ومن الدراسات التي دعَّمَت هذين الفرضين تلك التي قام بها Blum & Jarvik ١٩٧٥" في دراسة تتبعية استمرت عشرين عامًا حتى وصل مفحوصوهما من ذوي المستويات المختلفة من القدرة إلى سن الثمانين.
ويرى الباحثان أن محافظة المرء على نفسه بأن يظل يقظًا ذهنيًّا ونشطًا عقليًّا طوال حياته, تساعده على مقاومة ما يمكن أن يطرأ على نشاطه العقلي من تدهور, بل إن المسنين الذين تتوافر فيهم هذه الشروط قد يكون أداؤهم العقلي أفضل ممن هم أصغر سنًّا, وخاصةً في المواقف التي تتطلَّب الاستفادة بالخبرة, ومعنى ذلك أن الجزء المتأخر من حياة الإنسان "الشيخوخة" يقدم من خلال الخبرة حمايةً له من التدهور العقلي, وقد دعمت هذا الرأي دراسة تالية قام بها "Schultz, et al., ١٩٨٠" الذين وجدوا أن الأفراد الذين استمروا في استخدام وتوظيف قدراتهم العقلية على نحوٍ منتظمٍ طوال سنوات عمرهم المتأخرة, كان تدهور الذكاء لديهم أقل احتمالًا في الحدوث.
وبالطبع هناك فروق فردية في معدلات التدهور العقلي والمعرفي لدى المسنين, وتوجد عوامل تؤدي لذلك؛ بعضها يمكن أن يكون موضوعًا للتدخل التجريبي, ويلخص "Schaie, ١٩٩٤" هذه العوامل فيما يلي:
١- التحرر النسبي من أمراض الجهاز الدوري والأمراض المزمنة.
٢- توافر بيئة ملائمة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية.
٣- الاندماج في بيئة عقلية معقدة ومثيرة للاهتمام.
٤- توافر أسلوب مرن للشخصية, وخاصةً في مرحلة منتصف العمر.
٥- وجود رفيق عمر من مستوى معرفي مرتفع.
٦- المحافظة على مستوى سرعة التجهيز الإدراكي.
ونعرض فيما يلي نماذج من البحوث التي أجريت حول بعض المسائل في هذا الموضوع الهام.
стр. 597
أولًا: التدهور في القدرات العقلية
من المعتاد أن يبدأ تدهور القدرات العقلية في مرحلة منتصف العمر "التي وصفناها في الباب السابق"، ويستمر بعد ذلك، وكما هو الحال في كل صور التدهور الجسمي والسلوكي في مرحلة الشيخوخة, توجد اختلافات فردية واسعة في العمر الذي يبدأ عنده التدهور العقلي، ولا يوجد عمر واحد ثابت يبدأ عنده هذا التدهور عند الجميع، كما لا يوجد نمط عام لهذا التدهور نجده في جميع المسنين أيضًا ويتحكم في هذه الفروق الفردية التي عرضناها توًّا, إلّا أننا بصفة عامة نقول -كما قلنا من قبل: إن معدل هذا التدهور يكون أقل لدى ذوي القدرات العقلية العليا من ناحيةٍ, ولدى أولئك الذين يواصلون نشاطهم العقلي في العمر الثالث من حياتهم من ناحيةٍ أخرى.
ويعتمد معدل التدهور العقلي إلى حدٍّ كبير على الظروف الجسمية والصحية للإنسان, كما أن نقصان الاستثارة البيئية يترك آثاره في الإسراع بمعدل هذا التدهور, كما تؤكد الدراسات أن المسنين الذين يستمرون في أداء عملٍ ما, تظل وظائف المخ لديهم في حالة نشاط، وبالتالي يؤدون أداءً جيدًا في اختبارات الذكاء. ولعلنا ننبه هنا إلى أن الأنشطة العقلية التي تعتمد على عنصري الزمن والسرعة تعتبر غير ملائمة للمسنين، وهو مبدأ يتفق مع ما ذكرناه آنفًا عن البطء النسبي في سلوك المسن وحركاته.
الذكاء العام والإستدلال:
تؤكد البحوث التي أجريت على الذكاء العام أن الكفاءة العقلية العامة للمرء تظل ثابتة نسبيًّا حتى أوائل الخمسينات, ثم تبدأ في التدهور ببطء مع تقدم الإنسان نحو سن الستين, ومن تحليل القدرات العقلية المختلفة المتضمنة في اختبارات الذكاء التي تطبَّقُ على المسنين, وُجِدَ أن أوضح صور التدهور تظهر في الاختبارات التي تتطلَّبُ التعلُّم وإدراك علاقات جديدة، وتكون أقل ما تكون في اختبارات المعلومات العامة واستخدام الأعداد والمفردات اللغوية, ويفسر ذلك بأنه في المهامِّ التي تتطلّب من المسنِّ نوعًا من التعليم الجديد؛ فإنه يكون أكثر حذرًا, ويتطلّب وقتًا أطول ليحدث التكامل بين استجاباته، ويكون أقل قدرة على التعامل مع المواد الجديدة التي لا تتكامل مع خبراته السابقة.
ومع زيادة تركيب العمل وتعقده يحتاج المسنون إلى وقت أطول لأدائه، ومع ذلك يكونون أقل دقة "كما يتمثّل ذلك في زيادة عدد الأخطاء"، ويزداد عندهم الخلط الذي يعوق تنظيم موضوع التعلُّم على نحوٍ له معنى.
وتتدهور القدرة على الاستدلال بمعدَّلٍ أسرع من القدرات اللغوية والعددية, وهذا التدهور يظهر في كلٍّ من الاستقراء والاستنباط على حَدٍّ سواء, ويفتقد المسنون تدريجيًّا القدرة على التفكير المستقل والتفكير الابتكاري, ويظهرون قدرةً محدودةً على أداء الأعمال المجردة.
ومن الدراسات الهامة التي أجريت على الاستدلال المنطقي تلك التي قام بها "Papalia, ١٩٧٢", والتي عرض فيها على عينات من المفحوصين تمتد أعمارهم
стр. 598
بين ٦ سنوات، ٦٥ سنة وما بعدها, بطريقة من مهامِّ بياجيه من نوع بقاء الكم "تشمل الأعداد والكتلة والوزن والحجم", وقد وجد الباحث أن المسنين أظهروا مستوى أداء أكثر انخفاضًا من غيرهم من جماعات الراشدين, وخاصةً بالنسبة للمفاهيم الأكثر صعوبة، وعلى وجه الخصوص بقاء الحجم؛ حيث لم يجب إجابة صحيحة إلّا ٦% فقط من أفراد المجموعة العمرية التي بلغت ٦٥عامًا وما بعدها, وقد وجد أيضًا أن أشد تدهور في الأداء والذي أظهر اتساقًا واضحًا لدى المسنين, ما يتصل بقدرات التفكير باستخدام العمليات الصورية، وهو أرقى صور الاستدلال في نموذج بياجيه "Clayton & Overton, ١٩٧٦", وقد أدت هذه النتائج إلى صياغة فرض طريف وهامٍّ, وهو أن القدرات الأكثر حداثة في الظهور في نموِّ الإنسان -ومنها العمليات الصورية، هي الأسرع في التدهور خلال العمر الثالث للإنسان, والسؤال الآن: هل يحدث هذا التدهور الذي يعود بالإنسان إلى مراحل نموه الأولى من جديد, ويتحقق فيه قول الله : ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: ١٨] بالتتابع, أم أنه يحدث طفرة؟ سؤال يحتاج إلى إجابة تجريبية واضحة عليه.
التصلب المعرفي والتعلم:
ويزداد في هذه المرحلة التصلّب المعرفي الذي تظهر بوادره في مرحلة وسط العمر, وتوجد في هذه الخاصية فروق بين الجنسين؛ فالرجال بصفة عامة أكثر مرونة من النساء، وقد يرجع ذلك إلى الفرص الأكثر عددًا وتنوعًا التي تتاح لهم خلال مرحلة الرشد, مما يجعلهم في تكيفهم للمواقف الجديدة أكثر قدرة من النساء, ويعين هذا على مزيدٍ من المرونة المعرفية, وترجع الزيادة في التصلُّب المعرفي بوجهٍ عامٍّ في هذه المرحلة إلى بطء التعلّم وصعوبته، ولهذا نجد المسنّ يلجأ في تناول المشكلات إلى الحلول الروتينية المعتادة التي يألفها.
ففي دراسة قام بها "Craik & Tereub, ١٩٨٠" Battes & Willis واهتما فيها بدرجة المرونة العقلية لدى المسنين عرفًا, هذه المرونة بمدى الأداء العقلي الذي يظهره الشخص في شروط بيئية مختلفة, فبعد استخدام إجراءات مكثفة للتدريب على إثراء النشاط العقلي للمفحوصين, وجدا أن المسنين لديهم مستوى مرتفع نسبيًّا من المرونة العقلية، أي: أن أداءهم للقدرات غير المستخدمة يمكن أن يتحسن بشكل واضح خلال برامج التدخل والتدريب, وهذه النتائج لها تضمينات عملية واضحة لتعليم, وإعادة تدريب المسنين. والقول بتعليم المسنين ليس غريبًا؛ ففي السنوات الأخيرة -مع التوسع في فتح فصول الخدمة العامة
стр. 599
والتدريب المستمر- يلتحق بعض الشيوخ بعد تقاعدهم في هذه الفصول، على الرغم من القول الذي شاع لقرون طويلة من أنك "لا تستطيع أن تعلِّم المسن حيلًا جديدة", فإن هذا القول إن صدق على الحيوان فلا يمكن تطبيقه بكلِّ تأكيدٍ على الإنسان في مرحلة الشيخوخة؛ فالمسنون يستمرون في استقبال المعلومات الجديدة, ويقومون بتوافقات ملائمة للحياة حتى نهايتها، وتطرأ على سلوكهم تعديلات مستمرة، وهذا هو جوهر التعلّم.
ومن ناحيةٍ أخرى, فإن ذلك لا يعني أن التعلُّمَ لدى المسنين يشبه تمامًا تعلُّمَ الراشدين الأصغر سنًّا؛ فنتائج البحوث التي تراكمت طوال العقود الماضية تؤكِّدُ أنه يوجد نقص مرتبط بالعمر في القدرة على اكتساب وتذكر المعلومات, والمسألة الحاسمة بالنسبة لعلماء النفس ليست ما إذا كان المسنون يتعلمون أم لا، ولكن كيف يجهزون المعلومات في سياق التعلّم, وما هي الشروط التي يحدث فيها خلل في تجهيز هذه المعلومات؟
تؤكد البحوث أن المسنين يواجهون صعوباتٍ كبيرة في تجهيز المعلومات الإدراكية إذا قورنوا بالراشدين الأصغر سنًّا, ومن أسباب ذلك أن القدرة على تجهيز المعلومات البصرية تصبح أبطأ مع التقدم في السن "Hoyer & Plude, ١٩٨٠", ويمكن التحقق من ذلك بسهولة في تجارب الحجب البصري Visual masking, ومن أمثلة ذلك عرض مثير بصري معين "وليكن شكلًا مربعًا أحمر" لفترة قصيرة, ثم إتباعه في الحال بمثير بصري آخر "وليكن شكلًا مثلثًا أزرق"، فإن إدراك الشخص للمثير الأول "المربع الأحمر" يكون قد اختفى obscured أوحجب masked, والسبب في ذلك أن الأمر يتطلب بعض الوقت لتجهيز المعلومات بصريًّا "أو بأي وسيط آخر", وحين يُعْرَضُ المثير الثاني عقب المثير الأول مباشرةً يكون الشخص غير قادر على التجهيز الكامل للمثير الأول, وقد أكدت نتائج بحث هوير وبلود, أن المسنين أكثر تعرضًا للحجب البصريّ من الأصغر سنًّا؛ لأنهم لا يستطيعون تجهيز المثير الأول بسرعةٍ كافيةٍ لتجنب أثر التداخل أو الحجب, وبالإضافة إلى البطء في تجهيز المعلومات البصرية يعاني المسنون أيضًا من صعوبةٍ أكبر من الراشدين الأصغر سنًّا في تبين detection الأجزاء المنفصلة التي تكون مندمجة embeded داخل خلفية من مثير أكبر, فمثلًا لو كان هناك شكل هندسي مألوف؛ كالمثلث, مخبأ داخل تصميم أكثر تعقيدًا، فإن المسن يستغرق وقتًا أطول في تحديد موضعه من الشخص الأصغر سنًّا.,ومن المفترض أن المسنين أكثر حساسية للمنبهات السياقية في حل المشكلات, وحين يكون السياق أو الخلفية
стр. 600
يؤديان إلى غموض المثير أو التداخل مع مثيرٍ آخر, فإن أداء المسنين يتدهور.
