← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11741

الأصلان في علوم القرآن

محمد عبد المنعم القيعي

Полный текст (393 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

في الأموال الرشد، ومنه قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ . فاللطيف يناسب من لا يدرك بالبصر، والخبير يناسب من يدرك الأبصار. ومن ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ من سورة السجدة، وختامها بكلمة ﴿يَسْمَعُونَ﴾ لأن الموعظة مسموعة. فلما قال في نفس السورة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ختمها بـ ﴿يُبْصِرُونَ﴾ لأنه من المرئيات. وقد تختم الآيات بفواصل متعددة؛ كقوله في سورة النحل: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ . وذلك أن مبدأ البحث التفكر، ويليه التعقل والفهم. ثم الانتفاع المشار إليه بالتذكر. وكما قلنا: لكل ختام ما يناسبه. ففي سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ الآيات، ختمت الأولى بـ ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ والثانية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ والثالثة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .. لأن ترك الوصايا في الآية الأولى دال على عدم التعقل. وفي الآية الثانية حقوق قولية ومالية، وكل إنسان يحرص عليهما لنفسه، وترك ذلك بالنسبة للغير غفلة يناسبه الدعوة إلى التذكر، وفي الآية الثالثة دعوة إلى شرع الله والبعد عن سبل الشيطان، والمخالفة تعرض إلى سخط الله؛ فناسبه الدعوة إلى التقوى. ومن ذلك ما جاء في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ

стр. 72

الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ . فالاطلاع على سير الكواكب يعرفه العلماء، وفَهْم الجنين وأطواره أدق من سابقه ولذا يخص الفقهاء؛ إذ الفقه أخص من العلم، فالعلم هو الفَهْم، والفقه فَهْم المراد. وانظر إلى تهمتين وجهتا إلى القرآن: أنه شعر، وأنه سجع.. ومخالفته للشعر ظاهرة.. ومخالفته للسجع تحتاج إلى تأمل. فمن أثبت الأولى كفر. ومن أثبت السجع كان غافلًا، قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ . ومن بديع القرآن أن ينوع في القضية الواحدة؛ نظرًا لمراعاة وصف كل من الطرفين، قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ . وفي سورة النحل قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . قابل ظلم الإنسان بالمغفرة منه سبحانه. وقابل الكفران بالرحمة. ونظيره قوله في كل من سورتي فصلت والجاثية: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ؛ لكن المقام في فصلت بيان العدل؛ ولذا ختمها بقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ . والمقام في سورة الجاثية إنكار للبعث؛ ولذا ختم هناك بقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ . ونظيره أيضًا قوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ ، والكلام

стр. 73

مع اليهود الذين افتروا على الله الكذب، والكلام مع المشركين يقول: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ؛ لأنهم لا كتاب لهم وضلالهم أشد. وقد تختم الآية ختامًا يخالف ظاهرها؛ نحو قول المسيح: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . والظاهر: الغفور الرحيم؛ لكنه عدل عنه ليبين أن الغافر لمن يستحق العقوبة غالب، لا يُسأل عما يفعل. وذلك هو معنى العزيز.. وأن الذي يغفر لمن يستحق العذاب قد يخفى فعله على بعض الناس فينكره، فبين تنزيهه عن العبث، وأن أي فعل يفعله لا يخرج عن الحكمة، فالحكمة فيما فعل. ومن ذلك قوله في آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . ظاهره أن يقول: والله بكل شيء عليم؛ لكن المقام مقام وعيد ومجازاة؛ فناسبه القدرة. ومما تخفى مراعاة الفاصلة فيه قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ . ووجه المناسبة: أنه لما ذكر تسبيح الأشياء بحمده، ومن الناس من يغفل عن ذلك ولا يعاجله الله بالعقوبة قال: ﴿حَلِيمًا﴾ ، وأنه مهما سبح الكائن بحمد الله، فهو مقصر لا يوفي الله حقه؛ ولذا قال: ﴿غَفُورًا﴾ .

стр. 74

٢- التصدير: ومعناه ختم الآية بلفظ ذكر فيها؛ نحو: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ . ٣- التوشيح: وهو أن يكون في الآية إشارة بلازمه إلى ختامها؛ نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ ، فإن الاصطفاء يدل بلازمه على وجود مصطفى عليه، وهو قوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ . ٤- الإيغال: وهو أن يكون في الآية مقدمة، والختام هو النتيجة؛ نحو قوله: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ . فعدم سؤال الأجر من الناس مقدمة ودليل على الاهتداء. ورءوس الآي في القرآن لوحظ فيها مراعاة الترتيل والترنم. ويعتبر ذلك عند الوقف عليها. ولا تخرج أحرف ختام الآية عن مماثلتها لغيرها أو الاقتراب من ذلك. ويدخل في العلم بالمناسبة والفواصل الآيات المتشابهة التي وردت في القرآن على موضوع واحد بأساليب متعددة. من ذلك قوله في سورة البقرة: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وفي لقمان: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ . وكل ذلك إخبار عن الكتاب، إلا أنه في البقرة ذكر الإيمان وما يشمله من صلاة وزكاة والإيمان بالكتب وبالآخرة، والمناسب لذلك ذكر "المتقين".

стр. 75

وفي سورة لقمان ذكر الرحمة والمناسب لها الإحسان. ومن ذلك قوله في سورة البقرة: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ . وفي سورة الأعراف: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ . فالفوارق في الموضعين: "قلنا" و"الواو" و"رغدا". هذا في البقرة.. لأنها مسبوقة بقول الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ وقوله للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ . والسكنى في البقرة مراد بها الإقامة، فناسبها الواو الدالة على الامتنان؛ ولذا قال: ﴿رَغَدًا﴾ . أما في الأعراف، فلم يتقدم قول سابق. والسكنى فيها اتخاذ المسكن، والمناسب لها الفاء؛ لأن الأكل مرتب على اتخاذ المسكن. ومن ذلك قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ وذلك في النفس الشافعة. أما في النفس المشفوع لها فقال: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ . ومن ذلك قوله لبني إسرائيل في سورة البقرة: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ .. وفي سورة إبراهيم: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ .. لأن المتكلم في البقرة الله، فلم يعدد البلاء الذي نزل بهم. والمتكلم في إبراهيم هو موسى؛ ولذا عدَّد وعطف بالواو. ومن ذلك قوله في سورة البقرة لبني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ .. وقوله في الأعراف: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ .. وبين القصتين اختلاف في الألفاظ اقتضاها المقام.. ففي البقرة امتنان.. وفي الأعراف توبيخ.

