← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11741

الأصلان في علوم القرآن

محمد عبد المنعم القيعي

Полный текст (393 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أما المساواة -وهي تعادل اللفظ مع المعنى- فلا تكاد توجد؛ لأنه ما من نص في القرآن إلا وهو موجز باستثناء يسير من النصوص المطنبة لفائدة اقتضاها المقام. فمثلًا: قوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ التقدير: غفرت خطاياه ولم تحسب عليه؛ بل له حسنات.. وقوله تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: الضالين الصائرين من الضلال إلى التقوى. وانظر إلى جوامع الكلم في الأوامر والنواهي بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ .. أشار بالعدل إلى كل الواجبات.. وبالإحسان إلى الإخلاص المطلوب في كل شيء.. وأومأ إلى النوافل بإيتاء ذي القربى. وأما في النواهي، فبالفحشاء الإشارة إلى القوة الشهوانية، وبالمنكر إشارة إلى الآثار الموجودة من القوة الغضبية المضادة لشرع الله، وبالبغي إلى الاستعلاء الفائض عن القوة الوهمانية. وفي مكارم الأخلاق قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ لأن في أخذ العفو التساهل والتسامح في الحقوق، أو اللين والرفق في الدعاء إلى الدين، وفي الأمر بالمعروف كف الأذى وغض البصر وما شاكلهما من المحرمات، وفي الإعراض الصبر والحِلْم والتُّؤَدة. وتأمل الإشارة إلى كل المطعومات والمشروبات والملبوسات وما يحتاجه الناس في معايشهم بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ . ثم انظر إلى عيوب الخمر وسلامة خمر الجنة من تلك العيوب بقوله: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ .. نفى عن أهل الجنة الصداع وذَهَاب العقل وضياع المال وتلف الصحة ونفاد الشراب، وكل ذلك من عيوب خمر الدنيا.

стр. 317

ومن بديع الإيجاز: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ . أمر فيها ونهى، وأخبر ونادى، ونعت وسمى، وأهلك وأبقى، وأسعد وأشقى، وقص من الأنباء ما لو شرح ما اندرج في هذه الجملة من بديع اللفظ والبيان لجفت الأقلام. وكذا قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ . نادت وكنت، ونبهت وسمت، وأمرت وقصت، وحذرت وخصت، وعمت وأشارت، وعذرت. فالنداء "يا".. والكناية "أي".. والتنبيه "ها".. والتسمية "النمل".. والأمر "أدخلوا".. والقصص "مساكنكم".. والتحذير "لا يحطمنكم".. والتخصيص "سليمان".. والتعميم "جنوده".. والإشارة "وهم".. والعذر "لا يشعرون".. فأدت خمسة حقوق: حق الله، وحق رسوله، وحقها، وحق رعيتها، وحق جنود سليمان. وتأمل قوله: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ . جمع فيها أكثر أصول الكلام: النداء، والعموم، والخصوص، والأمر، والإباحة، والنهي، والخبر. ثم انظر إلى ما جمع فيها من أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ . ومن أشهر ما جرى على الألسنة في الإيجاز بألفاظ قليلة ومعانٍ كثيرة قوله تعالى: ﴿فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ .

стр. 318

ومع رفضنا المقارنة بين كلام الله وكلام البشر فيها اشتهر عندهم بالإيجاز من قولهم: "القتل أنفى للقتل"، نشير إلى ما انقدح في أذهان العلماء من فروق بين النص والمثل العربي: يمتاز النص القرآني: بقلة حروفه، وفيه النص على المطلوب، والتنكير للتعظيم والتكثير، وفيه القتل المشروع، وتحاشيه التكرار، وجعله القصاص ظرفًا، واشتماله على الضدين، وخلوه من كثرة السكون، وملاءمة الحروف فيه، واشتماله على حرف الصغير، وخلوه من القتل المنفر، واشتماله على المساواة، وخلوه من أفعل التفضيل المبني من المتعدي، واشتمال النص عن الجراح. اهـ. واعلم أن العرب إذا عدلت بالشيء عن أصل وضعه نقصت منه حرفًا؛ نحو: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ؛ إذ الليل لا يسري، وإنما يُسرى فيه؛ ولذا حذف الياء. وقوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ الأصل: باغية، فحذف "التاء" لأنه وقع خبرًا لا فاعلًا كما تنبئ عنه أصل صيغته.. ويقل ذكر مفعول المشيئة والإرادة؛ لأن ما شاء كان، إلا إذا كان المفعول عظيمًا أو غريبًا؛ نحو: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ، وقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ . ومن عادة العرب حذف المفعول عمومًا اختصارًا إذا وجد دليل عليه، واقتصارًا إذا لم يوجد دليل، وهذا من شجاعتهم.. وقد يراد بالفعل مجرد الإعلام من غير نظر إلى مَن أوقعه، أو وقع عليه.. وقد ينزل الفعل المتعدي منزلة اللازم، فلا يذكر مفعولًا؛ نحو: ﴿يُحْيِي

стр. 319

وَيُمِيتُ﴾ أي: يفعل الإحياء والإماتة.. ومنه قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي﴾ .. فالمقصود فعل السقاية للإبل، والذود أي: سقاية الغنم.. وحذف المفعول لأن الفعل نزل كاللازم، والمفعول غير مقصود.. والذي لم يفهم هذا يقدر: يسقون إبلهم، وتذودان غنمهما، ولا نسقي الغنم مع الإبل.. وقد يكون اللفظ منبئًا عن المحذوف؛ نحو: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ أي: بعثه الله.. وقد يحتمل اللفظ الحذف وعدمه؛ نحو: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ من جعل الدعاء نداء فلا حذف.. ومن جعله التسمية قدر محذوفًا.. شروط الحذف: ١- وجود دليل يدل على المحذوف؛ حالي نحو: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ فنصب المفعول المطلق يدل على محذوف هو الفعل، وتقديره: نسلم سلامًا.. أو وجود دليل مقالي صرح به نحو: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ أي: أنزل ربنا خيرًا.. ومن الأدلة على الحذف العقل؛ حيث يستحيل حمل الكلام عقلًا إلا بعد تقدير محذوف قد لا يعينه العقل؛ نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إذ التحريم والحل لا يقعان إلا على الأفعال، وتعيين المحذوف من الشرع في الراجح، ففي الحديث: "إنما حرم أكلها".. وقد يعين العقل المحذوف؛ كما في قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أي:

