← Медицина

Медицина · id 11738

نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين

آمال صادق

Полный текст (770 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

محكات بلوغ أرذل العمر المحك الإسلامي ... محكات بلوغ أرذل العمر: يقترح الباحثون في ميدان سيكولوجية المسنين مجموعةً من المحكات يحددون بها بلوغ طور "الهرم" Senility, وهو ما نُؤْثِرُ أن نطلق عليه التسمية القرآنية "أرذل العمر", وهي تسمية معجزة تستوعب بإيجاز خصائص هذا الطور الذي يتسم بأن أهم علاماته تعاسة المسن, وإزعاجه للآخرين, وضيق هؤلاء به، وهذا ما يجعله طورًا منفرًا، سواء أكان هذا "الهرم" عاديًّا normal, أم مرضيًّا Pathological كما سنوضح فيما بعد, نعرض فيما يلي هذه المحكات بادئين بالمحك الإسلامي, ثم نتبعه بالمحكات الأخرى. ١- المحك الإسلامي: التدهور الانتكاسي وفقدان القدرة على التعلم تشير الآيتان القرآنيتان الكريمتان اللتان تناولتا التقدم في العمر "يس: ٦٨", وأرذل العمر "النمل: ٥" "وقد أوردناها في مطلع هذا الفصل" حدوث تغيرات تدهورية هامة، تجعل أصحاب هذا الطور فئة مختلفة عن غيرهم من الشيوخ أو المسنين. إلّا أن التدهور في أرذل العمر الذي يشير إليه القرآن الكريم يتسم بصفة جوهرية هي أنه ارتدادي انتكاكسي، أي: يعود بصاحبه إلى الوراء, وإلى مستوياتٍ أدنى من السلوك، وإذا كان "أفضل العمر"١ بالطبع هو الرشد واكتمال النضج, فلا بُدَّ أن يكون هذا الانتكاس عودةً إلى ما قبل الرشد أو النضج، أي: أن سلوك المسنين في طور أرذل العمر يتسم بأنه أقرب إلى تصرفات "المراهق" أحيانًا, "الطفل" في معظم الأحيان، وبهذا يصبح التدهور حينئذ مختلفًا عن أيِّ تدهور آخر يحدث في أي طور سابق, فأي تدهور آخر قد يكون كميًّا "أي: نقص في درجة النشاط" فحسب, طالما أنه في نطاق السواء، إلّا أنه في طور أرذل العمر تدهور كمِّي "أي: في الدرجة", وكيفي "أي: في النوع" معًا.

стр. 667

وأدق تعبير عن هذا التدهور الارتدادي الانتكاسي على أنه انهيار كمِّي وكيفي الإشارة القرآنية الكريمة إلى أن المسن في هذا الطور يصبح، لا يعلم من بعد علم شيئًا؛ ففقدان القدرة على التعليم تدهور كيفي خطير يرد صاحبه مرة أخرى إلى الاعتماد الكامل الذي اتسمت به المراحل المبكرة من حياته حين كان عجزه عن التعلم -وهو طفل- مؤشر ذلك, ومع أن الطفل والهرم عاجزان عن التعلم, فإن الطفل يتقدم بالتعلم والاكتساب سعيًا إلى الاستقلال والقدرة "الرشد"، أما الهرم, فإن كل يوم يضاف إلى رصيد حياته يرتَدُّ به إلى مزيدٍ من الفقدان لما تعلَّم واختزن من قبل، مع عجز عن اكتساب أي جديد. وبالطبع فإن هذه التغيرات الانتكاسية الكيفية لا تظهر في سنٍّ معينةٍ من الشيخوخة كما بينا, إلّا أن من المتوقع أن تظهر بعض هذه العلامات مع التقدم فيها بدرجات متفاوتة من الحدة، وبالطبع فإن القدر القليل منها يجعل صاحبه في فئة الهرم العادي normal senility, أما إذا اشتد التدهور فإنه حينئذ يصبح من نوع الهرم المرضي pathological senility. والرشد -عند فقهاء المسلمين- هو المستوى النمائي الذي عنده يستقل المرء بتصرفاته، وقبله يكون الصغير تحت وصاية والديه لعدم توافر أهلية التصرف، وتفيض مؤلفات الفقه الإسلامي بالتفاصيل حول الحجر على تصرفات الصغير، والحجر في الشريعة معناه: منع الإنسان من التصرف في ماله، وقد أشرنا من قبل إلى أن القدرة على التصرف في المال خاصةً هي المؤئر الاجتماعي الرئيسي على الرشد في الإسلام، ويدعم قولنا مايذكره أحد فقهائنا المعاصرين "وهبة الزحيلي: ١٩٨٤" حول اختبار الولي لرشد الصبي بقول: "أما اختباره "أي: الصبي" في المال فبحسب أمثاله، فيختبر ولد التاجر بالبيع والشراء والمماكسة فيهما, أي: طلب النقصان عما طلبه البائع، وطلب الزيادة على ما يبذله المشتري، ويختبر ولد الزارع بالزارعة، والنفقة على العمال فيها، ويختبر المحترف بما يتعلق بحرفة أبيه أو أقاربه، وتختبر المرأة بالغزل والقطن حفظًا وحياكةً وغيرها، ويشترط تكرار الاختبار مرتين أو أكثر قبل البلوغ وقيل بعده". وبالطبع فإن هذه أمثلة على وسائل اختبار الرشد تتفق مع السياق الثقافي والحضاري والتاريخي الذي وضعها فيه الفقهاء، ويمكن تطويرها مع وسائل العصر, ومنها الأدوات والفنيات التي يستخدمها علم النفس.

стр. 668

وقد صنَّفَ الفقهاء فئات من ينوب عنهم أولياؤهم وهم مَنْ ثبت الحجر عليهم بدليل القرآن والسنة وهم: المجنون "وهو من زال عقله", والمعتوه "وهو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير لاضطراب عقله, سواء من أصل الخلقة أو لمرض طارئ", السفيه "وهو من يبذر ماله يصرفه في غير موضعه الصحيح بما لا يتفق مع الحكمة والشرع", والمريض مرض الموت١, مع تفصيل واختلاف في المذاهب الفقهية المختلفة لا يتسع له المجال. وبالطبع فإن هذه الفئات جميعًا تحظى باهتمامٍ شديدٍ من علم النفس الحديث, وحبذا لو استفاد الفقهاء المعاصرون من نتائج البحوث السيكولوجية في هذا الميدان, إلّا أن ما يهمنا أن نشير إليه هو أن كثيرًا من العلامات السابقة تظهر على المسن البالغ طور أرذل العمر, والمنطق الجوهري على هذه الفئات أنها جميعًا حالات ارتداد وانتكاس إلى ما قبل الرشد، قد تكون مؤقتة حين تحدث في مراحل سابقة على طور أرذل العمر، ولكنها حالما تظهر في طور أرذل العمر تبقى وتستمر. والسبب الجوهري في ذلك -كما أشرنا- أن المؤشر الرئيسي في المحك لبلوغ هذا الطور هو الارتداد الانتكاسي المصاحب بفقدان القدرة على التعلم.

стр. 669

٢- المحك المرضي: من المحكات التي تشبع في الكتابات المختصصة في مجال المسنين لتحديد طور الهرم ما يمكن أن نسميه المحك المرضي، ويعني أن أرزل العمر يتسم كما أشرنا بمجموعة من الاضطرابات السلوكية تنتمي إلى فئة الأمراض، إلّا أن هذه الاضطرابات المرضية تختلف عن غيرها من الأمراض في المراحل العمرية الأخرى من حيث المؤشرات التي يشار فيها إلى المرض أو الاضطراب Eisoderfer &Lawton, ١٩٧٣" وهي: مؤشر الانتشار Prevaleance, والمؤشر الإيتولوجي etiological, أي: الذي يتناول أسباب المرض، ومؤشر القابلية للعلاج. فبالنسبة لمؤشر الانتشار فإنه في جوهره مؤشر إحصائي، بمعنى أن سواء السلوك أو عدم سوائه يتحدد في ضوء مدى حدوثه في مجتمع أو جماعة معينة، فالسلوك الأكثر شيوعًا بين الأفراد يُعَدُّ سويًّا، وهذا المعنى هو الذي يستخدمه خبراء الصحة العامة، أما إذا كان السلوك أقل شيوعًا فإنه في الأغلب يصنف على أنه مرضي, ولعلنا نذكر أن التغيرات التي تطرأ على السلوك الإنساني في مختلف

стр. 670

مراحل العمر السابقة, والتي وصفناها من قبل طوال فصول هذا الكتاب تنتمي إلى فئة السواء السويّ؛ لأنها شائعة في كل مرحلة عمرية تناولناها، إلّا أن هذا المؤشر يتخذ اتجاهًا عكسيًّا في طور أرذل العمر، ففيه شيع أنماط السلوك المضطرب ومن ذلك الاكتئاب والعصاب القهري والقلق والأعراض السيكوسوماتية، إلّا أن هذا الشيوع والانتشار لا يجعل منها سلوكًا عاديًّا. أما بالنسبة للمؤشر الإيتولوجي فمن الشائع في المراحل السابقة في نموِّ الإنسان أن يميز بين الاضطرابات الوظيفية والعضوية، فالخلل العضوي هو نمط من الاضطراب يعود في جوهره لأسباب في جسم الإنسان, أما الاضطراب الوظيفي فسببه الرئيسي هو التفسير الرمزي الذي يخلعه المرء على الأحداث, ولهذا يُعَدُّ من فئة الأمراض النفسية, إلّا أن هذا التمييز لا يكون بذلك الوضوح في طور أرذل العمر، فكثير من المشكلات السيكولوجية في هذا الطور ترجع إلى نوعي الأسباب معًا والتي تحدث متآنية, ومن ذلك مثلًا أن من الشائع عند المسنين الذين يعانون من خرف الشيخوخة senile dementia "وهو مرض عضوي", أن يقاسوا أيضًا من الاكتئاب الذي يسببه وعي المسن بالعجز المعرفي والتغير في كمياء المخ الذي يرجع إلى التغيرات الفسيولوجية التي تطرأ عليه. وهذه الصعوبة في التمييز بين الاضطرابات العضوية والوظيفية في طور أرذل العلم تنتقل أيضًا إلى المؤشر الطبي الثالث وهو القابلية للعلاج، ففي مراحلة العمر السابقة، والتي يكون فيها هذا التمييز سهلًا يكون من الميسور تقديم العلاج المناسب حسب التشخيص إلى إحدى الفئتين. فعادة ما توضع الاضطرابات العضوية داخل النموذج الطبي حيث تعتبر الأعراض السيكولوجية أمراضا وتعالج بطرق التدخل في الجسم الإنساني باستخدام العقاقير أو الجراحة، ويتضمن ذلك افتراض أن الاضطرابات العضوية لا تقبل العلاج بطرق التدخل السيكولوجي بسبب طبيعتها الجسيمة، وعلى العكس من ذلك فإن الاضطرابات الوظيفية توضع في الأغلب في نطاق النموذج النفسي الاجتماعي، فما دامت الاضطرابات النفسية تنشأ عن علاقة المرء بالبيئة, ومن إدراكه لها, فإن الطرق العلاجية المناسبة لها حنيئذ هي الطرق السيكولوجية, سواء كانت فردية أو جماعية بالاستعانة بالبيئات المعاونة, وقد أشرنا إلى صعوبة التمييز بين ما هو وظيفي وما هو عوضي في طور أرذل العمر، ولهذا كان من الواجب الحرص البالغ في التشخيص لتحديد الدور الذي تقوم به العوامل النفسية الاجتماعية والعوامل البيولوجية في الاضطراب مع ملاحظة أن الشائع عند المسنين في هذا الطور هو تداخل

стр. 671

مجموعتي العوامل، ويؤدي ذلك إلى صعوبة التشخيص والعلاج؛ ولهذا فالسمة الغالبة على اضطرابات أرذل العمرأنها أقل قابلية للعلاج إذا قورنت بالاضطرابات في مراحل العمر السابقة، وحتى الاضطرابات التي لها وسائل فعّالة تقل فعاليتها في هذا التطور. وهذه المؤشرات المرضية الثلاثة هي تفصيل لمؤشري الانتكاس وفقدان القدرة على التعلّم اللذين تناولناهما في إطار المحك الإسلامي، فشيوع الاضطرابات لا ندرته, وتداخل ما هو وظيفي مع ما هو عضوي، وصعوبة القابلية للعلاج كلها تؤدي إلى مزيد من التدهور، واستمرار التدهور يؤدي بالضرورة إلى مزيدٍ من خلل الوظائف العضوية والنفسية على نحوٍ يؤدي إلى حدوث الانتكاس وفقدان القدرة على الاكتساب، بل إن عجز العلاج يجعل من اضطرابات أرذل العمر ظاهرة لا مرضية، وقد يبدو إشكاليًّا أن نقول: إن السلوك حتى ولوبدا مختلًّا يُعَدُّ عاديًّا حتى يتم اكتشاف علاج له, أو حين يصبح العلاج المتاح له أقل فعالية، ومع ذلك فإن هذه العبارة صحيحة، بل إنها من مؤشرات أرذل العمر كما قلنا "Eesdorfer & Lawtion, ١٩٧٣", فقبل اكتشاف الأساليب العلاجية المناسبة المضادة للاكتئاب كان هذا المرض يُعَدُّ سلوكًا عاديًّا, ويتعلم الإنسان أن يتعايش معه, أما الآن فقد تكاثرت العقاقير التي تعالج أعراض هذه الاضطرابات، حتى الثانوي منها كالتعب والأرق، وحينئذ أصبح ضمن قائمة الأمراض, كذلك القلق فإنه لم يَعُدْ يصنَّفُ على أنه من بين الأمراض إلّا بعد اكتشاف المهدئات. وهكذا يمكن القول أن الأعراض التي تُعَدُّ من النوع "غير القابل للعلاج" يمكن اعتبارها من نوع الاضطرابات النفسية الملازمة للهرم أو الإعمار aging السوي، وكثير من الأعراض ينطبق عليها هذا الوصف؛ مثل: نقص فترة النوم والإمساك وضعف الذاكرة أو فقدانها"الذي يؤدي بالطبع إلى ضعف أو فقدان القدرة على التعلّم, وهو أحد مؤشري المحك الإسلامي لأرذل العمر". ويرى البعض أن عدم القابلية للعلاج تحكمه ظروف التقدم الطبي في وقت معين، وأنا المستقبل قد يكشف الوسائل الملائمة للعلاج, وهذا القول صحيح بالطبع، وإذا حدث أن استطاع الإنسان أن يكشف وسائل فعالة لهذه الأعراض, فإن طور أرذل العمر سوف يظهر في وقت أكثر تأخيرًا، ولعلنا نشير هنا إلى التقدم الطبي الحديث دفع هذا الطور سنوات أبعد كثيرًا مما كان عليه الحال في الماضي, ومع ذلك فلا بد لدورة الحياة مهما طالت سوية أو شبه سوية أو مرضية أن تصل إلى طورها الأخير, وهذه إحدى سنن الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًَا.

