← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11741

الأصلان في علوم القرآن

محمد عبد المنعم القيعي

Полный текст (393 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وفي الحديث: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها".. وفيما يُرْوَى: يأهل القرآن، لا توسدوا القرآن، واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار وأفشوه، وتدبروا ما فيه لعلكم تفلحون.. ولا يفقه مَن قرأ القرآن في أقل من ثلاث ليالٍ.. وهذا القدر هو أقصى ما يستطاع إذا التزمنا بحقوق الأداء.. وأرى أن مَن تكثر مشاغله، عليه أن يقرأه في كل شهر مرة، فإن مر عام ولم يقرأه المسلم مرة واحدة اعتبر هاجرًا للقرآن.. ونسيان ما كان قد حفظ من القرآن يعد من أكبر الذنوب، وفي الصحيحين: "تعهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عُقُلِهَا". ويستحب أن تكون القراءة على وضوء، مستقبلًا بها القبلة؛ لأنها عبادة. وفيما يُروى: إن أفواهكم طرق للقرآن، فطيبوها بالسواك. عن ابن مسعود قال: "لا تنثروه نثر الدقل، ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هَمُّ أحدكم آخر السورة". فإذا مر القارئ بآية دعاء تضرع، وإن مر بآية عذاب تعوذ، وهكذا وردت الأحاديث الصحيحة. ويسن الاستماع والإنصات والدعاء عند الانتهاء من التلاوة.. وأما الاقتباس من القرآن في النثر والشعر، فالمختار أنه جائز بشرطين: أن يكون الاقتباس من غير ما نسبه الله إليه؛ نحو: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ ، لا يجوز أن ينسبها المقتبس إلى نفسه، وأن يكون بعيدًا عن الهزل..

стр. 107

والاقتباس أَخْذٌ من القرآن من غير إضافة: قال الله.. مثلًا.. وأما قراءة القرآن يراد بها الكلام العادي فممنوع، إلا إذا أراد أن يأنس بكلامه سبحانه، فلا بأس بذلك.. وقد وردت بعض الأحاديث الصحيحة في فضل بعض السور وبعض الآيات, وتلك الأحاديث تُعْنَى ببيان بعض الخصائص ولا تقتضي تفضيل شيء من القرآن على شيء، فالكل كلام الله؛ وإنما يتفاضل باعتبار ما يتيسر للمكلف فهمه، أو ما يتضمنه موضوع السورة أو الآية.. فالتوحيد مثلًا في سورة الإخلاص يختلف عن موضوع رد اعتداء أبي لهب بالذم له في سورة تبت يدا.. ومن العلماء من علل لبعض الأحاديث التي وردت في تفضيل بعض الآيات؛ كوصف آية الكرسي بالسيادة؛ لأنها اشتملت على التوحيد بمزيد من التفصيل، ففيها إثبات ذات الله، ثم تنزيهه، ثم بيان بعض الصفات الذاتية، ثم تنزيهه عن النقص، وإفراده بالملك والتصرف، وأنه ليس لأحد أن يلزمه بشيء، وإحاطة علمه، ومنحه العلم لمن يشاء، وسَعَة سلطانه.. ثم ختمها بالعلو عما يجول بالخواطر وبالعظمة التامة، وفي الخبر أن عمر بن الخطاب سأل جماعة فيهم عبد الله بن مسعود قائلًا: أي القرآن أعظم؟ فأجابه: آيه الكرسي، وأي القرآن أشمل؟ فأجابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية، وأي القرآن أجمع؟ فأجابه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ، وأي القرآن أحزن؟ فأجابه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ، وأي القرآن أرجى؟ فأجابه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ . وما في القرآن من آية أكثر تفويضًا من قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ . وأشد آية على أهل النار قوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ

стр. 108

إِلَّا عَذَابًا﴾ ، وأرجى آية لأهل التوحيد قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . وأشد آية على العلماء والحكام قوله: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ، وقوله: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ .. وفضائل القرآن وخواصه لا تنتهي، ويُروى: خذ من القرآن ما شئت لما شئت، مع المحافظة على قداسته ومقاصده. وبهذا ينتهي هذا الموضوع.

стр. 109

الموضوع الثامن: جَمْعُ القرآن ١ وتدوينه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: "قُبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جُمع في شيء". وقد كان القرآن كتب كله في عهد رسول الله ﷺ غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور. وإنما لم يجمع في العهد النبوي؛ لأن الوحي كان لم يزل. فإذا نزلت الآية أمر كتابه بتدوينها في الموضع الذي يختاره الله لها من السور. أضف إلى ذلك حفظ الصحابة له في صدورهم. فبه يصلون ويتعبدون، ومنه يتعلمون، وعليه يقيمون حياتهم العريضة في الدين والدنيا والآخرة. فلم تمضِ لحظة بعد وصوله إلى قلب النبي، فيبلغه إلا وهو مدون في السطور، محفوظ في الصدور، ولعظيم اهتمامه بذلك أرجأ كتابة أي شيء عنه من السُّنَّة إفساحًا لكتابة القرآن. قال الحاكم في المستدرك: "جُمع القرآن ثلاث مرات؛ إحداها: بحضرة النبي ﷺ ". ويعني هذا الجمع التدوين، ووضع الآيات التي تأخر نزولها في مكانها من السور. والجمع الثاني: كان في عهد أبي بكر. روى البخاري٢ في صحيحه عن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن

стр. 110

فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ، قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه؛ فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر. اهـ. ونستخلص من هذا الحديث الذي هو أصل هذا الباب ما يأتي: ١- الجمع في عهد الرسول وترتيب الآيات كان بتوقيف من النبي ﷺ . ٢- الراوي للجمعين هو زيد بن ثابت، الشاب العاقل الذي لم يتهم، والذى كان أحد كُتَّاب الوحي في عهد النبي ﷺ . ٣- كانت السور مفرقة عند الصحابة، فأراد الصديق بحكم المصلحة أن يفعل شيئًا بعد أن رأى القراء قد قُتل بعضهم، وفي هذا خطورة على القرآن، وكان معهودًا به إلى صدور القراء وصحفهم الخاصة. ٤- لم يكن أبو بكر منفردًا بتصرف الأمور وحده، فلما عرض عليه عمر وجهة نظره استدعى الصديق زيد بن ثابت؛ ليتعرف على رأيه. ٥- رأى زيد بن ثابت أن يستمسك باتباع النبي، وقد توفاه الله

