← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11741

الأصلان في علوم القرآن

محمد عبد المنعم القيعي

Полный текст (393 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فالجارة مكسورة على الظاهر وياء المتكلم، ومفتوحة فيما عدا هذين. ومن أشهر معانيها الاستحقاق؛ وهي الواقعة بين ذات ومعنى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ . والملك: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ . والاستحقاق أعم من الاختصاص والتملك.. ويليه الملك.. ثم الاختصاص. وترد للتعليل: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ أي: من أجل حبه للمال بخيل. و"اللام" أصل في التعليل.. فيقال: لـ، ولأجل. وتأتي موافقة لـ"إلى" وبمعناها: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ أي: إليها.. والسر أنه أوحى لأجل أن تشهد على بني آدم بما فعلوه على ظهرها. وبمعنى الاستعلاء: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ لأن التواضع لا استعلاء فيه. وبمعنى "في" لبيان العلة: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ . ولم يقل "في" لبيان العدل الذي من أجله كانت القيامة. وبمعنى "عند" كقراء الجحدري: "بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَا جَاءَهُمْ" بتخفيف الميم.. أي: عند مجيئه.. وعدل إليها ليبين وصفهم في تكذيبهم لوجود ما يستدعي التصديق والانقياد. وبمعنى "بعد": ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وعدل إليها ليؤدي المغرب في أول وقته.. فإن الدلوك ميل الشمس إلى الغروب، والبعدية يمكن أن تمتد فيقع المغرب في وقت العشاء. وبمعنى "عن": ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ أي: قالوا عنهم ذلك في غيبة المؤمنين.

стр. 282

وما من أجله قبل ذلك القول؛ وهو إيمان المؤمنين. أما الناصية، فهي لام التعليل: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ . وأما الجازمة، فهي لام الطلب: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ . ويستوي أن يكون الطلب من الله أو من العبد: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أو كان للتهديد: ﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ . وأكثر ما تجزم فعل الغائب، ثم فعل الخطاب.. وبقلة فعل المتكلم: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ﴾ ، ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ . وأما غير العاملة، فهي ثلاثة أقسام: ١- لام الابتداء: وفائدتها توكيد مضمون الجملة، وتخليص المضارع للحال: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ . ٢- لام الجواب: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ ، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ . ٣- اللام المؤطئة: وهي الداخلة على أداة شرط للإيذان بقسم محذوف: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ . - "لا": إما نافية تعمل عمل "إن"؛ فتنفي الجنس بالتنصيص على نفي كل فرد: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ . أو تعمل عمل "ليس"؛ فلا يراد بها التنصيص على كل فرد؛ بل يراد النفي في الجملة: ﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ﴾ بالرفع. وإما ناهية يطلب بها الترك؛ فتختص بالمضارع وتخلصه للاستقبال: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ .

стр. 283

وإما زائدة للتوكيد بمنزلة إعادة الجملة مرة أخرى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ . واختلف في "اللام" من قوله: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ فقيل: زائدة، وفائدتها مع التوكيد التمهيد لنفي الجواب، والتقدير: أقسم بيوم القيامة، لا يتركون سدى. وقيل: هي نافية لما تقدم عندهم من إنكار البعث والابتداء بـ"أقسم".. وصح ذلك لأن القرآن كله كالسورة الواحدة. ألا ترى أنه قد يأتي بسؤال ويجيب عنه في سورة أخرى؛ كما في قوله من سورة الحجر: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ . وجوابه ما ذكر في سورة القلم: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ . وقيل: منفيها "أقسم" على أنه إخبار لا إنشاء. والمعنى في ذلك: أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظامًا له؛ كقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ . فكأنه قيل: إن إعظامه بالإقسام به كل إعظام؛ أي: أنه يستحق إعظامًا فوق ذلك. وترد "لا" اسما بمعنى "غير"؛ كقوله: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ . - "لات": قيل: فعل بمعنى "نقص"، وقيل: هي مقلوبة عن "ليس"، وقيل: هي لا النافية، "والتاء" فيها للتأنيث.. وقيل: بل "التاء" زائدة.. وتعمل عمل "إن" عند قوم.. وعمل "ليس" عند آخرين.. ولا تعمل عند جماعة، وما بعدها مفعول لفاعل يناسبه.

стр. 284

وقيل: هي حرف جر، ولا يذكر معها إلا أحد معموليها: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ . - "لا جرم": قيل: "لا" نافية أو زائدة، و"جرم" بمعنى حقًّا أو كسب.. وقيل: هي مركبة، ومعناها: لا بد أو حقًّا.. وموضع ما بعدها حسب ما يقدر من معانيها. - "لكنَّ" بالتشديد: للاستدراك.. ومعناه: إثبات لما بعدها حكمًا مناقضًا لما ثبت قبلها: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ . وقيل: هي للاستدراك ورفع التوهم، وأصلها مخففة، وبعدها "إن"، فخذفت الهمزة لالتقاء الساكنين. أما "لكنْ" المخففة فللاستدراك أيضًا. وقد تُسبق بحرف العطف: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ . وقد تكون "و" العاطفة إن تلاها مفرد: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ . - "لعل": أشهر معانيها: التوقع والتوكيد لذلك. ومعنى التوقع: الترجي في المحبوب والإشفاق في المكروه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ . وترد للتعليل لاستبعاد الوقوع: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ .

стр. 285

وترد للاستفهام: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ . وعدل عنه لكون التزكية من الله، وأن الحرص على هداية المدعويين من مهمات الدعاة. وللتشبيه: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ . - "لم": حرف نفي وجزم يقلب المضارع ماضيًا: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ . - "فلما": وهي على أوجه: حرف وجود لوجود: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ﴾ . وقيل: هى ظرف زمان. وترد بمعنى "إلا": ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ .. وحرف إثبات؛ لأنها مركبة من "لم" و"ما"، ونفي النفي إثبات. وتفترق عن "لم" في أنها لا يدخل عليها أداة الشرط، وأن منفيها آكد وقريب من الحال، ويتوقع حصوله، ويجوز الوقف عليها. - "لن": قيل: النفي بها أبلغ من النفي بـ"لا"، وهى لنفي ما يستقبل. وادعى الزمخشري وابن عطية أنها تفيد التأبيد. ورُد بأن التأقيت يأباه؛ كما في قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ . وإنما يستفاد التأبيد من قرائن خارجية؛ كقوله: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ . والمختار أنها لنفي ما قرب، و"لا" لنفي ما هو ممتد، قال لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾

стр. 286

وقال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ إذ الألف يمد الصوت بها، فكانت أوسع من "لن". وقد ترد للدعاء: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ . - "لو": حرف شرط في المعنى، يصرف المضارع إليه بعكس "إن" الشرطية، فإنها تجعل الماضي مستقبلًا. واختلف في إفادتها الإقناع، وكيفية إفادتها إياه على أقوال: أحدهما: أنها لا تفيده بوجه ولا تدل على امتناع الشرط ولا امتناع الجواب؛ بل هي لمجرد ربط الجواب بالشرط، دالة على التعليق في الماضي. ثانيًا: أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره في الماضي، والمتوقع لم يقع. ثالثًا: أنها حرف يدل على امتناع الجواب لامتناع الشرط. واعترض بأن هذا -وإن صح في بعض الأمثلة- لم يصح إجراؤه في قول الله: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾ فإنه يدل على امتناع توليهم لامتناع أسماعهم. وإذا كان كذلك فامتناع التولي في حال الإسماع من باب أولى. رابعًا: حرف يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه من غير تعرض لنفي التالي. والصواب: أن "لو" حرف وُضع للملازمة بين أمرين، فالأول ملزوم والثاني لازم.. وكل منهما إما مثبت وإما منفي، فصارت الأقسام أربعة. فمثال المثبتين: ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ .

