ثانيًا: النظريات النفسية الاجتماعية:
بينما حاولت النظريات البيولوجية تناوُل الأساس المادي للشيخوخة، تحاول النظريات النفسية الاجتماعية أن تتناول الأسس السلوكية لهذه العمليات وما يترتب عليها من نتائج, ولعلنا نذكر أن الهدف من النظرية السيكولوجية في النموِّ الإنساني ليس الربط بين العمر والسلوك، بقدر ما هو الربط بين السلوك ومجموعة من الأهداف التي تحتاج لبعض الوقت لكي تحدث, وعلى ذلك فإن الشيخوخة في هذا السياق لها بعض الارتباط بالعمر, ولكنها ليست ناجمة عنه؛ فالعمر في ذاته -كما قلنا من قبل- لا يتسبب في حدوث أيّ شيء. والوظائف النمائية -كما يطلق أحيانًا على أنماط السلوك المرتبطة بالعمر- لا تتعدى مجرد وصف العلاقة بين العمر والتغيرات في أنماط معينة من السلوك -تحدث مع نمو الفرد وتوجهه نحو اكتمال النضج "الرشد" أوالتدهور "الشيخوخة"؛ والوظائف النمائية بحكم طبيعتها تشير إلى علاقات بسيطة بين الزمن وسلوك الإنسان، لا إلى علاقات مركبة. وعلى ذلك, فإن النظرية النفسية الاجتماعية للشيخوخة لها حدودها في قدرتها على وصف أنماطٍ نموذجية من السلوك المرتبط بالعمر ,مَادَامَ الأفراد الذين ندرسهم لا يتطابق سلوكهم تمام المطابقة مع الفئات السلوكية العامة التي تقترحها النظرية.
والنظرية النفسية الاجتماعية شأنها شأن النظريات البيولوجية لها وظيفة توصيفية، فهي تحاول تحديد أنماط السلوك المرتبطة بما يمكن أن نسمية "الشيخوخة الناجحة أو المتوافقة", وكذلك طول العمر أو الإعمار, وفي كثير من الحالات يشار إلى الشيخوخة الناجحة كميًّا في ضوء عدد السنوات التي يعيشها
стр. 562
المعمر, وليس كيفيًّا في ضوء نوعية الحياة التي عاشها. وفي حدود هذا التمييز الجوهري يجب علينا دائمًا أن نعيد قراءة التراث النفسي والاجتماعي للبحوث التي أجريت حول هذا الموضوع الهام, فليس كلُّ من طال عمره كميًّا عاش حياة خصيبة مجدية بالفعل.
وقد تكون الصعوبات السابقة وراء عدم وجود نظرية نفسية اجتماعية متكاملة للشيخوخة حتى الآن, وبالطبع فإن المهام الرئيسية لمثل هذه النظرية، مثلها في ذلك مثل النظرية البيولوجية هي:
١- تحديد درجة وطبيعة العوامل النفسية الاجتماعية التي ترتبط بالتغيرات التي تحدث خلال سنوات الرشد الإنساني, وتقود الإنسان إلى شيخوخته.
٢- تحديد مقدار نجاح أو فشل القوى المسئولة عن هذه التغيرات في مراحل العمر المختلفة من دورة حياة الإنسان, وأثر ذلك على المستوى التوافقي للفرد, وبخاصةٍ في شيخوخته.
٣- تحديد المدى الذي يحدثه إنجاز بعض المهام الخاصة بمرحلة عمرية معينة -كالشيخوخة- في تعويض الإحباط الناجم عن الفشل في إحراز مهام أخرى.
وقد اقتُرِحَتْ نماذج نفسية اجتماعية عديدة لمحاولة تحقيق هذه المهام في مرحلة الشيخوخة, وتفاوتت في درجات نجاحها، ولعل أهمها نموذجان؛ هما: نموذج التحرر من الالتزامات disengagimint, ونموذج النشاط Activity, وهما النموذجان اللذان نعرضهما فيما يلي، أما النماذج الأخرى الأكثر عمومية مثل نموذج إريكسون ولوينثال, فسوف نتناول ما يتصل بالشيخوخة فيهما في الفصول التالية.
١- نموذج التحرر من الالتزامات:
ظهر هذا النموذج لأول مرة عام ١٩٦١, على يد كامنج وهنري "Cummint & Henry, ١٩٦١" كمشروعٍ طموحٍ تعرَّضَ بعد ذلك لكثير من الخلاف والتعديل, وقد حقَّقَ وظيفة النظرية الجيدة في أنه استثار الكثير من البحوث, وفي هذا النموذج يتم التركيز على السلوك الانسحابي من التفاعل الاجتماعي الذي يحدث في مرحلة الشيخوخة باعتباره عملية طبيعية وعامة وحتمية؛ فمع التقدم في السن يبدأ الجسم أولًا عملية التحرر من الالتزام؛ فالعينان والأذنان وغيرهما من أعضاء الحس تصبح أقل قدرة على التعامل مع معلومات العالم الخارجي، وفي نفس الوقت يبدأ المجتمع في البعد عن الشخص المسن, وعلى ذلك فعملية التحرر من اللالتزمات هي عملية انسحاب طبيعي.
стр. 563
وفي هذا النموذج يُعَدُّ الانسحاب خبرة إيجابية لدى المسنين, ولهذا تؤدي الشيخوخة إلى مزيدٍ من التعامل والانشغال بالذات, ونقص في الاستثمار الانفعالي مع الأشخاص الآخرين أو مع الأحداث الخارجية. معنى ذلك أن المسنين يمارسون التحرر من الالتزامات كعمليةٍ طبيعية, وليس كعملية مفروضة عليهم من المجتمع.
٢- نموذج النشاط:
ظهر هذ النموذج في عام ١٩٧٠ على يد مادوكس "Madox ١٩٧٠", كاحتجاج على النموذج السابق, ففي رأيه أن التحرر من الالتزام هو تغيُّر في الشخصية تتم به المراحل المبكرة وليس المراحل المتأخرة من حياة الإنسان، واقترح نموذجًا بديلًا لتفسير سلوك المسنين؛ هو نموذج النشاط؛ فمع التقاعد "وهو أحد المؤشرات الهامة للشيخوخة" يظل الشخص في حاجة إلى أن يظل منتجًا وسعيدًا؛ فالراشدون النشطون أكثر سعادة من الراشدين المنسحبين, بل إن السعادة ترتبط في جوهرها بالاندماج والتكيف, ولهذا فمن الواجب مساعدة المسنين على البحث عن بدائل للأدوار التي بلغت نهايتها إذا أرادوا أن يحققوا لأنفسهم شيخوخة ناجحة.
ويفترض نموذج النشاط على وجه الخصوص, أن على المسنين البحث عن بدائل لأدوار رئيسية أربعة كانت سائدة من قبل حتى نهاية طور الرشد الأوسط "بلوغ الأشد", وهي: فقدان العمل، ونقص الدخل، وضعف الصحة، والتغير في بنية الأسرة, وإذا أمكن للمسنِّ تعويض هذه الأدوار المفقودة, فإنه يحقق لنفسه تكيفًا ناجحًا في شيخوخته؛ فالشيخوخة هي مرحلة فرص جديدة للأدوار الاجتماعية, وليس مرحلة انسحاب كلي من الحياة الاجتماعية.
والواقع أن نموذج النشاط كنظيره نموذج التحرر من الالتزامات تبسيطٌ مخلٌّ لعملية التقدم في السن, ولا يصلح أحدهما أو كلاهما -حتى الآن- في تفسير ظاهرة التوافق الجيد مع الشيخوخة, والأصح النظر إليها على أنهما يشيران إلى أنماطٍ خاصةٍ من الشيخوخة لا نمطًا محددًا ينطبق على الجميع, ولا يزال الميدان مفتوحًا لمزيد من الاجتهاد الجاد والجهد المبدع, ولعل علماء النفس المسلمين يقتحمون الميدان مزودين بذخيرتهم العظيمة من كنزهم الثمين: كتاب الله الخالد, وسنة نبيه الكريم, وتراث السلف الصالح والتابعين.
стр. 564
الفصل العشرون: طور الشيخوخة
التغيرات الجسمية
...
الفصل العشرون: طور الشيخوخة
أشرنا في الفصل السابق إلى أن مرحلة المسنين والتي تتحدد اعتباطيًّا بتجاوز الراشد سن الستين أو بعدها بقليل, يمكن أن تنقسم إلى طورين؛ أحدهما هو طور الشيخوخة، وثانيهما طور أرذل العمر، وسوف نخصص الفصل الحالي للطور الأول، أما الطور الثاني فموضوعه الفصل القادم, ونعرض فيما يلي التغيرات التي تطرأ على الراشدين؛ بحيث تدخلهم في هذه المرحلة الختامية من حياة الإنسان.
التغيرات الجسمية:
يجب أن ننبه منذ البداية أن الفرد لا ينتقل مباشرة إلى الشيخوخة ببلوغه سن الستين أو الخامسة والستين "سن التقاعد الرسمي"؛ فالشيخوخة عملية تدريجية تحدث فيها التغيرات ببطء, ولعل أهم ما يتسم به هذا الطور بصفة عامة بدء تحول النمو الإنساني في الاتجاه العكسي، فبينما كان النمو في المراحل السابقة يتجه نحو التحسن والترقي والتنمية بمعدلات مختلفة، فإنه مع بدء الشيخوخة يبدأ التدهور بمعدلات بطيئة في البداية, ثم يتسارع هذا المعدل تدريجيًّا حتى يصل إلى أقصاه في طور أرذل العمر.
وأوضح علامات هذا التدهور تكون في مظهر الجسم ونشاطه, وقد عَبَّرَ القرآن الكريم عن ذلك بوضوح عند الإشارة إلى دعاء نبي الله زكريا لربه, وفي ذلك يقول الله :
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] .
ولعل أهم علامات الشيخوخة ما يطرأ على المظهر الجسمي الخارجي من تغيرات، فحالما يدرك الراشد تحول شعره إلى اللون الرمادي "استعدادًا للشيب", أو إلى الأبيض "الشيب الفعلي"، وظهور بعض التجاعيد في الجبهة وحول العين، والشعور بجفاف الجلد وتغضنه, يشعر أنه هذا الطور الجديد. صحيح أن
стр. 565
بعض هذه التغيرات قد يبدأ في الظهور في طور منتصف العمر، وربما قبله، إلّا أنها تكون حينئذ بطيئة، وقد يدفع النشاط والحيوية اللذان من سمات هذه المراحل الإنسان إلى عدم الاهتمام بها، إلّا أنها تتراكم تدريجيًّا بحيث تصل مع الشيخوخة إلى الحد الذي لا تخطئه عين، وتقدم "المرآة" دليلًا قاطعًا وحاسمًا على أن المرء تجاوز عمر "القوة"، وبدأ ضعف المشيب.
ولعل أكثر التغيرات وضوحًا في المظهر الجسمي والذي يزداد ظهورًا مع التقدم في سنوات الشيخوخة انحناء القامة على نحوٍ يبدو لنا كما أن هناك نقصًا في الطول, وهذه الخاصية التي تظهر في صورة تقوّس الظهر، وسقوط الرأس إلى الأمام، وانثناء الأطراف الدنيا, والأرداف ربما تعود إلى سنوات سابقة تعرض القوام فيها بالفعل للتشويه, ثم يزداد الأمر سوءًا مع طور الشيخوخة بسبب ضعف العضلات وأوتار هذه العضلات "التي تربط بين العضلة والعظم"، والتكلس المتزايد في أربطة العظام، وضمور فقرات العمود الفقري, وزيادة نحافة العظام ورقتها, وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في الآية السابقة بوهن العظام, وقد يؤدي العامل الأخير إلى نقصٍ حقيقيٍّ في الطول, وليس مجرد نقص ظاهريٍّ نتيجة لانحناء القامة.
ويحتل موضوع العضلات والعظام موضعًا خاصًّا في تحديد العلامات الظاهرة للشيخوخة؛ فإذا كان تكوين العظام واللحم "العضلات" مرحلة جوهرية في تكوين الجنين -كما أشار القرآن الكريم وكما أوضحنا في هذا الكتاب عند تناول مرحلة ما قبل الولادة- فإن العظام واللحم "العضلات" أيضًا أول ما يتدهور من بناء الجسم الإنساني.
فمن الخصائص المميزة للعضلات أن خلاياها لا تجدد نفسها -على عكس الجلد مثلًا, ويرتبط التقدم في السن أساسًا بضمور خلايا العضلات وموتها, ويبدو أن أكبر زيادة في كثافة العضلات تكون عند مطلع طور بلوغ الأشد "٣٩-٥٠ سنة"، ثم تبدأ تدريجيًّا في الضمور مع نقص بطيء في ألياف العضلات, سواء من حيث العدد أو السمك, ومع زيادة الأنسجة الدهنية مع التقدم في السن, فإن نسبة أقل من وزن الجسم تصبح حينئذ من العضلات، أما النسبة الأكبر فتكون للدهون, بل إن هذه الدهون التي كانت في مراحل العمر المبكرة "حتى منتصف طور بلوغ الأشد" تقع بين الجلد والنسيج العضلي، تصير لدى الأصحاء من المسنين الذين بلغوا الستين أو السبعين من العمر، متغلغلةً داخل العضلات نفسها, وحتى لو كان
стр. 566
وزن المرء في سن الستين مساويًا لوزنه حين كان في الخامسة والعشرين, فإن جسم المسن يحتوي على كمية من الدهون أكبر من جسمه حين كان شابًّا, إلّا أن القاعدة العامة أن المرء في مرحلة الشيخوخة يفقد بعض وزنه بعد أن يكون زاد هذا الوزن زيادة كبيرة في طور بلوغ الأشد, والملاحَظ بصفة عامة أن الرجال ينقص وزنهم بمعدل أسرع من النساء.
وقد حاول الباحثون الإجابة على السؤال الهام وهو: هل يرجع ضمور العضلات في الشيخوخة إلى محض التقدم في السن؟ وقد وجد البعض أن ضمور العضلات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعدم استخدامها، ولهذا ففي رأيهم أن هذا الضمور قد يكون -ولو جزئيًّا على الأقل- نتيجةً حتميةً لنقص النشاط الجسمي عند المسنين, وهو ما يفرضه المجتمع الحديث عليهم, ولهذا تظهر على عضلات المتقدمين في السن تغيرات أخرى؛ أهمها: نقص في كلٍّ من القوة العضلية والمرونة وسرعة الحركة, ومما يدعِّم هذا الفرض أن القوة العضلية والجلد العضلي "قوة الاحتمال" لا يهبطان لدى المسنين الذين يؤدون الأعمال الحركية العنيفة، وفي هذه الأنشطة لم تكن هناك فروق بين الذين تجاوزا الستين من العمر والذين لا يزالون في طور الرشد المبكر. صحيح أن هناك بعض النقص في فعالية العضلات, إلّا أن السؤال الهام الذي لا يزال بدون إجابة حتى الآن هو: كيف -على الرغم من ذلك- تتناقص قوة العضلات لدى المسنين من الأصحاء والنشطين؟
والتغيرات التي تطرأ على العظام تتسم أيضًا بأنها تدريجية بطيئة، مثلها في ذلك مثل التغيرات التي تطرأ على العضلات "اللحم", ويبدأ نقص كالسيوم العظام ابتداءً من سن الثلاثين، ويزداد معدل النقص تدريجيًّا حتى يصل إلى أعلى درجاته في الشيخوخة, وهو أسرع لدى النساء منه لدى الرجال؛ ففي بعض الدراسات المقارنة بين الجنسين, وُجِدَ أن النساء بين سن ٥٥، ٨٥ يفقدون حوالي ٢٥% من حجم العظام, بينما لا يفقد الرجال إلّا ١٢% فقط, وعلى الرغم من هذا التدهور فإن الخلايا العظمية تظل لديها القدرة على التئام ما تتعرض له العظام من كسور، على الرغم من أن ذلك يستغرق وقتًا أطول مما كان عليه الحال من قبل.