ويرى بعض الباحثين أن نقائص التجهيز الإدراكي في مرحلة الشيخوخة قد ترتبط بمشكلات الانتباه, ويوجد مكونان للانتباه يستحقان الاهتمام في هذه المرحلة؛ هما: الانتباه الموزع والانتباه الانتقائي, ويدل الانتباه الموزع على القدرة على تجهيز أكثر من مصدرٍ واحد للمعلومات في وقتٍ واحد, ومن ذلك مثلًا: الانتباه إلى حوارات متعددة بين أشخاص مختلفين تتم في وقت واحد في موقف اجتماعي. أما الانتباه الانتقائي فعلى العكس يشير إلى قدرة الشخص على الانتباه إلى المعلومات المرتبطة وتجاهل المعلومات غير المرتبطة، ومن ذلك مثلًا: التركيز على الحديث مع شخص معين, وتجاهل الحوارات الأخرى غير المرتبطة, وضجيج الخلفية التي توجد في البيئة المباشرة, وقد أكدت بحوث "Craik, ١٩٧٧" أن المسنين يعانون صعوباتٍ جمَّةٍ في المواقف التي تتطلّب توزيع الانتباه على مصدرين أو أكثر من المعلومات, كما لَوْ لُوحِظَ أيضًا ظهور نقائص الانتباه الانتقائي "تركيز الانتباه" بين المسنين، إلّا أنها تظهر خاصةً حين يكون من الصعب التمييز بين المعلومات المرتبطة وغير المرتبطة، أي: حين يكون نوعا المعلومات على درجة كبيرة من التشابه "Farkad & Hoyer ١٩٨٠", ولذلك نلاحظ على الشخص المسنِّ أنه يعاني من صعوبة الاستماع إلى نشرة الأخبار في التليفزيون أو الراديو, بينما يتحدث الآخرون الموجودون في الحجرة في نفس الوقت.
ومن الواضح أن الراشدين يستمرون في التعلُّم في هذه المرحلة, إلّا أنه من الواضح أيضًا أن التعلُّم في طور الشيخوخة يتأثر بعدد من العوامل الهامة وهي:
١- المعدل Pacing: أي: الوقت المسموح للشخص أن يفحص فيه المثير, أو يصدر الاستجابة, ومن المؤكَّد أن شروط المعدل السريع تضع المسن في موقف صعب, وأن الزيادة في زمن الفحص والاستجابة تؤدي إلى إنقاص فروق الأداء بين الراشدين الصغار والمسنين، وقد تلغيها تمامًا, وفي الواقع فإن البحوث تؤكد أن تعلم المسنين يتأثر تأثرًا سلبيًّا بالظروف التي تتطلّب المعدل السريع, وعلى أية حالٍ حين يحدث التعلّم بمعدل بطيء, وحين يسمح للمسنين باستخدام معدلهم الذاتي فإن أداءهم يتحسن, ومن ناحيةٍ أخرى, فإن مستوى الأداء المتزايد تحت شروط المعدل الذاتي لا يساوي مستوى أداء الراشدين الأصغر سنًّا.
٢- الإفراط في الاستثارة الفسيولوجية Physiological over arousal: وهو عامل اقترحه بعض الباحثين لتفسير نقص أداء المسنين في مهام
стр. 601
التعلم بالمقارنة بأداء الراشدين الأصغر سنًّا, ويقصد بذلك القلق والعصبية الزائدان، وهو شرط يعرف عنه أنه يتداخل مع عملية التعلّم.
٣- معنى موضوع التعلم: يلعب هذا العامل دورًا هامًّا في أداء المسنين؛ فقد أكدت البحوث التي أجرتها "Hulicka, ١٩٦٧" أن كثيرًا من المفحوصين المسنين يقاومون بشدة تعلّم المواد التي لا يستطيعون فهمها, أو التي تبدو لهم غير مثيرة للاهتمام, بل إنها وجدت أن الأغلبية الساحقة من المسنين رفضت المشاركة بسبب إدراكهم لمواد التعلّم على أنها "لغو" أو لا معنى لها, فإذا علمنا أن كثيرًا من تجارب التعلّم المعملية تستخدم موادًّا اصطناعية "كالمقاطع عديمة المعنى وغيرها من المثيرات غير الطبيعية, أو التي تبدو غير مثيرة للاهتمام بشكلٍ صريحٍ" فإننا يجب أن نتحفظ على ما إذا كان نقص أداء المسنين في مثل هذه المهام يمثل قدرة متناقصة, أو أنه نقص في الدافعية والاهتمام.
٤- تدهور الذاكرة: وهذا عامل مهم سوف نتناوله بالتفصيل فيما بعد.
٥- التفكير الطفولي: تظهر بوادر هذا التفكير عند المسنين في السبعينات والثمانينات من العمر، حيث يصبحون أكثر نسيانًا، وأبطأ في الفهم، وأقل نضجًا من الوجهة الانفعالية، ولديهم ميول "إحيائية"، أي ينزعون، كما ينزع الأطفال، إلى خلع صفات الحياة على الأشياء الجامدة, ولعل أكثر معالم هذه "الطفولة" وضوحًا الميل إلى العيش في الماضي "الجميل", وتجاهل الحاضر والمستقبل.
٦- الابتكارية: الإنجازات الهامة في النشاط الابتكاري أقل حدوثًا في الشيخوخة منها في مرحلة الرشد، وخاصة الرشد المبكر, ويطرأ على كيف العمل تدهورٌ أسرع من كمه كلما تَقَدَّمَ الإنسان في العمر, وقد لوحظ في الابتكار العلمي أنه توجد له قمة يتبعها هبوط مع التقدم في السن؛ فالعلماء في الستينات من عمرهم ينشرون نصف ما سبق لهم نشره في الثلاثينات والأربعينات "وهي سنوات القمة في الإنتاجية". ومع ذلك فإن البعض قد لا يحصل على الاعتراف والمكانة إلّا في الشيخوخة؛ فعضوية المجامع الثقافية والأكاديميات العلمية والفنية, والحصول على الجوائز التقديرية المحلية والعالمية, يقتصر عادةً على هذه الفئة العمرية, ومعنى ذلك أن الشخص يعيش في هذه المرحلة على "مجد القديم"، ويجني ثمار الجهد والتضحية اللذين بذلهما في سنوات عمره الماضية, إلذا أن ما يحدث كثيرًا أنَّ هذا التكريم قد لا يأتي إلّا متأخرًا وبعد فوات الأوان.
стр. 602
ثانيًا: بنية القدرات العقلية:
يؤكد جيلفورد "Guilford, ١٩٦٧" أن ميدان البحث في قدرات الراشدين في حاجةٍ إلى بحوثٍ عاملية لتحديد البنية العاملية للاختبارات في مختلف الأعمار, وتتمثَّل هذه الحاجة في جانبين؛ أولهما: معرفة إلى أيّ مدى تظل القدرات متمايزة خلال مراحل العمر المختلفة, مع ملاحظة أن ميدان الرشد يعوزه فرض شبيه بفرض جاريت الذي يصلح للإعمار الدنيا, وثانيهما: تحديد ما إذا كان الاختبار الواحد يقيس نفس العامل أوالعوامل في جميع المستويات العمرية.
وقد بذلت محاولات في هذا الصدد استخدمت مقياس وكسلر لذكاء الراشدين, فُوجِدَ أن العوامل التي يتمّ الحصول عليها في جميع الأعمار فسرت تفسيرات متماثلة، إلّا أن من النتائج ذات الدلالة الخاصة هنا أن عددًا أقل من العوامل التي يمكن تفسيرها يظهر عند المتقدمين جدًّا في السن, وهذا الاتجاه يعني أن البنية العاملية تزداد بساطة في أكثر المستويات العمرية تقدمًا "وهي في العادة بعد السبعين"، مما يتضمن عودة تدريجية إلى حالة اللاتمايز المبكرة التي تشبه اللاتمايز في الطفولة, وتدعم هذا الاتجاه بعض نتائج معاملات الارتباط بين الاختبارات العقلية, ويتمثَّل هذا في زيادة مقدار معاملات الارتباط مع التقدم في السن.
إلّا أن هذه النتيجة ليست حتمية الظهور في سنٍّ معيِّنٍ "بعد السبعين مثلًا"، فبعض نتائج البحوث الأخرى تؤكد فرض تمايز القدرات العقلية حتى بعد هذا العمر في عينات الأسوياء من المسنين, أما الارتداد والانتكاس إلى حالة اللاتمايز فالأرجح أنه لا يحدث إلّا في الحالات التي يتمّ تشخيصها بأنها تعاني من ذهان الشيخوخة Senile Psychosis, والتي تدخل أصحابها في طور أرذل العمر، حيث تظهر معاملات الارتباط بين الاختبارات العقلية ارتفاعًا كبيرًا عند هؤلاء قد يصل إلى ٠.٨٠, وحينما أجرى جيلفورد تحليلات عاملية منفصلة لعينتين متكافئتين في العمر "فوق ٦٥سنة", إحداهما من الأسوياء, والأخرى من حالات ذهان الشيخوخة, حصل على بنيتين عامليتين مختلفتين, ونشير هنا -على سبيل المثال- إلى أن اختبارًا للمفردات اللغوية ارتبط مع اختبارٍ للمهارات العددية بمقدار ٠.٧٨، ومعنى هذا أن القدرتين اللغوية والعددية تندمجان معًا في الحالة من جديد "كما كان شأنهما في الطفولة" بعد انفصالٍ واستقلالٍ نسبيٍّ عند الأسوياء من المسنين وعند الراشدين والمراهقين في المراحل العمرية السابقة, وقد يفسر الارتفاع الملحوظ لمعاملات الارتباط في حالات ذهان الشيخوخة بالتدهور العضوي "وخاصة في
стр. 603
المخ" الذي يؤثر في القدرات العقلية في نفس الاتجاه, وبالطبع، نتوقع أن يزداد العامل العام عموميةً مع زيادة حدة الذهان، وهذا الفرض يحتاج إلى بحوث جادة لاختباره.
ولا يتوافر قدر كافٍ من نتائج البحوث حول مسألة الفروق بين الجنسين في آثار العمر في القدرة العقلية, ومع ذلك يمكن القول في ضوء النتائج المتاحة التي يلخصها بروملي عام ١٩٦٦: إن التغيرات المرتبطة بالعمر لا تختلف بالنسبة إلى الجنس؛ ففي اختبار غير موقوت حول تتبع متاهة, حصل الراشدون الذكور والإناث من مختلف الأعمار على درجات مشابهة في دقة الأداء وكيفه, ولكن حين حسبت سرعة الأداء ظهر دليل على وجود تدهور فارق مع العمر؛ حيث كان الذكور الأصغر سنًّا أسرع من الإناث الأصغر سنًّا, بينما كان الذكور الأكبر سنًّا أبطأ من الإناث الأكبر سنًّا, وهذه النتيجة توحي بتدهور "السرعة العقلية" عند الذكور أسرع من الإناث, وتزداد المسألة تعقيدًا لأن توقعات الحياة أطول لدى النساء، وقد يكون أصغر من الوجهة البيولوجية إذا قورن بالرجال من نفس العمر الزمني.
стр. 604
ثالثًا: نسبة الكفاءة ونسبة التدهور
ومن المشكلات التي تواجها بحوث النشاط العقلي للراشدين والمسنين, أن درجات الاختبارات العقلية تصحح عادةً من أثر العمر، بل إن بعض المعايير تتضمن هذا التصحيح, وأشهرها نسبة الذكاء التقليدية.
وللتغلب على هذه الصعوبات اقترح وكسلر في ميدان قياس الذكاء ما يُسَمَّى نسبة الكفاءة Efficiency ,Coefficent وباختصار EQ, لتحل محل نسبة الذكاء التقليدية عند المقارنة بين الأعمار المختلفة. وتتحدد نسبة الكفاءة من الدرجات الخام أو الدرجات الموزونة لعينة عمرية "مثلى" في الأداء, تقارن بها المستويات التي تصل إليها مجموعات العمر الأخرى، وقد تحددت المجموعة العمرية ذات الأداء الأمثل في مقياس وكسلر لذكاء الراشدين بأنها بين ٢٠-٢٤ سنة.
وهكذا يمكننا القول أن نسبة الذكاء IQ تمثل القدرة العقلية للفرد بالنسبة إلى مجموعته العمرية، أما نسبة الكفاءة EQ فتمثل هذ القدرة العقلية للفرد بالنسبة إلى الراشدين الذين يصلون إلى القمة, بالنسبة للكفاءة العقلية والبيولوجية, وبهذا قد نصف الشخص البالغ من العمر ٧٥ عامًا بأن نسبة ذكائه ١٠٠, بينما نسبة الكفاءة عنده ٧٦، ونحصل على نسبة الكفاءة هذه بأن نعيد تفسير الدرجة الخام التي يحصل عليها هذا الشخص "ولتكن ٦٥ مثلًا" في ضوء ما يمكن أن يؤديه راشد صغير في قمة كفاءته العقلية والمعرفية.