стр. 287

ومثال المنفيين في قول النبي ﷺ عن بنت أبى سلمة: "لو لم تكن ربيبتي لما حلت لي؛ لأنها بنت أخي من الرضاعة". ومثال الملزوم الثابت واللازم المنفي قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ . ومثال الملزوم المنفي واللازم المثبت قوله ﷺ : "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم". وأعني بالمثبت والمنفي ما هو في الصورة واللفظ، لا ما هو في الحقيقة، والمعنى: فإن من حولها إن كان مثبتًا في الصورة منفيًّا في الحقيقة، وإن كان منفيًّا في الصورة كان مثبتًا في المعنى. كذا قيل في مقتضاها. وعليه: فالحكم إما نفي الأول لنفي الثاني؛ لأن الأول ملزوم، والثاني لازم، والملزوم عدم عند لازمه. وأما تحقق الثاني لتحقق الأول؛ لأن تحقق الملزوم يستلزم تحقق لازمه. قيل: كل شيء من القرآن فيه "لو" لا يكون. وتختص "لو" بالدخول على الفعل الظاهر أو المقدر. وإذا تلاها الفعل كان المقصود مجرد التعليق؛ نحو: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ . وإذا وليها الاسم كان المقصود التعليق واختصاص الاسم بذلك؛ نحو: ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ . فالمقصود بعد التعليق اختصاص المذكورين بالبخل.

стр. 288

وإذا وليها "أن" المؤكدة كان المقصود زيادة على ذكر التوكيد، وأنه قد فوت على نفسه ما كان حقه أن يفعل؛ نحو: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ . فالمقصود التعليق وتوكيد الاختصاص ولومهم على ترك الصبر.. وقد ترد "لو" شرطية في المستقبل إن صلح مكانها "إن" الشرطية؛ نحو: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ . وترد مصدرية إن صلح مكانها "أن" المصدرية؛ نحو: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي﴾ أي: الافتداء. وترد للتمني إن صلح مكانها "ليت"؛ نحو: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ﴾ .. وللتقليل؛ نحو: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ . وعدل إليها في هذه المواضع؛ لبيان الندرة والإقناع. - "لولا": حرف امتناع لوجود: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ .. وترد للتخصيص والعرض في المضارع لفظًا ومعنى، أو معنى فقط: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ . وعدل إليها لبيان امتناع ذلك. وقد ترد للتوبيخ؛ نحو: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ . وللنفي، كذا قيل في قوله: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ . وكل هذا يمكن أن يدخل في العرض والتحضيض. - "لوما": لم ترد إلا للتحضيض: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ .

стр. 289

- "ليت": معناها التمني.. ويشتم التوكيد معه: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ . - "ليس": لنفي مضمون الجملة في الحال، ونفي غيره بالقرينة: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ ، ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ . هذا في المستقبل لوجود القرائن. - "ما": إما اسمية أو حرفية. والاسمية موصولة بمعنى "الذي"، ويستوي فيها المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع. وأكثر ما تستعمل في غير العقلاء، وفي العقلاء نحو: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ، ويعود الضمير عليها مراعاة للفظها، فيفرد.. أو لمعناها في غير المفرد فيُجمع: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ . أو استفهامية بمعني: أي شيء.. ويُسأل بها عن أعيان ما لا يعقل وأجناسه وصفاته، وأجناس العقلاء وأنواعهم وصفاتهم: ﴿مَا لَوْنُهَا﴾ ؟ ولا يُسأل بها عن أعيان أولي العقل في الراجح. وقول فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ؟ جهل منه بذات الله؛ ولذا أُجيب بالصفات: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ . وتُحذف ألفها إن سبقها جار: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ ؟ أو شرطية: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ .

стр. 290

أو تعجيبة: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ . وقد ترد "ما" نكرة تامة؛ نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ . أو نكرة ناقصة؛ كما في قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ . أو نكرة موصوفة؛ نحو: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِه﴾ أي: نعم شيئًا يعظكم به. والحرفية إما مصدرية زمنية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ .. أو غير زمنية: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ﴾ أي: بنسيانكم. أو نافية تعمل عمل "ليس": ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ . أو نافية غير عاملة، وهي لنفي الحال مع التوكيد: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ . وقد ترد زائدة للتوكيد كافة لما قبلها عن العمل: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ .. أو غير كافة: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ . وحيث وقعت "ما" قبل "ليس" أو "لم" أو "لا" أو بعد "إلا" فهي موصولة؛ نحو: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ . وحيث وقعت بعد كاف التشبيه فهى مصدرية: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ . وحيث وقعت بعد الباء فإنها تحتملها؛ نحو: ﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: بظلمهم الذي كان، أو بالظلم الذي كان. وحيث وقعت بين فعلين سابقهما علم أو دراية أو نظر؛ احتمل أن تكون موصولة أو استفهامية؛ نحو: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ، ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ، ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ . وحيث وقعت في القرآن "إلا" فهي نافية إلا في مواضع:

стр. 291

١- ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ سورة البقرة. ٢- ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ سورة البقرة. ٣- ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ سورة النساء. ٤- ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ سورة النساء. ٥- ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ سورة المائدة. ٦- ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ سورة الأنعام. ٧- ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ سورة الأنعام. ٨- ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ سورة هود. ٩- ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ سورة هود. ١٠- ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ سورة يوسف. ١١- ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ سورة يوسف. ١٢- ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ سورة الحجر. ١٣- ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ سورة الكهف. - "ماذا": على أوجه: ١- "ما" استفهامية، و"ذا" موصولة. ٢- "ما" استفهامية، و "ذا" اسم إشارة.

стр. 292

٣- "ماذا": كلها استفهام. وقيل: هي اسم جنس بمعنى "شيء".. أو اسم موصول بمعنى "الذي". وقيل: "ما" زائدة، و"ذا" للإشارة. وقيل: "ذا" زائدة، و"ما" للاستفهام. ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ . - "متى": ترد للشرط والاستفهام عن الزمان: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ ؟ - "مع": تدل على مطلق المقارنة. والقرائن هي التي تحدد نوع المقارنة هل فيها مماسة أو لا؛ قال تعالى: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ . وقد يشار بها مع المقارنة إلى مكان الاقتران؛ كقوله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ .. وإلى زمانه؛ نحو: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ . فالمقارنة كانت في السجن وهو مكان، وفي الغد وهو زمان. ومعية الله لعبده المقارنة من غير كيفية. والمقطوع به أنه لا مماسة بينهما. فمقارنة النصر في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ، ومقارنة التوفيق والجزاء في قوله: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ، وما تضاف إليه "مع" هو المعان. - "مِن" بالكسر: أشهر معانيها ابتداء الغاية؛ مكانية: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ، أو زمانية: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ﴾ ، أو مطلقة: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ .. ومعنى ابتداء الغاية أن هذه الأفعال قد بدأت من أول ما ولي منه. وللتبعيض، وهي التي يسد مسدها "بعض" لإرادة الجزء لا الكل؛ قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ . وللتبيين والتفصيل بعد الإجمال؛ كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ .

стр. 293

وللتعليل: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ . وسر العدول إليها أنها اختصار لأصل ما يُعلل به وهو: "من أجل". وللفصل بين الضدين: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ . وللبدل لإرادة أن المستبدل أقل بكثير من المستبدل به: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ ، فالدنيا المستبدلة قليلة بالنسبة للآخرة المستبدلة بها.. وللتنصيص على استغراق كل الأفراد؛ حتى لا يخرج فرد واحد من هذا العموم الشامل؛ كما في قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ ؛ إذ لو قال: "وما إله الله" لكان أقل في التوكيد، ولا يحتج بكلمة التوحيد للفرق بين المنفي "بما" والمنفي "بلا" وهو الاستمرار. وترد بمعنى "الباء": ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ . وعدل إليها لبيان حرصهم على التستر حتى لا يفضحوا. وترد للاستعلاء لإرادة تمام العلو والتمكن: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ . وعدل إليها؛ كأن الله جرده منهم ثم مكنه من رقابهم. وترد للظرف؛ كما في قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ . وعدل إليها لأن صلاة الجمعة بعض من اليوم يستغرق أداؤها جزءًا منه. وترد للمجاوزة: ﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ . وعدل إليها لأنه ابتداء غفلتهم، فأول ما غفلوا غفلتهم عن المسئولية والجزاء عليها؛ إذ لو تنبهوا لذلك وتيقظوا لبرئوا من الهول ونجوا منه. وترد بمعنى "عند": ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ . وسر العدول إليها أن الجزاء منه وحده.

стр. 294

- "مَن" بالفتح: لا ترد إلا اسمًا.. موصولة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ أو شرطية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أو نكرة موصوفة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ أو استفهامية عن ذوات العقلاء: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ، ويستوي فيها المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع. قيل: واختصاصها بالعقلاء "وما" بغير العقلاء؛ نظرًا لزيادة استعمال "ما" على "من" وهذا في الموصولة. أما في الشرطية فلا اختصاص لأيهما؛ لأن الشرط يستدعي الفصل ولا يدخل على الاسم. - "مهما": اسم يعود الضمير بالتذكير عليها إن روعي لفظها وبالتأنيث إن روعي معناها، وهي لشرط ما لا يعقل غير الزمان: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا﴾ . - "النون": حرف إن لم يكن ضميرًا فهي اسم كنون النسوة ونون المتكلمين. والتنوين أنواع: تنوين التمكين اللاحق للأسماء المعربة، والتنكير اللاحق للمبني من الأفعال وأسمائها، وتنوين المقابلة في جمع المؤنث السالم، وتنوين العوض الذي يُستغنى به عن المضاف إليه. - "نَعَم" بفتح النون والعين: يُجاب بها عن الاستفهام الموجب: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ وهي لتصديق المخبر

стр. 295

- "هنا": يُشار بها للمكان القريب، فإن وليتها "الكاف" كانت للمتوسط، وإن أعقبتها اللام والكاف كانت للبعيد، ويشار بها للزمان تجوزًا: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ، ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ . - "هيت": اسم فعل بمعنى أسرع وبادر: ﴿قَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ . - "هيهات": اسم فعل بمعنى بعد: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ . - الواو: منها: الجارة؛ وهي واو القسم وتعتبر الأصل فيه، ويليها الباء ثم التاء: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ . ومنها: الناصبة، وتُسمى واو المعية، يستوي فيها أن يليها الاسم: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ أو الفعل في جواب النفي أو الطلب: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ . وواو الصرف التي تصرف الفعل إلى النصب؛ كما في قوله: "أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكَ الدِّمَاءَ" بالنصب. ومنها: غير العاملة؛ كواو العطف التي هي لمطلق الجمع ولا تقتضي ترتيبًا: ﴿أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ ، ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ ، ﴿يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ . قد تليها بعض أحرف العطف كـ"إما" و"لا" و"لكن": ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ . وقد ترد بمعنى "أو"، وخرج مالك على ذلك قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ... ﴾ الآية.

стр. 296

ويشتم منها التعليل إن نصب الفعل بعدها. ومنها "واو" الاستئناف: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ .. وواو الحال؛ وهي الداخلة على الجمل: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ . - "ويكأن": كلمة تندم وتعجب، والصواب أنها كلمة واحدة: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ . - "ويل": معناها التقبيح، وقد تقال للتحسر؛ نحو: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ . - "الياء": أصل أحرف النداء، فيُنادى بها البعيد، وقد تفيد توكيد ذلك ولا يُنادى "أيها" و"اسم الله" إلا بها، وقد يُنادى بها الاسم والحرف في الظاهر: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُون﴾ ، ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ إذ التقدير: يا قوم اسجدوا.

стр. 297

الموضوع الرابع عشر: الإعراب وغير المشهور من اللغات قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ ، وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ . والإعراب: هو إظهار حركة آخر الكلمة لتفهم المعنى، ولتبيين الغرض الذي سيق من أجله الكلام. عن يحيى بن عتيق قال: قلت للحسن البصري: يا أبا سعيد، الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حُسْنَ المنطق، ويقيم بها قراءته، قال: حسن يابن أخي، فتعلمها فإن الرجل يقرأ الآية فيعيا بوجهها فيهلك فيها. وعلى الناظر في كتاب الله تعالى، والكاشف عن أسراره، النظر في الكلمة وصيغتها ومحلها وموقعها في الكلام؛ من: الابتداء أو الجواب أو الطلب أو الإخبار أو انتهاء الكلام أو غير ذلك. ومن المعلوم أن الإعراب فرع فهم المعنى؛ إذ لا يستقيم إعراب ما لم تفهم المعنى. ومن الخطأ أن تصير تابعًا للإعراب.. فنحن لا نميز الفاعل عن المفعول إلا إذا علمنا مَن تعلق به الفعل ومَن وقع عليه ذلك الفعل. ومن هنا كان الواجب الأول أن تفهم المعنى، ثم يكون الإعراب المبني عليها. فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ لا يستقيم الإعراب إلا بعد فهم المراد من الكلالة، أهو الميت فيعرب حالًا، و"يورث" خبر كان.