ومن جوانب الإعجاز النفسي للقرآن الكريم إشارته إلى "وهن العظام" كعلامة بارزة على الشيخوخة, ويتمثل وهن العظام في جانبين؛ أولهما زيادة قابلية العظام في هذه المرحلة للكسر، وهي ما يُسَمَّى طبيًّا "هشاشة العظام" Ostioporis, ولا يزال السبب الجوهري لذلك غامضًا, وهناك عدة أسباب مقترحة منها نقص مستوى هورمون الإستروجين "ربما بسبب ظهوره مبكرًا نسبيًّا لدى النساء".
стр. 567
ونقص التدريب والممارسة، ونقص أنزيم لاكتاز lactase "وهو المسئول عن هضم اللبن"، وعدم القدرة على التكيف مع الطعام ذي الكالسيوم المنخفض، ونقص الكالسيوم في الطعام بصفة عامة، وزيادة إفراز الغدد جارات الدرقية, مع نقص مستوى الكالسيوم في الدم, وتستخدم مع هذه الحالة طرق مختلفة من العلاج باستخدام هورمون الإستروجين والكالسيوم وفيتامين "د" والفلوريد وغيرها, إلّا أنها جميعًا لا تؤدي إلى تحسن.
أما الجانب الآخر لوهن العظام في الشيخوخة فيتمثل في التهاب المفاصل المعروف باسم osteoarthritis, ويبدو أن هذا المرض مرتبط بالضغط الميكانيكي على المفاصل بسبب التغير في التركيب الكيميائي للكولاجين, مما يترتب عليه زيادة الاحتكاك بين نهايات العظام، ويزداد احتمال حدوث هذا المرض مع المفاصل التي تحمل الوزن الأكبر من جسم الإنسان "الركبة مثلًا".
ويتصل بالتغيرات التي تطرأ على العظام ما يحدث للأسنان؛ فعلى الرغم من أنه مع التقدم في السن تصبح الأسنان أكثر مقاومة للتسوس, إلّا أن المسنين يفقدون أسنانهم نتيجة النقص التدريجي في عدد خلاياها الذي يصل إلى حوالي النصف عند بلوغ السبعين, ومع أن عدد الألياف في الأسنان يزداد, فإن عدد الأوعية الدموية فيها يتناقص, أضف إلى ذلك شيوع التهابات اللثة التي تُسَمَّى perio dontal disease, والتي تؤثر على الأنسجة المحيطة بالأسنان على نحوٍ يسمح باختراق البكتريا لها وإضعافها ثم سقوطها, وتوجد صلة بين هذا المرض ومرحلة قابلية العظام للكسر الذي أشرنا إليه، حتى أن الأطباء الذين يشخصون وجود أحدهما يكتشفون عادةً وجود الآخر.
وتجب الإشارة هنا إلى أن بياض الشعر هو أكثر العلامات استخدامًا للدلالة على الدخول في العمر الثالث للإنسان، وقد اعتمد عليه الإنسان منذ أقدم العصور, وقد دَعَّمَ العلم الحديث ذلك؛ ففي دراسة قام بها دامون وزملاؤه Damon et al "في Perlumetter & Hall,١٩٨٥" وجدوا أن بين ٥٠ مقياسًا جسميًّا للشيخوخة, يُعَدُّ مؤشر بياض الشعر الأكثر دقةً وثباتًا كمؤشر على هذه المرحلة, وفي هذا دليل جديد على الإعجاز السيكلولوجي للقرآن الكريم, الذي أشار إلى العمر الثالث للإنسان بأنه "ضعف وشيبة", ثم استخدم "اشتعال الرأس شيبًا" كمؤشر على هذا العمر.
وبالطبع فإن الوراثة تلعب دورًا هامًّا في معدل شيب الشعر حين يحل الشعر
стр. 568
الرمادي أو الأبيض محل اللون الطبيعي للشعر؛ فالبعض تظهر عنده بوادر ذلك في مرحلة المراهقة, والبعض لا تظهر هذه البوادر عنده إلّا عند بلوغ الستين, وربما بعد ذلك, وبصفة عامةٍ يمكن القول أن التحول في لون الشعر قد يرجع إلى نقص إنزيم معين، أو إلى نقص وسوء نشاط الخلايا المنتجة للصبغيات في حويصلات الشعر.
ومع الشيخوخة لا يتحول لون الشعر فقط, وإنما قد يسقط أحيانًا, وعلى الرغم من أن صلع الرأس قد يظهر في مراحل عمرية مبكرة، إلّا أنه أكثر شيوعًا في طور الشيخوخة. وبصفة عامة فإنَّ كثافة حويصلات شعر الرأس، عند كلٍّ من النساء والرجال، تخف ابتداءً من سن الخمسين من ٦١٥ إلى ٤٨٥ حويصلة في السنتيمتر المربع الواحد, كما يسقط أيضًا -مع الشيخوخة- من أجزاء الجسم الأخرى، وخاصةً تحت الإبط, ويكون ذلك -عند المرأة الخاصة- ناتجًا عن انخفاض مستويات بعض الهرمونات في الجسم.
وتُعَدُّ شيخوخة الجلد أكثر إيلامًا -لدى المرأة الخاصة- من شيخوخة الشعر, فمن السهل صباغة الشعر، أما الجلد فمهما استُخْدِمَ معه من أنواع مستحضرات التجميل التي شاعت في وقتنا الحاضر, فإن ذلك لن يخفي تمامًا آثار الزمن "التجاعيد والغضون".
ومن الخصائص الأخرى للجلد عند التحول إلى الشيخوخة ظهور بقع سوداء عليه، وهي من أعراض الشيخوخة الثانوية، ومعها يزيد إنتاج صبغي اللون الأسود والمسمى ميلانين melanin, ويضاف إلى ذلك أن أشعة الشمس فوق البنفسجية تؤثر في إنتاج الخلايا لمركب DNA, وفي التركيب البروتيني للجلد، ويؤدي ذلك إلى عدم تجديد الجلد, ولذلك يتحول الجلد مع الشيخوخة إلى النحافة والجفاف والتجعد، وقد يزداد ذلك وضوحًا، بل قد يصاب الجلد بالسرطان، مع التعرّض الشديد للشمس، ويكون هذا الخطر أشد على البشرة البيضاء, إلّا أننا يجب أن ننبه إلى أن بعض هذه التجعيدات -وخاصة في جلد الوجه- قد تحدث عن محض استخدام عضلات الوجه، ولهذا فهي تحدث في اتجاه دفع العضلة في الجلد، وأشهرها الغضون حول العين وفي الجبهة, وغيرها مما يرتبط بتغيرات الوجه التي يتعوّدها الشخص.
وهذه الصورة التي وصفناها للعلامات الخارجية للشيخوخة كثيرًا ما عبَّر عنها بالرسم الفنانون التشكيليون، ولم يؤد الفن وحده إلى إشاعة هذه "الصور النمطية" للشيخوخة، ولكن أسهم فيها أيضًا الأدب, وتفيض ميادين الشعر
стр. 569
والقصة والرواية بأمثلة كثيرة على ضعف الشيخوخة وعجزها، ناهيك عَمَّا يمور به الفولكلور الثقافي للشعوب المختلفة من تراثٍ تتناقله الأجيال حول هذه المرحلة من حياة الإنسان, وقد أسهم ذلك كله في تكوين هذه "الصورة النمطية" التي قد تؤدي بالإنسان مع بلوغ الشيخوخة إلى الفزع والجزع, فإذا أضفنا إلى ذلك التركيز الشديد في عصرنا على ثقافة الشباب "والذي يشمل في السياق العام كل ما قبل الشيخوخة شاملًا الرشد بطوريه"، واتجاهات الآخرين نحو التقدم في السن، فإن ذلك كله يجعل من طور الشيخوخة بالنسبة للكثيرين رحلة من المشقة.
إلّا أنَّ المهم أن نشير هنا إلى هذه الخبرة "الأليمة" بالشيخوخة قد لا تكون كذلك دائمًا، وكثير من البحوث الحديثة أكدت لنا أن المسنين نادرًا ما يشعرون بأنهم تقدموا في السن "Perlmutter and Hall ١٩٨٥", ومعنى ذلك أن اعتقاد الراشد واقتناعه في عجز المسنين "كما تمثله الصورة النمطية السابقة" إنما يأتيه من استجابات الآخرين إزاءه, وليس من شعور داخلي فيه, فحينما يعامل المرء على أنه أصبح في عمر "ضعف الشيخوخة", فإن ذلك يثبط الكثير من عزمه، ويفقده الكثير من قدرته، ويهبط بثقته إلى مهوًى سحيقٍ ربما يفوق إدراكه أنه بلغ السبعين من عمره, ومع ذلك فهناك من يقبلون شيخوختهم عن رضًا كامل.
ولعل من نواتج هذا الصراع ما ينفق سنويًّا على محاولات التغلب على العلامات الظاهرة للشيخوخة، وقد ظهرت صناعات متخصصة في ذلك؛ منها أصباغ الشعر والمستحضرات الخاصة بالجلد, كما تطور فرع خاص من الطب هو جراحة التجميل، بالإضافة إلى تطور أساليب العلاج الطبيعي التي تسعى إلى إزالة الدهون الزائدة في الجسم.
стр. 570
التغيرات الفسيولوجية
مدخل
...
التغيرات الفسيولوجية:
تطرأ على وظائف الجسم الإنساني تغيرات جوهرية مع الدخول في مرحلة الشيخوخة, ومنذ مئات السنين اعتقد العلماء أن شيخوخة القلب والأوعية الدموية "Cardiovasculsr system" هي أساس شيخوخة الجسم, وفي القرن الخامس عسر توصل ليوناردو دافنشي من خلال التشريح إلى أن سبب الشيخوخة هو بطء انقباض الأوعية الدموية؛ بحيث لا تساعد على تغذية الجسم, وهذه حقيقة تأكدت بعد ذلك حيث يؤدي بطء انقباض القلب إلى زيادة زمن الدورة الدموية, وركز بعض الباحثين من بعده على أهمية الشريان الأورطي. وتضيف البحوث الحديثة عاملًا هامًّا آخر, وهو تركيز الدهون "وخاصة الكلسترول" وتراكمها حول القلب
стр. 571
والشريان الأورطي, بالإضافة إلى أن خلل الأوعية الدموية يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم. صحيح أن كثيرًا من هذه التغيرات قد يحدث في مراحل سابقة على الشيخوخة, إلّا أنها تكون أكثر وضوحًا في هذه المرحلة. وهناك تغير آخر في الجهاز التنفسي؛ حيث تصبح السعة الحيوية للرئتين أقل بكثير مما كان عليه الحال من قبل. ويفسر ذلك ما يشعر به المسنون من اضطرابات التنفس بعد تدريب بدني قصير "كطلوع السلّم مثلًا", وعلى الرغم من أن سبب الشيخوخة قد يعود إلى أسباب وراثية وبيولوجية "في بناء الخلية" إلّا أن صحة القلب والأوعية الدموية لها أهميتها الحاسمة.
ويذكر "Turner & Hilms, ١٩٨٣" أن العامل الرئيسي الذي يؤدي إلى هذه التغيرات حدوث عمليات بيوكيميائية معقدة، ومن أهمها التغير الكيميائي الذي يطرأ على مادة الكولاجين، وهي المادة البروتينية التي توجد في جميع أجزاء الجسم؛ مثل: النسيج الضام والعظام والخلايا والألياف العضلية وجدران الأوعية الدموية؛ فهذه المادة تفقد مرونتها مع التقدم في السن، وتفقد الأعضاء نتيجة لذلك قدرتها على استعادة حجمها وشكلها, ويؤدي التغير في كيف الكولاجين إلى زيادة ترسُّب أملاح الكالسيوم في الأنسجة, وخاصة في جدران الشرايين، ويؤدي إلى تصلبها؛ بحيث تصبح في المراحل المتأخرة جدًّا من العمر أشبه بأنابيب من العظم.
ويؤدي تدهور الكولاجين الخاص بالشعيرات الدموية إلى النقص في كفاءة الكليتين وفي مرونة الرئتين، ويؤدي ذلك بدوره إلى بعض الاضطرابات فيهما, وخاصةً حالات التضخم, ويزيد الكولاجين في القلب على نحوٍ يؤدي إلى تصلب القلب وصماماته, كما يؤدي إلى تصلب الشرايين, الذي يُعَدُّ أكثر أمراض الشيخوخة شيوعُا. ونتيجةً لذلك لا يعمل القلب بكفاءته السابقة, وهناك اضطرابات أخرى تنشأ عن الخلل الكيميائي للكولاجين أشرنا إليها من قبل, ومنها اضطرابات المفاصل وتغضن الجلد.
وتوجد مادة بروتينية أخرى لها أهميتها في إحداث الشيخوخة الفسيولوجية, وهي ألياف الإيلاستين، وهي التي تؤلف حوالي ٣٠% من جدار الشريان الأورطي؛ فمع الشيخوخة يُعَادُ توزيع هذه المادة, وينتج عن ذلك أن الألياف تصبح أكثر رقّةً وأقل تركيزًا، بل إن بعضها يدمر, ومع حدوث ذلك تزداد كمية الكالسيوم المحيطة بالإيلاستين مما يؤدي إلى زيادة تصلب جدران الشرايين, ومع نقص مقدار الإيلاستين في الشريان الأورطي يزيد مقدار الكولاجين.
стр. 572
وحينئذ تصبح المواد الدهنية الشمعية "التي لا تقبل التحلل أو الذوبان" قادرة على التراكم داخل الشريان الأورطي.