стр. 76

ومن ذلك قوله مرة عن اليهود: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ أرادوا: أربعين يومًا.. وفي موضع آخر قالوا: ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾ أرادوا: سبعة أيام.. ومن ذلك قوله في القِبْلَة: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ .. وفي الدِّين قال: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ . وقوله في موضع: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ قبل أن يصير بلدًا، وفي موضع آخر قال: ﴿اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ بعد أن صار بلدًا. وقوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ .. وفي موضع آخر: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ ؛ لأن القرآن يصل إلى المسلم من جهات عدة فناسبه "إلى"، ولا يصل إلى النبي إلا من جهة واحدة فناسبه "على". ومن ذلك قوله في المحرمات: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ .. وفي الأوامر: ﴿فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ .. وقوله في موضع: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ ؛ لأن الفقر واقع، فناسب تقديم الآباء على الأبناء في الرزق، ولما كان الفقر منتظرًا قُدم الأولاد في الرزق على الآباء، وقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ . ومن ذلك قوله عن المنافقين، وهم جماعات غير متآلفة بخلاف المؤمنين، وحتى الكافرين قال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ . والله المستعان، وبهذا ينتهي هذا الموضوع.

стр. 77

الموضوع الخامس: النسخ ١ وموهم الاختلاف قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . هذه آية من سورة مدنية.. وقال جل شأنه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ . وهاتان آيتان من سورة مكية، فيهما النسخ بالمعنى. وفي الآية المدنية النسخ باللفظ. ولا بد للمفسر من معرفة الناسخ والمنسوخ، وإلا لهلك وأهلك غيره بإضلاله إياه. وقد وقع خلاف حول إمكان النسخ ووقوعه؛ فأنكره قوم صيانة للقرآن عن وقوع مثل ذلك النوع فيه، وأجازه قوم للتصريح به والإشارة إليه. وقبل الخوض في تفصيل ذلك نرسم في هذا الباب مسائل: ١- يطلق النسخ في اللغة على أحد معنيين متقابلين: الإزالة، ومنه: نسخت الشمس الظل، إذا أزالته. والمعنى الثاني: الإثبات، يقال: نسخت الكتاب، إذا جعلت منه نسخة أخرى أثبته فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: نكتبه ونسجله.

стр. 78

وفي معنى الإزالة ورد قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ . وإذا كان النسخ يرد في اللغة بمعنى الإثبات، فهل يعنى ذلك إثبات المنقول بلفظه ومعناه، أو أنه يكفي في الإثبات تحويله من موضع إلى موضع؛ كنسخ المواريث إذا حولت من شخص إلى شخص، أو يكفي في الإثبات أن تنقل المعنى ولو بلفظ آخر ويسمى ذلك تبديلًا؟ وعلى أي حال، فإن في النسخ معنى الإزالة بالنسبة للمنسوخ، ومعنى الإثبات بالنسبة للناسخ. ٢- الحكمة من وجود النسخ التيسير على الأمة؛ فإن أحكام الله أدوية تتداوى بها، وما ينفع المريض اليوم قد لا ينفعه غدًا. ومن هنا ينفصل النسخ عن البداء؛ وهو الظهور بعد الخفاء. ولما توهم اليهود أن النسخ براء أنكروه وقالوا: البداء محال على الله؛ لأنه لا يخفى عليه شيء.. ونحن نسلم لهم استحالة البدء عليه؛ ولكن إذا علم الطبيب أن الدواء يصلح أيامًا وسوف يغيره، فأي بداء في هذا؟ ٣- اختلف العلماء: هل ينسخ القرآن بغير القرآن؛ كالسنة مثلًا؟ منع ذلك قوم وقالوا: لا ينسخ القرآن إلا القرآن؛ لأن الله قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ، والسنة ليست خيرًا من القرآن ولا مِثْلًا له. وقال المجيزون: السنة ما دامت من عند الله جاز النسخ بها للقرآن؛ لأنها وحي يُوحى، والمثلية والخيرية بالنسبة للمكلف ورعاية مصلحته. والذى أميل إليه جواز نسخ كل منهما بالآخر.. لكن لا بد من معضد للناسخ من نوع المنسوخ. فإذا نسخت السنة القرآن، فلا بد من معضد لها من القرآن. وإذا نسخ القرآن السنة، فلا بد من معضد له من السنة.

стр. 79

وبهذا قال الشافعي ﵁. ولا يقع النسخ في الأخبار، وإلا كان كذبًا. وإنما يقع في الأوامر والنواهي فقط. وكذلك لا نسخ في العقائد التي شهدت بصحة أصولها العقول؛ لأن العقل لا يناقض نفسه. كما لا نسخ لأصول العبادات والفضائل الأخلاقية والأحكام المؤبدة؛ كقوله ﷺ : "الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة". ٤- النسخ شرعًا: هو الخطاب الشرعي الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب الشرعي المتقدم على وجه، لولاه لكان ثابتًا به مع تراخيه عنه١. فهنا قيود: القيد الأول: أن المنسوخ حكم، فيخرج ما ليس بحكم؛ كالوعد والوعيد؛ إذ المراد بالحكم الحكم التكليفي. القيد الثاني: أن يكون شرعيًّا، فلا نسخ للبراءة الأصلية؛ لأنها ليست بحكم شرعي. فإيجاب الصلاة على المسلم لا يقال: إنه نسخ براءة ذمته قبل وجوب الصلاة عليه. وكذلك لا نسخ للأحكام اللغوية أو العقلية؛ لأن النسخ يقع على الحكم الشرعي فقط. القيد الثالث: أن يكون الناسخ خطابًا شرعيًّا، فلا نسخ بالموت أو رفع التكليف بسبب الجنون؛ لأن كلًّا من الموت والجنون ليسا خطابين شرعيين. القيد الرابع: صلاحية الحكم المنسوخ للعمل به وقت التكليف به، فيخرج بذلك العبث. القيد الخامس: أن يتأخر الناسخ عن المنسوخ بمدة يمكن العمل فيها بالمنسوخ، وإلا فإن الحكم الذي لم يتمكن العمل به هو والعدم سواء.

стр. 80

٥- من العلماء من فرَّق بين النسخ والإنساء، فقال: النسخ رفع الحكم الشرعي بالخطاب الشرعي قبل التمكن من العمل بالحكم الأول؛ كآية النجوى في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ . فقد شرع الله تقديم الصدقات قبل مناجاة الرسول، ثم خفف ذلك فمسح بمناجاته صلاة ركعات، وذلك قبل التمكن من العمل بالحكم الأول، ولأن ختام الآية الأولى ظاهره نسخ هذا الحكم، وهو قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وأرى أن مثل هذا الذي لم يتمكن من العمل به، أرى أن رفعه لا يُسمى نسخًا؛ إذ النسخ للتيسير ولم تكن هناك صعوبة، ويعد هذا من باب تعداد النعم. على أن تقديم الصدقة عند مناجاة الرسول يمكن حمله على التغير من الوجوب إلى الاستحباب، أو تغير من الحكم الملزم لجميع الناس إلى حكم لا يطبق إلا على القادرين. وأما الإنساء، فهو شرع الحكم من أجل سبب أو إلى وقت، ثم يتغير هذا الحكم بتغير السبب والوقت؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ .. فالواحد مكلَّف بالثبات أمام عشرة، ثم نسخ هذا الحكم بسب الضعف، وتكليف الواحد بالثبات أمام اثنين، وذلك قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ونحو قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ .

