كما بينا فيما سبق, وهو ينشأ في جوهره عن التداخل بين وحدات المعلومات التي تُقَدَّمُ للمتعلِّم, وتزداد خطورة هذه المسألة إذا لجأ المعلِّم إلى ذلك في عرض موضوع التعلُّم الجديد أو المعقَّد؛ فيقدمه في صورة سلسلة من الوحدات المنفصلة المتتابعة التي تتعامل معها ذاكرة المدى القصير، وهنا ينشأ الخلط الناجم في جوهره عن "التداخل".
والتطبيق التربوي الهام لهذه النتيجة أن معلِّمَ الراشدين يجب عليه أن يختصر إلى الحد الأدنى مقدار الاعتماد على الحفظ الذي يقوم به المتعلِّم, والحفظ هنا لا يعني مجرد النظر إلى قائمة من الوحدات المنفصلة ومحاولة تعلمها، ولكنه يشمل أيضًا اللجوء إلى أنشطة أخرى؛ مثل: الاستماع إلى المحاضرات، واتباع التعليمات اللفظية التي تُقَدَّمُ جميعًا مرة واحدة، ومراقبة العروض التوضيحية التي يقوم المتعلِّمُ بمحاكاتها فيما بعد؛ فهذه جميعًا تتضمن درجات من الحفظ والاعتماد على ذاكرة المدى القصير, والبديل المناسب لتعلُّمِ الراشدين هو زيادة الاعتماد على النشاط المباشر أو غير المباشر للمتعلِّم, باستخدام وسائل الاتصال المناسبة والوسائل السمعية والبصرية "تكنولوجيا التعليم" الملائمة، بل واللجوء إلى النماذج المصغرة أو التدريب على العمل نفسه، واستخدام المعامل "كمعامل اللغات"، مع التركيز في جميع الحالات على الجوانب الهامة لموضوع التعلُّم لا تفاصيله الجزئية المنفصلة التي يصعب التعامل معها بسبب ما ينشأ بينها من تداخل.
٢- تقليل الاعتماد على السرعة:
يرتبط بالنقص في ذاكرة المدى القصير مع التقدم في السن انخفاض معدل الأداء وسرعته سواء في العمل أو التعلم؛ ففي الصناعة يتحول الأفراد في سن ٤٥ عامًا عن الاهتمام بالسرعة إلى الاهتمام بالدقة في الأداء نتيجة لوعيهم بأنهم صاروا أكثر بطأً، ولهذا يضحي هؤلاء بالسرعة تحقيقًا للدقة, ويفضلون أن يتوافر لهم وقت كافٍ لذلك.
ويمكن لمعلم الراشدين أن يستفيد من هذه النتيجة بأن يتخلَّى تمامًا عن أن يدفع متعلميه إلى العمل والتعلم تحت ضغط الوقت, والأفضل أن يهيئ لهم الوقت الكافي حتى يوفروا لأنفسهم المعلومات الإضافية التي يحتاجون إليها قبل الاستجابة, وهذا يعني أن يعمل كل متعلِّمٍ راشدٍ بمعدله الخاص مع ما يصاحب هذا من زيادة في تكلفة التعلم.
ويتطلب هذا أن يطرأ على برامج تدريب وتعليم الراشدين تغيرات جوهرية
стр. 527
نلخصها فيما يلي:
١- التحوّل من نظامِ التدريب الموقوت بفترة زمنية معينة -عدة أسابيع أو أشهر- إلى نظامٍ مفتوحٍ لا يتحدد مقدمًا بفترة زمنية معينة لانتهاء هذا التدريب، وإنما يتحدد محك الانتهاء بوصول المتعلم إلى أهداف البرنامج.
٢- الانتقال من نظام الامتحانات ذات الطابع الشكلي والتي يغلب عليها طابع السرعة, إلى نظام التقويم والتقدير والحكم الذي يغلب عليه طابع الاستمرار والتغذية الراجعة وتصحيح المسار.
٣- إلغاء نظام المسابقة والتنافس بين المتعلمين الراشدين؛ لأن التنافس يتضمَّن عنصر السرعة، ومن الأفضل أن يُقَاسَ تقدُّم المتعلم الراشد بنفسه، أي: بأدائه السابق لا بزملائه الآخرين، أو بالاعتماد على طرق التقويم التي تعتمد على محكات للعمل "ومستويات محددة للإتقان", وليس على الطرق التي تعتمد على المعايير "أي: المقارنة بين الأفراد بعضهم ببعض".
٣- تقليل الاعتماد على المحاضرة والإلقاء:
أسلوب المحاضرة lecture أو الإلقاء هو أقل أساليب التدريس واستراتيجياته ملاءمة لتعلم الراشدين, فليس في المحاضرة مشاركة جماعية، كما أنها تحدد معدَّلًا ثابتًا, وتجبر كلَّ فردٍ على أن يكيِّف نفسه معه، وتعتمد اعتمادًا شديدًا على الحفظ اللفظي، ولا يعلم المتعلمون شيئًا عن تقدمهم أثناءها، هذا على الرغم من كل ما يبذله المعلم من جهد ومشقة فيها: الكلام المستمر لفترات لا تقل عن ساعة بل تزيد، وإعداد نقاط المحاضرة وعناصرها ومحتواها.
ومع ذلك فإن المحاضرة من أكثر طرق تدريس الراشدين شيوعًا, حتى في برامج التدريب الصناعي؛ فظاهرة المعلِّم الذي يتحدث حوالي ٧٥% من الوقت من الأمور المألوفة, وبعض المعلمين الذين يستمتعون بالكلام ويعرفون أنهم يجيدونه, يدافعون عن أنفسهم بالقول بأن طلابهم يشجعونهم ويمتدحون أدائهم الجيد، وأن جاذبيتهم الشخصية هي التي تشد المتعلمين إليهم, وقد يكون هذا صحيحًا، إلّا أن السؤال الجوهريّ: هل يتعلَّمُ الدارسون فعلًا من هذه الطريقة؟
للإجابة على هذا السؤال قام بعض الباحثين بتقدير مقدار ما يتم الاحتفاظ به من مادة المحاضرة, فوجدوا أن المتعلِّمين لا يحتفظون إلّا بقليلٍ من معلوماتهم، قد
стр. 528
يصل إلى أقلِّ من النصف حين يكون الاستدعاء مباشرًا "أي: عقب المحاضرة مباشرة", ثم يهبط إلى ما بين ١٥% و٢٠% حين يكون الاستدعاء مؤجلًا بعد أسبوع من المحاضرة.
وهذا لا يعني إلغاء أسلوب المحاضرة تمامًا من ميدان تعليم الراشدين، فقد يحتاج الأمر تقديم محاضرة جيدة التخطيط، جيدة الإلقاء, وخاصةً حين يتطلب الأمر إثارة بعض الاهتمام بالموضوع, وتحديد عناصره الكلية في البداية، أو حين تنقل التعليمات بسرعة وبطريقة ملائمة لمجموعة تتألف من أفراد أقرب إلى التجانس العقلي. ولذلك فإن من مهارات المعلِّمِ الأساسية قدرتُه على إعطاء محاضرة جيدة, ويمكن تزويد المتعلمين في هذه الحالة بمذكرات مختصرة, أو قوائم مراجعة تفيد في تتبعها والتركيز عليها.
ومن الأفضل -في حالة اللجوء للمحاضرة- أن تكون "محاضرة متقطعة" فيها فترات توقف عديدة للمناقشة، فالمناقشة تدخل على المحضارة قدرًا من إيجابية المتعلم ونشاطه، وتهيئ فرصًا للفروق الفردية, وتقلل من سأم المستعمين ومللهم، وتتيح للمعلِّم الفرصةَ أن يتأكد من أن طلابه فهموا ما يقول، وبذلك تسمح بنوعٍ من "التقويم المستمر".
٤- تقليل الاعتماد على المواد الاصطناعية:
يحب المتعلمون الراشدون أن يشعروا بأن ما يتعلمونه مفيد لحياتهم اليومية ومرتبط بها, ولهذا تسعى مؤسسات ومدارس التدريب الصناعي خاصةً إلى جعل هذا التدريب أشبه بالمواقف الواقعية قدر الإمكان, كما أن هذا هو نفسه الذي حوَّلَ الاهتمام في برامج "محو الأمية" في السنوات الأخيرة إلى ما يُسَمَّى "التعليم الوظيفي".
الراشدون أقل تسامحًا من الصغار في تقبُّل مسألة التعلُّم "لغرض المعرفة" في ذاتها، أو باستخدام مواد اصطناعية للتعلم كبدائل للمواقف الطبيعية, ولهذا ليس من المقبول أو المعقول أن تكون مواد القراءة للراشدين في فصول "تعليم الكبار" قريبة الشبه بالمواد التي تُقَدَّمُ للصغار، أو تكون المسائل الحسابية التي يُطْلَبُ منهم حلها على نفس النسق الذي تكون عليه بالنسبة لمن هم أصغر سنًّا من حيث المحتوى والمشكلات, بل الواجب أن تكون المواد المعروضة والمشكلات المطروحة والطرق المستخدمة في فصول الراشدين من النوع الذي يعتبرونه مرتبطًا ومفيدًا لحياتهم اليومية, وقد تصلح لهذا الغرض طرق المماثلة والنماذج المصغرة, وحين
стр. 529
تُسْتَخْدَمُ معهم طرق الألعاب أو المشروعات أو تمثيل الأدوار, يجب أن يكون فيها نصيب كبير من الواقعية، وإلّا بدت لا معنى لها وأقرب إلى تمرينات الأطفال, وقد تأكَّدَت هذه الحقيقة منذ بحوث أدوارد لي ثورنيدك المبكرة؛ فقد وُجِدَ أن الراشدين حين يحكمون على موضوع التعلُّم بأنه مفيد لعملهم الحقيقي وحياتهم اليومية يكون أداؤهم أفضل، أما إذا حكموا على ما يتعلمون بأنه مصطنع" يكون أداؤهم أسوأ بكثير, والدرس الذي يجب أن يستفيد منه معلمو الراشدين ومعدو برامج تعليمهم من ذلك كله أن تكون موضوعات التعلُّمِ التي تُقَدَّمُ لهم شبيهةً بالمهارة النهائية التي سوف يؤدونها بالفعل في حياتهم اليومية.
٥- زيادة الاعتماد على الخبرات السابقة:
من المعلوم أن العمليات المعرفية والحركية تزداد تصلبًا وجمودًا مع التقدُّمِ في السن, وتتناقص القابلية للمواءمة والتكيف, وأسباب هذا الجمود قد تكون نفسية في جوهرها عند الراشدين خاصة، بينما قد تكون فسيولوجية في العمر الثالث للإنسان "الشيخوخة والهرم" كما سنبين فيما بعد, وتتمثل أسباب جمود وتصلب سلوك الراشدين في الخوف والتوتر اللذين يصاحبان إعادة التدريب أو إعادة التعلم من ناحية، وفي أن الراشدين المتقدمين في السن يكون لديهم الكثير من الخبرات السابقة التي يحتاج بعضها إلى محو تعلم من ناحية أخرى. وعلى الرغم من أن الخبرات السابقة الخصيبة والمعقدة لدى الراشدين, قد تعوق تقدمهم في تعلم عمل جديد بذهن مفتوح، فإنها قد تجعل المتعلم الراشد في وضع أفضل من المتعلم الصغير؛ فالراشد يستطيع أن يضع المعلومات والمهارات الجديدة في موضعها من هذه الخبرات السابقة.
ولعلَّنَا نشير هنا إلى حقيقة سيكولوجية هامة نشتقها من جورج كيلي في نظريته المعرفية للشخصية؛ فالإطار الإدراكي المعرفي لدى الراشدين أكثر تعقيدًا وتركيبًا من إطار الصغار, وقد أشارت بعض التجارب إلى أن الراشدين المتقدمين في السن يستغرقون وقتًا أطول في حلِّ المشكلات واكتساب المهارات الحركية من الأشخاص الأصغر سنًّا, ويبدو أن السبب في ذلك هو أن الراشدين يدركون غموضًا أكبر وتعقيدًا أكثر في المشكلات العقلية والاجتماعية وفي المهارات الحركية, بالمقارنة بما كانوا يفعلونه حين كانوا صغارًا, لقد علمتهم خبرة الحياة أن الإجابات السهلة والسريعة قد تكون موضع خطأ أو شك.
ويمكن أن نلخص الفوارق الجوهرية بين المتعلمين الكبار والصغار في ضوء
стр. 530
طبيعة الخبرة السابقة عند كلٍّ منهما فيما يلي:
أ- أغلب المشكلات الأساسية التي يواجهها الراشدون، على عكس مشكلات الصغار، ليست لها إجابات قاطعة لا تدع مجالًا للشك أو الغموض، خاصةً حين ترتبط هذه المشكلات بالحياة اليومية في العمل أو العلاقات الأسرية أو الأفكار السياسية, بينما يجد الصغار الإجابات الصحيحة لكلِّ المسائل التي يواجهونها مثبتة عادةً في الكتاب المدرسي.
ب- كثير من الاجابات التي يعبتبرها الراشدون صحيحة، تعتمد صحتها على التقاليد والعادات الثقافية، بينما هذه الصحة تعتمد عند الصغار على الاستدلال العقلي, وبالطبع فإن بعض ما هو راسخ لدى الراشدين من أفكار سابقة, وتقاليد وعادات اجتماعية, قد يعوق تعديل سلوكهم، وتعديل السلوك هو جوهر التعلم.
