الفئة ومشكلات التوافق التي تعاني منها, ولعل أكثر مشكلات هذه المجموعة حِدَّةً أن عليهم تقبُّل هويتهم الاجتماعية كعزاب، والتي تحمل بعض السمات المميزة, وعليهم أن يخططوا لشيخوخة محرومة من أيِّ دعمٍ اجتماعيٍّ أو وجدانيٍّ, وهم أقل حمايةً ضد المرض والفقر, ومن ذلك مثلًا أنهم حين يتعرضون لأي اضطراب نفسيٍّ أو خلل صحي, فالأكثر شيوعًا أن يودعوا في المؤسسات على عكس المتزوجين منهم, الذين عادةً ما يلقون الرعاية في نطاق الأسرة "الزوجة والأبناء".
стр. 499
النمو المهني:
تتوافر للمرء في مرحلة منتصف العمر فرصة جديدة ليصبح منتجًا في عمله, والإنتاجية في هذا الطور تعني إنتاج السلع والأفكار والخطط السياسيات, والتي تصدر عن الراشدين الكبار بمعدلٍ أكثر ارتفاعًا مما كان عليه الحال من قبل, كما أن إنتاجيتهم قد تعني نقل ما يعرفونه للآخرين -الذين يكونون عادةً أصغر سنًّا- وخاصة وأن فرصة الراشد في منتصف العمر تكون أكبر لاحتلاله موقعًا قياديًّا في عمله, وهو يفعل في عمله -ما يفعله كوالد في أسرته- حين يوفر للأجيال الجديدة ما يرثونه عنه, فإذا لم يوفَّق الراشد في هذا الطور من عمره من تحقيق ذلك, يشعر بالعقم أو الجمود "بمعناه عند إريكسون", ويشعر بالاغتراب عن كلِّ ما أنتجه وما خلفه وراءه.
ويرى هافيجهرست "Wolman ١٩٨٢" أن إحدى مهام النموِّ الهامة في هذا الطور الوصول إلى دور مهني مرن, يبدو مثيرًا ومنتجًا ومرضيًا من الوجهة المالية والاجتماعية, ويتفق معه في ذلك ليفنسون وزملاؤه الذين لاحظوا أن مرحلة
стр. 500
منتصف العمر هي فترة تقييم الذات حول النموِّ المهني؛ حيث الأهداف الماضية يُعَادُ النظر فيها في ضوء الإنجازات الراهنة, والأشخاص الذين ينجزون -أو يظنون أنهم أنجزوا- أهدافًا مهنية محددة في الماضي, يشعرون بالرضا عن أنفسهم, ويكونون صورة موجبة للذات, وعلى العكس من ذلك, فإن اعتراف الشخص بأنه لم يحرز في هذا الطور مستوًى مهنيًّا مناسبًا "رئيس قسم، رئيس عمال، مدير مصلحة، إلخ" يقوده ذلك إلى إعادة تقييم أهداف حياته، وغالبًا ما يعيد تقييم ذاته, والأشخاص الذين يجدون صعوبةً في إعادة التوافق بين أهدافهم المهنية ومطامحهم فيها, وبين حقائق مواقف الحياة الخاصة بهم, قد يشعرون بالإحباط, بالإضافة إلى الشعور بالعقم والجمود.
وعمومًا فإنه خلال الرشد الأول يحرز معظم الرجال والنساء أعلى مكانة ودخل في حياتهم المهنية, ومع ذلك فإنهم يظهرون فروقًا واضحة في التقدم في المكانة والدخل مع زيادة العمر, وترجع هذه الفروق إلى درجة الالتزام بالعمل والميل للنجاح، ومقدار دافع الإنجاز، بالإضافة إلى بعض سمات الشخصية التي تميِّز الأكثر نجاحًا, وخاصةً سمة السيطرة والقيادة, ومن الطريف أنه لا توجد فروقٌ بين المجموعتين في درجة الرضا عن الحياة, على الرغم من اختلاف مواضع كلٍّ منهما في السُّلَّمِ المهنيّ, وقد أكدت البحوث أن بعض متغيرات الشخصية في المراهقة يمكن أن تتنبأ بالنجاح المهنيّ بعد ذلك "في طور الرشد الأوسط", ويشمل ذلك الإمكانات والقدرات العقلية, والميول من ناحية، وعوامل أخرى مثل: الطموح والإنتاجية والاستقلال والموضوعية والتسامح مع المواقف الغامضة، والمرونة, وخاصةً مرونة الأدوار من ناحيةٍ أخرى.
ومع ذلك فعلينا أن ندرك الحقائق المفجعة في العالم الذي نعيش فيه، فليس بالكفاءة وحدها يتقدم الإنسان، فلا يزال للوساطة والمحسوبية والنفاق وانتهاز الفرص دورها في تحديد من يحصل على مفاتيح النجاح, وبها قد يحقق النموّ المهني أو الترقي الوظيفي, وبدونها قد يفقد كل ذلك.
ومن المتغيرات الهامة المرتبطة بالنموّ المهني في هذه المرحلة ما يتصل بطبيعة المجتمع الحديث, وما يتسم به من سرعةٍِ في التغيُّر على نحوٍ يجعل الشخص في منتصف العمر يجد أن المهارات التي تعلمها في فترة مبكرة من حياته المهنية لم تعد مفيدة أو فعَّالة, كما كان حالها من قبل؛ فالتقدم التكنولوجي غَيَّرَ تغييرًا جذريًّا عالم العمل بالنسبة للجميع "أصحاب الياقات البيضاء وأصحاب
стр. 501
الياقات الزرقاء جميعًا", ومن ذلك مثلًا أن الآلة الكاتبة اليدوية تنقرض، وحلَّت محلها بشكلٍ متزايدٍ الآلات الكاتبة الكهربائية والإلكترونية، والتي هي في سبيلها لتخلي الطريق لآلات تجهيز الكلمات بالحاسوب "الكومبيوتر", وتوجد تغيرات مناظرة تحدث تقريبًا في كل مجالٍ من مجالات الحياة المهنية, وفي مواجهة هذه المفاجآت يجد العاملون أنفسهم -وخاصة في منتصف العمر- أنهم في حاجةٍ إلى إعادة التعلُّم وإعادة التدريب, وتنفق المؤسسات الكثير سنويًّا على برامج التدريب والتنمية المهنية، وهذا الموضوع سنتناوله بالتفصيل في الفصل التالي.
ويبقى مظهر هامٌّ وأخيرٌ من مظاهر الحياة المهنية في مرحلة وسط العمر, وهو أنه مع اقتراب المرء من التقاعد وبلوغ سن المعاش يبدأ في سؤال نفسه "ماذا سوف أفعل بوقتي؟ وتظهر قيمة هذا السؤال إذا علمنا أن معظم الناس في هذا الطور لديهم فرصٌ أكبر لممارسة أنشطة وقت الفراغ, وخاصةً بعد ترك الأبناء المنزل واستقلالهم, ولهذا فإن من أهم أهداف طور الرشد الأوسط إحداث التكامل بين العمل والأسرة ووقت الفراغ, إلّا أن مما يُؤْسَفُ له أن وقت الفراغِ لا يمثِّلُ مكانةً عاليةً في سُلَّمِ القيمِ عند الإنسان في مجتمعاتنا العربية والإسلامية, بل إننا كثيرًا ما ننظر بشيء من الشك نحو أولئك الذين يبذلون بعض الوقت في الهويات أو الألعاب الرياضية أو النشاط الاجتماعي التطوعي، على الرغم من أن أنشطة وقت الفراغ قد تساعد الإنسان على تخطي صراع الأدوار في مراحل عمره المختلفة, وعلى إشباع حاجاته بطرقٍ لا توفرها لها جوانب الحياة الأخرى -وخاصة في العمل.
وتختلف طبيعة نشاط الفراغ مع دخول المرء مرحلة منتصف العمر؛ فبينما كان معظم هذا الوقت خلال الرشد المبكر ينفق مع الأسرة، نجد معظمه بعد استقلال الأبناء ينفق على الأنشطة الشخصية التعبيرية, وتزداد أهمية مسألة وقت الفراغ مع بدء التخطيط للتقاعد, وقد وجد الباحثون أن أولئك الذين لديهم أنشطة غير مهنية لا يشعرون بأزمة التقاعد، أما أولئك الذين "يعيشون للعمل" وحده, فإنهم يتعرضون لصدمة التقاعد حقًّا, ومرة أخرى تفيد أنشطة وقت الفراغ في أن يتعامل المرء مع التغير في الدور؛ من شخصٍ عاملٍ إلى شخصٍ غير عامل، وهو أحد معالم العمر الثالث للإنسان.
стр. 502
الفصل الثامن عشر: التعلم مدى الحياة تعلم الراشدين"الكبار "
تعلم الراشدين"الكبار" والمفاهيم المرتبطة
...
الفصل الثامن عشر: التعلم مدى الحياة تعلم الراشدين "الكبار"١
تتألف مشكلة تعليم الراشدين وتعلمهم التي نتناولها في الفصل من شقين؛ أولهما يتَّصِلُ بأولئك الذين لا يزالون أميين أو ارتدوا إليها لأسبابٍ تَتَّصِلُ بعجز الاستيعاب في التعليم الإلزامي، والتسرُّب من مراحل التعليم المختلفة، أو انتهاء التعليم عند مرحلة معينة، أو الفشل في التعليم العام النظامي، أما الشق الثاني فيتصل بأولئك الذين أنهوا سنوات التعليم الرسمية بالفعل ووصولوا بذلك إلى درجةٍ من المهارة والكفاية, ومع ذلك فإن ضرورات العصر تتطلَّب منهم أن يعيدوا التعليم بعد فترات زمنية معينة, وما يتصل بهذا كله من مفاهيم حول التعليم المستمر أو التعليم مدى الحياة, وبالطبع تُوجَدُ بين الفئتين جوانب مشتركة قليلة, وجوانب مختلفة كثيرة, ونبدأ الفصل بضبط المصطلحات والمفاهيم.
تعلم الراشدين "الكبار" والمفاهيم المرتبطة:
يذكر "Kidd &Titmus,١٩٨٥" أن تعليم الراشدين يمتد بجذوره إلى الحضارات الإنسانية الكبرى: مصر وفارس والصين والهند، بل تكاد الأدلة تجمع على أنه سبق تعليم الصغار "الأطفال والشباب" في الصورة الرسمية له على شكل مدرسة, وكان للحضارة الإسلامية دور بارز في ذلك أيضًا إلى الحدِّ الذي يصفه المؤلفان بأن الإسلام صنع ما يُسَمَّى في الوقت الحاضر "مجتمع التعلم" Leaning Society" عبر ثقافات وشعوب مختلفة ضمتها الدولة الإسلامية في عصور ازدهارها.
وحينما أعيد الاهتمام بالموضوع ابتداءً من القرن الثامن عشر، وتزايده خلال القرن التاسع عشر، وتحوّله إلى منظومة رسمية في القرن العشرين, ظهرت بضع مشكلاتٍ يرتبط معظمها بتعدد المنظورات التي يدرك من خلالها
стр. 503
الموضوع، ولعلَّ أهمها ما يلي:
١- منظور الطبقة الاجتماعية, والذي أدَّى إلى ظهور مفاهيم مثل: التعليم الشعبي والتعليم العمالي, إلخ.
