ومن طرق الإقناع ثالثًا: السبر والتقسم؛ ومعناه: الاستقراء التام لكل الجوانب، والفرض لكل الاحتمالات، ثم الكر عليها بالإبطال، فيثبت بذلك نقيض المدعى، مثاله: أن المشركين ادعوا على الله كذبًا أنه حرم بعض الحيوانات، فقال الله لهم: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ .
وكل هذه الاحتمالات باطلة، والنتيجة أنهم كذبة، وهذا ما أفصح عنه قوله بعد: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ..
الرابع: القول بالموجب؛ ومعناه: تعليق شيء على شيء، فيسلم به، ثم نقل المعلق عليه إلى حقيقته؛ كقوله تعالى عن المنافقين: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ .
فهذا مسلم به؛ ولكن الأعز هو المؤمن وليس المنافق؛ ولذا عقبه بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
الخامس: التسليم بفرض المحال، فيسلم به جدلًا وليس اعترافًا؛ وإنما التسليم لإفحام الخصم ووضع يده على الحقيقة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ..
فقوله: "إذًا" يساوي لو سلم بالمدعى لتضاربت الآلهة، واختل نظام الكون، وهذا بدهي البطلان.
السادس: الانتقال من دليل إلى دليل آخر؛ حيث لم يفهم الخصم الدليل الأول، ومثاله ما وقع بين إبراهيم والجبار: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ
стр. 352
الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ .
السابع: المناقضة؛ وهو تعليق الأمر على محال؛ لبيان أن الذي علق على المحال فهو محال؛ نحو: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ .
الثامن: مجاراة الخصم؛ ومعناه: التسليم له بما يقوله، وتنبيهه إلى أمر خفي عليه؛ كقول الكفرة لرسلهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ وكان رد الرسل: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ .
وإذا كان الجدل خطاب العقل، فاعلم أن القرآن قد نوَّه بالعقل في العقيدة حيث قال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ . فالعقل يدرك أنه إذا بَطَلَ اثنان من ثلاثة تعين الثالث؛ وهو أننا خلقنا والخالق لنا هو الله، وفي التبعة والتكليف فإن من سلب عقله لا يسأل مسئولية جنائية عن عمله؛ قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ..٢٠*١٢
والعقل -في مدلول لفظه العام- مَلَكَةٌ يُناط بها الوازع الأخلاقي أو المنع عن المحظور والمنكر..
وقد يخاطب القرآن العقل الوازع؛ مثل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ..
وقد يخاطب القرآن العقل المدرك؛ مثل: خطاب أولي الألباب.. ومن هنا نتبين أن اللب الذي يخاطبه القرآن وظيفته عقلية تحيط بالعقل الوازع والمدرك والحكيم..
أما العقل الذي يفكر ويستخلص من تفكيره زبدة الرأي والرويَّة
стр. 353
فالقرآن يعبر عنه بكلمات متعددة.. تشترك في المعنى أحيانًا، وينفرد بمعناه على حسب السياق في أحيان أخرى.. فهو الفكر والنظر والبصر والتدبر والاعتبار والذكر والعلم..
وتبين من الآيات أن العقل الذي يخاطبه الإسلام، هو العقل الذي يعصم الضمير، ويدرك الحقائق، ويميز بين الأمور، ويوازن بين الأضداد.. وأنه هو العقل الذي يقابله الجمود والعنت والضلال.. وليس بالعقل الذي قصاراه من الإدراك أنه يقابل الجنون؛ فإن الجنون يسقط التكليف، وليس كذلك الجمود والعنت والضلال..
ويندب الإسلام مَن يدين به إلى مرتبة أعلى من مرتبة تدفع عنه الملامة أو تمنع عنه المؤاخذة؛ كي يبلغ إلى مرتبة الرشد والحكمة. ولا يبطل في الإسلام عمل العقل، إن الله بكل شيء محيط، فإن خلق الإنسان للعقل لا يسلبه القدرة على التفكير، ولا يسلبه تبعة الضلال والتقصير..
موانع العقل:
وليس شيء أخطر على العقل في شل تفكيره، أو التقليل منه، وطمس معالم الحق من أمور ثلاثة: عبادة السلف المتقدمين، والانخداع بالعرف.
ذلك أن بعض الناس يقدِّسون أسلافهم من غير نظر فيما كانوا يأتون أو يذرون، ويستسلمون للعرف، وما هذا سبيل العقلاء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ ..
إن حب الأسلاف واحترام العرف أمر مقرر في الإسلام، بشرط ألا يكون في ذلك تأثير على العقل..
