الأوسط "بين ٤٠-٥٠عامًا", وعند معظم الراشدين فإن هذا هو وقت النشاط المكثف في العمل، وهو وقت الاستمتاع بثمار العمل: المكانة والأمن الاقتصادي والشعور بالكفاءة, إلخ, ولهذا فإن تفكيره في التقاعد حينئذ -إن حدث- يكون غامضًا، وقليل من الجهد يبذل للإعداد للتقاعد في هذه المرحلة، إلّا في حالات التقاعد الإجباري المبكر "ضباط القوات المسلحة مثلًا".
٢- مرحلة الاقتراب من التقاعد:
وفيها يكون تفكير المرء أكثر إيجابية, وتخطيطه أكثر تنظيمًا للتقاعد, وتقوم بعض المجتمعات بتقديم برامج لما قبل التقاعد, يلتحق بها الراشدون في أواخر طور منتصف العمر، وفيها تُقَدَّمُ لهم خدماتٌ إرشادية حول التقاعد, ويتدربون على التخطيط لهذا الطور من الحياة, ويرى آتشلي أن هذا هو وقت بداية التحرر من الالتزامات في العمل؛ حيث يتحلل الشخص تدريجيًّا من المسئوليات والالتزامات التي تنقل إلى الجيل الأصغر, وتنتهي هذه المرحلة بالتقاعد الفعلي.
٣- مرحلة الأثر المبدئي:
وهي المرحلة الأولى من التقاعد الفعلي تمثل الانتقال والتحول من دور العامل إلى دور غير العامل, ويختلف سلوك المسنين في هذه المرحلة؛ فعند البعض قد يصاحبها حماسٌ مبدئيٌّ وحالة استثارة, وشعور بالنشاط الزائد الحيوية الفائقة، وعندئذ يبدأ الشخص في تنفيذ الأنشطة الكبيرة التي ربما خطَّطَ لها من قبل ولم يستطع القيام بها؛ مثل: رحلة طويلة, أو زيارة الأقارب والأبناء, أو البدء في إصلاح البيت, أو تجديد حديقة المنزل, أو الكتابة والقراءة, أو محض الاسترخاء, وبالطبع فإن خبرة الاستثارة والحماس في المرحلة المبدئية هذه, ليست شائعة عند جميع المتقاعدين, فأولئك الذي يجبرون على التقاعد إما بسبب السياسة الرسمية أو ضعف الصحة، وأولئك الذين يجدون أن موقفهم المالي يمنعهم من الانشغال في الأعمال والأنشطة التي خططوا لها, يشعرون عادةً بعدم الرضا والإحباط, بل والفشل الفعلي عند التقاعد.
٤- مرحلة التحرر من الالتزام:
وفيها يشعر المتقاعد أنه قد "حبط" سعيه، وقد يصاحب ذلك بعض الاكتئاب, وهذه المرحلة يمر بها حتى أولئك الذين شعروا بخبرات الحماس في المرحلة السابقة, فهؤلاء قد يكتشفون أن بعض خططهم أبعد من وسائلهم, أو أن بعض هذه الخطط ليس مثيرًا كما كانوا يتوقعون. إلّا أن هذه المرحلة لا تستمر طويلًا, فمع استمرار سنوات ما بعد التقاعد ينتقل المسن إلى المرحلة التالية.
стр. 632
٥- مرحلة إعادة التوجيه:
وفيها يبدأ المرء في تقبل حقيقة التقاعد ومعناه بالنسبة له وللمجتمع, وحينئذ يبدأ في إعادة توجيه ذاته للمستقبل, ولإعادة تقويم أهدافه ووسائله في الوصول إليها.
٦- مرحلة الاستقرار:
ويختلف الأفراد في معدلات وصولهم إلى هذه المرحلة، فالبعض يصل إليها بعد مرحلتي التحرر من الالتزام وإعادة التوجيه، والبعض الآخر يصل إليها مباشرة بعد مرحلة الأثر المبدئي,
وتأتي أهمية هذه المرحلة من أنها وقت اتخاذ قراراتٍ هامَّةٍِ حول اختيارات أو أهداف طويلة المدى وتنفيذها.
٧- المرحلة الختامية:
وهي المرحلة الأخيرة في عملية التقاعد, وفيها يفقد التقاعد الكثير من أهميته ومغزاه للشخص المسن، وتحل محله في الأهمية عوامل أخرى مثل المرض الخطير, وعندئذٍ يتخلّى المسن عن دور المتقاعد ويحل محله دور المريض أو العاجز، وعند البعض تتخذ المرحلة الختامية صورة أخرى، فعدم الرضا عن أهداف وأنشطة التقاعد، ويشمل ذلك ما يرتبط منه بوقت الفراغ الطويل، قد يدفع الشخص المسن إلى البحث عن العمل مرة أخرى، وعادةً ما يكون بعض الوقت، وغالبًا ما يكون عملًا لا يرتبط مطلقًا بالأنشطة المهنية السابقة، وقد يكون عملًا تطوعيًّا, وهكذا تكتمل الدائرة بالفرد من عاملٍ إلى غير عامل إلى عاملٍ مرةً أخرى.
стр. 633
التكيف للتقاعد:
اهتم الباحثون في سيكولوجية الشيخوخة في السنوات الأخيرة بموضوع التكيف للتقاعد, ولعل من أهم العوامل التي تحدد ذلك مقدار الاختيار المتاح للمسن عند التقاعد, وقد أشرنا إلى التنوع الكبير في هذ المسألة, ولعل أكثر الأشخاص قدرةً على الاستمرار في العمل إلى فترة زمنية أطول مما يحدده العمر الزمني للتقاعد هم العاملون في الأعمال الحرة كما بينا, كما أن بعض المهن وبعض التشريعات تقدم للمسنين فرصًا للتقاعد المبكر لمن يشاء مع بعض الفوائد والمغريات, وتوجد بعض نظم "التقاعد المرن" والتي تسمح للناس بالعمل بعد التقاعد الرسمي "كالأستاذ المتفرغ بالجامعة", وبالطبع هناك الأغلبية الساحقة من الموظفين المدنيين والعاملين الذين ليس لهم خيار إلّا الاستمرار في العمل حتى الوصول إلى سن التقاعد الرسمي، وعنده ينتهي كل شيء, وهكذا يمكن القول أن التقاعد قد يكون خبرةً طيبةً لدى بعض المسنين، وقد لا يكون له أثر يذكر فيهم، أما بالنسبة لأغلبيتهم فإنه خبرة سيئة أو صدمية, والسؤال هنا: من هم أولئك الذين
стр. 634
يشعرون بالرضا عند التقاعد, ومن لا يشعرون بذلك؟
يمكن القول بصفةٍ عامة أن الاتجاهات المسبقة نحو التقاعد, وخصائص شخصية المسنين وظروفهم الاقتصادية وأوضاعهم الصحية, وظروف عملهم تلعب دورًا حاسمًا؛ فالأشخاص الذين يؤدون الأعمال الروتينية أو غير الماهرة, والذين يشعرون بالملل من عملهم, وغير السعداء بنظم الإدارة له, وغير الراضين عن العلاقات الإنسانية فيه, قد يشعرون بكثيرٍ من الرضا عند تقاعدهم "Troll, ١٩٨٢". أما الآخرون الذين يعملون في مهن تتطلّب مهاراتٍ عليا, فإنهم يظلّون في عملهم حتى سن التقاعد الرسمي بل بعده إن كان ذلك ممكنًا, ولعل هؤلاء هم أكثر الفئات شعورًا بعدم الرضا عند التقاعد، ويكون توافقهم معه أكثر صعوبة. إنهم أولئك الذين "يحبون عملهم" ويتفانون فيه, ربما لفترةٍ تصل إلى أربعين عامًا من الإنجاز والكفاءة, ثم فجأةً يصل كل ذلك إلى نهايته بخاتمة غير سعيدة. إن هؤلاء الأشخاص يشعرون أن فقدهم لعملهم بالصورة التي عليها نظام التقاعد الحالي إنما هو نوع من "الكارثة المفاجئة"؛ فالعمل الذي أعطاهم طوال هذه الفترة الطويلة شعورًا قويًّا بالاستقلال والسلطة والاعتقاد في قيمتهم من خلال ما يسهم به عملهم في المجتمع، يتلاشى فجأة, ويؤدي ذلك بمثل هؤلاء المسنين إلى أن يكون انتقالهم إلى العمر الثالث من حياتهم صعبًا وشاقًّا؛ فمثل هؤلاء يكون العمل عندهم جزءًا رئيسيًّا من حياتهم بما حقق لهم من مكانة عالية.
كما أن التوافق للتكيّف يكون صعبًا أيضًا لدى أولئك الذين ليست لديهم مدخرات ملائمة أو دخل كافٍ عند التقاعد, وحقيقة الأمر أن دخل المعاش في ظلّ التشريعات الحالية في عدد كثير من الأقطار غير ملائم لمعظم المسنين الذين قضوا حياتهم المهنية يؤدون أعمالهم بأمانة وذمة وشرف, ولذلك كثيرًا ما تنشأ ظاهرة "فقر ما بعد التقاعد", فعادةً ما يترتّب على التقاعد قطع المنح والعلاوات والحوافز وخفض كثير من الرواتب, ولا يمكن للمتقاعد أن تكون روحه المعنوية عالية إلّا إذا كان مستواه الاقتصادي يمكن مقارنته بشكلٍ ملائمٍ مع مستواه عندما كان يعمل "Bromley, ١٩٧٤", ويضاف إلى عامل الدخل عامل آخر هو الصحة, وقد أكدت الدراسات أن هذين العاملين هما أفضل منبئين بالرضا عن الحياة لدى المسنين المتقاعدين, والواقع أن توافر هذين العاملين يهيئ للمسن فرصة فرض تحكمه على بيئته ويعينه عل الاستمرار "راشدًا"، ومن محكاته كما أشرنا كثيرًا، الاستقلال الاقتصادي، بالإضافة إلى شعوره بأنه يمكنه المساهمة في نشاط مفيد, وله قيمته لنفسه وللمجتمع.
стр. 635
ويوجد عامل آخر يؤثر في الاتجاهات نحو التقاعد, هو نوعية الخطط التي أعدها المسن للتقاعد قبل التحوّل الفعلي من دور العامل إلى دور غير العامل, إلّا أن ما نحب أن ننبه إليه هو أن بعض الشركات الكبرى, وبعض المؤسسات الإرشادية الرئيسية في الدول المتقدمة, تقدم للمسنين خططًا للتقاعد قبل حلوله "ولعل اليابان هي أكثر الدول اهتمامًا بهذا الموضوع"، وبالطبع فإن اقتناع المسن بأهمية التخطيط المبدئي لتقاعده يسهم كثيرًا في تكوين اتجاهات إيجابية نحوه عنده حدوثه "Troll, ١٩٨٢".
وقد يكون أكثر الموضوعات أهميةً بالنسبة لاتجاهات المسنين نحو التقاعد وتوافقهم معه ما يتصل بطريقة استثمار "الوقت الطويل" عندئذ, والبدائل تشمل إعادة الاهتمام بالهوايات وبرامج الترويح، أو الانشغال بعمل نصف الوقت، أو القيام بخدمات تطوعية ورعاية الآخرين، أو النشاط السلبي مثل مشاهدة التليفزيون والتأمل في الحياة والناس, وعلى الرغم من أن النشاط السلبي يبدو بديلًا جذابًا بعد عمر طويل من العمل "طوال العمر الثاني للإنسان", إلّا أن هذا ليس اختيارًا محبَّذًا, كما أن الفراغ الطويل الذي يتضمنه يحمل معنًى سيئًا في بعض الأحيان؛ فالفراغ يرتبط عادةً بالعمل، فكيف يوصف وقت بأنه "فراغ حيث لا عمل", وبالطبع فإن لهذا معناه في الثقافة الإنسانية الموجهة أساسًا نحو العمل.
ويتزايد في الوقت الحاضر تشجيع المسنين -بالإضافة إلى مَنْ هم في منتصف العمر- على البحث عن عمل آخر، ولا يحتاج ذلك أن يكون العمل "مهنة" بالمعنى التقليدي, فقد يكون امتدادًا لعمله السابق أو عملًا جديدًا تمامًا, ومن ذلك مثلًا القيام بدورٍ مهنيٍّ جديد، أو الاستفادة من نواتج الهوايات بالبيع "إنتاج فني مثلًا", أو القيام بنشاطٍ في خدمة الحي الذي يعيش فيه, وغير ذلك من الأعمال التي ربما كان الشخص يصبو إلى القيام بها من قبل ولكن لم يتهيأ له الوقت لذلك من قبل. ويفيد المسن كثيرًا أن يكون قد اختار "طريقة الثاني" في مرحلة الرشد المبكر أو الأوسط، ففي ذلك كثير من بعد النظر، ويهيئ للمرء فرصة لاستثمار مهاراته وميوله في مرحلة الشيخوخة, وقد يجد بعض المسنين حلولًا من خلال عمل غير متفرغ -كما بينا- سواء في مجالهم الأصلي, أو أحد المجالات المرتبطة به. كما بدأ الاهتمام في السنوات الأخيرة بتهيئة الفرص التعليمية للمسنين، وظهر مجال جديد في ميدان تعليم الراشدين يتصل في جوهره بمرحلة الشيخوخة.