وقد اهتمَّ العلماء منذ بضع سنوات بدراسة أثر التقدم في السن على الجهاز العصبي، وكان أشهر من درس هذ الموضوع "Birren, ١٩٧٤", وكانت أهم نتائجه أن المسنين هم في العادة أبطأ في الاستجابة للمثيرات إذا قورنوا بمن هم أصغر منهم سنًّا, ويعكس ذلك تغيرًا جوهريًّا في سرعة تجهيز الجهاز العصبي المركزي للمعلومات؛ فبينما يظهر الإنسان في مراحل ما قبل الشيخوخة السرعة أو البطء في الاستجابة اعتمادًا على مطالب الموقف, فإن المسنين يحتاجون إلى وقتٍ أطول لمجرد تجهيز المعلومات في الجهاز العصبي, وحين يكون المطلوب اتخاذ قرارات أو إصدار حركاتٍ سريعةٍ يبدو المسن غير قادرٍ على إصدار الاستجابة الملائمة, ولذلك نلاحظ على المسنين أنهم أكثر استهدافًا للسقوط, وغير ذلك من الحوادث التي يمكن تجنبها بالبطء في الحركة وإعادة التوافق, ويشبه بيرن ما يحدث بأنه نوع من "خفض التيار" العصبي أشبه بما يحدث للتيار الكهربائي.
ويبدو أن بطء نشاط الجهاز العصبي المركزي له أهميته في مجالات عديدة, فقد يفسر بعض الصعوبات التي يشعر بها المسنون -والتي سنشير إليها فيما بعد- عند الاسترجاع من الذاكرة وأثناء التعلم, وقد يفسر أيضًا بعض الفروق المرتبطة بالعمر في مواقف اختبارات الذكاء التي تلعب فيها السرعة دورًا هامًّا, بل إن بطء الاستجابة قد يؤثر حتى في الشخصية والتوافق، كتناقص درجة ثقة المسن في نفسه, وخاصةً فيما يتصل بقدرته على إدارة شئونه الخاصة في بيئة عصرية سريعة الإيقاع, وقد يؤدي هذا البطء إلى ظهور التصلُّب والجمود في السلوك، وخفض الميل نحو المخاطرة، وكل ذلك من خصائص السلوك في مرحلة الشيخوخة.
وعلى الرغم من أن البطء في نشاط الجهاز العصبي المركزي يؤثر عادةً في كثيرٍ من جوانب السلوك، إلّا أن هذه الحقيقة لا ترتبط بالصورة النمطية الشائعة للمسن بطيء الإيقاع الذي يَجُرُّ ساقيه جرًّا؛ فالواقع أن العجز لا يظهر إلّا إذا كان المطلوب منه تغيير اتجاه حركته, أو إصدار استجابات جديدة تمامًا "Welford ١٩٥٩", فإذا كان المسن قد تعوَّدَ على الحركة السريعة المتآزرة، وكان ذلك لا يتطلّب قرارات جديدة منه، فإن حركته قد تذهل الصغير غير المدرب في سرعتها, ولعل هذا يفسِّر لنا وجود عدد من العازفين المشهورين للبيانو يؤدون بعض المؤلفات الصعبة وبسرعة كبيرة Prestissimo tempo, وهم في السبعينات أو الثمانينات, أو حتى التسعينات من العمر، ومن أشهر أمثلتهم: آرثر روبنشتين،
стр. 573
وفلاديمير هورفتز، وكلوديو آرو، ورودلف سيركين؛ فمع الممارسة السريعة المعتادة لا يفقد المسن إلّا القليل، وحتى ما يفقده من وقت أثناء الاستجابة يعوضه في الأغلب إتقان الأداء.
وعدد الخلايا العصبية في المخ يبلغ حوالي عشرة ملايين خلية عند اكتمال النضج, ومع التقدم في السن يموت عدد كبير جدًّا منها "Huyuck and Hoyes, ١٩٨٢" ويفسّر هذا ما يحدث في الشيخوخة من نقصٍ في وزن المخ وحجمه, وتمدد في التجويفين الجانبين فيه, وضيق في شريط اللحاء المخي, ويقدِّرُ بعض العلماء "Rokstein & Sussman, ١٩٧٩" أن النقص في وزن المخ يصل في سن التسعين إلى حوالي ٣٠% من وزنه الكلي, ويطرأ على المخ تغيرات أخرى على المستوى المصغر "المجهري", إلّا أن ما هو أكثر أهميةً ما يحدث له من تراكمٍ تدريجيٍّ لفضلات الخلايا العصبية, وخاصةً المادة الدهنية التي تُسَمَّى lipofuscon ومادةً صلبةً أخرى تُسَمَّى orgyrophilic plaque, ويؤدي تراكم هذه المواد وغيرها إلى خلل في الجهاز العصبي المركزي, ينقل الفرد إلى الطور الأخير والخطير من حياة الإنسان، وهو طور أرذل العمر، والذي يتسم بظهور الذهان الشهير بخرف الشيخوخة senile dementia، والذي من خصائصه -كما سنوضح في الفصل التالي- هبوط الذاكرة, ونقص مدى الانتباه, وتدهور الذكاء, ومعظم خصائص الشخصية، وفقدان مهارات رعاية الذات من ناحية الأكل والإخراج وغيرهما.
وتطرأ على معظم الأعضاء تغيرات ملحوظة، فيحدث ضمور في الطحال والكبد والخصيتين والقلب والرئتين والبنكرياس والكليتين, مما يؤدي إلى نقص كفاءتها, ويعتبر نقص عدد الخلايا هو السبب الجوهري في ذلك، ويؤدي نقص كفاءة الكلى مثلًا إلى ضعف قدرتها على إخراج الفضلات والسموم من الجسم, يضاف إلى ذلك نقص مرونة أعضاء أخرى كالمثانة, وقد يؤدي ذلك إلى سلس البول "نوع من التبول اللاإرادي" وقد ينتهي بالعجز تمامًا عن التحكم فيه.
وتطرأ تغيرات أخرى على وظائف الأعضاء، فيتأثر نظام التحكم في حرارة الجسم بسبب خلل الهيبوثالاموس, ويلاحظ على المسنين أنهم لا يتحملون درجات الحرارة المتطرفة، وتزيد لديهم الحساسية للبرد أكثر منها للحر, كما يقل مقدار النوم وكيفه, ويحل نظام الفترات القصيرة من الراحة والنوم محل الفترات الأطول في المراحل السابقة, ويعاني المسنون من الأرق، وهو أكثر حدّة في النساء, وبسبب نقص فترة النوم أثناء الليل يزيد الشعور بالتعب أثناء النهار, ويرجع ذلك
стр. 574
مرةً أخرى إلى الخلل الذي يتعرض له السرير التحتاني "الهيبوثالاموس" في المخ.
ومن أكثر التغيرات حدوثًا ما يطرأ على الجهاز الهضمي؛ فصعوبات الأكل تنشأ جزئيًّا من فقدان الأسنان, وحتى أولئك الذين لم يفقدوا أسنانهم فإنهم يعانون من صعوبات المضغ، فإذا أضفنا إلى ذلك التدهور في حاستي الشم والذوق مع التقدم في السن، يؤدي ذلك إلى عدم الإحساس بطعم الأكل ولو كان جيد الطهي. إلّا أن الأخطر من ذلك ما يشعر به المسنون من مشكلات تتصل بالهضم, ومنشأ ذلك التغيرات التي تحدث في أعضاء الجهاز الهضمي, وخاصة المعدة والأمعاء، ونقص إفراز العصارات التي تساعد على الهضم.
وكقاعدة عامَّةٍ, فإن المسنين يأكلون كميات أقل من الطعام بالمقارنة بالمراحل السابقة, إلّا أنهم يأكلون هذه الكميات القليلة على فتراتٍ أكثر, ولا يستطيع المسنون الاستمرار في الجوع لفترة طويلة؛ لأن كمية السكر في الدم تقل عن الحَدِّ المعقول بسرعة كبيرة.
ومن التغيرات الأخرى التي تحدث مع الشيخوخة ضمور الغدد الصماء ونقص إفرازاتها، كما أن كمية الهورمونات التي تفرزها هذه الغدد لا تصل بكفاءة إلى الأعضاء، ويؤدي ذلك بدوره إلى خلل في وظائفها, ومن ذلك نقص إفراز الجلوكوز، ويفقد الجسم قدرته على الحفاظ على توازن ملائم في مقدار السوائل فيه, كما أن جهاز المناعة في الجسم يفقد جزئيًّا كفاءته بسبب سوء عمل الأجهزة العادية للتغذية الراجعة, بل إن جهاز المناعة قد يتحول -كما أوضحنا في الفصل السابق- ليعمل ضد الجسم نفسه من خلال استجابات المناعة المستقلة، ولهذا نلاحظ أن عدد الخلايا الخاطئة يزداد في هذا السن, والمحصلة النهائية للتغيرات في جهاز الغدد الصماء ونظام المناعة, أن المسنين يظهرون نقصًا متزايدًا في القدرة على المواءمة مع الضغوط التي يتعرضون لها من بيئتهم الداخلية "أي: داخل الجسم" أو الخارجية "مثل العدوي والتغير في درجة الحرارة والضغوط النفسية الاجتماعية".
ويرتبط بجهاز الغدد الصماء نشاط الجهاز التناسلي، ولهذا فإن التغير في نمط إفراز الهورمونات الجنسية يرتبط أيضًا بالتغيرات الفسيولوجية المصاحبة للتقدم في السن, وقد أشرنا إلى بعض هذه التغيرات عند تناول طور بلوغ الرشد، كما بينا الفروق بين الجنسين, وبالطبع فإن من المتوقع زيادة النقص في الإفراز الهرموني مع الشيخوخة, إلّا أن البحوث الحديثة تؤكد أن النقص في إفراز
стр. 575
التستوسترين في الذكور إنما يرجع إلى ما يُسَمَّى الشيخوخة الثانوية, وقد يصل الرجل إلى منتصف السبعينات ولا يطرأ نقص كبير في مستوى إفراز هذا الهرمون لديه, ويرجع ما يحدث من نقصٍ إلى بطء عمليات الأيض لإنتاج الهرمون, ثم تخلص الجسم منه، أما إنتاج الحيوانات المنوية فقد يستمر مدى الحياة عند البعض, إلّا أنه مع شيخوخة الخصيتين ينقص ما تنتجه منها حتى يصل إلى حوالي ٥٠% في حوالي السبعينات، ثم يحدث بعد ذلك نقصان شديد آخر في حوالي الثمانينات من العمر, ليصل إلى حوالي ١٠%, وبالطبع فإن إفراز الحيوانات المنوية قد يتوقف تمامًا عند البعض، إلّا أن البعض الآخر قد يظل قادرًا على الإنجاب حتى التسعينات من العمر.
وهناك تغيُّر آخر في خلايا غدة البروستاتا يحدث للذكور أيضًا، وهو تغيُّر تظهر بداياته في طور بلوغ الأشد كما بينا آنفًا, وفي نفس الوقت يحل الكولاجين محل أنسجة العضلات، كما ينقص ما يرد للغدة من دم, وعند معظم الذكور تبدأ البروستاتا في التضخم بحيث يصل حجمها في الخمسينات والستينات من العمر إلى ما يفوق حجمها الطبيعي بنسبة ٤٠%، ومع بلوغ السبعينات من العمر يكون حجمها قد تزايد إلى الضعف, ومع تضخمها الشديد تتداخل مع وظائف المثانة, وحينئذ يكون من اللازم استئصالها.
ويرتبط تغيُّر الوظائف التناسلية لدى المرأة بالتغيرات في إنتاج الهرومونات أيضًا، إلّا أن الفرق الجوهري أن المرأة -على عكس الرجل- لا تصبح قادرةً على الإنجاب بعد سن الخمسين، إلّا في حالات نادرة, ومن المعروف أن خصوبة المرأة تتناقص تدريجيًّا مع بلوغ الأشد، وحينئذ تصبح فترة الحيض أقصر وأقل انتظامًا، ويكون ذلك بداية التحول إلى سن "الطهر", كما أسميناه بديلًا لمصطلح "سن اليأس" الأكثر شيوعًا، وهو ما يحدث في مطلع الخمسينات من عمر المرأة، وعنده يتوقف الحيض تمامًا, ومع الطهر menopause يتناقص بشكلٍ حادٍّ إفراز الإستروجين والبروجستيرون، بل يكاد يختفي أثرهما تمامًا في الدم.
стр. 576
الصحة والمرض في طور الشيخوخة:
توصف مرحلة الشيخوخة بصفة عامة بأنها مرحلة "ضعف الصحة الجسمية", فحتى مع عدم الإصابة بمرض، يشعر المسنون عادةً بأنهم ليسوا على ما يرام, ويزداد هذا الشعور مع التقدُّم في الشيخوخة, وخاصةً لدى ذوي المستوى الاقتصادي والاجتماعي المنخفض، وهو أقل حدَّة لدى المتزوجين منه عند غير المتزوجين, وتوجد عدة مبادئ عامة لا بُدَّ من مراعاتها عند تناول موضوع صحة المسنين، وهذه المبادئ هي:
١- أن متوسط توقع الحياة١ يزداد بصفة عامة في الأعمار الدنيا، ولكنه بالطبع يتناقص بالنسبة لمن يبلغ الخامسة والستين أو يتجاوزها, ويفسر الباحثون ذلك أن الرعاية الطبية التي يتلقاها الأطفال في الوقت الحاضر أدت إلى زيادة متوسط توقع الحياة لهم, وخاصةً بعد التغلُّب على الأمراض التي كانت تهدد حياتهم في الماضي مثل الجدري والدفتريا والسعال الديكي وشلل الأطفال, ولم يحدث ما يناظر ذلك من تقدُّمٍ طبيٍّ في مجال التغلب على أمراض منتصف العمر والشيخوخة.
٢- إن المسنين يعانون من الأمراض المزمنة chronic أكثر من الأمراض الحادة acute, صحيح أن عمل الطب طوَّرَ من أساليب علاج الأمراض الحادَّةِ خلال السنوات الماضية, من خلال استخدام وسائل التطعيم "للوقاية", وتناول المضادات الحيوية, إلّا أنه بالنسبة للأمراض المزمنة لم يتجاوز حتى الآن حدود استخدام المسكنات, وبالطبع فإن الأمراض الحادة؛ كالأنفلونزا والتهاب المثانة وغيرها, تتسم بأنها قصيرة الأجل ولها سبب معروف، ويسهل اكتشافها وتشخيصها؛ لأنها تحدِثُ تغيرات باثولوجية غير عادية في الوظائف، ويتوافر لها طريقة واضحة في العلاج, أما الأمراض المزمنة "كأمراض القلب والسرطان والجلطة وغيرها" فعلى العكس من ذلك تمامًا, إنها تنمو على نحوٍ تدريجيٍّ إلى حدٍّ يمكنها من الوصول إلى درجة خطيرة، وعادةً لا تظهر تغيرات باثولوجية غير عادية في الوظائف قبل اكتشافها وتشخيصها، ولهذا توصف بأنها أمراض قد ينجح الأطباء في التحكم فيها ووقف استشرائها, ولكنهم لا ينجحون في شفاء المريض منها، ولعل السبب الجوهري لهذا الفرق أن الأمراض المزمنة يحدثها التعرض طويل الأمد لمواد ضارة في البيئة؛ كالتلوث أو الإشعاع، بينما كثير من الأمراض الحادة تنتج عن كائنات حية دقيقة؛ كالفيروسات أو البكتريا, وقد تنشأ الأمراض المزمنة في الشيخوخة نتيجة للتفاعل بين العمليات العادية للتقدم في السن مثل نقص
стр. 577
القدرة على التوازن الهوميوستازي, وتكاسل الأجهزة العضوية من ناحية, وبين العمليات المرتبطة بالمرض من ناحية أخرى, وبصرف النظر عن الأسباب, فإن الأمراض تزداد في حوالي سن الخامسة والأربعين, ثم تصل إلى قمتها في سن السبعين وما بعده, وهي بالطبع من علامات تدهور الأجهزة المختلفة؛ مثل الأوعية الدموية للقلب, والأوعية الدموية للمخ، والخلل الكلوي, والاضطرابات الحركية، وكلها فيما يبدو ترتبط بتدهور الجهاز العصبي المركزي والغدد الصماء وجهاز المناعة في الجسم.