стр. 81

فكل حكم علق على سبب أو أقت بوقت وتغير بتغير السبب أو بانتهاء الوقت المحدد له يسمى إنساء؛ لأن الله قال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ . فالنسخ عند هؤلاء في الحكم الذي لم يتمكن من فعله. والإنساء في الحكم المتغير بتغير السبب والوقت. والذي أميل إليه أن كلًّا من هاتين الآيتين يحتاجان إلى تأمل؛ فتكليف الواحد أن يثبت أمام عشرة سائغ إذا كان بعد انتشار الإسلام وإعلاء كلمة أهله، وأن تكليفه بالثبات أمام اثنين هو المناسب لابتداء دخول الناس في الإسلام. فالآية على هذا يكون حكمها وجوب الثبات أمام اثنين، ثم وجوب ثبات الواحد أمام العشرة، ولا يسمى مثل ذلك نسخًا؛ لأن المأمور بالثبات أمام عشرة مأمور بالثبات أمام اثنين. وقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ إشارة إلى ما سيكون في المستقبل. وأما قوله: ﴿الْآنَ﴾ فإشارة إلى الحكم المعمول به في الحاضر. وأما الآية الثانية، فهي من التخصيص لا من النسخ، فالعفو والصفح مأمور بهما، فإذا شرع الله القتال ضد قوم مقاتلين بقي العفو والصفح مأمور بهما مع غير هؤلاء المقاتلين. ويجدر بنا أن نفرق بين النسخ والتخصيص والاستثناء؛ لنعلم كم من الآيات أدخلت في النسخ وليست منه. ٦- الفرق بين النسخ والتخصيص والاستثناء: أن النسخ: رفع لحكم كان معمولًا به، وإبطال العمل به. والتخصيص: قصر للعام على بعض أفراده بعد أن كان مستغرقًا لكل أفراده.

стр. 82

فإذا لاحظنا شمول العام قبل التخصيص، ولاحظناه بعد التخصيص؛ تبين لنا أن العام لم يبطل حكمه كله بعد التخصيص؛ وإنما ارتفع الحكم عن المقدار الذي يتناوله التخصيص. فإذا قلنا: فاز كل مؤمن بالجنة، والمصلون برضوان الله، قصر الفوز برضوان الله على المصلين من المؤمنين. أما غير المصلين، فلم يفوزوا برضوان الله. فأنت ترى أن التخصيص والنسخ قد يلتقيان في بعض الصور، وقد ينفرد النسخ بصورة لا يصح أن يقال فيها بالتخصيص؛ وهي: إذا بَطَلَ الحكم بالكلية. وأما الاستثناء: فإنه رفع لحكم كان سيدخل لولا الاستثناء، فليس بينه وبين النسخ عَلاقة. ٧- من القرآن ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فإنه منسوخ بالنسبة للمحاسبة على ما في داخل النفس.. وذلك لقوله ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست به صدروها ما لم تفعل أو تكلم". ويعضده قوله سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . ومنه ما نسخت تلاوته وبقي حكمه؛ ومثاله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من الله والله عزيز حكيم"، كان ذلك مما يُتلى ثم نسخ وبقي حكمه، وهو رجم الزانيين المحصنيين. وفي هذا الذي قالوه نظر؛ لأن عدم وجوده في التلاوة التى مات عنها رسول الله ﷺ يجعلنا نصرف النظر عن كونه قرآنًا، ونعتبر حكم الرجم ثابتًا بالسنة، فإذا أضفناه لقول الله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ

стр. 83

وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ كان مخصصًا لهذا العام. فنجلد الزاني الأعزب بالقرآن، ونرجم المحصن بالسنة، ويكون هذا من باب نسخ الحكم مع بقاء التلاوة. ومن الناس من جعل من القرآن قسمًا ثالثًا؛ وهو نسخ الحكم والتلاوة معًا. ومثلوا له بما روي: "كان فيما نزل عشر رضعات مشبعات يحرمن، ثم نسخ بخمس رضعات مشبعات يحرمن". وهذا أيضًا مما نزل وكان يُتلى. ومثل هذه الأقوال تلحق بالسنن، ويفسر كلام الراوي بما يليق به. فالسنة وحي يمكن أن توصف بالنزول. والقول بأن هذا مما كان يتلوه رسول الله ﷺ ومات عنه وهو يتلى، قول تأباه الفِطَر والعقول. ٨- نسخ الوجوب بنص يبقي جوازه، وبالنهي يحرمه. فمثلًا: صوم يوم عاشوراء كان واجبًا على المسلمين، ثم فرض صيام شهر رمضان بدلًا عن صيام يوم عاشوراء، فصار صوم يوم عاشوراء جائزًا؛ إذ ليس في آيات الصوم نهي عن صوم يوم عاشوراء، فبقي جواز صوم يومه. أما الصلاة إلى بيت المقدس، فكان التوجه واجبًا إليه في صدر الإسلام، ثم نسخ بالنهي عن التوجه لبيت المقدس، وأمرنا بوجوب التوجه إلى الكعبة، فصار التوجه في الصلاة إلى بيت المقدس حرامًا؛ إذ جاء في السنة النهي عن التوجه لبيت المقدس. ٩- الزيادة إن غيرت حكم المزيد عليه كانت نسخًا له، وإن لم تغيره لم تكن ناسخة. فمثلًا: القرآن أثبت للزاني والزانية جلد مائة، وجاءت السنة فأبقت

стр. 84

على الجلد وزادت تغريب عام.. فتلك الزيادة ليست نسخًا؛ لأنها أبقت الحكم على ما كان عليه. ومثال الزيادة التي تعتبر نسخًا لتغييرها الحكم: الزيادة التي جعلت الركوع في صلاة الكسوف ثلاث مرات. فمعنى هذا: أن الركوع مرة واحدة غير مقبول. ١٠- لا يقال بالنسخ إلا عند تحقق التعارض من كل وجه ومعرفة التاريخ. فإذا انفكت الجهة وأمكن الجمع لا يقال بالنسخ. إذا تمهدت هذه الأصول، فإليك بعض ما قالوه في بعض الآيات: ١- في سورة البقرة قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ . ظاهر هذا وجوب الوصية للوالدين والأقربين. قالوا: وقد نسخ فرض الوصية، إما بآيات المواريث، أو بحديث: "لا وصية لوارث"، أو بالإجماع. وأقول: أما الإجماع، فلا يصلح أن يكون ناسخًا إلا مستندًا إلى دليل. وأما الحديث، فيصلح لو عُلم أنه متأخر عن الآية، وكان معه عضد من القرآن. وأما آية المواريث، فإنها لم تورث كل الأقربين، فابن الابن مع الابن لا يرث جده؛ لأن عمه يحجبه، وهو من الأقارب. وعليه، فإن آية المواريث خاصة، وآية فرض الوصية عامة. فتبقى الوصية واجبة للأقربين غير الورثة. والنسخ يلتقي مع التخصيص في هذه الصورة. ونقول: نسخ فرض الوصية للوارث القريب بآية المواريث.