стр. 672

٣- محك سوء التوافق: يوصف السلوك بسوء التوافق بصفة عامة إذا اتسم بأنه يعوق قدرة الفرد على النشاط السويّ والعادي في المجتمع, أو إذا اختص بأنه يهدد سلام الفرد الشخصية وأمنه الذاتي، ولهذا شاع التميز الشهير بين التوافق الشخصي والتوافق الاجتماعي, وهما غير متطابقين، والارتباط بينهما قد يكون موجبًا أو سالبًا أو صفريًّا؛ فمن الممكن أن يحكم المجتمع على سلوك معين بأنه لا توافقي "الانطواء مثلًا", ومع ذلك فإن هذا السلوك قد يحقق غرضًا مفيدًا للشخص الذي يصدره, أي: يحقق له توافقه الشخصي، والعكس صحيح أيضًا, فقد يشعر الشخص بأن سلوكًا معينًا يسبب له القلق "كالعمل في مهنة لا يحبها", ومع ذلك فإن المجتمع يحكم عليه بأنه سلوك اجتماعي سوي, ومن الممكن أيضًا أن يكون السلوك ذاته "كالتمركز حول الذات" توافقيًّا في مرحلة معينة من مراحل الحياة "الطفولة", ولا توافقيًّا في مرحلة أخرى "الرشد", بل إن بعض الاضطرابات السلوكية الحادَّةِ قد تكون توافقية في طور الشيخوخة، فالعصاب القهري قد يكون مفيدًا عند الإجبار على التقاعد "Kermis, ١٩٨٤" وعلى هذا, فالاضطرابات السلوكية طويلة الأمد التي نلاحظها في طور أرذل العمر يمكن وصفها في ضوء هذا المحك بأنها توافقية، فالسلوك شبه الفصامي قد يكون توافقيًّا مع العجز الحتمي في الهرم، بل إن اللهلاوس قد تكون توافقية لشخص مسن يعيش وحيدًا، ولو نها توصف بأنها أساليب غير سوية للتوافق. إلَّا أن ذلك كله قد يُعَدُّ من قبيل التوافق الشخصي, حتى ولو كانت أساليب التوافق -كما نحكم عليها ثقافيًّا واجتماعيًّا- غير سوية، وقد يحدث ذلك أو ما يشبهه في مراحل العمر السابقة، إلّا أن الفرق الجوهري في "الأساليب غير السوية" للتوافق بين طور أرذل العمر وغيره من مراحل العمر, أنها في هذا الطور النهائي لحياة الإنسان تتسم -كما بينا- بعدم القابلية للعلاج، ناهيك عن أن الشخص الموغل في الشيوخة قد لا يستطيع التعايش معها كما كان يفعل من قبل، فالملاحظ على الذين يبلغون هذا الطور أنهم يظهرون تحولًا جوهريًّا -تدريجيًّا أو مفاجئًا- من الحال التي كانوا عليها "في الشيخوخة العادية" إلى الحال التي يصيرون إليها "أرذل العمر", ويتسم هذا التحول بثلاث خصائص ملازمة معًا, وفي وقت واحد: ١- نقص الكفاءة الذي يصل إلى حد العجز disability.

стр. 673

٢- التعبير المستمر عن الشكوى والشعور بالضيق والكرب والتعاسة. ٣- عمل المسن الدائب على إزعاج الآخرين من حوله, وخاصةً من يقدمون له الرعاية. وهذه الخصائص جميعًا تجعل السلوك في هذا الطور من النوع اللاتوافقي. وعلى هذا فإن الوصف الأصح لهذا الطور أنه سوء التوافق الدائم والمستمر, وخاصة من الناحية الاجتماعية, وأخطر علاماته إثارة ضيق الآخرين وتذمرهم وسخطهم، بل إنه حتى مظاهر الشكوى والضيق والنفور -التي قد تعد من علامات سوء التوافق الشخصي- تُسْتَخْدَمُ في هذا الطور لإزعاج الآخرين، أما العجز فهو بالطبع مصدر إضافي لهذا الضيق بسبب ما يفرضه على الآخرين من مطالب زائدة قد تفوق أحيانًا قدراتهم, وصدق الله العظيم حين وصف هذا الطور بالتعبير القرآني المعجز "أرذل العمر", وتحسبًا لما قد يؤدي إليه هذا كله من إساءة معاملة الأبناء لوالديهم المسنين، وخاصة في هذا الطور, نبه القرآن الكريم إلى ضرورة الإحسان إلى الوالدين، وقرنه بعبادة الله ، وفي ذلك يقول -جل شأنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٣: ١٥] . ويقول أيضًا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣-٢٤] .

стр. 674

التغيرات الجوهرية في طور أرذل العمر: أشرنا في الفصل السابق -حول الشيخوخة- إلى أن الإنسان في عمره الثالث من نموه يتعرض لتحديات توافقية خاصة تتزايد حدتها مع مزيد من التقدم في العمر, وتتلخص هذه التحديات في الفقدان الشخصي والعجز الجسمي والتحيزات الثقافية, وتتداخل هذه المجالات الثلاثة في وقت واحد, ومن أمثلة ذلك ما نلاحظه أحيانًا من ضعفٍ في قدرة المسن على القراءة؛ فقد يرجع ذلك إلى ضعفٍ جسميٍّ مثل تدهور قوة البصر أو الشعور بالألم في العين أثناء القراءة, وقد يرجع إلى السأم من المواد التي سبق له قراءتها عدة مرات, ولا تتوافر له إمكانات الحصول على الجديد، أو إلى الإجهاد النفسي الناجم عن فقدان الدور أو الاكتئاب, ومن الممكن أيضًا أن يكون السبب الجوهري في ذلك الاعتقاد الاجتماعي السائد في أن الشخص الطاعن في السن يفتقد القدرة على الفهم، وهذه العملية المتعددة أو المعقدة تؤكد أن الظواهر النفسية والجسمية ترتبط فيما بينها في طور الشيخوخة المتأخرة. ولهذا فمن الضروري عادةً أن يسعى المسنون -وخاصة من يبلغ من العمر ٧٥ عامًا أو يزيد- إلى التوافق جسميًّا ونفسيًّا لضعف الوظائف الجسمية والأمراض المزمنة، أما الأشخاص الذين لا يستطيعون تكامل هذه التغيرات مع إحساسهم بالذات, قد يشعرون بالنقص في تقديرات الذات, ويجدون أنفسهم في موقف ضاغط أو مجهد. صحيح أن الإنسان في أيّ مرحلة نمائية يظهر بعض الاضطراب السلوكي وسوء التوافق في ظروف الضغط أو الإجهاد, والخصائص الثلاثة لسوء توافق المسنين في أرذل العمر التي أشرنا إليها فيما سبق يمكن أن تظهر أيضًا في أيّ سنٍّ؛ فالشعور بالضيق والكرب والتعاسة قد ينشأ لدى الإنسان -في أي عمر- نتيجة حزنه الشديد على فقدان عزيز, ونقص الكفاءة قد يظهر أيضًا في أيِّ سن إذا كانت المطالب أكبر من قدرات الفرد, أو إذا عومل على أنه لا يتوقع منه إلا الفشل, وإزعاج الآخرين قد يترتب على سلوك الشخص في أي سن أيضًا, نتيجة عدم الحساسية, أو نقص الفهم للموقف الذي يوجد فيه, أو التغير في أسلوب الحياة داخل الأسرة, إلّا أن هذه الخصائص جميعًا إذا حدثت في أيّ طور آخر غير أزذل العمر تكون مؤقتة, وتتطور نحو الأحسن "أو الأفضل"، إلّا في هذا الطور فإنها تظل مستقرة إن لم تتدهور نحو الأسوأ "أو الأرذل". وصحيح أيضًا أن الإنسان تحت ظروف الضغط أو الإجهاد قد يظهر في أي مرحلة عمرية بعض الميكانيزمات الدفاعية للتعامل مع الظروف المهددة لتوافقه. وهذا ما يحدث أيضًا في طور أرذل العمر؛ فمعظم الحيل اللاشعورية التي تفيض بها المؤلفات المتخصصة تظهر في هذا الطور, وخاصة الإنكار والتبرير والإسقاط

стр. 675

والتقمص وتكوين رد الفعل والخُلْفَةِ أو العناد وأحلام اليقظة والانسحاب والنكوص التي تحدث لا شعوريًّا ولا يتلفظ بها المسنون، كما أن بعضهم يتلفظ بما لا حصر له من الشكوى والتذمر, ومنهم من يظهر بالفعل أمراضًا جسمية لها الطابع السيكوسوماتي Psychosomatic؛ فالمرض الجسمي، مهما كان خطيرًا، أهون من الاعتراف بالتقدم في السن, والمرض -مهما طال- قابل للعلاج, أما التقدم في الشيخوخة فلا علاج له, ناهيك بالطبع عن الأمراض العصابية والذهانية التي تظهر في هذا الطور, والتي سنتناولها بالتفصيل فيما بعد. ومع دخول المسن طور أرذل العمر يزداد التدهور الذي شهدناه في طور الشيخوخة حدة وشدة, وفي رأينا أن الفرق بين الشيخوخة وطور أرذل العمر هو فرق في الدرجة والنوع معًا؛ فالتدهور في الطور الأول أقل حدَّةً ويمكن التعامل والتعايش معه، أما مع أرذل العمر فهو تدهور عنيف يصاحبه تغير كيفي في سلوك المسنين, ونعرض فيما يلي لجوانب هذا التغير الذي حظيت بالبحث العلمي في السنوات الأخيرة. تبدأ معالم أرذل العمر حين يتعرض المسن لتغيرات جسمية ونفسية وعقلية حادة, ومن العمليات الفسيولوجية التي تحدث في هذا الطور فشل أعضاء الجسم في القيام بوظائفها، صحيح أن هذه العملية طويلة الأمد وتحدث منذ وقت مبكر في حياة الإنسان، إلّا أن خلل الوظائف وفشلها يظهر بوضوح في هذا الطور, وقد يتطور إلى مرض عضال, وقد وصفت "Kubler-Ross, ١٩٦٥" خطوات الاستجابة لمعرفة المريض بالظرف الصحي القاتل, وكانت الممارسة الطبية في الماضي عدم إخبار المريض بذلك رأفةً به، أما الآن فإن الرأي الطبي السائد ضرورة إخبار المريض بالحقيقة حتى يمكن إجراء التوافقات اللازمة من النواحي النفسية والاجتماعية, وتتلخص استجابات المسن لمعرفة حقيقة مرضه العضال فيما يلي: ١- الإنكار والعناد: الاستجابة الأولى المعتادة للشخص الهرم عند معرفته بأن مرضه هو المرض الأخير -وقد يكون مرض الموت- هي الصدمة متبوعة بالإنكار والتبرير, ومن ذلك القول بأن الأطباء مخطئون, أو أن التشخيص غير صحيح, وفي الحالات المتطرفة يرفض الهرم العلاج, ويصر على القيام بمهامه المعتادة, ومعظم المرضى الذين يستخدمون حيلة الإنكار بحدَّةٍ خلال مرضهم, هم أولئك الذين تعودوا على التعامل مع مواقف الحياة الصعبة بهذه