٣- المسنون، إذا قُورِنُوا بغيرهم في المراحل العمرية الأدنى، هم أكثر تعرضًا للإصابة بعدة أمراض مزمنة في وقت واحد, ولهذا لا تصلح معهم الممارسة الطبية المعتادة التي تركِّز على تشخيص مرض واحد وعلاجه، ففي مرحلة الشيخوخة تكون الإصابة بمرضٍ واحد هي الاستثناء وليس القاعدة, ومعاناة المسن من أكثر من مرض واحد تؤدي إلى أن يؤثر كلٌّ منها في الآخر، على نحوٍ يجعل التشخيص والعلاج صعبًا؛ فآلام الصدر مثلًا قد يكون سببها مرض في القلب، أو أزمة قلبية محتملة، أو اضطراب في الجهاز الهضمي المعوي، أو خلل في نشاط المريء والحجاب الحاجز, أو العصبية الزائدة, وكثيرًا ما يحدث أن بعض الأعراض الهامة لاضطراب جديد تختلط بأعراض حالة مرضية موجودة بالفعل؛ فآلام الصدر قد ترد إلى سوء الهضم، وآلام العظام قد تفسر على أنها نوع من الروماتيزم، ونزيف المستقيم الناجم عن السرطان قد يُعَدٌّ ناتجًا عن البواسير.
٤- قد يظهر المرض لدى المسنين في صورة تختلف عنها لدى من هم أصغر سنًّا, ويمثل ذلك إحدى صعوبات التشخيص الطبي في مرحلة الشيخوخة؛ لأن التغيرات المرتبطة بالعمر تغيِّر الصورة الكلينيكية التقليدية المرتبطة بأمراض معينة, ومن ذلك مثلًا أن الحساسية للألم تقل، كما أن مواضع الألم تكون متغيرة في هذه المرحلة. فضيق التنفس والتهاب الزائدة الدودية مثلًا لا يصاحبها ألم لدى المسنين, وحين يحدث الألم لا يكون حادًّا، بل قد يُنْسَى عندما يصل المسن إلى طور متأخر من الشيخوخة "يقترب من طور أرذل العمر", بل إن كلًّا من الأطباء والمسنين جميعًا قد يعتبرون الألم في هذه المرحلة عبئًا يجب التعايش معه، أو شرًّا لا بُدَّ منه، على الرغم من أنه ليس أمرًا حتميًّا في الشيخوخة, وتختلف آثار العقاقير الطبية لدى المسنين عنها لدى من هم أصغر سنًّا؛ فالجرعة التي تناسب الشاب أو الراشد, قد يكون لها أثر جانبي لدى المسن,. كما لا تظهر في هذه المرحلة
стр. 578
بعض الأمراض الشائعة لمرض معين، ومن ذلك مثلًا أن الحمى قد لا تظهر دائمًا في الأمراض المعدية التي هي من أعراضها المعروفة.
٥- في الأمراض القابلة للشفاء "كالأمراض الحادة" يستغرق المسنون وقتًا أطول لاستعادة صحتهم, وذلك بسبب عدم التوازن الهوميوستازى؛ فمن المعروف أن الراشد الصحيح بدنيًّا يعيش في توازن مع بيئته وتعمل أجهزته بكفاءة في نشاط الخلايا وتجديدها, ومع الشيخوخة تصبح عملية تجديد الخلايا أقل فعالية, وحينئذ تموت الخلايا وتصبح الأعضاء أقل فعالية, أضف إلى ذلك أن نقص الغذاء وسوء التغذية قد ينتجان تغيرات أيضية تتداخل مع الخلل السابق في نشاط الخلايا, وهكذا إذا أضيف إلى الشيخوخة المرض والحرمان والصدمات وغيرها من الضغوط, فإن ذلك يؤدي إلى نقص الاحتياطي الفسيولوجي لدى الإنسان, ويؤدي نقص التوازن الهوميوستازي بالمسنين إلى أن يصبحوا أكثر تعرضًا لنقص البلازما أو الدم, والجفاف, ونفاذ البوتاسيوم, واضطراب عمليات الأيض بالطبع, ومن الأمثلة التي توضح بطء الشفاء في هذه المرحلة أن المضادات الحيوية يحدث أثرها لدى الراشدين الأصغر سنًّا خلال فترة من ٢٤-٢٦ ساعة, بينما هذا الأثر لا يظهر لدى المسنين إلّا بعد انقضاء فترة من ٤٨-٧٢ ساعة على الأقل, ولهذا فإن الأمراض الحادة على الرغم من أنها لدى الصغار تأتي فجاةً, ثم تمضي, ونادرًا ما تسبب العجز أو الوفاة، إلّا أن منها لدى المسنين ما قتل.
٦- الأمراض النفسية المصاحبة للاضطرابات الجسمية لدى المسنين أكثر شيوعًا منها لدى من هم أصغر سنًّا؛ فالعلاج طويل الأمد بالعقاقير يسبب مرض مزمن قد يؤدي إلى حدوث بعض الآثار النفسية الجانبية؛ كالدوار والخلط الذهني، بل إن بعض الأعراض الذهانية قد تنتج من هذا النوع من العلاج, بل إن بعض الأمراض المزمنة قد تؤدي إلى بعض الأمراض الذهانية، وأشهرها الاكتئاب, بالإضافة إلى أن نقص تدفق الدم إلى المخ قد يؤدي إلى تغيرات في النشاط العقلي؛ مثل الخلط المكاني, ونقائص الذاكرة، والتقلب المزاجي، وضعف الأداء الذهني, وبهذا قد يسرع المسنون الخطى إلى الطور الأخير من حياتهم وهو "أرذل العمر".
ويوجد عدد قليل من الأمراض يمكن اعتبارها من أمراض الشيخوخة, إلّا أن بعض الأمراض الأخرى أكثر حدوثًا في هذه المرحلة من سواها، ومن النوع الأخير نجد الإمساك، والبواسير، واضطرابات الجهاز الهضمي من مختلف الأنواع ومختلف صور أمراض القلب, أما الأعراض التي تخص الشيخوخة فهي اضطرابات الجهاز الدوري وخاصةً الأوعية الدموية, وعلى وجه أخص تصلب
стр. 579
الشرايين، واضطرابات الأيض، واضطرابات المفاصل والعظام، ومختلف أنواع الأورام وخاصةً السرطان, وفي هذه المرحلة يكون أيّ مرض أكثر خطورة من أيّ مرحلة سابقة؛ لأن أعضاء الجسم كما أشرنا تجدد خلاياها ببطء شديد, وبالإضافة إلى الأمراض الحقيقية فإن المسنين يعانون أيضًا من الأمراض المتوهمة، ويركزون على أيّ صداعٍ أو ألمٍ ويبالغون فيه, كما أن الحديث عن الآلام والأوجاع والطب والأطباء حديث مفضل لدى معظمهم لقضاء الوقت, ويفيد ذلك كوسيلة لجذب الانتباه إليهم، وكسب المشاركة الوجدانية من الآخرين.
والعلاقة بين الصحة والتوافق في هذه المرحلة هي علاقة ارتباط لا علاقة سببية؛ فالصحة السيئة تؤدي إلى تدهور التكيف الجيد، كما أن التكيّف السيئ يؤثر جزئيًّا في الصحة الجيدة, وتكيف المسنين للقيود التي تفرض على الأنشطة التي كانوا يمارسونها من قبل بسبب ضعف الصحة لا يتم إلّا بمقاومة كبيرة؛ لأنهم يشعرون بأن فرص العودة إلى هذه الأنشطة قليلة, إن لم تكن معدومة، فالتدهور بالطبع يزداد معدله مع الأيام, ومقاومة التكيف هذه مصدر آخر للشكوى المستمرة من المرض, وتزداد هذه الشكوى عند النساء أكثر من الرجال. ومن الطريف أن نلاحظ أن هذه الشكوى تقل مع التقدم في السن, وترى هيرلوك Hurlock "١٩٨٠" أن هذا لا يعني التوافق الجيد مع المرض باعتباره من حقائق الشيخوخة، وإنما السبب في ذلك أن "عتبة المرض" ترتفع مع التقدم في السن, ولهذا فإن المسنين لا يشعرون كثيرًا بالآلام الجسمية كما كانوا يفعلون من قبل. وبالطبع فإن بعض المسنين يتكيفون مع الاضطرابات الجسمية في الشيخوخة، والبعض لا يفعلون, بل إنهم يشعرون دائمًا بالأسى على أنفسهم, ويتحسرون غالبًا على "الشباب الضائع", وتؤدي بهم هذه المشاعر إلى فشل أيّ محاولة للتكيف مع هذه الاضطرابات الجسمية, كما قد تؤدي ببعضهم إلى استخدامها في الضغط على الآخرين والتأثير فيهم، فبها يحصلون على اهتمام أفراد الأسرة ورعايتهم.
ويعاني المسنون من أمراض سوء التغذية، إلّا أن معظم هذه الحالات ترجع إلى أسبابٍ نفسية وليست اقتصادية، فهم يأكلون طعامًا قد لا يتفق مع حاجات الجسم في هذه المرحلة، وخاصةً نوعية الطعام اللازم لاستمرار الكفاءة الجسمية والعقلية، ومن أهم هذه العوامل النفسية نقص الشهية نتيجةً للقلق والاكتئاب، وقد يكون ذلك نتيجةً للعزلة, فضعف الميل إلى الطعام قد يكون بسبب اضطرار المسن إلى الأكل وحيدًا، أو نتيجة لرفض الطعام بسبب عوامل انفعالية أحدثتها خبرات غير سارة في مراحل سابقة من العمر, وكذلك فإن مشكلات الأسنان تضاف إلى
стр. 580
المشكلات النفسية, وتزيد من حدة مشكلة التغذية في هذه المرحلة, فتناول القليل من البروتين والكثير من السوائل الكربوهيدراتية بسبب صعوبات المضغ تؤدي إلى بلع الطعام على نحوٍ يؤدي إلى بعض الاضطرابات في الجهاز الهضمي.
ويعاني بعض المسنين من السمنة, ويرجع ذلك جزئيًّا إلى الإسراف في الطعام, مع عدم القيام بنشاط يستهلك مقدارًا كافيًا من السعرات الحرارية، وكذلك تناول الطعام غير المتوازن, ونحن في حاجة إلى بعض الدراسات العلمية التي تصف لنا عادات الطعام في هذه المرحلة.
وأكثر الحوادث شيوعًا في هذه المرحلة حوادث السقوط التي قد تسبب تعويقًا للمرء معظم ما بقي له من عمره, ويقع معظم هذه الحوادث داخل البيوت: في غرف النوم والحمامات وعلى السلالم, وبعض هذه الحوادث قد يكون لأسبابٍ خارجية "عوائق يصطدم بها المسن مثلًا"، وبعضها قد يرجع إلى أسباب داخلية مثل ضعف البصر والإصابة بالدوار والتهاب المفاصل والضعف العام.
стр. 581
التغير في الوظائف الحسية:
ليست الحواس استثناءً من التدهور العام في هذه المرحلة، ويمكن القول أن جميع حواس الإنسان تتعرض لنقص الكفاءة, وفي كثير من الأحيان يكون هذا النقص امتدادًا للمشكلات التي تَعَرَّضَ لها المسن في طور منتصف العمر، ولكنها تصبح في مرحلة الشيخوخة أكثر تسارعًا, وعند بعض المسنين قد تنشأ مشكلات حسية جديدة لم يتعرضوا لها من قبل، بينما تستقر عند البعض الآخر, وتثبت المشكلات القديمة.
فإذا بدأنا بحاسة الإبصار فإننا نجد أن العين تطرأ عليها سلسلة من التغيرات البنوية والتشريحية, تؤدي إلى ضعف حاسة البصر, ومن ذلك إن طول النظر يزيد مع العمر, والذي ينتج أساسًا عن التغيرات التي تطرأ على عدسة العين، كما تتناقص القدرة على التكيف للظلام, أضف إلى ذلك أن التغيرات التي تطرأ على الشبكية والجهاز العصبي تؤدي إلى نقص الدقة البصرية "ضعف البصر", ونقص القدرة على تمييز الألوان. وكثير من المسنين لديهم صعوبات كبيرة في الرؤية في الظلام، ويؤدي ذلك إلى جعل قيادة السيارات أثناء الليل بالنسبة لهم مخاطرة, وبعض القصور البصري يرجع في جوهره إلى التغيرات التي تطرأ على العين نفسها, ومن ذلك نقصان المواءمة البصرية, وانكماش حجم إنسان العين, الذي يعني بدوره قلة مقدار الضوء الذي يسقط على الشبكية، والصفرة والكمدة في العدسات.
стр. 582
ثم تزداد هذه التغيرات استفحالًا بتكوين المياه البيضاء "الكاتاراكت" الذي يؤدي إلى إعتام عدسة العين, وهو العجز الأكثر شيوعًا في مرحلة الشيخوخة, يليه مرض الجلوكوما, ومن العلامات الأخرى تلف بعض الميكانيزمات العصبية في مركز الإبصار مع التقدم في السن.