стр. 85

٢- ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ . ظاهر هذا وجوب الفدية على مَن أطاق الصوم.. قالوا: وهو منسوخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ . وأقول: لا نسخ؛ لأن الأولى فيمن يشق عليه الصوم، ولا يرجو أن يكون قادرًا عليه. والنص الثاني في القادر على الصوم. ٣- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ . ظاهر هذ أنه يحرم علينا ما كان يحرم عليهم من مباشرة النساء ليلًا، فنسخ الله ذلك بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ . وأقول: إذا ثبتت بعض الروايات أن المسلمين كانوا يمنعون عن نسائهم في ليالي رمضان إلى أن نزلت الآية، إذا ثبت هذا فالآية ناسخة لما ثبت بالسنة. وإذا لم يثبت فلا نسخ؛ لأن تشبيه فرض الصوم علينا بتشبيه فرض الصوم على مَن قبلنا، لا يقتضي منعنا عن نسائنا كما كانوا يمتنعون. ٤- قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ . ظاهر هذا جعل القتال في الشهر الحرام من الكبائر. قالوا: وقد نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ . وأقول: هذا من قلة التدبر؛ لأن قوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يعني أنه اعترف بتحريم القتال فيه؛ وإنما هو في معرض الجدل لهم، ألا ترى إلى قوله بعد ذلك: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ .

стр. 86

أما ما اعتبروه ناسخًا فإنه أمر بقتال جميع المشركين من غير تعرض لذكر مكان أو زمان. فيمكن العمل به في غير الأشهر الحرم إذا احترمها الطرفان، ولا يكون ثمة تعارض بين النصين. ٥- ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ . ظاهر هذا كما قالوا: وجوب الوصية للمتوفَّى عنها زوجها، ووجوب مكثها في بيت الزوجية حولًا كاملًا، ولها السكنى والإنفاق عليها لمدة سنة. وهذا كله منسوخ بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ . وأقول: لا تعارض بين الآيتين؛ لأن الأولى في الندب والاستحباب. والثانية في جواب العدة وتقديرها بأربعة أشهر وعشر. ٦- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ . ظاهر هذا أنه يجب على العبد أن يعطي الله حقه في الخوف منه. قالوا: وهو منسوخ بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . وأقول: ليس بين الآيتين تعارض؛ فالآية الثانية بيان لما أجمل في الآية الأولى، أو أن الآية الأولى في العقائد والثانية في التكاليف البدنية والمالية. ٧- ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ . ظاهر هذا وجوب الحق في الميراث لمولى الموالاة. قالوا: وهو منسوخ بقوله: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ . وأقول: الجهة منفكة: للموالين حقوق كما اتفق، والمسلمون عند

стр. 87

شروطهم. وللأقربين حقوق، ويجب إعطاء كل ذي حق حقه، وكل شرط أحل حرامًا أو حرم حلالًا فهو باطل، وتوارث المهاجرين والأنصار كان بالسنة ثم أُلغي بآية المواريث، ولأخوة الإسلام حقوق، وللورثة حقوق. ٨- ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ . قالوا: نسخت بآية المواريث. وأقول: الأمر على الندب، فيندب إرضاء غير الورثة من المذكورين، وللورثة حقوقهم. ٩- ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ . قالوا: منسوخة بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ . وأقول: هذا نسخ، وقد جعل الله لهن سبيلًا؛ البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب رجم بالحجارة. ١٠- ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ . قالوا: منسوخة بإباحة القتال في الأشهر الحرم. قلت: ليس في الآية الأولى تحريم القتال في الشهر الحرام، والمنع منه، حتى لو اعتدي علينا؛ وإنما فيها دعوة إلى السلام إن التزم العدو بذلك، وإلا فإنه قد قال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ

стр. 88

فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ . ١١- ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ . قالوا: منسوخة بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ . وأقول: لا تعارض بين الآيتين، فإنه ﷺ مُخَيَّرٌ أن يحكم بين أهل الكتاب وأن يعرض عنهم، فإذا اختار الحكم فليلتزم بتطبيق ما نزل إليه والحكم به بينهم. ١٢- ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ . قالوا: منسوخة بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ . وأقول: لا تعارض؛ لأنه قال: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، فشهادة غير المسلمين عند عدم تيسر شهادة المسلمين. ١٣- ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ . قالوا: منسوخة بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء﴾ وبقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ . وأقول: هذا من التخصيص، وهو أيضًا من باب أنه: لا وجوب مع عجز عنه. ١٤- ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ . ظاهره أن العفيف لا يتزوج الزانية، وقد نسخ بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ . وأقول: هذا من النسخ إن فسر الأيامى بالزانيات؛ لمقابلته بالصالحين. ١٥- ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ . قالوا: منسوخة بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ .

стр. 89

قلت: أين الدليل على أن ﴿لا يَحِلُّ﴾ نزلت أولًا؟ ١٦- ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ . قالوا: منسوخة بآية السيف أو آية الغنيمة. قلت: لا نسخ فيها، والحكم باقٍ. وأما قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فخاص به ﷺ ، لا يقال عنه: إنه نسخ بإقامة الصلاة. واعلم أن كثيرًا من الآيات ذكر في كتب القدماء القول بنسخها؛ لأنهم كانوا يطلقون النسخ على تبيين المجمل، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وموهم الاختلاف؛ كقوله في الدعاء: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وفي الصلاة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ . فإن قلت: فما الحكمة في نسخ الحكم مع بقاء التلاوة؟ قلت: للتذكير بالنعمة إن كان الناسخ أيسر، وإن كان أشد فللاختبار ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة لا يجردها من الفائدة، فهي كلام الله ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ . ولا يقال بالنسخ إلا استنادًا إلى نقل صحيح عن رسول الله ﷺ ؛ لأن النسخ رفع حكم وإثبات آخر، فلا يقال بالاجتهاد. ويستوي أن يكون النسخ في الأمر، وأن يكون في الجملة الخبرية الطلبية في المعنى. وأما موهم الاختلاف والتعارض، فإنه يرجع إلى نصين متقابلين في الدلالة ظاهرًا، ولا يوجد في القرآن تعارض باقٍ؛ لأن ما ثبت تعارضه ولم يمكن الجمع فيه يقال بالنسخ..

стр. 90

وموهم الاختلاف في الظاهر يمكن الجمع فيه بعد التأمل؛ كأن تختلف الجهة أو الزمان، أو المكان، أو المحكوم عليه، أو المحكوم به، أو الحكم، أو الحالة، أو الكم ... ومثاله: أ- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ . وجوابه: أنهم ينكرون الشرك بألسنتهم وتنطق به جوارحهم.. ب- قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وجوابه: أن الأولى للتسمية والثانية للوصف، وذلك بعد وجود المغفور له، أو يقال: الفعل مع الله لا يتقيد بزمان، أو يقال: "كان" للدوام. جـ- أيهما أسبق في الخلق: الأرض أم السماء؟ والجواب: أن الأرض خُلقت في يومين، والسماء في يومين، ودحو الأرض بعد ذلك في يومين. قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ أي: بعد خلق الأرض والسماء، وذلك قوله في سورة فصلت: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْن﴾ ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ . ومن هنا تعلم أن قوله بعد خلق الأرض في يومين من سورة فصلت: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: بانضمام يومي خلق الأرض. د- قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ . وقوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ لأن عدم التساؤل بعد النفخة الأولى، والتساؤل بعد النفخة الثانية.