стр. 605
ويتلخص الإجراء هنا إلى نسبة الدرجة الخام إلى متوسطين، أحدهما متوسط الفئة العمرية التي ينتمي إليها الفرد بالفعل "فئة ٧٥ عامًا", فإذا كان متوسط درجات هذه الفئة ٦٥, نحكم على الفرد بأنه متوسط الذكاء باستخدام معيار نسبة الذكاء "حيث يتساوى متوسط مجموعته العمرية مع الدرجة الخام التي حصل عليها". أما المتوسط الثاني فهو متوسط فئة الراشدين الصغار الأكفاء، وليكن ١١٠, وهو درجة تدل على الأداء العادي في هذا السن القادر، فإذا نسبت الدرجة الخام التي حصل عليها الشخص المسن "وهي ٦٥ كما قلنا" إلى هذا المتوسط الجديد, فإنها تدل على أنه أقل من المتوسط بالنسبة لهؤلاء، ونسأل أنفسنا في هذه الحالة: ماذا تعني الدرجة ٦٥ إذا حصل عليها راشد أو مسن كفء؟ إنها في الواقع تدل على نسبة مقدارها ٧٦. وهذه هي نسبة الكفاءة, وهكذا تقل الكفاءة العقلية من ١٠٠إلى ٧٦, وبالطبع فإن نسبة الذكاء ونسبة الكفاءة عند الراشدين الصغار تتساويان وتعنيان نفس الشيء، إلّا أنهما عند المسنين تختلفان، فنسبة الذكاء قد تظل ثابتة، بينما قد تتناقص نسبة الكفاءة, وبالطبع تختلف نسبة الكفاءة تبعًا للظروف الجسمية والصحية والعقلية، كما تظهر فيها فروق فردية واسعة.
وبالطبع فإن القدرات العقلية -كما بينا آنفًا- لا تتدهور مع العمر بمعدلٍ ثابت، فالمفردات اللغوية تقاوم التدهور، بينما ذاكرة المدى القصير تتأثر به, وقد حاول وكسلر تقدير مدى التدهور العقلي الذي يطرأ على الفرد, وذلك بمقارنة كفاءته العقلية الراهنة, معتمدةً على درجاته في الاختبارات التي تظهر تدهورًا واضحًا مع العمر بتقديرٍ لكفاءته السابقة, معتمدة على درجاته في الاختبارات التي لا تظهر إلّا قليلًا من هذا التدهور.
وبالطبع فإن التدهور العقلي الذي يظهر بوضوح في الأعمار المتقدمة جدًّا لا يحدث فجأة, وإنما هو مسألة تراكمية تدريجية مع التقدم في السن عامًا بعد عام, ومن الطرق المقترحة لتحديد نقصان القدرة العقلية مع العمر قياس الفرق بين الكفاءة في العمليات المعرفية التي لا تتدهور, والكفاءة في هذه العمليات التي تتدهور بالفعل, ويقترح وكسلر أيضًا في هذا الصدد ما يسميه: نسبة التدهور deterioration Quotient أو باختصار DQ, وتحسب كما يلي:
نسبة التدهور= درجة عدم التدهور- درجة التدهور/ درجة عدم التدهور×١٠٠
стр. 606
وتؤكد نتائج وكسلر الأصلية أن الشخص العادي يظهر في نهاية الثلاثينات نقصانًا في الكفاءة بمقدار ٥%, ثم تصل نسبة التدهور هذه في سن المسنين عند المسن العادي أيضًا إلى ١٨%.
تدهور قدرات الذاكرة: تؤكد نتائج البحث حول ذاكرة المسن أن أسرع معدل للتدهور يطرأ على ذاكرة الأمد القصير, أما ذاكرة الأمد الطويل فتظل فعّالة لوقت أطول, وبسبب نقص الدافعية نجد المسنين أقل اهتمامًا بتذكر ما يتعرضون له من خبراتٍ راهنةٍ, ويقل انتباههم للأشياء والأشخاص والموضوعات من حولهم، ولهذا يقل استرجاعهم للمعلومات التي لا تزال حديثة العهد في انتباه الشخص، وهذا في حَدِّ ذاته يؤدي إلى النسيان, وبالتالي إلى ضعف ذاكرة الأمد القصير, أما المعلومات التي يكون قد تَمَّ تشفيرها منذ زمن مضى ولم تعد محور بؤرة الانتباه النشط أو الانتقائي فهي مادة ذاكرة الأمد الطويل, وفي هذا الصدد نذكر أن قدرات الاستدعاء أسرع في التدهور من قدرات التعرف.
ففي دراسةٍ أُجْرِيَتْ على عيناتٍ ثلاث, متوسط أعمارها ٢٠، ٣٨، ٦٨ عامًا, وجد الباحثون أن الأشخاص الأصغر سنًّا لا يختلفون في السرعة عن مجموعة "٦٨سنة"، إلّا أن النتيجة الأكثر أهمية أن المفحوصين المتقدمين في السن يستغرقون وقتًا أطول في فحص ذاكراتهم المباشرة قبل الوصول إلى قرار، إذا قورنوا بالمفحوصين الأصغر سنًّا، فقد بلغ هذا الوقت ٧١ ميلي ثانية في فحص كل وحدةٍ في الذاكرة عند الأشخاص الأكبر سنًّا، بينما عند الأصغر سنًّا كان ٣٩ ميلي ثانية, ولم تلاحظ فروق دالة بين المجموعتين الأكبر سنًّا "وسط العمر والشيخوخة", وقد تنشأ الفروق المشار إليها عن بطء الاستجابة الحركية "التي تناولناها آنفًا" عند المسنين من ناحية، أو عن حاجة هؤلاء إلى فترة زمنية أطول حتى يمكنهم تجهيز كل وحدة من المعلومات.
وفي دراسةٍ أخرى على عينة امتدت أعمارها بين ٥سنوات، ٧٠ عامًا, استخدم فيها أسلوب الاستماع الثنائي الشائع في بحوث الانتباه المعاصرة, والذي اقترحه برودبنت منذ عام ١٩٥٨, وفيه تعرض على الأذنين رسالتين مختلفتين عرضًا مستقلًّا وفي وقت واحد باستخدام سماعات الأذن, وكانت الرسالتان المستخدمتان في هذا البحث من نوع الأرقام, وقد وجد الباحثون أن المفحوصين من مختلف الأعمار سجّلوا جميع الأرقام التي عرضت على إحدى الأذنين قبل تسجيل تلك التي عرضت على الأذن الأخرى, ويفسر الباحثون حدوث ذلك
стр. 607
بوجود نظامين معرفيين في هذه المهمة: أولهما يثبت ويستبعد المادة التي يتم تجهيزها إيجابيًّا، وثانيهما يخزن في ذاكرة المدى القصير الأرقام التي تعرض على الأذن الأخرى تخزينًا مؤقتًا حتى ينتهي النظام الأول من عمليات الإثبات والاستبعاد, ويهمنا أن نشير بالنسبة لهذا البحث أن الأشخاص الأكبر سنًّا شأنهم شأن الأصغر سنًّا, صدرت عنهم أخطاء في تكرار الأرقام واسترجاعها من نظام ذاكرة الأمد القصير، وكان عدد أخطائهم هذه أكبر مما صدر عن الأشخاص الأصغر سنًّا.
ومع التقدُّم في السن يظهر المسنون نقصانًا في إصدار وحدات المعلومات التي تبقى في مخزن هذا الذاكرة؛ فاستدعاء النصف الأول من مدى الأرقام المعروض على إحدى الأذنين ظلَّ ثابتًا تقريبًا عند مختلف الجماعات العمرية, ولكن لوحظ تدهور مع التقدّم في السن في عدد الأرقام التي يتم استدعاؤها في النمط الثاني من مدى هذه الأرقام, وكانت أعلى المجموعات في درجاتهم تلك التي تمتد أعمارها بين ٢١-٣٠ عامًا، بعدها ظهور تدهور ثابت نسبيًّا مع زيادة العمر, وهكذا يمكن أن نستنتج وجود تدهور في كفاءة ذاكرة الأمد القصير مع التقدم في السن.
ومع ذلك يمكن القول أنه وجد أن مدى الذاكرة "أي عدد وحدات المعلومات التي يستطيع الشخص تذكرها بالترتيب الصحيح" لا تتدهور عادةً مع العمر "Hartley, et al., ١٩٨٠" و" ١٩٧٧ Craik", ومعنى ذلك أن المسنين والراشدين الأصغر سنًّا قادرون على تذكُّر نفس العدد من العناصر, إلّا أن ذلك لا يحدث إلّا في الظروف العادية التي لا تفرض مطالب صعبة، أما إذا تطلَّبَ الأمر من المفحوص المسن مثلًا إعادة تنظيم المثير؛كأن يسترجع قائمة كلمات بالعكس، أو يوزع انتباهه بين المهمة التي يقوم بها ومهمة أخرى، فإن المسن يظهر في هذه الحالة نقصًا واضحًا في مدى الذاكرة في ذاكرة الأمد القصير.
وماذا عن ذاكرة الأمد الطويل؟
لقد لوحظ منذ وقت بعيد أن الراشدين المتقدمين في السن يميلون إلى أن ينشغلوا بمسائل الماضي أكثر من الحاضر أو المستقبل, وهذا التغيّر قد يكون أسلوبًا للتعامل مع نقائص ذاكرة الأمد القصير التي تجعل المسن يواجه صعوبات في التعامل مع الأحداث الراهنة, أما ذاكرة الأمد الطويل فإن المعلومات المختزنة فيها لا تتعرض للتضاؤل، وإن حدث فيكون بطيئًا جدًّا، والذي قد يختلف تبعًا لخصوبة شبكة العلاقات الترابطية التي توضع فيه المعلومات في هذه الذاكرة.
стр. 608
فكلما كانت المعلومات ترتبط بخبراتٍ ذات معنًى كان تضاؤلها بطيئًا مع مرور الزمن.
ومن الدراسات الجيدة من الناحية المنهجية حول ذاكرة الأمد الطويل عند المسنين, دراسة سمث عام ١٩٦٣, وفيها تحكَّمَت الباحثة في مستوى الأداء المبدئي, فقد أعادت اختبار عينة من المفحوصين سبق لهم أن تعلموا جميع الإجابات الصحيحة لأكثر من مائة سؤالٍ منذ ستين عامًا "أي: عام ١٩٠٠" مضت حين كانت أعمارهم أقل من ١٣سنة, وقد أُعِيدَ اختبار هؤلاء في نفس الأسئلة في أعوام ١٩٣٤، ١٩٥٠، ١٩٦٠. وأظهرت النتائج وجود فَقْدٍ ضئيل بين عامي ١٩٣٤، ١٩٥٠، ثم ظهر هبوط حادٍّ في الاستدعاء عام ١٩٦٠. ففي عام ١٩٣٤ تذكروا أو احتاجوا إلى تلميح واحد للوصول إلى استدعاء ٩٨ إجابة استدعاء صحيحًا من بين ١٠٧ إجابات، وفي عام ١٩٥٠ استدعى هؤلاء ٩٢ إجابة منها، أما في عام ١٩٦٠ فلم يتتذكروا إلّا ٧٣ إجابة فقط, وهكذا نجد أنه بين العمرين ٦٣، ٧٣ عامًا ينسى الأفراد أكثر بكثير مما ينسونه في الفترة بين العمرين ٤٧، ٦٣ عامًا.
ويرى بعض العلماء وعلى رأسهم فولدز ورافن ما أشرنا إليه من قبل من أن بطء تدهور قدرات الذكاء المتبلور بمقارنتها بقدرات الذكاء السائل إنما يرتبط في جوهره بمسألة ذاكرة الأمد الطويل وعلاقتها بالعمر. فقد وجدوا أن درجات اختبار المفردات "وهو من مقاييس الذكاء المتبلور" لا تظهر تدهورًا يذكر مع التقدم في السن، بينما درجات المصفوفات المتتابعة "وهو من مقاييس الذكاء السائل" يظهر تدهورًا حادًّا, وبالطبع يمكننا أن نفترض -وهو افتراض صحيح- أن معرفة معاني الكلمات تتراكم وتتزايد مع التقدم في العمر عامًا بعد عام، وبالتالي تكون مقياسًا لذاكرة الأمد الطويل أكثر من المصفوفات المتتابعة, وفي هذا برهان إضافي يدعم قولنا أن ذاكرة الأمد الطويل لا تظهر تدهورًا خطيرًا مع التقدم في السن -في ضوء الأدلة المتاحة حتى الآن- وهذا على عكس ما أكدته البحوث بالنسبة لذاكرة الأمد القصير.
وأكدت البحوث أيضًا أن ذاكرة الأمد الطويل قد تتدهور حين يتعرض المسن لمشكلات بالنسبة إليها، كأن يطلب من المسن تذكر مواد لم تعد موضوع التداعي النشط في الذاكرة, أو لم تعد في بؤرة الانتباه. إن هذا النقص حينئذٍ يرتبط بمكونات ثلاثة في الذاكرة هي: تسجيل المعلومات، وتخزين المعلومات، واسترجاع المعلومات, وفي كل من هذه المجالات تتراكم أدلة تدل على أن المسن أقل كفاءة بالمقارنة بالراشد الأصغر سنًّا. "Craik, ١٩٧٧" "Hartley, et al"
стр. 609
"١٩٨٠, ومع ذلك فإن المستوى المنخفض في الأداء حينئذٍ قد لا يتضمّن بالضرورة نقص القدرة, فبعض الباحثين أيدت يحوثهم القول بأن المرونة العقلية تستمر لدى المسنين, على الرغم من هذه النقائص في الأداء والذاكرة.
وفي هذا الصدد لا بُدَّ من التمييز مرةً أخرى بين الاستدعاء والتعرف، فالاستدعاء يتطلب بحثًا إيجابيًّا نشطًا لتحديد المعلومات الملائمة في الذاكرة، بينما يتطلّب التعرف فقط إيجاد مزاوجة سلبية بين ما يعرض وما يوجد في الذاكرة, وفي التعرف لا يحتاج المفحوص إلّا إلى تعيين أحد مكونات مثير كلي حتى ينتج الاستجابة الصحيحة، أما في الاستدعاء فإن واجب المفحوص أن يولد بنفسه هذا المكون على الأقل, وبالطبع فإن هذا التمييز فيه تبسيط شديد؛ لأنه حتى في التعرف يوجد قدر من النشاط الإيجابي.