وقد يكون التدهور الأكثر ارتباطًا بمرحلة الشيخوخة ما يحدث لحاسَّةِ السمع, فحوالي ١٧% من الأشخاص الذين يبلغون سن ٦٥ عامًا وما بعدها, يظهرون علامات النقص السمعي المسمى presbycusis, والذي يرجع في جوهره إلى تدهور الجهاز السمعي ذاته, وهذا النقص يقتصر أساسًا على الأصوات ذات التردد العالي، ويشمل ذلك معظم أصوات الكلام, وكثير من المتحدثين يحاولون تعويض هذا الضعف السمعي لدى المسنين بالحديث بصوتٍ عالٍ, إلّا أن زيادة جهارة volume صوت المتحدث، التي تصل أحيانًا إلى حدِّ الصراخ، لا تفيد، بل قد تؤدي إلى حجب الأصوات التي يمكن للمستمع المسن أن يدركها, ولتحسين التواصل السمعي مع المسنين الذين يعانون من صعوبات السمع يجب أن يخفض المتحدث صوته لا أن يرفعه؛ لأن ذلك يؤدي إلى خفض حدة الصوت أو شدته intensity, وكذلك درجته pitch, وهي الخصائص التي تمثل صعوبة جوهرية لدى المسنين, وفي هذا الصدد نشير إلى أنه لقياس هذا التطور السمعي يحلل الصوت إلى مكونيه الأساسيين هما: التكرار "التردد" والسعة، واللذين يمكن تنويعهما بشكلٍ مستقلٍّ, ويشير التردد أو التكرار إلى عدد الدورات في الثانية التي يتخذها الصوت "أو النغمة"، أما السعة فتعني مدى أو شدة حدوث الموجة الصوتية, وتدل على الحساسية الصوتية, وتؤكد نتائج البحوث أن التدهور يكون ضئيلًا في الحساسية "السعة" الخاصة بالترددات المنخفضة, ويكون هذا التدهور حادًّا للترددات التي مقدارها ٢٠٠٠ ذبذبة في الثانية أو أعلى من ذلك, ويكون ضعف السمع أكثر حدوثًا في الذكور منه في الإناث, وقد يرجع هذا إلى الفروق بين الجنسين في التعرض للضوضاء, ولعلّ خطورة ضعف السمع تتمثل في ارتباطها بضعف النشاط العقلي من ناحية، وبظهور بعض الأعراض الذهانية "كالبارانويا" من ناحية أخرى, وكلما ازداد السمع ضعفًا ازداد معدل تحوّل المسن إلى الطور الأخير من حياته, وهو أرذل العمر.
وتُوجَدُ أدلة على أن الحواس الأخرى تتدهور أيضًا مع التقدم في السن؛ فبالنسبة لحاسة الذوق وجد بعض الباحثين أن عتبات المذاقات الأربعة الأساسية "المر، الحلو، الحامض، المالح" تزيد مع العمر, وخاصةً بعد سن الخمسين، إلّا أن
стр. 583
البعض الآخر يرى أن نتائج الدراسات التي أجريت على حاسة الذوق متناقضة, ومثلها نتائج حاسة الشم, ويوجد فرضٌ شائعٌ في هذا الميدان, وهو أن التدهور يلحق الأجزاء الطرفية من عضو الحس بينما الأجزاء المركزية فيه لا تتأثر, إلّا أن بعض الأدلة الحديثة تؤكد أن عمليات التجهيز المركزي للمعلومات الحسية تتأثر أيضًا وبشكل مستقلٍّ عن الأجزاء الطرفية, وقد يرجع ذلك إلى أن الخلايا الوظيفية في الجهاز العصبي يتناقص عددها مع التقدم في العمر, وتُوجَدُ نتائج علمية تؤكد أن مستوى النشاط العصبي العشوائي يزيد مع العمر، وقد يحدث ذلك نتيجةً لبطء التحرر من آثار الاستثارة السابقة, وهذه التغيرات جميعًا تؤدي إلى نقصان كفاءة الجهاز العصبي في تمييز الإشارات "المثيرات".
ويرى بعض الباحثين الآخرين أن التدهور في حاستي الذوق والشم خاصةً, قد يرجع في جوهره إلى بعض الظروف المرضية, أو إلى بعض العادات المتأصلة مثل التدخين أو إدمان المسكرات والمخدرات, وعلى كلٍّ فإنه نتيجة لصعوبات الذوق والشم يعاني المسنون من فقدان الاهتمام بالطعام, مما يؤدي إلى بعض مشكلات التغذية, والإصابة بالأمراض على النحو الذي أشرنا إليه فيما سبق.
وإذا كان معظم هذه التغيرات الحسية يقدم لنا صورة متشائمة من الشيخوخة، فإننا يجب أن نوضح أنه باستثناء الحالات المتطرفة -التي تحدث عادة في طور أرذل العمر- فإن هذه التغيرات لا تمنع المسن العادي من أن يعيش حياته الطبيعية, وكثير من الابتكارت التكنولوجية الحديثة؛ مثل: التليفونات التي تكبر الصوت والمعينات السمعية والنظارات الطبية, أعانت المسنين على أن يعيشوا حياة راضية, على الرغم من الكفاءة المتناقصة للجسم. وفي الواقع فإنه لا تحدث مشكلات توافق حسي للمسنين إلّا تحت شروط الضغط والإجهاد, وحينئذ تصبح النقائص المرتبطة مصدرًا لسوء التوافق لديهم, ففي حالة الحزن الشديد لوفاة صديق أو قريب يشعر المسن بالعجز عن فهم ما يسمع، وقد يؤدي به ذلك إلى الانسحاب إلى الذات, وغلق نوافذ الاتصال بعالمٍ يشعر أنه مختلط مخيف يحيط به من كل جانب.
стр. 584
التغير في النشاط الحركي:
يدرك المسنين أنهم أبطأ حركة, وأقل تآزرًا, وأضعف ثقةً في حركاتهم, مما كانوا عليه في مراحل السابقة, والسبب في ذلك هو نقص القوة والطاقة الذي يصاحب التغيرات الجسمية التي وصفناها آنفًا.
وقد يكون وراء هذا التدهور بعض العوامل النفسية؛ فالمُسِنُّ يعلم أنه قد دخل مرحلة "الأفول"، كما يعلم أن هناك قيمًا اجتماعية تركز على المهارة والقوة والسرعة, وهي جميعًا خصائص "الشباب" الذي ولَّى، بالإضافة إلى أن هناك ما يُذَكِّرُهُ دائمًا بنقصه إزاء من هم أصغر سنًّا, والأثر الانفعالي الناشئ عن هذه العوامل النفسية قد يسرع بالفعل بالتدهور في القدرات الحركية للفرد، أو يهبط بدوافع الفرد لأداء ما يستطيع أداءه, ومع ذلك فإن من حقائق النمو الإنساني في هذه المرحلة أن القدرات الحركية لا يمكن أن تكون على النحو الذي كانت عليه من قبل.
فالواقع أن جميع القدرات الحركية تتعرض للتدهور مع التقدم في السن، إلّا أن بعض هذه القدرات يكون التدهور فيه أسرع من سواه, ولعل أخطر هذه التغيرات ما يطرأ على القوة والسرعة والمهارة.
فبالنسبة للقوة وُجِدَ أن معدل التدهور في قوة قبضة اليد يصل في سن الستين إلى ١٧% من معدلها الأقصى الذي كانت عليه في طور الشباب، وعندما يبلغ المرء سن الخامسة والسبعين تكون القوة القصوى لقبضة اليد معادلة تقريبًا لها عند المراهقين المبكرين في سن بين ١٥-١٦سنة, وبالطبع فإن التدهور في القوة الجسمية يختلف تبعًا لمجموعة العضلات، وأكثر صور الضعف شيوعًا ما يطرأ على عضلات الساعدين، والعضلات التي ترفع الجسم ككل, وأوضح علامات نقص القوة ما يلاحظ على المسنين من سرعة تعرضهم للتعب الجسمي؛ فمع أقل جهد, وفي أقصر وقت, تبدأ الشكوى عند المسنين من هذا التعب.
وفي حالة السرعة نجد أن اختبارات زمن الرجع تبين لنا أن المسنين أكثر بطأً في الاستجابة ممن هم أصغر سنًّا، ويزداد هذا البطء مع زيادة صعوبة العمل الذي يُؤَدَّى, ومن العوامل التي تؤثر في ذلك التعب والضغط والتوتر.
بل إن المهارات التي سبق للمُسِنِّ أن تعلمها في مراحل عمره السابقة تصير أكثر بطيأً أيضًا مع التقدم في السن, ومن ذلك مهارة الكتابة مثلًا, والسبب في ذلك بالطبع هو صعوبات التآزر الحركي المشهودة في هذه المرحلة, ويسير اتجاه تدهور المهارة في عكس اتجاه اكتسابها وتكوينها؛ فالمهارات التي تكونت أولًا تبقى لفترة أطول, بينما المهارات الأحدث تزول بسرعة, إلّا أنه مع التقدُّمِ في السن تتدهور حتى المهارات جيدة التكوين, ويصير المرء في حالةٍ من العجز أشبه ما يكون بعجز الطفولة القديم, ومع ذلك فإن الاستمرار في ممارسة المهارة أو السرعة في بعض التعلُّم الحركي يرجئ حدوث هذا التدهور إلى حين.
стр. 585
والواقع أن تعلُّم مهارات حركية جديدة في مرحلة الشيخوخة يُعَدُّ من الخبرات غير العادية، ليس لأن التعلم في ذاته أصبح أكثر صعوبة فحسب، وإنما بسبب نقص الدافعية لدى الأفراد أيضًا, ولهذا يجب أن يشعر المسن في تعلُّمِه لأي مهارة حركية بأن هذا التعلُّم مفيد له شخصيُّا، وقد يؤدي به ذلك إلى بذل الجهد الممكن, وهذا في ذاته مؤشر جيد حتى ولو سار هذا التعلُّم بمعدل أبطأ, وكان عائده أقل من المراحل العمرية السابقة, ومما يفيد التعلُّم الحركي في هذه المرحلة أن تكون اليد والذراع على درجة كافية من الثبات.
والسؤال هو: لماذا يحدث البطء في السلوك الحركي في هذه المرحلة؟ الواقع أن هذا البطء لا يقتصر على النشاط الحركي, وإنما يشمل السلوك الإدراكي والمعرفي والفسيولوجي أيضًا؛ لأنها جميعًا أنماط استجابة للمثيرات الخارجية, وقد اقتَرَح بعض الباحثين المبكِّرين أن السبب في ذلك هو العمليات الطرفية في الجهاز العصبي المركزي, ومن ذلك نقص كفاءة أجهزة الاستقبال، وبطء سرعة التوصيل العصبي, إلّا أن بعض الباحثين المحدثين، ومنهم "Botwinick, ١٩٧٣" رفضوا هذا التفسير واقترحوا فرضًا بديلًا يرجع بطء الاستجابة إلى التغيرات في العمليات المركزية مع التقدم في العمر, وقد وجدوا بالفعل أن هذا البطء السلوكي يرجع من ناحية إلى التدهور الحسي والإدراكي على ما وصفناه في القسم السابق، والذي يؤدي بدوره إلى صعوبة التمييز بين المثيرات، كما يرجع من ناحية أخرى إلى هبوط سرعة التوصيل العصبي, وتأكد أن المسنين أبطأ ممن هم أصغر سنًّا في جميع سرعة التوصيل العصبي, وتأكَّدَ أن المسنين أبطأ ممن هم أصغر سنًّا في جميع مستويات صعوبة المهام التي يؤدونها, وأن زمن رجع المسنين يزداد "أي: تقل السرعة" مع زيادة صعوبة تمييز المثير، وأن الفروق بين الأعمار تزداد مع زيادة هذه الصعوبة, ومعنى ذلك أن العوامل الإدراكية "الطرفية" ليست وحدها هي المسئولة عن بطء الاستجابة مادام هذا البطء يظهر فيها حتى مع ضبط متغير القدرة على التمييز؛ فحينما تَمَّ التكافؤ بين المجموعات العمرية المختلفة في شدة المثير لم يؤدِّ ذلك إلى زوال الفروق بين المسنين ومن هم أصغر سنًّا في بطء الاستجابة, وعلى ذلك فإن أعضاء الحسِّ ليست وحدها المسئولة عن البطء في زمن الرجع الذي يظهر في مرحلة الشيخوخة.
ومع ذلك فحين حاول الباحثون اختبار فرض دور سرعة التوصيل العصبّي كعامل رئيسي في البطء, ثبت أنه غير صحيح؛ فحين تمت المقارنة بين المسنين في المهام التي تتطلَّبُ مسارًا عصبيًّا أطول من غيرها لم تظهر فروق بينها، ومعنى ذلك أن بطء الاستجابة حالة عامة, سواء كانت المهمة تَتَطَلَّبُ مسارًا عصبيًّا
стр. 586
طويلًا "وبالتالي يكون التوصيل العصبي بطيئًا" أو العكس.
ومن ناحيةٍ ثالثة حاول الباحثون تحديد دور ميكانيزمات الجهاز العصبي في بطء الاستجابة, وفي هذه الدراسات حلَّلَ الباحثون زمن الرجع إلى مكونين رئيسيين هما: زمن الحركة motor time, ويُقْصَدُ به الوقت الذي ينقضي بين تشغيل العضلة وإتمام الاستجابة، والزمن السابق على الحركة premotor, ويُقْصَدُ به الوقت الذي ينقضي بين حدوث المثير وتشغيل العضلة, ويتضمن الزمن السابق على الحركة ثلاث عمليات منفصلة: النقل الحسي للمثير، والتفسير المركزي للمثير، واتخاذ قرار الاستجابة, وقد وَجَدَ الباحثون أن هذا المكوّن يستغرق حوالي ٨٤% من الزمن الكلي للرجع, وعلى ذلك فإن العوامل الحركية تكاد تكون مستبعدة في أثرها, وهذا يؤدي إلى استناج أن بطء زمن الرجع يرجع في جوهره إلى عوامل معرفية تفسيرية متضمنة في عمليات اتخاذ القرار, وقد دعمت تجارب بوتوينك هذا الفرض.
ويُؤَكِّدُ هذا الفرض مصدر آخر للمعلومات, جاء من البحوث التي استخدمت الرسام الكهربائي للمخ "EEG", فقد وجد الباحثون من أصحاب هذا الاتجاه أن هناك معامل ارتباط بين البطء الذي تظهره الرسوم الكهربائية للمخ, وبطء الاستجابة كما يتمثل في زمن الرجع، وقد اقترحت في هذا الصدد علاقة سببية بينهما؛ حيث المخ هو المسبب للبطء العام للاستجابة "وليس العكس بالطبع", وهذه العلاقة، كما ترى "Kermis, ١٩٨٤"، من الفروض السببية القليلة التي ثبتت صحتها في ميدان سيكولوجية المسنين.
ويرى بعض الباحثين أن التمييز بين النشاط النفسيحركي psychomotor, وغيره من أنواع النشاط النفسي ليس كبيرًا, وإذا كان النشاط النفسيحركي يدل على المهارات البسيطة -كما بينا آنفًا- بحيث يتطَلَّب قليلًا من نشاط العمليات المركزية "كالتفكير وحل المشكلة" في علاقتها بالنشاط الحركي ذاته، فإننا نجد أن هذا التمييز ليس سهلًا؛ لأن جميع الأنشطة النفسية تطلب بعض الميكانيزمات المعرفية المركزية, وكما بينَّا فإن السهولة أو الصعوبة وكذلك البساطة أو التعقد الباديتين على المهمة, لا علاقة لهما بدرجة صعوبة وتعقد العمليات الطرفية أو المركزية المعرفية المتضمنة, ومع ذلك, فإن بعض النتائج الطريفة أمكن التوصل إليها عن علاقة النشاط الحركي بالعمر.