стр. 298

وصفة لرجل و"كان" تامة، أو هي ناقصة، و"كلالة" خبرها؟ والتقدير: وإن وجد رجل موروث حال كونه كلالة.. إن قُدرت "كان" تامة. أما إن قدرتها ناقصة.. فيكون التقدير: وإن كان رجل موروث ميتًا. فإن كان المراد بـ"كلالة" الورثة.. قدرت مضافًا؛ ليكون التقدير: وإن كان رجل يورث ذا كلالة. وإن أردت بها القرابة كانت مفعولًا لأجله، والتقدير: وإن كان رجل يورث لأجل الكلالة. وبهذا يتبين ضرورة فهم المعنى والمراد قبل الإعراب. ولا بد في التفسير من توضيح المعنى أولًا، فهو الهدف الأسمى من التفسير، والانشغال بالإعراب عن توضيح المعنى خروج عن التفسير، والاشتغال بتوضيح المعنى وترك الإسراف في الإعراب هي الطريقة المثلى في التفسير، فلا يعمد إليه إلا عند قيام احتمالات؛ فيقال: يكون الإعراب كذا إن كان المعنى كذا. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ .. إن كان المراد بالمثاني القرآن فـ"من" للتبعيض. وإن أريد بها سورة الفاتحة فـ"من" بيانية لسبع. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ .. إن كان "تقاة" بمعنى الاتقاء فتعرب مصدرًا.. أي: مفعولًا مطلقًا. وأن أريد متق.. أي: أمرًا يُتقى.. فمفعولًا به. وإن كانت جمعًا كرماة.. فهي حال. فأنت ترى أن كلمة "تقاة" يحتمل أن تكون مفعولًا مطلقًا، وأن

стр. 299

تكون مفعولًا به، وأن تكون حالًا.. ولا يُعرف الموقع الإعرابي إلا بعد تحديد المراد منها وفهم معناها. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ .. إن أريد بالأحوى: الأسود من الجفاف واليبس.. فهو صفة لغثاء. وإن أريد به شدة الخضرة.. فهو حال من المرعَى. وقد زلَّت أقدام كثير من المعربين راعوا في الإعراب ظاهر اللفظ ولم ينظروا في موجب المعنى؛ من ذلك قوله تعالى عن قوم شعيب قولهم له: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ . فإنه يتبادر إلى الذهن عطف "أن نفعل" على "أن نترك"، وذلك باطل؛ لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون. وإنما هو عطف على "ما"، فهو معمول للترك، والمعنى: أن نترك أن نفعل.. وعلى الكاشف عن أسرار الكتاب، والغائص في دقائقه أن يراعي ما تقتضيه الصناعة، فربما راعَى المعرِب وجهًا صحيحًا ولا نظر في صحته في الصناعة فأخطأ. من ذلك إعراب بعضهم "ثمود" مفعولًا مقدمًا في قوله ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ .. وتقديم المفعول على الفعل سائغ، إلا أنه هنا ممتنع؛ لأن ما بعد "ما" النافية لا يعمل فيما قبلها. والصواب: أنه معطوف على "عاد"، أو هو مفعول لـ"أهلك"؛ إذ الآيات: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ ..

стр. 300

ومن ذلك أيضًا -فيما راعى المعرب وجهًا صحيحًا، وإغفاله ما تقضيه الصناعة- تعليقه "الباء" بناظرة من قوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ . فتعلق حرف الجر بما قبله سائغ، إلا أن الاستفهام له الصدارة، و"ما" استفهامية.. والصواب: أنه متعلق بيرجع. وكذا قوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ .. جعله بعضهم حالًا من معمول "ثقفوا".. والصواب: أنه منصوب على الذم؛ لأن معمول الشرط لا يتقدم على أداة الشرط؛ إذ الأداة لها الصدارة كالاستفهام. وبعدما يجب على المعرب: فهم المعنى ومراعاة الصناعة، يجب أن يكون ملمًّا بقدر كافٍ من العربية؛ حتى لا يقع فيما وقع فيه من جعل "الكاف" للقسم في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ . وتوهم حذف أول التاءين من الفعل الماضي في قوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ . ومن المعلوم أن "الكاف" ليست من أحرف القسم، ولا تحذف إحدى التاءين إلا في أول المضارع. وعلى المعرب أن يتجنب الأمور البعيدة والأوجه الضعيفة واللغات الشاذة، ويخرج على القريب الفصيح القوي.. فإن لم يظهر فيه إلا الوجه البعيد فهو معذور. ولذلك أخطأ من وقف على "جناح" من قوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ﴾ ثم ابتدأ بقوله: ﴿عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ .. وجعل ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ منصوبًا على الإغراء بقوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ .

стр. 301

والتقدير عند هذا المخطئ: عليه الطواف، بالنصب على الإغراء، وضعف هذا أن الإغراء بضمير الغائب نادر، أما بضمير الخطاب كثير؛ نحو: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ . ومن المستحسن أن تستوفي كل الوجوه المحتملة إن دعت إليها الحاجة؛ فتقول: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ .. يجوز في "الأعلى" أن يكون صفة منصوبًا، وأن يكون مجرورًا صفة لربك، والأول صفة لاسم. وعلى المعرِب أن يراعي في كل تركيب ما يشاكله؛ فمثلًا: يقف على "لا ريب" من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ﴾ ويبتدئ بقوله: ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ . ويعتبر ذلك مبتدأ وخبرًا، والتركيب الآخر يأباه؛ كما في قوله من سورة السجدة: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ويترجح وجه على وجه إن أيد بقراءة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ .. قدر بعضهم: ولكن ذا البر، وقدره آخر: ولكن البر بر مَن آمن. ويؤيد الأول قراءة: "ولكن البار بر من آمن". ويجوز أن تتعدد الاحتمالات مع تأييد كل احتمال، فيتغير المعرَب أي واحد منها؛ قال تعالى: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوَىً، قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ . يحتمل أن يراد بالموعد المصدر، ويؤيده: ﴿لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ﴾ .. ويحتمل أن يراد به اسم المكان، ويؤيده: ﴿مَكَانًا سُوَىً﴾ .. ويحتمل أن يراد به اسم الزمان، ويؤيده: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ . ومما يجب على المعرِب مراعاته ملاحظة الرسم حتى لا يصل منفصلًا ولا يفصل متصلًا.

стр. 302

فمن الأول اعتبار "اللام" من قوله تعالى: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ وجعلها لام الابتداء؛ لأنها اتصلت بـ"الذين". والصواب: أنها "لا" النافية. ومن الفصل بين المتصل قولهم في ﴿سَلْسَبِيلًا﴾ : "سل سبيلا"؛ إن "سل" فعل أمر، والمعنى: سل طريقًا يوصلك إليه، والحق أنها كلمة واحدة. ومما يجدر التنبه له أنه في حالة تعارض المعنى مع الإعراب يُقدم مراعاة المعنى؛ ومثاله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ، يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ والمعنى: إن الله قادر على رجع الإنسان يوم القيامة ليحاسبه؛ لكن الإعراب يأبَى أن يتعلق "يوم" بالمصدر الذي هو "رجع"؛ لأنه لا يفصل بين المصدر ومعموله.. وقد فصل هنا بـ"الهاء"، وبقوله: "لقادر". والخلاصة: إن على المعرِب مراعاة ما يأتي: ١- تحديد المعنى قبل الإعراب. ٢- مراعاة كل ما تقتضيه الصناعة النحوية؛ ليلاحظ الفروق بين المشتبهات كالتوابع، وما له الصدارة، ومتعلقات حروف الجر، وغير ذلك. ٣- تُراعى التراكيب في الآيات الأخرى المشابهة للآية؛ حتى لا يتعارض إعراب مع تركيب آية أخرى؛ فيكون كالتفسير بالرأي يعارض المأثور. ٤- تترجح بعض الوجوه بالقراءة أو بالأمارات القوية، فإن اقتضى توضيح المعنى مخالفة ما تأباه الصناعة ولم يمكن توضيحها إلا على ذلك فلا بأس، ويُلتمس لذلك مخرج في النحو ولو ضعيفًا. ٥- يجب مراعاة الرسم؛ حتى لا تتجزأ الكلمة الواحدة، ولا تدمج