стр. 636
والسؤال الأخير الآن: هل التقاعد خبرة محبطة ضاغطة حقًّا كما يشيع عنها؟ الإجابة هنا تتوقف على نجاح المرء في التوافق مع هذه الخبرة, وعمومًا فإن نتائج البحث تؤكد لنا "Troll, ١٩٨٢" أن كثيرًا من الناس تتحسن صحتهم، ولا تتدهوركما يشيع، خلال السنوات التالية مباشرة للتقاعد، وباستثناء الذين يجبرون على التقاعد المبكر, فإن هذه الخبرة يبدو أنها لا ترتبط بانخفاض الروح المعنوية عند معظم الناس، كما أنها لا تؤدي إلى الاضطراب النفسي، بل إنه بعد التقاعد يبدأ التفاعل أقوى بين أعضاء الأسرة من مختلف الأجيال.
وخبرة التقاعد، مثلها في ذلك خبرة "العش الخالي" وغيرها من حالات التغير المرتبطة بالعمر قد تبدو "مهولة" لدى أولئك الذين لم يخبروها بعد، أو الذين يقتربون منها، بينما هي ليست كذلك لدى الذين يعيشون الخبرة أنفسهم؛ فاتجاهات الراشدين في منتصف العمر نحو التقاعد أكثر سلبية من اتجاهات المسنين المتقاعدين أنفسهم, يصدق ذلك على الرجال والنساء، ولو أن موضوع تقاعد المرأة العاملة لم يحظ بعد باهتمامٍ يذكر من الباحثين.
стр. 637
الحياة الأسرية:
في مرحلة الشيخوخة يدخل الإنسان في المرحلة الأخيرة من دورة الحياة الأسرية, وفي نموذج "Duvall ١٩٧٧" الذي عرضناه في الباب السابق, نجد أن معظم الراشدين يقضون ما بين ١٠، ١٥ سنة في هذه المرحلة، منذ التقاعد حتى وفاة أحد الزوجين, وبالطبع توجد فروق واسعة بين الناس في عدد السنوات التي يعيشونها بعد التقاعد, وبصفة عامة فإنه ما دامت المرأة تعيش أطول من الرجل فمن المتوقع أنها تشعر بهذا المظهر من مظاهر الحياة لفترة أطول.
ويمكن القول أن هذه الفترة من الحياة الأسرية جديدة من الوجهة التاريخية, فمع الرعاية الطبية المتطورة، والتغذية الجيدة، وزيادة الخدمات الاجتماعية وتحسين نوعيتها, سهل على المسنين تحمُّل أعباء الشيخوخة، وبالتالي امتداد مدى الحياة لفترة أطول, وفي الماضي كان من النادر أن يعيش المرء حتى أواخر السبعينات أو الثمانينات أو التسعينات, إلّا أن ذلك أصبح الآن أكثر شيوعًا, وبالإضافة إلى ذلك فإن الزوجين يصلان إلى هذه السنوات المتأخرة معًا, والسؤال الآن: ما هي خصائص هذا المظهر الأخير من مظاهر الحياة الأسرية؟ وما هي المهام النمائية الخاصة التي يجب مواجهتها داخل سياق الأسرة في هذه المرحلة؟ وكيف يتعامل المسنون معها؟
стр. 638
إن الصورة النمطية للحياة الزوجية للزوجين المسنين أنها بصفة عامة "كئيبة"؛ فمعظم الناس يدركونها غير سعداء ومنعزلين ووحيدين ومرفوضين من أحبائهم -وخاصة الأبناء والأقارب, وعلى الرغم من أن هذا صحيح إلى حَدٍّ ما لدى بعض الناس، إلّا أنه الاستثناء وليس القاعدة؛ فمعظم البحوث توحي بأن نوعية الحياة الزوجية في الشيخوخة جيدة على وجه العموم, وحينما يصل إليها الزوجان معًا يكونان سعيدى الحظ, وفي إحدى الدراسات الهامة وصف معظم المسنين هذه المرحلة على أنها أسعد مراحل زواجهم Stinnett, ١٩٧٢".
ما هي العوامل التي تحدد الحب والرضا الزواجي في مرحلة الشيخوخة؟ وهل هي نفس العوامل التي تلعب دورها في مراحل العمر الأسبق؟ يجيب على هذه الأسئلة وغيرها ريدى وزملاؤه "Ready, et al., ١٩٨١" الذين قارنوا بين عيناتٍ من الراشدين من مختلف مراحل الرشد "المبكر، الأوسط، المتأخر". لقد سأل الباحثون مفحوصيهم تقدير مدى دقة عبارات معينة في وصف علاقة المحبة الراهنة بينهم كأزواج, وبينت النتائج أن المسنين قدروا العبارات الدالة على الأمن الانفعالي العاطفي والولاء على أنها أكثر ما يميز علاقة الحب عندهم, ويعلق الباحثون على هذه النتائج بأن علاقة الحب بين الزوجين تصبح مع مرور الزمن أقل اعتمادًا على محض الصحبة والتواصل وأكثر اعتمادًا على تاريخ العلاقة والتقاليد والالتزام والولاء, وذلك على عكس من هم أصغر سنًّا, وبصرف النظر عن هذه الفروق بين الأجيال, فقد أوضحت الدراسة وجود تشابه كبير بين هذه الأجيال الثلاثة حول ما يعتبره الزوجان إيجابيًّا داخل علاقة الحب, فكلهم قدَّروا الأمن الانفعالي الوجداني على أنه الأكثر أهمية, يليه الاحترام والتواصل وسلوك المساعدة والمعاونة والعلاقات الجنسية والولاء على التوالي, ويعلق الباحثون على ذلك بقولهم: "إن الحب أوسع نطاقًا من الجنس، وفي أيِّ عمرٍ يوجد دائمًا ما هو أكثر أهمية منه في علاقة الحب بين الزوجين, وخاصةً الأمن الانفعالي العاطفي الذي يعني مشاعر الاهتمام والرعاية والثقة والراحة, واعتماد كلٍّ من الزوجين على الآخر".
وتوافق المسنين زواجيًّا هو بالطبع خلاصة سنوات عديدة من العيش معًا, ومعرفة كلٍّ منهما بالآخر معرفةً وثيقة, فبعد حوالي أربعين عامًا من الزواج -في المتوسط- يكون كلٌّ منهما تعلم أن يتجاهل المضايقات الصغيرة التي تصدر عن رفيقه، ويقبل منه ما استعصى على التعديل والتغيير من سلوكه. ويعين ذلك
стр. 639
الزوجين مع التقدم في السن على أن يصبحا أقل اندماجًا في المواقف والأحداث من الناحية الانفعالية, بالإضافة إلى ميلهم إلى تجنب مواقف الصراع وغيره من المواقف الضاغطة المجهدة.
ويرى "Adams, ١٩٧٥" أن المتغيرين اللذين يخلعان على زواج المسنين خاصيته المميزة هما: التحول التدريجي عن التركيز على الأبناء من ناحية، وتقاعد الزوج "وكذلك الزوجة العاملة" من العمل, وكِلَا الحدثين يهيئ للزوجين تحررًا أكبر من المسئوليات والالتزامات الخارجية, فلم يعد يتوقع منهما إلّا أن يدعم كلٌّ منهما الآخر ويسنده ويؤازره، ويتوافر لهما فسحة أطول من الوقت لذلك "وخاصة بعد وفاة والديهما واستقلال أبنائهما تمامًا", وهذا في ذاته أحد العوامل الهامة المحققة للسعادة الزوجية في هذه السن.
وبالطبع فإن بعض الأزواج المسنين يواجهون مشكلاتٍ في زواجهم، فتقاعد الزوج يسبب للزوجة في البداية بعض المضايقات, ومع زيادة نسبة النساء العاملات الآن, فإن التقاعد ربما يسبب بعض المشكلات للحياة الأسرية عند تقاعد الزوجين معًا, وبالطبع فإن ذلك لا يدوم طويلًا، وخاصةً عند النجاح في إعادة تنظيم حياتهما لمواجهة الظروف الجديدة.
والمرض مصدر آخر للإجهاد Stress والتعاسة في الحياة الأسرية للمسنين, وبعض الأمراض تؤدي إلى ظهور علاقة اعتمادية جديدة؛ حيث يقوم الزوج "أو الزوجة" بدور الممرِّض لزوجه المريض, والفقر مصدر آخر للشقاء الزواجي في الشيخوخة، وخاصةً مع انخفاض الدخل بعد التقاعد.
وتجدر الإشارة إلى أن الحياة الزوجية في سن الشيخوخة ليست فقط مصدرًا للسعادة في هذه المرحلة من العمر, ولكنها مفيدة سيكولوجيًّا وبيولوجيًّا؛ فقد أكدت البحوث أن المسنين المتزوجين أقل شعورًا بالعزلة والوحدة والاكتئاب بمقارنتهم بأقرانهم المسنين غير المتزوجين, كما أنهم أقل تعرضًا للاضطرابات والأمراض النفسية والعقلية، وهم أكثر احتمالًا في العيش عمرًا أطول, ومعنى ذلك أن الظروف المحيطة بزواج المسنين التي تعني وجود رفيق العمر على قيد الحياة تؤدي إلى تخفيف الضغوط الشديدة التي قد يتعرضون لها في حياتهم المتأخرة لو كانوا وحدهم.
ومن مظاهر الحياة الأسرية في مرحلة الشيخوخة في العصر الحديث أنه لا يكاد يوجد في الأسرة الحديثة موضع لجيل المسنين، وبالتالي فإنهم
стр. 640
يتركون في الأغلب وحدهم, إلّا أن حقيقة الأمر أن المسنين ليسوا منعزلين أو منبوذين؛ فمعظمهم يفضل العيش مستقلًّا مع المشاركة النشطة في حياة الأسرة, ففي دراسة "Troll, ١٩٧١" وُجِدَ أن حوالي ثلث المفحوصين الذين تجازوا سن الخامسة والستين يعيشون مع أولادهم, وهؤلاء يميلون إلى الانتقال إلى "العش الخالي" في بيوت أبنائهم الذين بلغوا أنفسهم طور منتصف العمر؛ حيث يصبح البيت لجيلين من الراشدين، أحدهما جيل الأبناء في منتصف العمر, والثاني جيل الآباء المسنين, والبعض الآخر من المسنين يعيش قريبًا من بيوت أبنائهم, ففي المجتمع الصناعي الحديث يؤلف كل جيل أسرته النووية, ويعيش الأغلب في نفس الحي "Shanas, et al., ١٩٦٨", وعمومًا فإن علاقة المسنين بأولادهم تستقر على ذلك النمط الذي كان سائدًا بينهم حين كانوا هم "أي: المسنين" في منتصف العمر, وأبناؤهم في طور الرشد المبكر أو الشباب, ونظرًا لأن التصادم بين الأمهات والأبناء أكثر حدوثًا في هذا الطور المبكر، وخاصةً بعد زواج الأبناء وما يترتب عليه من علاقات جديدة بين المرء وزوجه "فؤاد البهي السيد ١٩٧٥" فإن هذا التوتر قد يظلّ مستمرًّا حتى مرحلة شيخوخة الأمهات، وقد يخفف التقدم في السن بعض حدته.
ويعتمد المسنون اعتمادًا كبيرًا على أبنائهم عند المرض, وفي الأغلب يستجيب الأبناء لظروف آبائهم استجابةً فورية "Sussman, ١٩٦٠, ١٩٦٥", فعمظم الراشدين لديهم الرغبة في معاونة آبائهم المسنين, ومع ذلك فإن هؤلاء المسنين يظلون لفترةٍ طويلةٍ غير معتمدين على أبنائهم ماليًّا أو انفعاليًّا. وعادةً ما تظل العلاقة -حتى بلوغ طور أرذل العمر- علاقة أخذ وعطاء في الخدمات المادية والدعم الانفعالي, بل إن نسبة المسنين الذين يبذلون المساعدة لأبنائهم تفوق نسبة الذين يتلقون هذه المساعدة من هؤلاء الأبناء "Riley, et al., ١٩٦٨", ويمكن لهذا النمط من التفاعل أن يستمر حتى يصل الوالدان إلى طور التدهور الكلي "أرذل العمر" الذي سنتناوله في الفصل التالي.