٢- المنظور الوظيفي, والذي أدَّى إلى ظهور مفاهيم مثل: التعليم المهني, والتعليم الاجتماعي، والتعليم للموطنة، إلخ.
٣- منظور التعليم المبدئي initial, والذي أدى إلى ظهور مفاهيم مثل: التعليم المتواصل Further Education, والتعليم المستمر Continuint Education.
وقد استخدم في أحوال كثيرة محك العمر لتحديد جمهور تعليم الكبار "أو الراشدين", وقد أشرنا في مطلع هذا الباب إلى أن العمر ليس محكًّا كافيًا للحكم على وصول المرء إلى مرحلة الرشد؛ فالرشد يعتمد في جوهره على محكَّاتٍ ثقافية في المجتمع، والمسئوليات الاجتماعية والاقتصادية التي توكَّل إلى الشخص، والنظام القانوني القائم, كما يتحدد سيكولوجيًّا بقدرة المرء على معاونة الآخرين على النضج، واندماجه واستمتاعه بسلوك ومهام الراشدين كما يحددها المجتمع، والاستقلال والتوجيه الذاتيين, وهذه العمليات كلها لا تعتمد على العمر الزمني وحده.
ففي بعض المجتمعات يتحدد التعليم الإلزامي "الأساسي" بسن معينة "١٤ سنة في مصر", وعدد معين من سنوات التعليم "٨سنوات حتى نهاية التعليم الإعدادي في مصر", بعده يصبح التعليم اختياريًّا, وعندئذ يُعَدُّ الشخص من الراشدين؛ حيث يحقّ له العمل, وفي بعض المجتمعات الأخرى يعتبر تعليم الراشدين خارج المنظومة الرسمية للتعليم ابتداءً من التعليم الابتدائي, وحتى التعليم العالي, مهما كان عمر الملتحقين به.
وقد حاول البعض تعريف تعليم الراشدين باعتباره عملية لا ترتبط بالعمر الزمني؛ حيث يحقُّ للأشخاص الذين أنهوا الحلقة المبدئية من تعليمهم المستمر أن يواصلوا بأنشطة متتابعة ومنظمة لتنمية معلوماتهم ومعارفهم ومهاراتهم واتجاهاتهم.
وظلَّ الموضوع غير محدد المعالم حتى تقرَّرَ في المؤتمر العام لليونسكو, الذي انعقد عام ١٩٧٦ بحضور ١٤٢ دولة, الاتفاق على تعريفٍ لتعليم الراشدين "الكبار" يتضمن العناصر الآتية:
стр. 504
١- العمليات التربوية المنظمة التي تؤدي إلى إطالة التعليم المبدئي أو الحلول محله في المدارس والكليات والجامعات, وكذلك التلمذة الصناعية.
٢- يشمل المصطلح هذه العمليات سواءً رسمية أو غير رسمية.
٣- توجه هذه العمليات إلى الأشخاص الذين يعتبرون راشدين بمعايير المجتمع الذي ينتسبون إليه, وذلك بتنمية قدراتهم وإثراء معارفهم، وتجويد مؤهلاتهم الفنية والمهنية, أو تحويلهم إلى مسارات جديدة، وإحداث تغيرات في اتجاهاتهم وسلوكهم.
٤- يهدف ذلك إلى تحقيق التنمية ببعديها: النمو الشخصي الكامل من ناحية, والمشاركة في التنمية المستقلة والمتوازنة اجتماعيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا من ناحيةٍ أخرى.
الافتراضات الأساسية في تعليم الراشدين:
يستند تعليم الراشدين إلى مجموعة الافتراضات الأساسية هي:
١- الراشد إنسانٌ حُرٌّ مسئولٌ عن أفعاله، ومن هنا تكون له الحرية في المشاركة في أيِّ خبرةٍ تعليمية يختارها، وفي تحديد محتوى طبيعة هذه الخبرة.
٢- يحتاج الفرد والمجتمع إلى استمرار التعليم طوال حياة الراشد؛ فالراشدون جميعًا يحتاجون إلى التعليم، إلّا أن هذه الحاجة تكون أشد عند أولئك الذين تلقوا من التعليم قدرًا أقلَّ في مراحل نموِّهم السابقة "الطفولة والصبا والشباب"، ولهذا تكون لهؤلاء أولوية في تقديم هذه الخدمات التربوية.
٣- مع التقبُّل المتزايد لمبدأ التعلُّم مدى الحياة, سادت فكرة أن التعليم حقٌّ لكلِّ فردٍ مهمَا كان عمره.
وقد حظيت هذه الافتراضات بقبولٍ واسع النطاق على مستوى النظرية، إلّا أن الممارسة كشفت عن قدر لا بأس به من المشكلات, سواء في تفسير المبادئ, أو في الصراع فيما بينها، أو في المواءمة بين هذه المبادئ والتوجهات السياسية والفلسفية والاقتصادية السائدة في المجتمع، أو في مدى تكييفها لمواقف عملية واقعية.
ومن أمثلة هذه المشكلات الصراع بين حاجات الأفراد وحاجات المجتمع, ومسألة أن مشاركة الراشدين في التعليم اختيارية مع زيادة الطلب في بعض المهن على التعليم المهنيّ المستمرّ، وموضوع الاهتمام في تعليم الراشدين بأولئك الذين
стр. 505
لم يكن لهم حظٌّ كبيرٌ منه في مراحل حياتهم السابقة، لحساب غيرهم في الوقت الذي يتعرض الجميع فيه لتغيرات اجتماعية وثقافية متسارعة تتطلب استمرار التعليم.
بعض المفاهيم الأخرى المرتبطة:
على الرغم من الجهود التي بُذِلَتْ للوصول إلى تعريفٍ دقيقٍ لتعليم الراشدين وتعلمهم, إلّا أن ذلك لم يتحقق تمامًا، ولهذا ظهر في الميدان عدد من المفاهيم الأخرى تضاهيه أو تصوبه أو تضبطه أو تتجاوزه، إلّا أنها لم تخلُ أيضًا من قدرٍ من الاختلاف، وهذه المفاهيم هي:
١- التعليم اللارسمي: وقد استُخْدِمَ هذه المفهوم منذ أوائل الستينات كبديلٍ لمصطلحٍ أقدم منه, وهو "التعليم الاجتماعي", إلّا أن المطابقة بين هذا المفهوم وتعليم الراشدين ليس مقبولًا تمامًا؛ فالتعليم اللارسمي يمكن، بل يجب أن يستخدم مع الأطفال والشباب أيضًا.
ومن المصطلحات المرتبطة مفهوم "التعليم غير الرسمي" الذي استُخْدِمَ منذ فترةٍ مبكرةٍ أيضًا, ولكنه سرعان ما اختفى, فمن المعلوم أن قدرًا كبيرًا من تعليم الراشدين في الوقت الحاضر جزء من منظومة التعليم الرسمي.
ويسود اتجاه في الوقت الحاضر إلى التحديد الدقيق للمفاهيم الثلاثة: التعليم الرسمي واللارسمي وغير الرسمي بحيث تصلح للاستخدام مع الأطفال والشباب والراشدين جميعًا من خلال منظومةٍ كليةٍ ومتكاملة للتربية؛ فالتعليم الرسمي يستخدم في وصف المنظومة المرتبة حسب العمر، ابتداءً من المدرسة الابتدائية وحتى التعليم الجامعي والعالي، وتشتمل الدراسة الأكايمية والبرامج المتخصصة والتدريب المهني.
أما التعليم اللارسمي informal فهو عملية تعليم مدى الحياة؛ حيث يكتسب بها جميع الأفراد الاتجاهات والقيم والمهارات والمعارف من خبرات الحياة اليومية, ومن التأثيرات, والمصادر التربوية في البيئة دون تخطيط منظَّمٍ مقصودٍ لهذا التعلم.
أما التعليم غير الرسمي nonformal فيمكن تعريفه بأنه أيُّ نشاطٍ تربويٍّ منظَّمٍ خارج المنظومة الرسمية المؤسسية للتعليم "المدرسة أو المعهد أو الكلية" سواءً أكان منفصلًا أم جزءًا من نشاط تربوي أكثر اتساعًا؛ بحيث يقدَّمُ إلى جمهور تعلم محدد, ويسعى لتحقيق أهداف واضحة.
стр. 506
٢- التعليم المناوب: منذ أوائل السبعينات ظهر مصطلح آخر "وخاصةً في أوربا" هو التعليم المناوب Recurrent Education، ويُعَرَّفُ بأنه استراتيجية تعليمية شاملة لجميع المواطنين بعد المرحلة الإلزامية من التعليم "التعليم الأساسي", تمتد على نطاق المدى الكليّ لحياة الإنسان بطريقة تناوبية، حيث يحل التعليم على فترات متقطعة محل أنشطةٍ أخرى؛ مثل: العمل ووقت الفراغ والتقاعد, حسب الحاجات الفردية للمتعلمين, والحاجات المتغيرة لسوق العمل.
والتعليم المناوب بهذا المعنى هو عملية تعلُّم مدى الحياة, يتضمن مشاركة متقطعة ودورية في البرامج التربوية سعيًا لإذابة الفوارق بين التعليم والأنشطة الأخرى, وخاصةً العمل, تحقيقًا لمبدأ التنمية المتواصلة مدى الحياة "Houghton & richardson, ١٩٧٤".
٣- التعليم المستمر: يعرف "Thomas, ١٩٨١" التعليم المستمر Continaing Education بأنه نظام في التعليم يشمل التعليم الرسمي وغير الرسمي, يتحدد مكوناته ومؤسساته في ضوء أهداف تربوية محددة, وليس في ضوء العمر الزمني أو ظروف المتعلمين.
ومعنى ذلك أن التعليم المستمر يجب أن يتاح للجميع في جميع الأعمار, سواء أكان إجباريًّا أم اختياريًّا، أو كان يتطلب التفرغ الكامل أم عدم التفرغ.
ويختلف التعليم المستمر عن غيره من الأنشطة التربوية في المجتمع بأنه يعطي الشخص اعترافًا عامًّا أو شهادةً لمن يكمل برامجه، وهو بذلك يتطابق مع ما يُسَمَّى في الوقت الحاضر التعليم المفتوح Open Education، أو ما كان يُسَمَّى حتى عهد قريب التعليم المتواصل Further Education، وفي جميع الأحوال فإن التعليم المستمر هو نوع من التعلم وإعادة التعلم، والتدريب وإعادة التدريب لمواجهة المطالب المهنية والشخصية المتزايدة والمتجددة "Houghton, Richardson, ١٩٧٤".
٤- التعليم مدى الحياة: لعل مفهوم التعليم مدى الحياة Lifelong Education هو أكثر المفاهيم شيوعًا في الوقت الحاضر، وهو بالطبع أكثر المفاهيم ارتباطًا بموضوع هذا الكتاب الذي يتناول النموَّ مدى الحياة Life-span Devekopment.