стр. 320

بمقتضاها.. لأن العقد قول قد دخل في الوجود وانقضى، فلا يُتصور فيه وفاء. وقد تدل على التعيين العادة؛ نحو: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ .. دل العقل عن المحذوف؛ لأن يوسف لا يصلح أن يكون ظرفًا للوم.. لكن هل الحب هو المحذوف أو هي المراودة؟ وتجيب العادة بأن الحب القاهر لا لوم عليه، فتعينت المراودة.. وتارة يدل على المحذوف التصريح به في موضع آخر؛ نحو: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عند الله للتصريح به في قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ . وقد تدل العادة على أصل الحذف؛ حيث لا يمنع العقل إجراء الكلام على ظاهر؛ نحو: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ .. فالعادة تنكر عليهم نفي علم القتال؛ لأنهم أخبر الناس به. فالتقدير: لو نعلم مكان قتال أو مكانًا صالحًا للقتال.. وقد يتعين المحذوف بالمشروع فيه؛ كقولنا عند ابتداء القراءة: باسم الله؛ أي: أقرأ باسم الله.. ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾ أي: باسم الله ركبوا.. وهكذا يقدر فعل من جنس المشروع فيه.. وقد تدل الصناعة النحوية على وجود حذف؛ نحو: "لا أقسم" التقدير: لأنا أقسم؛ لأن فعل الحال لا يقسم عليه، ونحو: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ إذ للتقدير: لا تفتأ؛ لأنه لو كان الفعل مثبتًا لأكد جوابه كما في قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ .. وقد توجب الصناعة النحوية تقدير محذوف وإن استقامت المعنى بدونه؛ كما في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: لا إله موجود إلا الله. وأنكر الرازي هذا التقدير، وقال: عدم تقدير الحذف أولى؛ إذ نَفْي

стр. 321

الحقيقة المطلقة أصح من نفيها مقيدة بقيد الوجود، والنحوي يوجب التقدير؛ لأن المبتدأ لا بد أن يكون له خبر.. فأنت ترى أن الذي يدل على المحذوف أو يعينه: دليل حالي، أو مقالي، أو عقلي, أو عادي، أو ذكر في موضع آخر، أو دل عليه المشروع فيه، أو اقتضته الصناعة النحوية، أو أوجبته، أو أرشد إليه الشارع.. ويشترط أيضًا ألا يكون المحذوف جزءًا في الجملة يؤدي حذفه إلى خلل، وألا يكون مؤكدًا للتنافي بين الحذف والتوكيد، وألا يكون عوضًا عن شيء. وإذا تردد المحذوف بين ما هو مجمل وما هو مبين، فالأحسن تقدير المبين؛ نحو: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ في أمره وهو مجمل.. أو تضمينه وهو مبين؛ ولذا كان أَوْلَى. والمحذوف إما اسم، أو فعل، أو حرف.. ومنه حذف همزة الاستفهام التي وعدنا بها؛ نحو: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ والتقدير: أو تلك نعمة.. والسر في حذفها أن موسى أخفى إنكاره على فرعون؛ ليتألف قلبه، وأتى بأسلوب يحتمل الاعتراف والإنكار. وقد كثر حذف "الياء" في النداء للرب؛ تنزيهًا وتعظيمًا وتحاشيًا مما فيها من معنى الأمر. أما الإطناب، فهو زيادة ألفاظ لفائدة؛ نحو: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ .. فإيمان حملة العرش مسلم به، ونص عليه لبيان شرف الإيمان. وباب زيادة الحروف والأفعال قليل، وزيادة الأسماء أقل.. أما الحروف فيزاد منها:

стр. 322

إن، وأن، وإذ، وإذا، وإلى، وأم، والباء، والفاء، وفي، والكاف، واللام، ولا، وما، ومن، والواو. وأما الأفعال، فمنها: كان.. وخرج عليه: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ﴾ ؟ والأسماء منها: لفظ المثل في قوله: ﴿فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ﴾ .. ومن الزيادة: توكيد الفعل بمصدره، وهو لرفع توهم المجاز في الفعل.. أما التوكيد اللفظي بإعادة اللفظ بعينه أو بمرادفه، فإنه لرفع توهم المجاز في المسند إليه؛ نحو: ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ .. والأول نحو: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ . وقد يكون التكرار لغير التوكيد.. وإنما هو لتعدد مدلوله أو متعلقه؛ نحو: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فالأول لما حرفوه.. والثاني للتوراة.. والثالث لجنس الكتب السماوية. وإعادة الظاهر بمعناه أبلغ من إعادته بلفظه.. ومنه قوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ .. فإن إنزال الخير مناسب للربوبية.. وتخصيص الناس بالرحمة مناسب للألوهية، ولم يصرح بلفظ "الناس"؛ ولكنه اكتفى عنه بقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ .. ودائرة الربوبية أوسع من دائرة الألوهية، ونظيره الآيات من أول سورة الأنعام. ومن بحوث فن المعاني: الخبر والإنشاء. وهما قسما الكلام.. والقصد بالخبر إفادة المخاطب.. وقد يرد بمعنى الأمر؛ نحو: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ .. وبمعنى النهي؛ نحو: ﴿لَا يَمَسُّهُ

стр. 323

إِلَّا الْمُطَهَّرُون﴾ .. وبمعنى الدعاء؛ نحو: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ﴾ أي: عنا. وأنكر ابن العربي خروج الخبر عن معناه، وأوَّل مواضع خروجه إلى المخالفة الشرعية.. والمعنى عنده: أن بعض المطلقات لا يتربصن، وهذا مخالف للشرع، وبعض الناس يمس المصحف غير طاهر، كما أن بعضهم لا يطلب العون من الله، فأخبر الله عما يجب شرعًا.. وإلا فمن المحال أن تتخلف أخبار الله. ومن أقسام الخبر التعجب في الراجح. ومعناه: تعظيم الأمر في قلوب السامعين؛ لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله. وله صيغ من لفظه أو من معناه؛ نحو: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ . وإذا ورد من الله فالأحسن العدول بتسميته تعجبًا إلى تسميته تعجيبًا، فإذا قال الله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ كان معناه: أن هؤلاء ممن يقول عنهم الناس ذلك، والله يخاطبا بلساننا.. ومن أشهر أنواع الخبر النفي.. وأصله "اللام" للمستقبل، و"الميم" للماضي.. ومنهما "لم" و"لن".. و"اللام" أصل؛ ولذا ينفى بها أثناء الكلام، ومنهما تكونت "لم" الدالة على الاستقبال لفظًا لتقدم اللام، والمضي معنى لوجود الميم. وقد يرد النفي على الصفة دون الموصوف؛ نحو: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ أي: هم أجساد يأكلون الطعام. وقد يرد على الصفة والموصوف؛ نحو: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ فما لهم شفيع أصلًا؛ لقوله عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ وقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ .

стр. 324

والنفي لا يرد إلا على المجاز، ولا يرد على الحقيقة؛ لأن نفيها كذب.. وما اعترض به من قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ فإن النفي وارد على المجاز.. إذ المعنى: وما رميت خلقًا إذ رميت كسبًا.. أو: وما رميت انتهاء إذ رميت ابتداء. وقد تُنفى الاستطاعة ويراد بها نفي القدرة والإمكان؛ نحو: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ . وقد تُنفى ويراد بها الامتناع؛ نحو: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ أرادوا بالاستفهام النفي.. والمنفي هو امتناع الإنزال عادة لا عجزًا؛ لأنهم لم يشكوا في مقدرة الله.. وقد تنفى ويراد بها الوقوع بمشقة؛ نحو: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ .. وما جاء في القرآن بلفظ الاستفهام من الله، فمراد به أن المخاطب عنده علم بإثبات ما يستفهم عنه أو نفيه.. وقد يرد الاستفهام للإنكار، فتكون الأداة للنفي وما بعدها منفي.. فإن كان الفعل ماضيًا فمعناه: لم يكن.. وإن كان مضارعًا فمعناه: لا يكون.. وقد يرد الاستفهام للتوبيخ والتقريع.. وضابطه: أن ما بعد الأداة واقع كان يجب ألا يقع؛ نحو: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ فالإثبات هو المقصود، والنفي جاء بعد ذلك عكس الاستفهام الإنكاري.. وكما أن التوبيخ يكون على ما وقع، وهو جدير ألا يقع، يكون على ترك فعل كل ينبغي أن يقع فلم يقع؛ نحو: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ .. وقد يكون الاستفهام للتقرير؛ وهو حمل المخاطب على الإقرار، والاعتراف بأمر قد استقر عنده..