стр. 676

الطريقة, وفي الواقع فإن حيلة الإنكار تؤدي إلى مزيدٍ من تدهور الحالة وخطورتها كما هو الحال حين يرفض الشخص طلب الرعاية الطبية عند بداية المرض, وفي العادة يعتمد المسن على الإنكار في بداية المرض أو ربما بعد ذلك بقليل، ولكنه حين يواجه الحقيقة يصبح شخصًا لا يُطَاقُ, ويتحول إلى حيلة مضايقة للآخرين وإزعاجهم, سواء كانوا من الأقارب أو الأطباء أو المرضى، وتصبح حيلة الإنكار "والعناد المصاحب لها" عنيفة, ويتمثّل ذلك في رفض العلاج أو المكابرة في محاولة إصدار أنماط سلوك لا يستطيعها. ٢- الغضب: مع امتداد فترة المرض الأخير -مرض الموت- بالمسن تصبح صيحته اليومية "لماذا أنا كذلك؟ " وبهذه ينتقل إلى مرحلة أخرى لا يرضى عنها بحاله, ويصبح غاضبًا من كل شيء وكل شخص يوجد في عالمه، وقد يصاحب ذلك نوع من الغيظ من الأصحاء, وخاصة أولئك الذين يقومون برعايته. وقد يمتد غضبه إلى الناجحين والقادرين منهم، وتكون مشاعره إزاءهم مزيجًا من السخط والكراهية والحسد، حتى ولو كانوا أقرب الناس إليه "أبنائه مثلًا". ٣- المساومة: في هذه المرحلة يغيِّر الشخص الهرم اتجاهه, ويحاول المساومة "مع الحياة", فيظهر رغبة في الحياة, ويزداد سؤاله لله تعالى أن يمنحه "بعض الوقت" يعود فيه إلى السلوك الطيب والتعاون في العلاج, وقد يعد بتغير سلوكه, وقد يصل به الأمر أن يكرِّسَ حياته للتدين, وبعضهم يتذكر ذنوبه وآثامه في الماضي ويندم على ما فرّطَ في حق الله والعباد. ٤- الاكتئاب: حين يصبح الهرم غير قادر على إنكار مرضه، وحين يكون مضطرًا إلى القيام ببعض الجراحة أو الإقامة في المستشفى، وحين يبدأ في إظهار المزيد من الأعراض, ويصير أضعف وأنحف، فإنه لا يستطيع تجاهل ذلك كله، فيحل محل الغضب شعور بالفقدان العظيم، وحينئذ يدخل المرء في مرحلة الاكتئاب العميق. ٥- التقبل: وأخيرًا فإن الشخص الهرم يقبل الحقيقة, لقد انتهى الصراع وبدأ الشخص في الشعور "بالراحة النهائية بعد رحلة طويلة", وعندئذ يكون الشخص متعبًا ضعيفًا, ينام معظم الوقت, ويظل كذلك حتى يموت. وبالطبع لا يتطلب الأمر المرور بكل هذه المراحل حتى يموت المسن الهرم، فقد يموت الشخص في أي مرحلة من مراحل الهرم السابقة، كما أن هؤلاء الأشخاص لا تقتصر استجاباتهم على مرحلة دون سواها؛ فالمكتئب قد تصدر عنه

стр. 677

في نفس الوقت نوبات من الغضب, كما لاحظت الباحثة أن جميع المرضى في جميع المراحل يتمسكون بالأمل، فحتّى الأشخاص الذين أصبحوا أكثر تقبلًا وأكثر واقعية, يوجد لديهم رجاء في العيش والشفاء. ويبدو لنا أن طور أرذل العمر هو طور موت بطيء ليس من الناحية الجسمية والفسيولوجية وحدها, وإنما من جميع النواحي الأخرى؛ فمن الدراسات التي تناولت التغيرات العقليلة والانفعالية نذكر نتائج دراستين هامتين, قام بأولاهما "Leberman, ١٩٦٥" على ٢٥ مفحوصًا من النساء والرجال المعمرين الذين يقيمون في أحد بيوت رعاية المسنين, تمتد أعمارهم بين ٧٠، ٨٩ عامًا, وقد طَبَّقَ الباحث علهم أربعة اختبارات تطبيقًا فررديًّا لتقويم جوانب مختلفة من نشاط الأنا والجوانب الانفعالية لديهم، وكانت الاختبارات الأربعة هي: ١- نقل الأشكال التي تشمل أنماطًا لدوائر صغيرة ونقاطًا. ٢- النقل الحر لشكل بشري. ٣- وصف رسوم للشكل الإنساني تعرض على هيئة خطوط في ضوء المشاعر التي تستثيرها. ٤- إعادة إنتاج مثيرات معينة بعد انقضاء زمن معين. وقد بينت النتائج أنه بعد محاولات عديدة أظهر الأشخاص الذين وصلوا إلى هذا الطور من الحياة، في مقابل من لا يزالون في طور الشيخوخة، صعوبة في تنظيم وتكامل المثيرات في بيئتهم، كما ظهر أن مستويات الطاقة عندهم تناقصت بشكل حادٍّ, ويستنتج ليبرمان من ذلك أنه تحدث تغيرات سيكولوجية منتظمة للشيوخ المتأخرين بسبب اقترابهم من الموت؛ فطور أرذل العمر هو موت بطيء، قد يطول وقد يقصر, ويرى أن الأشخاص في هذا الطور قد يشعرون بنوعٍ من الاضطراب السيكولوجي العنيف, ليس بسبب الخوف من الموت, ولكن بسبب الخلل في تنظيم العمليات العقلية مع الدخول في هذا الطور الذي يقرب المرء من الموت, والأشخاص الذين ينسحبون من الحياة في هذا الطور ربما يكونون أقرب إلى بناء نوع من القوقعة الواقية حول أنفسهم, في محاولةٍ لإحداث قدرٍ من التماسك في الأنا, وخفض الخلل والتدهور المتزايدين. ودخول الإنسان في طور أرذل العمر يؤثِّرُ أيضًا في أدائه العقلي؛ ففي الدراسة الثانية وهي دارسة تتبعية امتدت عشر سنوات أجراها

стр. 678

"Riegel & Riegel, ١٩٧٢" على عينة من المفحوصين من النساء والرجال الألمان, كانت أعمارهم عند بداية البحث بين ٦٥- ٨٥ عامًا، واستمرا معهم حتى وفاتهم, وقد طبقت عليهم بطارية اختبارات تشمل مقاييس للذكاء وتداعي الكلمات والتحصيل اللغوي والاتجاهات والميول, وقد وجد الباحثان أن الأشخاص الذين أداؤهم في اختبارات الذكاء أقل من المتوسط, هم في الواقع الأقرب إلى الموت بالمقارنة بأقرانهم الأكثر نجاحًا، ويصف الباحثان ذلك بأنه "الهبوط النهائي" terminal drop" أو بلغة القرآن الكريم "الانتكاس" النهائي, وقد حلَّلَ الباحثان درجات المفحوصين بالرجوع إلى الوراء في سني حياتهم بدءًا من لحظة الوفاة، فوجدا أن الهبوط في أداء اختبارات الذكاء يرجع إلى انتكاس فجائي في القدرة يحدث خلال السنوات الخمس السابقة على الموت, وتتفق هذه النتائج مع ما تتوصل إليه "Leberman, ١٩٦٥", من أن المفحوصين الذين يقتربون من الموت يشعرون بخللٍ منتظم في التكامل، وبالطبع فإن هذه النتائج لا تزال في حاجة إلى مزيد من البحث للتحقق منها, كما أننا في حاجة إلى بحوث تجرى في مجتمعاتنا العربية والإسلامية حول هذا الموضوع. ومع تحوّل المسن إلى الطور الأخير من حياته فإنه يواجه تغيرات خطيرة أيضًا في علاقاته مع الأشخاص، فيتناقص التفاعل الاجتماعي كما تتلاشى تقريبًا الأدوار الاجتماعية، باستثناء دور المريض, وبالطبع فإن العلاقات بين الأشخاص ضرورية لدعم الحياة الانفعالية والوجدانية والاجتماعية للإنسان, وما يؤثر في قدرة الإنسان في الحفاظ على هذه العلاقات ونوعيتها عوامل كثيرة؛ منها: نمط شخصيته "الاستقلال - الاعتماد خاصة", ودرجة الصعوبات العضوية التي يعاني منها, ومفهوم الذات وإدراكها, وبالطبع فإن هذه العوامل جميعًا تكون في الاتجاه السلبي في طور أرذل العمر, ولهذا يظهر المسنون في هذا الطور طرقًا مميزة للحفاظ على هذه العلاقات. فمع العجز في مختلف جوانب السلوك, والضعف في وظائف الجسم, يتحول المسن في طور أرذل العمر إلى الاعتماد، وحتى يبقي على علاقاته مع الآخرين يظهر لونًا من النكوص إلى أنماط مبكرة -أقرب إلى النمط الطفولي- من السلوك, وهذا النكوص هو الذي عَبَّرَ عنه القرآن الكريم بإحكامٍ وبلاغةٍ بلفظ "الانتكاس", ومن معالم ذلك أن يبدأ الهرم المتأخر في معاملة المحيطين به "الأطباء والممرضين والأبناء" على أنهم بدائل الوالد بالنسبة له Parent surrogate, فلم يَعُدْ هو "والد" الجميع, وأكثرهم حكمة وخبرة، وإنما أصبح

стр. 679

ابن الجميع, ينشد رعياتهم وحمايتهم, وهذا التغير في الدور -وهو جزء من دوره كمريض- يسبب مشاكل جمة لجميع المهتمين به. إن المسن في هذا الطور -ومع هذا التدهور الانتكاسي الحاد- أصبح كالأطفال الصغار يتوقع من الآخرين -بل يطلب منهم- إشباع حاجاته الضرورية من تغذية ونظافة وإخراج، وإذا لم يفعلوا يلجأ إلى حيل الأطفال "مثل التبول أو التبرز في الفراش", بل قد يصل الأمر إلى اعتبار ذلك حقَّه في الرعاية، وسدادًا لدين قديم "على الأبناء خاصة", حين كان يتولى هو رعايتهم في هذه الأمور حين كانوا أو كان أبناؤهم صغارًا, وفي نفس الوقت يحتفظ أحيانًا بحقِّه في اتخاذ القرار - كالتصرف في أمواله، وبالطبع فإن هذا التصرف قد يكون -كتصرف الأطفال- سفيهًا, ومن هنا جاءت حكمة الفقه الإسلامي في الحجر على تصرفات السفهاء -ومنهم سفهاء أرذل العمر. ومن معالم سلوك أرذل العمر -الشبيه بسلوك الأطفال الصغار- الغيرة, إلّا أن التعبير السلوكي عنها يختلف, فإذا كان الطفل الصغير يعبر عن غيرته من شقيقٍ جديدٍ له وُلِدَ حديثًا بمصِّ أصابعه، فإن الهرم المتقدم في السن يظهر غيرته "وخاصة من الناجحين ممن هم حوله, وقد يكونون من أبنائه" بإظهار ألوان شتّى من الاضطرابات الوظيفية والعضوية، ومنها الاكتئاب، أو الشعور بالذنب, أو احتقار الذات, وقد يظهر أحيانًا ما يشبه سلوك الطفل فعلًا كالعناد والشكوى المستمرة. وعادة ما يستبدل المسنون في هذا الطور "السلع" المادية بالسلع المعنوية والوجدانية في علاقاتهم بالآخرين، فمع زوراهم يركزون على تقديم الطعام والهدايا والنقود لهم حتى يعاودوا زيارتهم, ويكمن وراء ذلك السلوك خوف عميق من أن يكون اعتبارهم الشخصي في ذاته ليس حافزًا قويًّا يدفع الآخرين لزيارتهم, وهم في ذلك أشبه بالطفل المنبوذ الذي يسعى لجذب انتباه الكبار بالوسائل المادية؛ كتقديم قطعة من الحلوى للوالد حتى يظل إلى جواره أطول فترة ممكنة. وحين يواجه المسنون في أرذل العمر بالحقيقة, وهي أنهم فقدوا علاقاتهم الشخصية, فإنهم يتحولون إلى التمركز حول الذات, إلّا أن التمركز حول الذات في هذا الطور يختلف عنه في طوري المراهقة أو الشيخوخة، إنه هنا أقرب -مرة أخرى- إلى تمركز الطفل حول ذاته، حيث يعيش في الحاضر فقط، ويظهر لونًا متطرفًا من النرجسية، ومع هذه النرجسية المتطرفة يشعر المسن في هذا الطور بحاجته للإبقاء على علاقته مع الآخرين حتى يشعر بأنه إنسان حي, ويؤدي ذلك

стр. 680

كله بالمسن إلى أن يصبح أكثر إزعاجًا, ناهيك عن النزعة للتكرار المستمر للحديث الواحد عدة مرات, وهذا كله يزيد من بعده عن الآخرين، وهنا تبدأ الحلقة المفرغة؛ حيث تزيد حاجته للآخرين، ويزداد رفضهم له، ويؤدي ذلك كله إلى تدهور جديد في تقدير الذات. وكثيرًا ما ينشغل المسن في أرذل العمر بجسده، فتكثر أحاديثه عن الأمراض والعمليات الجراحية والدواء, ويختبر أعضاء جسمه كثيرًا، فيحرك ساقيه ويديه كثيرًا في حركات تكرارية نمطية، كما قد ينشغل بعضهم بأعضائهم التناسلية, بل إن بعضهم يحاول التخفيف من القلق الناجم عَمَّا يحدث لوظائف الجسم وأعضائه بتكرار هذه التغيرات, ويؤدي ذلك إلى عزلتهم, ناهيك عن قلقهم وتوترهم ذاته. ومن هذا العرض للتغيرات الجوهرية في طور أرذل العمر يتضح لنا أن للمسن في هذا الطور طرقه التوافقية "التي لا تُعَدُّ بالطبع طرقًا سوية" مع التدهور الجسمي والعقلي والانفعالي والاجتماعي, ومع ذلك تظل في حدود التعامل المعتاد إذا استطاع بها المسن أن يتحكم في القلق والخوف والاكتئاب التي تنشأ عن هذه الألوان المختلفة من التدهور, فإذا استمر القلق, أو حدث خلل عضوي, فقد ينتج عن ذلك اضطرابات عضوية أو وظيفية تدخل في باب التشخيص السيكاتري، وهي الاضطرابات الأكثر شيوعًا في هذا الطور, والتي ستنناولها في القسم التالي من هذا الفصل.