ومن البحوث الهامة حول ذاكرة التعرف والاستدعاء دراسة سكونفيلد وربرتسون عام ١٩٦٦, وفيها عرض على عينة من المفحوصين تمتد أعمارهم بين ٢٠، ٢٥ عامًا قائمتين من الكلمات, تتألف الأولى من ٢٤ اسمًا والثانية من ٣٤ صفة, وبعد التعرض لكلِّ قائمةٍ كان على المفحوصين محاولة استدعاء أكبر عدد من هذه الكلمات استدعاءً حرًّا, أو التعرف عليها من بين قائمة أكبر من الكلمات, وأظهرت النتائج وجود تدهور واضح مع التقدم, أي: تدهور ملحوظ في أيّ مرحلة من مراحل العمر, فعلى الرغم من أولئك الذين تعدت أعمارهم الستين لا يستدعون إلّا ٥٤% مما يستطيعه أولئك الذين تقع أعمارهم في مدى بين ٢٠-٣٩ عامًا، فإننا نجد أنه بالنسبة لذاكرة التعرف أن المفحوصين الراشدين الأكبر سنًّا تعرفوا على عدد من الكلمات أكبر قليلًا "بدون دلالة إحصائية" مما يتعرف عليه الراشدون الأصغر سنًّا.
إلّا أن نتائج بعض البحوث الأخرى أكدت وجود بعض التدهور في ذاكرة التعرف مع التقدم في العمر، وهذا يعني أن المسألة موضع خلاف, إلّا أننا بصفة عامة تتفق مع ولرمان في قوله: "إن من الواضح أننا نستطيع تحت شروط معينة إثبات حدوث تدهور حادٍّ في ذاكرة الاستدعاء مع العمر، بينما لا يظهر مثل هذا التدهور في ذاكرة التعرف" "Willerman, ١٩٧٩".
لماذا يحدث التدهور العقلي المعرفي في طور الشيخوخة؟
قدَّم الباحثون إجاباتٍ مختلفة لهذا السؤال، ومن ذلك مثلًا: أن Schaie"
стр. 610
"١٩٧٤ يتحدث عن "خرافة التدهور العقلي"، ويقول: إنه حين نجري الدراسات المستعرضة نلاحظ فروقًا ظاهرة في المهارات بين الأجيال المتتابعة؛ ففي الاختبارات غير المعتمدة على السرعة على الأقل لوحظ أن المسنين لا يختلفون في أدائهم عَمَّا كان عليه الحال حين كانوا أصغر سنًّا, ومع ذلك فإنهم لا يؤدون بنفس الدرجة من الجودة كما يفعل أحفادهم المتعلمون تعليمًا جيدًا "ربما أفضل منهم". ويقترح سكائي أن القدرات العقلية لا تتدهور عند المسنين إذا كانوا أصحاء بدرجة معقولة، ولكنها قد تصبح غير ملائمة للعصر, ومن ناحيةٍ أخرى فإن التدهور -إن حدث- لا يظهر في جميع أو في معظم القدرات العقلية إلّا عند قليل من الناس, وقد أشرنا في مطلع هذا القسم إلى العوامل التي تؤدي إلى الفروق الفردية في ذلك.
ويرى "Riegel, ١٩٧٤" أن التدهور -إن حدث- قد يعكس ظروفًا ثقافية متغيرة؛ فالجيل الجديد والتغير الاجتماعي قد يتجاوزان حدود الفرد، وعلى الرغم من أن المسن يعطي انطباعًا أنه تدهور في أدائه، إلّا أن ما حدث قد يكون أنه ظل ثابتًا ومستقرًّا في أدائه, ولكن المجتمع هو الذي غيَّرَ من ظروفه ومستوياته ومطالبه.
ويرى باحثون آخرون أن العوامل المرتبطة بالصحة الجسمية ترتبط بنقص الأداء في مرحلة العمر الثالث للإنسان؛ ففي الدراسة الكلاسيكية التي قام بها بيرن وزملاؤه "Birren, et al., ١٩٦٣" تناولوا النشاط الفسيولوجي والعقلي والوجداني عند الصغار والمسنين, وقد صُنِّفَ المسنون إلى مجموعتين: إحداهما تشمل أولئك الذين يعيشون في مستوى أمثل للصحة، والمجموعة الثانية تشمل أولئك الذين ليست لديهم أعراض كلينيكية واضحة للمرض, ولكنهم من نوع الحالات شبه الكلينيكة Subclinical, من خلال الفحوص المتعمقة, وقد لوحظ أن المجموعة الأخيرة كانت أدنى في أدائها في اختبار للذكاء ليس فقط بالنسبة للمجموعات الأصغر سنًّا, وإنما بالنسبة أيضًا لمجموعة المسنين الأكثر منهم صحة، إلّا أن النتيجة التي تستحق الذكر بالنسبة للذكاء خاصةً أن مجموعتي المسنين تفوقتا على المجموعات الأصغر سنًّا في الذكاء اللغوي، والقدرة العددية، وكان العكس صحيحًا بالنسبة للسرعة "كما تقاس بزمن الرجع", وهذه النتيجة تدعم مرة أخرى فرض أن القدرتين اللغوية والعددية لا تتدهوران مع العمر، بل قد تستمران في الزيادة، بينما المهارات المعتمدة على سرعة التوصيل العصبي المركزي أظهرت تدهورًا مرتبطًا بالعمر, وهذه الدراسة لها أهمية خاصة لأنها أشارت إلى الأثر السلبي للمرض، حتى ولو كان بدرجة خفيفة، في النشاط العقلي للمسنين؛ فحين
стр. 611
يكون المسنون متحررين من المرض ولو نسبيًّا، وهو أمر نادر الحدوث، فإن الفروق بين المسنين وغيرهم تكون ضئيلة باستثناء بطء نشاط الجهاز العصبي المركزي.
وهناك تفسير آخر في ضوء التفاعل الاجتماعي للمسنين؛ فالأشخاص الذين يكونون منعزلين اجتماعيًّا، كما هو الحال بالنسبة لكثيرٍ من المسنين، تتاح لهم فرص أقل لممارسة مهاراتهم العقلية بالمقارنة بغيرهم ممن هم أكثر نشاطًا من الوجهة الاجتماعية؛ فالتواصل والحوار المحدود بين المسنين وغيرهم يعوقهم عن استقبال المعلومات وعن الاستفادة من التغذية الراجعة من الآخرين، والتي تلعب دورًا هامًّا في تصحيح أخطاء الإدراك، وخفض التمركز حول الذات، وبوجهٍ عامٍّ، استثارة النمو المعرفي, وقد دعمت هذا التفسير دراسة "Dolen Bearison ١٩٨٢".
ويوجد تفسير أخير يميز فيه أصحابه بين الكفاية competence والأداء performance "Flavell Wohlmill ١٩٦٩". ومن الوجهة الفنية يمكن القول أن الكفاية هي ما يعرفه الشخص أو يستطيع القيام به في صورة ما يجب أن يكون, بينما الأداء يمثل ما يقوم به الفرد بالفعل, وباستخدام هذا التمييز فإن فلافل وزميله يريان أن الأداء المتناقص لدى المسنين لا يشير بالضرورة إلى نقص الكفاية, ومن ذلك مثلًا أن المسنين قد يؤدون أداءً سيئًا بسبب نقص الدفاعية، كأن ينفروا من المواد الشبيهة باللعب في مهام بياجيه أو يفشلوا في تكوين علاقة طيبة مع باحثين أصغر منهم سنًّا, أو يأنفوا من الاستماع للتعليمات, وفي بعض الحالات فإن كفايتهم قد تكون عالية إلّا أن مهاراتهم ربما يكون قد علاها "الصدأ", وهكذا فإن تدهور الوظائف المعرفية في الشيخوخة قد يمثل فجوة أكثر اتساعًا بين الكفاية والأداء أكثر منه نكوصًا إلى الوراء, وإذا كان هذا صحيحًا فإن أداء المسنين يمكن أن يتحسن.
ويثير ذلك مسألة قابلية التدهور المعرفي للتحول إلى ضده Reversibility ويذكر "Schaie, ١٩٩٤" أن الأدلة الراهنة تؤكد أن التدخل المعرفي يؤدي إلى تحسن التدهور العقلي لدى المسنين, ويختزل الفروق بين الأعمار لدى المسنين الذين على الرغم من أن أداءهم يظل ثابتًا عبر الزمن يعانون من ظروف غير ملائمة, بالمقارنة بمن هم أصغر منهم سنًّا، بشرط عدم حدوث تدهور في الوظائف المخية.
стр. 612
حكمة الشيوخ
مدخل
...
حكمة الشيوخ:
على الرغم من أنه من الواضح أن عددًا من مكونات تجهيز المعلومات والذكاء يتدهور، أو على الأقل لا يكون متاحًا للاستخدام في مرحلة الشيخوخة، إلّا أن هذا لا يقودنا إلى نظرة متشائمة نحو التقدم في السن, وقد أشرنا فيما سبق إلى أن المسنين يظلون على درجة من المرونة العقلية, ويظهرون قدرة على إعادة التدريب المعرفي, أضف إلى ذلك أنه حين تكون المهارات العقلية جيدة الممارسة فإنه لا يوجد إلّا أدلة قليلة على حدوث تدهور عقلي ملحوظ فيها مع التقدم في العمر.
ومما يقال كثيرًا: إن الإنسان مع تقدمه في السن تعوّض الخبرة وسعة المعلومات التدهور الحتمي في الوظائف العقلية والجسمية, وهذا المكوّن الإيجابي في النمو المعرفي يرتبط بما يسميه الباحثون "الحكمة" Wisdon، والتي تشير إلى خصائص معينة مثل: الحدس والاستبطان والخبرة والتكامل العقلي والتعاطف ورشد القرار والفهم والصبر واللطف "Brodzinsky, el al., ١٩٨٦", وهي خصائص مرتبطة بالتقدم في السن، وهي أكثر شيوعًا لدى المسنين، وعادة يخلعها عليهم من هم أصغر سنًّا، على الرغم من أن المسنين أنفسهم نادرًا ما يربطون بين الخبرة والتقدم في السن من ناحيةٍ, وبين الحكمة من ناحيةٍ أخرى.
وتوجد خاصية أخرى ترتبط غالبًا بالشخص الحكيم, وهي أنه يقوم بدور مورد المعلومات والنصيحة والمشورة للأشخاص الآخرين, وبالطبع فإن الشخص المسن بحكم ما تراكم لديه من مخزون كبير من المعرفة عبر السنين, يكون في موقع فريد لأداء هذه المهمة, ويرى بعض الباحثين "Mergler & Goldstein ١٩٨٣" أن التغيرات الفسيولوجية والمعرفية التي تصاحب الشيخوخة تلائم إلى حَدٍّ كبير نمو النقل الشفوي للمعلومات؛ فالطريقة التي ينظم بها المسنون المعلومات وخاصةً المعلومات القصصية، وطريقة عرضها على المستمعين، تؤدي إلى نظام للعرض أكثر فعالية من الطريقة التي تعرض بها نفس المعلومات بواسطة راشدين أصغر سنًّا؛ فالمسنون يدركهم المستمعون إليهم على أنهم أكثر موثوقية وصدقًا، وبالتالي يكون أثر رسائلهم في الآخرين "وخاصة المستمعين" كبيرًا, وفي كثير من الثقافات يكون للمسنين مكانة عالية كرواة القصص. وهكذا فإنه من منظور الحياة اليومية يمكن القول أن النشاط المعرفي للمسنين أوسع نظامًا وأكثر عمقًا من أن يكون مجرد استدلالٍ صوريٍّ أو محض حلٍّ للمشكلة، أو تطبيق لأساليب التفكير.
стр. 613
فحكمة الشيوخ تؤدي إلى "ضبط أوتار الاستدلال" Fine tuning- على حد تعبير "Schuster Ashburn ١٩٩٤", وتطبيق المبادئ بفطنة وحذق على نحوٍ يؤدي إلى حلِّ أو إعادة حلِّ مشكلات الحياة اليومية, وليس مجرد حل مشكلات الاختبارات أو المهام التجريبية.
ولم يحظ موضوع الحكمة على الرغم من أهميته بالاهتمام الذي يستحقه من علم النفس, ونعرض فيما يلي لبعض الجهود التي تستحق من الباحثين المزيد من الدراسة حولها.
стр. 614
الحكمة: قدرة القدرات الإنسانية
في تناول أحد مؤلفي هذا الكتاب "فؤاد أبو حطب ١٩٩٦" لمفهوم الذكاء في إطار النموذج العملياتي الرباعي الذي اقترحه منذ عام ١٩٧٢", أكد قابلية الذكاء للتعدد, كما توقع قابليته للتوحد من خلال قدرة رفيعة المستوى عالية المكانة، ولم يجد تسمية أفضل لهذه القدرة المتوقعة من مصطلح "الحكمة".
والحكمة لفظ من ألفاظ القرآن الكريم، وقد ورد اللفظ في عشرين موضعًا من كتاب الله, ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[البقرة:٢٦٩] .