стр. 111

وهو مكتفٍ بحفظ القرآن في صحف مفرَّقة، واستذكار الصحابة له، وأن أي إجراء بعد هذا -في رأي زيد- يعتبر مخالفة لما مات عنه النبي ﷺ . ٦- فقه عمر لمعنى الاتباع، وأنه واجب إذا استمر الحال على ما كان عليه. فإذا وجد المقتضى لتعديل شيء وانتفى المانع؛ كان التعديل هو رُوح الاتباع. ٧- اقتنع زيد واتفق الثلاثة على وضع الخطة لجمع القرآن، وأصدر الخليفة أمره إلى قوي أمين له خبرة فيما يناط به. ٨- أدرك زيد خطر المهمة التي نيطت به، ونفذ بجدارة وأمانة، وجمع القرآن من أهله، وروى ما صادفه في جمعه للآيتين من آخر سورة التوبة، مما يؤكد أمانته الكاملة. ٩- جمع زيد القرآن في مصحف واحد، ووضعه في أوثق يد، يد الحاكم المسئول عن رعيته، وكان المصحف يتحول إلى الحاكم الآخر، وظل كذلك ثلاثة عشر عامًا، وتلك المدة تؤكد إقرار المسلمين لما جمعه زيد في المصحف الموجود عند أبي بكر وعمر وحفصة أم المؤمنين وبنت عمر ﵄. ١٠- كان يعاون زيد في جمعه للقرآن خيرة الصحابة؛ من أمثال: سالم مولى حذيفة، وعمر بن الخطاب. وكان لا يكتب إلا إذا شهد عدلان أن ما يكتبه كُتب في حضرة النبي ﷺ وأقر كتابته. أما الآيتان من آخر التوبة، فإن من وجدتا عنده كانت شهادته بشهادة رجلين عدلين، كما أخبر عنه النبي ﷺ ، ولما جاء عمر بما نزل في رجم الزاني لم يدونه زيد؛ لأنه جاء به شاهد واحد. أما الجمع الثالث، فكان في عهد عثمان بن عفان ﵁. قال

стр. 112

الحاكم: والجمع الثالث هو ترتيب السور في زمن عثمان، روى البخاري١ عن أنس بن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: أَدْرِك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنه إنما نزل بلسانهم. ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق، قال زيد: ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ، فألحقناها في سورتها في المصحف. اهـ. ونستخلص من هذا الحديث ما يأتي: ١- وجوب إضافة أعمال أخرى إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، وتلك الإضافة من روح الاتباع. ٢- الاعتماد في الجمع الثالث كان على الصحف التي جُمعت في عهد الصديق. ٣- الإضافة في هذا الجمع كانت ترتيب السور، وجمع الناس على حرف واحد، ووضع رسم يحتمل اللهجات التي تنزل بها القرآن. ٤- أقر القرشيون الثلاثة ما كان قد جمعه زيد وإن اختلفوا معه في كيفية الكتابة، ورضي زيد أن يعدل رسمه إلى الرسم الموافق للسان قريش؛ لأنه نزل بلغتهم.

стр. 113

٥- وُزعت المصاحف على الأمصار، وأُلغيت الصحف الخاصة المكتوبة برسم خاص لا يعرفه إلا الكاتب وقبيلته، واعتبرت المصاحف العثمانية هي المرجع لكل المسلمين. ٦- الآية التي سقطت من سورة الأحزاب ووجدها زيد عند خزيمة الأنصاري كانت موجودة في مصحف الصديق وسقطت من النساخ في عهد عثمان، ودونت في مصحفه، والمصاحف التى وزعت على الأمصار سنة خمس وعشرين. ومعنى قول زيد: "فوجدتها عند خزيمة" أي: في الموضع الذي أراد أن يضعها فيه من سورة الأحزاب. ووجودها عند خزيمة في نفس الموضع الذي روى زيد سماعها من النبي ﷺ يؤكد دقة سماع زيد، ﵃ جميعًا. ومن هنا نتبين أن التدوين بدأ من عهد النبوة، وأن الجمع الثالث يختلف عن الجمع الثاني في أنه رتب السور وجمع الناس على رسم واحد يحتمل اللهجات العديدة، وكان كل جمع بحضور عدد يتأكد به التواتر ثم ينعقد الإجماع على ما فعلوه. ويقال: إن مصاحف عثمان أُرسلت إلى مكة، وإلى الشام، وإلى اليمن، وإلى البحرين، وإلى البصرة، وإلى الكوفة. وحبس بالمدينة واحدًا. وترتيب الآيات في السور توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه. عن عثمان بن عفان قال: كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: "ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا". اهـ. وكان ﵇ يقرأ السورة في الصلاة ويسمعها منه الصحابة، فلو لم تكن آياتها مرتبة، فكيف كان يقرأ؟

стр. 114

وأما ترتيب السور فباجتهاد موفق من الصحابة، وكان بعضهم كعلي بن أبي طالب يرتب السور مراعيًا تاريخ النزول إلى أن رتبها عثمان بذلك الترتيب. ومِن العلماء مَن جعل ترتيب السور توقيفيًّا. والمختار أن بعضها توقيفي والبعض الآخر اجتهادي؛ للروايات المتعارضة. ويؤخذ من تعدد الجمع وجوب مراعاة المصلحة كلما اقتضى الأمر ذلك؛ كتشكيل الحروف وتعجيم بعضها. وأما كتابة بعض الألفاظ على خلاف النطق أحيانًا، فإنه يرجع إلى اختلاف معاني أحوال الكلمات، وفي كثير من اللغات تُكتب حروف لا ينطق بها، والمطالبة بكتابة القرآن على النطق مخالفة للرسم العثماني فطمس لأثر نعتز به عن سلفنا الصالح الذين كانوا على دراية تامة بقواعد الهجاء. وأول مَن عرف الكتابة آدم ﵇، وأول مَن عرفة الكتابة العربية إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وكانت الكتابة غير مفرقة لا بين الكلمات ولا بين الحروف، ثم فرَّقها من بني إسماعيل: هميسع وقيذر. والكتابة في أرجح الأقوال توقيفية، وينحصر مخالفة الرسم العثماني للمألوف من الكتابة في ست قواعد: الحذف، والزيادة، والهمز، والبدل، والوصل، والفصل، وما فيه قراءتان كتب على أحدهما. وأما القراءات المختلفة المشهورة بزيادة لا يحتملها الرسم ونحوها؛ نحو: أوصى، ووصى، وتجري تحتها، ومن تحتها، وسيقولون الله، ولله، وما عملت أيديهم، وما عملته أيديهم. فكتابته على نحو قراءته، وكل ذلك وجد في مصاحف الإمام.

стр. 115

ويستحب كتابة المصحف وتحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها وتحقيق الخط دون مشقة. وعن ابن مسعود: "إن أحسن ما زين به المصحف تلاوته بالحق". وأول مَن نقط الحروف وشكَّلها في المصحف أبو الأسود الدؤلي بأمر عبد الملك بن مَرْوَان. وقيل: الحسن البصري ويحيى بن يعمر. وقيل: نصر بن عاصم الليثي. وأول مَن وضع الهمز والتشديد والروم والإشمام الخليل بن أحمد. ولا بأس بتحلية المصحف بالفضة. وفي الذهب خلاف. وبهذا ينتهي هذا الموضوع.

стр. 116

الموضوع التاسع: التفسير والمفسرون مدخل ... الموضوع التاسع: التفسير ١ والمفسرون فتفسير القرآن من أشرف العلوم؛ لشرف موضوعه، ومسيس الحاجة إليه، وغايته السامية؛ وهي الفوز برضوان الله. ويقع الخلاف بين المفسرين بالرأي؛ لنظرة كل منهم إلى معنى في المسمى. ويقع الخطأ في التفسير لأحد سبيين: إما الجمود: وذلك بالوقوف عند ظواهر الألفاظ، وإما الإسراف: فتنزل آيات القرآن على معنى يوافق هوى المفسر، مما سنعرض له بالتفصيل عند الكلام على المفسرين. وما ورد من آثار تذم التفسير بالرأي، فترجع إلى الأسباب الآتية: ١- كون المفسر لا علم له. ٢- لا يتناول المفسر في تفسيره إلا المتشابه من الآيات.