وفي مرحلة الشيخوخة لم يعد الأحفاد أطفالًا أو صبيةً, وإنما قد يكونون مراهقين أو شبابًا، بل ربما يكونون في مطلع الرشد, ومع امتداد متوسط الأعمار يصل بعض الناس الآن إلى مرحلة متقدمة في السن وهم في صحة جيدة وحيوية ظاهرة, وهو ما لم يكن يحدث من قبل، وهذا كله يوحي بأن يزداد أثر الأجداد في أعضاء الأسرة الأصغر سنًّا, وتقوم الجدة خاصةً بعلاقة مؤثرة في أحفادها "Troll ١٩٨٣", وقد يرجع ذلك إلى السبب الواضح وهو أنها تعيش أطول من
стр. 641
الجد الرجل, وهذا لا يعني إنكار دور الجد الرجل الذي يتعامل معه الجميع على أنه مستودع الخبرة والحكمة للأسرة -كما أشرنا من قبل- والذي يؤثر على وجه الخصوص في الأحفاد الذكور "Hagestad, ١٩٧٨".
ويختلف الأجداد اختلافًا كبيرًا في درجة اندماجهم في حياة أحفادهم؛ فبعضهم يندمج بعمقٍ، والبعض الآخر يبدو غير مهتمٍّ تمامًا بأحفاده, وقد بينا عند تناول طور وسط العمر كيف أن الأجداد يلعبون دورًا هامًّا في حياة أحفادهم من حيث رفاهيتهم وتوافقهم في وحدة الأسرة المؤلفة من الابن الراشد والحفيد الصغير "Troll, ١٩٨٣", ومن الطريف -مع ذلك- أن نشير إلى هذه النتيجة التي أكدتها عدة بحوث من أن رفاهية ومعنويات الأجداد لا ترتبط فقط بمقدار الصلة التي تربطهم بأحفادهم، فالرضا عن الحياة في مرحلة الشيخوخة يرتبط أيضًا بأنماط الصداقة، والنمط الزواجي على نحوٍ قد يفوق دور الجد الذي يقوم به المسن "Brodinsky, et al., ١٩٨٦".
وعادةً ما يدرك الأجداد والأحفاد -سواء كانوا من المراهقين أو الراشدين- الطرق التي يحاول بها كلٌّ منهما التأثير في الآخر, وغالبًا ما يكون هذا التأثير ناجحًا, وخاصةً في بعض المجالات التي تسميها "Hagestad, ١٩٧٨"، المناطق المنزوعة السلاح", والتي لا يجوز الاقتراب منها بين الأباء والأبناء, وتعنى بها تلك المجالات الحساسة كالحب والدين, فعلاقة الشيخ بأحفاده وأسباطه "وهم أبناء الأحفاد" فد تفوق علاقته بأولاده, فيلجأون إليه ليحميهم من ثورة الأب والأم وغضبهما, وهو بالنسبة لهم ملتقى القوى التي تموج في حياة الأسرة, وإليه يهرعون في أزمانهم ومشكلاتهم, ويعبِّر عن ذلك كله فؤاد البهي السيد "١٩٧٥: ٤٥٩" بقوله: "وهكذا ينشأ نوع غريب من الصداقة بين جيلين مختلفين، جيل يقبل على الحياة، وهو لا يدري ماذا يُخَبَّأُ له، وجيل يودعها بعد أن ابتلي بشرها ونعم بخيرها", وبالطبع فإن هذه العلاقة في المجتمعات الريفية البسيطة أقوى منها في المجتمعات الحضرية الصناعية, وذلك لوثوق الصلة بين الأجيال، والتفاعل بينها وجهًا لوجهٍ معظم الوقت, وهو ما لا يتوافر في المدينة.
وتنعكس آثار هذه العلاقة على الجيل الأوسط، أي: جيل الآباء والأمهات؛ فعندما يعامل الوالد ابنه قسوةً، يعارضه الجد ويدافع عن الحفيد, بل إن الجد قد ينتقد كثيرًا طريقة ابنه في تربية الأحفاد, وتكون استجابة الجيل الأوسط لذلك رفض تدخل الجد في تنشئة الأبناء, وقد يتطور الأمر أكثر من ذلك فيعتبر الجد المسن نقد ابنه له تقليلًا من شأنه، وعقوقًا له وحجرًا على حقِّه في حماية الأحفاد
стр. 642
والأسباط من سوء المعاملة "فؤاد البهي السيد ١٩٧٥".
والترمل هو أعظم فقدان انفعالي واجتماعي للمسن, يظل يعاني منه سنوات عمره الباقية, وذلك لسببين: أولهما أن الترمل خبرة وأسلوب حياة يعانيها المرء ما بقي من عمره، وثانيهما أنه حالة ومكانة اجتماعية يعيش بها؛ فوفاة أحد الزوجين كارثة لشريك حياته، ويحتاج الأمر من الزوج وقتًا طويلًا حتى يتوافق قدر الإمكان لمكانة وأسلوب حياة جديدين, ويؤكد تراث البحوث التي أُجْرِيَتْ على التوافق النفسي للأرامل المسنين, أن فقدان الزوج يؤدي إلى هبوط الروح المعنوية مع ظهور أعراض أمراض جسمية كنقص الشهية والأرق, فإذا كان الأرمل يعاني من مشكلاتٍ صحية طويلة مثل التوتر الزائد, فإن ذلك قد يؤدي إلى تطورات أخطر مثل: أمراض القلب وانسداد الشرايين، بالإضافة إلى بعض الاستجابات النفسية غير السوية مثل: الشكوى الدائمة والشعور بالذنب والاكتئاب والرغبة في الموت, ولعل هذا يفسِّرُ لنا وفاة المسن في كثيرٍ من الأحيان عقب وفاة رفيق حياته بزمنٍ قصير "Berada, ١٩٦٨", وهذا كله أكثر حدوثًا للنساء, وقد يعين المسن على تجاور المحنة أن يكون له صديق حميم "Stroabe & Strosbe ١٩٨٣". وعلى أية حالٍ فإن الفروق الجوهرية بين الجنسين في خبرة الترمل تؤكد أن الرجل أكثر تعرضًا لأزمة ضغط الدور بعد فقدان دور الزوج، أما المرأة فإن أزمتها الكبرى هي فقدان الدعم العاطفي والاجتماعي.
стр. 643
التوافق والشخصية في طور الشيخوخة:
تستحضر الشيخوخة معها تحديات ومهامًّا جديدة تجب مواجهتها والتوافق معها, والمسنون قد ينجحون أو يفشلون في مواجهة وتناول هذه المهامِّ النمائية, شأنهم في ذلك شأن غيرهم ممن هم أصغر سنًّا عند التعامل مع مهام الحياة الخاصة بمراحل نموهم, وبالإضافة إلى ذلك فإن أساليب التوافق أكثر اختلافًا في سنوات الشيخوخة عنها في المراحل المبكرة من الحياة, إلّا أن هذا لا يجعلنا ننكر خطورة المشكلات التي يواجهها المسنون, وأهمها تدهور الصحة، وفقدان العمل، والترمُّل، والمشكلات المالية، وفقدان المكانة الاجتماعية، والعزلة الاجتماعية, وغيرها مما يُعَدُ من المشكلات المؤرِّقة للمسنين في الوقت الحاضر، ومع ذلك فعليهم التصدي عليها, وفي الواقع فإن نجاح معظم المسنين في مواجهة تحديات الشيخوخة لا يرتبط فقط بهذه الفترة من الحياة لدى معظم الناس؛ فالشيخوخة هي فترة من النموّ النفسي المستمر، حتى في مواجهة التدهور الذي تناولناه بالتفصيل فيما سبق.
стр. 644
مهام النمو في الشيخوخة:
نبدأ بتحديد مهام النمو في هذه المرحلة, يرى إريكسون أن المرء في مرحلة الشيخوخة يمر بآخر أزمات نموِّه, وهي التي يسميها أزمة تكامل الأنا "الذات", في مقابل اليأس والقنوط "Erikson, ١٩٦٣", والتكامل هنا هو تكامل انفعالي، وتجاوز لحدود الذات من خلال تقبل الفرد لحياته, ويظهر اليأس في صورة الشعور بأن الوقت صار قصيرًا جدًّا وأنه لا توجد فرصة للبحث عن طريق ٍبديل لحياة مقبولة, وكما هو الحال في المراحل السابقة يوجد في هذه المرحلة صراع داخلي, فحتّى الشخص الذي يقبل على شيخوخته بدرجة كبيرة من التكامل يشعر باليأس عند التفكير اللحظي في الموت, وكما هو الحال في المراحل النفسية الاجتماعية السابقة في نظرية إريكسون, فإن الطابع الغالب على المرحلة هو الأهم؛ فالمسن الذي يحقق لنفسه قدرًا ملائمًا من التكامل يفوق اليأس في سنوات شيخوخته تتغلب إرادة الحياة عنده على قلق الموت.
ويرتبط بمهمة تنمية تكامل الأنا عملية تُسَمَّى مراجعة الحياة life review, فمع وصول المسن إلى هذه المرحلة المتأخرة من حياته يعيد تنظيم ذكرياته، ويعيد تفسير أفعاله وقراراته التي شكلت مسار حياته في الماضي, ومن الوجهة المثالية فإن مراجعة الحياة خبرة موجبة تؤدي إلى إحداث التكامل في الشخصية؛ فبالنسبة للبعض تقود هذه العملية إلى اندماجٍ أقلٍّ للذات مع الموقف الخاص بالفرد، وإلى اهتمام أكبر بالعالم بوجه عام, وبالنسبة لآخرين يؤدي ذلك إلى الشعور بالحنين للماضي nostalgia أو الشعور بالأسف على العمر الجميل الذي فات, وعند فريق ثالث قد تولِّد هذه العملية مشاعر القلق والشعور بالذنب والاكتئاب واليأس، فبدلًا من أن يفكر الشخص في حياته كلها، يشعر بأنه خُدِعَ وأن حياته تسربت منه دون أن يستثمرها كما يجب, وغالبًا ما يستطيب المسنون مشاركة الآخرين لهم في أفكارهم عند قيامهم بعملية مراجعة حياتهم، وخاصةً الأقارب والأصدقاء، وعلى وجه أخصّ الأحفاد, فمع جلوس الجد البالغ من العمر سبعين عامًا مع حفيده المراهق في النادي يذكُر له شعوره بخيبة الأمل حين عمل بالوظيفة الحكومية مثلًا, وفي نفس الوقت يذكر شعوره بالاعتزاز لنجاح أولاده وأحفاده.
ويرى Peck "في Neugatren, ١٩٦٨" أن النموَّ النفسي المستمر في سنوات الشيخوخة يتمركز على نواتج ثلاث مهامٍّ رئيسية كبرى هي:
١- التقاعد المهني: وعلى هذا, فيجب على المسن أن يكون قادرًا على إيجاد رضًا شخصيّ وقيمة للذات في المراحل السابقة.
стр. 645
٢- التدهور الجسمي: فالأشخاص الذين يجدون السعادة والرفاهية أساسًا في نشاط الجسم يتعرضون لاضطرابٍ خطيرٍ بسبب التغيرات الجسمية خلال الشيخوخة, ولذا نجدهم يهتمون بهذه التغيرات إلى حَدٍّ يجعلهم يشعرون باليأس والقنوط من أنفسهم ومن حياتهم, ومن الواجب أن يغيروا اتجاهاتهم بحيث تنأى عن التركيز على النواحي الجسمية, وتنحو بهم أكثر نحو الأنشطة الإنسانية والعقلية والاجتماعية.
٣- تقبُّل حقيقة الموت: كل شخص مسن عليه أن يواجه حقيقة الموت، وعلى المسلم أن يتقبل ليس فقط حتمية القضاء والقدر فيه، وإنما عليه أن يتأمَّل أيضًا معناه على أنه ليس فناءً نهائيًّا, أو إسدال الستار على الفصل الأخير كما هو الحال في بعض الفلسفات الغربية المعاصرة، وإنما هو بداية لحياة أخرى أبقى وأخلد, وقد ييسر على المسن التكيف لهذه المهمة أن يشعر بأنه حلّ أزمة الإنتاجية والتدفق في رشده من خلال خَلَفٍ صالِحٍ يرثه قيمًا وأفكارًا, وليس فقط ميراثًا ماديًّا سواء كانوا من صلبه "أولاده" أو من الأجيال الجديدة التي تدربت على يديه أثناء العمل.
ومن المهم أن نذكر أن نجاح المسن في مواجهة هذه التحديات يعتمد إلى حَدٍّ كبير، على النجاح الذي أحرزه في مهامه النمائية السابقة, فحل أزمات الشيخوخة هو تراكم لحلول الأزمات النفسية الاجتماعية العديدة التي مرَّ بها الإنسان في أطواره السابقة, وذلك كله من منظور النمو مدى الحياة.