стр. 325

والكلام مع التقرير موجب؛ ولذلك يعطف عليه صريح الموجب؛ نحو: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ .. ويعطف على صريح الموجب؛ نحو: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ .. وحقيقة الاستفهام التقريري الداخل على أداة النفي الإنكار، والإنكار نفي، ونفي النفي إثبات. أما الداخل على المثبت، فحقيقته الإيجاب.. ومن فنون البلاغة فن البديع، الذي يقدم عديدًا من الصور الجمالية، ويلبس المعاني ألفاظًا تزيدها بهاء وجلالًا: ١- التورية: لفظ له معنى قريب غير مراد، ومعنى بعيد هو المراد؛ نحو: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فالمعنى القريب: الاستقرار في مكان.. المنزه عنه سبحانه.. والمعنى البعيد: الاستيلاء والتصرف؛ نحو: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ .. فالمعنى القريب هو العموم.. والبعيد هو الكف والمنع.. و"التاء" للمبالغة. والمعنى القريب غير مراد؛ لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد.. ٢- الاستخدام: وهو لفظ مشترك يخدم كل معنى لفظ آخر؛ نحو: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ . فالكتاب يحتمل المكتوب ويخدمه: "يمحو".. ويحتمل الزمان ويخدمه: "أجل"..

стр. 326

أو هو لفظ له معنيان يعود الضمير على أحدهما بعد أن أريد باللفظ المعنى الآخر؛ كقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ .. فأمر الله إما الساعة، أو العذاب، أو النبي.. وعاد الضمير على العذاب.. والمراد بالأمر: محمد ﷺ .. ٣- الالتفات: وهو نقل الكلام من أسلوب التكلم مثلًا إلى أسلوب الغيبة أو الخطاب.. ومن فوائده تجديد النشاط.. ولكل مقام ما يبرره.. فإن عدل من التكلم إلى الخطاب فقد أراد التسوية بينه وبين المخاطبين.. وإن عدل من التكلم إلى الغيبة فقد أراد التسوية في الحالتين.. مثال الأول: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ .. ومثال الثاني: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ .. والأصل: لنا. وإن عدل من الخطاب إلى الغيبة فالمراد حكاية الحال للغير؛ نحو: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ . وإن عدل من الغيبة إلى التكلم فالمراد تربية المهابة والإحساس بالقرب؛ نحو: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ﴾ .. وإن عدل من الغيبة إلى الخطاب فالمراد القريب؛ نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ والأصل: إياه.. والشرط في الالتفات أن يكون الملتفت عنه والملتفت إليه لمسمى واحد.. ومن أسلوب الالتفات الإخبار عن أحد الاثنين، ثم الإخبار عن الثاني، ثم الإخبار عن الأول؛ نحو: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ .. فالكنود وشديد الحب للمال هو الإنسان.. و"الشهيد" هو ربنا سبحانه.

стр. 327

٤- الإطراء: وهو التحدث عن الآباء مبتدئًا بالأبعد؛ نحو قول يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ .. ٥- الانسجام: وهو الخلو من أية عقدة؛ كأن الألفاظ تسير رقة كالماء.. والقرآن كله كذلك.. إلا أن بعض المواضع تظهر لنا فندركها حسب معلوماتنا.. وإذا رق الكلام انوزن من غير قصد الوزن: فمثاله من البحر الطويل قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ .. وأجزاؤه: فعول مفاعيل فعول مفاعل.. ومن البسيط: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ .. وأجزاؤه: مستفعل فاعل مستفعل فعل.. ومن المديد: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ .. ومن الوافر: ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ .. ومن الكامل: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .. ومن الهزج: ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ .. ومن الرجز: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ .. ومن الرمل: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ .. ومن السريع: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ .. ومن المنسرح: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ .. ومن الخفيف: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ .. ومن المضارع: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ ..

стр. 328

ومن المقتضب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ .. ومن المجتث: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .. ومن المتقارب: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ .. والأوزان لا تَخْفَى على شاعر. ٦- الإدماج: وهو إدماج غرض في غرض؛ نحو: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ﴾ .. أثبت الحمد وأشار إلى البعث.. ٧- الافتنان: وهو الجمع بين غرضين في آية؛ كالجمع بين العزاء والتمدح بالبقاء في قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ جمع بين الثواب والعقاب. ٨- الاقتدار: وهو القدرة على الإتيان بالمعنى الواحد في صور عديدة وأساليب متعددة؛ من: الحقيقة، والمجاز، والاستعارة، والكناية، وغير ذلك مما هو واضح في القصة القرآنية في السور العديدة.. ٩- الائتلاف: وهو مراعاة المعنى بلفظ مناسب لها في الغرابة، أو التداول، أو أي شيء.. والقرآن كله كذلك.. ومن الأمثلة الموضحة قوله: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ وقوله في أهل الجنة: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ إذ لا كلفة فيه.. وقوله لأهل الدنيا: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ لأنه لا يخلو عن الكلفة..

стр. 329

١٠- التجريد: وهو انتزاع شيء من شيء؛ نحو: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ .. انتزع منها دار خلد وكلها كذلك.. ١١- الجناس: وهو تعدد اللفظ الواحد.. وفي كل موضع له معنى؛ نحو: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ .. فالساعة الأولى هي القيامة، والثانية لحظة زمنية.. ١٢- الاحتباك: وهو حذف من الأول لدلالة الثاني، وحذف من الثاني لدلالة الأول؛ نحو: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ .. والتقدير: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت.. ١٣- المشاكلة: ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقًا أو تقديرًا.. مثال التحقيقي: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ والجزاء ليس إلا عدلًا.. ومثال التقديري: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ فقد اعتبر الله الإيمان تطهيرًا كما يطهر النصارى أولادهم بماء أصفر يسمونه المعمودية ويطلقون عليه اسم: الصبغة.. فسمى الله الإيمان بهذه التسمية، وهو أولى وأنفع في التطهير.. ١٤- المطابقة: وهي الجمع بين المتقابلات؛ نحو: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ أتى بالجوع مع العري وبابه أن يكون مع الظمأ، وبالضحى مع الظمأ وبابه أن يكون مع العري.. لكن الجوع

стр. 330

والعري اشتركا في الخلو.. فالجوع خلو الباطن من الطعام.. والعري خلو الظاهر من اللباس.. والظمأ والضحى اشتركا في الاحتراق.. فالظمأ احتراق الباطن من العطش، والضحى احتراق الظاهر من حر الشمس.. ومن العلماء مَن يسمي ذلك ترصيعًا، ويجعل المطابقة في المقابلة بين النقيضين؛ نحو: ﴿مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ .. ١٥- المواربة: وهي أن يأتي بلفظ يمكن تغيير حركاته عند إنكاره عليه؛ نحو: ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ .. وقرئ: "سُرِّق" بضم السين وتشديد الراء مع الكسر؛ أي: اتهم بالسرقة.. ١٦- المراجعة: وهي أن يحكي المتكلم مراجعة في القول جرت بينه وبين محاور له بأوجز عبارة؛ نحو: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ .. جمعت: الخبر، والطلب، والإثبات، والنفي، والتأكيد، والحذف، والبشارة، والنذارة، والوعد، والوعيد. وبهذا ينتهي هذا الموضوع..