ويقصد بالتعلُّم مدى الحياة: العملية التي يستمرُّ بها الإنسان في تنمية معارفه ومهاراته واتجاهاته عبر مدى حياته من الطفولة حتى الشيخوخة "وسوف نشير في
стр. 507
الباب التالي إلى مسألة تعليم المسنين", وهو نوع من النمو والتنمية الموجهين ذاتيًّا, ويتطلب ذلك فهم المرء لذاته وللعالم المحيط به، سواء كان ماديًّا أو اجتماعيًّا، واكتساب مهارات جديدة, أي: الاستثمار الذاتي.
وبالطبع فإن هذه العملية قد تتم في إطار ما يُسَمَّى التعليم مدى الحياة Lifelong Education، والمقصود بذلك أن يتمَّ التعلُّم Leatning من خلال إجراءات منظمة تهيئ للناس فرص تحقيق هذا التعلم "راجع تمييزنا بين التعلم والتعليم في كتابنا علم النفس التربوي", فالتعلُّم مدى الحياة، وتعلُّم الكبار, يشيران إلى نمطٍ أساسيٍّ من أنماط السلوك الإنساني، بينما تعليم الكبار، والتعليم مدى الحياة يشيران إلى الخبرات المنظمة والمتتابعة التي تُعَدُّ لمقابلة حاجات المتعلمين, وهكذا يكون التعليم مدى الحياة هو الوسيلة التي يتحقق بها التعلُّم مدى الحياة, باعتباره التغيُّر المستمر الحادث في سلوك الإنسان.
فالتعلم مدى الحياة -إذن- يشمل المدى الكليّ لحياة الإنسان "النمو مدى الحياة"، ويؤدي إلى اكتسابٍ منظَّمٍ للمعارف والمهارات والاتجاهات، أو تجديدها أو تطويرها أو استكمالها، كلما دعت الحاجة والضرورة إلى ذلك، استجابةً للظروف والأحوال المتغيرة في الحياة المعاصرة, تحقيقًا لمبدأ الوفاء بإمكانات الذات Self-Fulfimint لدى كل فرد, ويُعْتَمَدُ في تحقيق ذلك على نجاحه في تنمية قدرة الفرد ودافعيته للاندماج في أنشطة التعلم الموجهة ذاتيًّا Selef-directd "Cropey ١٩٨٠", على أن تستمرَّ في ذلك جميع موارد التعلم, سواء كانت رسمية أو لا رسمية أو غير رسمية، مع إحداث التكامل الواجب بين جميع بنى التعليم ومراحله على أساس البعد الرأسي "الزمني", والبعد الأفقي "المكاني", مع توفير خاصية المرونة والتنوع عبر الزمان والمكان والمحتوى وأساليب التعليم "Dave, ١٩٧٦".
стр. 508
دافع التعلم عند الراشدين
...
دوافع التعلم عند الراشدين:
لعل السؤال الجوهريّ في ميدان تعلم الراشدين وتعليمهم هو: ما الذي يدفعهم إلى ذلك, وخاصة إذا كان التعلم هنا يعتمد في جوهره على حرية الإرادة والاختيار؟
من أشهر المسوح التي أجريت حول دوافع التعلم عند الراشدين, ما قام به المعهد القومي لتربية الراشدين في بريطانيا Education National lnstiute of Adudt ونشر عام ١٩٧٠, وقد كشف هذا البحث عن بعض الصعوبات المنهجية في هذا الميدان, لعل أهمها:
١- قد يشعر الراشد بالتردد في ذكر دافع واحد للتعلُّم باعتباره الأكثر أهمية من الدوافع الأخرى.
٢- قد يرغب الراشد في أن يخفي الدافع الحقيقي للتعلُّم, والذي قد يشعر أن الآخرين ربما يرفضونه.
٣- قد يتأثر الراشد بعامل المرغوبية الاجتماعية Social desirability حين يعتقد أن هناك دوافع لها احترام تربوي أكثر من غيرها.
٤- قد لا يكون الراشد واعيًا بدوافعه الحقيقية للتعلُّم، فربما يكون دافعه الظاهريّ مهنيًّا، بينما دافعه الحقيقي اجتماعيّ.
وتوجد مجموعة من الحقائق الهامة تجب الإشارة إليها في هذا الصدد, وأول هذه الحقائق أن جميع الدوافع المعروفة في تعلُّم الأطفال والمراهقين تعتبر سطحية عند الراشدين؛ فإذا كان دافع التعلُّم الأساسي لدى الصغار هو دافع الإنجاز مثلًا "كما يتمثل في النجاح والتفوق المدرسي", فإن هذا الدافع لدى الراشدين هو تحقيق الحاجة إلى الإنفاق.
والحقيقية الثانية في موضوع دوافع الراشدين للتعلُّم, هي أن الراشدين يكونون عادةً أكثر دافعية من الصغار؛ فالكبار أكثر توجهًا نحو الاستقلال والاعتماد على الذات، وأدوارهم أكثر تعددًا، وخبراتهم أكثر تنوعًا, كما أنهم أكثر توجهًا بالمشكلات "Boshier, ١٩٨٥".
والحقيقة الثالثة: أن الدور التربوي الأساسي للطفل والمراهق والشاب, هو دور المتعلِّم الذي يمكن أن يتفرغ له، أما بالنسبة إلى الراشدين فإن التفرغ لهذا الدور يكاد يكون مستحيلًا، ولهذا فإن دوافعهم للتعلُّم تشتق من أدوار الرشد المتعددة: الزوج، الوالد، العامل، المواطن، إلخ، وهي أدوار تتفاعل فيها الحاجات الشخصية مع الحاجات الاجتماعية والمجتمعية، ولهذا فإن دافع التعلُّم لدى الراشدين لا تقبل الاختزال إلى دافع واحد, وإنما هي متفاعلة متداخلة.
بنية دافعية التعلُّم لدى الراشدين:
من الدراسات المبكرة التي أُجْرِيَتْ على دوافع الراشدين للتعلُّمِ تلك التي قام بها "Houle, ١٩٦١"، وفيها ميَّزَ بين ثلاثة أنماطٍ من الدافع هي:
١- التوجه بالهدف: وفيه يستخدم الراشد التعليم كوسيلة لإحراز أهداف
стр. 509
واضحة إلى حَدٍّ ما.
٢- التوجه بالنشاط: وفيه يشارك الراشد في التعليم بسبب ما في أنشطته من معنى قد لا يرتبط بالضرورة بالمحتوى أو الأغراض المعلنة.
٣- التوجه بالتعلُّم: وفيه ينشد الراشد اكتساب المعرفة أو المهارة في ذاتها.
وقد استند "Boshier, ١٩٧١, ١٩٨٤" إلى هذا التصور المبدئي, وصمَّمَ مقياسًا للمشاركة التربوية Educatiln Patricipation Scale, طبَّقَهُ على عيناتٍ كبيرةٍ من الراشدين في ثقافاتٍ وبيئاتٍ مختلفةٍ طوال السبعينات والثمانيات، وحلَّلَ النتائج باستخدام أسلوب التحليل العاملي, وتوصل إلى ستة عوامل تمثل الأنماط الأساسية لدوافع الراشدين للتعلُّمِ، وهذه العوامل الستة هي:
١- الاتصال الاجتماعي Social contact: حيث يشارك الراشدون في برامج التعلُّمِ بهدف تكوين وتدعيم صداقات وعلاقات اجتماعية, والبحث عن التَّقَبُّلِ من الآخرين، فالمشاركة أساسها الحاجة إلى أنشطة جماعية ملائمة.
٢- الاستثارة الاجتماعية Social stimuation: فالهدف في هذه الحالة من التحاق الراشدين ببرامج التعلُّمِ هو التخفف من السأم والملل، والتغلُّب على إحباطات الحياة اليومية -والتحرر- ولو لبعض الوقت- من المسئوليات الروتينية.
٣- الترقي المهني Professional Advancement: فالتعلم في هذه الحالة يعتمد على الرغبة في تحسين الأحوال المهنية للراشد, وتحقيق درجةٍ من الترقي والنمو في مجال العمل.
٤- خدمة المجتمع Community Sirvici: فالرغبة في التعلُّمِ هنا تعتمد على السعي لتنشيط دور المواطنة لدى الراشد، وإنما قدرته على المشاركة في العمل المجتمعي.
٥ التوقعات الخارجية External Expectations: فالراشد يلتحق ببرامج التعليم في هذه الحالة تحقيقًا لرغبات أو مطالب الآخرين "جمعية مهنية، نقابة، سلطة منح ترخيص مزاولة المهنة، أخصائي نفسي، صاحب العمل، إلخ".
٦- الاهتمام المعرفي: Cognitive lnterest: حيث يهتم الراشدون بالتعلُّمِ في ذاته ولذاته؛ حيث يوجهه البحث عن المعرفة وإرضاء الحاجة إلى الاستطلاع والاستكشاف والتساؤل والتقصي.
стр. 510
تصنيف دوافع التعلم عند الراشدين
...
تصنيف دوافع التعلُّمِ لدى الراشدين:
يمكن أن تصنف دوافع التعلُّمِ لدى الراشدين إلى فئاتٍ ثلاث أساسية هي: الدوافع المهنية، ودوافع الذات، والدوافع الاجتماعية، ونعرض لهذه الفئات فيما يلي:
أولًا: الدوافع المهنية: من أهم الدوافع للتعلُّمِ عند الراشدين على الإطلاق -وخاصة عند الراشدين الصغار- الدوافع المهنية voctional, أي: ما يتصل بالالتحاق بالعمل, أو النموِّ والترقية فيه, وقد لوحظت أهمية هذا النوع من الدوافع, فقد وُجِدَ أن حوالي ١٠% من الدارسين في الفصول غير المهنية, ذكروا أن دافعهم الأساسي مهنيٌّ في جوهره, ومن الواضح أنه في البرامج ذات الطابع الصناعي أو المهني المباشر سوف يسود هذا الدافع إلى الحد الذي يمكن أن يستبعد جميع الدوافع الأخرى.
إلّا أن ما يجب أن ننبه إليه أنه في معظم برامج تربية الراشدين أو التدريب الصناعي, نجد أن ما يبدو أنه دافع مهني مباشر قد يتغلب عليه دوافع أخرى؛ مثل: الميل إلى موضوع التعليم لذاته، أو الرغبة في البحث عن مجالٍ لتخفيف آثار الملل الناجم عن العمل الروتيني, من خلال "الترويح" أو "قضاء الفراغ"؛ حيث لا نجد العنصر المهني واضحًا.
ثانيًا: دوافع تنمية الذات: توجد فئة أخرى من دوافع التعلُّمِ عند الراشدين يمكن أن تُسَمَّى دوافع تنمية الذات self-development، أو الدوافع الشخصية, كما تتمثل في رغبة الفرد في تحسين تعليمه العام, أو الرغبة في إشباع الميل نحو موضوعٍ معينٍ أو هواية خاصة, وكثير من المسوح التي أُجْرِيَتْ أثبتت أن هذه الدوافع شائعة لدى الراشدين، وهي أكثر شيوعًا عند النساء منها عند الرجال، حتى أن النساء اعتبرنها دوافعهن الأساسية بالمقارنة بالدوافع المهنية عند الرجال.