стр. 303

الكلمتان.. تلك الشروط تجب مراعاتها فيما يتعلق بقواعد الإعراب. وأما غير المشهور من اللغات.. فاعلم أن قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قاطع بعربية القرآن، والإحاطة باللغة أمر عسير جدًّا؛ ولذا تبدو بعض الكلمات غريبة على بعض الناس، فيحسبونها غير عربية، ومن المقطوع به أن كل العرب يعرفون لغتهم، فما يجهله البعض يعرفه الآخرون. وقال ابن عباس: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها، فالتمسنا معرفة ذلك منه. وقد سبق أن بينت معاني المفردات، وهذا بيان ما هو معرَّب، أو لم يزل غير عربي ومع ذلك قد وُجد في القرآن الكريم. ومن العلماء مَن أنكر وجود كلمات غير عربية في القرآن.. استدلالًا بقول الله: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ ، ولو وجدت في القرآن كلمات غير عربية لكان عجزهم من الإتيان راجعًا إلى وجود كلمات ليست من لغتهم. ويُرد على الاستدلال بالآية؛ بأن المعنى: أكلام أعجمي ومخاطب عربي؟ ومن المعلوم أن القرآن كما يطلق على الكل يطلق على البعض، وأن وجود كلمات يسيرة لا تبرر عجزهم، فجل ما فيه عربي.. والذي أميل إليه أن في القرآن من أسماء الأعلام ما هو غير عربي، ولا يقدح في عربية القرآن وجود كلمات اتفقت فيها لغة العرب ولغة غيرهم، فتوافق اللغتين في كلمة واحدة أمر ممكن وواقع، وكل واحد ينسب تلك الكلمة إلى اللغة التي يعرف أن الكلمة منها، وإن كانت أيضًا بنفس المعنى في لغة أخرى. ورسالة الإسلام عامة، فلا حرج أن تستعمل كلمة هي عربية الأصل

стр. 304

ومع ذلك هي في اللغات الأخرى انتقيت؛ لعذوبتها وسهولتها، ولا يحيط باللغة إلا نبي، كما قال الشافعي ﵁. ومن الكلمات التي قيل عنها: إنها عربت، أو لم تزل أعجمية "إبريق"، ولا أظن أن العرب كانت لا تعرفه، وهو من لوازم معيشتهم. وقد نظمها بعض الناظمين في أبيات؛ ليسهل ضبطها، فقال: السلسبيل وطه كورت بيع ... روم وطوبى وسجيل وكافور والزنجبيل ومشكاة سرادق مع ... إستبرق صلوات سندس طور كذا قراطيس ربانيهم وغساق ... ثم دينار القسطاس مشهور كذاك قسورة واليم ناشئة ... ويؤت كفلين مذكور ومسطور له مقاليد فردوس يعد كذا ... فيما حكى ابن دريد منه تنور وزدت حرم ومهل والسجل كذا ... السري والأب ثم الجبت مذكور وقطنا وإناه ثم متكئا ... دارست يصهر منه فهو مصهور وهيت والسكر الأواه مع حصب ... وأوبي معه والطاغوت مسطور صرهن إصري وغيض الماء مع وزر ... ثم الرقيم مناص والسنا النور وزيد يس والرحمن مع ملكوت ... ثم سينين شطر البيت مشهور ثم الصراط ودري يحور ومر ... جان اليم مع القنطار مذكور وراعنا طفقنا اهدنا ابلعي ووراء ... والأرائك والأكواب مأثور هود وقسط وكفر زمرة سقر ... هون يصدون والمناة مسطور شهر مجوس وأقفال يهود حوا ... ريون كنز وسجين وتتبير بعير آزر حوب وردة عرم ... أل ومن تحتها عبدت والصور

стр. 305

ولينة فومها رهوا وأخلد مز ... جاة وسيدها القيوم موفور وقمل ثم أسفار عني كتبا ... وسجدا ثم ربيون تكثير وحطة وطوى والرس نون كذا ... عدن ومنفطر الأسباط مذكور مسك أباريق ياقوت رووا فهنا ... ما فات عدد الألفاظ محصور وبعضهم عد الأولى مع بطائنها ... والآخرة لمعاني الضد مقصور وبعد.. فإن مواقع هذه الكلمات من القرآن لا تَخْفَى على حافظ له.. وبعض هذه الكلمات مشروح في الشعر. وأكثر ما في القرآن بلغة أهل الحجاز؛ لأنها مهبط الوحي.. وبلغة قريش؛ لأنها قبيلة النبي ﷺ وعشيرته.. وتوجد بعض الكلمات في القرآن الكريم وردت على غير لغة الحجاز وبغير لغة قريش.. وقد نسبها بعض الصحابة إلى أصحابها، فمنها كلمة: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ ، نسبها ابن عباس إلى اليمن. وكذا كلمة: ﴿الْأَرَائِكِ﴾ ، وكلمة: ﴿مَعَاذِيرَهُ﴾ ، وقوله: ﴿لا وَزَرَ﴾ ، وقوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ، وقوله: ﴿لَهْوًا﴾ ، وقوله: ﴿بَعْلًا﴾ ، وكذا: ﴿وَالْمَرْجَانُ﴾ ... كل هذه الكلمات يمنية عربية. وبهذا ينتهي هذا الموضوع.

стр. 306

الموضوع الخامس عشر: فنون البلاغة إذا كانت البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى حال المخاطب مع فصاحة الكلام، فالقرآن الكريم مثل أعلى في هذا المضمار، كما هو مثل أعلى في كل شيء.. وقد تعدد خطاب القرآن بتعدد المخاطبين من حيث إرادة العموم أو الخصوص أو غير ذلك. وسواء أكان الخطاب طلبًا أم خبرًا، فإنه خطاب يُراد به الإعلام. ومن بين مخاطبات القرآن: الخطاب العام للجميع؛ كقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ ، فقد خلق الجميع لا استثناء من ذلك.. والخطاب الخاص للفرد الواحد؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ . ومنها: الخطاب العام المراد به جماعة معينة؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ .. ويدخل في هذا الخطاب الأطفال والمجانين الذين لم يُكلفوا أو ارتفع عنهم التكليف. ومنها: الخطاب الخاص المراد به العموم؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ .. فقد نُودي هو ﷺ ، ووُجه الخطاب لجميع الأمة. ومنها: خطاب النوع؛ كقوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ .. فإن هذا الخطاب لهم فقط. أما المسلمون فقد أمروا أن يذكروا المنعِم: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ .

стр. 307

وقد يتضمن خطاب النوع مدحًا؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .. أو ذمًّا؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ . كما قد يتضمن خطاب الشخص إكرامًا له؛ نحو: نداء سيدنا محمد دون سائر الأنبياء بلفظ النبي أو الرسول. وقد يتضمن خطاب الشخص إهانته والتهكم به؛ كقوله: ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ وقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ . ومنها: خطاب الجميع بلفظ الواحد لبيان مسئولية كل فرد عن نفسه: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ . وقد يعكس فيخاطب الواحد بلفظ الجمع تعظيمًا له؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ . ومن المعلوم أنه لا نبي مع سيدنا محمد ولا نبي بعده.. والدليل على إرادته بهذا الخطاب قوله بعد: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ . ومنها: خطاب الاثنين بلفظ الواحد؛ كقوله عن فرعون: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ .. والتقدير: ويا هارون ... وأفرد موسى بالنداء إما لإدلاله عليه بالتربية، وإما لأن هارون كان أفصح من موسى فأعرض فرعون عنه. ونظير خطاب الاثنين بالواحد قوله لآدم: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ أفرده في الشقاء؛ لأن المخاطب أولى والمقصود في الكلام.. أو لأن الله علق العمل في الدنيا بالرجل.. أو هو إغضاء عن ذكر المرأة كما قيل: من الكرم ستر الحرم. ومنها: خطاب الواحد ثم الجمع لتعميم الحكم؛ كقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ

стр. 308

فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ . ومنها: خطاب العين والمراد الغير؛ نحو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ .. فإنه ﷺ قد بَلَغَ الكمال في التقوى، وحاشاه أن يطيع منافقًا أو كافرًا، ونظيره قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ .. ومنها: الخطاب العام الذي لم يقصد به مخاطبًا معينًا؛ كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ فلم يقصد بذلك خطاب شخص معين؛ بل كل واحد. وأخرج في صورة الخطاب لقصد العموم، يريد: أن حالهم تناهت في الظهور؛ بحيث لا يختص بها راء دون راء؛ بل كل من أمكن منه الرؤية داخل في ذلك الخطاب.. ومنها: خطاب الجمادات بخطاب مَن يعقل؛ للدلالة على أن لسان الحال كلسان المقال؛ كقوله للسماوات: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ .. والبلاغة ثلاثة فروع رئيسية حسب اصطلاح أهلها: بيان، ومعانٍ، وبديع. وقد اشتمل القرآن على هذه الفروع بأسلوب أرق من ماء السلسبيل وأعذب من الماء المعين.. ولم يقصد القرآن بما يقدمه من صور بلاغية تعمية أو خيالًا؛ وإنما خاطب الناس بما يعقلون، وتمشى معهم فيما هم فيه حاذقون. فالحقيقة في اصطلاح القوم: استعمال اللفظ فيما وضع له لغة أو إسناده إلى ما حقه أن يسند إليه؛ كإسناد القول لقائله..

стр. 309

والمجاز عكس ذلك؛ فهو إما استعمال اللفظ في غير ما وضع له؛ لعلاقة مع قرينة.. وإما إسناد اللفظ إلى غير ما حقه أن يُسند إليه؛ لعلاقة مع قرينة.. فإن كان المجاز في الاستعمال أطلقوا عليه: مجازًا لغويًّا. وإن كان في الإسناد أطلقوا عليه: مجازًا عقليًّا.. وهو أقسام: أحدها: ما طرفاه حقيقيان؛ نحو: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ أسند التذبيح إلى فرعون؛ لأنه الآمر به، وقد وقع من أعوانه.. فالطرفان استعمل كل منهما فيما وضع له؛ وهما: الذبح، وفرعون، في الشخص.. ثانيها: ما طرفاه مجازيان؛ نحو: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ .. الأصل: فما ربحوا في تجارتهم.. وكل من الربح والتجارة مجاز استعمل في غير ما وضع له؛ إذ المراد بذلك بيان ثمرة مَن اختار الضلال وترك الهدى. ثالثها: ما أحد طرفيه مجاز؛ نحو: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ .. فالسلطان مجاز عن البرهان، والإنزال على حقيقته.. ومثال المجاز اللغوي قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ .. أطلق الكل وأراد الجزء الذي هو طرفها؛ لبيان ما هم فيه من الهول.. وعَلاقة هذا المجاز متعددة لا تكاد تنضبط، وأهمها الذي قد يغفل عنه المقاربة، وهي أن ما قارب الشيء أخذ حكمه؛ نحو: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ والمعنى: قاربن نهاية العدة.. والقلب؛ نحو: ﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ والأصل: لتنوء العصبة بها، ونحو: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ والأصل: وحرمناه على المراضع، ونحو: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ والأصل: وإن يرد بك الخير.. ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾

стр. 310

والأصل: تدلى فدنا؛ لأنه بالتدلي مال إلى الدنو.. وتذكير المؤنث؛ نحو: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ لم يقل: ولتلك؛ لأنه أراد: ولأجل أن يرحمهم خلقهم.. ومنها: التضمين؛ وهو إما تضمين حرف معنى حرف، أو فعل معنى فعل، أو اسم معنى اسم؛ نحو: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ .. فقد ضمن "حقيق" معنى حريص؛ ليفيد أنه محقوق بقول الحق: وحريص عليه.. وأنت بالخيار في تضمين الحرف كما يرى اللغويون، أو الفعل كما يرى المحققون؛ مثل: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ .. إن شئت ضمنت الفعل معنى "يروي"، أو ضمنت الحرف معنى "من".. ويمكن أن يكون اللفظ الواحد حقيقة باعتبار ومجازًا باعتبار آخر؛ كالمصطلحات الشرعية: الصلاة ونحوها؛ هي في العبادة حقيقة شرعية ومجاز لغوي؛ لأن حقيقتها اللغوية الدعاء فقط، ثم نقلها الشرع إلى استعمالها في العبادة المخصوصة؛ فصارت بذلك حقيقة شرعية. وقد يصير اللفظ حقيقة عرفية ومجازًا لغويًّا؛ كالغائط حقيقته العرفية: البراز، وحقيقته اللغوية: المكان المنخفض من الأرض.. وقد يكون اللفظ مجازًا عن المجاز؛ أي: له معنى حقيقي وله معنى مجازي، ثم نقل من المعنى المجازي إلى مجاز آخر؛ نحو: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ .. فإن "سرًّا" معناه الحقيقي: الخفاء، ومعناه المجازي هنا: الوطء.. والعَلاقة أنه في الغالب لا يقع الوطء إلا سرًّا.. ومجاز المجاز "العقد"؛ لأن العقد سبب الوطء.. فالعلاقة من المجاز إلى المجاز السببية؛ حيث أطلق المسبب وأراد السبب. والمعنى: لا تواعدوا المتوفَّى عنها زوجها أثناء العدة بعقد العقد.. ومن الأساليب البلاغية أسلوب التشبيه. ومعناه: إلحاق أمر بأمر

стр. 311

لجامع بينهما بأداة.. وهو للكشف عن المعنى المقصود باختصار.. وأدواته: إما حرف: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ .. أو اسم من المماثلة والمشابهة، ولا يستعمل إلا في صفة ذات شأن وحال غريبة: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ .. أو فعل يدل على الإلحاق؛ نحو: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ . ووجه الشبه إما مفرد أو مركب منتزع من أشياء؛ قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ .. شبه الدنيا بالماء.. إن أخذت منه فوق ما يكفيك ضرك، وإن قبضت عليه بكفك لم تحز منه على شيء.. وقد يحذف أداة التشبيه اعتمادًا على وضوحها، وليكون التشبيه أبلغ؛ قال تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ .. والأصل أن تدخل على المشبه به.. وقد تدخل على المشبه إما لقصد المبالغة، وإما لقلب التشبيه: ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ . والأصل: إنما الربا مثل البيع؛ لأن الكلام على الربا.. ونحو قوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ .. والأصل العكس.. وعدل لأن عباد الأوثان غالوا فيها وجعلوها أصلًا.. ومن الأساليب البلاغية أسلوب الاستعارة؛ وهي نقل الكلمة من معنى معروفة فيها إلى معنى غير معروفة فيها بقصد التوضيح أو المبالغة؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصله.. فاستعير لفظ "الأم" للأصل؛ لأن الأولاد تنشأ من الأم كإنشاء الفروع من الأصول.. وحكمة ذلك:

стр. 312

تمثيل ما ليس بمرئى حتى يصير مرئيًّا، فينتقل السامع من حد السماع إلى حد العِيَان، وذلك أبلغ في البيان.. وقد تقرن الاستعارة بما يلائم المستعار منه، أو بما يلائم المستعار له.. فمثال الأول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ﴾ .. فالربح ملائم للشراء المستعار منه "اشترى" للاستبدال.. ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ .. استعير اللباس للجوع، ثم قرن بما يلائم المستعار له من الإذاقة.. ولو أراد ما يلائم المستعار منه لقال: فكساها.. لكنه أراد ما يلائم المستعار له وهو "الجوع"؛ ليكون الألم في الباطن لا في الظاهر الذي ينبئ عنه "فكساها". وقد تكون الاستعارة بلفظين؛ نحو: ﴿قَوَارِيرَا، قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ يعني: تلك الأواني ليست من الزجاج ولا من الفضة؛ بل في صفاء القارورة وبياض الفضة. وقوله: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ فالصب للدوام، والسوط للإيلام.. ومنها: الكناية والتعريض.. فالكناية كما عرَّفها أهل البيان: لفظ أُريد به لازم معناه؛ ككنايات القرآن عن الجماع باللمس والملامسة، أو المباشرة، أو الإفضاء، أو الرفث، أو الدخول، أو السر، أو الغشيان، أو المسيس، أو المراودة، أو اللباس، أو الحرث ... فتلك ألفاظ أُريد بها لازم معناها.. وقد يكون هذا اللازم قريبًا أو بعيدًا.. وقد يدق كما قد يظهر.. انظر كيف كنى عن الزنى بالبهتان في قوله:

стр. 313

﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ﴾ .. وكنى عن قضاء الحاجة بقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ .. ومما هو شبيه بالكناية الإرداف؛ وهو التعبير عن المعنى بلفظ يرادف اللفظ الذي وُضع له؛ نحو: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ .. فاللفظ الموضوع: جلست.. وعدل عنه لأنه أراد جلوسًا يتمكن فيه الجالس، فقال: "واستوت".. والفرق بينهما أن الكناية: انتقال من لازم إلى ملزوم.. والإرداف: انتقال من مذكور إلى متروك.. وأما التعريض، فلفظ استعمل في معناه للتلويح بغيره؛ نحو قول إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ يشير إلى الصنم الأكبر ملوحًا بذلك إلى تسفيه عُبَّاد الأصنام؛ كأن الصنم الأكبر غضب من إشراكهم معه الأصنام الصغيرة فحطمها.. فإذا حرك فيهم المنطق بهذا نظروا إلى الصنم الأكبر، فوجدوه محطمًا أيضًا فأدركوا عجز ما يعبدون عن الدفاع عن أنفسهم، فكيف يستطيعون أن ينفعوا العابدين؟ وكقوله لنبيه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ خوطب هو والمراد غيره. ومن فنون البلاغة علم المعاني، الذي من بين أبحاثه الحصر والاختصاص، فالحصر ويسمى أيضًا بالقصر: تخصيص أمر بآخر بطريق مخصوص.. أو هو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه؛ نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ . وهذا من قصر الموصوف على الصفة ادعاء؛ كأنه أسقط كل صفة من صفات النبي، وأبقى صفة الرسالة. فإذا استعظم بعض الناس عليه الموت فما عرفوا الرسالة ولا الرسل؛ إذ البقاء لله وحده، والرسل يموتون..

стр. 314

ومن القصر قصر الإفراد الذي يخاطب به مَن يعتقد الشركة؛ نحو قوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ . ومنه: قصر القلب الذي يخاطب به مَن يعتقد إثبات الحكم لغير ما أثبته المتكلم له؛ نحو قول إبراهيم للنمروذ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ورد الله على المنافقين في قولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ بقوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ . وطرق القصر عديدة، وأكثرها معروف، وأنبه إلى أن منها: ضمير الفصل، ويوجد فيما يُدعى فيه النسبة لغير الله؛ كقوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ ولم يقله في قوله: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ .. وأما الاختصاص فمعناه في الراجح: تقديم ما يمكن تأخيره وقصده من جهة خصوصه.. وهذا القيد لإخراج نحو: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ ؛ إذ لو جعل تقديم المفعول للاختصاص لكان الإنكار في الهمزة منصبًّا على مجرد قصرهم ذلك.. والإنكار منصب في الحقيقة على ابتغاء غير دين الله تقدم أو تأخر.. ونحو قوله: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون﴾ .. فإن تقديم الجار والمجرور مقصود به الاختصاص، فقد أراد بالتقديم التعريض بأهل الكتاب.. قال الزمخشري: هذا تعريض بأهل الكتاب من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته، وأن قولهم ليس بصادر عن إيقان، وأن اليقين هو الذي عليه المسلمون. اهـ. واختلفوا في القصر بـ"ما" و"إلا"، أيكون الحكم ثابتًا لما بعد "إلا" بالمفهوم أو بالمنطوق؟

стр. 315

الأول أرجح.. وأما القصر بـ"إنما"، فهو بالمنطوق ونفي ضده بالمفهوم.. هذا في قصر الصفة.. وأما في قصر الموصوف، فبالمنطوق في كل منهما.. وأما القصر بالتقديم، فهو بمنزلة جملتين: الأولى بالمنطوق، والثانية بالمفهوم.. فمثلًا: قول الله: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ أفاد بمنطوقه قصر نكاحه على الزانية والمشركة.. وأفاد بمفهومه أن العفيف لا ينكح إلا العفيفة.. وسكت عن نكاح العفيف للزانية، فصرح بمنع ذلك في قوله: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ .. والمهم أن المقدم إن كان مقصودًا به التقديم مع إمكان تأخره فهو الاختصاص، ففي قول الله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ﴾ المقصود بالاختصاص إيقاع العبادة. أما أفراد المعبود وإتيان العبد فمقصود أيضًا، إلا أنه ليس بمقدم في هذا النص. وفي قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ الاختصاص في إفراد المعبود؛ لأنه المتقدم، وما عداه من إتيان العبد بالعبادة فهو مقصود لكنه غير مقدم. وفي قوله: ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ المقصود الأول: مَن وقعت منه العبادة. ومن أهم المباحث في المعاني: الإيجاز والإطناب. إذن لَا بُدَّ من تحديد المعنى المعبر عنها باللفظ.. فإن قل اللفظ مع عدم الإخلال فهو الإيجاز المطلوب. وإن زاد لفائدة فهو الإطناب المحمود.