стр. 91

هـ- قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ وقوله: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ .. وذلك لاختلاف المواقف في يوم الحساب. و قوله: ﴿لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ أي: لا يسأل سؤالًا يستفيد السائل منه علمًا. وقوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ أي: للتوبيخ. ز- قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وقوله في موضع آخر: ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ . ومن الأجوبة على هذا: أنه بالنسبة للمؤمن والكافر على حد قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ فمفهومه أنه على المؤمنين يسير. ولهذا التعارض في الظاهر أسباب: منها: وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وأطوار شتى؛ كالإخبار عن خلق آدم من تراب، ومن طين، ومن طين لازب، ومن صلصال، ومن حمأ.. ومنها اختلاف المكان. ومنها: اختلاف جهتي الفعل؛ نحو: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ . ومنها: اختلاف الموضع؛ نحو: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فالرجل لا ينافي الطمأنينة؛ لأنه مقدمة لها. وهكذا يجب أن تفرض عند الجمع في كل مقام ما يناسبه، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ . فما كان من عند الله لا اختلاف فيه أصلًا قليلًا أو كثيرًا، وإن

стр. 92

بدا لبعض الناشئة اختلاف قليل، فبالتأمل يزول هذا الاختلاف؛ لأن القرآن يصدق بعضه بعضًا. وقد توهم بعض الناس وجود التعارض في نحو قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ . والحق أنه لا تعارض، فلا أظلم في باب المنع ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولا أحد أظلم في باب الكذب ممن كذب على الله. وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ . فظاهر هذه الآية أن المانع لهم عن الإيمان قولهم: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ . وهذا مانع مجازي. والمانع الحقيقي عدم إرادة الله لهم الهداية، وهذا هو المشار إليه بقوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ . وظاهر هذا أنهم علقوا إيمانهم على نزول العذاب بهم، أو نزول ما كان ينزل على الأولين من خسف ومسخ. ولم يحقق الله لهم ما صلبوه؛ لأنه لم يرده. وبالتالي لم يرد هدايتم؛ لأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وبهذا ينتهي هذا الموضوع.

стр. 93

الموضوع السادس: القراءات ١ وما يتصل بها من الإسناد والوقف والتجويد روى البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب". وروى أيضًا عن أنس بن مالك أنه سئل عمن جمع القرآن في عهد النبي ﷺ فقال: "أربعة، كلهم من الأنصار: أُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد من عمومة أنس". وعنه أيضًا: "مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد". ومن هذه الروايات نتبين أن كل راوٍ كان يخبر عن علمه، وأن قول أنس: "لم يجمع القرآن ... " الحديث قاله وهو يفتخر بقبيلته الخزرج. فالصالحون كانوا يتباهون بالعمل الصالح. أخرج ابن جرير من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال: "افتخر الحيان: الأوس والخزرج، فقال الأوس: منا أربعة: مَن اهتز له عرش الرحمن لما مات: سعد بن معاذ، ومن عدلت شهادته شهادة رجلين: خزيمة بن أبي ثابت، ومن غسلته الملائكة: حنظلة بن أبي عامر، ومن حمته الدبر: عاصم بن أبي ثابت. فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم". وذكروا ما رواه أنس.

стр. 94

وعليه، فلا يحتج بحديث أنس في حصر الحفظة للقرآن على أربعة، فهم لا يحصون. ومن الرواة من جعلهم خمسة أو ستة. وكل هذا إخبار عن علم الراوي، وإلا فأين الخلفاء الراشدون والمبشرون بالجنة وبعض أمهات المؤمنين؟ واسم أبي زيد في حديث أنس: قيس بن السكن بن زعوراء من بني عدي بن النجار. والقراء من التابعين زاد عددهم. ومن أتباع التابعين كان القراء السبعة الذين يعتبرون أئمة؛ وهم: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي. وعن كل إمام تلميذان له؛ فعن نافع: قالون وورش.. وعن ابن كثير: البزي وقنبل. وعن أبي عمرو: الدوري والسوسي. وعن ابن عامر: هشام وابن ذكوان. وعن عاصم: أبو بكر بن عياش وحفص. وعن حمزة: خلف وخلاد. وعن الكسائي: الدوري وأبو الحارث. وأول مَن صنف في القراءات: أبو عبيد القاسم بن سلام، ثم أحمد بن جبير الكوفي، ثم إسماعيل بن إسحاق المالكي، ثم أبو جعفر بن جرير الطبري، ثم أبو بكر محمد بن أحمد بن عمر الدجوني، ثم صنف طبقاتهم: أبو عبد الله الذهبي، ومن بعده: أبو الخير الجزري. وقد ألَّف الإمام الشاطبي في القراءات كتابًا منظومًا، ذكر فيه ما يتعلق بالقراءات السبع.

стр. 95

وأحسن مَن تكلم في القراءات إمام القراء: أبو الخير بن الجزري، فقال: كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصح سندها١ إلى النبي ﷺ فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، ويجب قبولها، سواء نقلت عن الأئمة السبعة أو غيرهم. اهـ بتصرف. فمتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة؛ كانت ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة.. لأن الاعتماد على تحقق هذه الأركان لا على مَن تنسب إليه القراءات. والمراد بموافقة العربية ولو بوجه أن تكون القراءة سائغة في النحو؛ نحو قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فيمكن حمل "المقيمين" على أنه منصوب بفعل تقديره: أمدح.. والمراد بموافقة الرسم العثماني ولو احتمالًا كقراءة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بالألف، فإنها موافقة للرسم العثماني بغير ألف؛ لأن من عادتهم حذفها اختصارًا. والمراد بصحة السند: اتصاله، وعدالة الرواة وضبطهم، وخلوه من الشذوذ والعلة، ويشترط أن تكون متواترة في الجملة. فكل قراءة توافرت فيها أركانها الثلاثة منكرها كافر. وأما ما صح نقله عن الآحاد ووافق العربية؛ لكن خالف الرسم العثماني، فيقبل ولا يقرأ به، ويحتج به على أنه رواية كقراءة عبد الله بن مسعود في كفارة اليمين: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات". وأما ما نقله الثقة ولا حجة له في العربية، أو نقله غير الثقة وله حجة