وقد أشرنا من قبلُ إلى الصورة "المنفرة" أو "السلبية" التي تقترن بالشيخوخة في المجتمع الحديث, والحق أن مرحلة العمر الثالث للإنسان تستحضر بالفعل بعض الجوانب غير الجذابة في الثقافات المعاصرة, وبعض الدراسات التي أُجْرِيَتْ في الغرب حول الاتجاهات نحو المسنين أظهرت لنا أن الأشخاص الأصغر سنًّا يدركون المسنين على أنهم منعزلين ومتصلبين، ومتدهورين في قواهم الجسمية والعقلية, واتجاهات طلاب المدارس الثانوية والجامعات نحو المسنين ودورهم الاجتماعي في معظمها سالبة، وكلما ازداد الشخص تقدمًا في السن كانت صورته أقل جاذبية للأصغر سنًّا "Tuckman & Lorg, ١٩٥٣" إلّا أنه لحسن الحظ ليست الصورة بهذا السوء في ثقافتنا العربية والإسلامية؛ ففي دراسة قام بها طلعت منصور "١٩٨٧" على المجتمع الكويتي, توصل إلى نتيجة عامة خلاصتها: وجود اتجاه إيجابي عام نحو المسنين أظهره الشباب والراشدون المبكرون والراشدون في
стр. 646
طور منتصف العمر, وبالطبع كان اتجاه المسنين أنفسهم نحو التقدم في السن إيجابيًّا أيضًا, ومعنى ذلك أن الثقافة العربية الإسلامية تهيئ للمسنين فرصةً لحل أزمة تكامل الأنا, في مقابل اليأس والقنوط في الاتجاه الإيجابي "أي: تكامل الأنا", وأن دور المسنين لا يتناقص في هذه الثقافة, بل ربما يزداد أهميةً وقيمةً وقدرًا، وهي نتيجة تتفق مع تحليلنا اللغوي في الفصل السابق لمعنى الشيخوخة والشيخ.
أما بالنسبة للمسن نفسه, فإن من أصعب الأمور عليه أن يصف نفسه بأنه "مسن" أو "عجوز", فقد أوضحت بعض الدراسات أن حوالي نصف المفحوصين في إحدى الدراسات التي أُجْرِيَتْ على عينة أعمارها ٦٥ فأعلى, صنَّفوا أنفسهم في طور وسط العمر "Brodzinsky, et al., ١٩٨٨", إلّا أنه لسوء الحظ قد يتفق بعض المسنين مع بعض الأنماط الثقافية الشائعة عن الشيخوخة, فهم أنفسهم حملوا هذه الصور النمطية معظم حياتهم, وأطلقوها على غيرهم من المسنين حين كانوا هم أصغر سنًّا, ومهما حاول المسنون إخفاء الحقيقة، وعلى الرغم من الصور النمطية لا بُدَّ للمسن أن يأتي عليه حِينٌ من الدهر يواجه فيه مطالب الواقع, ويعترف بأنه "مسن", وأن يكيف مفهومه لذاته تبعًا لذلك, وتدخل في هذا التحديد عدة عوامل أهمها:
١- الوعي بالمعايير الاجتماعية: فما يجعل المرء أكثر وعيًا بتقدمه في السن بلوغ المعاش, أو حصوله على الضمان الاجتماعي, أو بلوغه المكانة التي يُطْلَقُ عليها في الغرب "المواطن الكبير" Sinior citizen أو في ثقافتنا العربية الإسلامية "الشيخ".
٢- التفاعل الاجتماعي: فحين يتخلّى شاب عن مقعده لآخر في الأتوبيس, فإن ذلك مثالٌ نموذجيٌّ للتفاعل الذي يحدد عمر الإنسان, ومن ذلك أيضًا التعبير عن التبجيل, وقد يكون التعبير عن المعاونة أوضح الأمثلة, ومن ذلك أن يقدم شخص ذراعه لآخر يستند إليها وهو يهبط السُّلَّمَ، أو تخصيص مقعد أمامي له في حفلٍ حتى يستطيع أن يستمع, ومن علامات التبجيل الوقوف عند دخول المسن إلى مكان عام, وقد تكون هناك بعض صور التعبير عن الازدراء؛ كأن يقول شاب لشخص أكبر منه سنًّا "عيب يا جدو", فإن ذلك كله من صور التفاعل الاجتماعي الدال على التقدم في السن.
стр. 647
٣- التركيب العمري للمجتمع: فإذا كان متوسط الأعمار في ازديادٍ فإن الشخص الذي يُعَدُّ في مرحلة الشيخوخة, ربما يكون الآن في عمر أكبر مما عليه الحال في مجتمع متوسط الأعمار فيه أقل, فكيف يصف شخص نفسه أنه في مرحلة الشيخوخة وهو في سن الستين, بينما توجد نسبة كبيرة من السكان في السبعينات أو الثمانينات من العمر.
٤- الشعور الذاتي: على الرغم من أن التعريفات الاجتماعية تسهم في الوعي بالعمر، إلّا أن هناك دائمًا الحكمة القائلة بأنك "شاب طالما أنك تشعر بذلك", وهذا يعني أن المحكات الذاتية أو السيكولوجية هي الأهم؛ فاعتقاد الشخص أنه يستطيع أن يتعلم "وقد يلتحق بإحدى مؤسسات تعليم الكبار لهذا الغرض" أو أنه ليس في حاجة للاعتماد على أحد "الاستقلال"، تُعَدُّ مؤشرات على عدم الشعور بتدهور الشيخوخة, وفيها إنكارٌ لأثر التقدم في السن, ومثل هذا الشخص حين يسأل عن عمره بالإنجليزية يقول بأنه "eighty years young" ١، والأشخاص الذين لديهم مثل هذا الاتجاه لا يتأثرون نسبيًّا بالتقاعد من العمل أو شيب الشعر، فهم لا يشعرون بالشيخوخة إلّا إذا سقطوا صرعى المرض, أو تعرضوا لمشكلة توافق صعبة مثل: وفاة شريك العمر.
стр. 648
عوامل التوافق في الشيخوخة وأنماطه:
أُجْرِيَتْ دراساتٌ لتحديد العوامل التي تميز بين التوافق الجيد والسيئ عند كبار السن، ونتائج البحوث تفصيلية إلى حد يصعب إيجازه، ومع ذلك نستطيع القول بصفة عامة: إن أهم هذه العوامل هي: الصحة العامة، الوضع الاقتصادي، المشاركة في الحياة العامة، الهوايات, المحافظة على الروابط الأسرية والاجتماعية، وجود اتجاهات موجبة نحو الذات ونحو المستقبل.
إلّا أن العلاقات بين هذه العوامل وتوافق المسنين ليست بسيطة وواضحة كما تبدو لأول وهلة، فهي مثلًا تختلف باختلاف المستويات الاقتصادية -الاجتماعية, ومن ذلك مثلًا أن زيادة الأصدقاء والأبناء والأحفاد ترتبط ارتباطًا موجبًا بالروح المعنوية عند المسنين من المستويات الاقتصادية -الاجتماعية الدنيا. وأن ما يعين على التوافق الجيد لدى المسنين من الطبقة المتوسطة ليس المشاركة المستمرة, وإنما الانعزال التدريجي.
стр. 649
ولتحديد أنماط التوافق لدى المسنين قام "Richard, et al., ١٩٦٢" بدراسة طولية هامة أُجْرِيَتْ على ٧٨ رجلًا امتدت أعمارهم عند بداية البحث بين ٥٥، ٨٤ عامًا نصفهم من المتقاعدين تمامًا, ونصفهم الآخر لم يتقاعدوا كليةً, وكان الهدف من الدراسة تحديد أثر التقاعد بالإضافة إلى التغيرات في الشخصية مع التقدم في العمر, وكلاهما من خصائص توافق المسنين, ولعل من أهم نتائج هذا البحث أنه أضاف أبعادًا جديدة إلى مسألة التوافق الجيد للمسنين؛ فقد أوضح التحليل التجمعي لمعاملات الارتباط بين المسنين عندما صنفوا إلى مجموعتين؛ إحداهما تتسم بالتوافق الجيد, والأخرى بالتوافق السيئ, في ١١٥ متغيرًا من متغيرات الشخصية, وجود ثلاثة أنماط أساسية من التوافق السيئ، ونمطين أساسيين من التوافق السيئ، بالإضافة إلى عدد من الأنماط الفرعية, وكانت الأنماط الثلاثة للتوافق الجيد هي:
١- النمط الناضج mature, ويشمل هؤلاء الأشخاص الذين يتميزون بالواقعية والمرونة واليسر في التعامل مع الذات والآخرين، وهم أكثر الأفراد تحقيقًا لما يُسَمَّى الشيخوخة السعيدة.
٢- نمط الكرسي الهزاز rockign-chair, ويشمل أولئك الذين يعتمدون على غيرهم "وخاصة شريك العمر أو أحد الأبناء", ويتَّسم الشخص الذي يعتمد عليه المسن عادةً بالسيطرة في علاقته به. ويستمتع المسنون من أصحاب هذا النمط بهذه العلاقة الاعتمادية.
٣- النمط المدرع armored, ويشمل الذين تسيطر عليهم حيلهم الدفاعية ضد القلق، ويظلون قادرين على ممارسة نشاطهم على النحو المعتاد في المجتمع, وفي العلاقات الاجتماعية لأسباب دفاعية في جوهرها, إنهم يشغلون أنفسهم كثيرًا حتى يتجنبوا التفكير في الموت أو في تقدمهم في السن, وطالما ظل هؤلاء قادرين على الاستمرار في نشاطهم وإيجابيتهم, فإنهم يستطيعون التوافق مع سنوات الشيخوخة.
أما النمطان الأساسيان للتوافق السيئ فهما:
١- النمط الساخط angry, وهم الذين يظهرون المرارة والعداوة ويلومون الآخرين على متاعبهم ومصاعبهم، ويوجهون عداوتهم في الأغلب نحو من هم أصغر سنًّا.
стр. 650
٢- النمط الكاره للذات self-hater, وهو الذي يوجه العداوة إلى نفسه, فيشعر بعدم الكفاية, ويفقد شعوره بقيمته, مما يؤدي به إلى الاكتئاب والانقباض, ويدرك هؤلاء أنفسهم ضحيةً للظروف السيئة التي تعرضوا لها، وقد يشعرون بكثيرٍ من الندم على ما فات, وإسرافهم على أنفسهم في الماضي, وقد يطلبون الموت تحررًا من شعورٍ حادٍّ بالقنوط.
وقد توصَّلَ بحث آخر قام به "Neugarten, et al., ١٩٦٨" إلى نتائج تتفق جزئيًّا مع النتائج السابقة, فقد حدد هذا البحث أنماط توافق المسنين في أربعة أنماط للشخصية, هي استمرار لما كانت عليه عبر مدى الحياة, وتنتقل إلى المسن في مرحلة الشيخوخة وهي:
١- النمط المتكامل: وهو أقرب للنمط الناضج السابق؛ فأصحابه يقررون لأنفسهم أنماط نشاطهم وطريقتهم في التوافق, ولديهم نمط شخصية سوي, كما يمكنهم إعادة تنظيم أنماط سلوكهم حسب ضرورات المواقف المتغيرة، وبالتالي فهم أكثر المسنين توافقًا, وقد يكون هؤلاء من ثلاثة أنماط فرعية.
أ- نمط إعادة التنظيم: وهم المسنون ذوو أفضل درجة من التوافق في الحضارة الصناعية المعقدة الحديثة؛ فهم يعيدون تنظيم حياتهم مع التقدم في السن بحثًا عن أنشطة وأدوار جديدة تحلُّ محلَّ القديم والمفقود منها.
ب- النمط المتبأور focused: وهم الذين يحدون من نطاق نشاطهم تدريجيًّا مع التقدم في السن، وبذلك يفضلون تركيز طاقتهم وبلورة انتباههم على الأنشطة التي يستمتعون بها في طور الشيخوخة والتخلي عما سواها.
جـ- نمط التحرر من الالتزام: وهم الذين يحققون المواصفات التي تتوافر لدى أولئك الذين تصفهم نظرية كاننج وزملائه, التي وصفناه في الفصل التاسع عشر، وبحوثهم التي سنعرض لها بعد قليل. ويإيجازهم أولئك الذين يختارون إراديًّا البعد عن بعض الأدوار الاجتماعية, ولكنهم في نفس الوقت لديهم اهتمام بالعالم المحيط بهم, وهم على درجة من القدرة على توجيه الذات, ولديهم تقدير عام لأنفسهم.