جـ- الحلول التي يصل إليها الراشدون لمشكلاتهم لها أثرٌ مباشر على آخرين في مجال العمل أو الأسرة غيرها، يصدق ذلك على المشكلات الشخصية صدقه على المشكلات الاجتماعية التي يسعون إلى حلها.
د- تتوافر لدى الراشدين أفكار وآراء ومعتقدات واتجاهات قد تتفق أو تختلف مع ما لدى المعلم، بينما يتعلم الصغار قليلًا أو كثيرًا مما تقدمه المدرسة، والذي يسهم في تكوين هذه الأفكار والآراء والمعتقدات والاتجاهات لديهم, ولهذا فإن مشكلة التعلم الجوهرية لدى الراشدين هي تغيير اتجاهاتهم, بالإضافة إلى إكسابهم الاتجاهات الجديدة.
٦- زيادة الاعتماد على التغذية الراجعة:
من أهم سمات التعلم الحكم على ما إذا كانت الإجابة صحيحة أم خاطئة، أو الحل المقترح للمشكلة مقبول أو مرفوض، أو المهارة التي تَمَّ اكتسابها وصلت إلى المستوى المطلوب أو لم تصل إليه, ويُسَمِّي علماء النفس التربويون هذه الخاصية "معرفة النتائج", ويسميها البعض الآخر التغذية الراجعة feedback, ويتطلب هذا أن يتوافر لدى المعلم وسائل فعالة وسريعة لتقويم المتعلمين, وقد يتخذ التقويم صورًا مختلفة منها: التقدير اللفظي المباشر وفي الحال، ثم التعليق التفصيلي فيما بعد، أو إعطاء قائمة مراجعة تتضمن عناصر العمل المؤدى ليصحِّحَ المتعلِّم عمله بنفسه. وفي معامل اللغات تُوجَد وسائل يراجع بها المعلم أداءه بنفسه مباشرة, ويفيد التعليم باستخدام الحاسب الآلي في هذا الصدد أيضًا؛ حيث تصحح الأخطاء فوريًّا وفي الحال.
стр. 531
ومن الواضح أن المتعلم الراشد يجب ألَّا يعتمد اعتمادًا كاملًا على حكم المعلم, وإنما يجب على المعلِّم أن يساعد المتعلِّم على معرفة طبيعة الأداء الصحيح, وعندئذ يمكن للمتعلِّم أن يتعرف بنفسه على ما إذا كان مصيبًا أو مخطئًا, ويجب أن نشير هنا إلى أن بعض المتعلمين الراشدين، بدون هذه الاستراتيجية، يصعب عليهم تعرف أنهم مخطئون, وحتى ولو أخبرهم المعلِّم بأن هناك خطأ فإنهم قد لا يستطيعون إدراك موضعه، كما لا يستطيعون التوقف عن إتيان أخطاء مماثلة عدة مرات بعد ذلك, إلّا أنه في كثيرٍ من الأحيان يكون المتعلمون الراشدون راغبين في تصحيح أخطائهم إذا سُمِحَ لهم بتحديدها, وإلّا فإن هذه الأخطاء سوف تعزز وتبقى وتستمر معهم لسنوات طويلة قادمة.
ومن العقيم أن يقوم معلم الراشدين بتصحيح أخطائهم بنفسه دون مشاركتهم هم أنفسهم في ذلك, إنه "أي المعلم" بالطبع يتقن أداء العمل, وهذا في ذاته لا يهم المتعلم؛ لأن الأهم عنده أن يكون هو "أي: المتعلم نفسه" قادرًا على أدائه صحيحًا, ولهذا فإن أفضل طريقة لتصحيح الخطأ أن يقوم المتعلم الراشد بأداء الاستجابة بنفسه, إن قيام المعلم وحده بهذه المهمة قد يرضي أقلية من الكسالى، أما معظم الدارسين فسوف يشعرون أنهم خُدِعُوا، وأن شخصًا آخر أكثر مهارة "هو المعلم" يؤدي الأجزاء الصعبة نيابةً عنهم, وهذا لا يغني بحالٍ عن شعورهم بالرضا, وإحساسهم بالإنجاز عند التعامل مع الأجزاء الصعبة بأنفسهم, ومحاولة أدائها على نحوٍ صحيح.
وقد لا تكون المشكلة في تعلُّم الراشدين في تصويب الأخطاء التي تحدث أثناء التعلُّم بقدر ما تكون أخطاء التعلُّم السابق وعاداته التي يحملونها معهم من الماضي، والتي تعوق تقدُّم المتعلم, ولهذا يجب الحذر دائمًا من الوقوع في أخطاء التعلم في الموقف الجديد, وعمومًا يجب أن ننبه أنه في التعلم بصفة عامة تصدق الحكمة القائلة "الوقاية خير من العلاج" فحالما يكتسب الخطأ يصعب علاجه ويصبح معوقًا للتعلم في المستقبل. والوقاية هنا تعني التأكد من أنه في المرحلة الأولى لأيّ معوقًا للتعلم في المستقبل, والوقاية هنا تعني التأكد من أنه في المرحلة الأولى لأيّ تعلم جديد يصدر الراشدون الاستجابة الصحيحة, وهذه المرحلة الأولى تبدو حاسمة بالفعل، فالأخطاء التي تصدر فيها, والتي تَمَّ اكتسابها يصعب زوالها أو محوها، وخاصةً إذا كانت هذه الاستجابة الخاطئة قد توصل إليها الراشد المتعلم بنفسه, ولا شكَّ أن من الأمور التي تتحدَّى ابتكارية معلمي الراشدين إعداد مواقف تعليمية تقلل على هؤلاء المتعلمين فرص الوقوع في أخطاء التعلم.
стр. 532
٧- استخدام أفضل طرق تنظيم التعلم:
اهتمَّ علماء النفس التربويون بموضوع تنظيم التعلم من جانبين: أحدهما تحديد أفضل طول لفترات التعلم، وثانيهما تحديد أفضل طول للمهمة التي يتم تعلمها.
وقد نوقِشَتْ المسألة الأولى طويلًا تحت عنوان "توزيع التعلُّم أو تركيزه" وأكدت النتائج أن التعلم يتحقق بسهولة أكثر في حالة استخدام فترات راحة متكررة, وقُدِّرَتْ فترات العمل بين ٢٠دقيقة،٤٠دقيقة, بينها فترات راحة طولها ٥ أو١٠ دقائق, والواقع أنه في فصول تعلُّم الراشدين يبدو أن هذا السؤال محض اهتمام نظري وأكاديمي؛ لأن الملاحظ عامَّة أن تكون فترات العمل معهم في العادة عبارة عن جلسة أو جلستين في اليوم, طول الجلسة ساعتان, بعدها فترة راحة لتناول الشاي مدتها ١٠-١٥ دقيقة, وبالإضافة إلى هذا فإن معظم فصول تعليم الراشدين تنظَّم في المساء؛ حيث يكون المعلمون والمتعلمون جميعًا في حالة تعب بعد عناء يوم العمل "إلّا في حالة تفرغ الراشدين للتعلم كما هو الحال أحيانًا في برنامج التدريب أثناء الخدمة", وفي مثل هذه الظروف يرحب الجميع بأيِّ نوعٍ من الراحة, حتى ولو كانت لبضع دقائق يتحرك فيها الدارسون قليلًا في أماكنهم.
وفي بعض برامج التدريب تتاح فترات أكثر مرونة، وبالتالي قد تتهيأ الفرص لمعالجة طول فترات التعلم لتلائم المتدربين, وهنا نجد أن الأدلة تؤكد أن التدريب الموزَّع أفضل, فيتعلَّم المهارات الحركية, وخاصةً في المراحل المبكرة؛ لأن التعلُّم لو أصبح أكثر تركيز, فإن المتعلم إما أنه لا يظهر أيّ تحسنٍ, أو أن أداءه يتدهور عما كان عليه من قبل, بينما بعد فترة الراحة قد يصل أداؤه اللاحق إلى مستوى أعلى مما وصل إليه أداؤه السابق.
ويعتمد طول فترة العمل وفترة الراحة في التعلُّم على المستوى النمائيّ للإنسان، فالطفل في حاجة إلى فترات عمل قصيرة، ثم تزداد هذه الفترات طولًا مع المراهقة والشباب, وفي طور الرشد المبكر يمكن للمتعلمين أن يستفيدوا من فترات عملٍ طويلة أثناء تعلمهم, إلّا أنه مع وصول الإنسان طور بلوغ الأشد "وسط العمر" ومع إيغاله فيه وصولًا إلى نهايته, وبداية العمر الثالث للإنسان "الشيخوخة", فإن فترات العمل التي يحتاجها أثناء التدريب تتجه مرة أخرى إلى القصر، حتى نجدها في المراحل المتأخرة جدًّا من العمر تكاد تقترب في طولها من فترات عمل الصغار.
стр. 533
أما بالنسبة لطول المهمة التي يتم تعلمها فهو من الموضوعات التي تناولها علماء النفس التربويون تحت اسم "الطريقة الكلية أو الجزئية" في التعلم, ويتضمَّن معنى الطريقة الكلية تعلم مهمة كاملة مرةً واحدةً دون محاولة تعلمها على مراحل متتابعة، كل مرحلة منها على حدة تؤلف جزءًا منفصلًا, وهذا هو معنى الطريقة الجزئية, ويرى دعاة الطريقة الكلية أن تقسيم العمل على أجزاءٍ هو دائمًا تقسيم اعتباطي, وما يحدث بالفعل بعد اكتساب المهارة أن الشخص الماهر يؤدي العمل كسلسلة من الحركات تبدو من انتظامها واتساقها وتتابعها كما لو كانت حركة واحدة, ولهذا وجدنا في برامج التدريب المعاصرة -وخاصة التدريب الصناعي والمهني- أن مسألة التعامل مع "الكليات" لم تَعُدْ لها أهميتها السابقة، فما يحدث بالفعل أن عدد المهام "الكلية" التي يجب تعلمها قليل، ومعظم التدريب يتم بالطريقة الجزئية التراكمية Commulative patr-method, أي أن المهمة يتم تعلمها كأجزاءٍ، إلّا أن هذه الأجزاء يُعَادُ تكاملها باستمرار "كوحدات" جديدة, وتضاف إلى ما سبق تعلمه.
٨- الاعتماد على أن يتعلم الراشد كيف يتعلم:
تؤكِّدُ نتائج البحوث في ميدان التدريب أهمية الممارسة المستمرة في تعلم الراشدين؛ فالمتدربون الذين ينشغلون في أيّ خبرةٍ من خبرات التعلُّمِ المستمر منذ تَرْكِ المدرسة يؤدون في برامج التدريب أفضل من أولئك الذين لم تتوافر لهم مثل هذه الفرص، حتى ولو كانت هذه الممارسة السابقة ليس لها ارتباط مباشر بالتدريب الراهن ذاته.
ويبدو لنا أن قيمة التعلم المستمر تعتمد في جوهرها على أنها نتاج مهارةٍ تتكون لدى المتعلم الممارس لهذا النوع من التعلُّم يمكن تسميتها مهارة "تعلم طريقة التعلم"، بالإضافة إلى اتجاه هذا المتعلم نحو تحسين ذاته وتنميتها تنمية دائمة ومستمرة, ومعنى ذلك أن الراشدين الذين عليهم إحراز الثقة في التعلُّم من خلال أداء عملٍ جيد التخطيط وملائمٍ لحاجاتهم سوف يتحسنون، ليس فقط في المهارات التي يتدربون عليها، وإنما من المتوقع لهم أيضًا أن يتحسنوا في مهارات تعلم كيف يتعلمون.
ومن الممكن للراشد أن يكتسب بعض الاستبصار في طريقة حدوث عملية التعلُّم وخاصةً إذا لم يكن من أولئك الذين تلقوا قدرًا كافيًا من التعليم الرسمي "التحرس Schooling", وعادةً ما يُقَدَّم هذا في جلسة افتتاحية للمبتدئين, يطلق عليها أسماء شتّى من نوع "كيف تدرس" how to study، وتشمل نصائح بسيطة
стр. 534
وتدريبات عملية سهلة حول موضوع التعلم, ومن أشهر هذه البرامج ما يُسَمَّى برنامج مهارات الدراسة study skills, والذي يقدّم عادةً للطلاب لتحسين أدائهم الأكاديمي, ويشمل ذلك مثلًا أفضل طرق تسجيل نقاط وعناصر المحاضرة، واختيار الطرق المناسبة للاستذكار، ومهارات استخدام المكتبة والمراجع وغير ذلك.
إلّا أن بعض معلمي الراشدين يشعرون -وهم على حقٍّ- بأن هذا ليس كافيًا، ويحبون للمتعلمين أن يشاركوا بالفعل في "تجربة تعلُّم" حقيقية؛ بحيث يخبرون بأنفسهم كيف يتعلمون.
стр. 535
خاتمة حول العمر الثاني للإنسان:
بهذا نصل إلى نهاية العمر الثاني للإنسان وبداية مرحلة الختام، أي: العمر الثالث له, ومن وصف رحلة الرشد في الفصول السابقة يتضح لنا كيف أن هذه الطور الهام من حياة الإنسان بدأت أصوله ونمت وتحسنت وترقت طوال العمر الأول "الطفولة والصبا والشباب", لقد كان هذ العمر الأول هو مرحلة بناء الأسس وتكوين الدعائم، ولهذا وصفه القرآن الكريم "بالضعف" ففيه الاعتماد شبه الدائم على الوالدين والمعلمين رعايةً لهذا النموِّ وتوجيهًا له.