стр. 96

في العربية، فهذان لا يقبلان ولا يقرأ بهما وإن وافقا الرسم العثماني. والقراءات العشرة لا تخرج عن كونها إما متواترة أو مشهورة، وهناك قراءة تعتبر شاذة١ لما وقع فيها من الإدراج؛ وهو اختلاط التفسير بالقراءة، ومثاله: ما عُزي إلى ابن عباس من أنه كان يقرأ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .. ويزيد: "في مواسم الحج". ومما هو شاذ ولم يقع فيه إدراج قراءة بعضهم: "مَلَكَ يَوْمَ الدين" بصيغة الماضي ونصب اليوم. ولا خلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترًا في أصله وأجزائه، وأما في محله ووضعه وترتيبه فكذلك عند محققي أهل السنة. والقرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان.. فالقرآن: هو الوحي المنزَّل على سيدنا محمد ﷺ للبيان والإعجاز. والقراءات: اختلاف ألفاظ الوحي المذكور مع اتحاد المعنى أو تقاربها. وإنما الاختلاف في الحروف وكيفية أدائها من تشديد أو تخفيف أو إدغام وغير ذلك. وقد سبق أن القراءات الشرعية المعتبرة متواترة بألفاظها من النبي ﷺ إلى أئمة القراءات، ومنهم إلينا. وإذا ثبت تواتر اللفظ ثبت تواتر كيفية أدائه من: مد، وغن، وتحقيق، وتسهيل، وغير ذلك من أحكام تناولها علماء التجويد بالتفصيل والإيضاح. ومن الخطأ قصر صحة الرواية عن الأئمة السبعة على الراويين عن كل إمام؛ فهناك رواة ثقات عن كل إمام غير تلميذيه المشهورَيْنِ.

стр. 97

وأصح القراءات سندًا قراءة: نافع, وعاصم.. وأفصح القراءات: أبو عمرو، والكسائي. وأما قراءة الثلاثة بعد الأئمة السبعة، فمتواترة أيضًا معلومة من الدين بالضرورة. والثلاثة هم: يعقوب، وأبو جعفر، وخلف. ومن المعلوم أن تعدد القراءة في الآية الواحدة ينبني عليه اختلاف النظر في الحكم الفقهي. فمن يرى نقض الوضوء بلمس المرأة لاحتمال ذلك قوله: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فإنه يمكنه أن يرجح هذا القول بالقراءة بدون ألف بعد اللام. ولاختلاف القراءات وتنوعها فوائد: أ- التسهيل على الأمة. ب- إظهار فضل هذه الأمة، وقد أنزل الله إليها الكتاب على أكثر من وجه. جـ- إفساح المجال للاجتهاد واستنباط الأحكام والمعاني. د- إظهار سر الله في كتابه وصيانته له عن التبديل والاختلاف، مع كونه على هذه الأوجه الكثيرة. هـ- المبالغة في إعجازه بإيجازه؛ إذ تنوع القراءات بمنزلة الآيات، ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدة لم يخفَ ما في ذلك من التطويل. و جعل بعض القراءات بيانًا لما أُجمل في القراءة الأخرى. وأما الوقف والابتداء، فإنه وثيق الصلة بكيفية الأداء. عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليُؤْتَى الإيمان قبل القرآن،

стр. 98

وتنزل السورة على محمد ﷺ فنعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم، ولقد رأينا اليوم رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما أمره، ولا زجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه". فهذا الحديث يدل على أنهم -رضوان الله عليهم- كانوا يتعلمون الوقف، ويعتبرون ذلك من تمام تعلمهم للقرآن. وعن علي -كرم الله وجهه- في قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ قال: "الترتيل": تجويد الحروف ومعرفة الوقف. فعلى معرفة الوقف والابتداء وضوح المعنى؛ وبذلك يقف الإنسان على شيء من وجوه إعجاز القرآن. ومن هنا يجب ألا يُوقف على كلمة مرتبطة بما بعدها أو ما قبلها؛ لأن ذلك مخل باستقامة المعنى، ويروى النهي عن الوقف على قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ويجب الوصل بقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ حتى لا يتجزأ المعنى. وقد اصطلح العلماء١ على تقسيم الوقف إلى: أ- تام: وهو ما لا صلة له بغيره من حيث المعنى. ب- حسن: وهو الوقف عند معنى مفيد ولكن لم يتم؛ كالوقف على ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ والابتداء بـ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . جـ- وقبيح: وهو الوقف قبل استعمال المعنى؛ كالوقف قبل الاستثناء. واعلم أنه بسبب عدم معرفة الوقف والابتداء قد انتشر الجهل إلى حد يفسد المعنى.. وذلك لأن الوقف قبل تمام المعنى مفسد، وكذلك وصل ما يجب الوقف عليه مفسد أيضًا.. وإليك بعض النماذج:

стр. 99

لو وصلنا قوله من سورة غافر: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ بما بعده وهو قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ لفسد المعنى. وكذلك لو وصلنا: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ لفسد المعنى أيضًا. وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ لو لم نقف على "ولد" لفسد المعنى. وإذا وقفنا عند قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ ثم ابتدأنا ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ لكان ذلك كفرًا إن تعمده مَن وقف على القول وابتدأ بمقول القول. وقد يضطر القارئ عند انقطاع النَّفَس إلى الوقف. وهذا له حكم الضرورات؛ ولكنه عليه أن يبتدئ بما لا تعلق له بما قبله؛ لأنه مختار وليس بمضطر. وليس كل ما يتعسفه بعض المعربين، أو يتكلفه بعض القراء، أو يتأوله بعض أولي الأهواء، مما يقتضي وقفًا أو ابتداء، ينبغي أن يتعمد الوقف عليه؛ بل ينبغي تحري المعنى الأتم، والوقف الأوجه.. فإن ذلك مما يفسد المعنى أحيانًا؛ كوقف بعضهم على قوله: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ﴾ ويبتدئ: ﴿بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ لأنه يكون على لسان المتكلم مع أنه حكاية عن حال من أحوال المنافقين. ولا بد للقارئ من معرفة بعض المذاهب المشهورة في الفقه والنحو والتفسير؛ حتى لا يفسد المعنى بقراءته. ولأئمة القراء مذاهب في الوقف والابتداء؛ فنافع كان يراعي التجانس بحسب المعنى. وابن كثير وحمزة كانا يراعيان انقطاع النَّفَس. وعاصم

стр. 100

والكسائي كانا يراعيان تمام الكلام. وأبو عمرو كان يراعي رءوس الآي؛ لأن الوقوف عليها سُنَّة. ومِن العلماء مَن فرق بين الوقف والسكت والقطع؛ فقال: الوقف بتنفس عند الموضع الذى وقف عليه. والسكت وقف بلا تنفس. والقطع إنهاء القراءة، ولا يكون إلا عند رأس الآية، فإن بدأ تعوذ بالله. وللوقف في كلام العرب أوجه متعددة. والمستعمل منها عند الأئمة تسعة: السكون، والروم، والإشمام، والإبدال، والنقل، والإدغام، والحذف، والإثبات، والإلحاق. فالروم: النطق ببعض الحركة، ولا يقع في المفتوح. والإشمام: الإشارة إلى الحركة من غير تصويت، ويختص بالضم. وأما الإبدال: ففي الاسم المنصوب المنون يوقف عليه بالألف. وأما النقل: ففيما آخره همزة بعد ساكن. وأما الإدغام: ففيما آخره همزة بعد ياء أو واو زائدتين، فإنه يوقف عليه كسابقه عند حمزة.. وذلك بالإدغام بعد نقل الهمزة إلى جنس ما قبله. وأما الحذف: ففي الياءات الزوائد عند مَن يثبتها وصلًا ويحذفها وقفًا؛ نحو: "المتعال". وأما الإثبات: ففي الياءات المحذوفات وصلًا عند مَن يثبتها وقفًا؛ نحو: "وما لهم من دونه من والي". وأما الإلحاق: فما يلحق آخر الكلم من هاءات السكت عند مَن يلحقها؛ نحو: "عم". وفي الحديث: "اقرءوا القرآن بلحون العرب في أصواتها، وإياكم وأصوات أهل الفسق وأهل الكتابين".