стр. 316

أما المساواة -وهي تعادل اللفظ مع المعنى- فلا تكاد توجد؛ لأنه ما من نص في القرآن إلا وهو موجز باستثناء يسير من النصوص المطنبة لفائدة اقتضاها المقام. فمثلًا: قوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ التقدير: غفرت خطاياه ولم تحسب عليه؛ بل له حسنات.. وقوله تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: الضالين الصائرين من الضلال إلى التقوى. وانظر إلى جوامع الكلم في الأوامر والنواهي بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ .. أشار بالعدل إلى كل الواجبات.. وبالإحسان إلى الإخلاص المطلوب في كل شيء.. وأومأ إلى النوافل بإيتاء ذي القربى. وأما في النواهي، فبالفحشاء الإشارة إلى القوة الشهوانية، وبالمنكر إشارة إلى الآثار الموجودة من القوة الغضبية المضادة لشرع الله، وبالبغي إلى الاستعلاء الفائض عن القوة الوهمانية. وفي مكارم الأخلاق قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ لأن في أخذ العفو التساهل والتسامح في الحقوق، أو اللين والرفق في الدعاء إلى الدين، وفي الأمر بالمعروف كف الأذى وغض البصر وما شاكلهما من المحرمات، وفي الإعراض الصبر والحِلْم والتُّؤَدة. وتأمل الإشارة إلى كل المطعومات والمشروبات والملبوسات وما يحتاجه الناس في معايشهم بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ . ثم انظر إلى عيوب الخمر وسلامة خمر الجنة من تلك العيوب بقوله: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ .. نفى عن أهل الجنة الصداع وذَهَاب العقل وضياع المال وتلف الصحة ونفاد الشراب، وكل ذلك من عيوب خمر الدنيا.

стр. 317

ومن بديع الإيجاز: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ . أمر فيها ونهى، وأخبر ونادى، ونعت وسمى، وأهلك وأبقى، وأسعد وأشقى، وقص من الأنباء ما لو شرح ما اندرج في هذه الجملة من بديع اللفظ والبيان لجفت الأقلام. وكذا قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ . نادت وكنت، ونبهت وسمت، وأمرت وقصت، وحذرت وخصت، وعمت وأشارت، وعذرت. فالنداء "يا".. والكناية "أي".. والتنبيه "ها".. والتسمية "النمل".. والأمر "أدخلوا".. والقصص "مساكنكم".. والتحذير "لا يحطمنكم".. والتخصيص "سليمان".. والتعميم "جنوده".. والإشارة "وهم".. والعذر "لا يشعرون".. فأدت خمسة حقوق: حق الله، وحق رسوله، وحقها، وحق رعيتها، وحق جنود سليمان. وتأمل قوله: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ . جمع فيها أكثر أصول الكلام: النداء، والعموم، والخصوص، والأمر، والإباحة، والنهي، والخبر. ثم انظر إلى ما جمع فيها من أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ . ومن أشهر ما جرى على الألسنة في الإيجاز بألفاظ قليلة ومعانٍ كثيرة قوله تعالى: ﴿فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ .

стр. 318

ومع رفضنا المقارنة بين كلام الله وكلام البشر فيها اشتهر عندهم بالإيجاز من قولهم: "القتل أنفى للقتل"، نشير إلى ما انقدح في أذهان العلماء من فروق بين النص والمثل العربي: يمتاز النص القرآني: بقلة حروفه، وفيه النص على المطلوب، والتنكير للتعظيم والتكثير، وفيه القتل المشروع، وتحاشيه التكرار، وجعله القصاص ظرفًا، واشتماله على الضدين، وخلوه من كثرة السكون، وملاءمة الحروف فيه، واشتماله على حرف الصغير، وخلوه من القتل المنفر، واشتماله على المساواة، وخلوه من أفعل التفضيل المبني من المتعدي، واشتمال النص عن الجراح. اهـ. واعلم أن العرب إذا عدلت بالشيء عن أصل وضعه نقصت منه حرفًا؛ نحو: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ؛ إذ الليل لا يسري، وإنما يُسرى فيه؛ ولذا حذف الياء. وقوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ الأصل: باغية، فحذف "التاء" لأنه وقع خبرًا لا فاعلًا كما تنبئ عنه أصل صيغته.. ويقل ذكر مفعول المشيئة والإرادة؛ لأن ما شاء كان، إلا إذا كان المفعول عظيمًا أو غريبًا؛ نحو: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ، وقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ . ومن عادة العرب حذف المفعول عمومًا اختصارًا إذا وجد دليل عليه، واقتصارًا إذا لم يوجد دليل، وهذا من شجاعتهم.. وقد يراد بالفعل مجرد الإعلام من غير نظر إلى مَن أوقعه، أو وقع عليه.. وقد ينزل الفعل المتعدي منزلة اللازم، فلا يذكر مفعولًا؛ نحو: ﴿يُحْيِي

стр. 319

وَيُمِيتُ﴾ أي: يفعل الإحياء والإماتة.. ومنه قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي﴾ .. فالمقصود فعل السقاية للإبل، والذود أي: سقاية الغنم.. وحذف المفعول لأن الفعل نزل كاللازم، والمفعول غير مقصود.. والذي لم يفهم هذا يقدر: يسقون إبلهم، وتذودان غنمهما، ولا نسقي الغنم مع الإبل.. وقد يكون اللفظ منبئًا عن المحذوف؛ نحو: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ أي: بعثه الله.. وقد يحتمل اللفظ الحذف وعدمه؛ نحو: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ من جعل الدعاء نداء فلا حذف.. ومن جعله التسمية قدر محذوفًا.. شروط الحذف: ١- وجود دليل يدل على المحذوف؛ حالي نحو: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ فنصب المفعول المطلق يدل على محذوف هو الفعل، وتقديره: نسلم سلامًا.. أو وجود دليل مقالي صرح به نحو: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ أي: أنزل ربنا خيرًا.. ومن الأدلة على الحذف العقل؛ حيث يستحيل حمل الكلام عقلًا إلا بعد تقدير محذوف قد لا يعينه العقل؛ نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إذ التحريم والحل لا يقعان إلا على الأفعال، وتعيين المحذوف من الشرع في الراجح، ففي الحديث: "إنما حرم أكلها".. وقد يعين العقل المحذوف؛ كما في قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أي:

стр. 320

بمقتضاها.. لأن العقد قول قد دخل في الوجود وانقضى، فلا يُتصور فيه وفاء. وقد تدل على التعيين العادة؛ نحو: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ .. دل العقل عن المحذوف؛ لأن يوسف لا يصلح أن يكون ظرفًا للوم.. لكن هل الحب هو المحذوف أو هي المراودة؟ وتجيب العادة بأن الحب القاهر لا لوم عليه، فتعينت المراودة.. وتارة يدل على المحذوف التصريح به في موضع آخر؛ نحو: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عند الله للتصريح به في قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ . وقد تدل العادة على أصل الحذف؛ حيث لا يمنع العقل إجراء الكلام على ظاهر؛ نحو: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ .. فالعادة تنكر عليهم نفي علم القتال؛ لأنهم أخبر الناس به. فالتقدير: لو نعلم مكان قتال أو مكانًا صالحًا للقتال.. وقد يتعين المحذوف بالمشروع فيه؛ كقولنا عند ابتداء القراءة: باسم الله؛ أي: أقرأ باسم الله.. ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾ أي: باسم الله ركبوا.. وهكذا يقدر فعل من جنس المشروع فيه.. وقد تدل الصناعة النحوية على وجود حذف؛ نحو: "لا أقسم" التقدير: لأنا أقسم؛ لأن فعل الحال لا يقسم عليه، ونحو: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ إذ للتقدير: لا تفتأ؛ لأنه لو كان الفعل مثبتًا لأكد جوابه كما في قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ .. وقد توجب الصناعة النحوية تقدير محذوف وإن استقامت المعنى بدونه؛ كما في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: لا إله موجود إلا الله. وأنكر الرازي هذا التقدير، وقال: عدم تقدير الحذف أولى؛ إذ نَفْي
следующие страницы →