والواقع أن التمييز بين الدوافع المهنية ودوافع تنمية الذات ليس حاسمًا، فإذا علمنا أن معظم النساء اللاتي اخترن الدوافع الشخصية؛ كدوافع للتعلم, كن من النوع التي تسميه جافرون "١٩٦٨" "الزوجات الأسيرات" "captive wives"، أي: الأمهات الصغيرات والزوجات في وسط العمر, اللاتي يشعرن بالعزلة داخل أسرهن، وهؤلاء يشعرن بالحاجة إلى تحسين تعليمهن العام؛ كطريقة لإثبات أنهن لازلن
стр. 511
مستقلات وقادرات على التفكير, سواء لأنفسهن أم لأسرهن، إلّا أن هذه الحاجة قد تمتد أيضًا عندهن لتتمثل في اعتبار هذا التعليم تدريبًا أوليًّا على عمل جديد؛ فعمل ربة البيت عندهن -مهما كان صعبًا وشاقًّا- لا يعد عملًا بالمعنى الشائع في المجتمعات الموجهة بالعمل الذي يتخذ في جوهره صورة الجهد المدفوع الأجر.
وهذا النوع من النساء -الذي يزداد عدده في الوقت الحاضر في مجتمعاتنا العربية- يشعرن أحيانًا بالسعادة بأي تعليم يسمح لهنّ بالخروج من المنزل، ومعه يبدو ميلٌ متزايد لاختيار فرع التعليم الذي يقود إلى اكتساب بعض المهارات؛ لأن هذا يهيئ لهن ليس فقط هدفًا واضح المعالم يتحداهن، وإنما يعتبر أيضًا خطوة نحو عالم العمل وما يرتبط به من مزيدٍ من احترام الذات.
ثالثًا: الدوافع الاجتماعية: من الأساطير الشائعة حول تربية الراشدين أنهم يسعون إلى التعليم لأسباب اجتماعية في جوهرها, ومن المؤكد أن من السهل إدراك أن المرأة -إلى جانب الدوافع العقلية والمعرفية- للتعلُّم، كما أن كثيرًا من الدارسين الرجال قد تكون لديهم أهداف اجتماعية يسعَوْنَ إلى تحقيقها من خلال هذا التعلُّم، إلّا أن البحوث المسحية التي أُجْرِيَتْ أثبتت أن الدوافع الاجتماعية ليست شائعة الذكر عند المتعلمين الراشدين، ففي مسح المعهد القومي لتربية الراشدين لم يذكرها سوى ١٠% فقط من عينة البحث,
إلّا أن هذا لا يعني أن الدوافع الاجتماعية لا تلعب دورًا في تعليم الراشدين، فبعض هؤلاء يلتحقون في البرامج بحثًا عن الأصدقاء، بل إن بعض هؤلاء يذكرون ذلك صراحةً تخفيفًا من الوحدة بعد فقدان شريك العمر، وفي بعض الأحيان قد يلتحق بالدراسة مجموعة من الأصدقاء أو الجيران لا تتوحد اهتماماتهم وميولهم حول موضوع معين, وإنما لمحض أن يلتقوا, بل إن بعض هؤلاء يسعى للتعليم لأن صديقًا حميمًا لهم قرر هذا بالفعل، بل إن الباحث في هذا الميدان كثيرًا ما يسمع من الدارسين الراشدين أنهم التحقوا بالدراسة لشغل وقت الفراغ, وحين يختارون ما يدرسون -في فصول الخدمة العامة مثلًا- يكون غرضهم من الاختيار غير مادي, ومن ذلك دراسة تنسيق الحدائق، والموسيقى، والأشغال المعدنية والفنون وغيرها.
ومن ناحيةٍ أخرى يجب ألَّا نعتبر هذه الدوافع فئة مستقلة عن الدوافع الأخرى التي أشرنا إليها، فلا يوجد سبب معقول للقول أن الدارسين الراشدين الذين
стр. 512
الذين يكون دافعهم الأولى اجتماعيًّا في جوهره يرفضون عملًا يرتبط بالمعارف والمهارات التي تعلموها في هذا السن, بل إن هؤلاء قد يسعون إلى العمل بالفعل إشباعا للحاجة إلى الأمن داخل جماعة.
وقد حاول بعض المربين الربط بين الدافع للتعلم ودورة الحياة عند الإنسان, ومن ذلك مثلًا القول بأن دوافع التعلُّم في الرشد المبكر ترتبط بالحصول على المعلومات واكتساب المهارات الخاصة بتكوين الأسرة وإدارة المنزل وتربية الأطفال والتكيُّف لظروف العمل ومطالبه, وفي مرحلة وسط العمر تتمركز دوافع التعلُّم على ما يُشْبِعُ المطالب المتغيرة للعمل والنمو المهنيّ، وطرق التعامل مع الأبناء المراهقين والشباب, والتغلب على جوانب الفشل التي قد يتعرض لها المرء, وخاصةً مع إحباط بعض المطامح الشخصية والآمال الخاصة, أما في مرحلة الرشد المتأخرة "الشيخوخة" فترتبط الدوافع الهامة للتعلُّم بالتكيف للتقاعد ونقصان القوة الجسمية واستغلال وقت الفراغ استغلالًا مفيدًا, والبحث عن فلسفةٍ للحياة تعطيها معنًى ومغزًى واضحين من خلال المعرفة الدينية خاصةً.
ولا شكَّ أن في اكتشاف الدوافع الكامنة أو الأقل وضوحًا من المسائل الصعبة وتستحق الجهد الذي يبذل في ذلك؛ لأنها تحدد لنا بالفعل ما يمكن أن يدفع الإنسان الراشد للتعلم, وقد يكون من أهم الدوافع هنا رغبة المتعلِّم في اختيار نفسه, وفي هذا نميز بين دوافع الالتحاق ببرنامج الدراسة ودوافع التعلم بالفعل، فما يرغب الدارسون في تعلمه قد يكون شيئًا مختلفًا تمامًا عَمَّا يُقَدَّمُ لهم بالفعل، فليست دراسة اللغات أو ميكانيكا السيارت في ذاتهما هي التي تدفع الدارسين الراشدين للتعلُّم، وإنما قد يكون الأكثر أهميةً عندهم أن يهيئوا لأنفسهم فرصةً لمعرفة ما إذا كانوا يستطيعون تعلُّم شيءٍ يظنونه صعبًا أو مستحيلًا.
وبالطبع فإن دوافع التعلم عند الراشدين -كغيرهم من فئات المتعلمين- قابلة للتغير، وهذا التغير ذو وجهتين؛ فالدارس مثلًا الذي يأتي للتعلُّم مليئًا بالحماس والرغبة قد يفقد بسرعة أو بالتدريج هذا الحماس وتلك الدافعية العالية إذا كان موضوع التعلم سيئ العرض, أو كانت طريقة التعليم وظروفه غير مشجعة, وبالمثل فإن الدارس الذي يأتي إلى برنامج الدراسة لأن "صديقًا" مشترك له فيه دون رغبة حقيقية في التعلُّم قد يتحول إلى الحماس القوي للتعلم والرغبة الشديدة فيه إذا كان التدريس جيدًا, وفي بعض الأحيان قد يكون الجو الاجتماعي في البرنامج أحد العناصر التي تدفع الدارسين للاستمرار فيه, وعند البعض قد يكون
стр. 513
مصدرًا لدهشة الدارسين بل واستنكارهم، فهو عندهم نوع من الفوضى وضياع الوقت لمن جاءوا بمحض الحماس للتعلُّم المعرفي وحده, ومعنى هذا أن معلِّمَ الراشدين مطالَبٌ بمعرفة وتقبل وفهم الدوافع الأصلية للتعلم عند المتعلمين، واستخدامها في إعداد مواقف تعليمية على درجةٍ عاليةٍ من الملاءمة والدينامية والكفاءة, وإذا كانت هذه المسألة لها أهميتها في تعلُّمِ الراشدين المتعلمين بالفعل والباحثين عن مزيد من التعلم، تحقيقًا لمبدأ التعليم المستمر، كما هو الحال في برامج التدريب أثناء الخدمة أو برامج الخدمة العامة والثقافة العامة التي تقدمها بعض الجامعات، فإنها أكثر أهميةً وحيويةً في تعلم الراشدين الأميين, ومعظم أسباب فشل جهود محو الأمية ترجع في جوهرها إلى الفشل في التَّعَرُّفِ الواضح على دافع التعلم عند هؤلاء، وهي مسألة لم تَحْظَ بجهودٍ جادَّةٍ من الباحثين في هذا الميدان.
стр. 514
مثبطات التعلم عند الراشدين"التسرب "
...
مثبطات التعلم عن الراشدين "التسرب":
لا شكَّ في أن المتعلِّمَ الراشد يختلف عن المتعلِّمِ الصغير "الطفل أو المراهق أو الشاب" في مسألة هامة, وهي أنه أكثر حريةً في الاستمرار في التعليم أو الانقطاع عنه, وقد شغل هذا الموضوع اهتمام الباحثين في ميدان تربية الراشدين وتركز انتباههم حول التسرب Dropout والفقد Wastage في تعليمهم، بالإضافة إلى ما يمكن استنتاجه في المحتوى أو مناخ المؤسسة أو علميات التدريس.
ومن هذه الدراسات يمكن أن نستخلص صورةً عامةً لما نسميه مثبطات التعلُّم عند هذه الفئة من المتعلمين, نوجزها فيما يلي:
١- العوامل الرئيسية لانقطاع الراشدين عن التعلُّمِ لا ترجع في جوهرها إلى خصائص التدريس، وإنما يذكر هؤلاء عوامل أخرى؛ مثل: المرض أو الانتقال إلى مكان آخر، أو تغيير العمل, أو الاضطراب المنزلي والعائلي, أو عدم الاستقرار في العمل, وبالرغم من أن هذه النتائج تعطي المعلمين إحساسًا بالراحة؛ لأنهم ليسوا السبب الأساسيّ لانقطاع الراشدين عن الدراسة، إلّا أنها تستحق الاهتمام, فحتَّى لو تناولناها بقيمتها الظاهرة فهي توحي بأن الالتحاق ببرامج الدراسة عند كثير من
стр. 515
الراشدين هو نشاط ثانوي أو هامشي، بل قد يكون في ذاته مصدرًا للاضطرابات داخل الأسرة أو في محيط العمل.
٢- يذكر حوالي ثلث المنقطعين عن الدراسة من الراشدين في مسح NlAE المشار إليه آنفًا, أن العوامل الأساسية لذلك هي مجموعة من مشاعر عدم الرضا عن الدراسة أو طريقة التدريس, ولذلك تأتي عوامل الإحباط المرتبطة بالدراسة تالية مباشرة للعوامل المشار إليها في الفقرة السابقة.