стр. 354
وثاني الموانع: التقليد للسلطة الدينية الزائفة التي يدعيها مَن لا علم لهم بالدين.. تلك أخطر المؤثرات على العقل؛ لأنها تسيطر عليه من الداخل. والقرآن الكريم يرشد العقل إلى طلب الحق من ذويه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
والمانع الثالث: الخوف المهين من أصحاب السلطة الدنيوية؛ فإنهم يحجرون على العقل أحيانًا بما يخترعون من أساليب القهر والجبروت.. حقًّا أمر القرآن بطاعة ولي الأمر، وعليه في مقابل ذلك تحمل التبعة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ..
وبهذا ينتهي هذا الموضوع.
стр. 355
الموضوع الثامن عشر: اللفظ القرآني دلالته وأقسامه
اعلم أن الدلالة تنقسم إلى قسمين بوجه عام: ظنية، وقطعية.
فالقطعية: ما كان مضمونها حكمًا عقليًّا لا ينازع العقل فيه؛ نحو: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .. فشمول علم الله لكل شيء لا ينازع فيه عقل سليم..
أو كان المضمون قد استعمله القرآن في أكثر من موضع لمعنى واحد؛ مثل: البعث، والحشر، والحساب..
أو كان المضمون قد بيَّن الله أو رسوله المراد منه؛ نحو: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ ونحو: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فسَّره النبي ﷺ بالعرض..
وإذا كانت الدلالة قطعية امتنع تأويل اللفظ وصرفه لمعنى آخر.
وفي غير هذه المواضع الثلاثة يحتمل أن تكون الدلالة قطعية، ويحتمل أن تكون ظنية.. ويقوى احتمال القطع أو الظن بالأمارات..
هذا كله بالنسبة لدلالة اللفظ على المعنى المراد..
أما ثبوت اللفظ القرآني، فهو قطعي من غير شك؛ أي: ثابت النسبة لله.. واحتمال القطع والظن إنما هو من حيث الدلالة. فالقرآن كله قطعي الثبوت.. وبعضه قطعي الدلالة.. وبعضه يحتمل أن يكون قطعي الدلالة، وأن يكون ظنيًّا..
فعدم التأكد من استعمال اللغة للفظ في هذا المعنى مثلًا يورث ظنًّا في
стр. 356
استعماله فيها. وكذا تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز، واحتمال وجود حذف، وإرادة العموم أو الخصوص أو الإطلاق أو التقييد.
كل هذا يورث ظنًّا يجعل دلالة اللفظ على المعنى ظنية..
ومن فضل الله علينا أن أفسح لنا مجال البحث؛ لنتدبر ولنتذوق ما يمتاز به القرآن من مرونة تسع الزمان والمكان والفكر البشري القويم، الذي يتزود من مائدة الله بما يحتاج له بعد الرجوع إلى قواعد اللغة والدين..
وينقسم اللفظ عدة أقسام، كل قسم باعتبار:
فمن حيث الصيغة ينقسم إلى: خاص، وعام، ومشترك؛ نحو: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ونحو: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ونحو: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ .. فالقرء يقال على الطهر، أو على الحيض بالاشتراك بينهما.
وينقسم من حيث الظهور والخفاء إلى: ظاهر، ونص، ومفسر.. وإلى خفي، ومشكل، ومجمل..
فالظاهر: اسم لما ظهر المراد منه من حيث الصيغة؛ نحو: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ .. فإن هذا يدل على البيع وتحريم الربا.
أما النص: فهو ما سيق الكلام من أجله كما في هذه الآية.. فالمراد بيان الفرق بين البيع فإنه حلال، وبين الربا فإنه حرام، وقد سيق الكلام لأجل هذا.
وأما المفسر: فهو اللفظ الذي جيء به لرفع أي احتمال؛ نحو: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ .. فإن لفظ "كافة" يرفع أي احتمال في قتال بعض المشركين.
وأما الخفي: فإنه ما خفي المراد منه لعارض؛ نحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ..
стр. 357
فالسارق: مَن يأخذ المال المحروز المملوك خفية؛ لكن عرض الخفاء في انطباقه على النباش الذي يأخذ أكفان الموتى باعتبار أن كفن الميت لا يملكه أحد..
وأما المشكل: فهو الذي أشكل على السامع طريق الوصول إلى المعنى الذي وضع له الواضع الاسم، أو أراده المستعير لدقة المعنى في نفسه لا بعارض؛ مثل قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فإنها مشكلة من حيث معناها في حق دبر المرأة: أهو مثل قبلها في الحل، أو مثل دبر الرجل في الحرمة؟ فطلبنا معنى كلمة: "أنَّى" فوجدناها مشتركة بين معنى "كيف" ومعنى "أين".