فمن الملاحظات الشائعة أن الأفراد يميلون إلى البطء الحركي بالتدريج مع العمر, إلّا أن سبب ذلك ليس واضحًا, وبالإضافة إلى هذا, فإن المسنين لا يؤدون
стр. 587
الأعمال الحركية أبطأ من الراشدين الصغار فحسب، ولكن أيضًا إذا كانت تعليمات المهمة توجه المفحوصين إلى العمل ببطء, فإنهم يعملون ببطءٍ أشد من الذين هم أصغر سنًّا.
ومن الدراسات الكلاسيكية حول علاقة الأداء الحركي بالعمر, تلك التي قام بها "Miles, ١٩٣١", فقد حصل على الأداء الحركي لعينةٍ تتألف من ٢٣١ من الذكور تمتد أعمارهم بين ٦-٩٥ عامًا, في ستة أعمال حركية مختلفة, تقيس السرعة اليدوية وزمن الرجع, وتؤكِّد نتائج هذا البحث ظهور التدهور في السرعة مع التقدم في السن؛ ففي السرعة اليدوية كان أولئك الذين بلغوا الثمانينات أبطأ من الشباب في العشرينات بمعدل يمتد بين ٥٠%-٦٠%, بينما كانت نتائج زمن الرجع أفضل، فلم تظهر بعض مقاييسه تدهورًا مع العمر إلّا عند سن السبعين.
ومن الملاحظ بصفةٍ عامَّةٍ أن آثار التقدم في السن في النشاط الحسي والكفاءة الحركية عند الراشدين الأصحاء أقل مما نلاحظه من هذه الآثار بالنسبة إلى كفاءة العمليات العصبية المركزية "ومنها العمليات المعرفية التي سوف نتناولها فيما بعد"، وهي العلميات التي تنظم المعلومات التي تستقبلها الحواس, وأنماط النشاط التي يتم التعبير عنها بالحركة أو الكلام، وبالتالي ربط الفرد بالبيئة.
العلاقة بين العمر والمهارة:
من أفضل الدراسات حول العلاقة بين المهارة والتقدُّمِ في السن ما قام به فريق من علماء النفس الإنجليز بقيادة ولفورد "Welford, ١٩٥٨" "والتي نشرت عام ١٩٥٨ كتقرير نهائي لوحدة بحوث نفيلد حول مشكلات المسنين", ويبدأ هذا التقرير بالقول بأن أعضاء الجسم وعملياته تزود الإنسان "بالميكانيزمات البيولوجية" التي تجعل الأداء الماهر ممكنًا، فالذراع يمتد, والأصابع تمسك بمقبض الفنجان, ثم تحمله إلى الشفتين، والعينان تمسحان الطريق أثناء قيادة السيارة, وتسجلان ظهور سيارة أخرى, ويحاول علماء النفس الربط بين مفاهيمهم ومناهجهم وتلك التي تتوافر عند علماء الفسيولوجيا والتشريح، وقد توجد هذه الرابطة صريحةً في بعض الأحيان "كما هو الحال في زمن الرجع والتعلّم"، أو مضمرة "كما هو الحال في بعض صور الذاكرة والتفكير".
والواقع أن سلوك الفرد هو نتاج جزئي لسلسلة معقدة طويلة من التفاعلات بين الميكانيزمات الفسيولوجية والبيئة المحيطة, وتبدأ هذه كما أشرنا كثيرًا منذ لحظة تكوين الجنين, ولا تنتهي إلّا بالموت.
ولدراسة مشكلة آثار التقدُّم في السن قام ولفورد وزملاؤه بفرض أنواع
стр. 588
مختلفة من الضغوط والقيود على أداء الفرد, ثم ملاحظة كيف يتغير نمط السلوك, وفي هذا يختبر المفحوصون حتى يصلوا إلى الحدود الفسيولوجية لأدائهم لعملٍ معينٍ, أو إلى ما يقرب من هذه الحدود, ويمكن الكشف عن أيّ ضعفٍ في أدائهم من عدد من المؤشرات هي:
١- التغيرات في أنواع الأخطاء وعددها.
٢- التغيرات في تنظيم السلوك.
٣- التغيرات في مقدار الزمن المطلوب لأداء العمل وتوزيع هذا الزمن.
ولكيّ نوضِّح طريقة ولفورد وزملائه في البحث نعطي مثالًا من إحدى تجاربه النموذجية, وفيها يرى المفحوصون مثيرات تتألف من مجموعة متحركة من الخطوط المتوازية التي تتعرج بطريقة غير متوقعة على نحوٍ شبيهٍ بمنحنيات طريق غير مألوف, ويقدّم للمفحوص عجلة قيادة وبدال سرعة يستخدمها لتحريك مؤشر بين الخطوط المتوازية, وفي مثل هذا العمل يمكن اختزال آثار التتبع بإحدى طرق ثلاث:
١- إبطاء معدل حركة العرض البصري.
أو٢- زيادة المسافة الأمامية بما يسمح للمفحوص بالرؤية الواضحة.
أو ٣- تغيير حساسية جهاز التحكم في حركة المؤشر.
ويمكن للباحث تغيير هذه الشروط وغيرها؛ بحيث يختبر المفحوص عند حدود قدرته, وقد وجد الباحثون أن الخلل الذي يطرأ على ميكانيزمات البصر والسمع والتآزر العضلي "مما أشرنا إليه فيما سبق" يمثل بالطبع قيودًا على المستوى الأقصى لأداء الفرد, أما نقصان القدرة فإنه لا يظهر بوضوحٍ إلّا إذا حدث تدهور فسيولوجي سريع يؤدي إلى عجز قدرات الفرد عن مقابلة مطالب المهام المعتادة، أو كانت المطالب المتشددة تفرض من خلال مهام صعبة؛ بحيث أن الحدود يمكن أن تظهر بوضوح "في صورة خطأ أو حذف أو إرجاء للأداء". وباختصارٍ, فإن أداء الأعمال في الظروف المعتادة لا يظهر بالضرورة تدهورًا في قدرات الشخص المتقدم في السن, ولكن حين يختبر هذا الشخص عند حدود قدرته, فإن تدهور القدرة يكون أكثر وضوحًا.
ومعدل الأداء الذي يجده الفرد طبيعيًّا وملائمًا وكفؤًا يُسَمَّى السرعة المثلى optimum pace، وهي السرعة التي يؤدي بها الفرد العمل بكفاءة دون أن يشعر
стр. 589
بأنه تحت ضغطٍ أو إلحاحٍ, أما معدل الأداء الذي يستطيع الفرد أن يصل إليه ولا يتعداه فيُسَمَّى السرعة القصوى maximum pace, وهو الحد الأعلى للمعدل الذي يعمل به الفرد, والعمل عند هذه الحدود العليا أو بالقرب منها, يفرض قيودًا وضغوطًا تؤدي إلى الخلط والتعب والتوتر والخطأ والحذف والتذبذب في الأداء, وبالطبع فإن آثار التدهور الجسمي والعقلي المرتبطة بالعمر يمكن دراستها بوضوحٍ في علاقتها بالأداء الأقصى؛ لأن معظم أعمال الحياة اليومية تفرض مطالب أدنى من المستوى الأقصى, وبالطبع نحن ندفع أنفسنا أحيانًا إلى هذا الحد "كما هو الحال في الألعاب الرياضية"، ولكننا في أغلب الأحوال نشعر أن الأداء "الأمثل" هو الأفضل، وندخر أداءنا الأقصى لتلك المواقف التي تحتاج لبذل جهد خاصٍّ، أو حين نريد "اختبار حدودنا" في الأداء.
ومع التقدُّم في السن تتناقص الفروق بين المستويين الأمثل والأقصى, فإذا سألنا مجموعتين متكافئتين؛ إحداهما من الراشدين الشباب, والأخرى من المسنين, أن يكتبوا الحروف الأبجدية بسرعتهم العادية والطبيعية, فإننا نرى أن المعدل العادي للمسنين أقل قليلًا من الشباب, فإذا طلبنا من المجموعتين كتابة هذه الحروف بأسرع ما يمكن, سنجد أن الشباب يظهرون زيادة كبيرة في الأداء, بينما المسنين لا يتحسن إنتاجهم إلّا قليلًا. وهكذا نستطيع القول أن الفروق في الأعمار تزيد في الأداء الأمثل، ويفسر لنا هذا ما لوحظ أن المسنين يظهرون كفاءةً في بعض المواقف دون البعض الآخر, كما أن التذبذب في القدرة "أي: أن يظهر الشخص كفاءة في بعض المواقف دون البعض الآخر" يزيد أيضًا مع التقدم في السن.
والتغيرات في الأداء الماهر التي ترتبط بالعمر تغيرات تدريجية تراكمية، وقد لا يعي الشخص المسن أحيانًا ما طرأ على سلوكه؛ لأن من النادر أن يواجه المواقف التي تختبر قدرته, وقد يشعر بالدهشة أو الإحباط حين يكتشف أنه يحتاج إلى نظارة أو سماعة أذن، أو أنه لا يستطيع المنافسة المتكافئة في الألعاب الرياضية مع أشخاص أصغر منه سنًّا.
ويميز ولفورد عدة آثار للتغيرات المرتبطة بالعمر في النواحي البيولوجية وهي:
١- فشل التوافق كلية: فالشخص المتقدم في السن قد لا يستطيع تعلم تشغيل آلة جديدة أو القيام بعمل جديد.
٢- قد لا يفشل تمامًا إلّا أن الكفاية قد تقلُّ فتظهر أخطاء أكثر.
стр. 590
٣- قد تستمر كفاية التوافق بالرغم من نقصان الاستعدادات البيولوجية، فقد يغيّر الشخص المسن من سلوكه أو محيطه ويعوّض نقائصه.
٤- قد لا يظهر الشخص المسن أيّ نقصان في الأداء؛ لأن العمل لا يزال في متناول استعداداته السيكولوجية والبيولوجية.
٥- قد يلجأ الشخص إلى المبالغة في تعويض نقصان الكفاءة, ويحقق بذلك تحسنًا فعليًّا في الأداء, وذلك باستخدام التمرينات البدنية وتغيير نظام التغذية، والإقلاع عن التدخين على سبيل المثال، وبهذا يتحسّن أداؤه عَمَّا كان عليه من قبل.
وبالطبع يمكن للمسنين أن يحسنوا أداءهم الحركي, وذلك بإعادة التدريب على المهارات التي أهملت في الماضي, إلّا أننا يعوزننا الدليل الإيجابي على هذه المسألة، فقد أوضحنا أن الموارد الجسمية والعقلية عند الراشدين تتدهور مع العمر، ومع ذلك يمكن القول: إن بعض المسنين ربما يكونون قد تدربوا في صغرهم على استخدام مواردهم بطرق أكثر فعالية, وقد أشرنا إلى أن الفرق بين الأداء "الأمثل" والأداء "الأقصى" يكون كبيرًا عند صغار الراشدين، وبهذا يمكن القول: إن من السهل تحقيق تحسينات جزئية في الأداء عن طريق بذل جهد أكبر, أو استخدام طريقة أفضل.
ومن المعلوم أن الشخص الذي يكون انتباهه واهتمامه مركَّزَيْنِ على عملٍ ما, لا يستطيع الانتباه لأشياء أخرى حين تكون مطالب المهمة عند حدود القدرة أو تتعداها، وفي هذه الحالة لا يستطيع حتى أن يفكر في التفاصيل للمهمة ذاتها، والشخص المسن الذي يؤدي أداء يقترب من حده الأقصى, لا تتوافر لديه موارد جديدة يوزعها على أنشطة أخرى غير ذلك تلك التي ينشغل بها.
المهارات المعقدة:
من المهارات التي اهتم بها ولفورد عام ١٩٥٨ في تحليله الشهير للتعلُّم الحركي وعلاقته بالعمر, ما يسميه عملية الترجمة Translation, وفيها تستخدم قواعد ذهنية معينة متعلمة لأداء المهمة قبل صدور الاستجابات الملائمة, وفي بعض الأحيان قد تكون قواعد العمل محددة وموصفة؛ كما هو الحال في تعليمات الاختبارات, أو في العروض البصرية التي يدركها المفحوص, ومعنى الترجمة هنا أن الشخص يحوّل النص اللغوي إلى أداء عملي عند القيام بالمهمة, إلّا أنه في شئون الحياة اليومية تكون هذه القواعد مضمرة؛ فقائد السيارة لا يقودها وأمامه كتاب "كيف تقود السيارة", إلّا أنه في كثير من
стр. 591
المجالات الصناعية والمهنية حيث تكون الأخطاء خطيرة ومكلفة يعتمد مشغلو الآلات اعتمادًا كبيرًا على تعليمات شكلية مكتوبة.
وتؤكد التجارب التي أجراها ولفورد أن المسنين لا يستفيدون كثيرًا من التعليمات المكتوبة لأنها تضيف تعقيدات إلى الأعمال الصعبة, وهذه التعليمات أكثر جدوى حين يكون الفرد على درجة ملائمة من الكفاءة، فتفيد في زيادة سرعة أدائه وإنقاص المخاطرة بالخطأ، إلّا أنها ليست بديلًا عن المهارة العملية ذاتها, وهكذا فإن سبب عدم استفادة المتقدمين في السنِّ من التعليمات الصريحة ليس في أن هذه التعليمات غير مفيدة، ولكن لأنها سابقة للأوان؛ فالمسنون يفضلون تعلُّم المهارة على طريقتهم وبسرعتهم الخاصة، حتى أنه في المراحل المبكرة للتعلُّم نجد أن الأساليب الروتينية "التي يمكن أن يحصِّلُوها مع الوقت" لا تكون ملائمة دائمًا لهم, وحيث إن معينات الذاكرة عادةً ما تكون مفيدة في الأداء الماهر, فلا بُدَّ من تدريب الأفراد المسنين على استخدامها، وخاصةً حين يكون هناك الكثير مما يجب تذكره، وحين يكون ترتيب سلسلة الأفعال هامًّا، وحين يكون الوقوع في الخطأ خطيرًا.
ويصف ولفورد تجربة يطلب فيها من المفحوصين أن يقذفوا بحلقات قصيرة من سلسلة وتصويبها إلى صندوق يقع على مسافة بعيدة نسبيًّا, وفيها وجد أنه لا تُوجَد فروق عمرية في الأداء, بشرط أن تكون العلاقة بين العرض الإدراكي والاستجابة مباشرة، إلّا أنه حين تكون هذه العلاقة غير مباشرة, وذلك عن طريق إخفاء الهدف بشاشة, وإجبار المفحوص على رؤيته في مرآة، لُوحِظ أن الأشخاص الأكبر سنًّا يكونون أقل دقة وأكثر بطأً في التصويب.