٣- الفئة الثالثة من عوامل الانقطاع عن الدراسة عند الراشدين "والتي حددها حوالي ربع المفحوصين في البحث السابق" ترتبط في جوهرها باتجاهات الدارسين أنفسهم، كما يتمثَّل في فقدان الميل للدراسة، أو بسبب تحوّل اهتمامهم إلى موضوع جديد بديل.
٤- توجد فئة رابعة من العوامل ترتبط بالجوِّ الاجتماعيِّ في برنامج الدراسة، فيذكر البعض أنهم انقطعوا عن الدراسة لأنهم لا يحبون الدارسين الآخرين زملاءهم في الفصل, وهذا العامل يثير عند الباحثين في هذا الميدان مسألة هامة تتصل بضرورة الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية بين الدارسين أنفسهم؛ فالدارس الراشد بل والدارس الصغير، يتأثر بالنجاح أو الفشل في العلاقات الاجتماعية بين أعضاء جماعة التعلُّم.
٥- ذكر بعض الدارسين مستويات الدراسة كسبب للانقطاع عنها, ومن الطريف أن نشير إلى أن عددًا كبيرًا من هؤلاء المتسربين ذكروا أنهم شعروا بأن مستويات العمل أثناء التعليم بسيطة أو تافهة أكثر ما ذكروا أنها صعبة، وآخرون ينتقدون البرامج التي قُدِّمَتْ لهم بأنها قصيرة أكثر منها طويلة، وهذه المسألة تثير عند المهتمين ضرورة النظر إلى برامج تعليم الراشدين بحيث تمتدُّ في مدًى زمنيٍّ كافٍ، وتكون من النوع الذي يفرض بعض المطالب عليهم حتى يستمتعون بها.
وتثير النتائج السابقة مجموعة من التساؤلات حول دوافع ومثبطات التعلم عند الراشدين, ومن ذلك أنها لا تدلنا على ما يطرأ على سلوك أولئك الذين يستمرون في تعلمهم إذا تغيرت الظروف بحيث تلائم حاجات المتسربين، كما أن من الصعب، حتى ولو استخدمنا أفضل وسائل البحث وجمع البيانات، الكشف بدقة عن مركب الدوافع الذي يدفع الإنسان إلى التعلم أو يعوقه عن ذلك, فقد لا يعرف الدارسون جيدًا لماذا تركوا الدراسة، وقد يشعرون بالخجل لذلك، وخاصةً إذا أدركوا أن سبب ذلك هو صعوبة المهام التعليمية, ولهذا قد يلجأون إلى إخفاء
стр. 516
الدافع الحقيقي وراء سبب أكثر حيادًا من الناحية الانفعالية، وقد تلعب حينئذ الحيل الاشعورية" كالتبرير" دورها المعروف، وإلّا فكيف يمكن للمرء أن يحكم على الدافع الحقيقي لترك الدراسة حين يقول الدارس مثلًا "سأعود إلى عملي قانعًا بما حصلت":
١- فهل الدارس يخفي عن نفسه حقيقة أن البرنامج كان صعبًا عليه؟
٢- هل هو يحاول حفظ ماء وجه المعلِّمِ بإعطاء سبب خارجيٍّ بدلًا من إيذاء شخص يحترمه؟
٣- هل هو يتجنب عدم موافقة زملائه من الدارسين, وخاصةً حين يعلم أن انسحابه من الدراسة قد يؤدي إلى وقف البرنامج بسبب نقص عدد المسجلين فيه؟
٤- أم هو السبب البسيط الذي ذكره بالفعل؟
قد يكون بعض هذا أو كله هو السبب الحقيقي لترك الدراسة، وما يذكره الدارس على أنه السبب الرئيسي قد لا يكون سوى مركب من مشاعر عديدة؛ من الأحباط والفشل وعدم الرضا عن الدارسة.
وتوجد مشكلة أخرى تثيرها بحوث دوافع ومثبطات التعلُّمِ عند الراشدين, وهي أن الراشدين قد يميلون إلى إعطاء الإجابات التي يتوقعها الفاحصون "عند استخدام طريقة المقابلة" أو التي لها مرغوبية اجتماعية "عند استخدام وسائل التقرير الذاتي", وبصفة عامة فإن من الأفضل أن يكون الفاصحون مستقلين عن برنامج تعلم الراشدين ذاته، ونضرب مثلًا على ذلك بدراسة نيوسن وزوجته التي أجرياها عام ١٩٦٣, حول أنماط رعاية الطفل, وفيها اختلفت نسبة الأمهات اللاتي أجبن على أسئلة المقابلة, حين كانت الفاحصات زائرات صحيّات يعملن في برنامج رعاية الطفل من ناحية، ثم طالبات جامعيات محايدات, وعلى آية حالٍ, فإن موضوع التسرُّبِ لا يزال في حاجةٍ إلى بحوث أكثر جدية مما تَمَّ حتى الآن، وحبذا لو أمكن الكشف عن مركب العوامل التي تؤدي إليه والذي يشمل الظروف الخارجية "في البيت أو العمل" وعدم الرضا الشخصي، والفشل في العلاقة بين المعلِّمِ والدارسين، وجوانب التوتر التي تستثار في الجماعة، وظروف الدارسة العامة، وهي تحدد جميعًا معظم مثبطات التعلُّمِ عند الراشدين, وبالتالي تسربهم.
ولعل ذلك كله يفيد في التوصُّلِ إلى ما يسميه "Boshir, ١٩٨٥" حسن المطابقة بين خصائص المتعلمين الراشدين وبيئة تعلمهم، أو بين السمات والمعالجات، ولعلنا نتوصل إلى تحديد الظروف التي تدفع بعض هؤلاء المتعلمين إلى الاستمرار في التعلم والمثابرة عليها، أو التوقف عنه والتسرب منه.
стр. 517
مشكلات المتعلمين الراشدين
القلق
...
مشكلات المتعلمين الراشدين:
يمكن أن نلخِّصَ مشكلات المتعلمين الراشدين على النحو الآتي:
١- القلق:
فالمتعلم الراشد يتميز بالخوف الشديد من الفشل, أو الظهور بمظهر العجز عن التعلم، سواء كانت البرامج التي يلتحق بها ترويحية أو تدريبية أو تعليمية بالفعل, ويبدو لنا أن هذه سمة تميز المتعلمين الراشدين في جميع الأحوال, وقد يؤدي القلق الناجم عن ذلك إلى ضعف الأداء ويدعم مخاوف المتعلِّم.
وبالطبع توجد استثناءات لذلك؛ فالراشدون الصغار، وخاصةً أولئك الذين أنهوا تعليمهم حديثًا, قد لا يشعرون بالقلق لأنهم يشعرون أنهم في بيئة مألوفة, وقد لا يتوقع هؤلاء الدارسون أن يجدوا العمل التعليمي صعبًا، بالإضافة إلى أنهم قد يعتبرون التربية خبرة ممتعة ومثيرة للاهتمام, ومن هؤلاء أيضًا أولئك الدارسون الراشدون الذين يستمرون في الذهاب إلى نفس الفصول لعدة سنوات "فصول تعلُّمِ الخياطة للنساء مثلًا", وكذلك الذين يذهبون إلى برنامج يلعب فيه التدريس أو التعليم وليس "التعلم" الدور الحاسم, ومن ذلك كمثالٍ متطرفٍ المحاضرات العامة التي تستغرق ساعة يتبعها عدة دقائق للمناقشة, ولا شكَّ في أن أي برنامج لا يتضمن مكوّن الاختبارات من أيِّ نوعٍ يكون دارسوه من النوع الذي لا يشعر بالقلق، إلّا أن ما يحدث بالفعل في معظم الأحوال أنه مع عدم وجود القلق لا يوجد تعلم أيضًا، ربما بسبب نقصان الدافعية عند المتعلِّم.
ومن الواضح أنه في البرامج التطوعية لتعليم الراشدين -على الأقل- لن يكون القلق هو الانفعال السائد عند المتعلِّمين، وإلّا فإنهم لن يلتحقوا بهذه البرامج على الإطلاق, وقد تكون الميول والاهتمامات هي الأقوى عند غالبية الدارسين, وهذه جميعًا تؤدي إلى قدرٍ من التوتر يعين على استمرار التعلم, إلا إذا كان هذا التوتر يجب ألا يزيد عن الحد الأمثل وإلا كان معطِّلًا للتعليم، ويرتبط هذا بقانون يركس-دودسون, الشهير في علاقة الدافعية والانفعالات بالتعلُّمِ "فؤاد أبو حطب، آمال صادق، ١٩٩٦".
стр. 518
وإذا كان قليل من الانفعال يؤدي -على الأقل- إلى جعل المتعلِّم متنبهًا ويقظًا، والموقف التعليمي مثيرًا للاهتمام، فإن القدر الكبير منه قد يكون مشكلةً كبرى للدارسين بعد أسابيع قليلة من التعلُّم, وتلعب الجماعة دورًا هامًّا في خفض قلق المتعلمين, ففي جماعةٍ جيدة التكامل يكون دور المعلِّم في خفض التوتر أقل أهمية من إدراك المتعلمين أنفسهم من أن العمل يقع في نطاق قدرتهم, إلّا أن هذا لا يعني أن القلق "وما يصاحبه من توتر" لا يمثل مشكلةً عند المتعلمين الراشدين, فكثير من البحوث العلمية والملاحظات العادية تؤكد أن بعض التوتر يكاد يلازم تعلم هؤلاء، وأن هذا التوتر قد يزيد ويصبح معوقًا للتعلُّم مع زيادة عمر المتعلم وزيادة الضغط المفروض عليه, ويظهر هذا عند الرجال بشكلٍ أكثر وضوحًا منه عند النساء, وخاصةً في برامج التدريب المهني والصناعي والإداري؛ ففي هذه البرامج يزداد اهتمام الرجال بأدائهم, وخاصةً أن نتائج هذا الأداء قد تؤثر في بقائهم في العمل أو ترقيتهم فيه, ويصدق ذلك على جميع أنواع هذه البرامج، سواء كانت برامج إعادة تدريب "أو التدريب أثناء الخدمة كما تسمى الآن" عند متوسطي العمر، أو كانت من نوع برامج التدريب الأولى التي تُقَدَّمُ عادةً للمستجدين, وهم في الأغلب من الشباب أو الراشدين الصغار, وهو قلق يظهر عند أولئك الذين يلتحقون بفصول تعلم الراشدين لأول مرةٍ "فئة الأميين", والذين يعاودون الالتحاق بها "لأغراض التدريب أو إعادته", والسؤال الجوهري: لماذا القلق؟
يمكن الإجابة على هذا السؤال باقتراح مجموعة من الفروض تحتاج إلى مزيد من البحث:
١- المفهوم القبلي Prc-concipt عند معظم الراشدين عن عملية التربية أنها تهم الأطفال والمراهقين دون غيرهم, ويوجد تراث كامل من الأمثلة الشعبية حول هذا الموضوع "مثل: بعد ما شاب ذهب إلى الكتاب"، وبالطبع فإن التربية المعاصرة استطاعت أن تنشئ مفاهيم جديدة مثل "التربية مدى الحياة" life-long education والتربية المستمرة contionus education كما قلنا، وفيها تُعَدُّ التربية ذات دور أساسي طوال حياة الإنسان, إلّا أن هذين المفهومين وغيرهما لا يزالان بعيدين عن التقبُّلِ العام، فحتَّى وقتنا الحاضر لا يزال تعليم الراشد عند الكثيرين إنكارًا مقصودًا لمكانته وموضعه، وهدر لدوره كشخص ناضج مستقل.