стр. 101

فما ذكرناه مما هو منسوب إلى أئمة القراء لا يخرج عن لحون العرب وأصواتهم، ومن لحونهم: فتح الألف وإمالتها بين الفتح والكسر. وقد تخف هذه الإمالة وقد تزيد فترقق حتى تكون إلى الكسر أقرب. والأقرب أن تكون الإمالة فرعًا عن الفتحة، فما من كلمة تمال إلا وبعض العرب يفتحها. وللإمالة أسباب ووجوه وفوائد، ومن يميل من القراء، وما يمال من الكلمات، واستيفاء ذلك في كتب القراءات والتجويد. ومن الخطأ والتجني على العلم قراءة القرآن بميوعة وتخنث، وفي الحديث: "اقرءوا القرآن فخمًا مفخمًا" أي: لكل معنى ما يناسبه من الصوت، مع المحافظة على الأداء برجولة. ومما تجب ملاحظته: الإدغام، والإظهار، والإخفاء، والإقلاب. ولكل من هذه الأقسام مواضعها، وبسط ذلك في كتب فن القراءات: فالإدغام: هو اللفظ بحرفين حرفًا كالثاني مشددًا. والإظهار: إظهار الحرف بكامل هيئته. والإقلاب: قلب الحرف ليكون قريبًا من حرف آخر. والإخفاء: إخفاء الحرف. وللنون الساكنة وللتنوين هذه الأحكام الأربعة، فتدغم إذا وليها: الياء والنون والميم والواو، وكانتا في كلمتين. وتظهر إن وليها أحرف الحلق: الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء. وتقلب إن وليها الباء. وتُخْفَى إن وليها باقي حروف الهجاء. والإخفاء حالة بين الإدغام والإظهار، ولا بد أن تصحبه غنة. كما أنه لا بد للقارئ أن يعرف ما يمد، وما لا يمد، وحركات المدود. فإذا وقعت الهمزة والمد في كلمة واحدة كان المد متصلًا. وإن كانت في كلمة والمد في كلمة فالمد منفصل.

стр. 102

فالأول نحو: ﴿أُولَئِكَ﴾ . والثاني نحو: ﴿بِمَا أُنْزِلَ﴾ . وهناك مد لازم؛ وهو ما يعقبه حرف مشدد؛ نحو: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ . والمد: مط الحرف حركة فأكثر. عن ابن مسعود أنه أنكر على قارئ يقرأ: "الفقراء" بغير مد، وأمره بمدها؛ لأن ابن مسعود هكذا بالمد تلقاها عن رسول الله ﷺ . ومن العرب مَن يحقق الهمزة، ومنهم مَن يسهلها إذا وقعت قبلها همزة، ومنهم مَن يقلبها ألفًا نحو: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أو بقلبها واوًا إن ضم ما قبلها، أو ياء إن كسر؛ نحو: يؤمنون، والنبي. وحفظ القرآن فرض كفاية، وكذا تعليمه وتعلمه. ولا بد فيه من المشافهة، وتلقيه عن أهله الذين يتلونه حق تلاوته من غير مبالغة ولا تقصير؛ لأنه إذا اشتد البياض كان برصًا، وهكذا القراءة تُتلى لا هزًّا كهز الشعر، ولا سردًا مخلًّا، ولا تذمتًا مملًّا. عن ابن مسعود ﵁ قال: "جودوا القرآن". والتجويد حلية القراءة؛ وهو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها ورد الحرف إلى مخرجه وأصله، وتلطيف النطق به على كمال هيئته من غير إسراف ولا تعسف، ولا إفراط ولا تكلف. والقراءة إما تحقيقًا وهي ما كانت للرياضة، وإما ترتيلًا وهي ما كانت للتدبر. وفي الحديث: "مَن أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد" يريد: ابن مسعود. وقد قيل: للحرف ميزان فلا تك طاغيا ... فيه ولا تك مخسر الميزان وإن أول ما تغنى المغنون بالقرآن قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ الآية.

стр. 103

وذلك تقليدًا لما كانوا يتغنون به من قول الشاعر: أما القطاة فإني سوف أنعتها ... نعتًا يوافق عندي بعض ما فيها ويُغتفر للمتعلم اللحن اليسير إذا لم يتيسر له شيخ يقرأ عليه، وهذا بحكم الضرورة، وإلا فاللحن في القرآن مقطوع بتحريمه. وبهذا ينتهي هذا الموضوع.

стр. 104

الموضوع السابع: فضائل القرآن وأحكام تتعلق به أخرج الترمذي١ عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله ﷺ قال: "ستكون فتن"، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكْم ما بينكم، وهو الفصل، ليس بالهزل، مَن تركه من جبار قصمه الله، ومَن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، مَن قال به صدق، ومَن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم". وأخرج الحاكم وغيره، من حديث عبد الله بن عمرو: "من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه، غير أنه لا يُوحى إليه، لا ينبغي لصاحب القرآن أن يجد مع من يجد، ولا يجهل مع من يجهل وفي جوفه كلام الله". وأخرج أبو يعلى والطبراني من حديث أبي هريرة: "القرآن غنى لا فقر بعده ولا غنى دونه". وأخرج الطبراني من حديث أنس: "حملة القرآن عرفاء أهل الجنة". وأخرج أيضًا من حديث أبي أمامة: "مَن تعلم آية من كتاب الله استقبلته يوم القيامة تضحك في وجهه".

стр. 105

وأخرج ابن أبي شيبة من حديث أبي شريح الخزاعي: "إن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وصرفه بأيديكم، فتمسكوا به؛ فإنكم أن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا". لهذه الأحاديث وغيرها تعلق المسلمون بالقرآن تعلقًا لا نظير له، أحصوا حروفه وكلماته وآياته وسوره مما يؤكد الضبط التام له ... فسوره أربعة عشر ومائة، ولا التفات لمن عد أقل من ذلك أو زاد؛ لأنه راجع إما إلى إدماج سورة في أخرى، أو إثبات ما لم يثبت. وأما عدد الآيات، فالاختلاف فيه راجع إلى وقف النبي ﷺ فلما استقر الأمر في قلوب المسلمين وصل لاستكمال المعنى، فروى كل راوٍ ما سمعه؛ فعن ابن عباس: أن الآي ست عشرة وستمائة وستة آلاف، وجميع حروف القرآن واحد وسبعون وستمائة وثلاثة وعشرون ألف وثلاثمائة ألف حرف. وعد قوم كلمات القرآن سبعة وسبعين ألف كلمة وتسعمائة وأربعًا وثلاثين كلمة. قال بعض القراء: القرآن العظيم له أنصاف باعتبارات، فنصفه بالحروف "النون" من "نكرا" في الكهف، و"الكاف" من النصف الثاني، ونصفه بالكلمات "الدال" من قوله: "والجلود" في الحج، وقوله: "ولهم مقامع" من النصف الثاني، ونصفه بالآيات ياء "يأفكون" من سورة الشعراء، وقوله: "فألقي السحرة" من النصف الثاني، ونصفه على عدد السور آخر الحديد، والمجادلة من النصف الثاني. ويستحب الإكثار من تلاوة القرآن للعبادة والتدبر والتعلم، بعيدًا عن الرياء، قال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ..