стр. 681

تصنيف الاضطرابات السلوكية مدخل ... تصنيف الاضطرابات السلوكية: يتضمن تصنيف الاضطرابات السلوكية عمليتين أساسيتين هما: وصف الأعراض "التشخيص", والبحث عن الأسباب "الإيتيولوجيا أو التعليل", وهذه العملية المركبة تسهل علينا فهم الاضطراب السلوكي, ومن ثمة علاجه. ويتبع تصنيف الاضطرابات السلوكية في معظم المجتمعات المعاصرة الموجهات التي حددتها منظمة الصحة العالمية والجمعية الأمريكية لطب الأمراض العقلية, فقد استطاعت هاتان المنظمتان منذ عام ١٩٨٦ إعداد المحكّات اللازمة لإجراء التشخيص المعياري للاضطرابات السلوكية, وقد ظهرت المحكات في نفس العام في الطبعة الثانية من الدليل الإحصائي والتشخيص Diagnositic and Statistical Manual of Mental Disorders.

стр. 682

وقد أفاد هذا الدليل كثيرًا في المقارنة بين الثقافات عبر السنوات, وقد تعَرَّض هذا الدليل لتعديلات كثيرة, آخرها ما تضمنته طبعته الرابعة DSM IV التي صدرت عام ١٩٩٥. ويعتمد دليل الجمعية الأمريكية لطب الأمراض العقلية على خمسة محاور أو أبعاد للتصنيف: ١- الاضطرابات السيكياترية الراهنة "وقت التشخيص". ٢- اضطرابات الشخصية والنمو التي تمتد بجذورها في تاريخ المريض, والتي تُعَدُّ من نوع الاضطرابات طويلة الأمد. ٣- الاضطرابات الجسمية التي تظهر مع محاولة الاضطراب السلوكي للتعبير عن نفسه. ٤- حدة الضغوط النفسية الاجتماعية, والتي تمتد في مقياس سباعي متصل, يبدأ من عدم وجود هذه الضغوط على الإطلاق, إلى حدتها المتطرفة التي قد تصل إلى حد الكارثة. ٥- أعلى مستوى لنشاط توافقي أظهره الشخص خلال العام الماضي على وقت التشخيص, ويمتد ذلك أيضًا في متصل يبدأ من التوافق الممتاز إلى العجز التام عن التوافق, وهذا المحور له أهمية خاصة في التكهن بمآل Prognosis الاضطراب في المستقبل. ويتم التصنيف "التشخيص والتعليل" في ضوء هذه الأبعاد الخمسة، ومنها يتوصل الأخصائي النفسي أو طبيب الأمراض العقلية إلى صورة مركبة تشمل أنواع الأعراض الراهنة ودرجة تعقدها والمدى الزمني لحدوثها, والعوامل التي تفسر ظهورها, سواء في الماضي أو الحاضر, ومن ذلك مثلًا: أن تقويم المسنين الأعلى في النشاط التوافقي في السنة الأخيرة من حياة المريض "وقت التشخيص", قد يحدد درجة حدة الاضطراب الحالي، كما يحدد أيضًا درجة استجابة المريض بعد التدخل العلاجي الملائم, وعلى الرغم من التفاصيل الفنية الكثيرة التي يتضمنها هذا النسق في التصنيف, فإن الوصول إلى تشخيص وتعليل مفيدين يعتمد في النهاية على الحكم الكلينيكي الماهر اللمتخصص "Huyck & Hoyer, ١٩٨٢". أضف إلى ذلك أن الاضطراب السلوكي ظاهرة ذات طابع ثقافي واجتماعي في جوهره "Kermis, ١٩٧٤"؛ فالمرض النفسي أو العقلي ليس ظاهرة منفصلة، وإنما هو نوع من المتصل في الأحكام الذي يمتد من الأنماط السلوكية التي يتفق "الجميع" على أنها مرضية "كالخلط والهذاء", إلى تلك التي لا يعتبرها إلّا القليلون من هذا النوع "كالشعور بالاستلاب"١, ولعل هذه الحقيقة الأخيرة تشير إلى واجب علماء النفس وطب الأمراض العقلية المسلمين إلى بناء نموذجٍ تصنيفيٍّ للاضطرابات السلوكية في الإطار الثقافي الإسلامي، وهذا جهد إبداعي آخر لم يتصد له أحد منهم بعد، وقد يفيد في تحقيق ذلك الاستفادة من الجهود التي بُذِلَتْ لتناول مفهوم الصحة النفسية من منظور إسلامي "Abou-Hatab ١٩٩٨", وحتى يتم الوصول إلى ذلك النسق المنشود سوف نعتمد في تصنيف الاضطرابات السلوكية في طور أرذل العمر على قائمة الجمعية الأمريكية لطب الأمراض العقلية التي أشرنا إليها.

стр. 683

أولًا: الاضطرابات الوظيفية كان من المفترض لزمن طويل أن الاضطرابات العقلية في الشيخوخة المتأخرة ترتبط بخلل المخ, وعلى هذا فكان من المتعتقد أن الأعراض السيكلوجية التي تظهر في هذا الطور تعود في جوهرها إلى تصلُّب الشرايين Arterioscloerosis, أو ذهان الشيخوخة Senile Psychosis, وقد شاع المصطلح لفترة طويلة من الزمن, وكان تعريفه الشائع أنه انفصال عن الواقع تحدثه عوامل غير معلومة ترتبط في جوهرها بالتقدم في السن, وقد أظهر التقدم في علم النفس المرضي في السنوات الأخيرة أن ما يسبب هذه الأعراض هو الاكتئاب وليس محض التدهور العضوي، ولهذا شهدت السنوات الأخيرة تطورًا هامًّا في طرق التقويم النفسي التي تفيد في التمييز بين خرف الشيخوخة Senile Dementia العضوي, وبين الاضطرابات الوجدانية والوظيفية التي تحدث في هذا الطور النهائي من حياة الإنسان "Birren & Slonae, ١٩٨٠". كما تأكد أن الاضطراب العضوي عند حدوثه في أرذل العمر قد يرجع إلى أسباب طارئة قابلة للعلاج؛ مثل: التسمم بالعقاقير, وسوء التغذية, والمرض الجسمي، بل إنه حتى حين يتحوّل خرف الشيخوخة إلى حالةٍ مستقرّة أو متدهورة "أي: لا تتوجه إلى التحسن", فإنه قد يرجع أيضًا إلى مكونات عضوية أو وجدانية طارئة كذلك. ونتناول الآن الاضطرابات الوظيفية التي تظهر في طور أرذل العمر، أمّا الاضطرابات العضوية فسوف نتناولها بعد ذلك.

стр. 684

١- اضطرابات القلق: من التطورات الجوهرية التي شهدها تصنيف الاضطرابات السلوكية في السنوات الأخيرة, وخاصةً في DSM في طبعاته الأخيرة, استعباد الفئة المرضية التي شاعت منذ مطلع هذا القرن وحتى عام ١٩٨٠, وهي فئة العصاب neurosis, وحلّت محلها ثلاث فئات تصنيفية هي: اضطرابات القلق، والاضطرابات السيكوسوماتية، واضطرابات المفارقة "التفكك"١ وهي جميعًا من فئة الاضطرابات الوظيفية. ولعلنا في هذا الصدد نشير إلى أن العصاب الكلاسيكي واضطرابات الشخصية بصفة عامة نادرًا ما تظهر لأول مرة في طور أرذل العمر, فهذا الطور يستحضر معه القلق والاكتئاب والاضطراب السيكوسوماتي. كما أكدت البحوث أنه لا توجد فروق دالة بين مختلف المراحل العمرية في طرق التعامل مع هذه الصعوبات, فإذا كان المسن المتقدم في العمر يشعر بالقلق نتيجة الفقدان والتدهور, فإن الشخص الأصغر سنًّا قد يشعر بالقلق أيضًا نتيجة مواجهة تحديات الحياة, وعلى الرغم من هذه الأسباب المختلفة, فإن أعراض القلق في الحالتين متشابهة "Birren & Sloane, ١٩٨٠". وتوجد لدى المسنين في الطور المتأخر من حياتهم مصادر كثيرة مختلفة لاستجابات القلق, ومن ذلك الفقدان أو الكارثة الشخصية, كما أن القلق المزمن، الذي ينتقل عادةً من مراحل عمرية سابقة، يستمر ويستقر ويصبح نمطًا للسلوك في طور أرذل العمر, كما يظهر الخواف "الفوبيا" وفيه تتم إزاحة القلق على أشياء ومواقف تفيد كرموز خارجية للمشاعر الداخلية, ويظهر أيضًا سلوك الوسواس القهري وخاصةً حين يكون المسن في عزلة وفقدٍ للكفاءة الحسية معًا "رهين المحبسين على حد تعبير أبي العلاء". ومن استجابات القلق الشائعة لدى المسنين في هذا الطور قلق العجز المتعلم learned helplessness كما يسميه سليجمان، وفيه يشعر الشخص أنه غير قادر على التحكم في الظروف المحيطة به, بصرف النظر عن الأفعال التي تصدر عنه.

стр. 685

ويزداد هذا القلق حِدَّةً مع فقدان شريك العمر, أو التدهور في الصحة الجسيمة، إنه يخشى أن يصير عبئًا على الآخرين, وأن يفقد استقلاله، كما يخشى الإهمال الذي قد يتعرّض له إذا أصيب بمرض عضال، ولهذا نجد أن قلق العجز المتعلم, والقلق الاكتئابي أكثر شيوعًا لدى المسنين في طور أرذل العمر. ٢- الاضطرابات السيكوسوماتية: كثيرًا ما يظهر المسنون في طور أرذل العمر أعراضًا جسمية لاضطراباتهم النفسية، ويظهر ذلك خاصة في نوعين من الاضطرابات؛ هما: زملة بريكيه وتوهم المرض. وتتسم زملة بريكيه Briquet's Syndrome بتواتر الشكاوى المتعددة من الاضطراب الجسمي, والتي لا يسببها مرض جسمي محدد؛ فقد يحدث أن يعاني المسن في وقت واحد من الصداع والتعب والإغماء والغثيان والقيء ومشكلات الجهاز الهضمي والجهاز التناسلي وأمراض الحساسية, والأشخاص الذين يعانون من زملة بريكيه يظهرون هذه الاضطرابات الجسمية كأعراض تحولية، أي: أن هذه الأعراض الجسمية لها وظيفتها الرمزية في الدلالة على القلق ومشاعر الذنب والاكتئاب والميول الانتحارية "وهو المرض الذي كان يسمى في الماضي الهيستيريا التحولية", صحيح أن هذا المرض قد يظهر مبكرًا منذ مطلع الرشد, ولكنه مع أرذل العمر يزداد رسوخًا واستقرارًا وحدة, وهو أكثر شيوعًا بين النساء منه بين الرجال. أما توهم المرض hypochondria وهو "عصاب" سيكوسوماتي آخر، فيه ينشغل المسن انشغالًا زائدًا بجسمه, أو بأجزأء منه, والتي يشعر أنها مريضة أو ضعيفة الكفاءة، ويتسم مثل هذا الشخص بالنرجسية، بمعنى أنه يتحول من تركيز اهتمامه السيكولوجي بالأشياء والأشخاص في بيئته, إلى تركيزه على ذاته, وخاصة ذاته الجسمية، وبهذا ينتقل القلق من مصدر من الضغط والإجهاد السيكولوجي المحدد إلى شكوى جسمية تدرك لا شعوريًّا, وتعتبر أقل تهديدًا, ويستخدم المرضى من هذه الفئة الأعراض الجسمية كوسيلة لعقاب الذات, وكنوع من الكفارة عن عدوانهم ومشاعرهم السلبية الأخرى نحو الآخرين وثيقي الصلة بهم, كما أن هذه الأعراض تستخدم أيضًا في عقاب الآخرين الذين يشعر المسن أنهم عَرَّضُوه للأذى، ومع ذلك فهو "أي: المسن" لا يستطيع مقابلة الأذى بمثله. ولا شَكَّ أن الاضطرابات السيكوسوماتية تحقق للمسن في أرذل العمر دوره