стр. 331

الموضوع السادس عشر: عَلاقة الكلمات بعضها ببعض واستعمالها أتناول في هذا الموضوع ما أسماه القوم بالموصول لفظًا المقطوع معنى.. وما أطلقوا عليه الوجوه والنظائر، والتقديم والتأخير.. وكلمات القرآن وَحْدَةٌ متعانقة كلها في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة.. وهي مرتبة أحسن ترتيب من الله العليم الحكيم.. بيد أن ترتيب بعض الكلمات على بعض قد يبدو مشكلًا عند فريق من الناس لقلة فهمهم للقرآن.. ومن ذلك الموصول لفظًا المقطوع معنى؛ كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .. والأنبياء معصومون من الشرك قبل النبوة وبعدها. ويزول هذا الإشكال إذا علمنا أن هذا من الموصول لفظًا المقطوع معنى. فينتهي الحديث عن آدم وحواء عند قوله: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ .. وباقي النصر في غيرهما على طريقة الاستخدام في الضمير السابق ذكره، والممثل له نحو قوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ .. فإن المتقدمين سألوا عن أشياء لم يسأل عنها الصحابة رضوان الله عليهم.. وفي آخر النص تعريض بقريش في قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .. ولو أراد آدم وحواء لقال: عما يشركان.. ولا يقال: إن المثنى جمع؛ لأن القرينة العقلية والنقلية تبطل إرادة المثنى هنا. والقرينة هي العصمة الثابتة بالعقل والنقل..

стр. 332

وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ .. إلى هنا تمت الجملة، ولا ارتباط لها بما بعدها من قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .. لأن هذا متعلق بالآية التي بعده من قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ .. لأن هذه الآية بالإجماع في صلاة الخوف، فارتبط بها ما سبقها من اشتراط الخوف.. ويؤيد ذلك أن قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ والآية بعده نزلت بعد قصر المسافر صلاته بحول كامل.. ولا مانع أن يتوارد الشرط على الشرط كما في توارد: "إن" و"إذا" في هذا الموضع.. أو تكون "إذا" زائدة للتوكيد.. أو "الواو" قبلها هي الزائدة للربط. وفي القرآن بعض آيات موصولة اللفظ مقطوعة الصلة؛ منها: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ انتهى كلام الملأ.. وابتدأ فرعون قائلًا: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ .. ومنها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ انتهى كلام بلقيس، وبدأ كلام آخر يمكن أن يكون من تصديق حاشيتها أو من كلام الله؛ وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . ومنها قول أهل الضلال: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ .. ورد أهل الهدى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ . والسر في الوصل لفظًا والانقطاع في التعلق في هذه المواضع الأربعة أن صلاة المسافر وصلاة الخوف تجمعهما الرخصة في التخفيف والتيسير، وأن كلًّا من فرعون وبلقيس كانا يتشاوران مع المقربين لهما في وقت الشدة، وأن إجابة أهل الهدى أدعى لتيقظ أهل الضلال إلى الحق الذي جحدوه؛ وهو البعث بعد الموت.

стр. 333

أما الوجوه والنظائر، فاعلم أن الوجوه: هي المشترك، يستعمل في بعض معانيه أو كل معانيه. والنظائر: احتمال اللفظ لأكثر من معنى.. وعلى هذا فاستعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى يسمى بالوجوه.. واحتمال اللفظ الواحد لأكثر من معنى يقال عنه: إنه من النظائر. ومِن العلماء مَن اعتبر النظائر في الألفاظ المتواطئة، والوجوه في الألفاظ المشتركة.. ومنهم من اعتبر استعمال اللفظ في معانٍ عديدة هو النظائر.. واحتمال اللفظ لأكثر من معنى هو الوجوه.. وأيًّا ما كان، فالمقصود بيانه هنا: اللفظ الواحد يستعمل في معانٍ عديدة، تجمع هذه المعاني علاقة عامة. وفي معنى الأثر: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوهًا. وعن علي: القرآن حَمَّال لوجوه.. ومن ذلك لفظ "الهدى" يأتي بمعنى الثبات: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ .. والدين: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ .. والإيمان: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ .. والرسول: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ .. والمعرفة: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ .. والكتاب السماوي: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ .. والتوحيد: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ .. والسنة: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ .. والتوبة: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ .. والإرشاد: ﴿يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ . فأنت ترى أن هذه المعاني تجمعها الطاعة وما يتعلق بها.. ومن ذلك لفظ "السوء" يأتي بمعنى الشدة: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ .. والعقر: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ بدليل: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ .. والزنا: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ

стр. 334

أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ .. والبرص: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ وفيما يقال: إذا اشتد البياض كان برصًا.. والعذاب: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ بدليل: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى﴾ .. والشرك: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ بدليل: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ .. والشتم: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ .. والذنب: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَة﴾ بدليل: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ .. وبمعنى بئس: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ بدليل: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ .. والضر: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ بدليل: ﴿وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ .. والقتل والهزيمة: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ بدليل: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ .. والجامع المعصية. ومن ذلك لفظ "الصلاة" تأتي على أوجه: الصلوات الخمس: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ .. وصلاة العصر: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ .. وصلاة الجمعة: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ .. والجِنَازة: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ .. والدعاء: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ .. والدين: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ .. والقراءة: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ .. والرحمة والاستغفار: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ .. ومواضع الصلاة: ﴿وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ .. والجامع القربى. ومن ذلك لفظ "الرحمة"، وتأتي بمعنى: الإسلام: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ .. والإيمان: ﴿وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ .. والجنة: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .. والمطر: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ .. والنعمة: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ .. والنبوة: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ .. والقرآن: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ .. والرزق: ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ .. والنصر والفتح: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ .. والعافية: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ .. والمودة: ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ .. والسعة: ﴿تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ .. والمغفرة: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ..