٢- النمط المدَّرع أو الدفاعي: وهو أقرب إلى نظيره في البحث السابق, وأصحابه لديهم قدرة كبيرة على التحكم في دوافعهم سعيًا لبناء نظام دفاعي قوي
стр. 651
ضد قلق الشيخوخة, ويوجههم دافع الإنجاز, ولديهم شعور قويٌّ بالرضا عن حياتهم، ولذلك يظلون على درجة كبيرة من النشاط منكرين أنهم يتقدمون في السن, ويوجد نمطان فرعيان من هذه الفئة الأساسية:
أ- النمط الباسط: وهم الذين يواصلون أنشطة طور منتصف العمر، فلا تتغير نظرتهم إلى الحياة, أو طبيعة الأعمال التي يقومون بها, أو ملابسهم, أو طعامهم, وغير ذلك من المظاهر التي تدل على أنهم أصغر سنًّا, وهؤلاء يدركون التقدم في السن تهديدًا لتقدير الذات.
ب- النمط القابض: وهؤلاء أكثر من النمط السابق شعورًا بقلق الشيخوخة، ويعانون من مشاعر الخوف من تصنيفهم في فئة المسنين، ولهذا يركزون كل طاقتهم على أن يكون مشاعرهم ومظهرهم ونشاطهم من النوع الذي يصدر عمن هم أصغر سنًّا.
والنمط المدرع أو الدفاعي بنوعيه يظل نمطًا للتوافق الجيد طالما ظلت حيله الدفاعية ضد الشيخوخة ناجحة، فإذا انهار هذا النمط الدفاعي تدهور توافقهم وأصبحت درجة رضائهم عن الحياة وأسلوب حياتهم عرضة للانهيار أيضًا.
٣- النمط الاعتمادي: وهذا النمط لا يتطابق تمامًا مع نمط الكرسي الهزاز السابق وصفه؛ فقد توصلت نتائج نيورجارتن وزملائه إلى نمطين فرعيين فيه وهما:
أ- نمط البحث عن المساعدة ويطابق نمط الكرسي الهزاز، وفيه يعتمد المسن على الآخرين، ويكون مستوى نشاطه بدرجة متوسطة طالما أن هناك من يوجهه ويعاونه في ذلك.
ب- نمط التبلد apathetic ويشمل أولئك الذين يعتمدون كليةً على الآخرين للقيام بأي مهمة, وهم سلبيون تمامًا وأدوارهم قليلة للغاية.
وهذا النمط بنوعيه يتسم أصحابه بأن درجة رضائهم عن حياتهم متوسطة, وهم أيضًا على درجة متوسطة من التوافق مع الشيخوخة.
٤- النمط غير المتكامل أو المضطرب: وهؤلاء يعانون من نقائص شديدة في نشاطهم النفسي، فتختل وظائفهم العقلية المعرفية كما تضطرب وظائف الأنا لديهم, ومعظمهم يعيش على هامش الحياة الاجتماعية، ويكون أقرب إلى الحالات التي تحتاج إلى الإيداع في المؤسسات, وبالطبع فهم أسوأ صور التوافق
стр. 652
مع الشيخوخة، ودرجة رضائهم عن حياتهم منخفضة، وفي أحسن حالاتها تكون متوسطة.
وهذه الأنماط كما ذكرنا لا تظهر فجأة في مرحلة الشيخوخة، ولكنها تراكم تتابعي لخبرات الحياة السابقة, ولذلك فإنه تبعًا لمنطق نيوجارتن وزملائه, فإن الإنسان في المراحل المتأخرة من حياته يصبح "أكثر شبهًا بنفسه"؛ حيث تصبح سماته السلبية والإيجابية أكثر وضوحًا تحت "مجهر الشيخوخة".
وفي دراسة طولية أخرى مداها خمس سنوات قام "Cumming Henry" "١٩٦١ بدراسة ٢٧٥ مسنًّا مودعين في المؤسسات, وقد وجد الباحثان نمطًا مشتركًا لديهم جميعًا هو التحرر من الالتزامات, وقد عرف ذلك بأنه عملية انسحاب متبادل بين المسن والمجتمع الذي يعيش فيه؛ فمع تحلل المسن تدريجيًّا من مسئولياته الاجتماعية تقل مكانته وتضعف أدواره الاجتماعية بنفس الدرجة, وحين تكتمل هذه العملية يظهر توازن جديد بين الفرد والمجتمع، وتصبح علاقة المسن بالآخرين من النوع الذي تزيد فيه المسافة النفسية ويقل فيه التفاعل الاجتماعي, وقد اعتبر الباحثون هذه العملية -كما أشرنا في الفصل السابق- خبرة إيجابية للمسن ما دامت هذه المرحلة من النمو الإنساني تتسم بضعف المدخلات الحسية وزيادة الانطوائية وزيادة القرب من الموت، وعندئذ يصبح نقص الاستثمار الانفعالي في الناس والأحداث سلوكًا تكيفيًّا, وقد تعرضت هذه النتائج التي أقيمت عليها نظرية التحرر من الالتزامات للنقد، كما أشرنا في الفصل السابق، وعلى كلٍّ, فإنها في أحسن حالاتها هي أحد أنماط توافق المسنين، ولكنها ليست النمط الوحيد أو الأفضل؛ فالمسن جيد التوافق كما بينت الدراسة السابقة هو الذي يظل نشطًا, وقد أكدت دراسات كثيرة بالفعل أن المسنين الذين يستمرون في نشاطهم الاجتماعيّ أكثر سعادة من الذين ينسحبون من الحياة الاجتماعية, بل إن الظروف الاجتماعية السابقة التي كانت تدفع المسنين الذين يستمرون في نشاطهم الاجتماعي أكثر سعادة من الذين ينسحبون من الحياة الاجتماعية, بل إن الظروف الاجتماعية السابقة التي كانت تدفع المسنين إلى بيئاتٍ مقيدة كالمؤسسات, وتفرض عليهم الانسحاب, قد تغيرت لأسباب كثيرة منها: التقاعد المبكر والاختياري، وتحسين ظروف الرعاية الصحية، وتطوير تشريعات التأمين الاجتماعي, وارتفاع المستويات التعليمية, وقد فتح ذلك كله الأبواب لمزيد من النشاط للمسنين, ولعل ظهور النظرية المناهضة -أي نظرية النشاط- دليل على ذلك "راجع الفصل التاسع عشر".
صحيح أن من أهم معالم مرحلة الشيخوخة انشغال المسن بحياته الداخلية والخاصة, ويزداد هذا الاهتمام مع التقدم في السن, حتى أن بعض الباحثين
стр. 653
يعتبرون هذا التوجه المتزايد نحو الداخل interiority, أو نحو التمركز حول الذات egocenterism تغيرًا نمائيًّا تتسم به هذه المرحلة، وهو إذا زاد كثيرًا أصبح من علامات "الانتكاس في الخلق" والذي أشار إليه القرآن الكريم، وبالتالي يدفع صاحبه دفعًا إلى طور حياته الأخير؛ أي: أرذل العمر؛ فالتمركز حول الذات حينئذ يصبح أشبه بحاله في طور المراهقة، وقد يتطرف ليصبح مطابقًا لما هو عليه في طور الطفولة, إلّا أن الدرجة العادية من التمركز حول الذات في مرحلة الشيخوخة تدفع المسن إلى الاهتمام بمشكلاته الفردية أكثر من الانشغال بمشكلات الآخرين من حوله, أو العالم المحيط به, مع وجود بعض الوعي بالآخرين والعالم الخارجي.
وبالطبع إذا حدثت عملية تحرر الفرد من التزاماته الاجتماعية متآنيةً مع تحرير المجتمع للفرد من هذه المسئوليات وخفض أدواره فيها, فإن ذلك قد يؤدي إلى توافق جيّد للمسنين, أما إذا قطعت صلات الشخص بالمجتمع قبل الأوان؛ كما يحدث في حالات التقاعد الإجباري المبكر، تنشأ حينئذ مشكلات التوافق؛ فحدوث هذا التحرر من الالتزام تدريجيًّا يؤدي في النهاية إلى شعور الفرد بالرفاهية السيكولوجية والرضا عن حياته مهما تقدم به السن, وبالطبع يتطلب ذلك دائمًا أن يواصل الفرد نشاطه الذي قد يتطلب بالطبع تغييرًا كميًّا أو كيفيًّا أو هما معًا فيه, والمهم في جميع الحالات أن ندرك أن توافق المسن حتى يحقق لنفسه شيخوخة ناجحة يعتمد على نمط شخصيته, والأسلوب طويل الأمد الذي رسم حياته كلها.
من السهل الوصول مما سبق إلى تعميمٍ معقولٍ حول الأساليب الملائمة للتوافق الجيد عند المسنين, إلّا أن الأمر لا يزال في حاجة إلى مزيدٍ من البحث, وخاصة في بيئتنا المصرية وغيرها من البيئات العربية, وأهم ما في الأمر أن النتائج التي توصلت إليها البحوث التي أجريت في هذا الميدان تؤكد إمكانية الوصول إلى التوافق الجيد خلال هذ الفترة من العمر, كما أن خبرة الحياة تؤكد وجود أمثلة كثيرة لأشخاص يستمرون في حياة خصبة نامية متطورة بالرغم من تقدمهم في السن, وهكذا فليس التوافق السيئ ملازمًا حتميًّا للشيخوخة.
سمات الشخصية: من أشهر البحوث التي تناولت الشخصية وعلاقتها بالعمر, تلك التي قام بها "Richard, et al., ١٩٦٢" والتي عرضنا بعض نتائجها فيما سبق، ونعود فنقدم مزيدًا من تفاصيل نتائج هذه الدراسة الهامة لتحديد سمات شخصية المتقدمين في السن.
стр. 654
لقد تألفت عينة هذا البحث كما قلنا من عينتين أساسيتين؛ إحداهما تقاعدت بالفعل, والأخرى لا زالت تعمل؛ سواء كل الوقت أو بعضه، وكانوا جميعًا من المتطوعين, وربما كانوا من الأشخاص الأكثر توافقًا من غيرهم من المسنين, وبالمقارنة بين المتقاعدين والعاملين من كبار السن وجد الباحثون أن أعضاء الفئة الأولى كانوا أقل نشاطًا في الترويح, ولكنهم أكثر نشاطًا في الأعمال المنزلية والزيارات الاجتماعية والقيام بالهوايات الإنتاجية, كما أظهروا ميولًا سياسية تتساوى مع زملائهم العاملين، إن لم تزد عليهم، وخاصةً فيما يتصل بالمعاشات والأجور والمسائل الاقتصادية, ويبالغ الشخص العامل في قيمة وقت الفراغ أثناء التقاعد, ويقلل من شأن مزايا العمل والكسب, وكثير من الأشخاص العاملين كانوا على درجةٍ من القلق حول تقاعدهم, بينما كان قليل من المتقاعدين على درجةٍ من القلق بسبب عدم العمل, وكانت شكواهم في جوهرها بسبب نقصان المصادر المالية.
ولم يظهر البحث فروقًا كبيرة بين العاملين والمتقاعدين في الصحة الجسمية، وبالطبع فإن المتقاعدين كانوا أكثر قابلية للتعب, وأضعف بنيانًا من الناحية الجسمية، ومع ذلك فقد كان توافق المتقاعدين الصحي أكبر، وذكروا أنهم أفضل صحة مما كانوا عليه من قبل, وليس معنى هذا أنهم لم يظهروا اهتمامًا شديدًا بالصحة أو مشكلاتهم الصحية، وإنما بدوا أقل قلقًا حول صحتهم من المجموعة الأصغر سنًّا، وكانوا يدركون عمرهم المتقدم إنجازًا في ذاته, وشيئًا يفخرون به ويعتزون, وكان قلق الموت أقل عند الفئة الأكبر سنًّا، كما كانت هذه الفئة أقل سلبية واعتمادًا في علاقتهم بالآخرين, كما كانت أكثر مسئولية، وأقل دفاعية، وأقل شكًّا، وأقل حساسية في العلاقات الاجتماعية, وكان الانطباع العام عنهم أنهم أكثر انفتاحًا وثقةً واطمئنانًا واستقرارًا، وأقل عدوانيةً نحو المرأة "العينة كانت من الرجال" وأكثر اجتماعية، كما كانت هذه المجموعة أقل عجزًا وضعفًا واكتئابًا وتشاؤمًا وانعزالًا.
ومن هذه النتائج يبدو أن الفترة الحرجة في التوافق الشخصي للإنسان ليس في التقاعد ذاته، وإنما في الفترة السابقة مباشرة عليه؛ ففي هذه الفترة يصبح الأفراد أكثر توترًا، ومعنى ذلك أن المشكلة ليست في "كينونة الشيخوخة", أي: أن يصبح الشخص مسنًّا وإنما في "صيرورة الشيخوخة"، أي: توقع الشخص الأصغر سنًّا لما سيؤول إليه حاله عند التقدم في السن, وهذه التوقعات قد لا تكون صحيحة.