стр. 686

الوحيدة وهو دور المريض، فالمرض ذريعة قوية لإعفاء المسن من مسئولياته الاجتماعية المعتادة، كما أنه يعطيه الحق في الحصول على العناية والرعاية والاهتمام، إلّا أن الاختلاف الجوهري بين دور المريض في طور أرذل العمر وهذا الدور في المراحل العمرية السابقة, أن المريض المسن على عكس من هم أصغر سنًّا، لا يرغب من الشفاء مادامت هناك "مكاسب" سيكلوجية للمرض. ٣- اضطرابات الإدمان: يوجد اضطراب سيكولوجي شائع في طور أرذل العمر يتصل بإدمان المخدرات والمسكرات, وأشهر صور الإدمان لدى المسنين في الغرب هو تعاطي الكحول، فهو شائع حتى بين المودعين في مؤسسات الرعاية, ومن الغريب أن كثيرًا من هذه المؤسسات في أوربا والولايات المتحدة تُقَدِّمُ الكحول للمسنين كفاتح للشهية, أو كمهدئ, أو للإبقاء على سلوك التطبيع الاجتماعي "حيث يقدم الكحول في هذه المجتمعات للضيوف في المواقف الاجتماعية"، ويترتب على ذلك زيادة إدمان الكحول لدى المسنين, وتوجد فئات عديدة من هؤلاء؛ فمنهم من يوصف بالمدمن المتأخر وهو الشخص الذي تعوَّد على الإسراف؛ في تعاطي الكحول في وقتٍ متأخر من حياته "في سن الخمسين مثلًا", وهم أولئك الذين فقدوا أدوراهم الاجتماعية مع بلوغ هذا الطور, ومنهم من يدمن العقاقير التي تُقَدَّمُ لهم كوصفات طبية "لما تتضمنه من بعض المواد المخدرة" كالمهدئات، أو التي تُعَدُّ من قبيل المخدرات المحظورة, وبصفة عامة نقول: إن المسنين المتأخرين الذين يدمنون المسكرات والمخدرات قد يكونون إما بدأوا التعاطي والإدمان مبكرين ثم استمروا، أو بدأوا ذلك بعد الدخول في هذا الطور النهائي من حياة الإنسان, وهذه الحقائق المؤسفة تكشف لنا عن حكمة الإسلام العظيم في تحريم الخمر والمخدرات, والمسلم الذي يتجنب هذه الخبائث لن يعيش شبابًا ورشدًا صحيحين فحسب, وإنما شيخوخة سعيدة أيضًا, وإذا كان للمسكرات والمخدرات أثرها المدمر على صحة الشباب وعلاقاتهم الإنسانية وظروفهم الاقتصادية، فإن هذا الخطر يكون أشد وأفدح بالنسبة للمسنين المتأخرين, وخاصةً مع التدهور الجسمي الذي يصاحب هذا الطور, ناهيك عن أنها قد تؤدي إلى التعجيل بظهور الاكتئاب لديهم. ٤- اضطرابات البارانويا: البارانويا Paranoia اضطراب سلوكي شائع في طور أرذل العمر, ومحور هذا الاضطراب هلاوس ووساوس حول الذات, وهو مركب من الشعور بالاضطهاد والعظمة والارتياب والشك والحقد والغيرة والحسد. وبالرغم من شيوع مثل هذه المشاعر, فليس من المعتاد أن تنشأ فجأةً لدى المسنين

стр. 687

المتأخرين، فأولئك الذين يظهرون هذه الاضطرابات البارانوية في هذا لطور عادةً يتسمون ببعض هذه الأعراض لبضع سنوات سابقة, وهذه الاضطرابات لا تؤدي بصاحبها إلى خللٍ في رعاية الذات, فهو قد يستطيع أن يؤدي هذه المهام جيدًا، وقد لا يكون موضوع أي رعاية طبية بسبب توهماته, وتتسم استجابة المسنين البارانوويين بأنها تتضمن بعض التوهمات الشائعة "وأشهرها توهم اضطهاد أجهزة المخابرات أو الشرطة" التي قد ترتبط بالخداعات أو الهلاوس حول موضوع التوهم, وعادةً لا تتعرض شخصية هؤلاء للتدهور إلّا في حالة الأزمة, وتظهر الاستجابة البارانووية خاصةً مع الأنماط الأربعة الآتية للشخصية "Birren & Sloane, ١٩٨٠" أ- المشاكسة - العدوان - العداء. ب- التمركز حول الذات - العناد - الاستبداد والتشبث بالرأي. ج- الشك والريبة - الغيرة - الشعور بالاضطهاد. د- الخجل - الحساسية - الانسحاب. كما يتسم هؤلاء بالعزلة الشديدة في علاقاتهم بالآخرين، والواقع أن العزلة عاملٌ هامٌّ في تحديد العلاقة بين الصمم والبارانويا حتى في المراحل المبكرة من الحياة، فالمسنون ذوو العجز السمعي والذين لديهم أحد الأنماط البارانوية السابقة, يعتمدون كثيرًا على الإسقاط والهلوسة لملء فجوات إدراكهم للعالم الحقيقي على نحوٍ يؤدي بهم إلى ظهور الاضطهاد, وإسقاط فشلهم في التعامل الخارجي على الآخرين المحيطين بهم انفعاليًّا ومكانيًّا, وهذا الموضوع يتصل مباشرة بالصلة الوثيقة بين الحرمان الحسي وظهور هذه الأعراض المرضية. ويصف علما النفس الكلينيكيون البارانويا على أنها عرض أكثر منها اضطراب عند المسنين, وقد يظهر على الرغم من عدم وجود تدهور معرفي شديد "Kermis, ١٩٨٤", أما المرض الذي قد يظهر فعلًا في المراحل المتأخرة من البارانويا, ويتسم بسيطرة الهلاوس والتوهمات، كما قد يظهر أيضًا الفصام البارانووي, والذي يتمثل في ظهور أفكار متوهمة في مجال ضيق محدود, ومن ذلك الهلاوس السمعية التي تظهر في صورة توهم وجود صوت شخص آخر يعقب على أفعال المريض وأفكاره، وقد يتطور إلى الاستماع إلى صوتين يتصارعان حول أداء هذه الوظيفة, وحين يتطور هذا المرض بشدة فإنه يؤدي إلى التفكك الكامل لحدود الأنا, ويتطلب الإيداع في المؤسسات.

стр. 688

٥- الاضطرابات الوجدانية: تشمل هذه الفئة من الاضطرابات الوظيفية "حسب تصنيف DSM IV" مجموعة من الخصائص الشخصية الأكثر شيوعًا في طور أرذل العمر وهي: الاكتئاب الخطير، الاضطراب الثنائي القطب "والذي كان يُسَمَّى في الماضي الجنون الدوري"، والاضطراب الدائري Cyclothymic, والذي يمتد بصاحبه بين الهياج والانقباض, وهذه جميعًا اضطرابات وظيفية لأنها لا تنشأ عن الخللل العضوي في الجسم, وإنما هي نتاج العلاقات بين الأشخاص وداخل الشخص والعوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر تأثيرًا مدمرًا على الشخص من خلال قيمه السيكولوجية والرمزية. ولعل الاكتئاب الخطير من بين هذه الاضطرابات الوظيفية هو الأكثر حدوثا بين المسنين في طور أرذل العمر, وتذكر "Kermis, ١٩٨٤" أن حوالي ٣% من مجموع سكان العالم يتعرضون سنويًّا للإصابة به، إلّا أن هذه النسبة أعلى من ذلك لدى المسنين المعمِّرين, وعلى الرغم من أن جميع المسنين لا يتساوون في درجة العجز الناجم عن الاكتئاب, إلّا أنهم جميعًا يظهرون تدهورًا واضحًا يتمثل في بطء التفكير ونقص النشاط الهادف والقلق الشديد، فإذا صوحب ذلك بأعراض معينة تختلف عن النشاط العادي للمرء, وتستمر معه يومًا بعد يوم, فإن ذلك يعطي الصورة الكلينيكية للاكتئباب الخطير، ومن هذه الأعراض الشعور بالحزن الأليم, والميول الانسحابية العامة وكف النشاط، وسيطرة التشاؤم، وهبوط تقدير الذات، وعدم الثقة في التنبؤ بمصير الذات. كما توجد علامات ثانوية ذات طبيعة جسمية "فالاكتئاب ليس مرضًا نفسيًّا خالصًا", وتشمل: الأرق، نقص الوزن، فقدان الشهية، التعب، الإمساك، تدهور النشاط الحركي، دورات السلوك التكراري اليومي, وتؤكد البحوث على المسنين "Cole & Barrett, ١٩٨٠" أن الأشخاص المكتئبين في طور أرذل العمر أكثر احتمالًا لإظهار علامات المرض كالإمساك والتعب أكثر من أعراضه كالحزن والتشاؤم. وتصدر عن المسنين المكتئبين أنماط معينة من السلوك، ومن ذلك الشعور العميق بالذنب على آثام متوهمة من نوع الصغائر أو الكبائر, وتشغلهم كثيرًا حينئذ محاولات التوبة أو الخوف من العقاب الدنيوي أو الأخروي, ويشعر المسن المكتئب بالقلق الشديد والتوتر العنيف، قد يصل إلى حد السعي لتدمير الذات الذي قد يؤدي إلى الانتحار، ولهذا فإن الاكتئاب يعد اضطرابًا مهددًا لحياة المسنين, وقد توجد بعض الأعراض الجسمية المصاحبة للاكتئاب في هذا الطور, ويفسر "Zung, ١٩٨٠" ذلك بقوله: إنه إذا كانت الأعراض السيكولوجية للاكتئاب هي

стр. 689

الدالة على الفشل الشخصي، وهو ما لا يحب المسن أن يعترف به، فالبديل إذن هو المرض الجسمي الذي لا حيلة له فيه. وفي الممارسة الكلينيكية يصعب التميز في طور أرذل العمر بين الاكتئاب وأعراض الخلل المخي العضوي المزمن، ولهذا ظهرت فئة تشخصية تُسَمِّي الاكتئاب العضوي -سوف نتناولها فيما بعد, كما قد يتداخل الاكتئاب مع الشعور بالشقاء والتعاسة والحزن الوجداني, والذي قد يُعَدُّ استجابةً طبيعيةً للمواقف التي يوجد فيها المسن, كما قد يختلط اكتئاب المسنين أيضًا بعلامات الهرم العادي, وبالتالي يتجاهله الكثيرون، ومع ذلك فإن الاكتئاب يظل أخطر الاضطرابات الوجدانية لدى المسن، وهو الاكثر شيوعًا لديهم, كما يلاحظ لدى الذين يترددون على المستشفيات, سواء للإقامة الداخلية, أو على العيادة الخارجية، ولدى الذين يعيشون في المؤسسات "دور المسنين"؛ ففي مسحٍ أُجْرِيَ عام ١٩٩٢ في الولايات المتحدة, لوحظ أن ٦٣% من المقيمين بدور رعاية المسنين يعانون من الاضطرابات المعرفية، كما يؤلف الذين يعانون من الاكتئاب الحاد ٢٥% منهم "Mensh, ١٩٩٤"

стр. 690

ثانيًا: الاضطرابات العضوية تنشأ الاضطرابات المخية العضوية عن عجز أنسجة المخ عن النشاط لأسباب كثيرةٍ، وتسمى هذه الاضطرابات الخرف Dementia, ومنه خرف الشيخوخة Senile Dementia, ويوجد نوعان من هذا الخرف؛ أولهما: نمط الزهيمر Alzherimer, والذي يسمى أيضًا الخلل الأولي للخلايا العصبية، وثانيهما: نمط الأوعية الدموية Cerebrovascular, والذي يُسَمَّى أيضًا خرف الاحتشاء المتعدد. أما الأنواع الأخرى من الخرف فتشمل مرض بك pick, وزملة أعراض فيرنك-كورساكوف Wernicke - Koersakoff, ومرض كوريا لهنتجتون Huntington Chorea، وتصلب الأنسجة المتعددة Multiple Sclerosis, ومرض كورو١ Kuru، وتتسم هذه الاضطرابات العضوية جميعا بأنها خطيرة طبيًّا بأنها لا تقبل الشفاء irreversible, وبالتالي فهي مزمنة، وهي علامة على

стр. 691

الخلل النهائي الذي ينتهي بالمسن في هذا الطور إلى الموت، وتوجد أنواع أخرى من الاضطرابات المخية العضوية التي تظهر في طور أرذل العمر أيضًا, ولكنها أقل حدة, وقد توصف طبيًّا بأنها تقبل الشفاء reversible, وبالتالي فهي حادة actute, وتسمى الخبل Delirium, ومنها الاكتئاب ومرض استسقاء المخ Hydrocephalus والتسمم بالعقاقير. ومن الحقائق التي كشفت عنها البحوث أن الاضطرابات المخية العضوية قد تكون علاماتها خفيفة أو عميقة، وقد تظهر ببطء أو بسرعة، وقد وصف "Bulter & Lewis, ١٩٨٢" خمسة تغيرات عقلية تصاحب الاضطرابات المخية العضوية من مختلف الأنواع وهي: ١- عجز الذاكرة: والذي ينتج عن الفشل في تسجيل الأحداث، أو الفشل في الاحتفاظ بما تَمَّ تسجيله، أو العجز عن الاسترجاع الاختياري من الذاكرة. ٢- العجز العقلي المعرفي: والذي يظهر في صورة فشل المسن في فهم الحقائق أو الأفكار، والعجز عن التفاعل مع المشكلات البسيطة "كالمشكلات الحسابية الروتينية"، والفشل في اكتساب سلوك جديد وتعلمه بسبب اضطرابات الذاكرة، مع سيطرة النمطية, والقصور الذاتي في صورة تكرار الاستجابة, حتى وإن كانت لا تتناسب مع المثير أو الموقف، كما يتسم النشاط العقلي بالتفكير الحسي الحركي والتفكير العياني الشبيه بتفكير الأطفال. ٣- العجز الشخصي الاجتماعي: والذي يتمثّل في صعوبة فهم المواقف الشخصية ووضع الخطط واتخاذ القرارات والعجز عن معرفة هوية الأشخاص الآخرين، وتجنب المواقف الصعبة بالانشغال عنها بأعمال لا صلة لها بهذه المواقف, ويزيد الموقف حدة الاضطرابات اللغوية والإدراكية والحركية المصاحبة لذلك. ٤- العجز عن تحديد الاتجاهات: ويتمثل في الخلط في تقدير الزمان والمكان, مع ظهور الخلط الزماني أولًا. ٥- العجز الانفعالي: ويتمثل في التحول من الانفعالية الشديدة إلى البلد الانفعالي، ويتم هذا التحول بسرعة وبدون سبب ظاهر. وهذه التغيرات الخمسة تكشف لنا معًا مرة أخرى عن الإعجاز النفسي للقرآن الكريم في وصفه لطور أرذل العمر, انتكاس لأطوار النمو المبكرة وفقدان للقدرة.