وبعد التأمل وجدناها بمعنى "كيف" في هذا الموقع؛ لأن الله تعالى سماهن حرثًا؛ أي: مزرعًا للأولاد، والدبر موضع الفرث لا الحرث، والله تعالى حرم الوطء في القبل حالة الحيض للأذى العارض. فالأذى اللازم الموجود في الدبر بطريق الأَوْلَى يكون مانعًا.
وأما المجمل: فهو الذي اختفى المراد منه بنفس لفظه حتى بينه الشارع؛ نحو لفظ "الصلاة" معناها في اللغة: الدعاء. وبيَّن الشارع المراد منها حين أمرنا بها في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ بيَّنها النبي ﷺ بقوله وفعله، وأمرنا قائلًا: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
ومِن العلماء مَن اصطلح اصطلاحًا آخر فقال: إذا كان اللفظ لا يحتمل إلا معنى واحدًا فهو النص.
وإن كان يحتمل أكثر من معنى.. فإن كان على التساوي فهو المشترك.. وإن كان أحدهما راجحًا والآخر مرجوحًا.. فالراجح هو الظاهر، والمرجوح هو المؤول..
стр. 358
وبطلان الراجح وإرادة المرجوح هو المشكل.. ولا يجوز صرف اللفظ عن الراجح إلا المرجوح إلا بدليل عقلي قطعي.. فمتى وجد وجب صرفه عن الراجح. اهـ.
وسأتناول بالتفصيل: العام، والخاص، والمجمل، والمطلق، والمقيد، والمنطوق، والمفهوم.. فتلك نقاط سبع:
١- العام:
هو لفظ شامل أكثر من اثنين بناء على أن المثنى لا يدخل فيه، وله صيغ؛ منها:
أ- كل وجميع.
ب- "من" و "ما" شرطًا أو استفهامًا أو موصولًا.
جـ- النكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط.
د- الجمع المحلى بأل أو المضاف.
هـ- اسم الجمع أو اسم جنس الجمع.
و المصدر المضاف.
ز- اسم الموصول إن وجدت قرينة؛ نحو: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ .. فإنه شامل لكل مَن يقول ذلك القول بدليل الإشارة إليه بعد بما يشار به إلى الجمع في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ .
وأقسام العام ثلاثة:
أ- ما بقي على عمومه؛ نحو: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
ب- العام المخصوص؛ نحو: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ .
стр. 359
فأنت ترى أنه خص الذين أوتوا الكتاب وقبل الجزية منهم، وأبقى الأمر بالقتال بالنسبة لغيرهم؛ حتى يعلنوا كلمة التوحيد، ثم إنه خصص مَن يقاتلون بالمعتدين في آية أخرى؛ وهي قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ .
ومن هذا يُعلم أن قول النبي ﷺ : "أمرت أن أقتال الناس " من العام المخصوص.. فالمراد بالناس: مَن بدءونا بالاعتداء علينا.
جـ- العام المراد به الخصوص؛ نحو: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ .. فالمراد بالناس: سيدنا محمد ﷺ .
والفرق بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص: أن العام المخصوص عمومه مراد تناولًا من حيث اللفظ، غير مراد من حيث الحكم.. والعام المراد به الخصوص عمومه غير مراد لا تناولًا ولا حكمًا.. وأن المراد به الخصوص يعتبر استعمال العام فيه من قبيل المجاز، والمخصوص من قبيل الحقيقة، وأنه في حالة إرادة الخصوص يمكن أن يراد بالعام شخصًا واحدًا، بخلاف العام المخصوص، فلا يصح إرادة أقل من اثنين أو ثلاثة ليصدق على الباقي أنه عام.
المخصصات:
والمخصصات للعام إما متصلة به، أو منفصلة عنه؛ لكنها متصلة به ترفع إرادة العموم منه.
فالمخصص المتصل.. إما الاستثناء نحو: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ .
стр. 360
فأنت ترى أن الخلود في العذاب استثني منه التائب، فكان قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ عام مخصوص لا يشمل التائب.
ومن المخصصات الصفة؛ نحو: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ .
فقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ شامل لكل ربيبة، سواء كانت مع أمها أو لا.. لكنه وصف الربيبة المحرمة بأن يكون قد دخل الزوج بأمها.. فقوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ شرط ووصف يشترط وجوده في الأم؛ لتحريم الابنة على زوج الأم. والدليل على ذلك قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ .
ومن المخصصات المتصلة التخصيص بالشرط؛ نحو: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ .
فالأمر بالمكاتبة شامل لكل رقيق؛ لكنه خص بمن علمنا فيهم خيرًا.
ومنها المخصص بالغاية؛ نحو: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ .. فالنهي عن وطء الحائض موقوت بالطهر.
أما المخصصات المنفصلة التي تخصص العام وهي منفصلة عنه، فمنها العقل؛ نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .. خص العقل الشيء بالممكن.
ومنها الحس؛ نحو: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ .. فلم تدمر كل ما في الأرض بشهادة الحس.. وإنما دمرت كل شيء للعصاة.
ومنها التخصيص بنص من القرآن في موضع آخر؛ نحو قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ .
стр. 361
فإنه خاص ببعض المطلقات، ويخرج منه غير المدخول بها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ .
وقد يكون المخصص حديثًا صحيحًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ فإنه مشروط بوَحْدَة الدين؛ لقوله ﷺ : "لا يرث مؤمن من كافر، ولا كافر من مؤمن".
وقد يكون المخصص هو الإجماع كمنع الرقيق من الميراث، فإنهم أجمعوا على أن الرقيق لا يرث؛ إذ لو ورثناه لكان الوارث في الحقيقة هو سيده؛ إذ "العبد وما ملكت يداه لسيده".
وقد يكون المخصص القياس الجلي. ومثاله: جلد العبد الأعزب الزاني خمسين جلدة، قياسًا على الأمة التي ورد فيها قوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ .
وقد يخصِّص القرآن عموم السنة؛ كما في قوله سبحانه: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ .. فإنه مخصص لقوله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار".
٢- الخاص:
هو اللفظ الذي وضع لفرد واحد، ولا يتناول غيره وضعًا؛ نحو: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ .. فإنه لا يشمل سوى سيدنا محمد بن عبد الله، خاتم النبيين والمرسلين.
ودلالة الخاص على معناه قطعية لا تقبل تأويلًا ولا زيادة على مدلوها.
стр. 362
ومِن العلماء مَن جعل الخاص في النوع أيضًا أو في الجنس ويقول: الخاص ما وضع لواحد، سواء كان فردًا أو نوعًا أو جنسًا.
وعلى هذا، فمن الخاص الطواف وإن تعددت مراته، والأمر، والنهي وإن تنوعت استعمالاتهما.
وأيًّاما كان، فالخاص يقابل العام.
أما المثنى، فيطلق على الاثنين، وإلحاقه بالجمع فيه خلاف، وطلب تكراره موقوف على القرائن؛ كقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ .. فإنه مراد به التكرار.
وأما قوله: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ فمراد به حقيقة الاثنين بدليل: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ والمراد: إن طلقها الثالثة بعد أن راجعها في المرة الأولى والثانية.
٣- المجمل:
هو ما لم تتضح دلالته ولم يظهر المراد منه من جهة لفظه.. وأنكر داود الظاهري وجود هذا النوع في القرآن؛ لأنه يؤدي إلى الحيرة والخلو من الفائدة.
والصواب: وجوده للتأمل فيه ثم يكشفه البيان.
والمتفق عليه أنه ما من مجمل في القرآن إلا بُيِّن.. أما بقاؤه على إجماله وهو متعلق بالأحكام فممتنع اتفاقًا.
стр. 363
أسباب الإجمال:
أ- وجود اللفظ المشترك المستعمل في أحد معانيه المتضادة؛ مثل: "عسعس".. فإنه موضوع للإقبال والإدبار، قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ .
ب- الحذف، على أن يكون المحذوف أيضًا متقابلًا؛ بحيث لا يمكن الجمع؛ نحو: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ إن كان المحذوف "في" كانت الرغبة محبة.. وإن كان المحذوف "عن" كانت نفرة وكراهية.
جـ- اختلاف مرجع الضمير؛ نحو: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ يحتمل عود ضمير الفاعل في "يرفعه" إلى ما عاد عليه ضمير إليه وهو "الله".
ويحتمل عوده إلى "العمل".. والمعنى: أن العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب.
ويحتمل عوده إلى "الكلم"؛ أي: أن الكلم الطيب -وهو التوحيد- يرفع العمل الصالح؛ لأنه لا يصلح العمل إلا مع الإيمان.
فأنت ترى أن الرافع إما "الله" أو "العمل" أو "الكلم".. والمرفوع إما "الكلم" وإما "العمل".
د- احتمال العطف والاستئناف؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ﴾ .
فإن جعلت "الواو" للعطف.. فالراسخون يعلمون تأويل المتشابه، وإن جعلتها للاستئناف.. فالراسخون لا يعلمون؛ ولكن يقولون: آمنا به.