стр. 117

٣- إقامة التفسير على مذهب باطل. ٤- الاستحسان بالرأي والهوى. ٥- القطع فيما هو محتمل من غير دليل. ولا بد للمفسر من أن يخلص النية لله، وأن يكون القصد من التفسير محددًا واضحًا، فكلما كان كذلك دل على الكفاية العقلية لدى المفسر. والتفسير من الفسر وهو البيان والكشف. ويقال: هو مقلوب السفر تقول: أسفر الصبح إذا أضاء. وقيل: مأخوذ من التفسرة؛ وهي اسم لما يعرف به الطبيب المرض. فعلى الأول: لا يستطيع التفسير إلا من له حق البيان والقدرة عليه؛ وهو النبي وورثته العلماء من بعده. وعلى الثاني: يعرفه الزهاد الذين تجردوا من سيطرة الدنيا، والتزموا في تفسيرهم بالقواعد اللغوية والشرعية. وعلى الثالث: التفسير لله ولرسوله، وليس لأحد بعدهما. ولعل هذا هو التفسير بالمأثور. ومِن الناس مَن لم يفرق بين التفسير والتأويل، وقال الراغب: التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وأكثر ما يستعمل التأويل في الكتب الإلهية، والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها. اهـ. وقال أبو طالب الثعلبي: التفسير بيان وضع اللفظ إما حقيقة أو مجازًا؛ كتفسير الصراط بالطريق،

стр. 118

والصيب بالمطر. والتأويل: تفسير باطن اللفظ مأخوذ من الأول وهو الرجوع لعاقبة الأمور. فالتأويل: إخبار عن حقيقة المراد، والتفسير: إخبار عن دليل المراد؛ لأن اللفظ يكشف عن المراد والكاشف دليل، مثاله: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد﴾ تفسيره: أنه من الرصد، يقال رصدته: راقبته، والمرصاد مفعال منه، وتأويله: التحذير من التهاون في أمر الله والغفلة عن الأهمية والاستعداد للعرض عليه، وقواطع الأدلة تقتضي بيان المراد منه على خلاف وضع اللفظ في اللغة. اهـ. فأنت ترى أن التفسير يتعلق بمعرفة مدلول اللفظ، واستعماله في الحقيقة أو المجاز. والتأويل يتعلق بفَهْم المراد منه عن طريق معرفة الدليل على المراد، فلا تأويل على هذا إلا بعد التفسير. ولعل هذا هو الذي عناه النبي ﷺ من دعائه لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". وقال أبو حيان: النفسير: علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك. قال: فقولنا: علم: جنس. وقولنا: يعرف به ... إلخ، شامل للقراءات ومتن اللغة والصرف والحقيقة والمجاز. وأما قوله: وتتمات لذلك، أراد به علم أسباب النزول والناسخ والمنسوخ والقصص وغير ذلك مما يحتاج له المفسر. وعليه، فإنه يتعين على الذين يتعرضون لتفسير القرآن أن يبينوا مرادهم

стр. 119

بالتفسير، وأن يوضحوا مناهجهم فيه، وهل هم من طبقة المفسرين أو هم من علماء التأويل؟ مع الإفصاح عما يؤكد أهليتهم لما يتعرضون له. والناس يحتاجون إلى شروح للكلام الموجَّه إليهم، مع أنه يجب أن يراعي فيه المتكلم مقتضى الحال وعقلية المخاطب؛ إلا أنه يحتاج إلى مزيد من الإيضاح لكمال المؤلف ودقته. وأحيانًا يحتاج الناس إلى الشروح لغفلة المصنف عن ذكر بعض الجزئيات، وتارة يحتاجون لتردد اللفظ بين معانٍ عديدة يخفى تحديد المراد منها. هذا بالنسبة للكلام المحتاج إلى شرح وتفصيل أعم من أن يكون الكلام لله أو لغيره، كل بما يليق به، والغفلة على الله محالة. لذا فاحتياجنا لتفسير كلام الله يرجع إلى قصور فهم البعض منا عن إدراك المعاني الكثيرة من اللفظ الوجيز، أو تعيين المراد من اللفظ عند قيام أو ترجيح المراد بالأمارات. فمن أراد تفسير القرآن فعليه قبل كل شيء أن يصحح عقيدته ومقصده: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ وعليه ثانيًا أن يُحصِّل لنفسه وسائل البحث من أصول فقه، وعلم بأسباب النزول، وعلم بالسنة رواية ودراية، وعلم بالعربية لغة ونحوًا وصرفًا وبلاغة بفروعها، ثم ليبدأ بطلب التفسير من القرآن، فإن لم يجد فليطلب مراده من السنة. وهذان هما التفسير بالماثور. فإن لم يجد رجع إلى أقوال الصحابة، فهم أدرى بالتنزيل وأعرف بالمراد، فإن تكلموا فيما لا مجال للرأي فيه، فكلامهم من التفسير بالمأثور، وإلا فهو من التفسير بالرأي؛ لتصريح الصديق بذلك في قوله: أي سماء تظلني؟! وأي أرض تقلني؟! إن أنا قلت في كتاب الله برأيي.

стр. 120

ولا شك أن الآراء تتفاوت بتفاوت علم أصحابها وأمانتهم. ورأي الصحابة لنا خير من رأينا لأنفسنا. فإن تعارضت الآراء جُمع بينها إن أمكن، وإلا لجأنا إلى الترجيح بالأمارات. فإن لم يكن توقفنا، والتوقف خير من الإسقاط. وأؤكد هنا أن الاختلاف قليل جدًّا في الصدر الأول. وكلما مضى الزمان اتسعت هوته بتنوع المآرب وتعدد النوايا. ومن المقطوع به أنه لا خلاف بين طلاب الحق، وإن بدا شيء من ذلك، فهو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك كالاختلاف في اللفظ المشترك والمتواطئ، وتقارب العبارات في التعبير، وتناول بعض الأفراد من العام وتعدد الأسماء وغير ذلك مما لا تعارض فيه في الحقيقة. والمنقول إما مأثور صحيح النسبة والدلالة، وهذا لا خلاف في وجوب تقبله. فإن تنوع النقل فيه كان التنوع دليلًا على عدم صحته، وهو مما لا فائدة فيه؛ كاختلاف النقل عن لون كلب أصحاب الكهف، واسم الغلام الذي قتله الخضر. أما إذا كان المنقول هو الرأي، فيجب على المفسر أن يتحرى أولًا صحة نسبته إلى قائله، وأن يزنه ثانيًا بالميزان الصحيح من النقل والعقل. وليعلم ثالثًا أن المتعرضين للتفسير بالرأي، منهم مَن اعتقد معنى في ذهنه ونزل عليها ألفاظ القرآن، ومنهم مَن أعمل اللفظ وصرف النظر عن المتكلم به وعن السياق الذي جاء باللفظ من أجله. والأولون صنفان: تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يُرَدْ به.