стр. 692

على التعلم "والذاكرة هي وعاء التعلم". وبالطبع لايظهر الأشخاص المسنون هذه العلامات الخمسة معًا وفي وقت واحد، كما أن بعض هذه العلامات قد يكون أشد من غيره، وبعضها قد يكون لبعض الوقت من النوع الحاد المؤقت "الخبل", والبعض الآخر يستمر في التطور نحو مزيدٍ من التدهور والعجز, حتى يصل بالمسن إلى العجز الكامل عن التعامل مع أبسط صور رعاية الذات، ويظل كذلك حتى الموت، وحينئذ يصبح الاضطراب مزمنًا من نوع الخرف. ونعرض فيما لي الاضطرابات المخية العضوية بنوعيها, متبدئين بالخبل ومنتهين بالخرف: ١- الاضطرابات المخية العضوية الحادة "خبل الشيخوخة": هذه الاضطرابات تُطْلِقُ عليها الجمعية الأمريكية لطب الأمراض العقلية مصطلح delirium, وهو الذي آثرنا ترجمته بالمصطلح الطبي خبل الشيخوخة, وهذه الاضطرابات شائعة بنسبة تتراوح من ١٠% و ٢٠% بين المصابين بالاضطرابات المخية العضوية, وهي أنواع من الاضطرابات تقبل الشفاء وتتسم بأنها تحدث فجأة ولفترة مؤقتة، ومن هنا جاء وصفها بالحدة, وتظهر في هذه الاضطرابات بعض أو جميع علامات زملة أعراض الاضطراب المخي العضوي, ومن ذلك الحمَّى، وارتعاش العضلات، وسرعة دقات القلب، والعرق، وراتفاع ضغط الدم، وعدم سواء الرسم الكهربائي للمخ, كما أن الأعراض النفسية التي ترتبط باحتمال حدوث هذا النوع من الاضطراب تشمل القلق البالغ، والتوهم، والخداعات، والخلط، وتذبذب مستوى الوعي، والخلل المعرفي، وأشهر صور الخلط والتوهم هو الشعور بالاضطهاد, ويحدد الباحثون بضعة أسبابٍ لحدوث هذا النوع من الاضطراب المخي"Huyck & Hoyr, ١٩٨٢" هي: أ- الأسباب البنيوية: ومن ذلك أورام وجلطة المخ, والتي تؤدي إلى حدوث تغيرات عقلية لدى حوالي نصف المرضى من هذه الفئة؛ فالجلطة أو الورم المخيان يؤديان إلى منع الدم من الوصول إلى أجزاء معينة من المخ. ب- التسمم بالعقاقير: ويشمل ذلك التسمم الكحولي، والسبب في ذلك أن علميات الأيض للعقاقير "وخاصة ما يتضمن منها المواد المخدرة" أبطأ لدى المسنين، أضف إلى ذلك أن بعض المسنين يسيئون استخدام

стр. 693

العقاقير الطبية, ومن ذلك استخدام تذاكر طبية متعددة لأطباء مختلفين على مراحل زمنية مختلفة، أو استخدام أدوية يوصي بها الأصدقاء والمعارف، أو استخدام أدوية لم تعد صالحة أو مفيدة للاستعمال، أو إحلال أدوية محل أخرى. ج- نقص السكر في الدم: وهو أحد أمراض البول السكري, ويسمى hypoglycemia, ويظهر عندما يكون مقدار السعرات الحرارية الوارد لجسم المسن غير متناسب مع مقدار الأنسولين المستهلك، أو إذا كان جسم المسن لا يستطيع تجهيز الطعام بسبب نقص إفرازات الكبد "نتيجة التليف مثلًا". د- اضطرابات القلب: وخاصة تضخم عضلة القلب عند المسنين الذين يعانون بالفعل من بعض الخلل في نشاطهم المعرفي؛ فاضطراب القلب يؤثر في قدرته على تزويد المخ بالدم اللازم له. و اضطرابات التغذية وخلل علميات الأيض: فقد ينشأ عن ضعف نشاط الغدة الدرقية مثلًا خلل في النشاط المعرفي, أضف إلى ذلك أن أمراض سوء التغذية ومنها الأنيما الخبيثة والنقص الشديد في فيتامين "ب" قد تؤدي إلى زملة أعراض مخية من النوع الذي نصفه هنا, كما أن زيادة الكالسيوم عن المستوى العادي يؤدي إلى التبلد والخلط. ز- الإجهاد النفسي: ويشمل ذلك ما ينتج عن الألم الشديد والحزن العميق والشعور المزمن بالشقاء والتعاسة، فقد يؤدي ذلك إلى ظهور أعراض الاضطراب المخي الحاد "المؤقت". وفي معظم الحالات فإن اضطرابات خبل الشيخوخة ذات الطبيعة المخية العضوية الحادة تنشأ عن تفاعل أسباب عديدة "Birren & Slonane, ١٩٨٠"؛ فمثلًا يمكن لأي عقار أو مخدر له أثره في الجهاز العصبي أن يؤدي إلى حدوث هذه الاضطرابات, وخاصةًً إذا كان المريض المسن يعاني من أمراض الأوعية الدموية للقلب التي تؤدي إلى نقص إمداد المخ بالأوكسيجين, أو حين يكون المريض مصابًا بالجفاف, كما أن المسن قد ينسى "بسبب ضعف ذاكرته" أنه تناول بالفعل دواءه, وبالتالي قد يتعاطى جرعات متعددة "أكثر من اللازم" دون أن يدري.

стр. 694

توجد نسبة عالية من الموت المباشر بسبب خبل الشيخوخة تصل إلى حوالي ٤٠%, ويرجع ذلك في جوهره إلى أخطاء التشخيص, أما إذا أمكن تحديد الاضطراب بدقة, فإن هذا النوع من الاضطراب لا يمتد لأكثر من أسبوع واحد؛ فعلاجه يتم بتصحيح الشرط المحدث له؛ فالمريض المسن قد يحتاج إلى الأوكسيجين, أو جلوكوز الدم, أو نقل الدم, أو علاج المرض المعدي, أو التحكم, فإن المريض قد تتطور حالته إلى اضطرابٍ مخيٍّ أكثر خطرًا "خرف الشيخوخة" أو يموت, وفي كثير من الأحوال يشفى المريض وحينئذ يستطيع أن يعود إلى نشاطه المعتاد. ومن التقاليد الطبية الراسخة في هذا الميدان في وقتنا الحاضر افتراض أن جميع الاضطرابات المخية العضوية قابلة للشفاء، فإذا استجابت الحالة للعلاج صُنِّفَتْ على أنها من النوع الحاد "خبل الشيخوخة", أما إذا لم تستجب فإنها تصبح من النوع المزمن الأشد خطرًا, والذي سنتناوله في القسم التالي. ٢- الاضطرابات المخية العضوية المزمنة "خرف الشيخوخة": يمكن القول أن خرف الشيخوخة Senile Demetia, هو أخطر الأمراض العقلية في مرحلة المسنين، بل هو المعلم الرئيسي على دخول المسن طور أرذل العمر, ومصدر الخطر الرئيسي أنه حالما تعطب خلايا المخ وأنسجته, فإنها تموت ولا تتجدد، ويؤدي عطب المخ بدوره إلى تدهور عقلي وخلل في تكامل الشخصية. وهناك اختلافات جوهرية بين خبل الشيخوخة "المرض الحاد والمؤقت" وخرف الشيخوخة "المرض المزمن", في أن أولهما يظهر فجأة ويستمر لفترة قصيرة إذا تَمَّ تشخيصه بدقة وعلاجه بطريقة ملائمة، كما أن عرضه الأساسي هو تذبذب الوعي مع الشعور بخداعات وتوهمات ناجمة عن تشويه في الإدراك أو سوء تفسير للمدراكات, أما خرف الشيخوخة المزمن فإنه يتطور تدريجيًّا وعادةً ما تكون بدايته مع ظهور تغيرات انفعالية وسلوكية مختلفة؛ كالاكتئاب والتعب وعدم الشعور بالراحة والانسحاب الاجتماعي وفقدان المبادأة والتلقائية والانفجار الانفعالي "الغضب أو الضحك أو البكاء مثلًا", وعدم الانتظام في القيام بالأعمال المعتادة, والتغير في مستويات السلوك التي تصدر عنه, وهذه التغيرات تخبئ وراءها فقدانًا في القدرات العقلية العليا؛ فسوء التوجه الزماني والمكاني وفقدان

стр. 695

ذاكرة الأمد القصير سرعان ما يتبعها فقدان في ذاكرة الأمد الطويل, وحينئذ تختل وظائف الذاكرة تمامًا "الأفازيا"، ويشمل ذلك الاحتفاظ والاستدعاء والتعرف. ويمتد أثر ذلك إلى فقدان القدرة على التعلُّم "حتى لا يعلم المسن من بعد علم شيئًا حسب التعبير القرآني المعجز", ومن معالم الانتكاس الطفولي الخطير أيضًا التحول كليةً إلى التفكير العياني المحسوس والفقدان الكلي للقدرة على أبسط صور التجريد, ويكون التفكير في هذا الطور أقل كفاءة بكثير من تفكير الأطفال بكثير، كما يظهر أيضًا التدهور اللغوي "وخاصة في الكلام"، كما يظهر العجز عن فهم الرموز غير اللفظية "الأجنوزيا Agnosia"، والعجز الحركي وخاصةً العجز عن القيام بالحركات الموجهة نحو غرضٍ, والذي يُسَمَّى الأبراكسيا aparaxia، ويزداد ذلك مع زيادة حدة الخلل المخي. ويظهر ذلك كله في صورة عجز عن الإجابة على الأسئلة المألوفة والتي توجه إلى المريض مثل: تحديد أين هو, أو تاريخ اليوم أو الشهر أو السنة, أو تحديد عمره، أو تحديد تاريخ ميلاده, أو سنة هذا الميلاد, أو تحديد محل إقامته, أو ذكر اسم رئيس الدولة، إلخ "Hock & Zubin, ١٩٦٤"، ويصل الأمر إلى أقصى درجاته حين يفشل المسن في تذكر اسمه، كما يفيد الفحص النفسي العصبي في التمييز بين خرف الشيخوخة والاكتئاب خاصة، ومع تأخر حالة المريض بخرف الشيخوخة في طور أرذل العمر يتحول إلى العجز الكلي عن التحكم في الحركة, وحينئذٍ لا يستطيع المريض أن يطعم نفسه, أو يحافظ على نظافته الشخصية، وهكذا يكون المسن قد دخل بالفعل في طور أرذل العمر، فالتدهور مستمر, ومع كل يوم يضاف إلى عمر المسن يشهد تغيرًا إلى ما هو أسوأ، وهذا كله يتسم بعدم القابلية للشفاء, ولا نهاية له إلّا الموت. وإذا كان خبل الشيخوخة المؤقت يصاحب عادةً بزيادة النشاط الحركي, فإن خرف الشيخوخة المزمن يصاحبه بطء شديد في هذا النشاط؛ فالشخص الذي يعاني من الاضطراب الحاد المؤقت "الخبل" يبدو مفرطًا في نشاطه ومتوترًا وغير مستقر, ويؤدي هذا السلوك إلى حيرة الملاحظ الخارجي. ويبدو المسن في هذه الحالة كما لو كان غير مصدقٍ لما يحدث له, ويتسم انتباهه بأنه غير متبأور. ويتوجه نحو الأشخاص وليس الأماكن, ويعوزه الاستبصار، ويتسم تفكيره بأنه أقرب إلى تفكير الشخص الحالم, إلّا أن ذلك كله قابل للشفاء بالعلاج المناسب كما بينا من قبل، وهذا كله عكس خرف الشيخوخة. وإذا عدنا إلى خرف الشيخوخة فإنه على الرغم من وجود الخصائص المشتركة السابقة, إلّا أن هذا الاضطراب يتضمن عدة فئات في التصنيف