هـ- استعمال اللفظ الغريب؛ نحو: العضل في قوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ .
стр. 364
و استعمال اللفظ المشهور في غير ما اشتهر فيه بأن يستخدمه كناية أو استعارة؛ نحو: ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ أي: يسمعون.. ونحو: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ كناية عن التكبر.. ونحو: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ كناية عن الندم.
ز- التقديم والتأخير؛ نحو: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ .. والتقدير: يسألونك عنها كأنك حفي.
حـ- قلب المنقول؛ نحو: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: على إلياس.. ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ أي: سيناء..
ط- التكريم القاطع لوصل الكلام في الظاهر: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ .. والتقدير: قال الملأ الذين استكبروا للمؤمنين المستضعفين.
والبيان إما متصل نحو قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ .. فإن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيان لتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
وقد يكون منفصلًا في موضع آخر نحو قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بينه قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ .
وقد تكون السنة هي المبيِّنة كما في الصلاة وغيرها.. وليس لأحد أن يبين المجمل إلا الشرع.. بخلاف المشترك، فإن حمله على أحد معانيه يمكن للمجتهد بالأمارات كما فعل أئمة الفقه رضوان الله عليهم.
стр. 365
٤- المطلق:
وهو ما دل على الماهية من غير قيد؛ نحو: "رقبة" في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فهو لفظ منتشر يصدق على أي فرد.
والصواب: أنه من قبيل الخاص، وينصرف إلى الكامل، ويدل على العموم عن طريق البدل عن طريق الشمول.
فمثلًا لفظ "رقبة" لا يشمل إلا فردًا واحدًا، ومع ذلك لو جئت بأية رقبة كنت ممتثلًا.. وهذا هو معنى العموم البدلي.
فإذا قيد المطلق لم يخرج عن معناه.. فإذا قال الله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ لم يزد إلا وصفها بالإيمان مع بقاء المطلق من قسم الخاص.
أما العام، فمتى خصص خرج عن معنى العموم، فإذا قلنا: اقتلوا المشركين الحربيين؛ أصبح العام بعد التخصيص لا يتناول سوى الحربيين.
٥- المقيد:
وهو ما أخرج عن الانتشار بوجه ما وكان القيد مستقلًّا..
فمثلًا: "مؤمنة" في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ هو قيد.. وقد ضيق في مدلول رقبة، وحصرها في المؤمنين.
ولَا بُدَّ أن يكون القيد مستقلًّا لإخراج المعارف.. فإن العلم -مثلًا- مانع من الانتشار بقيد العالمية؛ لكنه غير مستقل.
стр. 366
حمل المطلق على المقيد:
لا يُحمل المطلق على المقيد، ولا يُحمل المقيد على المطلق إلا بمسوغ.
واعلم أن كلًّا من المطلق والمقيد إما أن يكون حكمهما واحدًا، أو للمقيد حكم وللمطلق حكم.
وإما أن يكون سببهما واحدًا أو متعددًا.. للمقيد سبب وللمطلق سبب.
فمثال اتحاد الحكم: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فمرة مطلقة؛ كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ .. ومرة يقول: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ .. فالحكم في كل منهما متحد.. وهو التحرير.
ومثال تعدد السبب؛ كأن يكون في أحدهما سببه الظهار، وفي الآخرة سببه القتل الخطأ.
ومثال اتحاد السبب في كل منهما قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ .. فهذا مطلق، والأول مقيد.
والقاعدة: أنه إذا اتحد السبب والحكم وجب الحمل على المتأخر.. فإن كان المتأخر هو المطلق أُلغي القيد.. وإن كان المتأخر هو المقيد قيد المطلق وحمل المطلق على المقيد..
وإن اختلف السبب بقي كل منهما على حاله، اتحد الحكم فيهما أو اختلف.
وكذا إذا اتحد السبب واختلفا في الحكم.. فلا تحمل كفارة الظهار على كفارة القتل الخطأ؛ لاختلاف السبب.. وكذا لا تحمل كفارة اليمين على كفارة الظهار في تتابع الصوم؛ لاختلاف السبب..
стр. 367
٦- المنطوق:
هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق؛ نحو: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ .
فقد دل هذا النص على صيام عشرة أيام دلالة قاطعة..
فإن لم يُفهم اللفظ إلا بتقدير محذوف سُمي ذلك دلالة اقتضاء؛ نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهلها.
فإن قصد من اللفظ لازم معناه سُمي ذلك بدلالة الإشارة؛ نحو قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ .
فاعتبار كل المهاجرين فقراء يدل بلازمه على أن الخارج من مكة مهاجرًا إلى الله ورسوله زالت ملكيته عما كان يملكه؛ بحيث لو رجع إلى مكة لا يعود إلى ملكه ما كان يملكه.. ولما عاد رسول الله ﷺ إلى مكة فاتحًا لم يملك داره التي كان قد استولى عليها عقيل بن أبي طالب، وقال ﵇: "وهل أبقى لنا عقيل شيئًا؟ ".. وما تُرك لأجل الله لا يعود إلى صاحبه.
ويمكن تسمية المنطوق بدلالة العبارة..
٧- المفهوم:
وهو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق.. وهو قسمان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.
стр. 368
فالأول ما يوافق حكمه حكم المنطوق.. فإن كان أولى سُمي فحوي الخطاب؛ كدلالة: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ على تحريم الضرب؛ لأنه أشد.
وإن كان مساويًا سُمي لحن الخطاب؛ كدلالة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ على تحريم الإحراق؛ لأنه مساوٍ للأكل في الإتلاف.
والثاني: ما يخالف حكمه حكم المنطوق.. وهو أنواع:
أ- مفهوم الصفة: يستوي فيها أن تكون نعتًا؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ .. فالمفهوم المخالف: إن جاءنا غير فاسق قبلنا خبره ولم نتوقف فيه..
أما كانت حالًا؛ نحو: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ .. فمباشرة الزوجات في غير حال الاعتكاف وفي غير المساجد -غير محظورة.
أم كان ظرف زمان؛ نحو: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فلا يجوز الإحرام بالحج في غير أشهره.
أم ظرف مكان؛ نحو: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ فإن ذكر الله في غير هذا المكان غير محصل للمطلوب بالذكر عند المشعر الحرام..
ب- ومن مفهوم المخالفة: مفهوم الشرط؛ كقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ..
مفهومه المخالف أن غير الحوامل لا ينفق الأزواج عليهن..
جـ- مفهوم الغاية؛ نحو: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ .
стр. 369
مفهوم المخالفة: أن المطلقة ثلاثًا تحل لمطلقها بغير نكاح آخر لها.
د- مفهوم العدد؛ نحو: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ .
المفهوم المخالف: أن يزيد العدد، أو ينقص عن ثمانين.
هـ- القصر؛ نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ .
مفهوم المخالف: عبادة غيره.
واختلفوا في الاحتجاج بمفهوم المخالفة.
والصواب: أنه يحتج به ما لم يعارضه دليل.
فمثلًا: قوله من بين المحرمات: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ .
مفهوم المخالف: أنها تحل إذا لم تكن في حجر زوج أمها؛ لكن هذا معارَض بدليل آخر؛ وهو قوله ﵊: "والدخول بالأمهات يحرم البنات".
وبهذا ينتهي هذا الموضوع.
стр. 370
الموضوع التاسع عشر: ترجمة القرآن
مدخل
...
الموضوع التاسع عشر: ترجمة القرآ ن ١
معناها، وأقسامها، والحاجة إليها، والفرق بينها وبين التفسير، وحكمها، والشبهات الواردة عليها، وردها:
مبحث الترجمة من المهمات التي تُناط بالمسلمين؛ إذن عليها يتوقف تبليغ القرآن لغير العرب، والترجمة في نفسها دقيقة تحتاج لكفاءة وأمانة، وبعض المترجمين يترجمون خطأ لقلة علمهم، أو يتعمدون الخطأ لسوء نيتهم..
والترجمة بالمعنى العام تُطلق على مجرد نقل الكلام والنطق به، وعلى نقله إلى لغة أخرى.. كما تطق على تفسير الكلام باللغة التي قيل بها، أو تفسيره بلغة أخرى..
أما الترجمة العرفية التي اصطلح عليها الناس فعرَّفوها بأنها التعبير عن معنى كلام بكلام من لغة أخرى، مع الوفاء بمعانيه ومقاصده..
فقولنا: التعبير عن معنى كلام بكلام من لغة أخرى مخرج لتعبير الإنسان عما في نفسه، والتعبير بالمرادف..
وقولنا: مع الوفاء ... إلخ، مخرج للتفسير؛ فإنه يكتفى فيه بالبيان ولو بوجه من الوجوه، ولا يشترط فيه الوفاء بكل المعاني والمقاصد..
وتنقسم الترجمة إلى: حرفية لفظية، وإلى معنوية تفسيرية..