стр. 106

وفي الحديث: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها".. وفيما يُرْوَى: يأهل القرآن، لا توسدوا القرآن، واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار وأفشوه، وتدبروا ما فيه لعلكم تفلحون.. ولا يفقه مَن قرأ القرآن في أقل من ثلاث ليالٍ.. وهذا القدر هو أقصى ما يستطاع إذا التزمنا بحقوق الأداء.. وأرى أن مَن تكثر مشاغله، عليه أن يقرأه في كل شهر مرة، فإن مر عام ولم يقرأه المسلم مرة واحدة اعتبر هاجرًا للقرآن.. ونسيان ما كان قد حفظ من القرآن يعد من أكبر الذنوب، وفي الصحيحين: "تعهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عُقُلِهَا". ويستحب أن تكون القراءة على وضوء، مستقبلًا بها القبلة؛ لأنها عبادة. وفيما يُروى: إن أفواهكم طرق للقرآن، فطيبوها بالسواك. عن ابن مسعود قال: "لا تنثروه نثر الدقل، ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هَمُّ أحدكم آخر السورة". فإذا مر القارئ بآية دعاء تضرع، وإن مر بآية عذاب تعوذ، وهكذا وردت الأحاديث الصحيحة. ويسن الاستماع والإنصات والدعاء عند الانتهاء من التلاوة.. وأما الاقتباس من القرآن في النثر والشعر، فالمختار أنه جائز بشرطين: أن يكون الاقتباس من غير ما نسبه الله إليه؛ نحو: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ ، لا يجوز أن ينسبها المقتبس إلى نفسه، وأن يكون بعيدًا عن الهزل..

стр. 107

والاقتباس أَخْذٌ من القرآن من غير إضافة: قال الله.. مثلًا.. وأما قراءة القرآن يراد بها الكلام العادي فممنوع، إلا إذا أراد أن يأنس بكلامه سبحانه، فلا بأس بذلك.. وقد وردت بعض الأحاديث الصحيحة في فضل بعض السور وبعض الآيات, وتلك الأحاديث تُعْنَى ببيان بعض الخصائص ولا تقتضي تفضيل شيء من القرآن على شيء، فالكل كلام الله؛ وإنما يتفاضل باعتبار ما يتيسر للمكلف فهمه، أو ما يتضمنه موضوع السورة أو الآية.. فالتوحيد مثلًا في سورة الإخلاص يختلف عن موضوع رد اعتداء أبي لهب بالذم له في سورة تبت يدا.. ومن العلماء من علل لبعض الأحاديث التي وردت في تفضيل بعض الآيات؛ كوصف آية الكرسي بالسيادة؛ لأنها اشتملت على التوحيد بمزيد من التفصيل، ففيها إثبات ذات الله، ثم تنزيهه، ثم بيان بعض الصفات الذاتية، ثم تنزيهه عن النقص، وإفراده بالملك والتصرف، وأنه ليس لأحد أن يلزمه بشيء، وإحاطة علمه، ومنحه العلم لمن يشاء، وسَعَة سلطانه.. ثم ختمها بالعلو عما يجول بالخواطر وبالعظمة التامة، وفي الخبر أن عمر بن الخطاب سأل جماعة فيهم عبد الله بن مسعود قائلًا: أي القرآن أعظم؟ فأجابه: آيه الكرسي، وأي القرآن أشمل؟ فأجابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية، وأي القرآن أجمع؟ فأجابه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ، وأي القرآن أحزن؟ فأجابه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ، وأي القرآن أرجى؟ فأجابه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ . وما في القرآن من آية أكثر تفويضًا من قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ . وأشد آية على أهل النار قوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ

стр. 108

إِلَّا عَذَابًا﴾ ، وأرجى آية لأهل التوحيد قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . وأشد آية على العلماء والحكام قوله: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ، وقوله: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ .. وفضائل القرآن وخواصه لا تنتهي، ويُروى: خذ من القرآن ما شئت لما شئت، مع المحافظة على قداسته ومقاصده. وبهذا ينتهي هذا الموضوع.

стр. 109

الموضوع الثامن: جَمْعُ القرآن ١ وتدوينه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: "قُبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جُمع في شيء". وقد كان القرآن كتب كله في عهد رسول الله ﷺ غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور. وإنما لم يجمع في العهد النبوي؛ لأن الوحي كان لم يزل. فإذا نزلت الآية أمر كتابه بتدوينها في الموضع الذي يختاره الله لها من السور. أضف إلى ذلك حفظ الصحابة له في صدورهم. فبه يصلون ويتعبدون، ومنه يتعلمون، وعليه يقيمون حياتهم العريضة في الدين والدنيا والآخرة. فلم تمضِ لحظة بعد وصوله إلى قلب النبي، فيبلغه إلا وهو مدون في السطور، محفوظ في الصدور، ولعظيم اهتمامه بذلك أرجأ كتابة أي شيء عنه من السُّنَّة إفساحًا لكتابة القرآن. قال الحاكم في المستدرك: "جُمع القرآن ثلاث مرات؛ إحداها: بحضرة النبي ﷺ ". ويعني هذا الجمع التدوين، ووضع الآيات التي تأخر نزولها في مكانها من السور. والجمع الثاني: كان في عهد أبي بكر. روى البخاري٢ في صحيحه عن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن

стр. 110

فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ، قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه؛ فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر. اهـ. ونستخلص من هذا الحديث الذي هو أصل هذا الباب ما يأتي: ١- الجمع في عهد الرسول وترتيب الآيات كان بتوقيف من النبي ﷺ . ٢- الراوي للجمعين هو زيد بن ثابت، الشاب العاقل الذي لم يتهم، والذى كان أحد كُتَّاب الوحي في عهد النبي ﷺ . ٣- كانت السور مفرقة عند الصحابة، فأراد الصديق بحكم المصلحة أن يفعل شيئًا بعد أن رأى القراء قد قُتل بعضهم، وفي هذا خطورة على القرآن، وكان معهودًا به إلى صدور القراء وصحفهم الخاصة. ٤- لم يكن أبو بكر منفردًا بتصرف الأمور وحده، فلما عرض عليه عمر وجهة نظره استدعى الصديق زيد بن ثابت؛ ليتعرف على رأيه. ٥- رأى زيد بن ثابت أن يستمسك باتباع النبي، وقد توفاه الله
следующие страницы →