يقول القرطبي في تفسيره لهذه الآية الكريمة: إن العلماء اختلفوا في الحكمة هنا، فقال السدي: هي النبوة، وقال ابن عباس: المعرفة بالقرآن؛ فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدمه ومؤخره, وقال قتادة ومجاهد: الحكمة هي الفقه في القرآن, وقال مجاهد: هي الإصابة في القول والفعل, وقال ابن يزيد: هي العقل في الدين, وقال مالك بن أنس: هي المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع له, وروى عنه ابن القاسم أنه قال: الحكمة التفكر في الله والاتباع له, وقال أيضًا: الحكمة طاعة الله والفقه في الدين والعمل به, وقال الربيع بن أنس: الحكمة الخشية, وقال إبراهيم النخعي: الحكمة الفهم في القرآن, وقال زيد بن أسلم وقال الحسن: الحكمة الورع.
ويعقب القرطبي على هذه الأقوال بقوله: إنها جميعًا ما عدا السدي والربيع والحسن قريب بعضها من بعض؛ لأن الحكمة تصدر من الإحكام وهو الإتقان في قولٍ أو عمل, فكل ما ذكر هو نوع من الحكمة التي هي الجنس, فكتاب الله
стр. 615
حكمة، وسنة نبيه حكمة، وكل ما ذكر من التفصيل فهو حكمة, وأصل الحكمة ما يمتنع به السفه؛ فقيل للعلم حكمه؛ لأنه يمتنع به، وبه يعلم الامتناع من السفه وهو كل فعلٍ قبيح، ومن معانيها القرآن والعقل والفهم.
ويورد التفسير الوسيط الذي أعده مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف تحديدًا لمعنى الحكمة في هذه الآية الكريمة بأنها "إصابة الحق في قولٍ أو فعلٍ أو رأيٍ, وهي من الملكات النفسية العليا التي يمنحها الله من هو أهلٌ لها", وتتضمّن التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والصواب والخطأ، والذي يبعد الإنسان عن المعاطب، ويصل به إلى السلامة والنجاة, ويورد لسان العرب الحكمة بمعنى معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم, ويلخص معجم ألفاظ القرآن الكريم الذي أعده مجمع اللغة العربية ذلك كله في أن الحكمة تطلق على ما يتحقق فيه الصواب من القول والعمل.
وفي عام ١٩٩٠ صدر كتاب هام حرره روبرت سترنبرج Sternberg, ١٩٩٠" حول طبيعة الحكمة وأصولها ونموها, وقد شارك في الكتاب عدد من علماء النفس والفلاسفة, ولعل أهم ما نبه إليه "Birren" Fisher" في فصلهما الختامي لهذا الكتاب أن هذا اللفظ -الذي ورد في القرآن الكريم بهذا المعنى الرفيع منذ أربعة عشر قرنًا -لم يظهر في اللغة الإنجليزية إلّا منذ حوالي عام ١٠٠٠، أي: بعد حوال نصف قرن من وروده في القرآن الكريم -ويورد معجم إكسفورد معنى اللفظ بأنه:
"القدرة على الحكم حكمًا صحيحًا على الأمور المرتبطة بالحياة والسلوك، وصحة الحكم عند الاختيار للوسائل والغايات, وبمعنى أقل تحديدًا يعني: الإحساس الصائب وخاصة في الأمور العملية".
وهكذا يرتبط لفظ الحكمة بالمعرفة والاستثارة والتعلم والتفلسف والعلم, ويتضمن العادات السلوكية الحسنة وأنماط الفعل القويم, ويشير إلى أن الشخص "الحكيم" لديه القدرة على إصدار الأحكام الصائبة.
والخلاصة: أن الحكمة هي قدرة القدرات الإنسانية التي تتوازن فيها المعرفة والوجدان والعقل، كما تتوازن فيها أنواع الذكاء المختلفة.
стр. 616
أمثلة من البحوث النفسية في الحكمة:
لا يتسع المقام لتناول المفهوم من مختلف الاتجاهات اللغوية والفلسفية والاجتماعية والنفسية, حسبنا أن نشير إلى الفصل العام الذي كتبه سترنبرج نفسه في الكتاب المشار إليه, وفيه يحاول تناول العلاقة بين الحكمة والذكاء والإبداع, من خلال بضع دراسات أولية قام بها مع عدد من زملائه وتلاميذه بدأت عام ١٩٨٦.
وقد بدأ المشروع باستطلاع رأي عدد من أساتذة الفن والإدارة والفلسفة والعلوم الاجتماعية, بالإضافة إلى عدد من الأفراد العاديين حول أنماط السلوك التي يمكن أن يتصف بها كلٌّ من الشخص الحكيم والذكي والمبدع، وتَمَّ التوصل إلى أكثر من مائة مؤشر سلوكي, ثم طلب من عدد أكبر من الأساتذة المتخصصين في مختلف جوانب المعرفة أن يقدروا كل مؤشر من هذه المؤشرات في ضوء إدراكهم لطبيعة كل فئة من الفئات الثلاث للقدرة: الحكمة، الذكاء، الإبداع.
وحُسِبَتْ معاملات الارتباط بين التقديرات المختلفة للقدرات الثلاث, وأظهرت النتائج أن أعلى معاملات الارتباط كانت بين الحكمة والذكاء بوسيط معاملات ارتباط٠.٦٨, أما أدنى هذه المعاملات فبين الحكمة والإبداع "وسيط معاملات الارتباط ٠.٢٧," أما العلاقة بين الذكاء والإبداع فكانت في منزلة متوسطة "وسيط معاملات الارتباط ٠.٥٥".
وفي دراسة أخرى قام الباحث نفسه باختيار المؤشرات السلوكية الأربعين التي تقع على رأس قائمة التقديرات لكلٍّ من الحكمة والذكاء والإبداع, والتي توصلت إليها النتائج السابقة، وطلب من عينة طلاب الجامعة تصنيف هذه المؤشرات البالغ عددها ١٢٠ مؤشرًا إلى أيّ عدد من الفئات, ثم أخضع هذه التصنيفات لأسلوب التحليل المتعدد الأبعاد اللامتري nonmetric multidimentional "وهو بديل التحليل التعاملي", وتوصل الباحث إلى مكونات كلٍّ من الحكمة والذكاء والإبداع على النحو الموضح في الجدول "٢٠-١".
стр. 617
جدول "٢٠-١" مكونات الحكمة والذكاء والإبداع
ويمكن أن نعرض بعض خصائص المكونات الستة التي تؤلف كما يلي "Sternberg, ١٩٩٠".
١- القدرة على الاستدلال: وتشمل مجموعة من الخصائص قد لا تشملها كلها طبيعة القدرة الاستدلالية كما كشفت عنها بحوث التحليل العاملي التقليدية، وتتضمن القدرة على النظر إلى المشكلة أو الموقف والقدرة على حل المشكلات والتعقل المنطقي, والتمييز بين الصواب والخطأ, وتطبيق المعارف في مواقف عملية، والقدرة على تناول المعلومات والأفكار والنظريات الفرعية من منظور جديد، وتوافر ثروة كبيرة من المعلومات، والقدرة على إدراك التشابه والاختلاف والعقلانية والربط والتمييز بين الأفكار والأشياء.
٢- الحصافة "أو الفطنة" Sagacity: وتشمل الاهتمام بالآخرين وفهمهم وتقديم المشورة والنصيحة لهم من خلال التعامل معهم، والقدرة على التعلّم من الآخرين، والقدرة على معرفة الذات معرفة جيدة، والقدرة على
стр. 618
الاستماع الجيد، والشجاعة الأدبية في الاعتراف بالخطأ وتصحيحه والتعلم منه, والتقدم نحو الأفضل، الانتباه للجوانب المختلفة من الموضوع الواحد.
٣- التعلم من الأفكار والبيئة: وتشمل الاهتمام بالأفكار والتميز بدرجة عالية من الإدراك والانتباه والتعلم من أخطاء الآخرين.
٤- الحكم Judgment: وتشمل القدرة على الفعل في إطار الحدود العقلية والطبيعية المتاحة للمرء, الحساسية, والتفكير قبل الفعل أو اتخاذ القرار, والتفكير طويل المدى، والتفكير قبل الكلام، مع وضوح الأفكار عند التعبير عنها.
٥- الاستخدام الفعَّال للمعلومات Expditious use of lnformation ويشمل ذلك وفرة الخبرة والبحث عن المعلومات وخاصةً التفاصيل، والتميُّز بالنضج، والتعلُّم والتذكُّر والحصول على المعلومات عن ألوان النجاح والفشل السابقين، والقدرة على تغيير الأفكار على أساس الخبرة.
٦- حدة الذهن Persacacity": ويشمل ذلك الحدس والقدرة على تطوير الحلول التي تتسم بالصواب أو الحقيقة، والقدرة على إدراك ما وراء المظاهر، وقراءة ما بين السطور، والقدرة على فهم وتفسير البيئة المحيطة بالشخص.
ويلاحظ على القائمة السابقة أن القدرة على الاستدلال "في قائمة مكونات الحكمة" والقدرة على حل المشكلات العملية "في قائمة مكونات الذكاء" متشابهتان، وهما القدرتان اللتان تحتلان الأولوية في كلٍّ منهما، بينما القدرة التي تحتل الأولوية في الإبداع وهي عدم التقييد nonentrenchment, فإنها تختلف تمامًا من حيث تكوينها السلوكي عن القدرة المناظرة في كلٍّ من الحكمة والذكاء.
بعض القضايا الأساسية:
لكي يبدأ برنامج علمي للبحث في سيكولوجية الحكمة لا بُدَّ من أن يوجه باستراتيجية واضحة في هذا الصدد، وفي رأينا أن الجهود التي بذلت حتى الآن، وخاصةً تلك التي يضمها كتاب "١٩٩٠ Sternberg" ليست إلّا بداية لطريق طويل يحتاج من الباحثين المثابرة والتجديد والإبداع, ونعرض فيما يلي مجموعة من القضايا الأساسية التي تحتاج إلى العكوف عليها بالبحث والتقصي حول السؤال الأساسي: ما هي طبيعة الحكمة؟ هذا السؤال تحتاج الإجابة عليه إلى مراجعة شاملة للتراث الديني والفلسفي والسيكولوجي حول الموضوع, وإليك بعض الأمثلة
стр. 619
لتصورات مقترحة:
١- الحكمة هي الجدل المتوازن اللطيف بين مجموعتين من الخصائص؛ إحداها التجهيز الخارجي الموضوعي المنطقي "اللوجوس"، وثانيهما: التجهيز الداخلي الموضوعي العضوي "الميثوس", وهو التصور الذي يقترحه "Labouvie".
٢- الحكمة هي الخبرة في أحد المناشط الأساسية في الحياة, وتتطلب معلومات حقيقية وفيرة حول شئون الحياة، ومعرفة إجرائية ذرائعية حول المشكلات اليومية، ومعرفة بالسياقات أو القيم أو الأولويات المختلفة في الحياة، ومعرفة بعدم التنبؤية في شئون الحياة "Baltes & Smith".
٣- الحكمة هي أسلوب متجاوز للمعرفة metacognitive Style" مثل معرفة المرء أنه لا يعرف كل شيء, والبحث عن الحقيقة إلى الحد الذي يكشف عنها ويجعلها معلومة للناس "Sternberg".
٤- الحكمة هي توازن متعدد الأبعاد, أو تكامل بين المعرفة والوجدان والانتساب والاهتمامات الاجتماعية، وجوهر الحكمة هو في نموِّ الشخصية وتقدمها, مع توافر مهارات معرفية "Orwell & Perlmuter".
٥- الحكمة هي الوعي بقابلية المعرفة للخطأ، والبحث عن التوازن بين المعرفة والشك، وتطرأ عليها تغيرات مع العمر، ابتداءً من مظاهرها البسيطة السطحية, وحتى مظاهرها العميقة المركبة, ومع ذلك فإن العمر في ذاته ليس من مكونات الحكمة، بل إنها قد تتناقض أو تفتقد مع التقدم في السن "Meacham".
٦- الحكمة هي قدرة على الوعي بحدود المعرفة, وقد تؤثر على حل المشكلات سيئة التحديد, وإصدار الأحكام، وهي من سمات الحكم التأملي "Kitchener & Brenner".
٧- الحكمة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقدرة على إيجاد المشكلات, وتُعَدُّ عملية معرفية أساسية في التأمل والحكم "Arlin".
٨- الحكمة هي وسيط للتجهيز الرمزي يتم بإرادة غالية, وهي تكامل جدلي بين جميع جوانب الشخصية, ويشمل ذلك الوجدان والإرادة والمعرفة وخبرة الحياة "Pascual - Leone".
стр. 620
٩- الحكمة هي التكامل العضوي بين الطرق النسبية والجدلية للتفكير والوجدان والتأمل, وتدل على منظورٍ حول الحقيقة ينمو من خلال العلاقات بين الأشخاص "Kramer".
١٠- الحكمة هي التكامل بين الوجدان والنزوع والمعرفة في القدرات الإنسانية استجابةً لمهام الحياة ومشكلاتها، وهي توازن بين الأقطاب المتضادة، بين التوتر الحاد والتجرد، بين الفعل والسكون، بين المعرفة والشك, وتميل الحكمة إلى الزيادة مع النموّ, وبالتالي مع التقدم في العمر, إلّا أنها ليست بالضرورة من خصائص المسنين "Birren & Fisher".