стр. 371
شروط المترجم والترجمة:
لا بد أن يكون المترجم أمينًا وكفئًا عالمًا بكل من اللغتين من حيث المفردات والتراكيب والأساليب؛ بحيث يمكنه تعويض النقص ليحقق الوفاء المطلوب في الترجمة، والذي يجعلها صالحة لأن تسد مسد الأصل..
فإذا كانت الترجمة حرفية.. فلا بد من تساوي اللغتين في المفردات والاشتقاق والضمائر، وإلا تصير الترجمة الحرفية ممتنعة، متى لم تتعادل اللغتان في كل شيء يتصل بالموضوع المترجم..
وتفترق الترجمة عن التفسير بفروق:
١- استقلال الترجمة عن الأصل..
٢- لا استطراد في الترجمة..
٣- وفاؤها بالغرض كاملًا..
٤- كمال الاطمئنان بالترجمة..
التفسير بخلاف هذا كله.. لا يستغني عن المفسَّر، ويمكن الاستطراد فيه.. وأحيانًا يُكتفى فيه بوجه من الوجوه، ولا تتأكد الطمأنينة به لاحتمال الإيجاز فيه.. والتفسير بطبيعته قائمة فيه الاحتمالات..
هذا كله في التفسير بالرأي.
ولا فرق بين الترجمة الحرفية والترجمة التفسيرية؛ إلا أن الترجمة الحرفية نقل للمفردات، والتفسيرية تصوير للمعاني..
كما أنه لا فارق في التفسير بين أن يكون بلغة المفسر، أو بغير لغته.. ولا تعرف الترجمة تعريفًا منطقيًّا؛ لأنها من قبيل التصديقات، والتعريف من التصورات، ولأن الترجمة سدت مسد الأصل فلا يجمع بين البدل والمبدل منه..
ونحن نعلم أن التعريف إما حقيقي يقصد منه حصول الصورة في الذهن بعد أن لم تكن حاصلة..
وإما لفظي يقصد به حضور ما هو حاصل غائب..
وما ذكر لها من تعريف إنما هو بالرسم.. شأن معظم المعرفات..
стр. 372
ولما كان الكلام عن الترجمة، وليس فيها تحصيل ما ليس بحاصل؛ لأن الأصل موجود ولا حضور ما هو غائب؛ امتنع تعريفها تعريفًا منطقيًّا..
والمراد بالقرآن في قولنا: ترجمة القرآن -الكلام المعجز البليغ.. ومن المعلوم أن لأي كلام بليغ معنى أولي يعرفه الجميع، ومعنى ثانوي ينفرد بمعرفته الخاصة..
وعلى الناظر في القرآن لترجمته أن يعلم مقاصده الأساسية:
وأولها: هداية الناس إلى الحق..
وثانيها: إثبات عجز الخَلْق عن الإتيان بمثل أقصر سورة فيه..
وثالثها: التعبد بتلاوته.
وعظمة القرآن يدركها الخاصة، وكثيرًا ما تفوت على العامة، والذي يترجم القرآن يجب عليه أن يركز على المعنى الثاني الذي تكمن فيه عظمة القرآن المتحدى به المعجز.
ولا بد من ملاحظة أن القرآن مقصود به التعبد بتلاوته، فلا يُستغنى عن أصله بترجمة حرفية أو بغيرها، وتجب المحافظة على أصله، فهو مأدبة الله لا يُغني عنه شيء؛ لأن فيه التدبر: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾ ، وهو ميسور الحفظ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ .. وعلى لفظه تتوحد الأمم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ .
стр. 373
حكم ترجمة القرآن:
١- إن كانت بمعنى نقل ألفاظه.. فجائز شرعًا.
٢- تفسيره باللغة العربية جائز شرعًا.
٣- تفسيره بلغة أخرى جائز لمن استجمع لشروط المفسر وشروط المترجم.
وهذه المعاني الثلاثة راجعة إلى الترجمة العامة.
٤- أما نقل تفسيره بالعربي إلى غير العربي، فتلك الترجمة العرفية، وهي جائزة شرعًا.. وفوائد هذه الترجمة:
١- رفع النقاب عن الإسلام.
ب- إزالة الشبه.
جـ- تنوير غير المسلمين.
د- إزالة الحواجز المصطنعة.
هـ- براءة الذمة من تبعة التبليغ.
وقد وردت على ترجمة التفسير بعض الشبهات؛ منها:
١- أن ترجمة التفسير لا بد فيها من ذكر شيء من القرآن، وهو ممنوع عندكم..
وجوابه: أنه يكفي أن يكون موجودًا باللفظ والرسم العربي، ويشير المترجم إليه برقمه..