стр. 696

السيكياتري المعاصر، كلًّا منها يوصف في ضوء أعراضه وأسبابه المفترضة. ونعرض فيما يلي هذا الفئات: أ- مرض الزهيمر "الخلل الأولي للخلايا العصبية": هذا المرض هو السبب الرئيسي لخلل الوظائف المخية عند المسنين، ويُعَدُّ مع الاكتئاب- أخطر اضطرابين في السلوك يتعرض لهما المسنون في مرحلة أرذل العمر، ومرض الزهيمر يصيب حوالي نصف الذين يعانون من التدهور العقلي في هذه المرحلة، وقد تعرضت تسمية هذا المرض لتطور طريف، فحينما كان يعتبر ناجمًا عن التقدم في السن أطلق عليه العامة، خرف الشيخوخة "senile dementil", إلّا أنه عندما اكتشف أنه قد يصيب الراشدين في مراحل عمرية سابقة أطلق عليه تسمية خاصة, هي خرف ما قبل الشيخوخة Presenile demerntial" ويعود الفضل في اكتشافه عام ١٩٧٠ إلى عالم النيرولوجيا الألماني Alois Alzheimer, الذي حدد التغيرات البنيوية في المخ, التي يتسم بها الخرف في هذه المراحل المبكرة من العمر، ولهذا نسب إليه, وأصبح يُسَمَّى مرض الزهيمر مشيرًا بالطبع إلى خرف ما قبل الشيخوخة, إلّا أن الجمعية الأمريكية لطب الأمراض العقلية في تصينفها السيكياتري الأخير DSM IV, فضَّلَت أن تشير إلى خرف الشيخوخة باسم الخرف الناجم عن الخلل الأولي للخلايا العصبية، مع التمييز بين هذا المرض في طوري الشيخوخة، وما قبل الشيخوخة، ويعتقد بعض الباحثين أن نوعي المرض متطابقان فسيولوجيًّا، ويشيرون إليها باسم مشترك هو مرض الزهيمر, بصرف النظر عن عمر المريض، بينما تؤكد البحوث وجود فروق بين المسنين ومن هم أصغر سنًّا في هذا المرض, ولعل أهم هذه الفروق أن المسنين الذين يصابون به لا يعيشون بعده إلّا بضع سنوات، بينما المرضى به الأصغر سنًّا "في طور منتصف العمر", قد يستمرون أحياء لمدة تمتد بين عشر سنوات وعشرين سنة, مع تدهور مستمر بالطبع، ولهذا يرى البعض أن مرض الزهيمر هو في الواقع صورة مبكرة لخرف الشيخوخة؛ ففي كلاهما تظهر أعراض مشتركة كالتدهور العقلي, وخاصة فقدان الذاكرة, والتدهور في التوجه الزماني والمكاني, والاضطراب الانفعالي والسلوكي، وفي الحالتين تكون البداية بطيئة على نحوٍ قد لا يلاحظه أفراد الأسرة, وفي المراحل المتأخرة من المرض يظهر المسن عدم الاستقرار ومايصاحبه من ازعاجٍ للآخرين, والسلوك التكراري وخاصة تكرار الكلمات أو الجمل أوالنشاط, حتى لو كانت غير ملائمة؛ كأن يسأل عن الوقت مرات عديدة خلال فترة زمنية وجيزة، مع ظهور الأفازيا "فقدان القدرة على

стр. 697

استخدام اللغة"، والتغيرات السريعة في الانفعالات، كما يفقد القدرة على التحكم في المثانة والأمعاء، وقد ينتهي الأمر بالمريض إلى عدم معرفة من هو أو معرفة أفراد أسرته. أما عن التغيرات التي تطرأ على المخ نتيجةً لهذا المرض فإنها لا تتحدد إلّا عند تشريح الجثة بعد الوفاة؛ حيث يلاحظ ضمور شديد في شجيرات الخلايا العصبية، بالإضافة إلى تغيرات بنيوية خطيرة في المخ تؤدي إلى ضمور المخ ككلٍّ ونقص وزنه. النماذج النظرية حول المرض: لا يزال الباحثون يحاولون في وقتنا الحاضر اكتشاف الأسباب المحتملة لحدوث مرض الزهيمر، ويذكر "Wurtman, ١٩٨٥" أنه توجد ستة نماذج مختلفة هي: ١- النموذج الوراثي: ويعتمد في جوهره على الأدلة المتاحة من دراسة الأسرة التي يظهر المرض بين أفرادها, وفي رأي أصحاب هذا النموذج أن هذه الأدلة قد توحي بوجود بعض الجينات الخاطئة تجعل المرء عرضة للتأثر بالظروف البيئية التي تؤدي إلى ظهور المرض، إلّا أن البحوث لم تؤكد بعد وجود كروموزوم خاص بهذا المرض. ٢- النموذج البيوكيميائي: وهو نموذج يعتمد على أدلةٍ أكثر دقة تتلخص فيما لوحظ من وجود نقص واضح في نشاط إنزيم معين في أنسجة مخ الأشخاص المصابين بهذا المرض, وهو إنزيم CHAT"١", ويبدو أن السبب في هذا النقص هو فقدان الخلايا العصبية في جزء المخ المسئول عن التحكم في إفراز هذا الإنزيم، والنقص في هذه الخلايا ليس ناجمًا عن عملية التقدم في السن في ذاتها؛ ولهذا اقترح بعض الباحثين في السنوات الأخيرة أنه قد يرجع إلى آثار الإفرازات الهرمونية الناجمة عن الإجهاد "Schaie & Willis,١٩٧٦", كما أن العمليات البيوكيمائية المرضية قد تكون متضمنة في التغيرات التي تطرأ على لحاء المخ. ٣- نموذج التلوث بالانتقال "العدوى": ظهر هذا النموذج في ضوء نتائج الدراسات التي أجريت على الأمراض النيرولوجية النادرة التي يمكن أن تنتقل في ظروف غير طبيعية، وقد تدعم نموذج التلوث بالانتقال أو العدوى infectious, بما وُجِدَ من أن أحد جزئيات البروتين المسمى البريون Prion الذي

стр. 698

يوجد في هذه الأمراض, له خصائص بنيوية شبيهة لما يوجد في مخ مرضى الزهيمر, وقد أجريت بحوث تجريبية لنقل هذا المرض إلى الحيوانات, ولكنها لم تنجح حتى الآن, ومع ذلك فإن الاحتمال لا يزال قائمًا بوجود ناقل للعدوى بهذا المرض, والذي يتطلب قبل حدوث العدوى وجود استعداد وراثي قبلي, أو مرض راهن في جهاز المناعة أو التعرض لمادة سامة في البيئة. ٤- نموذج التسمم العصبي: وهو نموذج يعتمد على أدلةٍ لا تزال حتى الأن موضع خلاف، وخلاصتها أن بعض المعادن الضارة "ومنها الألمومنيوم"، من الألياف العصبية المسماة neurofibrillary tangles, ولم يتضح بعد ما إذا كان الألومنيوم يتم امتصاصه من مصادر البيئة ثم يؤدي بدوره إلى ظهور هذه العقد الليفية, إلّا أن الأكثر احتمالًا في الحدوث أنه حالما تظهر هذه العقد فإنها تجذب إليها الألومنيوم, وبعبارة أخرى فإن التراكم السمي لا ينشأ عن استخدام الألومنيوم في الحياة اليومية, وإنما عن الخلل الذي يطرأ على علميات الأيض حالما تحدث التغيرات غير السوية التي تنتج عن مرض الزهيمر. ٥- نموذج النقص في تدفق الدم: على الرغم من أن مرض الزهيمر لا ينشأ عن تصلب الأورطي, فإن هناك أدلة على حدوث نقص واضح في تدفق الدم إلى المخ عند مرضى الزهيمر، وتؤكد الدراسات الحديثة أن تدفق الدم إلى المخ, واستهلاك الأوكسيجين فيه, يتناقص بنسبة ٣٠% عند مرضى الزهيمر بمقارنتهم بالمسنين العاديين, ويكون هذا النقص أكثر حدة في الفص الجبهي والفص الجداري من لحاء المخ, وهي نفس المناطق التي تظهر أخطر التغيرات الباثولوجية في أنسجة المخ، ويقترح بعض العلماء أن حدوث النقص في تدفق الدم ينتج عن نقص الخلايا العصبية التي تستثير الموصلات المسئولة عن تنشيط تدفق الدم في المخ. ٦- نموذج الخلل في إنزيم الآسيتلكولين: اقترح هذا النموذج من خلال محاولات أصحابه علاج مرض الزهيمر حين وجدوا أن إنزيم الآستلكولين، وهو أحد الناقلات العصبية، يقل مقداره لدى المصابين بهذا المرض، وقد توافرت الأدلة على ذلك من مصدرين؛ أولهما: العلاج بالتغذية حين يقدم للمرضى غذاءً غنيًّا بالمواد الخام التي تكوّن الإنزيم، وثانيهما: العلاج باستخدام عقار الفسوتيجمين Physotigumine, الذي يمنع التدهور السريع للإنزيم بعد إفرازه من

стр. 699

الخلايا العصبية، وعلى الرغم من أن أدلة النوع الأول من العلاج لا تزال حتى الآن غير قاطعة، وعلى الرغم أيضًا من أن أدلة النوع الثاني من العلاج تؤكد احتمال حدوث آثار جانبية خطيرة، فإن النموذج قد تتوافر أدلة كافية على صحته في المستقبل, وخاصة أن الأدلة التشريحية التي توفرت من دراسة لحاء مخ المرضى بهذا المرض بعد وفاتهم, تؤكد أن مستويات هذا الإنزيم لديهم أقل من مستوياته لدى المسننين العاديين بنسب بين ٦٠%، ٩٠%. ب- خرف الاحتشاء المتعدد: يحتل خرف الاحتشاء Multi infarcet dementia١ , والذي يُسَمَّى أحيانًا خرف انسداد وتصلب الأوعية الدموية المخية cereveovascular، المرتبة الثانية بعد مرض الزهيمر في الأهمية والخطر؛ كخلل مخي مزمن, فهو يُعَدُّ مسئولًا عن حوالي من ٢٠% إلى ٣٠% من خرف الشيخوخة في الغرب، وهو عبارة عن اضطراب ينشأ عن حدوث جلطات متعدد في الدم تمنع وصوله إلى المخ، ويتسم المريض حينئذ بالتوتر الزائد، وعلى الرغم من أن تصلب الشرايين قد ينشأ عن ذلك إلّا أن أهميته لا تظهر إلّا في القليل من المصابين بهذا المرض. ويبدو أن خرف الاحتشاء المتعدد يسبب جوالي ٢٠% من حالات الوفاة الناجمة عن الخلل العضوي المزمن للمخ، بالإضافة إلى حدوثه في حوالي ١٢% من مرضى الزهيمر الذي أشرنا إليه. وتظهر الأعراض الأولى لمرض خرف الاحتشاء المتعدد في المتوسط في سن ٦٦ عامًا، على الرغم من أنها قد تظهر عند القليلين في سن الخمسين، وهي أكثر شيوعًا لدى الرجال منه لدى النساء، وقد يكون السبب في ذلك أن هرمون الإستروجين يزوّد المرأة ببعض الحماية ضد مرض الأوعية الدموية للقلب حتى بلوغها سن الطهر. وتظهر بعض الأعطاب في الأوعية الدموية للمخ لدى المصابين بهذا المرض؛ حيث توجد في المخ مساحات تتسم أنسجتها بالخلل واللين"الطراوة", وقد تكون الأعراض المبكرة في صورة شعور بالدوار والصداع، وإلّا أن أكثر من نصف الحالات المصابة بهذا المرض تبدأ بمشاعر حادة ومفاجئة بالخلط، ويظهر في صورة هلاوس, أو بعض علامات الخبل التي أشرنا من قبل. ويتسم فقدان

стр. 700

الذاكرة في المراحل المبكرة بأنه متقطع، وقد يظل المريض محتفظًا بدرجة كبيرة من الاستبصار حتى مرحلة متأخرة نسبيًّا من مسار المرض، وكثيرًا ما تطرأ على المريض فتراتٍ يبدو فيها كما لو أن المرض خفت حدته؛ فيعود للذاكرة صفاؤها وخصوبتها على نحوٍ يجعل الكشف عن التدهور العقلي الناجم عن المرض عملية صعبة وتحتاج إلى اختبار دقيق ومنظم. ويؤدي علاج كلٍّ من التوتر الزائد ومرض الأوعية الدموية القلبية المصاحب لخرف الاحتشاء المتعدد إلى الإبطاء في تطور هذا المرض إلى صورة خطيرة, ويمكن للمريض أن يعيش ١٥ عامًا أو أكثر، ولا يكون الموت حينئذ إلّا بسبب جلطة المخ أو مرض القلب أو الدرن. ويسبب ما قد يصدر عن المصابين بهذا المرض من هلاوس وهذاءات, فإن بعضهم قد يصنف على أنه كذلك, بينما هم في الحقيقة يعانون من مرض مخي. ج- مرض باركنسون: يوجد اضطراب مخي مزمن آخر يظهر في طور أرذل العمر يُسَمَّى مرض باركنسون Parkinsion's desease, على الرغم من أن بدايات هذا المرض قد تظهر عند البعض مبكرةً في الثلاثينات من العمر, إلّا أن الشائع ظهوره عند الرجال خاصةً بعد بلوغ سن الستين, ويتطور هذا المرض بالتدريج، ويبدأ ببطء الحركة وانحناء القامة, مع قصرٍ شديد في الخطى، وبعدئذ يفتقد الوجه تعبيراته الانفعالية ويصير الصوت رتيبًا، ويفتقد التنوع والحيوية، وتظهر ارتعاشات متكررة "بين ٤، ٨ رعشات في الثانية", تلاحظ على وجه الخصوص في الأصابع والساعدين وجفني العينيني واللسان, ويمكن للمريض أن يتحكم مؤقتًا في هذه الارتعاشات إلى حَدِّ أنه يستطيع القيام بأداء المهام التي تتطلب التأزر العضلي الدقيق، إلّا أنه سرعان ما تعود الارتعاشات إلى الظهور، وقد يتطور ذلك إلى نوعٍ من الشلل الرعاش مع عجز عن إصدار الحركات الإرادية. وقد يعاني المسن المصاب بهذا المرض من صعوبة التركيز الذهني، كما قد تبدأ الذاكرة في التدهور, ويظهر الخلل العقلي في نسبة تمتد بين ٢٥ % إلى ٨٠% من هؤلاء المرضى، وقد يتحول إلى اكتئاب شديد, وإذا لم يعالج المرض فإنه قد يؤدي إلى العجز الكلي خلال خمس سنوات. ولم يحدد العلماء بعد سببًا واضحًا محددًا لهذا المرض، واقترحت في هذا الصدد أسباب كثيرة من فيروسات خاصة به, وحدوث التهابات المخ وغيره، إلّا