ويبدو لنا أن تحليل هذه الأطر النظرية وغيرها مما بدأ يطرح على الساحة السيكولوجية في الفترة الأخيرة يؤكد المنظور الذي يؤكده فؤاد أبو حطب من أن الحكمة هي قدرة القدرات العقلية، وهي نقطة التوازن الذهبي بين الذكاء الموضوعي والذكاء الاجتماعي والذكاء الشخصي "الأنواع الثلاثة من الذكاء التي اقترحها في نموذجه"، وهي نضج وجداني واجتماعي ومعرفي معًا، ويتفق ذلك كله مع تحليلنا اللغوي في الفصل السابق لمعنى الشيخوخة, كما ورد في قوله :
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَة﴾ [الروم: ٥٤] .
стр. 621
التقاعد
مفهوم التقاعد
...
التقاعد:
يُعَدُّ التقاعد retiement نقطة تحول هامة في حياة الإنسان؛ لأنه كما بينا من قبل هو المؤشر الاجتماعي الرئيسي على تحول الإنسان من طور بلوغ الأشد "منتصف العمر" إلى مرحلة الشيخوخة، تمامًا كما كان العمل هو المؤشر الاجتماعي الحاسم في انتقال الإنسان إلى مرحلة الرشد, وكلٌّ من العمل والتقاعد كمؤشرين على التحول في نمو الإنسان يدلان على الأهمية البالغة للمحكات الاجتماعية في تحديد كلٍّ من الرشد والشيخوخة، ربما على نحوٍ يفوق بكثير العوامل البيولوجية.
مفهوم التقاعد:
يمكن أن نعرِّفَ التقاعد بأنه عملية اجتماعية تتضمن تخلي الفرد "اختياريًّا أو إجباريًّا" عن عملٍ ظلَّ يقوم به معظم حياته المهنية، وبالتالي انسحابه من القوى العاملة في المجتمع، وتحوله إلى الاعتماد، جزئيًّا
стр. 622
على الأقل، على نظامٍ معين للكفالة المادية هو نظام التأمين الاجتماعي؛ حيث يحل المعاش pension محل الأجر wage.
وهذا التعريف الذي نقترحه لا يعني أن التقاعد يعني التعطل أو البطالة الكاملة, صحيح أنه -من منظور دورة الحياة في النمو- هو نهاية دورة الحياة المهنية للإنسان، إلّا أننا نجد بعض المسنين -بعد تقاعدهم من عملهم الأصلي- يقومون بعملٍ بعض الوقت، وقد يرجع ذلك أحيانًا إلى أسباب مالية "حيث المعاش أقل بكثير من الأجر الذي ظلَّ الشخص يحصل عليه لسنوات طويلة"، إلّا أنه في معظم الأحيان يرجع إلى رغبة المسن في الشعور بالرضا لأنه يقوم "بعمل ما"، والعمل قيمة أساسية، ناهيك عن أنه مكوّن أساسي في هوية الإنسان.
ومن حقائق التاريخ الإنساني أن التقاعد مفهوم حديث خلقه التقدم في التصنيع, ومن الطريف أنه عند بداية الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر لم يكن يصل إلى سن التقاعد إلّا أقلية من السكان، ولهذا كان العامل العادي يظل في عمله حتى وفاته, وبالطبع كان ذلك هو التقليد المستقرّ عبر العصور السابقة؛ ففي الحرف التقليدية والمهن الزراعية والأعمال الحكومية التي كانت سائدةً قبل عصر التصنيع, لم يكن هنا تقاعد بالمعنى الذي نعرفه اليوم، فالمرء كان يظل يعمل طالما أنه حيّ وقادر على العمل, بل إنه في مثل تلك المجتمعات السابقة على التصنيع كان هناك دائمًا عمل كل فرد مهما بلغ عمره، طفلًا كان أو راشدًا أو شيخًا طاعنًا في السن.
إلّا أنه مع تطور حركة التصنيع ظهرت الحاجة إلى التقاعد, ويذكر "McConnell ١٩٨٣" بضعة أسباب لذلك منها:
١- مع تراكم الإنتاج في أوروبا ابتداء من عام ١٨٧٠ تضاءلت الحاجة إلى القوى العاملة التي تزوّد المجتمع بحاجاته من السلع والخدمات, ولذلك قلَّ الطلب على القوى العاملة, وكان ذلك أكثر وضوحًا في مجال الزراعة؛ حيث انخفضت فرص العمل إلى ٥٠%, ثم إلى ٣٨% عام ١٩٠٠, وإلى ٤% عام ١٩٧٥.
٢- التطور التكنولوجي الذي لازم الثورة الصناعية منذ ظهورها, والذي يتسم في عصرنا الحاضر بما يُسَمَّى الانفجار التكنولوجي, أدّى إلى تغييرٍ في طبيعة كثير من المهن والأعمال، وتطلب حاجة مستمرة للتدريب لمواجهة هذه التغيرات. وبالطبع, فإن مهارات العمال المتقدمين في السن ومعارفهم لا تكون ملائمة لذلك.
стр. 623
٣- التعقد في نظم الإدارة الصناعية والحكومية الحديثة, وغلبة الطابع البيروقراطي على كثيرٍ منها أدى إلى سيطرة القواعد والنظم الجامدة التي تركز على الإنتاجية ومصلحة العمل, والتي لا تضع في الاعتبار -في الأغلب- الجوانب الإنسانية, صحيح أن هذه النظم ساعدت على رفع إنتاجية المؤسسات إلّا أنها أغفلت الاهتمام بالإنسان.
٤- ظهور نظام التأمينات الاجتماعية والمعاشات هيأ أساسًا اقتصاديًّا وماديًّا لتقاعد العمال المتقدمين في السن، وفي ضوئه تحدد سن الستين أو الخامسة والستين كعمرٍ مناسب للتخلي عن العمل والانسحاب من القوى العاملة.
ويبدو لنا أن اختيار سن ٦٠ أو ٦٥ هو محض قرار اعتباطي، وليس له علاقة مباشرة بعملية التقدم في السن أو الشيخوخة, إلّا أنه مع شيوع استخدامه في معظم المجتمعات المعاصرة، وطول استخدامه لأكثر من نصف قرن حتى الآن على أن المحك الذي يحدد أحقية المواطن في المعاش أدّى تدريجيًّا إلى قبوله على أنه "الباب الرسمي" لدخول العمر الثالث للإنسان, ومن الطريف أن نشير هنا إلى أن أول تحديد لسن التقاعد في العصر الحديث حدده القانون الألماني عام ١٨٩١ بسن السبعين، وفي عام ١٩٠٠ كان حوالي ٧٠% من الأمريكين الذكور الذين تجاوزت أعمارهم ٦٥ عامًا كانوا لا يزالون يعملون إلّا أن القانون في المجتمعات الغربية حدده منذ عام ١٩٣٥ حدده بسن ٦٥ عامًا، ونتيجة لذلك تناقصت نسبة العاملين بعد هذا السن، فبلغت في الولايات المتحدة في أعوام ١٩٦٠، ١٩٧٥، ١٩٨٦ على التوالي ٣٥%، ٢٢%، ١٦% "Fowles, ١٩٨٧", على الرغم من صدور قانون في عام ١٩٨٧ بمد سن التقاعد إلى سن السبعين, ومع ذلك فإن بعض الباحثين يرون أنه لو حسبت العلاقة بين سن المعاش ومتوسط طول العمر الآن "كما حدث في عام ١٩٣٥ حيث تحدد في ضوئها سن المعاش الحالي في الولايات المتحدة وهو ٦٥ عامًا" فإن الأصح في رأيهم أن يعمل الأمريكي اليوم حتى يبلغ سن الثمانين.
وفي مصر "ومعظم الأقطار العربية والإسلامية" فإن سن التقاعد الرسمي هو٦٠ عامًا, ويستثنى من ذلك بعض الفئات، فقد يزيد عن ذلك بالنسبة لبعض الفئات كخريجي المدارس والمعاهد والكليات الأزهرية، وبعض الفئات المهنية؛ حيث يبلغ سن التقاعد عندهم ٦٥ عامًا, وقد يقل عن ذلك بالنسبة لفئات أخرى كضابط القوات المسلحة؛ حيث يتقاعد بعضهم في الأربعينات أو الخمسينات من
стр. 624
العمل أو الرغبة فيه؛ فتحديد أيّ سن للتقاعد -يزيد أو ينقص من ٦٠ عامًا- هو اختراع يسمح للحكومة وأصحاب الأعمال أن يتحللوا من مسئولياتهم إزاء المسنين ذوي الأجور العالية نسبيًّا، وبهذا تتاح الفرص للشباب بدخول ميدان العمل والتقدم في سلمه الهرمي.
التمييز المهني على أساس العمر:
يعتقد معظم الناس -ومنهم كثير من المسنين- أن الإنسان بعد بلوغه سن معين يصبح أقل كفاءة, وأصعب تكيفًا, وأقل يقظة ومرونة, وأكثر بطأً, وأضعف صحة, وهي جميعًا من محددات نقص الكفاية المهنية. ومن الطريف أنه على الرغم من هذه الصورة المتشائمة لدى المسنين بالنسبة لقدرتهم على العمل, يعبر الشباب عن صورة مختلفة لهم بالنسبة للسمات العامة؛ فالمسنون -عند الشباب- أكثر حكمة وأكثر رحمة ومودة "Perlmutter & Hall, ١٩٨٥". وبالطبع فإن الصورة السلبية عن قدرات المسنين على العمل هي الأكثر شيوعًا, وخاصةً لدى المسئولين عن القوى العاملة في المجتمع؛ فعند الموازنة بين الصغار والكبار في السن يعين الصغار، ويعزل العامل المتقدم في السن إذا أصبحت مهاراته لا تتواءم مع التقدم التكنولوجي، ويبقى الأصغر سنًّا لسهولة إعادة تدريبه، والمسن هو أول من يترك العمل وآخر من يُعَيِّنُ, وحين يجد المسن عملًا آخر بعد ترك عمله الأصلي فعادةً ما يكون أدنى مكانةً وأقل أجرًا, والمسنون أيضًا يتم تجاوزهم عند الترقية، وهم أقل الفئات فيما يتاح لهم من فرص التعليم وإعادة التدريب لرفع مهاراتهم المهنية, بل إن الدراسات المقارنة بين أجور المسنين وغيرهم, وجدت أنه بعد تصحيح أثر التعليم والتدريب المهني والخبرة والعمل والمستوى الصحي, فإن أجور المسنين أكثر انخفاضًا, فبسبب أجورهم المرتفعة نسبيًّا لا تزيد أجورهم بنفس معدل زيادة أجور ومكأفات من هم أصغر سنًّا, وخاصةً حين تتحدد حدود قصوى لهذه الزيادات والمكأفات.
هل هناك سبب واضح لهذا التمييز المهني على أساس العمر؟
بالطبع إذا كان العمال الأكبر سنًّا أقل إنتاجية ممن هم أصغر سنًّا, فإن عمل المسنين يصبح مكلفًا دون شك, إلّا أنه لا تتوافر بحوث تثبت ذلك, وإنما العكس هو الصحيح, فأغلب الدراسات التي أجريت حول الإنتاجية -سواء قيست بالمخرجات أو المبيعات- تؤكد عدم وجود فروق بين المجموعتين، وإن وجد بعض الهبوط في إنتاجية المسنين فهو هبوط طفيف قد لا يعتمد به Foner" "Schabwab ١٩٨١" بل إن بعض هذه البحوث تثبت أن إنتاجية العمال المسنين
стр. 625
أعلى من إنتاجية العمال الأصغر سنًّا، وتزداد هذه الفروق حينما تصحح في ضوء متغير الخبرة السابقة بالعمل, وبالطبع فإن جميع هذه الدراسات من النوع المستعرض، ونحن في حاجة إلى بحوث طولية للوصول إلى نتائج حاسمة حول هذه المسألة, وكل ما نستطيع قوله في ضوء الأدلة المتاحة حتى الآن, أنه في المهن التي درسها الباحثون "الأعمال الكتابية والإنتاج الصناعي" لا توجد فروق بين المتقدمين في السن وغيرهم في كم الإنتاج وكيفه.
ومع ذلك يبدو أحيانًا أن المسنين يتفوقون على الصغار في بعض جوانب العمل, إنهم "أي: المسنون" يعملون بمعدل أبطأ, وبالتالي فإن أخطاءهم أقل, وهم أكثر التزامًا بالعمل في ضوء مؤشر الغياب, أضف إلى ذلك أن الاعتقاد الشائع أن صغار العاملين أكثر مرونة وتحررًا من المتقدمين في السن قد يكون غير صحيح, والأصح القول: إن الصغار بحكم أن مستقبلهم المهني أكثر اتساعًا قد تتاح لهم فرص أكبر للتعديل والتطوير، بينما المسنون -وهم يقتربون من التقاعد- لا يخاطرون كثيرًا بسبب ضيق الوقت.