стр. 655
ومن الدراسات المستعرضة الهامة أيضًا حول شخصية المسنين دراسة "Swinson, et al., ١٩٧٣" وفيها طبقوا اختبار مينسوتا المتعدد الأوجه للشخصية على عينة كبيرة من الراشدين المترددين على إحدى العيادات الخارجية, ولم تشمل العينة أحدًا من المرضى، فقد استبعدت جميع الحالات الكلينيكية, واقتصرت الدراسة على المسنين الذين يقعون في نطاق السواء النفسي, وأظهرت الدارسة أن توهم المرض يصل إلى قمته في سن الأربعين والخمسين, وتؤكد هذه النتيجة أن التقرير الذاتي عن وجود شكاوى مرضية كما يقيسها هذا البعد في الاختبار هو عملية تكيفية دفاعية, وما يحدث بالفعل أن توقع تدهور الصحة "توهم المرض" يتبعه تدهور صحي حقيقي, كما أكد البحث أنه لا يوجد دليلٌ على الزيادة في سمة الاكتئاب مع التقدم في العمر, وكذلك فإن كلًّا من الهوس الخفيف والوهن النفسي يتناقصان تناقصًا واضحًا مع العمر, ويبدو من نتائج هذا البحث أن الشيخوخة التي تبدو من منظور الشباب مخيفة ومفزغة ليست كذلك بالفعل عند المسنين الأسوياء, صحيح أن هذه الصورة الإيجابية تختلف كليةً عند المسنين المرضى، وهذا موضوع سوف نتناوله بالتفصيل في الفصل القادم الذي يتناول طور أرذل العمر.
стр. 656
ميول المسنين:
لا تظهر في مرحلة الشيخوخة ميول جديدة، وإنما يتم التركيز على الميول التي سبق اكتسابها في مراحل العمر السابقة، ويختار المسن منها ما يحقق له إشباعًا أكبر في مرحلة عمره الجديد, وبالطبع فإن بعض ما كان يحقق إشباعًا في الماضي لم يعد كذلك بسبب ضعف الصحة وظروف الحياة ونقص الحياة ونقص الموارد وقلة الأصدقاء.
وتوجد علاقة بين عدد الميول وأنواعها من ناحية, ونمط التوافق للشيخوخة من ناحية أخرى, وبالطبع إذا ضاق نطاق ميول المسن نتيجة لعوامل إرادية, أي: بسبب وعيه بظروف الصحية والاقتصادية مثلًا, فإنه يكون أكثر تكيفًا من المسن الذي يجبر على ذلك بسبب الاتجاهات السلبية إزاءه؛ كأن ترفض الجماعة التي ينتسب إليها مشاركته في الأنشطة التي يحبها.
وكذلك إذا كان المسن يشعر أنه قد آن الآوان لإعطاء جيل "الشباب" الفرصة في تحمل المسئولية, تكون اتجاهاته أكثر إيجابية نحو قيامه بدور المشارك السلبي من ذلك الذي يرغب في المشاركة الإيجابية, ثم يجبر على عدم المشاركة نتيجة
стр. 657
الاتجاهات الاجتماعية السلبية نحو الشيخوخة.
ويزداد في هذه المرحلة اهتمام المسن بذاته, وخاصة حول ما يشعر به ويريده مع تقدمه في السن, ويتحول كما قلنا من قبل إلى التمركز حول الذات -وهو مرة أخرى سلوك طفولي- بحيث يفكر في نفسه على نحوٍ أناني أكثر مما يفكر في الآخرين، كما يصبح أقل قدرة على إدراك الآخر, وتشغله في تمركزه حول ذاته صحته الجسمية "حتى ولو كان سليم البدن"، كما تدور أحاديثه حول نفسه وخاصة حول ماضيه وذكرياته, ولعل هذا الاهتمام المبالغ فيه بالذات أحد مصادر الاتجاهات الاجتماعية السالبة نحو المسنين, وقد نبه القرآن الكريم إلى ذلك, ودعا إلى تسامح الصغار مع المسنين في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣،٢٤] .
ومع التقدم في السن يتناقص الاهتمام بالمظهر, ومن الطريف أن الفروق بين الجنسين في هذا الجانب هي عكس اتجاهها في مراحل الشباب والرشد؛ فهو أكثر حدوثًا في هذه المرحلة بين الرجال أكثر من النساء, ومن ناحيةٍ أخرى يزداد الاهتمام بالمال الذي تكون عادةً قد خفَّت حدته في مراحل الرشد, ولعل السبب في ذلك قلق المسن على مستقبله الاقتصاديّ نتيجة نقص موارده بالتقاعد.
أما عن الميول الترويحية في الشيخوخة فعادةً ما تكون شبيهةً بما كانت عليه في مرحلة وسط العمر، ولا يطرأ عليها تغيير يذكر إلّا في حالات الضرورة, ومن النادر أن ينمي المسن ميولًا ترويحية جديدة, إلا أنه قد يخصص وقتًا لم يكن متاحًا له من قبل لنشاط كان يحبه في شبابه, ومع توافر الوقت في مرحلة الشيخوخة يصبح من الممكن له أن يمارسه.
وأكثر الهوايات شيوعًا لدى المسنين القراءة وكتابة الخطابات والاستماع إلى الراديو ومشاهدة التليفزيون والأعمال المنزلية والأشغال اليدوية، وزيارة الأقارب، والسفر، والمشاركة في الأنشطة الدينية والسياسية والمحلية, وما يحدد مشاركة الفرد في بعض هذه الأنشطة يتوقف على عوامل كثيرة؛ منها: الصحة الجسمية والظروف الاقتصادية ومستوى التعليم والجنس.
стр. 658
التغيرات في السلوك الاجتماعي:
لقد أشرنا من قبل إلى الفرضين الشائعين اللذين يفسران السلوك الاجتماعي في مرحلة الشيخوخة, وهما فرض التحرر من الالتزامات وفرض النشاط, وقد استعرض "Kahan, ١٩٨٢" البحوث التي أجريت حول الموضوع, والتي أكدت أنهما لا يرتبطان مباشرةً بارتفاع الروح المعنوية والرضا عن الحياة لدى المسنين, والواجب أن نحدد مجموعة عوامل رئيسية تحدد السلوك الاجتماعي في هذه المرحلة وأهمها ما يلي:
١- التمييز بين الانسحاب التطوعي "الاختياري" والانسحاب الإجباري: فاختيار المسن للعزلة أو المشاركة يجعله في الحالتين أكثر سعادةً بحياته, وأكثر رضا عنها إذا قورن بمن يجبر على أحدهما بسبب ظروفه الشخصية أو العوامل الخارجية المحيطة به.
٢- المعنى الذاتي للتكامل الاجتماعي لدى المسنين: فبعضهم يعتبر الاندماج مع الأشخاص الآخرين والمؤسسات الاجتماعية له أهمية كبرى، ومن خلال هذه الأنشطة ينمون معنى الهوية لديهم ويحافظون عليه, ومن ذلك مثلًا المدرس الذي رغم تقاعده يواظب على حضور اجتماعات مدرسته, ويظل نشطًا في العمل المهني للنقابة, وقد يكون عكس ذلك كله هو الأكثر أهميةً لدى البعض الآخر من المسنين.
٣- نوعية العلاقات الاجتماعية: تؤكد نتائج البحوث أن تكرار المشاركة الاجتماعية في ذاته مؤشر ضعيف على الرضا عن الحياة والروح المعنوية لدى المسنين، والأكثر أهمية من عدد الصلات الاجتماعية, أو عدد الجماعات التي ينتمي إليها المسن عامل نوعية العلاقات الاجتماعية التي يمارسها, وقد تأكد وجود ارتباط وثيق بين السلوك الاجتماعي الناجح في الشيخوخة ووجود بضعة أصدقاء ورفقاء حميمين وثيقي الصلة بالمسن, ولعل أكثر الرفقاء أهميةً لديه -بعد شريك حياته- الأصدقاء والأبناء والإخوة. وبصفة عامة فإن تأثير البنات والأخوات الأصغر سنًّا بالغ الأثر, وخاصة في القيام بدور الدعم والمساندة, سواء كان المسن من الرجال أو النساء.
أما بالنسبة لصداقات المسنين، فإن شأنها شأن صداقات الراشدين لم تجر عليها بحوث كافية، إذا قورنت بصداقات الأطفال والمراهقين, ومع ذلك فإن خبرة الحياة اليومية تؤكد لنا الدور الهام للصداقات في مختلف الأعمار؛ فالصداقة
стр. 659
تقوم بوظائف عديدة؛ مثل المشاركة الوجدانية والتقبل والدعم الوجداني أثناء الأزمات، والثقة والاحترام المتبادلين, بالإضافة إلى ما يقدمه الأصدقاء من مساعدة ونصيحة وخدمات, وما يهيئونه من فرص لاستشارتهم وتقديمهم المعلومات والخبرة, وفي رأينا أن هذه جميعًا تزداد الحاجة إليها مع التقدم في السن, ولعل ذلك يفسر لنا لماذا يختار المسنون أصدقائهم من أقرانهم في العمر، كما يفسِّر لنا لماذا يكون رضا المسنين عن حياتهم أكثر ارتباطًا بالتفاعل مع الأصدقاء منه بالتفاعل مع الأقارب.
إلّا أن المشكلة الحقيقية هي أن المسنين يعانون بالفعل من تحديد نطاق عالمهم الاجتماعي تدريجيًّا مع التقدم في السن؛ فتقل علاقاتهم الاجتماعية بسبب فقدان زملاء العمل، وموت الأقارب والأصدقاء, ورفيق "أو رفيقة" العمر, كما يحد من مشاركتهم الاجتماعية ضعف الصحة والأحوال المالية والاتجاهات الاجتماعية غير الملائمة نحوهم, وتوجد ثلاثة أنواع من العلاقات الاجتماعية تتأثر خاصةً في الشيخوخة, هي العلاقات الشخصية الحميمة "بالزوج أو الزوجة، الأخوة والأخوات وصداقات الطفولة والشباب الحميمة"، وشِلَلِ الأصدقاء، والجماعات المنظمة "كالأندية", وحالما تتعرض هذه العلاقات للانهيار يستحيل تعويضها خلال هذه المرحلة.
ومن الملاحظ أن المرأة تحتفظ بصداقاتها وعلاقاتها الاجتماعية فترةً أطول من الرجل, ويرجع السبب في ذلك إلى أن صديقات المرأة هن في العادة من جيرانها، أما أصدقاء الرجل فهم في الأغلب من زملاء العمل الذين يعيشون في أماكن متفرقة، والذين لا يربطهم اهتمام مشترك بعد التقاعد.
إلّا أن على وجه العموم يمكن القول أنه مع اهتمام المسن بذاته يتناقص اهتمامه بالنشاط الاجتماعي, وتضيق دائرة علاقاته الاجتماعية تدريجيًّا، فيفقد الاهتمام أولًا بمعارفه ثم أصدقائه، وتقتصر ميوله الاجتماعية على أسرته المباشرة, وتمتد هذه الميول إلى مختلف الأجيال في هذه الأسرة, وقد يتركز هذا الاهتمام على الصغار، أي: الأحفاد, ولعل من الملاحظات المألوفة أن نجد الجد والحفيد يقضيان معًا وقتًا أطول مما يقضيه كلٌّ منهما مع باقي أفراد الأسرة.
السلوك السياسي: تظهر لنا خبرة الحياة اليومية أن الشباب أكثر تحررًا في اتجاهاتهم السياسية، ومع مرور الزمن وتحوّل الإنسان إلى الرشد ثم الشيخوخة, تتغير هذه الاتجاهات إلى القطب المضاد، أي: المحافظة, إما لأن الخبرة والحكمة
стр. 660
التي يكتسبها المتقدمون في السن تجعل إدراكهم للطبيعة البشرية أكثر دقة "كما يقول المحافظون", أو لأنهم حققوا أهدافهم في الحياة وأصبحوا أكثر أمنًا واستقرارًا عن ذي قبل، ولهذا يرغبون في المحافظة على الأوضاع القائمة "كما يقول المتحررون"، إلّا أننا نضيف سببًا ثالثًا في ضوء الأدوار الاجتماعية، فالتزام الشباب بقيم التطور والتغيير في المجتمع سرعان ما يتضاءل مع زيادة مسئولياته الاجتماعية, مع انتقاله إلى المراحل التالية، وخاصةً مسئولياته داخل الأسرة؛ فالدفاع عن حقوق "الكادحين" والمقهورين -وهو شعار اليساريين في الأغلب- تخبو جذوته تدريجيًّا, ويفتر الحماس له, ويحل محله القلق على مستقبل الأسرة.