стр. 701

أن هناك أدلة توحي بأهمية نقص أحد الناقلات العصبية, وهو إنزيم الدوبامين dopamine في إحداث المرض, فقد وجد الباحثون أن مرضى باركنسون يفقدون الخلايا العصبية في منطقة بالمخ تُسَمَّى substance migra, وهي منطقة صغيرة على كلٍّ من جانبي المخ تنتج إنزيم الدوبامين, كما لوحظ أيضًا أن بعض العقاقير التي تعالج الذهان بخفض نشاط الدوبامين، قد تكون لها آثار جانبية في صورة ارتعاشات من النوع الملاحظ في مرضى باركنسون, وبالإضافة إلى ذلك فإن زيادة مقدار الدوبامين في الدم من خلال عقار يُسَمَّى Levadopa, والذي يستخدمه الجسم في إنتاج هذا الإنزيم، تؤدي إلى النجاح مع بعض المصابين بهذا المرض. وعلى الرغم من أن ذلك لا يؤدي إلى العلاج إلّا أنه يؤدي إلى خفض أو إزالة الأعراض على نحوٍ يسمح للمريض بالعودة إلى النشاط المعتاد. د- مرض بك: مرض بك Pick's disease, الذي ينسب إلى الطبيب التشيكي أرنولد بك، اكتشف لأول مرة عام ١٨٩٢, وهو من الاضطرابات المعرفية النادرة الحدوث, وتشبه أعراضه مرض الزهيمر مع اختلافٍ جوهريٍّ بينهما, يتمثل في أن التغيرات الأولية التي تطرأ على شخصية المصابين بمرض بك وحالتهم الانفعالية والوجدانية قد تكون أحد وأشد، وقد لوحظ من تشريح مخ مرضى بك بعد وفاتهم أنه يختلف عن مخ مرضى الزهيمر، ومعنى ذلك أنهما مرضان مختلفان, إلّا أن البحوث الراهنة لم تقدم بعد توصيفًا كاملًا للمرض الأول, بينما تتوافر حول المرض الثاني "الزهيمر" أدلة كثيرة كما بينا من قبل. هـ: مرض جاكوب -كرتزفلت: يوجد مرض آخر أكثر ندرة من المرض السابق "يوجد بنسبة واحد في المليون من الحالات التي تكتشف سنويًّا" هو مرض جاكوب -كرتزفلت Jacob- Creutzefldt, نسبةً إلى العالمين اللذين اكتشفاه في وقت متقارب بين عامي ١٩٢٠، ١٩٢١, وأعراضه تشبه كلًّا من مرضى بك والزهيمر، إلّا أنه يختلف عنها في أنه لا يظهر عادةً إلّا خلال الفترة بين ٥٥، ٧٥ سنة، كما يختلف عنهما أيضًا في أن أسبابه ترجع إلى فيروس بطيء الأثر, يظل خاملًا في الجسم لسنوات طويلة إلّا أنه حين ينشط يصبح مدمرًا؛ فقد ثبت تجريبيًّا أن هذا المرض يقبل الانتقال من حيوان إلى آخر، ومن الإنسان إلى الحيوان، ومن إنسان

стр. 702

إلى آخر, أي: أنه من الأمراض المعدية١. وتتوقف حدة الخرف المصاحب لهذا المرض على مقدار السرعة في فقدان خلايا المخ من ناحية، وعلى تدهور الموارد العقلية والوجدانية للمسن من ناحيةٍ أخرى، وعلى تعقد البيئة المحيطة به وعدم حدبها عليه من ناحيةٍ ثالثة, وقد تأكَّدَ أنه حين ينشط فيروس هذا المرض فإنه يؤدي إلى خرف عنيف سريع مصحوب بتشنجات عضلية وتحولاتٍ شديدة نحو البطء في النشاط والحركة. و مرض كوريا: يمكن للاضطرابات المعرفية أن تصاحب أمراضًا أخرى تظهر في طور أرذل العمر، ومن ذلك المرض المعروف باسم كوريا, والمنسوب لمكتشفه هنتنجتون Huntington نسبة إلى الطبيب الأمريكي جورج سمنر هنتنجتون الذي اكتشفه عام ١٨٧٢, ويُسَمَّى أحيانًا بمرض وودي جاثري Woddy Guthrie, نسبة إلى المغني الفولكلوري الأمريكي الذي مات به, وتوجد أدلة على أن سببه الرئيسي وراثي نتيجةً لوجود أحد المورثات "الجينات" السائدة المسئولة عنه، وهو قابل للانتقال عبر الأجيال "فقد أصيب به نجل وودي جاثري أيضًا"، واحتمال وراثيته ٠.٥، وتظهر أعراضه عادةً في طور منتصف العمر، وتشمل تغيرًا في الشخصية والنواحي المزاجية، وتدهورًا في القدرات العقلية والمعرفية، مع ظهور بعض الأعراض الذهانية، واضطرابات حركية, كما قد تظهر التقلصات اللاإرادية في العضلات, والتي تتحول إلى حركات حادةٍ يستحيل التحكم فيها في الرأس والأطراف والجذع، مع ظهور أعراض خرف الشيخوخة الملازم للأمراض الأخرى, وخاصةً مرض الزهيمر، إلّا أن الفرق بينهما أن مرض بك يرتبط بتغيرات مختلفة في أنسجة المخ, كما كشفت عنها مرةً أخرى الأدلة التشريحية بعد الوفاة. كيف يتحول المسنون إلى طور أرذل العمر؟ من وصفنا السابق للمعالم البارزة لطور أرذل العمر يتضح أنه يتسم -كطور ختامي للحياة -بالتدهور الخطير من الناحيتين السلوكية والفسيولوجية جميعًا، كما يتضح أن التحول لهذا الطور عملية معقدة لا تنتج عن محض الفقدان الكبير في الخلايا العصبية, أو الانسداد في الأوعية الدموية للمخ, أو نقص في معدل

стр. 703

الأيض في الجهاز العصبي المركزي، وإنما هي نتاج تفاعل بين العوامل الداخلية في الجسم الإنساني للمسنين والعوامل الخارجية التي تتمثل في الظروف البيئية والاجتماعية المحيطة بهم "Finch, ١٩٨٦". لقد توافرت أدلة كثيرة خلال السنوات الأخيرة تؤكد لنا أن الفقد في الخلايا العصبية متوسط في معدله على المدى العادي لحياة الثدييات بصفة عامة، كما أن بعض مظاهر النقص الخطير في هذه الخلايا بالإضافة إلى تدهور الأيض المخي قد يظهران في بعض الحالات التي تنشأ قبل مرحلة الشيخوخة ذاتها, ومن أمثلة ذلك مرض الزهيمر وخبل الاحتشاء المتعدد اللذان قد يظهران في أطوار مبكرة من حياة الإنسان كما بينا, صحيح أن هذه الاضطرابات تزداد على نحوٍ أكبر في مرحلة الشيخوخة، إلّا أن آثارها يجب أن تتميز عن التغيرات المخية العادية التي تطرأ على المسنين من ذوي الشيخوخة العادية؛ فالشيوخ العاديون "الذين لم يدخلوا بعد طور أرذل العمر" لا يظهر لديهم نقص شديد في الخلايا العصبية إلّا في مناطق محدودة من المخ "Terry & Greson, ١٩٧٦". ومع ذلك فإن الشيخوخة العادية ليست بلا حدود, لقد أكدت البحوث الحديثة "Gottfries, ١٩٨٦" أن هناك قدرًا كبيرًا من التشابه في التغيرات البنيوية والبيوكيمائية في المخ بين المسنين من نمط "الشيخوخة العادية" الذين يتقدمون كثيرًا في السن, وأولئك الذين يعانون من الاضطرابات السابقة التي يتصف بها من يدخلون بالفعل طور أرذل العمر "ما تتمثل في أنواع الاضطرابات الوظيفية والعضوية التي تناولنها" ولعل هذا ما دفع بعض العلماء المعاصرين إلى اقتراح أحد الفروض الذي لا يزال في حاجة إلى أدلة حاسمة, وهو أن عملية الشيخوخة العادية إذا تآزرت معها عوامل بيئية سلبية, قد تؤدي إلى ظهور أعراض الخبل والخرف التي تميز طور أرذل العمر. وبالطبع فإن البيئة السلبية تؤثر في الإنسان في مختلف مراحل عمره، وقد عرضنا أمثلة لذلك طوال الفصول السابقة من هذا الكتاب, إلّا أن أثرها الخطير في هذا الطور الذي يتمثل في ظهور صور التدهور والاضطراب التي تناولناها في هذا الفصل يعني أن الشيخوخة المتأخرة تحمل درجات متفاوتة من خصائص أرذل العمر, وقد عرض "Finch, ١٩٨٦" بالتفصيل للتغيرات البنيوية والفسيولوجية والبيوكيميائية التي تطرأ على المخ الإنساني نتيجة لمحض التقدم في السن، حتى إنه ليبدو لنا أن التحول إلى طور أرذل العمر مرحلة لا بُدَّ أن يصل إليها من يعيشون

стр. 704

طويلًا, حتى ولو لم يتعرضوا للإصابة بمرض مخي خطير من الأنواع التي تناولناها آنفًا. صحيح أن المعالم السلوكية للتدهور لدى المسنين العاديين الذين يبلغون هذا لطور قد لا تكون خطيرة وحادة كما هو الحال لدى المسنين المرضى، إلّا أنهم -على نحوٍ أو آخر- لا بُدَّ أن يبلغوا أرذل العمر، ولو بدرجة أقل حدة. فهذه سنة الله في نمو الإنسان.

стр. 705

الفصل الثاني والعشرون: رعاية المسنين مدخل ... الفصل الثاني والعشرون: رعاية المسنين يتناول الفصل الأخير من هذا الكتاب موضوع رعاية المسنين، ومن المظاهر الرئيسية لهذه الرعاية ثلاثة على وجه الخصوص, وهي التعليم والتدخل العلاجي ومؤسسات الإيواء، وقبل أن نتناول هذه الموضوعات نشير إلى أنه يوجد تخصص مهني مستقل يهتم بشكل مباشر بحاجات المسنين وهو علم الإعمار Gerentology, كما توجد في مجالات علم النفس وعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية والطب والتمريض وطب الأمراض العقلية اهتمامات بهذه المرحلة من نموِّ الإنسان, تقدم تدريبًا للمتخصصين في هذه الميادين على تقديم خدمات مباشرة للمسنين, ويشهد علم البيولوجيا والفسيولوجيا حاجات متزايدة للبحث في الميكانيزمات الأساسية لعملية التقدم في العمر, كما يشهد علم الأنثروبولوجيا اهتمامًا بدراسة آثار الاختلافات الثقافية على هذه العلمية، سواءً بين الثقافات المختلفة أو بين الثقافات الفرعية داخل المجتمع الواحد, بل إن مجالات معينة مثل العمارة والهندسة تشهد تحديات كبرى لبناء بنئات متحررة من الحواجز, وتصميم بيوت, ووسائل انتقال ملائمة للمسنين, وفي علم السياسة والتاريخ والأدب والمسرح والفنون والموسيقى "إذا شئنا ذكر بعض الأمثلة أقل وضوحًا" توجد درسات هامة أو تطبيقات تنتظر التنفيذ حول المسنين أيضًا, ومن الأمثلة التي نذكرها في هذا الصدد: كيف كانت ترسم الأفلام الأشخاص المتقدمين في العمر وكيف ترسمهم الآن؟ ما هي الرموز الدالة على التقدم في السن في الأدب والفن الحديثين؟ وما هي دلالات الرمزية فيهما؟ لقد شهدت أواخر القرن العشرين ظهور عدد من برامج التدريب والبحث في ميدان الشيخوخة والتقدم في السن, والتي تدعمت في عدد من الجامعات, وقد اتخذت هذه البرامج صورًا مختلفة، ومنها ما تقدمه المجالات الأكاديمية المتخصصة في مجال معينٍ؛ كالطب وعلم النفس وعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية، ومنها ما يتخذ صورة البرامج المشتركة التخصصات, والتي تجمع بين عدة مجالات في
следующие страницы →