وهناك جانب آخر تجب الإشارة إليه, وهو أن مهارات المسنين المهنية قد تتقادم بسبب تركيزهم معظم حياتهم على أعمال "منقرضة", وبالطبع حين يحدث ذلك لصغار العاملين فإنهم يتغلبون عليه بالتدريب، أما المسنون فهم أقل حظًّا في ذلك، والسبب في ذلك أن الأجهزة الإدارية تجد في تدريب المسنين تكلفة بلا عائد, على عكس الحال مع تدريب صغار العاملين, أضف إلى ذلك أن خبرة المسن ربما تكون قد وصلت به إلى الحد الأقصى للأجور, وقد يشعر الجهاز الإداري أن تدريبه لا يفيده, وهو شعور غير صحيح؛ لأن الفائدة من التدريب ليست اقتصادية فحسب، وإنما للتدريب فائدته السيكولوجية أيضًا, والتي تتمثل في شعور المسن أنه لا يزال قادرًا على التعلّم, وهو محك ينأى به عن التحول السريع إلى طور أرذل العمر.
стр. 626
قرار التقاعد:
ليس هينًا على الإنسان أن يقرر التقاعد؛ فكثيرٌ من المسنين يشعرون عند التقاعد بأنهم طردوا من أعمالهم لا لسبب إلّا لبلوغهم سن المعاش، وهذا ما يُسَمَّى التقاعد الإجباري, والذي يحدده سن البلوغ التقاعد "أو بلوغ المعاش" الرسمي, وحالما يتقاعد المرء فإنه ينسحب في الأغلب من سوق العمل؛ إما بسبب التمييز المهني الذي أشرنا إليه، أو بسبب شعور المسنين أن تقدمهم في السن لا يسمح لهم بالعمل، على الرغم من أنهم حين يسألون فإن أغلبيتهم تفضل أن تستمر في العمل لما بعد سن المعاش, وفي نفس الوقت هناك من يقررون التقاعد قبل بلوغ سن المعاش القانوني, ويُطلَقُ على هذا النوع "التقاعد الاختياري", وهؤلاء قد تكون لهم موارد مالية ملائمة, بالإضافة إلى ما توفره لهم خطط المعاش من موارد إضافية، وبعض من يفضلون التقاعد المبكر يقررون ذلك للحصول على الراحة أو لقضاء وقتٍ أطول مع الأسرة "وخاصة بالنسبة للزوجة العاملة", ومن المصريين من يفعل ذلك لأسباب جديدة طرأت حديثًا على المجتمع؛ فكثير من الذين خرجوا للعمل في البلدان العربية -وخاصة خلال حقبة النفط- قرروا التقاعد المبكر من أعمالهم الأصلية في مصر "والذي يُسَمَّى إداريًّا ضم مدة الخدمة" إيثارًا للبقاء في هذه الدول الغنية, ومعظم هؤلاء من المهنيين الأكفاء والحرفيين المهرة, وقد أدى ذلك إلى خلل كبير في بنية الثروة البشرية في مصر, وفي هذه الأحوال يلعب العامل الاقتصادي الدور الحاسم في التقاعد المبكر.
وقد ظهر خلال التسعينات ما يُسَمَّى "المعاش المبكر" مع تطور برنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر, والذي يتوجه إلى تقليص حجم "القطاع العام", والتوجه مع سياسة التحرر الاقتصادي إلى تشجيع الاستثمارات الخاصة, ويقصد بالمعاش المبكر تشجيع العاملين بالقطاع الحكومي على ترك العمل مبكرًا مع تعويض مادي مناسب يمكن استثماره من خلال مساعدة الصندوق الاجتماعي للتنمية, وقد وضعت هذه السياسة لمواجهة مشكلة "العمالة الزائدة" والبطالة المقنعة، في القطاع العام خاصةً, والتي تُعَدُّ إحدى المشكلات المزمنة فيها منذ ظهوره في الستينات وأثرت في كفاءته وفعاليته.
وهكذا فإن العوامل التي تحدد قرار التقاعد المبكر معقدة متشابكة, فهي تشمل الظروف الصحية للراشد, وموقفه المالي, وطبيعة مهنته, ودرجة رضائه عن عمله, واتجاهاته نحو التقاعد, والظروف الاقتصادية للمجتمع الذي يعيش فيه؛ ففي دراسةٍ أجريت على عمال صناعة السيارات وجد الباحثون أن ضعف الصحة والدخل غير المناسب وعدم الرضا عن العمل والاتجاهات الإيجابية نحو التقاعد، كانت جميعًا العوامل التي أدت إلى التقاعد المبكر. وفي بعض الأعمال التي تلعب فيها المهارات الجسمية دورًا حاسمًا يكون التقاعد المبكر إجباريًّا، ومن ذلك المهن العسكرية "وخاصة في القوات المسلحة" التي يحال معظم أصحابها إلى الاستيداع قبل سن الخمسين "١٩٨٥ perlmutter & hall", ويلعب العامل الاقتصادي الدور الحاسم لدى أولئك الذين يتوقعون لدخلهم بعد المعاش أن يهيئ لهم حياة راضية،
стр. 627
أو أولئك الذين يجدون في حياتهم في بيئة جديدة فرصًا أفضل للاستقرار الاقتصادي "ومن ذلك مثال العاملين الذين استقروا في الدول العربية البترولية الذي أشرنا إليه".
وتلعب ظروف العمل دورًا هامًّا في قرار التقاعد المبكر في بعض المهن.
ففي دراسةٍ قام بها "١٩٧٨ quinn" وجد أن الظروف المادية السيئة للعمل؛ مثل: الضجيج والروائح الكريهة ودرجات الحرارة المتطرفة, بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل: عدم وجود فرص للمشاركة في اتخاذ القرارات والإجهاد الجسمي والنفسي المصاحب للعمل، ترتبط كلها بقرارات التقاعد, إلّا أن ما يلفت النظر أن ظروف العمل وجدت أكثر ارتباطًا بالتقاعد وقت سن المعاش أكثر من ارتباطها بالتقاعد المبكر, أما عدم الرضا عن العمل تحتل مكانه هامة لديه, ومعنى ذلك أن العوامل "النفسية" تفوق في أثرها "الطارد" من العمل العوامل المادية, ولعل مما يدعو للتأمل أن هذه الظروف النفسية أشد وطأة وأكبر تأثيرًا في الشخص حين يكون شغوفًا بعمله محبًّا له. إنه يتقاعد مبكرًا -كارهًا بالطبع- تاركًا عمله الذي يحبه يسبب ظروف غير عادية منفرة صنعتها قوى مدمرة فيه، قد تكون إدراة سيئة للمصنع أو المؤسسة.
ويؤثر في استمرار الشخص في عمله إلى بلوغ سن المعاش وربما بعده -إذا سمحت نظم العمل بذلك- عوامل هامة, على رأسها المستوى التعليمي للشخص, ثم طبيعة المهنة, والاعتبارات المالية أيضًا، فقد تأكَّد أن الراشدين من المستويات التعليمية العليا, والذين يحظون بمكانة عالية في مهنتهم, يميلون إلى الاستمرار فيها حتى ولو بعد المعاش, ومن ذلك مثلًا: أن معظم المهن الجامعية في مختلف البلدان تسمح لأصحابها بالاستمرار فيها لسنوات طويلة حتى بعد التقاعد الرسمي "نظام الأساتذة المتفرغين وغير المتفرغين"، ويصدق ذلك على العاملين في سلك القضاء, كما يصدق أيضًا على ذوي الكفاءات الرفيعة في أي مجال١. كما تؤكِّدُ البحوث أيضًا أن الأشخاص من ذوي المستوى الاقتصادي الاجتماعي المرتفع تتوافر لهم فرص أكثر للعمل ودوافع للاستمرار فيه, وبالطبع فإن
стр. 628
الأشخاص الذين يديرون مشروعاتهم الشخصية "في القطاع الخاص؛ كالحرفيين والمقاولين وصغار التجار"، والذين يمارسون المهن الحرة "كالأطباء والمحامين"، والذين يقومون بأعمال ذاتية النشاط مثل الفنانين والباحثين والعلماء, يستمرون في أداء عملهم بلا حدود زمنية, ولا يتأثرون بنظم التقاعد, كما أن هناك -كما أشرنا- أولئك الذين يتقاعدون من إحدى المهن ليعملوا في مهنة أخرى، أو يستمرون في أداء نفس المهنة ولكن في مؤسسة أخرى, أو في بلد آخر، فالتقاعد -بالمعنى الاصطلاحي- لا ينطبق إلّا على أولئك الذين يعملون لدى الغير، سواء في القطاع أو العام أو الحكومي, ومن المهم أن نشير هنا إلى أن معظم النتائج السابقة تصدق على الرجال دون النساء؛ فبالنسبة للمرأة العاملة وجد الباحثون في الغرب أن أقوى المنبئات بتقاعدها هو متغير العمر فقط "George, et al., ١٩٨٠", كما أن نسبة التقاعد الاختياري بين النساء أكبر منها بين الرجال "Hattis, et al., ١٩٧٥" وبالطبع فإن هذه النتائج لا تقبل النقل المباشر إلى ثقافات أخرى، ونحن في حاجة إلى دراسات حول هذ الموضوع في بيئاتنا، وخاصةً بعد أن تزايدت قيمة العمل لدى المرأة المصرية والعربية المعاصرة.
أما عن الاتجاهات نحو العمل والتقاعد، فعلى الرغم من أهميتها إلّا أنها ليست بقوة العوامل السابقة، كما أن أثرها في قرار التقاعد قد يكون على نحوٍ غير مباشر؛ فالاتجاهات نحو العمل قد تحدد للمسن قراره بالاستمراره في عمله بعد التقاعد, سواء لبعض الوقت أو كل الوقت. أما عن عامل الصحة الجسمية فقد تناقضت النتائج حوله حسب طبيعة منهج البحث المستخدم؛ ففي الدراسات المستعرضة كانت له أهمية واضحة، ولكنه في الدراسات الطولية لم يرتبط إلّا قليلًا بقرار التقاعد, ومع ذلك فإن المتخصصين في ميدان سيكولوجية المسنين يرون أن ضعف الصحة سبب مقبول اجتماعيًّا للتقاعد، ولهذا فعندما يسترجعه المسن -في الدراسات المستعرضة- يبالغ في تقدير أهميته, وعمومًا إذا اجتمع عامل ضعف الصحة مع نظام التقاعد الإجباري, فإن ذلك يسبب صعوبات جمة لتكيف المسنين.
ويوجد في الوقت الحاضر اتجاه في علم الإدارة نحو تفضيل عمرمتغير للتقاعد يسمح بأن يختلف من مهنة لأخرى ومن فرد لآخر, وهذ المبدأ يتفق بالطبع مع مبدأ الفروق الفردية في السلوك الإنساني, وهذا ما يسميه فؤاد البهي السيد "١٩٧٥" "بالتقاعد الفارق", ويمكن أن نلخص أهم الأسس التي يجب الاعتماد عليها في حساب التقاعد بهذه الطريقة على النحو الآتي:
стр. 629
١- العمر الإنتاجي في كل مهنةٍ "أي: تحديد نقطة ذروة الإنتاج فيه ونقطة الانحدار".
٢- نوع الإنتاج في كل مهنة "أي: مستوى الإنتاج من حيث الكم أو الكيف أو هما معًا".
٣- متوسط أعمار العاملين في كل مهنة.
٤- مستويات التخصص الضرورية, ومتطلبات المهارة والكفاية اللازمة لكل مهنة.
٦- نسبة عدد المتخصصين الجدد إلى عدد الأماكن الشاغرة في كل مهنة "تجنبًا لأزمة البطالة".
٧- نسبة العمالة الفعلية "باستبعاد كل صور البطالة المقنعة", ومدى قابلية المهنة لخطط التوسع في المستقبل.
٨- مدى إعاقة المتقدمين في السن لفرص الترقي التي يترقبها الشباب العاملون في المهنة.
стр. 630
عملية التقاعد:
عادةً ما ينظر إلى التقاعد على أنه حدث في حياة الإنسان, إنه يرتبط ببلوغه سن الستين أو الخامسة والستين "أو أقلّ من ذلك أو أكثر حسب نظام المعاش الرسمي" حين يذهب إلى عمله "لآخر مرة" ليجمع أوارقه وأدواته، وربما يحصل -في حالات قليلة- على رمزٍ تذكاريٍّ أو شهادة تقدير أو يحضر حفل تكريم له, إلّا أن التقاعد هو أكثر من ذلك في واقع الأمر, إنه عملية أكثر منه حدث، أي تغير يحدث تدريجيًّا ويستغرق وقتًا, ويرى Atchely, ١٩٧٧" أن عملية التقاعد تتضمن سبع مراحل، مع ملاحظة أنه ليس من الضروري أن يمر كل فرد بها جميعًا، كما ليس من الضروري أن يمر المرء بها بالتتابع المقترح؛ فالتنوع في عمر التقاعد وأسبابه يعني أن عملية التقاعد تختلف من شخص لآخر, ومع ذلك فإن نموذج آتشلي مفيد لفهم المهام النمائية التي تواجه المسن الذي يمر بعملية التحول من شخص عامل إلى شخص غير عامل، وهذه الخطوات هي:
١- مرحلة التفكير في التقاعد:
وهي تحدث قبل التقاعد بفترة, قد تكون قصيرة أو طويلة، وعند البعض قد تبدأ في النصف الأول من طور الرشد
стр. 631
الأوسط "بين ٤٠-٥٠عامًا", وعند معظم الراشدين فإن هذا هو وقت النشاط المكثف في العمل، وهو وقت الاستمتاع بثمار العمل: المكانة والأمن الاقتصادي والشعور بالكفاءة, إلخ, ولهذا فإن تفكيره في التقاعد حينئذ -إن حدث- يكون غامضًا، وقليل من الجهد يبذل للإعداد للتقاعد في هذه المرحلة، إلّا في حالات التقاعد الإجباري المبكر "ضباط القوات المسلحة مثلًا".