стр. 335

والعصمة: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ .. والجامع إيصال الخير للخَلْق. ومن ذلك "الفتنة"، وتأتي بمعنى الشرك: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ .. والإضلال: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ .. والقتل: ﴿أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .. والصد: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ .. والضلالة: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ .. والمعذرة: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُم﴾ .. والفضاء: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ .. والإثم: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ .. والمرض: ﴿يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ﴾ .. والعبرة: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ .. والعقوبة: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ .. والاختبار: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ .. والعذاب: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ .. والإحراق: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ .. والجنون: ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ .. والجامع الحيرة والتخبط. ومن ذلك "الروح"، وترد بمعنى الأمر: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ .. والوحي: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ .. والقرآن: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ .. والرحمة: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ .. والحياة: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ .. وجبريل: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ .. وملك عظيم: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ .. وجيش من الملائكة: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ .. وروح البدن: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ .. والجامع السر العظيم. ومن ذلك لفظ "القضاء"، يأتي بمعنى الفراغ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ .. والأمر: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ .. والأجل: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ .. والفصل: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ .. والمضي: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ .. والهلاك: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ .. والوجوب: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ .. والإبرام: ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ .. والإعلام: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ .. والوصية: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ .. والموت: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ .. والنزول: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ .. والخلق: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾

стр. 336

والبعل: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ يعني: حقًّا لم يفعل.. والعهد: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ .. والجامع العلم والقدرة. ومن ذلك لفط "الذكر"، يأتي بمعنى ذكر اللسان: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ﴾ .. وذكر القلب: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ .. والحفظ: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ .. والطاعة والجزاء: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ .. والصلوات الخمس: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ .. والعظة: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ .. والبيان: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .. والحديث: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: حدثه بحالي.. والقرآن: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ .. والتوراة: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ .. والخبر: ﴿سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ .. والشرف: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ .. والعيب: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ﴾ .. واللوح المحفوظ: ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ .. والثناء: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .. والوحي: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ .. والرسول: ﴿ذِكْرًا، رَسُولًا﴾ .. والصلاة: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ .. وصلاة الجمعة: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .. وصلاة العصر: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ .. والجامع ما يحدث به التذكر والخشية. ومن ذلك لفظ "الدعاء"، ويرد على أوجه: العبادة: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ .. والاستعانة: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ .. والسؤال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ .. والقول: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمْ﴾ .. والنداء: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ .. والتسمية: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ .. والجامع الإقبال. ومن ذلك لفظ "الإحصان"، ويرد على أوجه: العفة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ .. والتزوج: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ .. والحرية: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ .. والجامع الفضيلة. وأما احتمال اللفظ في الموضع الواحد لأكثر من معنى فمثاله: وصف

стр. 337

الكتاب بالحكمة في قوله: ﴿تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ أهو الحاكم أم المحكم أم الناطق بالحكمة أم المشتمل عليها؟ قال ابن فارس في كتاب الإفراد: كل ما في القرآن من ذكر "الأسف" فمعناه: الحزن؛ إلا ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ فمعناه: أغضبونا. وكل ما فيه ذكر "البروج" فهي الكواكب؛ إلا ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ .. فهي القصور الطوال الحصينة. وكل ما فيه ذكر "من البحر والبر" فالمراد بالبحر: الماء.. وبالبر: التراب اليابس؛ إلا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ .. فالمراد به: البرية والعُمْران. وكل ما فيه "بخس" فهو النقص؛ إلا ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: حرام.. وكل ما فيه من "البعل" فهو الزوج؛ إلا ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ فهو الصنم. وكل ما فيه "البكم" فالخرس عن الكلام بالإيمان؛ إلا ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ في الإسراء، و ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ في النحل.. فالمراد به عدم القدرة على الكلام مطلقًا. وكل ما فيه "جثيا" فمعناه جميعًا؛ إلا ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ فمعناه: تجثو على ركبها. وكل ما فيه من "حسبانا" فهو العدد؛ إلا ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ في الكهف.. فهو العذاب.. وكل ما فيه "حسرة" فالندامة؛ إلا ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ فمعناه الحزن.. وكل ما فيه من "الدحض" فالباطل؛ إلا ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ فمعناه: من المقروعين. وكل ما فيه من "رجز" فالعذاب؛ إلا ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فالمراد به الصنم..

стр. 338

وكل ما فيه من "ريب" فالشك؛ إلا ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ يعني حوادث الدهر. وكل ما فيه من "الرجم" فهو القتل؛ إلا ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ فمعناه: لأشتمنك، و ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ أي: ظنًّا. وكل ما فيه من "الزور" فالكذب مع الشرك؛ إلا ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ فإنه كذب غير الشرك. وكل ما فيه من "زكاة" فهو المال؛ إلا ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً﴾ أي: طهرة. وكل ما فيه "الزيغ" فالميل؛ إلا ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ أي: شخصت. وكل ما فيه "سخر" فالاستهزاء؛ إلا ﴿سِخْرِيًّا﴾ في الزخرف.. فهو من التسخير والاستخدام. وكل ما فيه "سكينة" فهو طمأنينة؛ إلا التي في قصة طالوت، فهو شيء كرأس الهرة له جناحان.. كذا قيل. وكل ما فيه "سعير" فهو النار والوقود؛ إلا ﴿فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ فهو العناء. وكل "شيطان" فيه فإبليس وجنوده؛ إلا ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ فإنهم من الإنس. وكل "شهيد" فيه -غير القتلى- فهو مَن يشهد في أمور الناس؛ إلا ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ فهو شركاؤكم. وكل ما فيه من "أصحاب النار" أهلها؛ إلا ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ فالمراد: خزنتها. وكل "صلاة" فيه عبادة ورحمة؛ إلا ﴿وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ فهي الأماكن. وكل "صمم" فيه ففيه: سماع الإيمان والقرآن خاصة، إلا الذي في الإسراء.

стр. 339

وكل "عذاب" فيه فالتعذيب؛ إلا ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾ فهو الضرب. وكل "قنوت" فيه طاعة؛ إلا ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ فمعناه: مقرون. وكل "كنز" فيه مال؛ إلا الذي في الكهف فهو صحيفة علم.. كذا قيل. وكل "مصباح" فيه كوكب؛ إلا الذي في النور فالسراج. وكل "نكاح" فيه تزوج؛ إلا ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ فهو الحلم. وكل "نبأ" فيه خبر؛ إلا ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ فهو الحجج. وكل "ورود" فيه دخول؛ إلا ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ يعني: هجم عليه ولم يدخله. وكل ما فيه ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ فالمراد منه: العمل؛ إلا التي في الطلاق فالمراد منه: النفقة.. وفي هذا نظر؛ لأن التي في الطلاق ﴿إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ . وكل "يأس" فيه قنوط؛ إلا التي في الرعد.. فمن العلم. وكل "صبر" فيه محمود؛ إلا ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ . هذا آخر ما ذكره ابن فارس. قال غيره: كل "صوم" فيه فمن العبادة؛ إلا ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: صمتًا. وكل ما فيه من "الظلمات والنور" فالمراد: الكفر والإيمان؛ إلا التي أول الأنعام فالمراد: ظلمة الليل ونور النهار. وكل "إنفاق" فيه فهو الصدقة؛ إلا ﴿فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ فالمراد به: المهر. وقال الداني: كل ما فيه من "الحضور" فهو بالضاد من المشاهدة؛ إلا موضعًا واحدًا فإنه بالظاء من الاحتظار وهو المنع؛ وهو قوله تعالى: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ .

стр. 340

وقال ابن خالويه: ليس في القرآن "بعد" بمعنى "قبل"؛ إلا حرف واحد ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ . قال مغلطاي في كتاب الميسر: قد وجدنا حرفًا آخر؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ . قال أبو موسى في كتاب المغيث: معناه هنا "قبل"؛ لأنه تعالى خلق الأرض في يومين ثم استوى إلى السماء، فعلى هذا خلق الأرض قبل خلق السماء. اهـ. وأما التقديم والتأخير فمراد به تأخير كلمة عن موضعها لحكمة اقتضت ذلك، أو تقديمها؛ نحو: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ . هذا من تقديم الكلام وتأخيره. والتقدير: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا؛ إنما يريد الله ليعذبهم بها. والسر في التأخير أنه يعذبهم على ما كان منهم من جحود النعم في الدنيا.. وكذا قوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ . والتقدير: وأجل مسمى لكان لزامًا. والسر في التأخير الاعتناء بوقت وقوع القضاء. وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، قَيِّمًا﴾ والتقدير: الكتاب قيمًا ولم يجعل له عوجًا. والسر: الاعتناء بحال الكتاب من أنه قيم ومهيمن. وكذا قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ فالرفع قبل الوفاة كما نقل عن مجاهد.

стр. 341

وكذا قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ . والتقدير: يوم الحساب بما نسوا. والسر: الاعتناء بوقت العذاب. وقوله: ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ . التقدير: فقالوا جهرة: أرنا الله. السر: التشنيع عليهم بأنهم طلبوا ذلك من غير استحياء ولا تستر. ومن هذا الباب: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ المذموم من اتخذ هواه إلهه. أما من جعل مطلبه وميله في طاعة ربه، فليس بمذموم تقول: اتخذت المدرسة ملهى فتذم، واتخذت الملهى مدرسة فتمدح، والملهى في المثال يساوي الهوى في النص.. فتنبه لهذه الدقيقة. ومن هذا الباب: ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا﴾ .. فالبشارة سبب الضحك، ومن هذا الباب قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ .. والأصل أن يقدم العلم؛ لكن لما كان المقام تشريع أحكام أو تبيين عقائد -يطلب الحكمة من ورائها- قدم الحكيم. وقد يقدم اللفظ في موضع ويؤخره في موضع؛ نحو: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ .. وفي موضع آخر يقول: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ .. ونحو: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ .. وفي سورة الأنعام: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى﴾ . ومن الأمور المسلمة تقديم ما يُعتنَى به.. ولكل مقام مقال. وبهذا ينتهي الموضوع السادس عشر.

стр. 342

الموضوع السابع عشر: وسائل الإقناع يندرج تحت هذا الموضوع: الأمثال، والقسم، والجدل.. ذلك أن الإقناع إما بالتقريب والإبراز للمعقول في صورة المحس، وذلك هو المثل.. وإما بتوكيد الخبر، وطريقه القسم.. وإما بالحجة، وطريقه الجدل.. فالمثل كما قال الماوردي: من أعظم علم القرآن علم أمثاله، والناس في غفلة عنه لاشتغالهم بالأمثال، وإغفالهم الممثلات. اهـ. وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ . والغرض من المثل نقل الخفي وإبرازه في صورة الواضح الجلي.. وتأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر أو إبطاله، قال تعالى: ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ .. والأمثال في القرآن منها ما صرح فيه بالمثل؛ كقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ وكقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ﴾ .. فهاتان الآيتان صرح في أولهما بلفظ المثل.. ومنها ما كمن المثل فيه ولم يصرح به؛ نحو: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ فإنه يكمن فيه المثل القائل: خير الأمور الوسط..

стр. 343

وكذا قوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ .. فإنه يكمن فيه المثل القائل: مَن جهل شيئًا عاداه.. وقوله: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ .. يكمن فيه المثل القائل: ليس الخبر كالعِيَان.. وقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ .. يكمن فيه المثل القائل: اتقِ شر مَن أحسنت إليه. وقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ .. يكمن فيه قولهم: في الحركات البركات.. وقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ .. يكمن فيه قولهم: كما تدين تدان. وقوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ .. يكمن به قولهم: حين تقلي ندري.. وقوله عن يعقوب: ﴿هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ موافق لقولهم: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ موافق لقولهم: مَن أعان ظالمًا سلطه الله عليه.. وقولهم: لا تلد الحية إلا حية.. يوافق قوله: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ . قولهم: للجدران آذان.. يوافق لقوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ .. وقولهم: الحلال لا يأتيك إلا قوتًا، والحرام لا يأتيك إلا جزافًا..

стр. 344

موافق لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ . فأنت ترى أن هذه النصوص تحوي أمثالًا اشتهرت عند العرب ولم يصرح فيها بذكر المثل، فكانت هذه النصوص أمثالًا كامنة. ويمكنك أن تقتبس من القرآن نصوصًا تضربها أمثالًا للانتفاع بها؛ كما تقول عند مؤاخذة المسيء: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ .. وعند الإعجاب: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ . فوائد ضرب الأمثال: ١- إبراز المعقول في صورة المحس، والمتخيل في صورة المتيقن.. ٢- تعليم عباده كيف يقيسون الأمور وينتقلون من النظير إلى النظير.. ٣- تعليم العباد أن المتماثلين متساويان شرعًا وعقلًا.. ٤- لو جاز التفريق بين المتماثلين لانسدت طريق الاستدلال ولم تبقَ للعقل قيمة. ٥- كل مثل في القرآن له فائدته الخاصة به.. فمثلًا قوله تعالى عن المنافقين: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ .. هذا إخبار عن حال المنافقين بالنسبة إلى حظهم من الوحي، وأنهم بمنزلة من استوقد نارًا لتضيء له وينتفع بها؛ وهذا لأنهم دخلوا في الإسلام فاستضاءوا به، وانتفعوا به، وخالطوا المسلمين؛ ولكن لما لم يكن لصحبتهم مادة من قلوبهم من نور الإسلام طفئ عنهم، وذهب الله

стр. 345

بنورهم، ولم يقل: بنارهم؛ فإن النار فيها الإضاءة والإحراق، فذهب الله بما فيها من الإضاءة، وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق، وتركهم في ظلمات لا يبصرون، فهذا حال مَن أبصر ثم عَمِيَ، وعرف ثم أنكر.. ومن الأمثال قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فذكر سبحانه أنهم ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياءهم أضعف منهم، فهم في ضعف وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتًا، وهو أوهن البيوت وأضعفها، وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء، فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا، كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ . وهذا من أحسن الأمثال وأدلها على بطلان الشرك وخسارة صاحبه وحصوله على ضد مقصوده.. ولم ينفِ سبحانه عنهم العلم بوهن بيت العنكبوت؛ وإنما نفى عنهم علمهم بأن اتخاذهم أولياء من دونه كالعنكبوت اتخذت بيتًا، فلوا علموا ذلك لما فعلوه؛ ولكن ظنوا أن اتخاذهم الأولياء من دونه يفيدهم عزًّا وقدرة، فكان الأمر بخلاف ما ظنوه.. فأنت ترى أن الفائدة بيان ضعف المشركين، وأنهم كالمستجير من الرمضاء بالنار..