стр. 121

وفي كلا الأمرين، قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلًا، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول؛ وذلك كتفسير بعض المعتزلة وأدعياء التصوف، الذين اعتقدوا معاني في أذهانهم، ثم نزلوا عليها ألفاظ القرآن. ومن الإنصاف أن نتعرف على الناس بالحق ولا نعرف الحق بالرجال. فالمعول عليه هو الدليل الصحيح بصرف النظر عن نوعية المستدل به. والطريقة المثلى في التفسير الرجوع إلى كلام الله، ورسوله، وأصحابه من بعده، واللغة العربية التي هي لسان القرآن، وفقه مقتضى الألفاظ الذي يحصل بمعرفة عظمة المتكلم، ومعرفة السياق، وعدم مجافاة قواعد الدين المتفق عليها. قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ وقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ وفي الحديث: "من فسر القرآن برأيه فليتبوا مقعده من النار" يريد: الرأي الذى لا سند له من علم، وقد قال ﷺ : "القرآن ذلول ذو وجوه، فاحملوه على أحسن وجوهه". وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدًا، فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعليهم اعتماد الشواهد والدلائل فيما يختارون دون مجرد الرأي. فإن كان أحد المعنيين أظهر، وجب الحمل عليه، إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو الخفي. وإن استويا، والاستعمال فيهما حقيقة؛ لكن في أحدهما حقيقة لغوية أو عرفية، وفي الآخر شرعية، فالحمل على الشرعية أولى؛ إلا أن يدل دليل على إرادة اللغوية كما في: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ . ولو كان في أحدهما عرفية والآخر لغوية، فالحمل على العرفية أولى. فإن تنافَى اجتماعهما، ولم يمكن إرادتهما باللفظ الواحد؛ كالقرء

стр. 122

للحيض والطهر، اجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه. فما ظنه فهو مراد الله تعالى في حقه. وإن لم يظهر له شيء، فهل يتوقف أو يأخذ بالأغلظ أو يأخذ بالأخف؟ والتوقف أحب إليَّ. والأصل أن١ النصوص القرآنية تُحمل على ظواهرها, ولا يعدل عن ذلك إذا تعذر الحمل على الظاهر وبقرينة. وأما إلغاء ظواهرها وادعاء بواطن لها تخالف الظاهر، فكفر صريح٢. نعم! وفي الحديث: "إن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، وحدًّا ومطلعًا". وهذا كله لا يخالف بعضه بعضًا. فإذا قيل: إن تحت كلمات القرآن أسرارًا لا تعارض ظواهرها، إلا أنها أعمق، قبلنا ذلك؛ حيث لا تعارض بين الباطن والظاهر: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ . ويختص الراسخون في العلم بمعرفة ما يأتي: ١- ما يضر ذكره بأكثر المستمعين كالإفصاح عن الآجال، وقد فهم ابن عباس ﵄ نعي النبي ﷺ للأمة بقول الله جل شأنه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ . ٢- ما يدق فهمه ويصعب إدراكه على العامة؛ كالحديث عن الروح في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ وقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ .

стр. 123

٣- إدراك التفاصيل من الكلام العام؛ كآية الوضوء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ . فَهِمَ الأئمة -رضوان الله عليهم- وجوب الترتيب لتوسط الممسوح؛ وهو الرأس بين مغسولين: اليد، والرجل. وفهموا الفرق بين الكعبين في الرجل والمرفقين في اليد؛ لأن اليد مشترك بين المفصل والمرفق والمنكب، ولا كذلك الرجل. ٤- فهم المجازات والاستعارات والكنايات؛ من نحو قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ وقوله: ﴿اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ وقوله: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ . ٥- التعبير بلسان الحال عن لسان المقال؛ مثل قوله عن السماوات والأرض: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ . وكل كائن إما دال بنفسه وإما دال مستدل؛ كالإنسان، فإنه دال على وجود الله، ومستدل بما يراه على وجوده سبحانه. أما الأرض وكل ما يستدل من جماد ونبات وحيوان لا ينطق، فهو بنفسه دال على وجود خالقه. وقد قيل: سل الأرض، فإن لم تجبك اختيارًا أجابتك اعتبارًا. فعلى المفسر أن يلتزم بما يأتي: ١- معرفة سبب النزول. ٢- معرفة المناسبة. ٣- تحليل النص. ٤- معرفة الحكمة إن كان النص في حكم تشريعي. ٥- فهم السياق، فمن طلب المعاني من الألفاظ فقد أهلك نفسه.

стр. 124

وإنما الواجب أن يستقر المعنى ثم يعبر عنه باللفظ؛ ذلك أن مراتب الوجود أربع: ١- وجود الشيء في نفسه؛ وهو الحقيقة. ٢- مثله في الذهن؛ وهو العلم والمعنى. ٣- الوجود اللفظي المعبَّر به عما يستعر في النفس. ٤- الوجود الكتابي لمن لم تمكن مشافهته. طبقات المفسرين ومدارسهم: والمفسرون طبقات: أعلاها: طبقة الصحابة، وأشهرهم في التفسير: ابن عباس؛ لكن الطرق إليه مشتبهة، وقلما تصح النسبة إليه. ويليه علي بن أبي طالب، وهو مثله في كثرة الافتراء عليه من الجهلة والمتخرصين. ويليهما عبد الله بن مسعود. ثم طبقة التابعين الذين أقاموا ثلاث مدارس في مكة، وعلى رأس مدرستها مجاهد.. وفي المدينة وعلى رأس مدرستها زيد بن أسلم.. وبالكوفة تلاميذ ابن مسعود. ويلي ذلك طبقة أتباع التابعين ومَن بعدهم. وكانت كل هذه التفاسير تذكر بأسانيدها، ثم ظهر مفسرون حذفوا الأسانيد وقالوا: ما الخطأ فيه أكثر من الصواب؛ كتفاسير أصحاب الفِرَق والمذاهب للسلف الصالح. وقد ورد تفسير مأثور لبعض الآيات، الصحيح منه قليل، والباقي يجب التحري لمعرفة مدى صحته. ومن أوثق الكتب لذلك تفسير العلامة ابن كثير.

стр. 125

منزلة التفسير: إذا كان الكلام يستمد قيمته من قيمة موضوعه، فتفسير القرآن من أجلِّ العلوم وأنفعها. وكلام الله في نفسه مبين، ميسر لكل طالب له إلمام بمتن اللغة فيما يتعلق بالألفاظ التي تبدو غريبة على المستعجمين ممن يعرفون العربية، وقد لا تزيد عن مائة لفظ. بيد أن تراكيب الجمل فيها، وقابليتها لأكثر من احتمال؛ لما تمتاز به من عموم ومرونة، حتما أن يكون للقرآن تفسير، يعبر فيه المفسِّر عما انقدح في ذهنه، ولا يعني أن ماذهب إليه سُنَّة صحيحة عن النبي ﷺ . وقد قال الإمام أحمد: ثلاثة أشياء لا أصل لها: التفسير، والمغازي، والملاحم. ذلك أن أهل السير وأصحاب الأخبار، أدخلوا أشياء في التفسير لا صلة لها به. وكذلك أدخلوا في السير كثيرًا من الأخبار الشاذة التي أثبت الواقع كذبها. وإذا كان مدلول الخبر مستحيلًا، أو لا يتفق مع العصر الذى نُقل فيه؛ كان باطلًا. ويعني ﵀: أنها لا تعتمد على حجج قاطعة؛ إلا ما أُثر عن النبي ﷺ ، وهو قليل بالنسبة لما ينسب إليه، أو إلى ابن عباس وعلي وغيرهما. ولما غلبت العجمة علينا أصبح التفسير ضرورة في حياتنا. قال الراغب الأصفهاني: إن أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن وتأويله؛ وذلك لأن الصناعة إنما تشرف بشرف موضوعاتها، أو بشرف أغراضها، وصناعة التفسير قد تحقق لها الشرف في الموضوع؛