وحالما يصل الإنسان إلى رشده، الذي هو في جوهره استقلال اقتصاديّ بالمعاش، واستقرار اجتماعي بالزواج وتكوين الأسرة، يكون قد بلغ ما يصفه القرآن الكريم "بالقوة", ويتوجه مزودًا بدفعه الذاتي نحو بلوغ الأشد, وهكذا يمضي الرشد كالصاروخ الذي حالما ينطلق لا يتوقف حتى يبلغ غايته.
إلّا أن حياة الإنسان ليست رشد "القوة" فقط، ولكنها أيضًا رشد الضعف", فحالما يبلغ الإنسان غايته من رشده حتى يتحوّل النمو إلى العمر الثالث للإنسان، وهو ما وصفه القرآن الكريم بالضعف، إلّا أنه ليس كضعف الطفولة والصبا والشباب الذي لا تواجه المعرفة والخبرة، ولكنه ضعف مزَّوَّدٌ برصيد هائل من تجارب العمر، ولهذا يصفه القرآن الكريم بالضعف المصحوب بالشيبة, والشيبة في هذا السياق القرآني لا تعني محض بياض الشعر "وهو المعنى اللغوي"، كما لا تعني العجز فحسب، وإنما تتضمن أيضًا معنى الحكمة التي توافرت للإنسان على مدى أكثر من ستين عامًا في حياته، وهذا ما سوف نتناوله في الباب التالي من هذا الكتاب.
وصدق الله العظيم:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] .
стр. 536
الباب السادس: المرحلة الثالثة في حياة الإنسان"ضعف المسنين "
الفصل التاسع عشر: حدود المرحلة الثالثة في حياة الإنسان
الشيخوخة في اللغة والثقافة:
يُطْلَقُ مصطلح العمر الثالث للإنسان أو المرحلة الثالثة في حياة الإنسان في هذا الكتاب على مرحلة "الضعف الثاني" بعد مرحلة الرشد أو القوة، كما يحددها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ "الروم: ٥٤".
وتُوجَد في تراث علم النفس المعاصر تسميات كثيرة لهذه المرحلة، فهي الرشد المتأخر late adulthood أو الإعمار aging أو التقدُّم في السن elderly أو الشيخوخة senescence أو ما بعد النضج post-maturity, أما اللغة العربية فهي حافلة بألفاظ كثيرة تدور معانيها حول هذه المرحلة وخصائصها, وقد أمكننا أن نحصر أربع عشرة كلمة تدور حول حدود هذه المرحلة وهي:
١- الكبير وهوالطاعن في السن.
٢- الشيخ وهو الذي استبانت فيه السن، ويقال أنه من بلغ الخمسين حتى آخر العمر أو إلى الثمانين.
٣- المخلد وهو الذي أسنّ ولم يشب.
٤- المسنّ وهو الذي ارتفع عن المخلد.
٥- النهشل وهو المسن, وفيه بقية ولم يذهب بعد كل شبابه.
٦- الخنشل وهو المسن القوي.
٧- القحم "القحوم" وهو الذي ارتفع عن السن، وقيل: هو الكبير السن جدًّا، وقيل: هو الشيخ العجوز الخرفان.
٨- القحر وهو الذي أسنَّ وفيه جلد "الأنثى قحرة".
٩- الهرم وهو الشيخ الفاني "والأنثى هرمة".
стр. 537
١٠- الهم: وهو الشيخ الفاني "الجمع أهمام والأنثى همة".
١١- الهم: وهو الفاني الهرم.
١٢- الدردبيس: وهو الشيخ، وتستخدم الكلمة خاصةً للإشارة إلى العجوز الفانية.
١٣- العاتي: وهو السن الكبير, ويقال: الشيخ عتي على وزن فعول.
وتوجد طائفة أخرى من الكلمات العربية تدور حول خصائص هذه المرحلة من النواحي الجسمية والعقلية نذكر منها:
١- المقلحم: وهو الذي تضعضع لحمه.
٢- الدالف: وهو الماشي مشي المقيد، وفوق الدبيب، وأدلفه الكبر, أي: جعله يدلف.
٣- الرضمان: وهو من ثقل عدوه.
٤- العشمة: هو الرجل الذي ضمر وانحنى.
٥- المقشب: وهو اليابس من الكبر.
٦- الماج: وهو الذي لا يستطيع أن يمسك ريقه من الكبر.
٧- الهرشف: وهو الكبير المهزول.
٨- الخرف: وهو الشيخ إذا فشل عقله لكبره.
٩- المفند "بتفح النون وبتشديدها": وهو الشيخ الذي كثر كلامه من الخرف، والفند هو الخرف وإنكار العقل لهرم أو مرض.
١٠- النعثل: وهو الشيخ الأحمق.
١١- الهبل: وهو المضطرب من الكبر.
١٢- المكوهد: وهو المرعش من الكبر والضعف.
١٣- العنجل: وهو الشيخ الذي انحسر لحمًا وبدت عظامه.
١٤- الدحمل: وهو الشيخ الناحل المتجعد الجلد.
١٥- القعضم: وهو المسن الذاهب الأسنان.
١٦- المقوس: وهو الشيخ المنحني الظهر.
١٧- الروق: وهو من طال به العمر حتى سقطت أسنانه.
ولعل المتأمل في قائمتي الألفاظ السابقة يكتشف أنها جميعًا تدل على أن هذه المرحلة من النموِّ تتسم بالتدهور والهبوط والضعف الذي يحدث في جميع جوانب
стр. 538
حياة الإنسان, وهي مرحلة يشترك فيها الإنسان مع الحيوان؛ فالتغيرات التي تطرأ على جلد الإنسان وشعره وقامته وقوة عضلاته ونشاطه وكفاءته في الاستجابة, نكاد نَجِدُ ما يناظرها عند الحيوان عندما يدخل في طور الشيخوخة, ومع ذلك فإن هذا المرحلة في حياة الإنسان تتسم بالدينامية والتفاعل كغيرها من مراحل حياته، وتمر بتحديات التكيُّف ومشكلات التوافق التي تحتاج إلى المعالجة, حتى يمكن للمرء أن يستمر في حياته.
هي هذه حقائق الحياة فعلًا وحقًّا، وكان بالطبع يمكن تقبُّلها على أنها تغيرات طبيعية, وعندئذ لا تكون لها آثار تذكر على توافق الإنسان، إلّا أن ما يحدث في الأغلب أن معظم الثقافات الإنسانية تركِّزُ على أهمية الشباب والرشد، أما ما يتردد فيها عن الشيخوخة والتقدُّمِ في السن فهي أفكار نمطية تتسم بأنها سلبية في جوهرها. ولعل أوضح الأدلة على ذلك ما يفيض به الفولكلور الثقافي من إشاراتٍ غير محبذة لهذا العمر الإنساني، وأكثر الأمثلة وضوحًا في هذا السياق الأمثال الشعبية، صحيحٌ أن فيها بعض إشارات موجبة عن الشيخوخة والشيبة وسواهما, إلّا أن الطابع الغالب عليها عامَّةً هو الطابع السلبي, ويبدو لنا أن انطباعاتنا عن الشيخوخة تعتمد على خبراتٍ تعوزها القيم الموجبة, وعلى معلومات غير دقيقة حول طبيعة الأفراد وخصائصهم في هذه الفترة من دورة الحياة.
وتوجد مجموعة من الأفكار النمطية حول هذه المرحلة: فالمسنون مرضى فقراء غير مهمين, غير أصحاء, وغير ودودين, وحزانى ومساكين, وتوجد مصادر كثيرة لهذه الاتجاهات السلبية نحو المسنين: أحدها ما أشرنا إليه من تراثٍ فولكلوري, فإذا أضفنا إليه التراث الأدبي الذي يقرأه الإنسان عادةً في مراحل الصبا والشباب, والصورة السلبية فيه عن الشيخوخة, والذي يتم به تشكيل الأفكار والمعتقدات والاتجاهات والآراء, فإن ذلك يؤدي إلى تدعيم هذه الصورة السلبية، ناهيك عن الدور الحاسم الذي تقوم به وسائل الثقافة والإعلام الحديثة "وخاصة السينما والتليفزيون"، ودور الإعلانات في عصرنا الحاضر, والتي تركز جميعًا على الشباب، بل هي موجهة في جوهرها للشباب.
وقد يكون أكثر العوامل قوةً نقص الخبرات الموجبة مع المسنين, وخاصةً في مرحلة الطفولة, وتؤكد بعض الدراسات الحديثة أنه حين يقضي الطفل بعض الوقت في تعاملٍ مباشرٍ مع المسنين, تتحول انطباعات الأطفال من السلبية إلى الإيجابية, ولعل هذا يدعونا إلى التحسُّرِ على العصر النبيل الذي انقضى حين كان الجد والحفيد يتفاعلان معًا تحت سقفٍ واحدٍ.
стр. 539
وربما لهذه الأسباب لا تفضِّلُ بعض المجتمعات الحديثة -وخاصة في الدول المتقدمة- أن تطلق على المواطن بعد تجاوزه الستين "صفة الشيخوخة", والتسمية الشائعة لديهم هي "المواطن الكبير" senior citizen، وهذه التسمية في اللغة الإنجليزية لا تحمل معنى التقدُّم في السن فحسب، وإنما تتضمن أيضًا معاني الاحترام والمكانة الرفيعة والقدر العالي, وفي رأينا أن صفة "الشيخ" في اللغة العربية تحمل هذه المعاني جميعًا؛ فالكبير لغةً -كما بينا- هو الطاعن في السن١, بينما الشيخ لغةً هو الأستاذ والعالِمُ الكبير وكبير القوم ورئيس الصناعة، وهو الكبير في أعين القوم علمًا أو فضيلةً أو مقامًا ونحو ذلك، وحين يُنَادَى المرء في العربية بأنه شيخ, فإن ذلك يحمل كل معاني التبجيل والاحترام والتقدير.
стр. 540
حدود الشيخوخة
المحك العمري
...
حدود الشيخوخة:
متى تبدأ الشيخوخة؟ على الرغم من أن الشيخوخة حالةٌ نفسيةٌ وعقليةٌ لدى الكثيرين, إلّا أنه توجد مجموعة أحداث ثقافية ترتبط بالجسم والعقل تعد معالم لبدء هذه المرحلة, ولعلَّ من المفيد أن نعرض هذه الأحداث التي يمكن الاستفادة بها كمحكاتٍ لتعيين بداية هذه المرحلة الهامة من حياة الإنسان.
المحك العمري:
لعل أهل المحكات العملية في وقتنا الحاضر هو المحك العمري, والذي يحدد بداية زمنية معينة كبدء للعمر الثالث للإنسان؛ فعادةً ما يُعْتَبَرُ السن ما بين الستين والخامسة والستن هو المحك الرئيسي الذي يحدد بداية الشيخوخة, والواقع أن هذا المحك في جوهره هو من نوع المحكات الاعتباطية, ولعل ما يجعل للفترة من ٦٠ -٦٥ علاقة بحدود الشيخوخة أنها تمثِّلُ سن التقاعد واعتزال أدوار العمل الرئيسية، وبداية الاستفادة من نظام المعاشات والتأمين الصحي، والإعفاء من الضرائب, وفي بعض المجتمعات يحصل المسنون على امتيازاتٍ أخرى إضافية؛ مثل: تذاكر المواصلات المخفضة، والأسعار الخاصة لبعض المشتريات.
وإذا كان الفترة من ٦٠-٦٥ هي بداية هذا العمر الثالث للإنسان, فماذا عن حدوده الزمنية؟ يثير هذا السؤال موضوع طول الحياة أو ديمومتها average life span، والذين يمكن النظر إليه من زوايتين: إحداهما متوسط الأعمار، ويدل على العمر الذي يقضيه الإنسان حيًّا في المتوسط, ويسمى متوسط
стр. 541
مدى الحياة longevity, وثانيهما الحد الأعلى للعمر الذي يعيشه الإنسان, ويُسَمَّى المدى الأقصى للحياة maximum life span, ويعكس المؤشر الأول الظروف البيئية من تغذيةٍ ورعايةٍ طبيةٍ وغيرهما، أما المؤشر الثاني فيدل على الخصائص البيولوجية المميزة للإنسان، وكلاهما -من قبل ومن بعد- تتحكم فيه إرادة الله ومشيئته .
١- المدى الأقصى للحياة:
يبدو أن المدى الأقصى للحياة ظلَّ ثابتًا خلال بضع فترات تاريخية متعاقبةٍ وعبر الثقافات المختلفة، وخاصةً الإنسان في العصر الحديث حين توافرت للباحثين البيانات التي يمكن أن تخضع للتحليل المنظم, وفي ضوءِ ما هو متاحٌ حتى وقتنا الحاضر يمكن القول أن المدى الأقصى لحياة الإنسان في العصر الحديث هو ما بين ١١٠، ١٢٠ سنة، وأن أقصى ما أمكن التوصل إليه بالفعل هو حوالي ١١٥ سنة١.