٢- المفهوم القبلي أيضًا عند معظم الراشدين من عملية التربية أنها تتضمن في جوهرها علاقة اعتماد كبير من جانب المتعلِّم على المعلِّم، وهذا الاعتماد في
стр. 519
جوهره ينكر الرشد جوهرًا وطبيعةً كما بينا فيما سبق, وإلّا فكيف يتأتَّى لراشدٍ اكتسب النضج والاستقلال في نظر نفسه وفي نظر الآخرين؛ كزوجٍ ووالدٍ وعاملٍ أن يضع نفسه موضع الاعتماد من جديد, صحيحٌ أن علم النفس التربوي المعاصر يهتم اهتمامًا فائقًا بما يُسَمَّى التعلُّم الذاتي self-learning, إلّا أن هذا المفهوم فيما يبدو لم يحظ أيضًا بالشيوع العام، ربما لأن بعض الممارسات التربوية حتى وقتنا الحاضر لا تزال تعجز عن إنجازه.
٣- يرى بعض علماء النفس، وعلى رأسهم كارل روجرز Carl Rogers وإبراهام ماسلو Abraham Maslow, أن منشأة القلق عند المتعلِّمين الراشدين يرجع في جوهره إلى الصراع الكامن لديهم عندما يلتحقون بفصول التعلُّمِ، وخاصةً حين يتضمن موضوع التعلُّم بعض المسائل الخلافية أو القيمية, ويفسر هذا الصراع عند أصحاب "نظرية الذات" في أن كل متعلِّم راشدٍ لديه أفكار معينة عن نفسه, بالإضافة إلى منظومته الخاصة من القيم والمعتقدات, وحينما يعترف الراشد بأنه في حاجة إلى التعلُّمِ فإن هذا يتضمن الاعتراف بوجود خطأٍ ما في نظامه القيمي الحالي؛ فالأم الشابة مثلًا قد تشرع بالرغبة في تعلُّمِ المزيد عن نموِّ الطفل, وقد تلتحق بالفعل في أحد فصول علم نفس الطفل, إلّا أنها سرعان ما تترك الدراسة أو ترفض ما يقوله المعلِّم وباقي زملاء الفصل؛ لأنها قد لا توافق عليه؛ لأن هذه الموافقة قد تعني أن طريقتها في رعاية طفلها "خاطئة", أو أنها كانت على نحوٍ أو آخر، أمًّا "سيئة".
ويتفق مع هذا الفرض المشتق من "نظرية الذات" ما يلاحظ على المتعلمين الراشدين من أنهم قد يلجأون إلى بعض الحلول اللاشعورية لمشكلة قلق التعلُّم عندهن، كالاعتقاد بأن المقصود بما يقدَّم في هذه البرامج "وخاصة نقد الممارسات الخاطئة" أشخاص آخرون غيرهم، وهذا ما لاحظناه من خبرتنا ببرنامج إعداد المعلِّم الجامعي الذي تنظمه بعض الجامعات في مصر ابتداءً من مستوى المعيدين والمدرسين المساعدين وحتى الحلقات التعليمية التي تنظم للأساتذة؛ فالجميع يحضرون هذه البرامج والحلقات ولديهم قدر من التوتر، قد يكون كبيرًا, وعلى الرغم من أن الجميع يشهدون بأنهم يتعلمون من خلال هذه البرامج -ومن هؤلاء أساتذة التربية أنفسهم- إلّا أن الملاحظ بصفة عامة أنك قد لا تجد من يعترف بأن مثل هذه البرامج أعد خصيصًا له، وإنما يشير في الأغلب والأعمِّ إلى أن المقصود بها المعلم الجامعي "المبتدئ" أو "غير الخبير" أو "غير التربوي"، وهذه الحيلة "اللاشعورية" هي نوع من الدفاع عن الذات، فالاعتراف بأن الشخص يحتاج إلى
стр. 520
مزيد من التعلُّمِ قد يكون ضربةً عنيفةً إلى مفهومه عن ذاته كمتخصصٍ مُدَرَّبٍ خبيرٍ.
ويثير هذا الفرض مسألة هامة تتصل في جوهرها بالممارسة التعليمية مع الراشدين، ويعني هذا ضرورة تغيير الطرق التعليمية واستراتيجيات التدريس لهؤلاء؛ بحيث يصبح الموقف التعليمي فرصةً يناقشون فيها مشكلاتهم المشتركة, بدلًا من أن يكون مجالًا يتضمن أن المتعلم الراشد يعوزه شيء ما "وهو بالفعل كذلك", وأن يُعَادَ تخطيط البرامج بحيث تعين الراشد على المحافظة -ولو جزئيًّا- على صورة الذات لديه, وأن تقدر الخبرات السابقة للمتعلم الراشد تقديرًا ملائمًا، بل ويستعان بها في بناء الخبرات الجديدة من خلال ما يسمى التعلم الخبري experiential learning، وتهيئة جوّ المودة، وعلاقة الاحترام المتبادل بين المعلِّم والمتعلِّم، وتيسير ظروف المساعدة الفردية وخدمات الإرشاد النفسي للراشدين.
стр. 521
٢- أوهام العمر:
إذا كان قلق الراشدين المتعلمين يمكن التغلب عليه، فإن المعلِّم الممارس في هذا الميدان قد يجد نفسه بإزاء قوى مدمرة داخل عقول هؤلاء المتعلمين, تتمثل في اعتقادهم بأن قدراتهم العقلية تتضاءل تضاءلًا خطيرًا مع التقدم في السن.
ومعظم هذه المفاهيم القبلية تدعمها مصادر عديدة، فصورة الراشد في منتصف العمر عند الأدباء والفنانين، وكما تظهر على خشبة المسرح وشاشات العرض السينمائي والتليفزيون, تكاد تجمع على حدوث هذا التدهور العقلي١.
وكثيرٌ من الشركات والهيئات والمؤسسات تعلِنُ صراحةً في سياستها للقوى العاملة أنها لا تعيِّن من يزيد عمره عن ٣٥ عامًا مثلًا أو أقل من ذلك بكثير، هذا على الرغم من أن بعض شركات الطيران تعيد تدريب طياريها وهم في سن الخمسين على قيادة الطائرات الجديدة, ومن الأمثال الشائعة في الغرب "إنك لا تستطيع أن تعلم كلبًا عجوزًا حيلًا جديدة"، وهو مَثَلٌ مدمرٌ، بينما يقول المثل العامي المصري: "الدهن في العتاقي", وهو يتعدَّى في معناه معنى السمنة المادية إلى المهارة والمعرفة.
وربما كان أخطر المصادر أثرًا في تدعيم هذه الصورة الشائعة عن التدهور العقلي مع التقدم في العمر ما ذكره بعض الخبراء, ربما من باب الفكاهة, ومن
стр. 522
هؤلاء السيد وليام أوسلر W. Osler الذي كان طبيبًا شهيرًا وأستاذًا للطب في جامعة جون هوبكنز, ثم تقاعد من هذا المنصب الجامعي في سن ٥٥ عامًا, ورحل إلى إنجلترا ليشغل منصبًا آخر في جامعة أوكسفورد، قال في عام ١٩٠٥ بطريقةٍ نصف جادةٍ، نصف ساخرةٍ, مداعبًا أولئك الذين تعدوا الستين، وناصحًا بشكلٍ أكثر جديةٍ بإعطاء الشباب فرص إدارة شئون الحياة:
"إن العمل الفعَّال والإيجابي والحيوي, إنما يتم بين سن الخامسة والعشرين وسن الأربعين، هذه السنوات الخمس عشرة الذهبية هي التي تؤلف الفترة المثمرة والبناءة, والتي يكون فيها التوازن جيدًا بين المصرف والائتمان العقليين.
وقد دعَّمَ هذه الصورة بعد٦٠ عامًا عالم الأنثروبولوجيا البريطاني المعاصر أدوموند ليتش ELeach في سلسلةٍ من المحاضرات ألقاها في الإذاعة البريطانية عام ١٩٦٧، وربطَ معالم التدهور العقلي مع التقدُّمِ في السن بالتغيرات التكنولوجية التي يشدها العصر, وما يصحبها من أنواعٍ جديدةٍ من المعارف والمهارات والاتجاهات والقيم، مما يجعل ما لدى المسنين "الذي يتجاوزون في رأيه الخامسة والخمسين" من آراء ومهارات غير مرتبطة بالحياة في الحاضر أو المستقبل.
هذه هي أوهام المتعلم الراشد المتقدم في السن نوعًا ما عن نفسه، بعضها ينجم عن اعتقاد الراشد في نفسه, أو اعتقاد الآخرين فيه، والتي تعطي صورة متدهورة للقدرة، كما تخلق صعوباتٍ جمَّةٍ للمعلِّم المهتَّم بتعليم الراشدين، خاصةً حين تكون الفصول في معظمها من المتقدمين في السن, وقد يستخدم بعض هؤلاء المتعلمين "أوهام العمر" هذه لتجنب "مصاعب" التعلُّم الحقيقي، وكأن لسان حاله يقول: "لا تطلب مني عملًا شاقًّا، فأنا لا أستطيع بسبب كِبَرِ سنِّي". وقد يكون هذا السلوك حلًّا لا شعوريًّا لمشكلة الخوف من الفشل إذا بذل بالفعل جهودًا جادة في التعليم، إن مثل هؤلاء يكونون بالفعل قد فقدوا ثقتهم في قدرتهم على العمل.
وقد ناقشنا مسألة العلاقة بين الرشد والسلوك فيما سبق من فصول هذا الباب، ومنها يتضح أن نتائج البحوث تؤكد أن التدهور -إن حدث- لا يكون حادًّا بالصورة التي أشاعتها الأقوال الفولكلورية والكتابات الأدبية والصحفية التي أشرنا إلى أمثلة منها, وحتَّى ولو حدث بعض التدهور فهناك ما يعوضه، فمثلًا إذا كانت ذاكرة المدى القصير تتدهور "في الشيخوخة مثلًا", فإن ذاكرة المدى الطويل قد تتحسن، كما أن هناك عوامل لا تقل أثرًا في السلوك, ومنها التعليم والممارسة, وربما مع شيوع نتائج البحوث العلمية في هذا الميدان قد تتغير هذه الصورة "الكئيبة" التي رُسِمَتْ على مدى العصور للتقدُّمِ في مراحل الرشد.