стр. 126

لأن موضوعها كلام الله تعالى، الذي هو ينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضيلة، وتحقق لها شرف الصورة؛ لأن صورته إظهار المكنون في القرآن من أسرار أودعها الله فيه، وتحقق لها شرف الغرض؛ لأن مقصدها التمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والوصول إلى السعادة الحقيقية التى لا فناء لها. وكل كمال ديني أو دنيوي، عاجل أو آجل، مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى. قال ابن مسعود: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن". ولا بد من العلم قبل العمل: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ .. فقوله: ﴿مُبَارَكٌ﴾ أي: كثير الخير والمنافع؛ كالشجرة الطيبة تؤتي أكلها كل حين بأذن ربها لمن يستظل بها، وتتشوف نفسه لثمارها. وتدبر الآيات مطلوب شرعي، ولا يكون التدبر بغير فهم ولا فهم إلا بعد تفسير.. وقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ فيه لمحة إلى موافقة القرآن للفطرة الإنسانية، وما هو مركوز فيها قبل أن تشوهها أخطار البيئة ومخلفات الوراثة، وتركات الأجيال المريضة في منكر أصبح في صورة المعروف. وفي القرآن نبأ ما قبلنا وخبر ما بعدنا وحكم ما بيننا ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ . وعلى مقدار ما يُعطى المفسر من توفيق الله يكون تأثيره في نفس قرائه وسامعيه.

стр. 127

ويقول ابن كثير في مقدمة تفسيره: فالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله، وتفسير ذلك وطلبه، وتعلم ذلك وتعليمه؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ١. وما أقبح لحامل القرآن أن يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب، وهو لا يفهم ما يتلو! فكيف يعمل بما لا يفهم معناه؟ قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ وما أقبح أن يُسأل عن فقه ما يتلوه فلا يدريه، فما مثل من هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفارًا!! ذلك لأن القرآن كما هو مطلوب تلاوته، كذلك مطلوب تفهمه للعمل به.. قال إياس بن معاوية: "مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلًا، وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم روعة، ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرءوا ما في الكتاب". ومما تسيء المسلم رؤيته أن يرى بعض حملة القرآن وهم يرددونه ينشغلون بإعجاب الناس، فيخرجون عن تلاوته حق التلاوة، أوينزلون بألفاظه عن منازلها. "ولقد انصرف شيخ الإسلام ابن تيمية عندما سمع قارئًا كان يقرأ في مأتم مَن يُدعى يوسف، سمعه وهو يقول: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ فقال: هذا نياح بالقرآن".. ومما يندى الجبين له أن نرى لأناس تفاسير ليس بها إلا التعبير عن هوى مأخوذ، ورأي ساقط، لا علم لأصحابها بسُنَّة، ولا دراية لهم بلغة، وكل ما أهلهم لذلك دراسات لا صلة لها بالدين، وجرأة على كلام أحكم الحاكمين.

стр. 128

طرائق التفسير: أ- طريقة أهل السنة: أساس هذه الطريقة الاعتماد على ما جاء عن الله، ثم ما جاء عن الرسول ﷺ ثم جاء عن الصحابة, وما سوى ذلك يجتهد المفسر فيه، وهو من التفسير بالرأي الذي قد يخطئ صاحبه ويصيب.. أما الاعتماد على ما جاء عن الله فمسلم؛ لأنه هو الأعلم بمراده، وقد قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ .. وأما ما جاء عن الرسول ﷺ وثبت نسبته له، فلا خلاف في تقبله؛ إذ من وظيفته البيان؛ كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ . وأما ما نُقل عن الصحابة، فمن العلماء من قبله مطلقًا؛ لأنهم أدرى بالتنزيل وأخوف من الله. ومن العلماء من قبل عن الصحابة ما لا مجال للرأي فيه؛ كأسباب النزول، والحديث عن الغيبيات، وتوقف فيما نُسب للصحابة وللعقل فيه مجال؛ لأنهم إنما يتكلمون في هذا برأيهم، وقد ينقلونه عن غيرهم من مسلمة أهل الكتاب الذين نقلوه بدورهم عن كتبهم المشكوك في صحتها.. وما أظن أن يختلف سني في تقبل ما نُقل عن الصحابة، متى سَلِمَ من الشذوذ والعلل القادحة فيه؛ فهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ .

стр. 129

وقد شهد الله لهم بالصدق في قوله من سورة الحشر: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ .. وشهد لهم بالفلاح. ولا يرد قول صادق فضلًا عن الصحابة رضوان الله عليهم.. ب- طريقة المعتزلة: وأساس هذه الطريقة الاعتماد على العقل، فإن وافقه النقل قُبل، وإن عارضه أُوِّلَ النقل مما يتفق مع العقل، وقد ظهرت هذه الطريقة في العصر العباسي وقت أن اختلط المسلمون بغيرهم، ونشروا طريقتهم تلك في كتبهم؛ ترويجًا لمذهبهم الاعتزالي. ونحن لا ننازعهم أن العقل هو المخاطب بالنصوص؛ لكن ننازعهم في ردهم ظاهر المنقول وتأويله، حتى يتلاقى مع المعقول؛ إذ العقل مأمور لا آمر، مطالب بالإيمان كما هو مطالب بالتعقل، وله حدود يجب أن يقف عندها خصوصًا في المسائل الغيبية؛ كرؤية الله، واتخاذه إبراهيم خليلًا. ج- طريقة الصوفية: حاول الصوفية منذ أقدم العصور أن يجدوا لمبادئهم مستندًا من النصوص القرآنية، وأن يتخذوا من القرآن عمدة في تأييد خطتهم وطريقهم. والصوفية يرون أن النص القرآني تحتجب وراء دلالته اللفظية أفكار عميقة ومعانٍ دقيقة، ويرون أن المعنى الحقيقي للتنزيل الإلهي لا يتناهى عند هذه البسائط البادية من ظاهره. وأن هناك معنًى ظاهرًا ومعنًى باطنًا،

стр. 130

وأن الأهم هو المعنى الباطن؛ ولذلك يقول ناصر الدين خسرو: "تفسير النص بالظاهر هو بدن العقيدة، بيد أن التفسير الأعمق يحل محل الروح، وأنَّى يحيا بدن بلا روح! ... ". وهم يقولون بعلم الإشارة؛ وهو علم ما في القرآن من أسرار عن طريق العمل به، ويسمون هذا مذهب أهل الصفوة في المستنبطات الصحيحة في فهم القرآن.. والصوفية أيضًا يقولون بأن تحت كل حرف من حروف القرآن كثيرًا من الفهم، وهو مذخور لأهله على قدر ما قسم لهم من ذلك١، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ .. وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ . وقالوا: إن معنى ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من شيء من علم الدين، وعلم الأحوال التي بين الخلق وبين الله تعالى، وغير ذلك.. وإنما يصل الإنسان إلى ذلك إذا تدبر في القرآن وتفكر وتيقظ وأحضر قلبه عند تلاوته؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ . والمهم هنا حضور القلب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ .

стр. 131

وقال أبو سعيد الخراز: "كلما بدا حرف من الأحرف من كتاب الله على قدر قربك وحضورك عنده، فله مشرب وفهم غير مخرج الفهم الآخر. وإذا سمعت بقوله ﴿الم، ذَلِكَ﴾ فللألف علم يظهر في الفهم غير ما يظهر اللام. وعلى قدر المحبة وصفاء الفكر ووجود القرب يقع التفاوت في الفهم". اهـ. وجاء في اللمع أن سهل بن عبد الله قال: "لو أعطي العبد لكل حرف من القرآن ألف فهم لما بلغ نهاية ما جعل الله في آية في كتاب الله تعالى من الفهم؛ لأنه كلام الله وصفته". وكما أنه ليس لله نهاية، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه؛ وإنما يفهمون على مقدار ما يفتح الله تعالى على قلوب أوليائه من فهم كلامه، وكلام الله غير مخلوق، فلا تبلغ إلى نهاية الفهم فيه فهوم الخلق. والصوفية يقررون أن طريق الفهم العميق للقرآن الكريم مفتاحه العمل بالقرآن؛ ولذلك يقول أبو سعيد: أول الفهم لكتاب الله تعالى العمل به؛ لأن فيه العلم والفهم والاستنباط. وأول الفهم: إلقاء السمع والمشاهدة؛ لقوله : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ . وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ . ويرون أن الذين تنكشف لهم الخزائن المذخورة تحت كل آية؛ بل تحت كل حرف في القرآن الكريم؛ إنما هم الراسخون في العلم، الذين رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب وفي سر السر، يعرفهم ما عرفهم وأراد منهم من مقتضى الآيات ما لم يرد من غيرهم، وخاضوا في بحر العلم بالفهم لطلب

стр. 132

الزيادات، فانكشف لهم من مذخور الخزائن والمخزون تحت كل حرف وآية، فاستخرجوا الدر والجوهر ونطقوا بالحكم.. وقد شغل فريق من الصوفية أنفسهم بتفسير الحروف في القرآن الكريم؛ ومن أمثلة ذلك ما ذكره الطوسي من أن جميع ما أدركته العلوم ولحقته الفهوم -ما عبر عنه وما أشير إليه- مستنبط من حرفين، ومن أول كتاب الله؛ وهو قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ؛ لأن معناه: بالله ولله. والإشارة في ذلك أن جميع ما أحاط به علوم الخلق وأدركته أفهامهم، فليست هي قائمة بذاتها؛ وإنما هي بالله قامت وله انتهت. وسئل بعضهم عن الإشارة في "الباء" من ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ فقال: أي: بالله قامت الأرواح والأجساد والحركات، لا بذواتها.. وقالوا: إن اسم الله الأعظم هو "الله"؛ لأنه إذا ذهب الألف يبقى "لله"، وإن ذهب اللام يبقى "له"، فلم تذهب الإشارة، وإن ذهب اللام الآخر بقي "هاء"، وجميع الأسرار في "الهاء"؛ لأن معناها: هو، وجميع الأسماء إذا ذهب عنه حرف ذهب معناه ولم يبقَ فيه موضع للإشارة، فمن أجل ذلك لا يسمى به غيره. والميزان لهذ الطرق يأتي في حديثنا عن أهم قواعد التفسير..

стр. 133

شروط المفسر ١: مفسر القرآن لا يبين كلام مخلوق حتى يُتسامح معه؛ وإنما يحاول بجهده أن يوضح المراد ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، والعلوم الأخرى تتقارب فيها العلماء وتدنو فيها الأفهام، أما علم التفسير، فالناس يتباينون فيه على قدر قربهم من الله وبُعْدِهم عنه، وعلى مقدار ما حصَّلوه من علوم، إتقانًا وفهمًا، وتوفيقًا وإخفاقًا. وفي نهاية المطاف يسلمون بعجزهم عن إدراك المراد كله، وكلام الله كامل، وليس الكمال من الدنيا ولا هو في طبيعتها ولا هو شيء يُدرك؛ ولكن من عظمة الكمال أن استمرار العمل له هو إدراكه. وكلام الله ورسوله قريب كالروح في جسمها البشري، بعيد كالروح في سرها الإلهي، فاض من لسان وراؤه قلب، وراؤه نور، وراؤه الله ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . وفي القرآن الحكيم لطائف وإشارات، تبدو للبعض وتخفى على البعض ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ . والقرآن بلسان عربي مبين. وأول ما يتعين على المفسر تحصيله علم اللغة؛ ليعرف به شرح المفردات ومدلولاتها بحسب الوضع، ولا يكفي في حقه معرفة اليسير من اللغة؛ فقد يكون اللفظ مشتركًا، وهو يعلم أحد معانيه ولا يعلم الباقي؛ بينما هو المراد، وقد قال مجاهد: "لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالمًا بلغات العرب".

стр. 134

والقرآن صفَّى اللغة من أكدارها، وأجراها في ظاهرها على بواطن أسرارها؛ فجاء بها في ماء الجمان أملأ من السحاب، وفي طراءة الخلق أجمل من الشباب. الثاني: النحو؛ لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب، فلا بد من معرفة وجوه الإعراب بعد فهم المعنى أولًا؛ إذ الإعراب فرع المعنى. وقد أخطأ قوم فجعلوا الإعراب هو الأصل ورتبوا عليه المعنى. فجانبهم الصواب، مثاله: عطفهم قوله تعالى "عن قوم شعيب": ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ . عطفوا ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ﴾ على ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾ ففسد المعنى، وصار التصرف في المال كما يشاءون مأمور به؛ لأنه معطوف على ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾ وهو مأمور به، مع أن التصرف منهي عنه، فهو معطوف على "ما" المعمول لنترك. وقد سئل الحسن عن الرجل يتعلم العربية، يلتمس بها حسن المنطق، ويقيم بها قراءته، فقال للسائل: "حسن فتعلمها؛ فإن الرجل يقرأ الآية فيعنى بوجهها فيهلك فيها".. والمراد بالعربية هنا الإعراب وهو النحو. ويقال: ما وُضعت قواعد النحو إلا للقضاء على شيوع اللحن، وسماع بعض القراء يقرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ بكسر اللام، نعوذ بالله من ذلك. الثالث: التصريف؛ إذ به يعرف المفسر أبنية الكلمات وموازينها وصيغتها، فإذا وجد كلمة مبهمة استطاع معرفة مادتها ومعناها، ومن جهل علم التصريف تعرَّض لأخطاء مضحكة في التفسير.

стр. 135

مثاله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع غلاف وهو الدعاء، وهذا ضعيف؛ لأنهم بذلك يمتدحون أنفسهم، مع أنهم يعتذرون بعدما قال الله لهم: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ . والصواب: أنه جمع أغلف وهو المغلق؛ ليوافق السياق. ومما يلحق بعلم التصريف علم الاشتقاق، وبه تعرف مادة الاسم المأخوذ منها ذلك الاسم مثل: لفظ التأويل، أهو من الأول وهو الرجوع، أو من الإيالة وهى السياسة؟.. وكذا قوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ جمع كنان؛ لكن أهو من أكن إذا أخفى، أو كن إذا حفظ ومنه: ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ . الرابع: علوم البلاغة الثلاثة: المعاني والبيان والبديع، فعن طريق المعاني يعرف المفسر خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى فمثلًا: حرف "لو" لو اقترن بالفعل أفاد التعليق؛ نحو: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ . ولو اقترن بالاسم أفاد التخصيص مع التعليق؛ نحو: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ . ولو اقترن بالحرف أفاد اللوم مع التخصيص والتعليق؛ نحو: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ . وبعلم البيان يعرف خواص التراكيب من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة على المعنى المراد أو خفائها؛ نحو قوله عن الشياطين: ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ .

стр. 136

وقوله سبحانه: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ، إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ . وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ . فتلك النصوص متفاوتة في الظهور والخفاء. والمصرَّح به يدركه العامي قبل أن يدرك المكنى عنه. وتستمتع الخاصة بالثاني أكثر من استمتاعها بالمصرح به. وبعلم البديع يعرف وجوه تحسين الكلام. الخامس: علم القراءات؛ فيه يعرف النطق بالقرآن، وعليه تتعدد المعاني، ومنه تتكاثر الوجوه نحو قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بإثبات المد وإسقاطه، فكل مَلِك مالك من غير عكس.. ولقد كانت القراءات الصحيحة وتعددها مصدرًا هامًّا لاستنباط الفقهاء منها أقوالهم. السادس: علم التوحيد؛ فيه يعرف المفسر كيف يحمل أسماء الله وصفاته، فلا يعطلها ولا يحرفها؛ وإنما يجريها كما أجراها سبحانه، مع اعتقاد أنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .. السابع: أصول الفقه١؛ وبه يستطيع المفسر أن يدرك وجه الاستدلال على الأحكام. الثامن: معرفة أسباب النزول؛ فإنه يعين على فهم المعنى٢.

стр. 137

واعلم أن من القرآن ما نزل ابتداء من غير سبب، ومنه ما نزل ليفصل في وقائع وقعت، والاشتغال بمعرفة ذلك من المهمات التي لها فوائد عديدة: ١- منها: معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم. ٢- ومنها تخصيص الحكم به عند مَن يرى أن العبرة بخصوص السبب. ٣- ومنها: أن اللفظ قد يكون عامًّا ويقوم الدليل على تخصيصه، فلا يتناول التخصيص صورة السبب. ٤- ومنها: الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال، فمثلًا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ . قد يفهم منه إباحة بعض المطعومات المحرمة ما دام المتناول تقيًّا مؤمنًا عاملًا للصالحات، فإذا عرف سبب النزول فُهم أنها نزلت لما سأل الصحابة عن مصير إخوانهم الذين ماتوا وكانوا يشربون الخمر وهي رجس ولم تكن قد حرمت؛ فأنزل الله الآية إشارة إلى أن مَن مات قبل التحريم فلا جناح عليه. وكذا قوله في الذين صلوا إلى بيت المقدس وماتوا قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، قال في قبول أعمالهم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . ٥- ومن فوائد معرفة أسباب النزول: دفع توهم الحصر؛ فمثلًا قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ .

стр. 138

ظاهر هذا حصر المحرمات في هذه الأمور، فإذا علم السبب وهو أن المشركين لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله وكانوا على المضادة والمحادة جاءت الآية مناقضة لغرضهم؛ فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه، نازلًا منزلة مَن يقول: لا تأكل اليوم حلاوة، فنقول: لا آكل اليوم إلا حلاوة. والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة؛ فكأنه قال: لا حرام إلا ما أحللتموه من هذه الأصناف، ولم يقصد حل ما وراءها أو تحريمه؛ بل هو مسكوت عنه حتى جاءت آيات تضيف أصنافًا أخرى إلى هذه المحرمات. ٦- ومن فوائد معرفة أسباب النزول: التعرف على الاسم الذي نزلت فيه وتعيين المبهم فيها؛ مثل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ هي خولة وزوجها سلمة بن الأكوع. التاسع: علم الحديث رواية ودراية، فبالرواية يعرف تقديم المأثور على الرأي، وبالدراية يعرف صحيح الحديث من سقيمه. العاشر: الناسخ والمنسوخ؛ ليعلم المفسر به الآيات المحكمة والآيات المنسوخة إذا وجدت. ولا بد للمفسر من تقوى الله قبل هذه الشروط العشرة، قال في البرهان: واعلم أنه لا يحصل الناظر فهم معاني الوحي، ولا يظهر له أسراره، وفي قلبه بدعة أو كبر أو هوى أو حب الدنيا، أو وهو مُصِرٌّ على ذنب، أو غير متحقق بالإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو يعتمد على قول مفسر ليس عنده علم أو راجع إلى معقوله، وهذه كلها حجب وموانع بعضها آكد من بعض. اهـ.

стр. 139

قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ . قال سفيان بن عيينة: "يقول: أنزع عنهم فهم القرآن". أما المجاهدون الذين طهرت صدورهم من الحقد، وبرئت نفوسهم من الشهوات، وتنزهت ميولهم عن خسيس المطامع، فلهم هذا الوعد الحسن من رب العباد ومجري الأرزاق: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .. ونُقل عن بعض السلف الإمساك عن القول في التفسير؛ لأنه قول عن الله، كما قد نقلت أقوال أخرى عنهم تدل على أقوالهم فيه، وهنا أربع مقامات تجمع بين امتناعهم وخوضهم: المقام الأول: القول بما لا علم لهم به، وهذا حرام اتفاقًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ . المقام الثاني: ما مست الحاجة إليه، وعند المفسر علم به، وهذا يحرم كتمانه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ .

стр. 140

المقام الثالث: ما كان الأمر فيه مشتبهًا على المفسر ويجب عليه التوقف لأنه ظان، والظن لا يُغني من الحق شيئًا، قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ . المقام الرابع: مَن يقول جزافًا فيصيب، وهذا حرام؛ لما رواه جندب أن رسول الله ﷺ قال: "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ". وعلى هذه المقامات، يمكنك الجمع بين الأقوال المتعارضة المنقولة عن السلف، وليس في القرآن شيء يستعصي على الفهم بوجه ما وإن خَفَتْ بعض الأوجه على كثير من العلماء، وقالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ .

стр. 141

مع المفسرين وكتبهم: مِن المفسرين مَن سلك طريقة الإجمال؛ للتيسير على الطالب؛ كما فعل الجلالان: السيوطي، والمحلي.. ومنهم مَن سلك المقارنات؛ للتوفير على الطالب الرجوع إلى هذه المراجع؛ كما فعل الجمل في حاشيته.. ومنهم مَن سلك طريقة التحليل؛ كمعظم الكتب التي في أيدينا، ومعظمها ينقل بعضها من بعض.. فمنهم مَن سلك مسلك المتكلمين. ومنهم مَن سلك مسلك الفقهاء. ومنهم مَن سلك مسلك المحدثين. ومنهم مَن ضمَّن تفسيره مباحث لغوية وبلاغية. ومنهم مَن سلك مسلك الموضوعية؛ فاستعرض آيات الأحكام مثلًا، أو القصة القرآنية. وكان هذا كنواة للتفسير الموضوعي. وكثير من كتب التفسير قد مُلئت بأخبار نُقلت عن علماء أهل الكتاب الذين أسلموا؛ كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وأغلبها لم يصح، ومن بين الكتب الحافلة بالقصص كتاب أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري صاحب "التفسير الكبير"، المتوفَّى سنة سبع وعشرين وأربعمائة.. وفي زمن التابعين دُوِّنَ التفسير وصُنف فيه، وأول كتاب ظهر في التفسير كان لسعيد بن جبير المتوفَّى سنة أربع وستين، وكان من أعلم التابعين في التفسير، نص على ذلك قتادة، وحكاه السيوطي في "الإتقان". وتوالت بعد ذلك المؤلَّفات، ومن أشهرها كتاب "الرغيب في القرآن" لأبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي، المتوفَّى سنة سبع ومائتين، ثم "جمع البيان" لابن جرير الطبري، وهو حافل بالمأثورات والقراءات والاستشهاد بالشعر، إلا أن ما به من المأثورات في أغلبه مقال. وكان ذلك في المائة الثالثة للهجرة. وفي المائة الرابعة ظهر تفسير النيسابوري، وفي المائة الخامسة ظهر كتاب "البيان الجامع لكل علوم القرآن" وهو للشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي شيخ الإمامية من الشيعة.. وفي المائة السادسة ظهر كتاب "الكشاف" للزمخشري، وهو يهتم بالتحقيق اللغوي والأسرار البلاغية، وقد سلك في تفسيره مسلك المعتزلة، وذلك على صحة مذهبهم وإن تكلف في ذلك الكثير.