والسؤال هنا: كيف تتفق هذه النتائج مع ما نقرأ ونسمع من مزاعم حول أفراد معاصرين عاشوا بيننا أعمارًا تفوق كثيرًا هذا الحد الظاهر؟ يرى الباحثون أن معظم هؤلاء "المعمرين" عاشوا في وقتٍ كان من الصعب - إن لم يكن من المستحيل- التحقق من عمر الشخص بطريقةٍ دقيقة Perlmutter "Hall, ١٩٨٥:٦١" فحين قام بعض الباحثين ببحثٍ عَمَّا ذُكِرَ عن حوالي ٦٠٠ شخص من هؤلاء, من أنهم عاشوا ١٢٠ سنة على الأقل، لم يجد هؤلاء الباحثون واحدًا منهم عاش لأكثر من ١١٤ سنة "Fries&Crapo, ١٩٨١" وقد تأكَّد ذلك من بحوث أخرى، لعل أهمها بحث "Walford, ١٩٨٣", وأحيانًا ما نقرأ أو نسمع عن أشخاصٍ يعيشون في بعض الثقافات والمجتمعات النائية، ويشار إليهم بأن متوسط مدى الحياة لديهم يتجاوز ١٥٠ عامًا، ومن أشهر هذه المجتمعات ثلاثة: بعض قرى الإكوادور، وبعض مقاطعات الدولة الروسية، وبعض المناطق في باكستان, وقد أُجْرِيَتْ دراسات علمية على هذه الحالات الثلاث على وجه الخصوص، وأكدت خطأ هذه التقديرات العمرية؛ ففي حالة معمري الإكوادور, وُجِدَ أن هناك خطأً واضحًا بين أسماء الآباء والأبناء, وبسبب شيوع الزواج الداخلي فقد تكررت بالفعل الأسماء داخل السلسلة الواحدة, كما لوحظ
стр. 542
أن من عاداتهم أنه حين يموت الطفل يُعْطي الآباء نفس الاسم لطفلٍ جديد, وقد لوحظ أيضًا أن سكان هذه القرى الذين تمتد أعمارهم بين ٦٠، ٧٠ سنة, كانوا يعطون بصفة عامة أعمارهم الصحيحة، أما أولئك الذين تجاوزوا هذا السن فكانوا أقل دقة, ويزداد عدم الدقة مع مزيد من التقدُّمِ في السن, وحين صحح الباحثون هذه البيانات باختيار الوثائق وجدوا أن أحدًا منهم لم يتجاوز عمره مائة عام "Perlmutter Hall, ١٩٨٥".
وقد أجريت دراسات مماثلة على المعمِّرين الروس؛ حيث لم يجد الباحثون وثائق ميلاد رسمية لهؤلاء، كما لاحظوا أن بعض هؤلاء الذين بالغوا في تقدير عمرهم فعلوا ذلك كحيلةٍ للهرب من الخدمة العسكرية، وربما لهذا السبب لم يُجَنَّدْ بعضهم أثناء الحرب العالمية الأولى حين استخدموا وثائق الوالد "المماثل له في الاسم" بدلًا من وثائقهم هم, وحين صُحِّحَتْ أعمارهم وُجِدَ أنها لم تتجاوز الثمانين عامًا, وقس على ذلك حالة معمري باكستان.
ولعل ما يلفت النظر حقًّا أن المناطق الثلاثة المشار إليها تتسم بالبعد والعزلة عن أعباء الحياة المعاصرة, فهم سكانٌ يعيشون حياةً ريفيةً تقليديةً تمامًا، وبالطبع فإن مثل هذه الثقافات يكون للمسن فيها سلطته وتقديره واحترامه، وربما لهذا السبب كانت المبالغة في تقدير العمر, ومع ذلك فإننا لا نستبعد مطلقًا أن يعيش هؤلاء السكان لما يقترب من مائة عام، بل قد يتجاوزون ذلك بعض الشيء، والسبب في ذلك أنهم يظلون على درجةٍ كافيةٍ من النشاط والحيوية والمشاركة في حياة مجتمعهم وبيئتهم حتى عُمٍرٍ متأخِّرٍ، بالإضافة إلى أن نظامهم الغذائي جيد ومتوازن إلى حدٍّ كبيرٍ، وعدم وقوعهم في أسر بعض العادات السيئة التي يعاني منها الإنسان المعاصر, وخاصةً التدخين وإدمان المخدرات وتعاطي المسكرات, إنهم بذلك يعيشون حياةً أقرب إلى تلك التي يوصي بها الباحثون المعاصرون المتخصصون في علم الإعمار Gerontology، وهو أحدث العلوم الإنسانية نشأةً وأكثرها تطورًا في وقتنا الحاضر:
٢- متوسط مدى الحياة:
أما عن متوسط مدى الحياة, وهو المؤشر الثاني الذي يُسْتَخْدَمُ في دراسة العمر فإنه يختلف من ثقافة لأخرى، كما يتغير من عصرٍ لآخر.
إلّا أن الملاحظ أنه خلال القرنين الماضيين طرأت زيادة على متوسط العمر الذي يعيشه الإنسان "وخاصة الإنسان في الغرب"، ويرجع حدوث ذلك خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر إلى سبب جوهري هو زيادة موارد الغذاء
стр. 543
وتحسين مستواه بالنسبة للغربيين، أما سبب ذلك عندهم في النصف الثاني من القرن الماضي فكان التقدم في الرعاية الطبية، وقد شهد القرن العشرين خاصة تطورات هامة في مجال الطب, وخاصةً مع الإجراءات الوقائية كالتحصين ضد الأمراض المعدية، والطرق العلاجية؛ كالتطورِ في مجال الجراحة والعقاقير "وخاصةً اكتشاف المضادات الحيوية" على نحوٍ أدى إلى خفض معدَّلِ الوفيات "وخاصةً وفيات الأطفال"، فإذا أضنفا إلى ذلك زيادة الوعي لدى الإنسان -مع نهاية القرن الحالي, واستشراف أفاق القرن الحادي والعشرين القادم- من أن فهمنا لأسلوب حياتنا وطريقة عيشنا له أثر كبير في الصحة والمرض, وبالتالي في قصر العمر وطوله "بعد مشيئة الله تعالى" فإننا نتوقع أن يزداد متوسط مدى حياة الإنسان في المستقبل.
إلّا أن هذا القول ليس متماثلًا لدى الجميع, فمن حقائق الإحصاءات الحيوية في كثير من البلدان أن المرأة تعيش بصفة عامة أطول من الرجل، كما أن نسبة وفيات الإناث عند الميلاد أقل منها للذكور، وفي مختلف الأعمار توجد لدى النساء قدرة أكبر من الرجال على مقاومة المرض, كما أنهن أقلّ تعرضًا لمرض العصر القاتل وهو مرض القلب, إلّا أن هذه الميزة للنساء ليست كذلك في جميع المجتمعات؛ ففي بعضها نجد أن عدد المعمرين من النساء يكاد يتساوى مع عددهم من الرجال, وفي البعض الآخر قد يزيد عدد المعمرين من الرجال على النساء، إلّا أن من العوامل التي أدت إلى الصورة الراهنة، والتي وصفناها فيما سبق، أن الرجال أكثر تمسكًا بعادة التدخين، كما أن إدمان المخدرات والمسكرات أكثر شيوعًا بينهم، وكذلك فهم أكثر عرضة للحوادث القاتلة. وعلى الرغم من هذه العوامل الخارجية, فإن بعض الباحثين يرون أن النساء لديهن استعداد بيولوجي للعيش أطول من الرجال, وهم يستندون في ذلك إلى الحقيقة البيولوجية التي تؤكد أن إناث معظم الحيوانات أطول عمرًا من ذكورها, إلّا أن حياة الإنسان ليست محض حقائق بيولوجية, ولكنها ذات إطار اجتماعي وثقافي وتاريخي، ولعله الأهم والأخطر.
ويتضح ذلك مما تأكَّدَ من أن التغذية والرعاية الطبية لها أثر كبير في صحة الإنسان، وبالتالي في احتمال زيادة عمره, ولهذا فمن المعقول فهم ما يُوجَدُ من فروقٍ في هذا الصدد في المستويات الاقتصادية والاجتماعية، وبين الثقافات الفرعية داخل المجتمع الواحد، وبين الدول المتقدمة والدول النامية.
وبالطبع فإن ارتفاع متوسط مدى الحياة يؤدي بدوره إلى زيادة عدد المسنين
стр. 544
وهذا ما تكشف عنه التعدادات السكانية الأخيرة, وقد أدى ذلك إلى توسيع نطاق مرحلة العمر الثالث للإنسان, ورفع حدّها الأقصى الذي أصبح ينتهي بالإنسان إلى الموت في سن مائة سنة أو أكثر, كما بينا عند الحديث عن المدى الأقصى للحياة, ويذكر "Binger, ١٩٨٣" أن هذه التطورات أدت إلى أن الإنسان المعاصر يمكنه أن يعيش -إن شاء الله- في هذه المرحلة في الوقت الحاضر ما بين ٢٠، ٤٠ سنة.
هل العمر الزماني معك كافٍ؟ لعل أشد الأخطاء خطرًا أن يتصور المرء أن العمر الزمني في ذاته متغير تفسيري "أي: له علاقة سببية بما يحدث من تغيراتٍ في أيِّ طور من أطوار العمر"؛ فالعمر في ذاته لا يمكنه حتى أن يصف، ناهيك أن يفسِّر هذه التغيرات, وعلى هذا فبلوغ المرء سن الستين أو تجاوزه لا يفسر مباشرة ما يحدث من تغيراتٍ من النوع الذي يشيع في العصر الثالث للإنسان. وكل ما يمكن أن يكون عليه أنه مؤشر تتفاعل فيه مجموعة من العوامل التفسيرية من ناحيةٍ "كالآثار الاجتماعية والبيئية التي يعيش فيها الإنسان الراشد المسن, أو التغيرات البيولوجية التي تطرأ عليه"، ومجموعة أخرى من الخصائص المترتبة عليها من ناحية أخرى "مثل اتجاهات الراشدين المسنين أو العمليات السيكولوجية التي تصدر عنهم", ويشبه Kermis" "١٩٨٤ العمر الزمني -باعتبار محض مرور الزمن- بأيّ أداة قياس أخرى "السنتيمترات في المتر مثلًا"؛ فالسنتيمترات وسيلة لقياس الطول, ولكنها لا تحدثه أو تؤثر فيه بالزيادة أو النقص, وبالمثل فإن الساعات والأيام والشهور والسنوات التي تؤلّف مقياس الزمن "وبالتالي مقياس العمر الزمني" تقيس هذا الحدث الفيزيائي، ولا تدل على أكثر من طول الزمن الذي قضاه المرء حيًّا، وكل ما نستطيع قوله: إن هناك تغيرات معينة تحدث في العمر الزمني أو تصاحبه, ولكنها لا تنتج عنه, وهذه التغيُّرات البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية هي -كما سبق أن وصفناها في مطلع هذا الكتاب- هي محتوى الزمن.
стр. 545
نحو محكات أخرى للشيخوخة:
الشيخوخة بالطبع ليست محض بلوغ عمر زمني معين, بل إن بلوغ الإنسان عمرًا زمنيًّا معينًا في أيِّ طورٍ من أطوار الحياة لا يعني بالضرورة حدوث جميع التغيرات البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية المصاحبة التي يفترض حدوثها في هذا الطور عند الجميع وفي وقت واحد, ولهذا كثيرًا ما نقرأ في التراث السيكولوجي المتخصص إشارات متعددة إلى العمر الاجتماعي والعمر السيكولوجي، ناهيك بالطبع عن العمر البيولوجي. وقد أكدت حقائق علم النفس النمو في مختلف أطوار الحياة أن الأفراد في نفس العمر الزمني يختلفون في هذه المحكات الأخرى، وينطبق هذا على الشيخوخة انطباقه على جميع أطوار الحياة الأخرى.
ولعل القارئ يتذكر أننا عند مناقشة مسألة "الرشد الإنساني" أشرنا إلى أن محض بلوغ المرء سن ٢١ عامًا لا يعني بالضرورة تحقيق الرشد، فقد يكون كلٌّ من المحك الاجتماعي والمحك السيكولوجي لديه متقدمًا أو متخلفًا, على الرغم من توافر المحك البيولوجي "وهو في حالة الرشد البلوغ الجنسي", فلماذا لا ينطبق على الشيخوخة نفس القول؟ فكما أن الرشد لا تحدده -من الوجهة السيكولوجية- حدود الزمن، ولو كان قانونيًّا، وإنما هو أكثر ارتباطًا بالاستقلال، فإن الشيخوخة لها نفس الطابع, فسن الستين ليس حدًّا فاصلًا بين القوة والضعف، العزيمة والوهن، التطور والتقهقر؛ لأن الشيخوخة السيكولوجية لا تتوازى بالضرورة مع التغيرات الجسمية التي تحدث في هذا السن ومابعده, فقد تحدث مبكرةً في الرشد المتأخر، وقد تتأخر كثيرًا فيه، ويتوقف هذا على مدى استثمار الفرد لإمكاناته السيكولوجية: معرفية ووجدانية واجتماعية، كما يتوقف أيضًا على نجاح الفرد في هذا الاستثمار طوال عمره كله: في شبابه وخلال سنوات نضجه ورشده، مما يؤدي به إلى استمرار الاستقلال، والرغبة المستمرة بل والمتزايدة في التعلُّمِ, وخاصةً التعلُّم الذاتي، واشتقاق الرضا والإشباع من الاستكشاف والاستطلاع والمعالجة والتقصي والبحث, التي ترتبط جميعًا بهذا التعلم، ثم تنوع الاهتمامات والميول, فإذا بدأ ذلك كله في التناقص والهبوط كان علامةً على بداية النهاية من الناحية السيكولوجية, ومعنى ذلك: أن المرء إذا بدأ في افتقاد استقلاله السيكولوجي, وتوجه نموه نحو الانتكاس وإلى الاعتماد من جديد، فهذا هو المؤشر على التحول السيكولوجي نحو الشيخوخة، ومع التقدُّمِ فيها "أي: الشيخوخة", يزداد الاعتماد الذي يصبح حينئذٍ علامةً بارزةً على التدهور، بل قد يظهر النكوص أو العودة إلى أنماطٍ مبكرة من السلوك, ومستوياتٍ أبسط من النشاط, ووراء ذلك كله عودة إلى الاعتماد الذي هو علامة "الضعف الثاني" الذي يشهده العمر الثالث، كما كان علامة "الضعف الأول" في مرحلة الطفولة والصبا والشباب "العمر الأول للإنسان", وصدق الله العظيم حين قال في كتابه العزيز:
﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْق﴾ [يس: ٦٨] .