стр. 346

وأما القسم، فالقصد منه تحقيق الخبر وتوكيده.. ولا يقال: المؤمن ليس في حاجة إلى توكيد، والجاحد لا ينتفع بهذا التوكيد؛ لأن الله أنزل القرآن بلسان عربي، والعرب تقسم للتوكيد.. ويثبت الخبر إما بالإشهاد عليه، أو توكيده باليمين. وفي القرآن: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وفيه: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ .. ولما سمعها بعض الأعراب صاح قائلًا: مَن الذي أغضب الجليل حتى ألجأه إلى اليمين.. ولا يكون القسم إلا بمعظَّم، وقد أقسم الله بنفسه في مواضع من كتابه فقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ ، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .. وكما أقسم بذاته أقسم ببعض مخلوقاته؛ إما للفت الأنظار إليها، وإما لأنها مربوبة له مع ما اشتملت عليه من سر.. ويكون القسم بربها كقوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ، وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ .. ومن حقه أن يُقسم بما شاء، وليس لنا أن نقسم إلا بالله، وقد أقسم الله بنبيه في قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ .. وذلك ليعرف الناس بمكانته ﷺ . وأيًّا ما كان، فالقسم إما بالفعل الحقيقي؛ كالقسم بذات الله. وإما بالفعل؛ كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا، وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ بناء على أن "ما" مصدرية.. وإما القسم بالمفعول، وتعظيم المصنوع تعظيم الصانع؛ كقوله: ﴿وَالتِّينِ﴾ .. والقسم إما ظاهر كالنصوص السابقة.. أو مدلولًا عليه باللام الواقعة في جوابه؛ نحو: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ .. أو مفهومًا من السياق؛ نحو: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ..

стр. 347

والمقسم عليه إما خبر؛ نحو: ﴿إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ .. وإما خبر في معنى الطلب؛ نحو: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فهو في قوة: حكموا محمدًا فيما شجر بينكم، وإلا لا يكون منكم إيمان.. وإذا أقسم الله على الغيب، فقد أراد بذلك توكيد تحققه؛ كأنه يقسم به أيضًا.. وإذا أقسم على ما هو مشاهَد، فقد أراد تعظيمه؛ لأنه دال عليه، وآية من آياته.. وأحرف القسم: الواو: وقد يحذف معها الفعل.. والباء: ولا يحذف معها الفعل؛ نحو: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ .. ومنها التاء: وهي للتعجب كما سبق.. وأما جواب القسم، فقد يُحذف لوجود دليل يدل عليه.. وأكثر ما يكون مذكورًا كما في الآيات السابقة.. ومن خصائص القرآن مراعاة العَلاقة بين المقسم به والمقسم عليه؛ كقوله: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ .. فالعلاقة هي تشبيه نور الوحي بالضحى وانقطاعه بظلام الليل.. وكذا قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ .. فالعلاقة تشبيه النبي بالنجم في الاهتداء به.. ومن هنا يتبين أن القسم وسيلة من وسائل الإقناع.. يستخدم في وقت الحاجة إليه.. وأما الجدل، قد قال العلماء: اشتمل القرآن العظيم على جميع أنواع البراهين والأدلة التي تُبنَى من الكليات العقلية والسمعية..

стр. 348

وقد تُوخي في ذلك طريقة جلية؛ حيث إن اللجوء إلى الغوامض والألغاز دليل على العجز عن الإتيان بالواضح الجلي، ولم تعرف العرب دقائق المتكلمين؛ ولذا فإن القرآن لم يتعرض إلا للجلي النافع منها.. وإذا كان الجدل هو احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند فيه، فإن القرآن الكريم قد ضرب بسهم وافر في هذا الميدان.. وهذا مَثَلٌ نسوقه ليتضح ما نؤمن به ونردده؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ،، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ .. تأمل معي هذا المنطق الفطري، دعا فيه أولًا إلى اتخاذ الوقاية من غضب الله وسخطه، ولسائل أن يقول: وما قيمة الاتقاء؟ فلعل الدعوة إليه بأهوال ستقع يُنسي الإنسان فيها نفسه، وتنقطع فيها أوثق العلائق الأسرية.. ومعرفة ذلك جاءت عن طريق السمع؛ إذ ليس للعقل في الغيبيات التي لم يرها مجال للنظر والتأمل، وعلى العقل أن يستعمل ملكاته وأن يقيس الشيء على نظيره، وعليه أن يحذر الوقوع في ما لا يعلمه، والجري وراء الذين

стр. 349

يتحدثون بالتخمين، ولا سند لهم في الإنكار سوى أنهم لم يشاهدوا ما جاء به السمع. وإذا أنصف العقل فعليه أن يدرك أن مَن يعلم مقدم على مَن لم يعلم، وأن عدم العلم لا يعد دليلًا؛ فقد لا أعلم شيئًا وهو عند غيري من البدهيات.. ولما كان المخبر عنه أمرًا غيبيًّا قرره القرآن بأمور مشاهَدة: أولها: خلق الإنسان من تراب، وهو الآن إذا نظر إلى نفسه استبعد أن يكون من تراب، ولم يعترف إلا بعد أن يقطع شوطًا من العلم، يدرك بعد التحليل أن في الجسم عناصر التراب. ثانيها: الأطوار التي يمر بها الإنسان في بطن أمه، من غير أن يكون للوالدين أو لأحدهما أي تدخل لتغيير مسار هذه الأطوار أو لإبقائها.. ثالثها: حال الإنسان وهو مسن، يضعف بعد قوة، وينسى بعد تذكر.. ورابعها: ما يشاهده من أرض يابسة تلقى فيها بذور يابسة، فإذا سقط عليها الماء دبت فيها الحياة.. والنتائج المترتبة على تلك المقدمات ما أفصح عنها قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ .. لأنه أخبر العقل بما لم يعلم من تلقاء نفسه.. وأثبت له بالدليل الحسي أن ما أخبر به ثابت ولا يخبر بالحق إلا الحق ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ .. فقد أحياء الأرض بالماء، وأنه على كل شيء قدير؛ لأنه أوجد من التراب كائنًا يفكر ويخترع. إذا ثبتت هذه النتائج الثلاث -وهي بالقطع ثابتة- ثبت ما أخبر عنه من غيبيات؛ كالساعة، لأنها وقت.. ومن أنكر وجود الغد فهو مكابر.. وثبت بعث مَن في القبور، كما ثبت خروج النبات الحي من الأرض الجامدة.

стр. 350

وقد استدل على المعاد الجسماني بضروب: أحدها: قياس الإعادة على الابتداء؛ كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ . ثانيها: قياس الإعادة على خلق السماوات والأرض بطريق الأَوْلَى؛ قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ﴾ .. ثالثها: قياس الإعادة على إحياء الأرض بعد موتها بالمطر والنبات؛ قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ .. رابعها: قياس الإعادة على إخراج النار من الشجر الأخضر؛ قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ .. خامسها: أن الناس دائمًا مختلفون، واختلافهم في الحق لا يغير منه شيء ولا يقلبه باطلًا، فالحق ثابت في نفسه، ولا بد من الكشف عنه في حياة يرتفع فيها الخلاف؛ إجلالًا للحق وإيقافًا للناس عليه، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ . ومن وسائل القرآن في الإقناع بعد الاستدلال على الغائب بالشاهد استخدام دليل التمانع. وخلاصته: امتناع الإمكان والوقوع عند التسليم بفرض من الفروض؛ قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ .. فلو فرض أكثر من إله اختلفت إرادة كل منهما؛ لامتنع الإمكان والوقوع، فالذي تنفذ إرادته هو الإله. ولو فرض إلهان متفقان في كل شيء لحكم العقل بداهة أنه لا داعي لأحدهما.