ويكشف التحليل الدقيق لتغير الاتجاهات السياسية مع التقدم في العمر عن أن سيطرة الاتجاهات المحافظة لدى المسنين يرجع في جوهره إلى المستوى التعليمي؛ فالأشخاص الأرقى تعليمًا يتجهون إلى قطب التحرر، بينما يتجه ذوو التعليم المنخفض إلى قطب المحافظة, وبالطبع تلعب الظروف الثقافية التي يعيش فيها كلُّ جيل دجورها في تكوين هذه الاتجاهات؛ فكل جيل يتعرض في نفس الوقت ونفس العمر لأنماطٍ مشتركة من التعليم والحياة الاجتماعية والظروف الاقتصادية والحروب والأزمات السياسية، ولهذا فإن درجة التحرر أو المحافظة في كل جيل جديد تعكس هذه الخبرات المشتركة, وفي ضوء هذا التحليل يمكن أن نحدد ونحن في نهاية القرن العشرين أربعة أجيال مختلفة في مصر المعاصرة١ باعتبار ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ النقطة المرجعية في هذا الصدد، هذه الأجيال الأربعة هي:
١- جيل ما قبل صورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢, وهم أولئك الذين كانوا في طور الرشد الأوسط أو مطلع الشيخوخة عند قيام هذه الثورة, وهم الآن في السبعينات أو الثمانينات من العمر، وربما بلغ بعضهم طور أرذل العمر الذي سنتناوله في الفصل القادم, والطابع الغالب على هذا الجيل هو المحافظة.
٢- جيل صناع ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢, وهم الذين كانوا في شبابهم أو رشدهم المبكر عند قيام هذه الثورة, وهم الآن في طور الشيخوخة, وهو جيل تحولت اتجاهاته من التحرر إلى المحافظة, ويتضح ذلك خاصةً من تحليل أنماط السلوك السياسي لبعض قادة العصر "الثوري" وأقطابه في الوقت الحاضر.
стр. 661
٣- الجيل الذي صنعه ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢, وهم أولئك الذين كانوا أطفالًا أو مراهقين عند قيام هذه الثورة, وهم الآن إما على مشارف بلوغ الرشد أو في منتصفه، وهذا الجيل عاش العصر "الثوري" كاملًا وبلغ حماسه له أوجه، وشاع فيه اتجاه التحرر، وكانت نكبته بعد كارثة ٥يونيو ١٩٦٧ بالغة العنف, أفقدته الكثير مما كان يتشبث به, وحولته الآن إلى ما يمكن أن نسميه الحياد السياسي.
٤- جيل عصر التحرر الاقتصادي، وهو الجيل الذي تَفَتَّح وعيه مع بداية عصر الإصلاح الاقتصادي والتوجه إلى الاقتصاد الحر، وهم الآن في طور الشباب أو الرشد المبكر، ويسود بينهم تيار التحرر بالمعنى الليبرالي.
وهكذا يستجيب الناس للاتجاهات العامة السائدة في المجتمع؛ فحين يتحوّل المجمع من المحافظة إلى التحرر أو العكس, يتأثر جيل الصغار والشباب خاصةً بالتيار السائد، وحين يتقدم هؤلاء في السن فإنهم يظلون في نفس الاتجاه أو يغيرونه, إلّا أن هذا القول يجب ألّا يعني أن استجابة أفراد كل جيل للظروف التاريخية التي يعيشون فيها متساوية، ففي كل جيل من الأجيال الأربعة السابقة تكاد تجد جميع ألوان "الطيف" السياسي، ويؤكد ذلك حقيقة أن الصراعات السياسية ليست بين الأجيال فحسب، ولكنها داخل كل جيل أيضًا, وعلى ذلك فالأصح أن نقول: إن المسنين يبدون أكثر محافظةً؛ لأن جيلًا جديدًا من الشباب والراشدين الصغار تسود فيهم اتجاهات التحرر، ولعل هذا ما يدفع المجتمعات إلى التطور، فإذا كان الشباب يمثلون قوى التغيير، فإن الشيوخ هم قوى الضبط، ولا يمكن للتغيير أن يمضي إلّا ما لا نهاية، كما لا يمكن لمجتمع أن يظل ساكنًا سكون الموت.
وما يلفت النظرحقًّا أنه مع تقدم الإنسان في العمر يزداد اهتمامه ونشاطه السياسيان, وقد كشفت البحوث التي أجريت في هذا الصدد أنه مع تجاوز الراشدين حاجز عمر الستين يبلغ اهتمامهم السياسي ذروته، وتأكد ذلك في جميع المستويات التعليمية "Hudson & Binstock", صحيح أن هذه الاهتمامات قد يصاحبها نشاط سياسي فعليّ حتى الخمسينات من العمر, إلّا أنه مع بلوغ المرء مرحلة الشيوخة تظل اهتماماته السياسية قوية, بينما قد يضعف نشاطه السياسي, إلّا أن المسن إذا كان نشاطه السياسي كبيرًا في طور منتصف العمر, فإنه يظل كذلك أيضًا في مرحلة الشيخوخة.
стр. 662
وبالطبع فإن الراشدين الذين يتولون مسئوليات سياسية لا يتقاعدون منها مع بلوغهم الستين أو الخامسة والستين, فأغلب القيادات السياسية في عصرنا ممن هم في مرحلة الشيخوخة، بل نكاد نقول: إنه يكاد يزداد العمر مع ارتفاع المستوى القيادي السياسي "في الأحزاب السياسية مثلًا", ولعل هذه الحقيقة تجعل من صورة الشيخوخة أكثر جاذبية, وتغير من القالب النمطي الذي شاع عنها١.
تدين المسنين:
الواقع أن موضوع السلوك الديني لدى المسنين، شأنه في ذلك شأن السلوك الديني للراشدين عامةً لم يحظ بقدرٍكافٍ من البحوث، على عكس الحال في الطفولة والمراهقة, ومع ذلك فإن الدراسات القليلة المتاحة تؤكد لنا أن هناك فروقًا عمرية في السلوك الديني، وخاصة ما يتصل بالعقيدة الدينية من ناحية, وممارسة الطقوس والعبادات الدينية من ناحية أخرى, إلّا أن النقد الجوهري لهذه البحوث أن معظمها من النوع المستعرض، وبالتالي لا يمكن البت بالنسبة لنتائجها من حيث ما إذا كانت ترجع إلى اتجاهات نموٍّ حقيقيةٍ, أم أنها تعكس الفروق بين الأجيال, أو بين العصور التاريخية المختلفة.
وعمومًا فإن النتائج التي توصَّل إليها الباحثون في الغرب تؤكد أن المشاركة في النشاط الديني والتردد على دور العبادة يكاد يكون أكثر الأنشطة التطوعية حدوثًا من الإنسان في جميع مراحل عمره، ويستقر هذا النشاط خلال مختلف أطوار الرشد, وتوجد عوامل تؤثر في ذلك مثل الجنس والمستوى الاقتصادي والمستوى التعليمي, ومدة الإقامة في المنطقة التي توجد بها دار العبادة، فالأشخاص الأكثر ترددًا هم الراشدون ذوو المستوى الاقتصادي المرتفع, والمستوى التعليمي المرتفع أيضًا, والذين يقيمون في الحي الذي يعيشون فيه فترة أطول، أما الفرق بين الجنسين فلم يكن دالًّا.
وأكدت بعض الدراسات أن الصحة الجسمية تؤثر في تردد المسنين على دور العبادة؛ فقد لوحظ أن هؤلاء بعد تجاوزهم سن الخامسة والستين قد يقل ترددهم على دور العباة، بسبب المرض خاصة، ومع ذلك فهم يتابعون الطقوس والعبادات من خلال وسائل الإعلام.
стр. 663
وبالطبع فإن هذه النتائج لا تقبل التعميم مباشرةً على الثقافات الأخرى, ومنها ثقافتنا العربية والإسلامية, وعلى الرغم من أنه لا توجد نتائج تحدد هذا الجانب من السلوك الديني لدى المسنين المسلمين, إلّا أننا نتوقع أنهم بعد أن يتخففوا من الأعباء والمسئوليات التي كانت تثقل كواهلهم في مراحل العمر السابقة يحتل السلوك الديني مكانة رئيسية لديهم، فصلاة المسن المسلم ونسكه قد تكون وسلته الوحيدة للتخفف من مشاعر العزلة، وهي عزاؤه عند كل ضيق، كما تعصمه من الوقوع في غائلة القلق، وخاصةً قلق الموت, ويعبر فؤاد البهي السيد "١٩٧٥: ٤٥٠" عن ذلك بقوله:
"إن المسن يغشى دور العبادة في هذا الطور من حياته وهو يحسُّ أنه قد خلا له وجه دينه بعيدًا عن شواغل الدنيا وأحزانها ومسراتها".
وتكشف لنا الملاحظة العابرة للسلوك الديني للمسنين في بلادنا أنهم أكثر ممن هم أصغر سنًّا في تفضيل البرامج الدينية في وسائل الإعلام، وهم أكثر حرصًا على قراءة القرآن الكريم، وأكثر مواظبة على صلاة الجماعة، وأكثر تقديرًا للقيمة الدينية على غيرها من القيم "وخاصة القيم المادية"، بالإضافة إلى التركيز على المغزى الشخصي للدين باعتباره وسيلة للتوافق النفسي، وفي هذا يختلف المسنون عمن هم أصغر سنًّا من المتدينين الذين يدركون الدين على أنه وسيلة للإصلاح الاجتماعي والممارسة السياسية, ولعل هذا الفارق الجوهري يفسر لنا أن نسبة الشباب والراشدين الذين يمارسون ما يُسَمَّى في السنوات الأخيرة في مصر "التدين السياسي" تفوق كثيرًا نسبة المسنين.
وإدراك المسن للطابع الشخصي للدين يحقق له في هذه المرحلة مهمة التكامل، وإذا كان الأمل -كما يرى إريكسون- هو القوة الأساسية الدافعة في مرحلة الطفولة، فإن هذا الأمل يتضح في الطور المتأخر من النموِّ الإنساني في العقيدة، ولا يمكن للتكامل أن يتجاوز اليأس والقنوط في هذه الحالة إلّا إذا وجد المسن معنًى واضحًا للحياة, وبالطبع فإن العقيدة الدينية أعظم مصادر هذا المعنى, ويؤكد ذلك نتائج بحث هام قامت به "Telis -Nayak, ١٩٨٢" واستخدمت فيه مقياسًا للتدين religiosity تضمن الاتجاهات الدينية والمعتقدات والطقوس والعبادات والممارسات, فوجدت أن التدين لا يرتبط بالمتغيرات المادية والصحية والأحوال الاقتصادية، وإنما أقوى علاقاته بشعور الفرد بوجود معنى وغرض لحياته.
стр. 664
ولعل هذه النتيجة تفسر ما تواتر من نتائج البحوث في السنوات الأخيرة حول العلاقة الموجبة بين التدين والتوافق النفسي في مختلف الأعمار، وهي علاقة أكثر وثوقًا في مرحلة الشيوخة، فمع اقتراب دورة الحياة من نهايتها تزداد الاهتمامات الدينية لدى المسنين، وهذا القول أكثر صدقًا على مجتمعاتنا العربية الإسلامية، ونحن في حاجةٍ بالطبع إلى بحوث جادة تختبر هذا الفرض من منظور ثقافي مقارن, وعمومًا ففي رأينا أن لجوء المسن المسلم إلى الدين يوفر له مصدرًا عظيمًا للشعور بالأمن والصحة والنفسية، ويحرره من قلق الموت الذي يُعَدُّ أحد عوامل القلق النفسي والاضطراب الانفعالي والوجداني في الحضارة الغربية الحديثة.
стр. 665
الفصل الحادي والعشرون: طور أرذل العمر
مدخل
...
الفصل الحادي والعشرون: طور أرذل العمر
أرذل العمر هو الطور النهائي في حياة الإنسان الذي يعمر طويلًا، والذي ينتهي حتمًا بالموت الذي هو خاتمة للحياة الدنيا وبداية الحياة الآخرة، وبالطبع فإن المرء قد يموت في أيِّ مرحلة من حياته: جنينًا أو طفلًا أو صبيًّا أو شابًّا أو راشدًا أو شيخًا. وإشارات القرآن الكريم واضحة في ذلك، يقول الله تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: آل عمران: ١٨٥، الأنبياء: ٣٥] .
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] .
والإنسان الذي يشاء الله له أن يعيش في طور من أطوار حياته السابقة ينتقل بالطبع إلى الطور التالي الذي قد يكون تنمية وتحسينًا لما كان قبله "العمرالأول كله" أو تدهورًا وانحدارًا عَمَّا كان عليه من قبل "كالانتقال من الرشد إلى الشيخوخة"، إلّا طور أرذل العمر، فوصول المرء إليه يعني اكتمال تدهوره واتصال دائرة النمو الإنساني عنده، فالعلم والخبرة والمهارة والحكمة التي اكتسبها تدريجيًّا طوال سبعين أو ثمانين عامًا من حياته تتلاشى حتى يصبح لا يعلم من بعد علم شيئًا؛ كما يقول الله تعالى:
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النمل: ٥] .