وهكذا نقول: إنه إذا كان الاستقلال هو المحك السيكولوجي للرشد، فإن فقدان هذا الاستقلال والعودة إلى الاعتماد هو المحك السيكولوجي للهرم والعجز senility, ويصاحب هذا الاعتماد توقف عن التعلُّم -التعلم الذاتي بالطبع- مما يؤدي بالمرء
стр. 546
إلى اتجاهات سالبة نحو الذات والآخرين والعمل والحياة عامة، وهذا في ذاته يؤدي إلى الهرم بمقدار يفوق ما تفعله التغيرات في أنسجة المخ.
ويُعَدُّ التقاعد retirement من العمل -أي: التحول من الشخص العامل المنتج الكاسب للقمة العيش بجهده وكَدِّه, إلى شخص عاطل معتمد على الآخرين في معاشه- هو أشد صور التحول من الاستقلال إلى الاعتماد, وخاصة من الوجهة الاجتماعية, وتُعَدُّ خبرة التقاعد من أشد الخبرات إحباطًا في حياة الإنسان، ومع ذلك فإن من الممكن أن تمر هذه الخبرة بسلام في حياة الراشدين إذا أُحْسِنَ التخطيط لها. ونذكر هنا أن من الاتجاهات الحديثة في علوم الإدارة والتنظيم الصناعي زيادة مسئولية المنظمات في مساعدة الأفراد الذين هم في مرحلة منتصف العمر على التوافق لمشكلات التقاعد, وأولها التركيز على أهمية الادّخار والاستثمار في صناديق التأمين والمعاشات, بما يضمن دخلًا ثابتًا بعد التقاعد, ولكن سرعان ما ظهر أن هناك مشكلات أشد تعقدًا من المشكلات المالية, يجب الاهتمام بها عند الإعداد للشيخوخة, ونتيجةً لذلك نجد المؤسسات الصناعية الكبرى في الغرب تُعِدُّ برامج للإرشاد الجماعي والفردي لأولئك الذين يقتربون من الشيخوخة, وقد أدى هذا إلى أن يتنبه الإنسان العادي إلى ما ظلّ يركز عليه علماء النفس لسنوات طويلة, وهو أن التوافق لأيّ مشكلة يتم بسرعة وبأقل قدر من التوتر الانفعالي إذا كان الفرد مُعَدًّا لها, وكلما طالت فترة الإعداد وزادت جوانب الموقف التي تتطلّب الاستكشاف والفهم وضوحًا, كان التوافق للمشكلات أفضل, حتى ولو اختلفت جوانبها الخاصة عما كان يتوقعه المرء خلال فترة الإعداد.
وبالطبع لا ينكر أحد أن أهم خصائص الشيخوخة التدهور العام الذي تتعرض له جميع الجوانب الجسمية والنفسية والاجتماعية للإنسان، إلّا أن الملاحظ أن هناك دائمًا إمكانية تعويض هذا التدهور؛ فالهبوط في القدرات العقلية والجسمية يُعَوّضُ بالاستفادة من خبرات المسنين السابقة، ونقصان القوة العضلية وبطء الاستجابة وزيادة زمن الرجع يُعَوّضُ بزيادة المهارة, وهذه المرحلة التي يمكن تعويض النقائص فيها هي المرحلة المبكرة للشيخوخة، أما في المرحلة المتأخرة، والتي يسميها القرآن الكريم "أرذل العمر"، فإن التدهور فيها يصبح كاملًا ويستحيل فيها التعويض.
إلّا أن من المهم أن ننبه إلى أن ما يمكن أن نسميه "الشيخوخة السيكولوجية"، لا يتوازى بالضرورة مع الشيخوخة الجسمية, أي: مع التغيرات الجسمية والفسيولوجية التي تحدث للمعمرين, ويتوقف هذ النوع من الشيخوخة مرة أخرى
стр. 547
على مدى استفادة الإنسان من قدراته العقلية, واستثماره لسماته النفسية.
فإذا كَوَّنَ الإنسانُ اتجاهاتٍ سلبيةً نحو ذاته والآخرين والعمل والحياة بصفة عامة, فإن ذلك يقوده إلى الشيخوخة, وربما قبل الأوان, كما يفعل تمامًا التدهورفي أنسجة المخ؛ فالذين لا يواصلون ميولهم الاجتماعية والشخصية ولا يتوافقون مع أدوارهم الجديدة بعد التقاعد، سرعان ما يتحوّلون إلى الاكتئاب والعجز, ثم يتدهورون جسميًّا وعقليًّا, وتذكر هيرلوك "Hurlock, ١٩٨٠" أن حوالي نصف المرضى العقليين في سن الشيخوخة, يعانون من الاضطرابات الوظيفية لا العضوية، والتي ترجع في جوهرها إلى عوامل نفسية أكثر منها عوامل فسيولوجية ونيرولوجية, وبالطبع حين تتآزر العوامل النفسية المدمرة مع العوامل الجسمية المتدهورة يسرع ذلك بالانهيار, وتلعب الدافعية دورًا هامًّا في هذا الانهيار والتدهور، وخاصة الدافعية للتعلم؛ فحين يفقد المرء الرغبة في التعلم أو القدرة عليه, يكون هذا كما قلنا هو محك الشيخوخة الحقيقي, ولعل هذا التعلم المستمر -والله أعلم- هو مصدر الحكمة والخبرة الذي أشار إليه القرآن الكريم حين يصف العمر الثالث للإنسان بأن مرحلة "ضعف وشيبة", بمقارنته بالعمر الأول للإنسان بأنه "محض ضعف"؛ لأن ضعف الصبا صيرورة مستمرة إلى هذه الحكمة التي تتوافر للإنسان أثناء مرحلة الرشد.
يقول الله تعالى:
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] .
أما إذا افتقد الإنسان القدرة على التعلم فإنه يكون قد وصل إلى أرذل العمر، وهي مرحلة يصفها القرآن الكريم بأن من سماتها الرئيسية أن المرء فيها "لا يعلم من بعد علم شيئا".
يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الروم: ٥٤] .
وحينئذ يفتقد الحكمة والخبرة, وينتكس إلى نوعٍ من الضعف أشبه بمرحلة الضعف الأول الذي كان عليه قبل الرشد.
التعلم -إذن- هو جوهر قوة الإنسان، والعجز عنه علامة الضعف الإنساني، وفقدانه هو مؤشر الانحدار والنهاية.
وهذا التقسيم يتضمَّن بالضرورة وجود طورين في العمر الثالث للإنسان هما
стр. 548
ما سوف نتناوله في الفصلين التاليين وهما:
١- طور الشيخوخة.
٢- طور أرذل العمر.
ويبقى أن نقول في هذا الصدد: إننا بدأنا هذا الفصل بسؤالٍ حول متى تبدأ شيخوخة الإنسان، فهل هناك سؤال حول متى تنتهي كما هو الحال بالنسبة للعمرين السابقين: الضعف الأول والقوة؟ بالطبع إذا كانت الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب بالنسبة للطفولة والصبا والرشد؛ حيث تحدد نهاية كل مرحلة بداية المرحلة التي تليها طالما ظلّ الإنسان حيًّا، فإن الإجابة على هذا السؤال بالنسبة للعمر الثالث للإنسان أن النهاية الحتمية هي الموت, والموت في الإطار الإسلامي لا يعني النهاية المطلقة, وإنما هو انتقال إلى الحياة الآخرة الأبقى والأخلد, بل إن الحياة التي نعيشها -طالت أو قصرت- ومراحل النمو التي نمر بها -اختصرت أو اكتملت- هي جميعها البرهان الدامغ على البعث يوم القيامة، وصدق الله العظيم في قوله الكريم:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥] .
стр. 549
تاريخ البحث في ميدان المسنين:
عندما ظهر علم الإعمار Gerontology في أواخر القرن التاسع عشر, كانت بدايته متواضعة, ونموّه بطيئًا, وبالطبع كانت البحوث الطبية هي الأسبق في الظهور حين بدأ الباحثون في دراسة العوامل المؤثرة في طول العمر longevity, ومحاولة وصف التغيرات التي تطرأ على خلايا الجسم وأنسجته, والتي تُعَدُّ مسئولة عن ظهور أعراض الشيخوخة والهرم "Riegel, ١٩٧٧". أما الدراسات النفسية في هذا الميدان فقد بدأت عام ١٩٢٢ بصدور كتاب هامٍّ لستانلي هول، مؤسس علم نفس النمو الحديث, عنوانه: "الشيخوخة: النصف الأخير من الحياة Senescence: The Last Half of Life، ولعلنا نتذكر أن هول هو رائد الدراسة السيكولوجية للطفل والمراهق، وهو هنا أيضًا رائد الدراسة السيكولوجية للشيخوخة والتقدم في السن, ومن الطريف أن نشير إلى أنه أعدَّ هذا الكتاب وهو في السبعينات من عمره، فجاء يجمع بين السيرة الذاتية والاستبطان والبيانات
стр. 550
الإحصائية والتأملات النظرية والتراث الأدبي, بالإضافة إلى صيغة البحث العلمي.
وقد دفع هذا الكتاب الباحثين السيكولوجيين إلى الاهتمام بهذه المرحلة الختامية في حياة الإنسان, وقد تركزت البحوث المبكرة حول نموِّ النشاط العقلي, وكان ظهور اختبار ألفا الحربي أثناء الحرب العالمية الأولى فرصة لاستطلاع التغيرات التي تطرأ على ذكاء الراشدين "والتي تناولناها في الباب السابق, الذي يدور حول الرشد", كما اهتمت بحوث أخرى بالعلاقة بين المستوى التعليمي والمستوى الاقتصادي والاجتماعي, وبين نمو وتدهور الذكاء عبر مدى الحياة, ثم امتدت الاهتمامات إلى المهارات الحركية, ثم تقدمت البحوث خلال الحرب العالمية الثانية, وأسهم فيها بدور بارز مركز بحوث نافيليد بجامعة كبردج في بريطانيا، والتي امتدت إلى مرحلة الشيخوخة بالإضافة إلى أطوار الرشد المختلفة, كما أسس المعهد القومي للصحة بالولايات المتحدة عام ١٩٤٦ وحدةً لبحوث المسنين, إشراف ناثان شوك Nathan Shock, وفي نفس العام تأسست جمعية بحوث المسنين, وصدرت عنها أول مجلة متخصصة في هذا الميدان هي: Journal of Gerontology.
وقد اهتمَّت البحوث المبكرة حول الشيخوخة بالمشكلات العملية التي تدور حول رعاية هذه الفئة من الراشدين المتأخرين, وفي عام ١٩٤٨ نُشِرَ كتابٌ هامٌّ حول التوافق الاجتماعي للمسنين Social Adjustment in Old Age أعده مجلس بحوث العلوم الاجتماعية بالولايات المتحدة, وبصدوره اتسع نطاق الاهتمام, وامتدت البحوث إلى جميع جوانب عملية التقدم في السن "Binstock&Shanas,١٩٧٦" وأدى ذلك إلى تأسيس الاتحاد الدولي لعلم الإعمار lntetnational Association of Gerontology عام ١٩٥٠, ليجمع الباحثين في هذا الميدان من مختلف التخصصات.
إلّا أنه حتى عام ١٩٧٢, لم يكن هناك فرع لعلم النفس الكلينيكي يتخصص في مجال المسنين, والسبب الجوهري في ذلك أن أدوات التقويم النفسي الجوهرية لم تمتد بعينات تقنينها إلى ما بعد سن الخامسة والستين، ولعل أهم مظاهر ذلك النقص ما كان عليه عندئذ حال مقياس وكسلر كأداة لدراسة النشاط العقلي، واختبار رورشاخ, واختيار تفهم الموضوع, وكلاهما من الأساليب الإسقاطية الأساسية في دراسة الشخصية.
стр. 551
كما كان هناك مجال آخر في دراسة سيكولوجية المسنين لم يكن قد أحرز تقدمًا يذكر, وهو العلاج النفسي لهذه الفئة من الراشدين المتأخرين, فلم تكن هناك نظرية واحدة حول سيكولوجية التقدم في السن, ولعل من المهمِّ أن نشير هنا إلى أن فرويد نفسه رفض قبول المسنين كمرضى، وهو اتجاه لا يزال سائدًا لدى أصحاب التحليل النفسي حتى اليوم "Kermis, ١٩٨٤", ولعل النقص في وجود أساليب علاجية خاصة للمرضى المسنين كان له جوانبه الإيجابية والسلبية حينئذ, فمن الناحية السلبية قد يتضمن افتراض المعالج أن هؤلاء المرضى حالات مستعصية على الشفاء بأساليب العلاج النفسي، وبالتالي يمكن أن تُسْتَخْدَمُ معهم أساليب أخرى؛ كالعقاقير والصدمة الكهربائية, أو أن يودعوا في المؤسسات الخاصة بهم, أما من الناحية الإيجابية فقد دفع ذلك علماء النفس إلى البحث عن طرق بديلة -ذات طبيعة سيكولوجية أيضًا- عند فشل الأساليب المعتادة، وهذا ما سنتناوله بالتفصيل فيما بعد.