стр. 142

وفي المائة السابعة أُلف "أنوار التنزيل" للبيضاوي، وهو كثير النقل عن الكشاف. وقد أتى بأحاديث في فضائل السور، أغلبها فيه مقال. وفي المائة الثامنة ظهر تفسير ابن كثير، ويمتاز بتحقيق ما أورده الطبري من مأثورات وإن كان لم تزل فيه بقية تحتاج إلى تمحيص. وظهر كتاب "البحر" لأبي حيان، وهو من أدق المفسرين ملحظًا. وفي المائة التاسعة ظهر كتاب "نظم الدرر في تناسب الآي والسور" للبقاعي، وهو يهتم بالمناسبة كما هو معلوم من عنوانه. وفي المائة العاشرة ظهر كتاب "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" لأبي السعود، وهو يهتم بالأسرار اللغوية، وليس به اعتزال. وفي المائة الحادية عشرة ظهر كتاب "عين الحياة" للشيخ بهاء الدين العاملي الكركي. وفي المائة الثانية عشرة ظهر كتاب "البرهان في تفسير القرآن" للسيد هاشم البحراني. وفي المائة الثالثة عشرة ظهر كتاب "روح المعاني" للألوسي، وهو من أجمع التفاسير لتأخره.. وكتاب "المنار" للسيد رشيد رضا، وكان هذا في المائة الرابعة عشرة. والحق أن المفسرين أكثر من أن يحصوا، فلغير من ذكرنا كتب نفيسة نحت منحى الفقه؛ كالجامع لأحكام القرآن للقرطبي، أو نحو الفلسفة؛ كالتفسير الكبير للفخر الرازي، أو تعرضت لبعض الآيات؛ كالتفسير القيم لابن القيم، الذى جُمع أخيرًا من كتبه العديدة. ومن بين الكتب المفيدة في التفسير كتاب "فتح القدير" للشوكاني، وكتاب "القاسمي"، وتفسير الواحدي، وغيرهم.

стр. 143

وقد تدرج التفسير بتدرج الحياة, فبدأ قليلًا موقوفًا على المنقول بسنده، ثم حذف السند بدعوى الاختصار ودخل الدخيل، وطعن الناس في المنقول، وانطلق العقل من عقاله يشكك ويفند ويستنتج؛ حتى عد من لا علم له التفسير بالرأي مقابلًا للتفسير المأثور، وضاق البعض ذرعًا بالمعقول وتهوره، كما ضاقوا بالمنقول وتضاربه. والحق أن الإحجام عن التفسير تورعًا مغالاة تنافي التدبر، وأن تطويع الآيات للهوى إسراف ينافي التفكير. ولا بد للباحث من مطالعة حبل الأفكار؛ ليحظى بأكبر قدر من الأسرار. ومن المفسرين من شحن تفسيره بقواعد العلوم؛ كالطب والهيئة والطبيعة وغيرها، ورجع بكل ذلك إلى نصوص قرآنية، وتلك المحاولات وإن بدت منها فوائد ففيها أضرار؛ إذ تلك العلوم لا تعرف الكلمة الأخيرة، فهي متطورة بتطور أصحابها. ويكفي القرآن أنه ليس فيه نص يعارض حقيقة علمية؛ بل يدعو إلى السير والنظر وارتقاب النتائج ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ إن أريد به القرآن، فالمراد كليات المسائل. والصواب: أنه اللوح المحفوظ؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ .

стр. 144

وهذا تفصيل لمناهج بعض المفسرين الموجودة كتبهم بأيدينا، وهي مرتبة حسبما نراه مهمًّا للطالب معرفته: ١- مفاتيح الغيب للرازي: وقد وُلد في اليوم الخامس والعشرين من رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وقيل: سنة ثلاث وأربعين، الموافقة لسنة ١١٤٩م. نسبه ولقبه: هو الإمام الكبير شيخ الإسلام العلامة النحرير، الأصولي، المتكلم، المناظر، المفسر، صاحب التصانيف المشهورة في الآفاق، الخطية في سوق الإفادة بالاتفاق، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التيمي البكري القرشي، الطبرستاني، الرازي المولد، الملقب فخر الدين، المعروف بابن الخطيب أو ابن خطيب الري؛ ذلك أن أباه كان خطيبًا، الفقيه الشافعي المذهب، الأشعري العقيدة، الملقب بالإمام عند علماء الأصول، المقرر لشبه مذاهب الفرق المخالفين، والمبطل لها بإقامة البراهين، أفاق أهل زمانه في العلوم العقلية والنقلية، وخصوصًا في الأصلين: أصول الفقه وأصول الدين والمعقولات، وعلم الأوائل، فريد عصره، ونسيج وحده. قال فيه بعض العلماء: خصه الله برأي هو للغيب طليعة ... فيرى الحق بعين دونها حد الطبيعة وقد كان الرازي يعظ باللسانين: العربي والعجمي، وكان يلحقه الوجد حال الوعظ ويكثر البكاء، وكان يحضر مجلسه بمدينة "هراة" أرباب المذاهب والمقالات، ويسألونه وهو يجيب كل سائل بأحسن الأجوبة والمجادلات على

стр. 145

اختلاف أصنافهم ومذاهبهم، ويجيء إلى مجلسه الأكابر والأمراء والملوك, وكان صاحب وقار وحشمة ومماليك وثروة وبزة حسنة وهيئة جميلة، إذا ركب مشى معه نحو ثلاثمائة مشتغل على اختلاف مذاهبهم في التفسير والفقه والكلام والأصول والطب وغير ذلك. ورجع بسببه خلق كثير من الطائفة الكرامية إلى مذهب أهل السنة، وكان يلقب بهراة بشيخ الإسلام. وتُوفي فخر الدين يوم الاثنين -يوم عيد الفطر- سنة ست وستمائة هجرية، الموافقة لسنة ألف ومائتين وتسع ميلادية بمدينة هراة، ﵀ رحمة واسعة. ومن مصنفاته: تفسير القرآن الكريم المسمى بـ"مفاتيح الغيب"، جمع منه من الغرائب والعجائب ما يطرب كل طالب، وهو كبير جدًّا، وترجع شهرة الرازي إلى هذا التفسير؛ إذ جمع فيه بين المباحث الكلامية والفلسفية والدينية، وردَّ فيه على تأويلات المعتزلة للقرآن، وضمَّنه محاولته للتوفيق بين الفلسفة والدين. وله من التصانيف: - المطالبة العلية، في ثلاثة مجلدات ولم يتمه. - نهاية المعقول في دراية الأصول، في مجلدين. - كتاب الأربعين في أصول الدين. - محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين. - كتاب البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان.
следующие страницы →