٢- مرحلة الاقتراب من التقاعد:
وفيها يكون تفكير المرء أكثر إيجابية, وتخطيطه أكثر تنظيمًا للتقاعد, وتقوم بعض المجتمعات بتقديم برامج لما قبل التقاعد, يلتحق بها الراشدون في أواخر طور منتصف العمر، وفيها تُقَدَّمُ لهم خدماتٌ إرشادية حول التقاعد, ويتدربون على التخطيط لهذا الطور من الحياة, ويرى آتشلي أن هذا هو وقت بداية التحرر من الالتزامات في العمل؛ حيث يتحلل الشخص تدريجيًّا من المسئوليات والالتزامات التي تنقل إلى الجيل الأصغر, وتنتهي هذه المرحلة بالتقاعد الفعلي.
٣- مرحلة الأثر المبدئي:
وهي المرحلة الأولى من التقاعد الفعلي تمثل الانتقال والتحول من دور العامل إلى دور غير العامل, ويختلف سلوك المسنين في هذه المرحلة؛ فعند البعض قد يصاحبها حماسٌ مبدئيٌّ وحالة استثارة, وشعور بالنشاط الزائد الحيوية الفائقة، وعندئذ يبدأ الشخص في تنفيذ الأنشطة الكبيرة التي ربما خطَّطَ لها من قبل ولم يستطع القيام بها؛ مثل: رحلة طويلة, أو زيارة الأقارب والأبناء, أو البدء في إصلاح البيت, أو تجديد حديقة المنزل, أو الكتابة والقراءة, أو محض الاسترخاء, وبالطبع فإن خبرة الاستثارة والحماس في المرحلة المبدئية هذه, ليست شائعة عند جميع المتقاعدين, فأولئك الذي يجبرون على التقاعد إما بسبب السياسة الرسمية أو ضعف الصحة، وأولئك الذين يجدون أن موقفهم المالي يمنعهم من الانشغال في الأعمال والأنشطة التي خططوا لها, يشعرون عادةً بعدم الرضا والإحباط, بل والفشل الفعلي عند التقاعد.
٤- مرحلة التحرر من الالتزام:
وفيها يشعر المتقاعد أنه قد "حبط" سعيه، وقد يصاحب ذلك بعض الاكتئاب, وهذه المرحلة يمر بها حتى أولئك الذين شعروا بخبرات الحماس في المرحلة السابقة, فهؤلاء قد يكتشفون أن بعض خططهم أبعد من وسائلهم, أو أن بعض هذه الخطط ليس مثيرًا كما كانوا يتوقعون. إلّا أن هذه المرحلة لا تستمر طويلًا, فمع استمرار سنوات ما بعد التقاعد ينتقل المسن إلى المرحلة التالية.
стр. 632
٥- مرحلة إعادة التوجيه:
وفيها يبدأ المرء في تقبل حقيقة التقاعد ومعناه بالنسبة له وللمجتمع, وحينئذ يبدأ في إعادة توجيه ذاته للمستقبل, ولإعادة تقويم أهدافه ووسائله في الوصول إليها.
٦- مرحلة الاستقرار:
ويختلف الأفراد في معدلات وصولهم إلى هذه المرحلة، فالبعض يصل إليها بعد مرحلتي التحرر من الالتزام وإعادة التوجيه، والبعض الآخر يصل إليها مباشرة بعد مرحلة الأثر المبدئي,
وتأتي أهمية هذه المرحلة من أنها وقت اتخاذ قراراتٍ هامَّةٍِ حول اختيارات أو أهداف طويلة المدى وتنفيذها.
٧- المرحلة الختامية:
وهي المرحلة الأخيرة في عملية التقاعد, وفيها يفقد التقاعد الكثير من أهميته ومغزاه للشخص المسن، وتحل محله في الأهمية عوامل أخرى مثل المرض الخطير, وعندئذٍ يتخلّى المسن عن دور المتقاعد ويحل محله دور المريض أو العاجز، وعند البعض تتخذ المرحلة الختامية صورة أخرى، فعدم الرضا عن أهداف وأنشطة التقاعد، ويشمل ذلك ما يرتبط منه بوقت الفراغ الطويل، قد يدفع الشخص المسن إلى البحث عن العمل مرة أخرى، وعادةً ما يكون بعض الوقت، وغالبًا ما يكون عملًا لا يرتبط مطلقًا بالأنشطة المهنية السابقة، وقد يكون عملًا تطوعيًّا, وهكذا تكتمل الدائرة بالفرد من عاملٍ إلى غير عامل إلى عاملٍ مرةً أخرى.
стр. 633
التكيف للتقاعد:
اهتم الباحثون في سيكولوجية الشيخوخة في السنوات الأخيرة بموضوع التكيف للتقاعد, ولعل من أهم العوامل التي تحدد ذلك مقدار الاختيار المتاح للمسن عند التقاعد, وقد أشرنا إلى التنوع الكبير في هذ المسألة, ولعل أكثر الأشخاص قدرةً على الاستمرار في العمل إلى فترة زمنية أطول مما يحدده العمر الزمني للتقاعد هم العاملون في الأعمال الحرة كما بينا, كما أن بعض المهن وبعض التشريعات تقدم للمسنين فرصًا للتقاعد المبكر لمن يشاء مع بعض الفوائد والمغريات, وتوجد بعض نظم "التقاعد المرن" والتي تسمح للناس بالعمل بعد التقاعد الرسمي "كالأستاذ المتفرغ بالجامعة", وبالطبع هناك الأغلبية الساحقة من الموظفين المدنيين والعاملين الذين ليس لهم خيار إلّا الاستمرار في العمل حتى الوصول إلى سن التقاعد الرسمي، وعنده ينتهي كل شيء, وهكذا يمكن القول أن التقاعد قد يكون خبرةً طيبةً لدى بعض المسنين، وقد لا يكون له أثر يذكر فيهم، أما بالنسبة لأغلبيتهم فإنه خبرة سيئة أو صدمية, والسؤال هنا: من هم أولئك الذين
стр. 634
يشعرون بالرضا عند التقاعد, ومن لا يشعرون بذلك؟
يمكن القول بصفةٍ عامة أن الاتجاهات المسبقة نحو التقاعد, وخصائص شخصية المسنين وظروفهم الاقتصادية وأوضاعهم الصحية, وظروف عملهم تلعب دورًا حاسمًا؛ فالأشخاص الذين يؤدون الأعمال الروتينية أو غير الماهرة, والذين يشعرون بالملل من عملهم, وغير السعداء بنظم الإدارة له, وغير الراضين عن العلاقات الإنسانية فيه, قد يشعرون بكثيرٍ من الرضا عند تقاعدهم "Troll, ١٩٨٢". أما الآخرون الذين يعملون في مهن تتطلّب مهاراتٍ عليا, فإنهم يظلّون في عملهم حتى سن التقاعد الرسمي بل بعده إن كان ذلك ممكنًا, ولعل هؤلاء هم أكثر الفئات شعورًا بعدم الرضا عند التقاعد، ويكون توافقهم معه أكثر صعوبة. إنهم أولئك الذين "يحبون عملهم" ويتفانون فيه, ربما لفترةٍ تصل إلى أربعين عامًا من الإنجاز والكفاءة, ثم فجأةً يصل كل ذلك إلى نهايته بخاتمة غير سعيدة. إن هؤلاء الأشخاص يشعرون أن فقدهم لعملهم بالصورة التي عليها نظام التقاعد الحالي إنما هو نوع من "الكارثة المفاجئة"؛ فالعمل الذي أعطاهم طوال هذه الفترة الطويلة شعورًا قويًّا بالاستقلال والسلطة والاعتقاد في قيمتهم من خلال ما يسهم به عملهم في المجتمع، يتلاشى فجأة, ويؤدي ذلك بمثل هؤلاء المسنين إلى أن يكون انتقالهم إلى العمر الثالث من حياتهم صعبًا وشاقًّا؛ فمثل هؤلاء يكون العمل عندهم جزءًا رئيسيًّا من حياتهم بما حقق لهم من مكانة عالية.
كما أن التوافق للتكيّف يكون صعبًا أيضًا لدى أولئك الذين ليست لديهم مدخرات ملائمة أو دخل كافٍ عند التقاعد, وحقيقة الأمر أن دخل المعاش في ظلّ التشريعات الحالية في عدد كثير من الأقطار غير ملائم لمعظم المسنين الذين قضوا حياتهم المهنية يؤدون أعمالهم بأمانة وذمة وشرف, ولذلك كثيرًا ما تنشأ ظاهرة "فقر ما بعد التقاعد", فعادةً ما يترتّب على التقاعد قطع المنح والعلاوات والحوافز وخفض كثير من الرواتب, ولا يمكن للمتقاعد أن تكون روحه المعنوية عالية إلّا إذا كان مستواه الاقتصادي يمكن مقارنته بشكلٍ ملائمٍ مع مستواه عندما كان يعمل "Bromley, ١٩٧٤", ويضاف إلى عامل الدخل عامل آخر هو الصحة, وقد أكدت الدراسات أن هذين العاملين هما أفضل منبئين بالرضا عن الحياة لدى المسنين المتقاعدين, والواقع أن توافر هذين العاملين يهيئ للمسن فرصة فرض تحكمه على بيئته ويعينه عل الاستمرار "راشدًا"، ومن محكاته كما أشرنا كثيرًا، الاستقلال الاقتصادي، بالإضافة إلى شعوره بأنه يمكنه المساهمة في نشاط مفيد, وله قيمته لنفسه وللمجتمع.
стр. 635
ويوجد عامل آخر يؤثر في الاتجاهات نحو التقاعد, هو نوعية الخطط التي أعدها المسن للتقاعد قبل التحوّل الفعلي من دور العامل إلى دور غير العامل, إلّا أن ما نحب أن ننبه إليه هو أن بعض الشركات الكبرى, وبعض المؤسسات الإرشادية الرئيسية في الدول المتقدمة, تقدم للمسنين خططًا للتقاعد قبل حلوله "ولعل اليابان هي أكثر الدول اهتمامًا بهذا الموضوع"، وبالطبع فإن اقتناع المسن بأهمية التخطيط المبدئي لتقاعده يسهم كثيرًا في تكوين اتجاهات إيجابية نحوه عنده حدوثه "Troll, ١٩٨٢".
وقد يكون أكثر الموضوعات أهميةً بالنسبة لاتجاهات المسنين نحو التقاعد وتوافقهم معه ما يتصل بطريقة استثمار "الوقت الطويل" عندئذ, والبدائل تشمل إعادة الاهتمام بالهوايات وبرامج الترويح، أو الانشغال بعمل نصف الوقت، أو القيام بخدمات تطوعية ورعاية الآخرين، أو النشاط السلبي مثل مشاهدة التليفزيون والتأمل في الحياة والناس, وعلى الرغم من أن النشاط السلبي يبدو بديلًا جذابًا بعد عمر طويل من العمل "طوال العمر الثاني للإنسان", إلّا أن هذا ليس اختيارًا محبَّذًا, كما أن الفراغ الطويل الذي يتضمنه يحمل معنًى سيئًا في بعض الأحيان؛ فالفراغ يرتبط عادةً بالعمل، فكيف يوصف وقت بأنه "فراغ حيث لا عمل", وبالطبع فإن لهذا معناه في الثقافة الإنسانية الموجهة أساسًا نحو العمل.
ويتزايد في الوقت الحاضر تشجيع المسنين -بالإضافة إلى مَنْ هم في منتصف العمر- على البحث عن عمل آخر، ولا يحتاج ذلك أن يكون العمل "مهنة" بالمعنى التقليدي, فقد يكون امتدادًا لعمله السابق أو عملًا جديدًا تمامًا, ومن ذلك مثلًا القيام بدورٍ مهنيٍّ جديد، أو الاستفادة من نواتج الهوايات بالبيع "إنتاج فني مثلًا", أو القيام بنشاطٍ في خدمة الحي الذي يعيش فيه, وغير ذلك من الأعمال التي ربما كان الشخص يصبو إلى القيام بها من قبل ولكن لم يتهيأ له الوقت لذلك من قبل. ويفيد المسن كثيرًا أن يكون قد اختار "طريقة الثاني" في مرحلة الرشد المبكر أو الأوسط، ففي ذلك كثير من بعد النظر، ويهيئ للمرء فرصة لاستثمار مهاراته وميوله في مرحلة الشيخوخة, وقد يجد بعض المسنين حلولًا من خلال عمل غير متفرغ -كما بينا- سواء في مجالهم الأصلي, أو أحد المجالات المرتبطة به. كما بدأ الاهتمام في السنوات الأخيرة بتهيئة الفرص التعليمية للمسنين، وظهر مجال جديد في ميدان تعليم الراشدين يتصل في جوهره بمرحلة الشيخوخة.