стр. 523
٣- المستوى الاقتصادي والاجتماعي:
يتأثر اتجاه المتعلِّم الراشد نحو ذاته بالمستوى الاقتصادي والاجتماعي الذي ينتمي إليه، فأعلى نسبة تسرب في مختلف مراحل التعليم ومستوياته توجد بين أبناء الطبقات الاقتصادية الدنيا، وأسباب هذه الظاهرة مركبة، فالبيت الذي لا تتوافر فيه الكتب، بل ولا تُقَدَّرُ فيه، والآباء الذين يدركون المدرسة شيئًا بعيدًا عن اهتماماتهم أو مجالات حياتهم، أو ينظرون إليها نظرة العداء، والأسرة التي لا تستطيع الإنفاق على تعليم الأبناء, وخاصةً مع نظامٍ تعليميٍّ يفترض المجانية, ومع ذلك تستشري فيه الدروس الخصوصية, وترتفع فيه أسعار الكتب, وتستعصي فيه ظروف المعيشة، فإن المتعلمين في مثل هذه الظروف يتسربون مبكرين -ربما في سن الطفولة-ويدخلون سوق العمل "راجع ما ذكرناه عن عمالة الأطفال"، ويمارسون أعمالًا قد لا تتطلَّب منهم توظيف قدراتهم الحقيقية.
ولا شكَّ أن في أنماط الشخصية التي تتشكَّل في الطفولة, والتي تسهم في تحديدها الأوضاع التربوية المبكرة, والظروف الاقتصادية والاجتماعية تؤدي في النهاية إلى تكوين اتجاهٍ لدى أبناء الطبقات الاجتماعية الدنيا بأن التعليم ليس لهم، ويظل الواحد منهم يقاوم التعليم طوال حياته حتى بعد أن يصير راشدًا، بل يقاوم هذا التعليم حتى في صورته الأساسية "لمحو الأمية مثلًا", وحين يتعلم فيما بعد -راغبًا أو راغمًا- قد يشعر بعبث التعلُّم وخاصةً حين يكتشف أن هذا التعليم يتضمن -صراحةً أو ضمنًا- قيم واتجاهات وأهداف طبقة لا ينتمي إليها.
أما أولئك الراشدون الذين كانوا أبعد حظًّا في طفولتهم، فنشأوا في ظروف اقتصادية اجتماعية أفضل، أو حصلوا على خبرات سابقة أكثر, يستحضرون معهم في مواقف تعلمهم في الرشد توقعات معينة عن المعلمين وعن الطرق التي يستخدمونها, فهم يتوقعون أن يكون المعلم قريب الشبه -وليس صورة طبق الأصل- من معلِّم الطفولة أو المراهقة عندما كانو في المدرسة، على الرغم من توقُّع بعض التغيُّر في صورته, نتيجة صيرورتهم إلى الرشد, ولذلك قد ينشأ لديهم بعض الخلط حين يهيئ المعلم لهم جوَّ التسامح والحرية الذي لم يتعوده من قبل في مواقف التعلم، وقد يفسر لنا ذلك الفوضى ومشكلات النظام التي يواجهها معلمو الراشدين داخل فصولهم, على نحوٍ أشبه بمشكلات النظام في فصول الأطفال والمراهقين, كما يتوقعون أن تكون طرق التعليم مشابهة لما كان يُسْتَخْدَمُ معهم
стр. 524
وهم أطفال أو مراهقون، وبخاصةٍ إذا كان هؤلاء من الذين حققوا بعض النجاح في تعليمهم السابق, فقد يرجعون هذا النجاح إلى فعالية تلك الطرق التي استخدمت معهم, ولذلك قد يفاجئ هؤلاء -عندما يتعلمون في سن الرشد- بالطرق المختلفة نوعًا ما, والتي تُسْتَخْدَمُ في تعليمهم, وخاصة تلك التي تتطلَّبُ مقدارًا أكبر من الحرية والإيجابية والمشاركة في موقف التعلُّم، بل قد يقاومون محاولات المعلم استخدام هذه الطرق حتى ولو كانت أكثر فعالية, ومن الطريف أن نلاحظ أن بعض هؤلاء الراشدين الذين فشلوا في تعليمهم السابق يرجعون الفشل إلى أنفسهم أكثر منه إلى الطرق "التقليدية" التي كانت تستخدم معهم, وفي جميع الحالات توجد هذه الفجوة بين توقعات المتعلمين وما يحدث بالفعل.
стр. 525
شروط التعلم عند الراشدين:
يمكن القول أن مبادئ التعلُّم الجيد وشروطه التي تنطبق على تعلُّمِ الأطفال والمراهقين, تنطبق أيضًا على تعلُّمِ الراشدين, وأهمها شرطان: قوة الدافعية وغلبة النشاط، والفرق هو مقدار التركيز وليس في المبادئ الأساسية؛ فإذا توافرت هذه المبادئ يمكن للراشدين أن يتعلموا بكفاءة وفعالية, ومن ذلك أنه إذا اتفق موضوع التعلم مع حاجات المتعلم الراشد وميوله, فإنه يؤدي أداءً يشبه في كفاءته أداء المتعلم الصغير، إن لم يكن أفضل, وعلى الرغم من أن التقدُّمِ في السن له بعض الأثر في الأداء العقلي والحركي -كما بينا في الفصول السابقة- إلّا أن هذا يختلف اختلافاتٍ واسعة من فردٍ لآخر, والفروق الفردية بين الراشدين لا يحددها التقدم في السن, وإنما يتحكم فيها قدرات الأفراد وظروفهم ومستوياتهم المهنية والتعليمية.
وإذا وضعنا هذه المسائل العامة في الاعتبار, فإن السمات الأساسية لتعلُّمِ الراشدين يمكن أن نلخصها في أن الراشدين يتعلمون أفضل إذا كان تعلمهم لا يعتمد على محض التذكر والحفظ, وهم يتعلمون أفضل خلال النشاط باستخدام معدَّلِهم, ومع مواد ترتبط بحياتهم اليومية الجديدة وتستثمر خبراتهم, والممارسة الفعلية لها أهميتها في تدعيم اكتساب المهارات الجديدة عندهم, ومع التطبيق المناسب لمبدأ "تَعَلَّمْ كيف تَتَعَلَّمُ" يصبح تعلم الراشدين خبرة مستمرة مدى الحياة بالفعل, ويمكن أن نترجم هذه السمات إلى شروط للتعلم عند الراشدين على النحو التالي:
١- تقليل الاعتماد على ذاكرة المدى القصير:
من النتائج التجريبية الهامة التي توصلت إليها بحوث العلاقة بين التقدم في السن والنشاط العقلي ما لوحظ من نقصٍ تدريجيٍّ يطرأ على ذاكرة المدى القصير،
стр. 526
كما بينا فيما سبق, وهو ينشأ في جوهره عن التداخل بين وحدات المعلومات التي تُقَدَّمُ للمتعلِّم, وتزداد خطورة هذه المسألة إذا لجأ المعلِّم إلى ذلك في عرض موضوع التعلُّم الجديد أو المعقَّد؛ فيقدمه في صورة سلسلة من الوحدات المنفصلة المتتابعة التي تتعامل معها ذاكرة المدى القصير، وهنا ينشأ الخلط الناجم في جوهره عن "التداخل".
والتطبيق التربوي الهام لهذه النتيجة أن معلِّمَ الراشدين يجب عليه أن يختصر إلى الحد الأدنى مقدار الاعتماد على الحفظ الذي يقوم به المتعلِّم, والحفظ هنا لا يعني مجرد النظر إلى قائمة من الوحدات المنفصلة ومحاولة تعلمها، ولكنه يشمل أيضًا اللجوء إلى أنشطة أخرى؛ مثل: الاستماع إلى المحاضرات، واتباع التعليمات اللفظية التي تُقَدَّمُ جميعًا مرة واحدة، ومراقبة العروض التوضيحية التي يقوم المتعلِّمُ بمحاكاتها فيما بعد؛ فهذه جميعًا تتضمن درجات من الحفظ والاعتماد على ذاكرة المدى القصير, والبديل المناسب لتعلُّمِ الراشدين هو زيادة الاعتماد على النشاط المباشر أو غير المباشر للمتعلِّم, باستخدام وسائل الاتصال المناسبة والوسائل السمعية والبصرية "تكنولوجيا التعليم" الملائمة، بل واللجوء إلى النماذج المصغرة أو التدريب على العمل نفسه، واستخدام المعامل "كمعامل اللغات"، مع التركيز في جميع الحالات على الجوانب الهامة لموضوع التعلُّم لا تفاصيله الجزئية المنفصلة التي يصعب التعامل معها بسبب ما ينشأ بينها من تداخل.
٢- تقليل الاعتماد على السرعة:
يرتبط بالنقص في ذاكرة المدى القصير مع التقدم في السن انخفاض معدل الأداء وسرعته سواء في العمل أو التعلم؛ ففي الصناعة يتحول الأفراد في سن ٤٥ عامًا عن الاهتمام بالسرعة إلى الاهتمام بالدقة في الأداء نتيجة لوعيهم بأنهم صاروا أكثر بطأً، ولهذا يضحي هؤلاء بالسرعة تحقيقًا للدقة, ويفضلون أن يتوافر لهم وقت كافٍ لذلك.
ويمكن لمعلم الراشدين أن يستفيد من هذه النتيجة بأن يتخلَّى تمامًا عن أن يدفع متعلميه إلى العمل والتعلم تحت ضغط الوقت, والأفضل أن يهيئ لهم الوقت الكافي حتى يوفروا لأنفسهم المعلومات الإضافية التي يحتاجون إليها قبل الاستجابة, وهذا يعني أن يعمل كل متعلِّمٍ راشدٍ بمعدله الخاص مع ما يصاحب هذا من زيادة في تكلفة التعلم.
ويتطلب هذا أن يطرأ على برامج تدريب وتعليم الراشدين تغيرات جوهرية
стр. 527
نلخصها فيما يلي:
١- التحوّل من نظامِ التدريب الموقوت بفترة زمنية معينة -عدة أسابيع أو أشهر- إلى نظامٍ مفتوحٍ لا يتحدد مقدمًا بفترة زمنية معينة لانتهاء هذا التدريب، وإنما يتحدد محك الانتهاء بوصول المتعلم إلى أهداف البرنامج.
٢- الانتقال من نظام الامتحانات ذات الطابع الشكلي والتي يغلب عليها طابع السرعة, إلى نظام التقويم والتقدير والحكم الذي يغلب عليه طابع الاستمرار والتغذية الراجعة وتصحيح المسار.
٣- إلغاء نظام المسابقة والتنافس بين المتعلمين الراشدين؛ لأن التنافس يتضمَّن عنصر السرعة، ومن الأفضل أن يُقَاسَ تقدُّم المتعلم الراشد بنفسه، أي: بأدائه السابق لا بزملائه الآخرين، أو بالاعتماد على طرق التقويم التي تعتمد على محكات للعمل "ومستويات محددة للإتقان", وليس على الطرق التي تعتمد على المعايير "أي: المقارنة بين الأفراد بعضهم ببعض".