وهكذا شهدت عقود السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن العشرين اهتمامًا متزايدًا بسيكولوجية المسنين, ويوجد في مصر في الوقت الحاضر عدد من الأقسام والمراكز المتخصصة في دراسة الشيخوخة في عدد كبير من الجامعات "ومن ذلك قسم طب وصحة المسنين بجامعة عين شمس, ومركز الرعاية الصحية والاجتماعية للمسنين بجامعة حلوان", كما أن البحوث تجرى حاليًا في عدد كبير من البلدان وعلى نطاق أكثر اتساعًا, ولعل من مؤشرات هذا الاهتمام الكبير أنه يوجد الآن أكثر من ٣٠ مجلة متخصصة في هذا الميدان, كما أن أهم الأحداث المرتبطة بذلك تاسيس الاتحاد الدولي للصحة النفسية للمسنين lnternational Psychogeriatic Association عام ١٩٨٢, والذي عقد مؤتمره الأول بالقاهرة خلال الفترة من ٢٢-٢٥ نوفمبر ١٩٨٢.
стр. 552
موضوع سيكولوجية المسنين:
إذا كان علم النفس هو الدراسة العلمية للسلوك الإنساني في جميع مظاهره، فإن سيكولوجية المسنين، أو ما يُسَمَّى باللغة الإنجليزية Geriatric Psychlogy أو Gerontopsychology تركز على النمو في مرحلة ما بعد اكتمال النضج Post maturity, وهذه الدراسة تحاول الإجابة على ثلاثة أسئلة أساسية حول النمو في هذه المرحلة وهي:
١- إلى أيّ حَدٍّ يختلف المسنون عن الراشدين الأصغر سنًّا؟ وكيف يتغير الأسنان مع التقدم في السن؟
٢- ما هي الآثار المترتبة على هذه الفروق أو التغيرات؟
٣- كيف تفسر هذه الفروق أو التغيرات؟
ولعل القارئ يذكر أننا أشرنا منذ مطلع هذا الكتاب إلى أن التوجه الراهن لعلم نفس النمو هو منظور مدى الحياة، ويصدق هذا على مرحلة المسنين صدقه على جميع مراحل العمر الأخرى, ومعنى ذلك أننا في دراسة سلوك المسنين لا بُدَّ أن ندرك أن هذا السلوك الذي يظهر في المراحل المتأخرة من حياة الإنسان لا يتم في فراغٍ أو على نحوٍ فجائي، وإنما هو تطور طبيعي لأنماط السلوك المبكرة؛ ففي منظور مدى الحياة يكون سلوك الإنسان دائمًا دالة لأحداث الماضي والحاضر وتوقعات المستقبل, وتشمل أحداث الماضي وعوامل التكوين البيولوجي والفسيولوجي التي تلعب فيه الوراثة دورًا حاسمًا، والنشاط المعرفي والوجداني والاجتماعي المبكر, الذي تلعب فيه البيئة الدور الرئيسي, أما عوامل الحاضر فتشمل آثار العلاقات الاجتماعية داخل الجماعات المختلفة "وخاصة الأسرة", وكذلك الآثار الثقافية العامة للبيئة الراهنة للفرد, وتتضمَّن توقعات المستقبل البيئية التي سوف يتعرض لها المرء, سواء أكانت حقيقة أم متخيلة, كما يضاف إلى هذه العوامل الخرافات والأوهام التي تشيع في البيئة حول التقدم في السن، وكذلك توقعات المرء وأهدافه في الحياة يركز على أن النمو عملية مستمرة من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين، وهو الجزء الرئيسي من عنوان هذا الكتاب.
والسؤال الجوهري الآن هو أنه إذا كان تركيز علم نفس النمو الحديث على منظور مدى الحياة, فلماذا يظهر بعض علماء نفس النمو اهتمامًا وتركيزًا على جزءٍ من دورة الحياة؛ كالطفولة أو المراهقة أو الشباب أو الرشد أو الشيخوخة؟ إذا قصرنا الإجابة على هذا السؤال على ما يخص سيكولوجية المسنين, يمكن أن نحدد لذلك الأسباب الآتية:
١- تلعب الاعتبارات العملية دورًا كبيرًا في هذا الاختبار، ومن ذلك مثلًا أنه قد تتوافر في بعض الأوقات بيانات كافية عن مرحلة معينة، وهذا ما حدث لسيكولوجية المسنين في السنوات الأخيرة, ولعل هذا هو ما دفع كثيرًا من الباحثين في الوقت الحاضر للاهتمام بهذه المرحلة من حياة الإنسان, باعتبارها بؤرة هامة يمكن من خلالها فهم الحياة ككل.
стр. 553
٢- توجد بعض القضايا والمشكلات التي تخص المسنين دون سواهم ممن هم أصغر سنًّا، وبالطبع فإن على الباحث السيكولوجي أن يختار التخصص في هذه المسائل, ومن ذلك أن التعامل مع الوحدة والعزلة والعجز والمرض المزمن أكثر حدوثًا في مرحلة الشيخوخة دون غيرها من مراحل العمر, ولعل هذا ما دفع مجالات أخرى غير علم النفس -كالطب- إلى أن تفرد للمسنين تخصصًا منفصلًا, فكما أن هناك في الطب منذ عقود طويلة طبًّا للأطفال, ظهر في السنوات الأخيرة طب المسنين Getiatrics أيضًا.
٣- ترتبط الشيخوخة بأحداثٍ وتحولاتٍ اجتماعية هامة لها آثارها السيكولوجية على الإنسان، ومن ذلك: التقاعد وتغير الأدوار وفقدان الزوج والأصدقاء، وهي جميعًا قضايا تجعل من الشيخوخة من أطوار التحول الاجتماعي الذي يدفع الباحثين في هذا الميدان للاهتمام بها.
٤- زيادة عدد المسنين في التعدادات السكانية الأخيرة، وقد تطلَّب ذلك ظهور أنواع جديدة من خدمات الرعاية التي يجب أن تُقَدَّمَ لهم، وهي خدمات تحتاج لتخصصات عديدة؛ كالطب والخدمة الاجتماعية والخدمة النفسية, بالإضافة إلى ما يتطلبه ذلك من تجديدٍ في النظم التشريعية وقوانين العمل ونظم التأمين والمعاشات، وكلها تهدف إلى أن يحافظ المسن على استقلاله الاقتصادي واستقراره الاجتماعي "وهما مؤشرا الرشد الرئيسيان" أطول فترة ممكنة، بالإضافة إلى تهيئة ظروف حياة ملائمة له, سواء في طور قدرته النسبي "الشيخوخة", أو طور عجزه الكامل "أرذل العمر".
стр. 554
نظريات الشيخوخة والتقدم في السن
أولاً: النظريات البيولوجية
...
نظريات الشيخوخة والتقدم في السن:
يُوجَدُ في الوقت الحاضر عدد من النظريات حول الشيخوخة والتقدُّمِ في السن؛ بعضها بيولوجي, والبعض الآخر سيكولوجي, إلّا أن هذه النظريات المتاحة حتى الآن لا تزال غير كاملة, ولم توجد بَعْدُ النظرية العامة حول الشيخوخة التي تصف لنا كيف يتغير السلوك عبر الزمن، وكل ما هو متاح نظريات تفسر أو تتنبأ بجوانب محدودة من هذا السلوك, وبالطبع فإن هذه النظرية العامة المنشودة لا بُدَّ أن تضع في الاعتبار العوامل البيولوجية والسلوكية والاجتماعية معًا وفي وقت واحد، بالإضافة إلى التفاعل بينها.
أولًا: النظريات البيولوجية:
يرى أصحاب النظريات البيولوجية للشيخوخة, أن في هذه المرحلة -التي تُعَدُّ المرحلة البيولوجية النهائية في حياة أيِّ كائن عضويّ- تحدث عمليات هدم وتحلل تؤدي بهذا الكائن العضوي إلى التدهور على نحوٍ أسرع, وبشكلٍ لا يسمح لميكانيزمات البناء بالعمل, وهذا التدهور يؤدي إلى نقص القدرة على التكيُّف، وبالتالي يؤدي إلى ضعف القدرة على المقاومة والبقاء, وبالطبع فإن المرء لا يموت "بسبب الشيخوخة"، وإنما الموت قد يحدث في أيِّ طور من أطوار حياة الإنسان، ولكنه حتمي في الشيخوخة، وأسبابه في الحالتين عديدة، منها المرض, أو فشل عضوٍ من أعضاء الجسم, أو نظام عضوي منه في العمل، كالقلب أو المخ أو الكلي أو الجهاز الدوري أو التنفسي, وبالطبع تُوجَد فروق فردية واسعة في بدء وتوقيت واستمرار هذه التغيرات المتدهورة. كما أن الأنواع الحيوانية تظهر أنماطًا مختلفة من الشيخوخة، ولكلٍّ منها حَدَّه الأقصى لمدى الحياة, ويوضح الجدول رقم "١٩-١" ذلك, ويبدو من هذا الجدول أن الحد الأقصى لمدى الحياة هو بصفة عامة الحد الأعلى لإمكانية البقاء في النوع الواحد.
جدول رقم "١٩-١" مدى الحياة وطول فترة الحمل وسن البلوغ الجنسي لدى أنواع مختلفة من الثدييات "بتصرف عن Finch and Hoyfick ١٩٧٧"
وتوجد عوامل كثيرة ترتبط بالفروق البيولوجية في مدى الحياة، بعضها وراثي وبعضها بيئي؛ فالحيوانات التي تُرَبَّى داخل المعمل تعيش أطول من
стр. 555
حيوانات البرية, بسبب عدم تعرضها لاعتداء الأعداء من ناحيةٍ, وبرامج التغذية الجيدة التي تُقَدَّمُ لها من ناحيةٍ أخرى, كما أن الإناث في جميع الأحوال تعيش أطول من الذكور، على الرغم من وجود بعض الاستثناءات، فذكور الخيول تعيش أطول من إناثها, كما يرتبط حجم الجسم بمدى الحياة، مع وجود استثناءات مرة أخرى، فالكلاب لا تعيش أطول من القطط, وبالطبع فإن الغذاء المنظم قد يؤدي إلى زيادة مدى الحياة، إلّا أن نظام التغذية يرتبط بالنشاط, وبالتالي يصعب تحديد أثره بشكل مستقلٍّ, وأخيرًا فإن نقص حرارة الجسم يرتبط بزيادة مدى الحياة لدى الزواحف على عكس الحال لدى الثدييات التي يرتبط ارتفاع درجة الحرارة لديها بزيادة مدى حياتها، ومع ذلك فإن الدببة التي تعيش البيات الشتوي وهي حيوانات ثديية, تعيش حياة أقصر مما هو متوقع من مؤشر درجة حرارة الجسم، كما أن التماسيح وغيرها من الزواحف ذات درجة الحرارة المرتفعة, يطول مدى حياتها على عكس ما هو متوقع أيضًا, وهذه النتائج توكد لنا أن طول مدى الحياة لا تحدده عوامل كافية بذاتها، وإلّا لأمكن لنا أن نتنبأ به؛ فطول العمر من المغيبات الخمس التي حجبها الله عن علمنا، وليس للمسلم إلّا أن يؤمن بها؛ لأنها جزء أساسي من عقيدته, يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] .
وتوجد في فئة النظريات البيولوجية للشيخوخة ثلاث نماذج رئيسية هي: النموذج البيولوجي الوراثي, والنموذج البيولوجي غير الوراثي, والنموذج الفسيولوجي, ونعرض فيما يلي هذه النماذج الثلاثة بإيجاز:
١- النموذج البيولوجي الوراثي:
يؤكد النموذج الوراثي genetic للشيخوخة, على الخلل الذي يطرأ على مركبي RNA, DNA في الخلية, وما ينتج عنه من خللٍ أو فشلٍ في إنتاج الأنزيمات اللازمة لنشاط الخلايا, وبالتالي إلى موتها, ومعنى ذلك عند أصحاب هذا النموذج, أن الشفرة الوراثية هي التي تحدد الحد الأقصى لمدى حياة الإنسان, إلّا أن هذا النمط الوراثي قد يتأثر بالعوامل البيئية؛ كالتعرض للإشعاع وتناول العقاقير والتدخين, وهذه النظرية لا تصف لنا طبيعة الانحرافات عن البرنامج الوراثي لدى المرء، وإنما تركز على الآثار العامة للميول الوراثية في مدى الحياة، والأصول الوراثية لعملية التقدم في السن.
وفقدان الخلايا له أهمية خاصة في مناطق الجسم ذات العدد الثابت بعد
стр. 556
توقف عملية الانقسام غير المباشر, وخاصة الخلايا العصبية في المخ والجهاز العصبي المركزي؛ فنقص الخلايا في هذه الأجزاء وخاصةً في السرير التحتاني "الهيبوثا لاموس", الذي يعتبر الساعة البيولوجية للتقدم في السن، يؤدي إلى فقدان الجهاز لتكامله وتوازنه على نحوٍ قد يؤدي إلى الوفاة.