كما يشهد طور أرذل العمر ردة كاملة إلى ما كان عليه الحال في المراحل الأولى من الحياة؛ فالانتكاس الذي يصيب سلوك المعمرين في هذا الطور يعود بهم إلى سلوك طفولي يزداد هبوطه وتدهوره إلى مستويات أدنى مع كل إيغال في العمر, وصدق الله العظيم:
﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨] .
وطور أرذل العمر لا يتحدد بسنٍّ معينةٍ كما هو الحال في معظم مراحل وأطوار النمو السابقة، وإنما يمكن وصفه بأنه "حال متطرفة" من الشيخوخة تظهر في أيّ وقت منها, ولو أن الأكثر شيوعًا أنها تصاحب الإيغال فيها, فمع التقدم في الشيخوخة تطرأ على الوظائف النفسية والجسمية المختلفة اضطرابات متعددة.
وإذا لم يكن العمر محكًّا ملائمًا لأرذل العمر، فما هي المحكات الملاءمة؟
стр. 666
محكات بلوغ أرذل العمر
المحك الإسلامي
...
محكات بلوغ أرذل العمر:
يقترح الباحثون في ميدان سيكولوجية المسنين مجموعةً من المحكات يحددون بها بلوغ طور "الهرم" Senility, وهو ما نُؤْثِرُ أن نطلق عليه التسمية القرآنية "أرذل العمر", وهي تسمية معجزة تستوعب بإيجاز خصائص هذا الطور الذي يتسم بأن أهم علاماته تعاسة المسن, وإزعاجه للآخرين, وضيق هؤلاء به، وهذا ما يجعله طورًا منفرًا، سواء أكان هذا "الهرم" عاديًّا normal, أم مرضيًّا Pathological كما سنوضح فيما بعد, نعرض فيما يلي هذه المحكات بادئين بالمحك الإسلامي, ثم نتبعه بالمحكات الأخرى.
١- المحك الإسلامي:
التدهور الانتكاسي وفقدان القدرة على التعلم تشير الآيتان القرآنيتان الكريمتان اللتان تناولتا التقدم في العمر "يس: ٦٨", وأرذل العمر "النمل: ٥" "وقد أوردناها في مطلع هذا الفصل" حدوث تغيرات تدهورية هامة، تجعل أصحاب هذا الطور فئة مختلفة عن غيرهم من الشيوخ أو المسنين.
إلّا أن التدهور في أرذل العمر الذي يشير إليه القرآن الكريم يتسم بصفة جوهرية هي أنه ارتدادي انتكاكسي، أي: يعود بصاحبه إلى الوراء, وإلى مستوياتٍ أدنى من السلوك، وإذا كان "أفضل العمر"١ بالطبع هو الرشد واكتمال النضج, فلا بُدَّ أن يكون هذا الانتكاس عودةً إلى ما قبل الرشد أو النضج، أي: أن سلوك المسنين في طور أرذل العمر يتسم بأنه أقرب إلى تصرفات "المراهق" أحيانًا, "الطفل" في معظم الأحيان، وبهذا يصبح التدهور حينئذ مختلفًا عن أيِّ تدهور آخر يحدث في أي طور سابق, فأي تدهور آخر قد يكون كميًّا "أي: نقص في درجة النشاط" فحسب, طالما أنه في نطاق السواء، إلّا أنه في طور أرذل العمر تدهور كمِّي "أي: في الدرجة", وكيفي "أي: في النوع" معًا.
стр. 667
وأدق تعبير عن هذا التدهور الارتدادي الانتكاسي على أنه انهيار كمِّي وكيفي الإشارة القرآنية الكريمة إلى أن المسن في هذا الطور يصبح، لا يعلم من بعد علم شيئًا؛ ففقدان القدرة على التعليم تدهور كيفي خطير يرد صاحبه مرة أخرى إلى الاعتماد الكامل الذي اتسمت به المراحل المبكرة من حياته حين كان عجزه عن التعلم -وهو طفل- مؤشر ذلك, ومع أن الطفل والهرم عاجزان عن التعلم, فإن الطفل يتقدم بالتعلم والاكتساب سعيًا إلى الاستقلال والقدرة "الرشد"، أما الهرم, فإن كل يوم يضاف إلى رصيد حياته يرتَدُّ به إلى مزيدٍ من الفقدان لما تعلَّم واختزن من قبل، مع عجز عن اكتساب أي جديد.
وبالطبع فإن هذه التغيرات الانتكاسية الكيفية لا تظهر في سنٍّ معينةٍ من الشيخوخة كما بينا, إلّا أن من المتوقع أن تظهر بعض هذه العلامات مع التقدم فيها بدرجات متفاوتة من الحدة، وبالطبع فإن القدر القليل منها يجعل صاحبه في فئة الهرم العادي normal senility, أما إذا اشتد التدهور فإنه حينئذ يصبح من نوع الهرم المرضي pathological senility.
والرشد -عند فقهاء المسلمين- هو المستوى النمائي الذي عنده يستقل المرء بتصرفاته، وقبله يكون الصغير تحت وصاية والديه لعدم توافر أهلية التصرف، وتفيض مؤلفات الفقه الإسلامي بالتفاصيل حول الحجر على تصرفات الصغير، والحجر في الشريعة معناه: منع الإنسان من التصرف في ماله، وقد أشرنا من قبل إلى أن القدرة على التصرف في المال خاصةً هي المؤئر الاجتماعي الرئيسي على الرشد في الإسلام، ويدعم قولنا مايذكره أحد فقهائنا المعاصرين "وهبة الزحيلي: ١٩٨٤" حول اختبار الولي لرشد الصبي بقول:
"أما اختباره "أي: الصبي" في المال فبحسب أمثاله، فيختبر ولد التاجر بالبيع والشراء والمماكسة فيهما, أي: طلب النقصان عما طلبه البائع، وطلب الزيادة على ما يبذله المشتري، ويختبر ولد الزارع بالزارعة، والنفقة على العمال فيها، ويختبر المحترف بما يتعلق بحرفة أبيه أو أقاربه، وتختبر المرأة بالغزل والقطن حفظًا وحياكةً وغيرها، ويشترط تكرار الاختبار مرتين أو أكثر قبل البلوغ وقيل بعده".
وبالطبع فإن هذه أمثلة على وسائل اختبار الرشد تتفق مع السياق الثقافي والحضاري والتاريخي الذي وضعها فيه الفقهاء، ويمكن تطويرها مع وسائل العصر, ومنها الأدوات والفنيات التي يستخدمها علم النفس.
стр. 668
وقد صنَّفَ الفقهاء فئات من ينوب عنهم أولياؤهم وهم مَنْ ثبت الحجر عليهم بدليل القرآن والسنة وهم: المجنون "وهو من زال عقله", والمعتوه "وهو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير لاضطراب عقله, سواء من أصل الخلقة أو لمرض طارئ", السفيه "وهو من يبذر ماله يصرفه في غير موضعه الصحيح بما لا يتفق مع الحكمة والشرع", والمريض مرض الموت١, مع تفصيل واختلاف في المذاهب الفقهية المختلفة لا يتسع له المجال.
وبالطبع فإن هذه الفئات جميعًا تحظى باهتمامٍ شديدٍ من علم النفس الحديث, وحبذا لو استفاد الفقهاء المعاصرون من نتائج البحوث السيكولوجية في هذا الميدان, إلّا أن ما يهمنا أن نشير إليه هو أن كثيرًا من العلامات السابقة تظهر على المسن البالغ طور أرذل العمر, والمنطق الجوهري على هذه الفئات أنها جميعًا حالات ارتداد وانتكاس إلى ما قبل الرشد، قد تكون مؤقتة حين تحدث في مراحل سابقة على طور أرذل العمر، ولكنها حالما تظهر في طور أرذل العمر تبقى وتستمر. والسبب الجوهري في ذلك -كما أشرنا- أن المؤشر الرئيسي في المحك لبلوغ هذا الطور هو الارتداد الانتكاسي المصاحب بفقدان القدرة على التعلم.
стр. 669
٢- المحك المرضي:
من المحكات التي تشبع في الكتابات المختصصة في مجال المسنين لتحديد طور الهرم ما يمكن أن نسميه المحك المرضي، ويعني أن أرزل العمر يتسم كما أشرنا بمجموعة من الاضطرابات السلوكية تنتمي إلى فئة الأمراض، إلّا أن هذه الاضطرابات المرضية تختلف عن غيرها من الأمراض في المراحل العمرية الأخرى من حيث المؤشرات التي يشار فيها إلى المرض أو الاضطراب Eisoderfer &Lawton, ١٩٧٣" وهي: مؤشر الانتشار Prevaleance, والمؤشر الإيتولوجي etiological, أي: الذي يتناول أسباب المرض، ومؤشر القابلية للعلاج.
فبالنسبة لمؤشر الانتشار فإنه في جوهره مؤشر إحصائي، بمعنى أن سواء السلوك أو عدم سوائه يتحدد في ضوء مدى حدوثه في مجتمع أو جماعة معينة، فالسلوك الأكثر شيوعًا بين الأفراد يُعَدُّ سويًّا، وهذا المعنى هو الذي يستخدمه خبراء الصحة العامة، أما إذا كان السلوك أقل شيوعًا فإنه في الأغلب يصنف على أنه مرضي, ولعلنا نذكر أن التغيرات التي تطرأ على السلوك الإنساني في مختلف
стр. 670
مراحل العمر السابقة, والتي وصفناها من قبل طوال فصول هذا الكتاب تنتمي إلى فئة السواء السويّ؛ لأنها شائعة في كل مرحلة عمرية تناولناها، إلّا أن هذا المؤشر يتخذ اتجاهًا عكسيًّا في طور أرذل العمر، ففيه شيع أنماط السلوك المضطرب ومن ذلك الاكتئاب والعصاب القهري والقلق والأعراض السيكوسوماتية، إلّا أن هذا الشيوع والانتشار لا يجعل منها سلوكًا عاديًّا.
أما بالنسبة للمؤشر الإيتولوجي فمن الشائع في المراحل السابقة في نموِّ الإنسان أن يميز بين الاضطرابات الوظيفية والعضوية، فالخلل العضوي هو نمط من الاضطراب يعود في جوهره لأسباب في جسم الإنسان, أما الاضطراب الوظيفي فسببه الرئيسي هو التفسير الرمزي الذي يخلعه المرء على الأحداث, ولهذا يُعَدُّ من فئة الأمراض النفسية, إلّا أن هذا التمييز لا يكون بذلك الوضوح في طور أرذل العمر، فكثير من المشكلات السيكولوجية في هذا الطور ترجع إلى نوعي الأسباب معًا والتي تحدث متآنية, ومن ذلك مثلًا أن من الشائع عند المسنين الذين يعانون من خرف الشيخوخة senile dementia "وهو مرض عضوي", أن يقاسوا أيضًا من الاكتئاب الذي يسببه وعي المسن بالعجز المعرفي والتغير في كمياء المخ الذي يرجع إلى التغيرات الفسيولوجية التي تطرأ عليه.
وهذه الصعوبة في التمييز بين الاضطرابات العضوية والوظيفية في طور أرذل العلم تنتقل أيضًا إلى المؤشر الطبي الثالث وهو القابلية للعلاج، ففي مراحلة العمر السابقة، والتي يكون فيها هذا التمييز سهلًا يكون من الميسور تقديم العلاج المناسب حسب التشخيص إلى إحدى الفئتين. فعادة ما توضع الاضطرابات العضوية داخل النموذج الطبي حيث تعتبر الأعراض السيكولوجية أمراضا وتعالج بطرق التدخل في الجسم الإنساني باستخدام العقاقير أو الجراحة، ويتضمن ذلك افتراض أن الاضطرابات العضوية لا تقبل العلاج بطرق التدخل السيكولوجي بسبب طبيعتها الجسيمة، وعلى العكس من ذلك فإن الاضطرابات الوظيفية توضع في الأغلب في نطاق النموذج النفسي الاجتماعي، فما دامت الاضطرابات النفسية تنشأ عن علاقة المرء بالبيئة, ومن إدراكه لها, فإن الطرق العلاجية المناسبة لها حنيئذ هي الطرق السيكولوجية, سواء كانت فردية أو جماعية بالاستعانة بالبيئات المعاونة, وقد أشرنا إلى صعوبة التمييز بين ما هو وظيفي وما هو عوضي في طور أرذل العمر، ولهذا كان من الواجب الحرص البالغ في التشخيص لتحديد الدور الذي تقوم به العوامل النفسية الاجتماعية والعوامل البيولوجية في الاضطراب مع ملاحظة أن الشائع عند المسنين في هذا الطور هو تداخل