وإذاكان على المفحوص "ترجمة" الموقف, فإن أيّ تعقيدٍ يطرأ عليه يؤدي إلى مزيدٍ من البطء, ويزيد أيضًا من احتمال الخطأ, ويصدق هذا على الراشدين الصغار أيضًا، إلّا أنه أكثر وضوحًا عند المسنين, فإذا تعارضت عملية الترجمة مع قواعد العمل المحددة تحديدًا مسبقًا, فإن صعوبات جديدة سوف تنشأ, ويُسَمَّى هذا أحيانًا بالانتقال السالب لأثر التدريب, فليس من المستغرب أن نلاحظ بعض التصلُّب والجمود في النشاط الحركي للراشدين الأكبر سنًّا الذين يعملون في مثل هذه الظروف، ولهذا يكون من الصعب عليهم التخلي عن طريقة خاطئة والتحول إلى طريقة صحيحة للعمل, ومن الشائع أيضًا أن نجد أن الراشدين الكبار لا يرغبون في أغلب الأحوال في استبعاد طرق قليلة الكفاية يمارسونها ممارسةً متكررةً, وإحلال طرق جديدة أكثر فعالية محلها.
стр. 592
وفي مواقف الاختبار -وكذلك في مواقف التدريب- يكون الراشدون الصغار أكثر استرخاءً وتحررًا من التوتر، بينما نجد المسنين أكثر اندماجًا في العمل, ويظهرون اهتمامًا أكبر به, وقد يفسِّرُ هذا نقصان القدرة عند الفئة الأخيرة، وقد يحدث هذا نتيجة رغبة الشخص المسِنِّ في أن يقلل من المخاطرة بالخطأ، وقد يكون دفاعًا انفعاليًّا ضد الفشل.
وفي مهام التعلُّم التي يظهر فيها المسنون أداءً أقل جودةٍ من الراشدين الصغار, يبدو أن هذه الفروق تكون في الدرجة وليس في النوع؛ فالوقت المستغرَق في تتبع مسار معينٍ, أو في الاستجابة معكوسة "كما يرى الشكل في المرآة" مثلًا يتحسن بالممارسة, وبالطبع فإن أداء الراشدين الصغار يكون أفضل من أداء الكبار، إلّا أن الاتجاه نحو التحسُّن خلال التعلُّم هو نفسه عند كلٍّ منهما. وقد قام بروملي "Bromley, ١٩٥٨" بتجربة يتعلم فيها الفرد سلسلة من الاستجابات الاعتباطية نسبيًّا, وبشرط أن يكون ترتيب ظهور كل استجابة هامًّا, فوجد أن تعلُّمَ الاستجابات المبكرة والمتأخرة في السلسلة أسهل من الاستجابات المتوسطة، ويُسَمَّى هذا في ميدان علم النفس التجريبي "أثر الموضع التسلسلي" serial position effect, وهو أكثر ظهورًا حين تكون السلسلة طويلة, أو يكون الأداء سيئًا, وقد وجد بروملي أن التعلم الصم عند الراشدين الكبار أقل كفاءة منه عند الراشدين الصغار، إلّا أن أثر الموضع التسلسلي لم يتغير في الحالتين, ومعنى هذا أنه يصعب علينا التمييز بين أداء الفريقين في التعلُّم الصم إذا كانت درجاتهما قابلة للمقارنة, إلا أن هذا لا يعني أن أنواع الأداء الأخرى تتشابه عند المجموعتين في عدم التمييز؛ فالتقدم في السن ينتج تغيرات في "بنية" الأداء أو "كيفه".
ويؤكد ولفورد أن العمليات الحسية والحركية في المهارة أقل أهميةً نسبيًّا بالمقارنة بعمليات الترجمة المضمرة التي تتوسط بينهما, والروابط غير المباشرة بين عرض المثيرات وقواعد فهمهما, أو الاستجابة لها لا تقتصر على الأعمال المعملية؛ فبعض الأعمال الواقعية يتضمن درجة من "المسافة النفسية" بين الإنسان والعالم الحقيقي, والإنسان يتعامل مع العالم بواسطة عملية الترجمة التي أشرنا إليها، وهذه العملية تمتد في مدى واسع ابتداءً من علاقة الترابط والتداعي بين المثير والاستجابة, وهي علاقة بسيطة نسبيًّا، إلى المفاهيم والطرق الرمزية, وفي هذا يجب التمييز بين مرحلتين: مرحلة الاكتساب والإنتاج, ومرحلة الاستخدام والاحتفاظ والاسترجاع؛ فالمرحلة الأولى تتطلَّب قدرًا من الاستعداد.
стр. 593
العام للتعلم حتى يمكن للفرد أن يكتسب قواعد الترجمة، بينما لا تتطلب المرحلة الثانية ذلك, ولهذا فإن أداء مهام المهارة المعقدة "كالتعامل مع الأشكال كما تبدو في المرآة" قد يكشف في نفس الوقت العجز العقلي عند المسنين, بينما لا تفيد في ذلك المهام التي لا تتطلّب أكثر من الحفظ والاسترجاع.
ويوجد نوعٌ آخر من "الترجمة" يتمثّل في الانتقال من أحد وسائط الحس إلى وسيط آخر؛ ففي بعض الألعاب الرياضية يكون للإحساس بالتوازن وإحساساتنا من العضلات والمفاصل أهميةً في تحديد الاستجابة، إلّا أن المهارة قد تتطلَّب استخدام معلومات حواس البصر أو السمع، أو ما يُسَمَّى التغذية الراجعة الحسية، التي هي في جوهرها من نوع تعزيز التعلم, ومن الطريف أن نذكر أن هذا النوع من التعزيز ليس له أثرٌ يذكر في أداء المسنين، والسبب في هذا لا يرجع في جوهره إلى الفشل في استخدام هاتين الحاستين, وإنما إلى الفشل في الترجمة الملائمة من المثير البصريّ أو السمعيّ إلى الإحساس بالحركة والشعور بالتوازن, وكثير من مواقف العمل تتطلب هذا التعقد في الأداء من بدء العمل حتى اكتماله, وبالطبع فإن المهارات رفيعة المستوى تتطلب ترجماتٍ كثيرةٍ بين وسائط حسية عديدة, ولذلك فإن هذه المهارات المعقَّدَةِ يصعب على المسنين إتقانها أو الاحتفاظ بها.
ويوجد نوع ثالث من الترجمة يتصل بنظام عرض المثيرات وطرق الاستجابة؛ فمثلًا قد تتطلَّب المهمة أن يكون عرض المثيرات رأسيًّا وأن تصدر الاستجابات أفقيًّا، كما هو الحال عند التعامل مع صور شاشة أفقية للرادار. ويصف ولفورد تجربةً استخدم فيها جهاز يتألف من سطرٍ من اللمبات الأفقية أرقامها "منتظمة" بالترتيب من ١-١٢, يتم تشغيلها بسطرٍ من المفاتيح الأفقية أيضًا مرقمة "عشوائيًّا", وهيأ ولفورد ثلاثة شروط مرتبة حسب درجة الصعوبة "من الأصعب إلى الأسهل" كما يلي:
١- توضع بطاقة بأرقام المفاتيح فوق لوحة المفاتيح مباشرة.
٢- توضع هذه البطاقة في منتصف المسافة بين اللمبات والمفاتيح.
٣- توضع هذه البطاقة تحت اللمبات.
وقد وجد الباحث أن في هذا الموقف التجريبي تصدر عن المسنين أنواع مختلفة من الأخطاء، ومن ذلك أن المفحوصين قد يربطون بين البطاقة المرجعية واللمبات بدلًا من المفاتيح، أو يستغنون عن استخدام البطاقة، أو يستخدمونها
стр. 594
مرتين, وقد ينشأ بعض هذه الأخطاء من المحاولات الطبيعية عند المفحوصين لتبسيط العمل "حتى يجعلوه في نطاق كفاءتهم" مما ينجم عنه سلوك مضطرب أو غير ملائم, وقد لاحظ ولفورد أن كلًّا من الوقت المطلوب للأداء والأخطاء التي تصدر عن المفحوص, يزيدان زيادةً حادةً عند المسنين حين يعملون في الظروف الصعبة. وكان الظرف الأول هو أصعب الظروف بالطبع, ومنشأ الصعوبة فيه أنه يتطلب عمليتين مختلفتين، أولاهما: ترجمة رمزية من مصدر الضوء إلى الرقم المسجَّل في البطاقة المرجعية، وثانيتهما: الترجمة المكانية من الموضع في بطاقة مرجعية بعيدة إلى نفس الموضع أيضًا في صف المفاتيح, وفي رأي ولفورد أن كلًّا من هاتين الترجمتين على حدةٍ تؤدي إلى نقصٍِ كبيرٍ في الأداء مع التقدم في السن، إلّا أن استخدامهما معًا يؤدي إلى نقص أقل مع زيادة العمر, وقد لوحظ أن إضافة صعوبة جديدة للعمل يؤدي إلى مزيدٍ من التدهور في أداء المسنين, ويُعَدُّ ذلك أحد العوامل التي يجب مراعاتها في تدريب المسنين على المهارات الحركية, ولا شكَّ في أن الزيادة في الوقت المستغرق في الأداء, وفي عدد الأخطاء التي تصدر عن المفحوصين المسنين عند أداء الأعمال التي تتطلب عمليات معقدة من الترجمة والتنظيم, قد ترتبط بالفقدان التدريجي والتراكمي لخلايا المخ.
وحين توضع بطاقة أرقام المفاتيح مباشرة تحت الأضواء "الظرف الثالث وهو أسهل الشروط الثلاثة" لم يجد ولفورد فروقًا دالَّةً بين الراشدين الصغار والمسنين في زمن الرجع وفي درجة الخطأ, أما حين تتحرّك الأضواء بعيدًا إلى الخلْف يزيد زمن رجع المسنين, بينما تقل أخطاؤهم، وحين أدير صف الأضواء ليصبح أفقيًّا، مع بقاء صف المفاتيح أفقيًّا, ووجود بعض المسافة بينه وبين الأضواء, فإن زمن رجع المسنين يزداد زيادة كبيرة، إلّا أن أخطاءهم ظلت متساوية تقريبًا مع أخطاء الراشدين الصغار.
وفي عدة تجارب أخرى مماثلة وجد ولفورد أن الفروق في العمر -سواء بالنسبة للزمن أو عدد الأخطاء- عند اكتساب المهارة لا تكون دالة حين يكون كلٌّ من العرض البصريّ والحركات في المستوى الأفقي، إلّا أن هذه الفروق تزداد زيادة كبيرة حين يصبح العرض رأسيًّا والحركات في المستوى الأفقي, وهي نتائج تؤكد أن العجز الملاحظ في الأداء الماهر مع التقدُّم في السن يرجع في جوهره إلى تدهور عمليات الترجمة المركزية, وليس إلى القصور الحسي أو الحركي في ذاتهما. وعلى كلٍّ فهذه النتائج لا تزال في حاجة إلى مزيد من البحوث لتدعيمها، كما أنها في حاجةٍ إلى اختبارٍ في بيئتنا وثقافتنا.
стр. 595
التغير العقلي المعرفي
مدخل
...
التغير العقلي المعرفي:
إن الصورة النمطية للمسنين أنهم يفقدون معظم يقظتهم الذهنية وقدرتهم العقلية مع التقدم في السن, فمن الشائع مثلًا أن المسنَّ لا يستطيع أن يلتقط الأفكار بسرعة أو يتذكرها بدقة, كما يتوقع منه ألّا يكون قادرًا على "إنتاج الأفكار" أو المبادأة بها، كما لا يُتَوقَّعُ منه أن يكون مبدعًا, وللتحقق من هذه الصورة النمطية قام علماء النفس في السنوات الأخيرة بسلسلةٍ كبيرةٍ من البحوث حول الذكاء والنشاط المعرفي في مرحلة المسنين, وعلى الرغم من أن نتائج البحوث في هذا المجال لا تزال خلافية، إلّا أنها هيَّأَتْ لنا الفرصة للوصول إلى استنتاجٍ واضحٍ للغاية, خلاصته أن التدهور العقلي السريع ليس حتميًّا بالضرورة لدى الشخص المسن السوي.
والمكون الذي حظي بأكبر قدر من الاهتمام من النشاط العقليّ لدى المسنين هو الأداء في اختبارات الذكاء, وكما أوضحنا في الباب السابق يوجد خلافٌ حادٌّ حول التدهور الملاحظ في الذكاء خلال منتصف العمر, وكذلك في الشيخوخة؛ فالدراسات المستعرضة تسجّل تناقصًا في الأداء الاختباري, يبدأ مبكرًا منذ العقد الثالث من حياة الإنسان، بينما تدل الدراسات الطولية على استقرار نسبي في معظم الوظائف العقلية حتى العقد الخامس من العمر، بعده يلاحظ تدهور بطيء ولكنه منتظم, وبالإضافة إلى ذلك فإنه حتى حين يُلَاحَظُ النقص في أداء الاختبارات العقلية، فإن ذلك لا يحدث عادةً إلّا في المجالات التي تقيس القدرات الإدراكية والذاكرة والاستدلال الاستقرائي "أو ما يُسَمَّى الذكاء السائل", وكذلك المجالات التي تؤكد المهارات الحركية وسرعة الاستجابة, أما المعرفة الاجتماعية والقدرة اللغوية والاستدلال الحسابي "وكلها من نوع الذكاء المتبلور", فإنها لا تتأثر إلّا قليلًا بعملية التقدم في السن في ذاتها، ولا يظهر التدهور فيها إلّا في أواخر السبيعنات من العمر "١٩٤٤ ,Schaie".
وإذا كان الأداء العقلي يتناقص في الشيخوخة -حتى ولو كان في مجالات معينة -فإنه يبدو صحيحًا أن نقول: إن هذا النقص يظهر بنفس الدرجة عند جميع الناس, ومن الفروض الطريفة أن "التقدم في السن لا يؤثر كثيرًا في الأشخاص الأكثر قدرة منذ البداية، أي: أن المفحوصين ذوي القدرة العالية منذ شبابهم يظهرون تدهورًا أقل في الشيخوخة إذا قورنوا بالأشخاص الأقل قدرة, وحيث إن القدرات العالية تميل إلى الارتباط بالمستويات العالية من التعليم, فقد اقترح أيضًا أن الأشخاص الأعلى في المستوى التعليمي يتعرضون لتدهور أقل في الشيخوخة.
стр. 596
ومن الدراسات التي دعَّمَت هذين الفرضين تلك التي قام بها Blum & Jarvik ١٩٧٥" في دراسة تتبعية استمرت عشرين عامًا حتى وصل مفحوصوهما من ذوي المستويات المختلفة من القدرة إلى سن الثمانين.
ويرى الباحثان أن محافظة المرء على نفسه بأن يظل يقظًا ذهنيًّا ونشطًا عقليًّا طوال حياته, تساعده على مقاومة ما يمكن أن يطرأ على نشاطه العقلي من تدهور, بل إن المسنين الذين تتوافر فيهم هذه الشروط قد يكون أداؤهم العقلي أفضل ممن هم أصغر سنًّا, وخاصةً في المواقف التي تتطلَّب الاستفادة بالخبرة, ومعنى ذلك أن الجزء المتأخر من حياة الإنسان "الشيخوخة" يقدم من خلال الخبرة حمايةً له من التدهور العقلي, وقد دعمت هذا الرأي دراسة تالية قام بها "Schultz, et al., ١٩٨٠" الذين وجدوا أن الأفراد الذين استمروا في استخدام وتوظيف قدراتهم العقلية على نحوٍ منتظمٍ طوال سنوات عمرهم المتأخرة, كان تدهور الذكاء لديهم أقل احتمالًا في الحدوث.