стр. 351

ومن طرق الإقناع ثالثًا: السبر والتقسم؛ ومعناه: الاستقراء التام لكل الجوانب، والفرض لكل الاحتمالات، ثم الكر عليها بالإبطال، فيثبت بذلك نقيض المدعى، مثاله: أن المشركين ادعوا على الله كذبًا أنه حرم بعض الحيوانات، فقال الله لهم: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ . وكل هذه الاحتمالات باطلة، والنتيجة أنهم كذبة، وهذا ما أفصح عنه قوله بعد: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .. الرابع: القول بالموجب؛ ومعناه: تعليق شيء على شيء، فيسلم به، ثم نقل المعلق عليه إلى حقيقته؛ كقوله تعالى عن المنافقين: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ . فهذا مسلم به؛ ولكن الأعز هو المؤمن وليس المنافق؛ ولذا عقبه بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . الخامس: التسليم بفرض المحال، فيسلم به جدلًا وليس اعترافًا؛ وإنما التسليم لإفحام الخصم ووضع يده على الحقيقة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ .. فقوله: "إذًا" يساوي لو سلم بالمدعى لتضاربت الآلهة، واختل نظام الكون، وهذا بدهي البطلان. السادس: الانتقال من دليل إلى دليل آخر؛ حيث لم يفهم الخصم الدليل الأول، ومثاله ما وقع بين إبراهيم والجبار: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ

стр. 352

الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ . السابع: المناقضة؛ وهو تعليق الأمر على محال؛ لبيان أن الذي علق على المحال فهو محال؛ نحو: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ . الثامن: مجاراة الخصم؛ ومعناه: التسليم له بما يقوله، وتنبيهه إلى أمر خفي عليه؛ كقول الكفرة لرسلهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ وكان رد الرسل: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ . وإذا كان الجدل خطاب العقل، فاعلم أن القرآن قد نوَّه بالعقل في العقيدة حيث قال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ . فالعقل يدرك أنه إذا بَطَلَ اثنان من ثلاثة تعين الثالث؛ وهو أننا خلقنا والخالق لنا هو الله، وفي التبعة والتكليف فإن من سلب عقله لا يسأل مسئولية جنائية عن عمله؛ قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ..٢٠*١٢ والعقل -في مدلول لفظه العام- مَلَكَةٌ يُناط بها الوازع الأخلاقي أو المنع عن المحظور والمنكر.. وقد يخاطب القرآن العقل الوازع؛ مثل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .. وقد يخاطب القرآن العقل المدرك؛ مثل: خطاب أولي الألباب.. ومن هنا نتبين أن اللب الذي يخاطبه القرآن وظيفته عقلية تحيط بالعقل الوازع والمدرك والحكيم.. أما العقل الذي يفكر ويستخلص من تفكيره زبدة الرأي والرويَّة

стр. 353

فالقرآن يعبر عنه بكلمات متعددة.. تشترك في المعنى أحيانًا، وينفرد بمعناه على حسب السياق في أحيان أخرى.. فهو الفكر والنظر والبصر والتدبر والاعتبار والذكر والعلم.. وتبين من الآيات أن العقل الذي يخاطبه الإسلام، هو العقل الذي يعصم الضمير، ويدرك الحقائق، ويميز بين الأمور، ويوازن بين الأضداد.. وأنه هو العقل الذي يقابله الجمود والعنت والضلال.. وليس بالعقل الذي قصاراه من الإدراك أنه يقابل الجنون؛ فإن الجنون يسقط التكليف، وليس كذلك الجمود والعنت والضلال.. ويندب الإسلام مَن يدين به إلى مرتبة أعلى من مرتبة تدفع عنه الملامة أو تمنع عنه المؤاخذة؛ كي يبلغ إلى مرتبة الرشد والحكمة. ولا يبطل في الإسلام عمل العقل، إن الله بكل شيء محيط، فإن خلق الإنسان للعقل لا يسلبه القدرة على التفكير، ولا يسلبه تبعة الضلال والتقصير.. موانع العقل: وليس شيء أخطر على العقل في شل تفكيره، أو التقليل منه، وطمس معالم الحق من أمور ثلاثة: عبادة السلف المتقدمين، والانخداع بالعرف. ذلك أن بعض الناس يقدِّسون أسلافهم من غير نظر فيما كانوا يأتون أو يذرون، ويستسلمون للعرف، وما هذا سبيل العقلاء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ .. إن حب الأسلاف واحترام العرف أمر مقرر في الإسلام، بشرط ألا يكون في ذلك تأثير على العقل..

стр. 354

وثاني الموانع: التقليد للسلطة الدينية الزائفة التي يدعيها مَن لا علم لهم بالدين.. تلك أخطر المؤثرات على العقل؛ لأنها تسيطر عليه من الداخل. والقرآن الكريم يرشد العقل إلى طلب الحق من ذويه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ . والمانع الثالث: الخوف المهين من أصحاب السلطة الدنيوية؛ فإنهم يحجرون على العقل أحيانًا بما يخترعون من أساليب القهر والجبروت.. حقًّا أمر القرآن بطاعة ولي الأمر، وعليه في مقابل ذلك تحمل التبعة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ .. وبهذا ينتهي هذا الموضوع.

стр. 355

الموضوع الثامن عشر: اللفظ القرآني دلالته وأقسامه اعلم أن الدلالة تنقسم إلى قسمين بوجه عام: ظنية، وقطعية. فالقطعية: ما كان مضمونها حكمًا عقليًّا لا ينازع العقل فيه؛ نحو: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .. فشمول علم الله لكل شيء لا ينازع فيه عقل سليم.. أو كان المضمون قد استعمله القرآن في أكثر من موضع لمعنى واحد؛ مثل: البعث، والحشر، والحساب.. أو كان المضمون قد بيَّن الله أو رسوله المراد منه؛ نحو: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ ونحو: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فسَّره النبي ﷺ بالعرض.. وإذا كانت الدلالة قطعية امتنع تأويل اللفظ وصرفه لمعنى آخر. وفي غير هذه المواضع الثلاثة يحتمل أن تكون الدلالة قطعية، ويحتمل أن تكون ظنية.. ويقوى احتمال القطع أو الظن بالأمارات.. هذا كله بالنسبة لدلالة اللفظ على المعنى المراد.. أما ثبوت اللفظ القرآني، فهو قطعي من غير شك؛ أي: ثابت النسبة لله.. واحتمال القطع والظن إنما هو من حيث الدلالة. فالقرآن كله قطعي الثبوت.. وبعضه قطعي الدلالة.. وبعضه يحتمل أن يكون قطعي الدلالة، وأن يكون ظنيًّا.. فعدم التأكد من استعمال اللغة للفظ في هذا المعنى مثلًا يورث ظنًّا في
следующие страницы →