٣- تقليل الاعتماد على المحاضرة والإلقاء:
أسلوب المحاضرة lecture أو الإلقاء هو أقل أساليب التدريس واستراتيجياته ملاءمة لتعلم الراشدين, فليس في المحاضرة مشاركة جماعية، كما أنها تحدد معدَّلًا ثابتًا, وتجبر كلَّ فردٍ على أن يكيِّف نفسه معه، وتعتمد اعتمادًا شديدًا على الحفظ اللفظي، ولا يعلم المتعلمون شيئًا عن تقدمهم أثناءها، هذا على الرغم من كل ما يبذله المعلم من جهد ومشقة فيها: الكلام المستمر لفترات لا تقل عن ساعة بل تزيد، وإعداد نقاط المحاضرة وعناصرها ومحتواها.
ومع ذلك فإن المحاضرة من أكثر طرق تدريس الراشدين شيوعًا, حتى في برامج التدريب الصناعي؛ فظاهرة المعلِّم الذي يتحدث حوالي ٧٥% من الوقت من الأمور المألوفة, وبعض المعلمين الذين يستمتعون بالكلام ويعرفون أنهم يجيدونه, يدافعون عن أنفسهم بالقول بأن طلابهم يشجعونهم ويمتدحون أدائهم الجيد، وأن جاذبيتهم الشخصية هي التي تشد المتعلمين إليهم, وقد يكون هذا صحيحًا، إلّا أن السؤال الجوهريّ: هل يتعلَّمُ الدارسون فعلًا من هذه الطريقة؟
للإجابة على هذا السؤال قام بعض الباحثين بتقدير مقدار ما يتم الاحتفاظ به من مادة المحاضرة, فوجدوا أن المتعلِّمين لا يحتفظون إلّا بقليلٍ من معلوماتهم، قد
стр. 528
يصل إلى أقلِّ من النصف حين يكون الاستدعاء مباشرًا "أي: عقب المحاضرة مباشرة", ثم يهبط إلى ما بين ١٥% و٢٠% حين يكون الاستدعاء مؤجلًا بعد أسبوع من المحاضرة.
وهذا لا يعني إلغاء أسلوب المحاضرة تمامًا من ميدان تعليم الراشدين، فقد يحتاج الأمر تقديم محاضرة جيدة التخطيط، جيدة الإلقاء, وخاصةً حين يتطلب الأمر إثارة بعض الاهتمام بالموضوع, وتحديد عناصره الكلية في البداية، أو حين تنقل التعليمات بسرعة وبطريقة ملائمة لمجموعة تتألف من أفراد أقرب إلى التجانس العقلي. ولذلك فإن من مهارات المعلِّمِ الأساسية قدرتُه على إعطاء محاضرة جيدة, ويمكن تزويد المتعلمين في هذه الحالة بمذكرات مختصرة, أو قوائم مراجعة تفيد في تتبعها والتركيز عليها.
ومن الأفضل -في حالة اللجوء للمحاضرة- أن تكون "محاضرة متقطعة" فيها فترات توقف عديدة للمناقشة، فالمناقشة تدخل على المحضارة قدرًا من إيجابية المتعلم ونشاطه، وتهيئ فرصًا للفروق الفردية, وتقلل من سأم المستعمين ومللهم، وتتيح للمعلِّم الفرصةَ أن يتأكد من أن طلابه فهموا ما يقول، وبذلك تسمح بنوعٍ من "التقويم المستمر".
٤- تقليل الاعتماد على المواد الاصطناعية:
يحب المتعلمون الراشدون أن يشعروا بأن ما يتعلمونه مفيد لحياتهم اليومية ومرتبط بها, ولهذا تسعى مؤسسات ومدارس التدريب الصناعي خاصةً إلى جعل هذا التدريب أشبه بالمواقف الواقعية قدر الإمكان, كما أن هذا هو نفسه الذي حوَّلَ الاهتمام في برامج "محو الأمية" في السنوات الأخيرة إلى ما يُسَمَّى "التعليم الوظيفي".
الراشدون أقل تسامحًا من الصغار في تقبُّل مسألة التعلُّم "لغرض المعرفة" في ذاتها، أو باستخدام مواد اصطناعية للتعلم كبدائل للمواقف الطبيعية, ولهذا ليس من المقبول أو المعقول أن تكون مواد القراءة للراشدين في فصول "تعليم الكبار" قريبة الشبه بالمواد التي تُقَدَّمُ للصغار، أو تكون المسائل الحسابية التي يُطْلَبُ منهم حلها على نفس النسق الذي تكون عليه بالنسبة لمن هم أصغر سنًّا من حيث المحتوى والمشكلات, بل الواجب أن تكون المواد المعروضة والمشكلات المطروحة والطرق المستخدمة في فصول الراشدين من النوع الذي يعتبرونه مرتبطًا ومفيدًا لحياتهم اليومية, وقد تصلح لهذا الغرض طرق المماثلة والنماذج المصغرة, وحين
стр. 529
تُسْتَخْدَمُ معهم طرق الألعاب أو المشروعات أو تمثيل الأدوار, يجب أن يكون فيها نصيب كبير من الواقعية، وإلّا بدت لا معنى لها وأقرب إلى تمرينات الأطفال, وقد تأكَّدَت هذه الحقيقة منذ بحوث أدوارد لي ثورنيدك المبكرة؛ فقد وُجِدَ أن الراشدين حين يحكمون على موضوع التعلُّم بأنه مفيد لعملهم الحقيقي وحياتهم اليومية يكون أداؤهم أفضل، أما إذا حكموا على ما يتعلمون بأنه مصطنع" يكون أداؤهم أسوأ بكثير, والدرس الذي يجب أن يستفيد منه معلمو الراشدين ومعدو برامج تعليمهم من ذلك كله أن تكون موضوعات التعلُّمِ التي تُقَدَّمُ لهم شبيهةً بالمهارة النهائية التي سوف يؤدونها بالفعل في حياتهم اليومية.
٥- زيادة الاعتماد على الخبرات السابقة:
من المعلوم أن العمليات المعرفية والحركية تزداد تصلبًا وجمودًا مع التقدُّمِ في السن, وتتناقص القابلية للمواءمة والتكيف, وأسباب هذا الجمود قد تكون نفسية في جوهرها عند الراشدين خاصة، بينما قد تكون فسيولوجية في العمر الثالث للإنسان "الشيخوخة والهرم" كما سنبين فيما بعد, وتتمثل أسباب جمود وتصلب سلوك الراشدين في الخوف والتوتر اللذين يصاحبان إعادة التدريب أو إعادة التعلم من ناحية، وفي أن الراشدين المتقدمين في السن يكون لديهم الكثير من الخبرات السابقة التي يحتاج بعضها إلى محو تعلم من ناحية أخرى. وعلى الرغم من أن الخبرات السابقة الخصيبة والمعقدة لدى الراشدين, قد تعوق تقدمهم في تعلم عمل جديد بذهن مفتوح، فإنها قد تجعل المتعلم الراشد في وضع أفضل من المتعلم الصغير؛ فالراشد يستطيع أن يضع المعلومات والمهارات الجديدة في موضعها من هذه الخبرات السابقة.
ولعلَّنَا نشير هنا إلى حقيقة سيكولوجية هامة نشتقها من جورج كيلي في نظريته المعرفية للشخصية؛ فالإطار الإدراكي المعرفي لدى الراشدين أكثر تعقيدًا وتركيبًا من إطار الصغار, وقد أشارت بعض التجارب إلى أن الراشدين المتقدمين في السن يستغرقون وقتًا أطول في حلِّ المشكلات واكتساب المهارات الحركية من الأشخاص الأصغر سنًّا, ويبدو أن السبب في ذلك هو أن الراشدين يدركون غموضًا أكبر وتعقيدًا أكثر في المشكلات العقلية والاجتماعية وفي المهارات الحركية, بالمقارنة بما كانوا يفعلونه حين كانوا صغارًا, لقد علمتهم خبرة الحياة أن الإجابات السهلة والسريعة قد تكون موضع خطأ أو شك.
ويمكن أن نلخص الفوارق الجوهرية بين المتعلمين الكبار والصغار في ضوء
стр. 530
طبيعة الخبرة السابقة عند كلٍّ منهما فيما يلي:
أ- أغلب المشكلات الأساسية التي يواجهها الراشدون، على عكس مشكلات الصغار، ليست لها إجابات قاطعة لا تدع مجالًا للشك أو الغموض، خاصةً حين ترتبط هذه المشكلات بالحياة اليومية في العمل أو العلاقات الأسرية أو الأفكار السياسية, بينما يجد الصغار الإجابات الصحيحة لكلِّ المسائل التي يواجهونها مثبتة عادةً في الكتاب المدرسي.
ب- كثير من الاجابات التي يعبتبرها الراشدون صحيحة، تعتمد صحتها على التقاليد والعادات الثقافية، بينما هذه الصحة تعتمد عند الصغار على الاستدلال العقلي, وبالطبع فإن بعض ما هو راسخ لدى الراشدين من أفكار سابقة, وتقاليد وعادات اجتماعية, قد يعوق تعديل سلوكهم، وتعديل السلوك هو جوهر التعلم.
جـ- الحلول التي يصل إليها الراشدون لمشكلاتهم لها أثرٌ مباشر على آخرين في مجال العمل أو الأسرة غيرها، يصدق ذلك على المشكلات الشخصية صدقه على المشكلات الاجتماعية التي يسعون إلى حلها.
د- تتوافر لدى الراشدين أفكار وآراء ومعتقدات واتجاهات قد تتفق أو تختلف مع ما لدى المعلم، بينما يتعلم الصغار قليلًا أو كثيرًا مما تقدمه المدرسة، والذي يسهم في تكوين هذه الأفكار والآراء والمعتقدات والاتجاهات لديهم, ولهذا فإن مشكلة التعلم الجوهرية لدى الراشدين هي تغيير اتجاهاتهم, بالإضافة إلى إكسابهم الاتجاهات الجديدة.
٦- زيادة الاعتماد على التغذية الراجعة:
من أهم سمات التعلم الحكم على ما إذا كانت الإجابة صحيحة أم خاطئة، أو الحل المقترح للمشكلة مقبول أو مرفوض، أو المهارة التي تَمَّ اكتسابها وصلت إلى المستوى المطلوب أو لم تصل إليه, ويُسَمِّي علماء النفس التربويون هذه الخاصية "معرفة النتائج", ويسميها البعض الآخر التغذية الراجعة feedback, ويتطلب هذا أن يتوافر لدى المعلم وسائل فعالة وسريعة لتقويم المتعلمين, وقد يتخذ التقويم صورًا مختلفة منها: التقدير اللفظي المباشر وفي الحال، ثم التعليق التفصيلي فيما بعد، أو إعطاء قائمة مراجعة تتضمن عناصر العمل المؤدى ليصحِّحَ المتعلِّم عمله بنفسه. وفي معامل اللغات تُوجَد وسائل يراجع بها المعلم أداءه بنفسه مباشرة, ويفيد التعليم باستخدام الحاسب الآلي في هذا الصدد أيضًا؛ حيث تصحح الأخطاء فوريًّا وفي الحال.