وبالطبع هناك فروق فردية في معدلات التدهور العقلي والمعرفي لدى المسنين, وتوجد عوامل تؤدي لذلك؛ بعضها يمكن أن يكون موضوعًا للتدخل التجريبي, ويلخص "Schaie, ١٩٩٤" هذه العوامل فيما يلي:
١- التحرر النسبي من أمراض الجهاز الدوري والأمراض المزمنة.
٢- توافر بيئة ملائمة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية.
٣- الاندماج في بيئة عقلية معقدة ومثيرة للاهتمام.
٤- توافر أسلوب مرن للشخصية, وخاصةً في مرحلة منتصف العمر.
٥- وجود رفيق عمر من مستوى معرفي مرتفع.
٦- المحافظة على مستوى سرعة التجهيز الإدراكي.
ونعرض فيما يلي نماذج من البحوث التي أجريت حول بعض المسائل في هذا الموضوع الهام.
стр. 597
أولًا: التدهور في القدرات العقلية
من المعتاد أن يبدأ تدهور القدرات العقلية في مرحلة منتصف العمر "التي وصفناها في الباب السابق"، ويستمر بعد ذلك، وكما هو الحال في كل صور التدهور الجسمي والسلوكي في مرحلة الشيخوخة, توجد اختلافات فردية واسعة في العمر الذي يبدأ عنده التدهور العقلي، ولا يوجد عمر واحد ثابت يبدأ عنده هذا التدهور عند الجميع، كما لا يوجد نمط عام لهذا التدهور نجده في جميع المسنين أيضًا ويتحكم في هذه الفروق الفردية التي عرضناها توًّا, إلّا أننا بصفة عامة نقول -كما قلنا من قبل: إن معدل هذا التدهور يكون أقل لدى ذوي القدرات العقلية العليا من ناحيةٍ, ولدى أولئك الذين يواصلون نشاطهم العقلي في العمر الثالث من حياتهم من ناحيةٍ أخرى.
ويعتمد معدل التدهور العقلي إلى حدٍّ كبير على الظروف الجسمية والصحية للإنسان, كما أن نقصان الاستثارة البيئية يترك آثاره في الإسراع بمعدل هذا التدهور, كما تؤكد الدراسات أن المسنين الذين يستمرون في أداء عملٍ ما, تظل وظائف المخ لديهم في حالة نشاط، وبالتالي يؤدون أداءً جيدًا في اختبارات الذكاء. ولعلنا ننبه هنا إلى أن الأنشطة العقلية التي تعتمد على عنصري الزمن والسرعة تعتبر غير ملائمة للمسنين، وهو مبدأ يتفق مع ما ذكرناه آنفًا عن البطء النسبي في سلوك المسن وحركاته.
الذكاء العام والإستدلال:
تؤكد البحوث التي أجريت على الذكاء العام أن الكفاءة العقلية العامة للمرء تظل ثابتة نسبيًّا حتى أوائل الخمسينات, ثم تبدأ في التدهور ببطء مع تقدم الإنسان نحو سن الستين, ومن تحليل القدرات العقلية المختلفة المتضمنة في اختبارات الذكاء التي تطبَّقُ على المسنين, وُجِدَ أن أوضح صور التدهور تظهر في الاختبارات التي تتطلَّبُ التعلُّم وإدراك علاقات جديدة، وتكون أقل ما تكون في اختبارات المعلومات العامة واستخدام الأعداد والمفردات اللغوية, ويفسر ذلك بأنه في المهامِّ التي تتطلّب من المسنِّ نوعًا من التعليم الجديد؛ فإنه يكون أكثر حذرًا, ويتطلّب وقتًا أطول ليحدث التكامل بين استجاباته، ويكون أقل قدرة على التعامل مع المواد الجديدة التي لا تتكامل مع خبراته السابقة.
ومع زيادة تركيب العمل وتعقده يحتاج المسنون إلى وقت أطول لأدائه، ومع ذلك يكونون أقل دقة "كما يتمثّل ذلك في زيادة عدد الأخطاء"، ويزداد عندهم الخلط الذي يعوق تنظيم موضوع التعلُّم على نحوٍ له معنى.
وتتدهور القدرة على الاستدلال بمعدَّلٍ أسرع من القدرات اللغوية والعددية, وهذا التدهور يظهر في كلٍّ من الاستقراء والاستنباط على حَدٍّ سواء, ويفتقد المسنون تدريجيًّا القدرة على التفكير المستقل والتفكير الابتكاري, ويظهرون قدرةً محدودةً على أداء الأعمال المجردة.
ومن الدراسات الهامة التي أجريت على الاستدلال المنطقي تلك التي قام بها "Papalia, ١٩٧٢", والتي عرض فيها على عينات من المفحوصين تمتد أعمارهم
стр. 598
بين ٦ سنوات، ٦٥ سنة وما بعدها, بطريقة من مهامِّ بياجيه من نوع بقاء الكم "تشمل الأعداد والكتلة والوزن والحجم", وقد وجد الباحث أن المسنين أظهروا مستوى أداء أكثر انخفاضًا من غيرهم من جماعات الراشدين, وخاصةً بالنسبة للمفاهيم الأكثر صعوبة، وعلى وجه الخصوص بقاء الحجم؛ حيث لم يجب إجابة صحيحة إلّا ٦% فقط من أفراد المجموعة العمرية التي بلغت ٦٥عامًا وما بعدها, وقد وجد أيضًا أن أشد تدهور في الأداء والذي أظهر اتساقًا واضحًا لدى المسنين, ما يتصل بقدرات التفكير باستخدام العمليات الصورية، وهو أرقى صور الاستدلال في نموذج بياجيه "Clayton & Overton, ١٩٧٦", وقد أدت هذه النتائج إلى صياغة فرض طريف وهامٍّ, وهو أن القدرات الأكثر حداثة في الظهور في نموِّ الإنسان -ومنها العمليات الصورية، هي الأسرع في التدهور خلال العمر الثالث للإنسان, والسؤال الآن: هل يحدث هذا التدهور الذي يعود بالإنسان إلى مراحل نموه الأولى من جديد, ويتحقق فيه قول الله : ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: ١٨] بالتتابع, أم أنه يحدث طفرة؟ سؤال يحتاج إلى إجابة تجريبية واضحة عليه.
التصلب المعرفي والتعلم:
ويزداد في هذه المرحلة التصلّب المعرفي الذي تظهر بوادره في مرحلة وسط العمر, وتوجد في هذه الخاصية فروق بين الجنسين؛ فالرجال بصفة عامة أكثر مرونة من النساء، وقد يرجع ذلك إلى الفرص الأكثر عددًا وتنوعًا التي تتاح لهم خلال مرحلة الرشد, مما يجعلهم في تكيفهم للمواقف الجديدة أكثر قدرة من النساء, ويعين هذا على مزيدٍ من المرونة المعرفية, وترجع الزيادة في التصلُّب المعرفي بوجهٍ عامٍّ في هذه المرحلة إلى بطء التعلّم وصعوبته، ولهذا نجد المسنّ يلجأ في تناول المشكلات إلى الحلول الروتينية المعتادة التي يألفها.
ففي دراسة قام بها "Craik & Tereub, ١٩٨٠" Battes & Willis واهتما فيها بدرجة المرونة العقلية لدى المسنين عرفًا, هذه المرونة بمدى الأداء العقلي الذي يظهره الشخص في شروط بيئية مختلفة, فبعد استخدام إجراءات مكثفة للتدريب على إثراء النشاط العقلي للمفحوصين, وجدا أن المسنين لديهم مستوى مرتفع نسبيًّا من المرونة العقلية، أي: أن أداءهم للقدرات غير المستخدمة يمكن أن يتحسن بشكل واضح خلال برامج التدخل والتدريب, وهذه النتائج لها تضمينات عملية واضحة لتعليم, وإعادة تدريب المسنين. والقول بتعليم المسنين ليس غريبًا؛ ففي السنوات الأخيرة -مع التوسع في فتح فصول الخدمة العامة
стр. 599
والتدريب المستمر- يلتحق بعض الشيوخ بعد تقاعدهم في هذه الفصول، على الرغم من القول الذي شاع لقرون طويلة من أنك "لا تستطيع أن تعلِّم المسن حيلًا جديدة", فإن هذا القول إن صدق على الحيوان فلا يمكن تطبيقه بكلِّ تأكيدٍ على الإنسان في مرحلة الشيخوخة؛ فالمسنون يستمرون في استقبال المعلومات الجديدة, ويقومون بتوافقات ملائمة للحياة حتى نهايتها، وتطرأ على سلوكهم تعديلات مستمرة، وهذا هو جوهر التعلّم.
ومن ناحيةٍ أخرى, فإن ذلك لا يعني أن التعلُّمَ لدى المسنين يشبه تمامًا تعلُّمَ الراشدين الأصغر سنًّا؛ فنتائج البحوث التي تراكمت طوال العقود الماضية تؤكِّدُ أنه يوجد نقص مرتبط بالعمر في القدرة على اكتساب وتذكر المعلومات, والمسألة الحاسمة بالنسبة لعلماء النفس ليست ما إذا كان المسنون يتعلمون أم لا، ولكن كيف يجهزون المعلومات في سياق التعلّم, وما هي الشروط التي يحدث فيها خلل في تجهيز هذه المعلومات؟
تؤكد البحوث أن المسنين يواجهون صعوباتٍ كبيرة في تجهيز المعلومات الإدراكية إذا قورنوا بالراشدين الأصغر سنًّا, ومن أسباب ذلك أن القدرة على تجهيز المعلومات البصرية تصبح أبطأ مع التقدم في السن "Hoyer & Plude, ١٩٨٠", ويمكن التحقق من ذلك بسهولة في تجارب الحجب البصري Visual masking, ومن أمثلة ذلك عرض مثير بصري معين "وليكن شكلًا مربعًا أحمر" لفترة قصيرة, ثم إتباعه في الحال بمثير بصري آخر "وليكن شكلًا مثلثًا أزرق"، فإن إدراك الشخص للمثير الأول "المربع الأحمر" يكون قد اختفى obscured أوحجب masked, والسبب في ذلك أن الأمر يتطلب بعض الوقت لتجهيز المعلومات بصريًّا "أو بأي وسيط آخر", وحين يُعْرَضُ المثير الثاني عقب المثير الأول مباشرةً يكون الشخص غير قادر على التجهيز الكامل للمثير الأول, وقد أكدت نتائج بحث هوير وبلود, أن المسنين أكثر تعرضًا للحجب البصريّ من الأصغر سنًّا؛ لأنهم لا يستطيعون تجهيز المثير الأول بسرعةٍ كافيةٍ لتجنب أثر التداخل أو الحجب, وبالإضافة إلى البطء في تجهيز المعلومات البصرية يعاني المسنون أيضًا من صعوبةٍ أكبر من الراشدين الأصغر سنًّا في تبين detection الأجزاء المنفصلة التي تكون مندمجة embeded داخل خلفية من مثير أكبر, فمثلًا لو كان هناك شكل هندسي مألوف؛ كالمثلث, مخبأ داخل تصميم أكثر تعقيدًا، فإن المسن يستغرق وقتًا أطول في تحديد موضعه من الشخص الأصغر سنًّا.,ومن المفترض أن المسنين أكثر حساسية للمنبهات السياقية في حل المشكلات, وحين يكون السياق أو الخلفية
стр. 600
يؤديان إلى غموض المثير أو التداخل مع مثيرٍ آخر, فإن أداء المسنين يتدهور.
ويرى بعض الباحثين أن نقائص التجهيز الإدراكي في مرحلة الشيخوخة قد ترتبط بمشكلات الانتباه, ويوجد مكونان للانتباه يستحقان الاهتمام في هذه المرحلة؛ هما: الانتباه الموزع والانتباه الانتقائي, ويدل الانتباه الموزع على القدرة على تجهيز أكثر من مصدرٍ واحد للمعلومات في وقتٍ واحد, ومن ذلك مثلًا: الانتباه إلى حوارات متعددة بين أشخاص مختلفين تتم في وقت واحد في موقف اجتماعي. أما الانتباه الانتقائي فعلى العكس يشير إلى قدرة الشخص على الانتباه إلى المعلومات المرتبطة وتجاهل المعلومات غير المرتبطة، ومن ذلك مثلًا: التركيز على الحديث مع شخص معين, وتجاهل الحوارات الأخرى غير المرتبطة, وضجيج الخلفية التي توجد في البيئة المباشرة, وقد أكدت بحوث "Craik, ١٩٧٧" أن المسنين يعانون صعوباتٍ جمَّةٍ في المواقف التي تتطلّب توزيع الانتباه على مصدرين أو أكثر من المعلومات, كما لَوْ لُوحِظَ أيضًا ظهور نقائص الانتباه الانتقائي "تركيز الانتباه" بين المسنين، إلّا أنها تظهر خاصةً حين يكون من الصعب التمييز بين المعلومات المرتبطة وغير المرتبطة، أي: حين يكون نوعا المعلومات على درجة كبيرة من التشابه "Farkad & Hoyer ١٩٨٠", ولذلك نلاحظ على الشخص المسنِّ أنه يعاني من صعوبة الاستماع إلى نشرة الأخبار في التليفزيون أو الراديو, بينما يتحدث الآخرون الموجودون في الحجرة في نفس الوقت.
ومن الواضح أن الراشدين يستمرون في التعلُّم في هذه المرحلة, إلّا أنه من الواضح أيضًا أن التعلُّم في طور الشيخوخة يتأثر بعدد من العوامل الهامة وهي:
١- المعدل Pacing: أي: الوقت المسموح للشخص أن يفحص فيه المثير, أو يصدر الاستجابة, ومن المؤكَّد أن شروط المعدل السريع تضع المسن في موقف صعب, وأن الزيادة في زمن الفحص والاستجابة تؤدي إلى إنقاص فروق الأداء بين الراشدين الصغار والمسنين، وقد تلغيها تمامًا, وفي الواقع فإن البحوث تؤكد أن تعلم المسنين يتأثر تأثرًا سلبيًّا بالظروف التي تتطلّب المعدل السريع, وعلى أية حالٍ حين يحدث التعلّم بمعدل بطيء, وحين يسمح للمسنين باستخدام معدلهم الذاتي فإن أداءهم يتحسن, ومن ناحيةٍ أخرى, فإن مستوى الأداء المتزايد تحت شروط المعدل الذاتي لا يساوي مستوى أداء الراشدين الأصغر سنًّا.
٢- الإفراط في الاستثارة الفسيولوجية Physiological over arousal: وهو عامل اقترحه بعض الباحثين لتفسير نقص أداء المسنين في مهام