وقد تعرَّضَ هذا النموذج للنقد؛ ففيه تبسيط شديد لعملية الشيخوخة, بينما تُوجَد خطوات وسيطة عديدة بين خلل المركب DNA ونواتجه النهائية، ومع ذلك فقد تأكَّدَ وجود فروق جوهرية في هذا المركب بين المسنين ومن هم أصغر سنًّا, وعمومًا فإن الأدلة المدعمة لهذا النموذج جمعها علماء الطب, وعلى رأسهم ليونارد هايفلك "في Finch and Hoyfilck, ١٩٧٧". وقد جاءت هذه الأدلة من مصدرين رئيسيين نادرين لاضطراب الخلايا: أحدهما يُسَمَّى البروجريا progeria ", ويسمى أحيانًا زملة أعراض هاتشنسون -جيلفورد" وهو اضطرابات نادر يظهر لأول مرة في الطفولة المتأخرة ومطلع المراهقة، ومن أعراضه بطء شديد في النمو, وتصلُّب عام للأوعية الدموية الرئيسية, وخاصةً الشريانين الأورطي والتاجي.
أما الاضطراب الخلوي الثاني فيُسَمَّى زملة أعراض فرنر Werner syndrome, وهو شبيه بالاضطراب السابق, ولكنه يظهر متأخرًا في العمر, ومتوسط العمر لدى المصابين به هو ٤٧ سنة، ويظهر ١٠% منهم أورامًا خبيثة، وجميعهم يظهرون أعراضًا مشتركة, ومنها بياض الشعر وسقوطه، وإعتام عدسة العين "الكاتاراكت", وتصلب الأوعية الدموية وخاصةً تصلُّب الشرايين، ووهن العظام، أضف إلى ذلك أن هؤلاء المرضى يتسمون عامةً بقصر القامة, كما أنهم مستهدفون للإصابة بمرض السكر.
وبصفة عامةٍ يمكن القول أن العمليات التي تحدث في خلايا الجسم الإنساني هي الباب الوراثي الذي يدخل منه الإنسان إلى الشيخوخة, وحتى إذا لم تتعرض الخلايا لأيّ مرضٍ من النوعين السابقين, فإن الانقسام الخلوي غير المباشر متناهٍ في حدوده, ويرى هايفلك أن الخلية لا يتجاوز عدد مرات انقسامها ٥٠ مرة قبل أن تموت، ويفترض أنها تتراكم فيها أخطاء في إنتاج الشفرة الوراثية "في المركبين RNA, DNA مع اقتراب الخلية من شيخوختها, وهكذا تصبح الشيخوخة نتاج فقدان الخلايا -وخاصة في الأجزاء الحيوية من الجسم الإنساني- يحدث على نحوٍ أسرع من عملية إحلال الخلايا محل بعضها، وبهذا يتناقص بالفعل عدد خلايا الجسم.
стр. 557
٢- النموذج البيولوجي غير الوراثي:
يركز النموذج البيولوجي غير الوراثي على الوظائف الخلوية, سواء تلك التي تحدث داخل الخلية الواحدة أو بين الخلايا المختلفة, وعلى ذلك فهو نموذجٌ يهتم بالعوامل التي تؤثر في نشاط الخلايا وليس على عمليات انتقال مركب RNA, DNA داخل الخلايا, كما يهتم بأثر المواد غير الخلوية في الجسم الإنساني؛ مثل: إنتاج الفضلات والجزئيات الحرة في نشاط الخلية, وعلى ذلك فإن هذا النموذج يتعارض مع النموذج البيولوجي الوراثي السابق, الذي يركِّزُ على التغيرات الداخلية للشفرة الوراثية باعتبارها سبب الشيخوخة, وهكذا فعلى الرغم من أن كِلَا النموذجين يركِّزُ على وظائف الخلية، إلّا أنَّ لكلٍّ منهما أسبابه المختلفة في تفسير ظاهرة التقدم في السن.
ويرى بعض أصحاب هذا النموذج أن الشيخوخة ترجع في جوهرها إلى الزيادة المتراكمة لنواتج الفضلات الناجمة عن عمليات الأيض "أو عمليات الهدم والبناء Metbolism" في كل خلية, وما يحدث أن هذه الفضلات تتداخل مع الوظائف العادية للخلية, وتؤدي في النهاية إلى موتها, وتتوافر أدلة كثيرة على صحة هذا النموذج, قَدَّمَها على وجه الخصوص شوك Shock "في Finch & Hayflick, ١٩٧٧".
لقد أكدت البحوث أن الخلايا تنتج الكثير من الفضلات الضارة, تتراكم مع مرور الوقت في أنسجة الجسم, ومثال ذلك مادة الليبوفوسين lipofusin التي هي في جوهرها مادة دهنية لا تقبل التحلل أوالذوبان, وبالتالي تتداخل مع نشاط الخلية وتؤدي إلى موتها, وقد لُوحِظَ أن هذه المادة تكَوّن حوالي ثلث الحجم الكلي لعضلة القلب لدى المسنين, وبالتالي تؤدي إلى خلل في وظائفه, صحيح أن البحوث على فضلات الخلية لا تزال في مراحلها المبكرة، إلّا أنَّ من المتوقع لها أن تقدِّمَ لنا نتائج هامة ومفيدة في المستقبل القريب, وحتى الآن فمن الصعب في هذا الميدان من البحث تحديد ما إذا كانت فضلات الخلية هي من أسباب الشيخوخة أم من نواتجها، كما أن من المؤكَّدِ وجود فروق فردية واسعة في معدل هذه الفضلات الخلوية، وبالطبع فإن نسبة تركيز هذه المواد في الخلايا ترتبط ارتباطًا موجبًا عاليًا بسلوك الشيخوخة كما نلاحظه بالفعل, وتوجد صعوبة أخيرة في هذا النموذج تتمثل في أن بعض الفضلات "وخاصة الليبوفوسين", يتراكم فقط في الخلايا التي لا تنقسم, وبالتالي قد لا تكون هذه الفضلات في ذاتها سببًا كافيًا للشيخوخة.
وهنا اتجاه أكثر حداثة في إطار هذا النموذج اقترحه عالم الكيمياء الحيوية الصناعية بجوركستين Bjorkstin عام ١٩٧٤, وخلاصته أن هناك علاقة بين
стр. 558
علميات الانتقال التي تحدث داخل الخلية, والتغيرات في النسيج الضام مع التقدُّم في العمر، وخاصة التغيرات في الإيلاستين elastin والكولاجين١ Collagene, فقد لاحظ الباحث أن هاتين المادتين البروتينيتين تتحولان من المرونة إلى التصلب مع التقدم في العمر، كما تتغيران في التركيب الكيميائي, ومادام الكولاجين خاصة يؤلف ما بين ٢٥% إلى ٣٠% من مجموع بروتين الجسم, ويحيط بجميع الأوعية الدموية والخلايا, فلا بُدَّ أن يكون لذلك أثره البالغ في النشاط الفسيولوجي, وعلى الرغم من أن هذا الاتجاه لم يتدعم بشكل مؤكد بعد, إلّا أنه يثير الكثير في البحوث في وقتنا الحاضر.
وهناك اتجاه حديث ثالث في إطار هذا النموذج اقترحه Rockstein & Sussman, ١٩٧٩" يركز على المكونات الكيميائية الحرة في الخلية, والتي تنشأ عن نشاط الأوكسجين باعتبارها آثارًا جانبية للعمليات العادية للنشاط الخلوي، وهذه المكونات تكون على درجة من الفعالية الكيميائية, وبالتالي توجد لفترة قصيرة من الوقت، ويزداد نشاطهما خاصةً مع الدهون غير المشبعة, والتي تؤلف غشاء الخلية, إلّا أن أغشية الخلايا تؤثر في كروموزومات الخلية, وبالتالي تؤدي إلى إتلاف الخلايا السوية، أضف إلى ذلك أنها سريعة التولد الذاتي والتكاثر، فحالما يتصل أحد هذه المكونات بجزء معين تنتج عن ذلك مكونات كثيرة أخرى, والعملية الأساسية التي تؤدي إلى ذلك هي الأكسدة, وقد أكدت بحوث حديثة أن فيتامين جـ، هـ مضادان للأكسدة, وبالتالي يعوقان إنتاج المكونات الكيميائية الحرة التي أشرنا إليها, ولعل هذا هو سبب شيوع الاعتقاد السائد أن تناول الفيتامينات يطيل العمر, ومرةً أخرى نقول: إن طول العمر أو قصره هو من الغيب الإلهي الذي على المسلم الإيمان به.
٣- النموذج الفسيولوجي:
يرى أصحاب هذا النموذج أن الشيخوخة تنتج عن خلل تكامل الأعضاء والأجهزة الجسمية وفشلها في وظائفها، وهو ما يحدث مع التقدم في السن, وهو نموذج يتناول أثر الشيخوخة على الجسم الإنساني كله, وليس على التغيرات التي تطرأ على الخلايا فحسب, صحيحٌ أن بعض هذه التغيرات الكلية في الجسم تؤدي إلى حدوث تغيرات صغرى فيه، إلّا أن العكس صحيح أيضًا, وبالطبع فإن النماذج التي تتعامل مع الكائن العضوي
стр. 559
ككل أكثر فائدة وملاءمة لعلماء النفس, وخاصة عند استخدام طرق التدخل السلوكي "عند العلاج".
والاتجاه الأقدم في هذا النموذج، والأقرب إلى ما يشيع في الفولكور النفسي، اعتبار الجسم الإنساني كالآلة يتعرض للعطب والخلل نتيجة الاستعمال, فبعد مقدار معين من النشاط, وبعد انقضاء فترة معينة من الزمن لا بُدَّ للآلة أن تتوقف عن العمل، حتى مع حسن الرعاية والصيانة, وبالطبع هناك فروقٌ جوهرية بين الإنسان والآلة في هذا الصدد، لعل أهمها أن الآلات لا تجدد نفسها, بينما الجسم الإنساني يفعل ذلك، إلّا أن عملية التجديد الذاتي في الجسم تبطؤ مع التقدُّمِ في السن, ومع ذلك فهي تظل تعمل.
وهذا الاتجاه لا يوجد ما يدعمه من البحوث على الرغم من شيوعه, فمن المعروف أن آثار الضغط الجسمي والإجهاد النفسي, والتعب الناجم عن العمل, يمكن التخفف منها بتوفير فترات الراحة, صحيح أن الضغوط الكيميائية التي تنشط فيها الدفاعات الهرمونية إذا استمرت لفترات طويلة قد تؤدي إلى انهيار الجسم ثم إلى الموت، إلّا أن ذلك ليس شائعًا، وبالتالي لا يُعَدُّ هذا الاتجاه ملائمًا لتفسير شيخوخة الإنسان.
وبالطبع فإن هذا الاتجاه في النموذج الفسيولوجي امتدَّ بحكمٍ منطقه إلى جراحة زراعة الأعضاء والأنسجة, ومرة أخرى نعود إلى تشبيه الآلة، فكما أننا نستخدم "قطع الغيار" الجديدة لتحل محل ما استهلك منها في الآلة، فإن استبدال الأعضاء والأنسجة التالفة بأخرى جديدة أو صالحة قد يؤدي إلى تحسين نشاط "الآلة" البشرية.
ويوجد اتجاه آخر داخل النموذج الفسيولوجي قد يكون أكثر فائدةً للمتخصص في علم النفس, وضعه ميللر وشوك Miller & Shock عام ١٩٥٣, ويُسَمَّى عدم التوازن الهوميوستازى Homeostatic imbalance, ويركز هذا الاتجاه على أن الميكانيزمات الهوميوستازية تتدهور مع التقدم في السن، وبالتالي يعاني المسنون أكثر ممن هم أصغر سنًّا من الحفاظ على التوازن الفسيولوجي داخل الجسم، ويشمل ذلك مستوى السكر في الدم، درجة حرارة الجسم، معدل نشاط القلب، ضغط الدم, وحين يصبح تحقيق التوازن في هذه الميكانيزمات مستحيلًا فإن ذلك معناه الموت.
أما الاتجاه الثالث الذي ينتمي إلى هذا النموذج فقد اقترحه ولفورد Walford عام ١٩٦٩, ثم و. هـ. آدلر W. H. Adller, ١٩٧٤ ويركز على فقدان مناعة
стр. 560
الجسم؛ فالخلل في جهاز مناعة الجسم، ويشمل ذلك التحكم في الإصابة بالأمراض المعدية، يُعَدُّ مسئولًا، ولو بدرجة جزئية عن الشيخوخة؛ فمع التقدم في السن يضعف جهاز المناعة العادي، ويؤدي ذلك إلى زيادة احتمال الإصابة بالأمراض التي تؤثر في أنسجة الجسم؛ فمع هذا الضعف المناعي يصبح الجسم أكثر عرضة لأثر الفيروسات والبكتريا والفطريات, كما يزداد تعرض الخلايا لظهور الأورام السرطانية الخبيثة، وقد يتحول نظام المناعة إلى جهاز يدمر خلايا الجسم نفسها, وهذا ما يُسَمَّى استجابات المناعة المستقلة autoimmune responses, بينما لا يستطيع مقاومة العناصر الدخيلة المدمرة للجسم الإنساني, إلّا أن ما يجب أن ننبه إليه أن هذا الاتجاه -كغيرة من الاتجاهات- لا يفسِّر حدوث الشيخوخة العادية بقدر ما يفسر حدوث المرض في مرحلة التقدم في السن.
стр. 561
ثانيًا: النظريات النفسية الاجتماعية:
بينما حاولت النظريات البيولوجية تناوُل الأساس المادي للشيخوخة، تحاول النظريات النفسية الاجتماعية أن تتناول الأسس السلوكية لهذه العمليات وما يترتب عليها من نتائج, ولعلنا نذكر أن الهدف من النظرية السيكولوجية في النموِّ الإنساني ليس الربط بين العمر والسلوك، بقدر ما هو الربط بين السلوك ومجموعة من الأهداف التي تحتاج لبعض الوقت لكي تحدث, وعلى ذلك فإن الشيخوخة في هذا السياق لها بعض الارتباط بالعمر, ولكنها ليست ناجمة عنه؛ فالعمر في ذاته -كما قلنا من قبل- لا يتسبب في حدوث أيّ شيء. والوظائف النمائية -كما يطلق أحيانًا على أنماط السلوك المرتبطة بالعمر- لا تتعدى مجرد وصف العلاقة بين العمر والتغيرات في أنماط معينة من السلوك -تحدث مع نمو الفرد وتوجهه نحو اكتمال النضج "الرشد" أوالتدهور "الشيخوخة"؛ والوظائف النمائية بحكم طبيعتها تشير إلى علاقات بسيطة بين الزمن وسلوك الإنسان، لا إلى علاقات مركبة. وعلى ذلك, فإن النظرية النفسية الاجتماعية للشيخوخة لها حدودها في قدرتها على وصف أنماطٍ نموذجية من السلوك المرتبط بالعمر ,مَادَامَ الأفراد الذين ندرسهم لا يتطابق سلوكهم تمام المطابقة مع الفئات السلوكية العامة التي تقترحها النظرية.
والنظرية النفسية الاجتماعية شأنها شأن النظريات البيولوجية لها وظيفة توصيفية، فهي تحاول تحديد أنماط السلوك المرتبطة بما يمكن أن نسمية "الشيخوخة الناجحة أو المتوافقة", وكذلك طول العمر أو الإعمار, وفي كثير من الحالات يشار إلى الشيخوخة الناجحة كميًّا في ضوء عدد السنوات التي يعيشها
стр. 562
المعمر, وليس كيفيًّا في ضوء نوعية الحياة التي عاشها. وفي حدود هذا التمييز الجوهري يجب علينا دائمًا أن نعيد قراءة التراث النفسي والاجتماعي للبحوث التي أجريت حول هذا الموضوع الهام, فليس كلُّ من طال عمره كميًّا عاش حياة خصيبة مجدية بالفعل.
وقد تكون الصعوبات السابقة وراء عدم وجود نظرية نفسية اجتماعية متكاملة للشيخوخة حتى الآن, وبالطبع فإن المهام الرئيسية لمثل هذه النظرية، مثلها في ذلك مثل النظرية البيولوجية هي:
١- تحديد درجة وطبيعة العوامل النفسية الاجتماعية التي ترتبط بالتغيرات التي تحدث خلال سنوات الرشد الإنساني, وتقود الإنسان إلى شيخوخته.
٢- تحديد مقدار نجاح أو فشل القوى المسئولة عن هذه التغيرات في مراحل العمر المختلفة من دورة حياة الإنسان, وأثر ذلك على المستوى التوافقي للفرد, وبخاصةٍ في شيخوخته.
٣- تحديد المدى الذي يحدثه إنجاز بعض المهام الخاصة بمرحلة عمرية معينة -كالشيخوخة- في تعويض الإحباط الناجم عن الفشل في إحراز مهام أخرى.
وقد اقتُرِحَتْ نماذج نفسية اجتماعية عديدة لمحاولة تحقيق هذه المهام في مرحلة الشيخوخة, وتفاوتت في درجات نجاحها، ولعل أهمها نموذجان؛ هما: نموذج التحرر من الالتزامات disengagimint, ونموذج النشاط Activity, وهما النموذجان اللذان نعرضهما فيما يلي، أما النماذج الأخرى الأكثر عمومية مثل نموذج إريكسون ولوينثال, فسوف نتناول ما يتصل بالشيخوخة فيهما في الفصول التالية.
١- نموذج التحرر من الالتزامات:
ظهر هذا النموذج لأول مرة عام ١٩٦١, على يد كامنج وهنري "Cummint & Henry, ١٩٦١" كمشروعٍ طموحٍ تعرَّضَ بعد ذلك لكثير من الخلاف والتعديل, وقد حقَّقَ وظيفة النظرية الجيدة في أنه استثار الكثير من البحوث, وفي هذا النموذج يتم التركيز على السلوك الانسحابي من التفاعل الاجتماعي الذي يحدث في مرحلة الشيخوخة باعتباره عملية طبيعية وعامة وحتمية؛ فمع التقدم في السن يبدأ الجسم أولًا عملية التحرر من الالتزام؛ فالعينان والأذنان وغيرهما من أعضاء الحس تصبح أقل قدرة على التعامل مع معلومات العالم الخارجي، وفي نفس الوقت يبدأ المجتمع في البعد عن الشخص المسن, وعلى ذلك فعملية التحرر من اللالتزمات هي عملية انسحاب طبيعي.
стр. 563
وفي هذا النموذج يُعَدُّ الانسحاب خبرة إيجابية لدى المسنين, ولهذا تؤدي الشيخوخة إلى مزيدٍ من التعامل والانشغال بالذات, ونقص في الاستثمار الانفعالي مع الأشخاص الآخرين أو مع الأحداث الخارجية. معنى ذلك أن المسنين يمارسون التحرر من الالتزامات كعمليةٍ طبيعية, وليس كعملية مفروضة عليهم من المجتمع.
٢- نموذج النشاط:
ظهر هذ النموذج في عام ١٩٧٠ على يد مادوكس "Madox ١٩٧٠", كاحتجاج على النموذج السابق, ففي رأيه أن التحرر من الالتزام هو تغيُّر في الشخصية تتم به المراحل المبكرة وليس المراحل المتأخرة من حياة الإنسان، واقترح نموذجًا بديلًا لتفسير سلوك المسنين؛ هو نموذج النشاط؛ فمع التقاعد "وهو أحد المؤشرات الهامة للشيخوخة" يظل الشخص في حاجة إلى أن يظل منتجًا وسعيدًا؛ فالراشدون النشطون أكثر سعادة من الراشدين المنسحبين, بل إن السعادة ترتبط في جوهرها بالاندماج والتكيف, ولهذا فمن الواجب مساعدة المسنين على البحث عن بدائل للأدوار التي بلغت نهايتها إذا أرادوا أن يحققوا لأنفسهم شيخوخة ناجحة.
ويفترض نموذج النشاط على وجه الخصوص, أن على المسنين البحث عن بدائل لأدوار رئيسية أربعة كانت سائدة من قبل حتى نهاية طور الرشد الأوسط "بلوغ الأشد", وهي: فقدان العمل، ونقص الدخل، وضعف الصحة، والتغير في بنية الأسرة, وإذا أمكن للمسنِّ تعويض هذه الأدوار المفقودة, فإنه يحقق لنفسه تكيفًا ناجحًا في شيخوخته؛ فالشيخوخة هي مرحلة فرص جديدة للأدوار الاجتماعية, وليس مرحلة انسحاب كلي من الحياة الاجتماعية.
والواقع أن نموذج النشاط كنظيره نموذج التحرر من الالتزامات تبسيطٌ مخلٌّ لعملية التقدم في السن, ولا يصلح أحدهما أو كلاهما -حتى الآن- في تفسير ظاهرة التوافق الجيد مع الشيخوخة, والأصح النظر إليها على أنهما يشيران إلى أنماطٍ خاصةٍ من الشيخوخة لا نمطًا محددًا ينطبق على الجميع, ولا يزال الميدان مفتوحًا لمزيد من الاجتهاد الجاد والجهد المبدع, ولعل علماء النفس المسلمين يقتحمون الميدان مزودين بذخيرتهم العظيمة من كنزهم الثمين: كتاب الله الخالد, وسنة نبيه الكريم, وتراث السلف الصالح والتابعين.
стр. 564
الفصل العشرون: طور الشيخوخة
التغيرات الجسمية
...
الفصل العشرون: طور الشيخوخة
أشرنا في الفصل السابق إلى أن مرحلة المسنين والتي تتحدد اعتباطيًّا بتجاوز الراشد سن الستين أو بعدها بقليل, يمكن أن تنقسم إلى طورين؛ أحدهما هو طور الشيخوخة، وثانيهما طور أرذل العمر، وسوف نخصص الفصل الحالي للطور الأول، أما الطور الثاني فموضوعه الفصل القادم, ونعرض فيما يلي التغيرات التي تطرأ على الراشدين؛ بحيث تدخلهم في هذه المرحلة الختامية من حياة الإنسان.
التغيرات الجسمية:
يجب أن ننبه منذ البداية أن الفرد لا ينتقل مباشرة إلى الشيخوخة ببلوغه سن الستين أو الخامسة والستين "سن التقاعد الرسمي"؛ فالشيخوخة عملية تدريجية تحدث فيها التغيرات ببطء, ولعل أهم ما يتسم به هذا الطور بصفة عامة بدء تحول النمو الإنساني في الاتجاه العكسي، فبينما كان النمو في المراحل السابقة يتجه نحو التحسن والترقي والتنمية بمعدلات مختلفة، فإنه مع بدء الشيخوخة يبدأ التدهور بمعدلات بطيئة في البداية, ثم يتسارع هذا المعدل تدريجيًّا حتى يصل إلى أقصاه في طور أرذل العمر.
وأوضح علامات هذا التدهور تكون في مظهر الجسم ونشاطه, وقد عَبَّرَ القرآن الكريم عن ذلك بوضوح عند الإشارة إلى دعاء نبي الله زكريا لربه, وفي ذلك يقول الله :
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] .
ولعل أهم علامات الشيخوخة ما يطرأ على المظهر الجسمي الخارجي من تغيرات، فحالما يدرك الراشد تحول شعره إلى اللون الرمادي "استعدادًا للشيب", أو إلى الأبيض "الشيب الفعلي"، وظهور بعض التجاعيد في الجبهة وحول العين، والشعور بجفاف الجلد وتغضنه, يشعر أنه هذا الطور الجديد. صحيح أن
стр. 565
بعض هذه التغيرات قد يبدأ في الظهور في طور منتصف العمر، وربما قبله، إلّا أنها تكون حينئذ بطيئة، وقد يدفع النشاط والحيوية اللذان من سمات هذه المراحل الإنسان إلى عدم الاهتمام بها، إلّا أنها تتراكم تدريجيًّا بحيث تصل مع الشيخوخة إلى الحد الذي لا تخطئه عين، وتقدم "المرآة" دليلًا قاطعًا وحاسمًا على أن المرء تجاوز عمر "القوة"، وبدأ ضعف المشيب.
ولعل أكثر التغيرات وضوحًا في المظهر الجسمي والذي يزداد ظهورًا مع التقدم في سنوات الشيخوخة انحناء القامة على نحوٍ يبدو لنا كما أن هناك نقصًا في الطول, وهذه الخاصية التي تظهر في صورة تقوّس الظهر، وسقوط الرأس إلى الأمام، وانثناء الأطراف الدنيا, والأرداف ربما تعود إلى سنوات سابقة تعرض القوام فيها بالفعل للتشويه, ثم يزداد الأمر سوءًا مع طور الشيخوخة بسبب ضعف العضلات وأوتار هذه العضلات "التي تربط بين العضلة والعظم"، والتكلس المتزايد في أربطة العظام، وضمور فقرات العمود الفقري, وزيادة نحافة العظام ورقتها, وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في الآية السابقة بوهن العظام, وقد يؤدي العامل الأخير إلى نقصٍ حقيقيٍّ في الطول, وليس مجرد نقص ظاهريٍّ نتيجة لانحناء القامة.
ويحتل موضوع العضلات والعظام موضعًا خاصًّا في تحديد العلامات الظاهرة للشيخوخة؛ فإذا كان تكوين العظام واللحم "العضلات" مرحلة جوهرية في تكوين الجنين -كما أشار القرآن الكريم وكما أوضحنا في هذا الكتاب عند تناول مرحلة ما قبل الولادة- فإن العظام واللحم "العضلات" أيضًا أول ما يتدهور من بناء الجسم الإنساني.
فمن الخصائص المميزة للعضلات أن خلاياها لا تجدد نفسها -على عكس الجلد مثلًا, ويرتبط التقدم في السن أساسًا بضمور خلايا العضلات وموتها, ويبدو أن أكبر زيادة في كثافة العضلات تكون عند مطلع طور بلوغ الأشد "٣٩-٥٠ سنة"، ثم تبدأ تدريجيًّا في الضمور مع نقص بطيء في ألياف العضلات, سواء من حيث العدد أو السمك, ومع زيادة الأنسجة الدهنية مع التقدم في السن, فإن نسبة أقل من وزن الجسم تصبح حينئذ من العضلات، أما النسبة الأكبر فتكون للدهون, بل إن هذه الدهون التي كانت في مراحل العمر المبكرة "حتى منتصف طور بلوغ الأشد" تقع بين الجلد والنسيج العضلي، تصير لدى الأصحاء من المسنين الذين بلغوا الستين أو السبعين من العمر، متغلغلةً داخل العضلات نفسها, وحتى لو كان