٢- التفسير: يشمل عادة السنة وأقوال الصحابة والأئمة، مما يتعذر ترجمته..
وجوابه: أن يكتفى من التفسير بوجه واحد لتتيسر الترجمة.
٣- يكتفى بترجمة تعاليم الإسلام عن التفسير..
وجوابه: أن هذا يكفي لمن يريد أن يتعرف على الإسلام بوجه عام، أما مَن يريد أن يتعرف على التفسير للحاجة إليه، فلا يكفيه إلا أن يترجم له التفسير، ومن أراد القرآن فعليه أن يعرف لغته؛ ليتلوه بها.
وبناء على ما سلف.. فإن معنى ترجمة القرآن: التعبير عن معانيه وألفاظه العربية بلغة أخرى، مع الوفاء بمقاصده.
стр. 374
والترجمة الحرفية من المستحيل العادي، خصوصًا في القرآن؛ لما يأتي:
١- قصور الترجمة عن الوفاء بالمعنى الأول والثانوي، والمحافظة على مقاصد القرآن الثلاثة.
٢-إن وجدت وجد مثل للقرآن.. وهو مستحيل، والمستحيل يحرم طلبه شرعًا؛ لأن طلبه عبث..
٣- إذا قلنا بإمكانها نكون قد ادعينا وجود مثل للقرآن، وهو منافٍ لإثبات عجز البشر.
٤- إذا وجدت انصرف الناس على الأصل.. وذلك لا يجوز.
٥- إذا وجدت انصرف الناس إليها وعُرض الأصل للضياع، وهذا لا يرضاه مسلم يتعبد بتلاوة القرآن.
٦- إذا وجدت الترجمة الحرفية افترق الناس واختلفوا، والمطلوب وَحْدَة الأمة.
٧- إذا وجدت تصدعت لغة القرآن، ولم يبقَ لوصفه بالعربية كبير فائدة.
٨- انعقد الاجتماع على عدم جواز رواية القرآن بالمعنى؛ محافظة على لفظه، فكيف يجوز وفي الترجمة الحرفية هجر للفظه؟!
٩- الأعلام لا تمسها الترجمة، والقرآن عام مقصود لفظه.
وقد وردت بعض الشبهات على منع الترجمة الحرفية، نوجزها فيما يأتي:
١- وجوب تبليغ الإسلام.
وجوابه: يمكن تبليغه بترجمة التفسير لمن أراد التفسير، وتبليغ أحكام الإسلام بترجمتها لمن أراد معرفة الأحكام.
стр. 375
٢- استلزم كتب النبي ﷺ التي بعثها إلى غير العرب للترجمة، فلا بد أنها ترجمت لهم بإقرار منه ﵇ للترجمة.
وجوابه: أنها تستلزم ترجمة التفسير، على أن ما في كتبه ﷺ كان اقتباسا من القرآن، وليس في أي كتاب آية كاملة.
ومَن ادعى أن الكتب تُرجمت ترجمة حرفية.. فقد أعظم القول وقال بغير علم.
٣- الترجمة كالتفسير.
وجوابه: أن بينهما فروقًا كما سق.
٤- يكتفى بالمعنى الأولي.
وجوابه: أن هذا شطر القرآن.. فالمعنى الثانوي أهم عند الخاصة من المعنى الأولي، وأدل على العظمة والإعجاز والهداية.
٥- تصحيح ما وقع من أخطاء.
وجوابه: ستقعون في الخطأ مثلما وقعوا.. بل إن الترجمة التفسيرية لم تزل بها أخطاء يندى لها الجبين مع كثرة تَكْرَارِها.
٦- نقل عن سلمان الفارسي أنه ترجم الفاتحة، وأقر النبي ﷺ ترجمته لها.
وجوابه: أن هذا خبر مطعون في صحته.. وعلى فرض التسليم بسلامة سنده -وهو عسير جدًّا- فإنها كانت ترجمة للتفسير، وليست ترجمة حرفية.
٧- جوز الأحناف الدخول في الصلاة بترجمة التكبير.
وجوابه: أنه لا حجة إلا لما ثبت عن الله ورسوله، وأن الأحناف يفرقون بين ما هو ذكر تجوز ترجمته، وما هو قصة لا تجوز ترجمته.
وبهذا ينتهي هذا الموضوع.
стр. 376
الموضوع العشرين: أهم قواعد التفسير
...
الموضوع العشرون: أهم قواعد التفسير
١- جرت عادة العرب على حذف المفعول اختصارًا إن وجد دليل.. واقتصارًا إذا لم يتعلق غرض لنتكلم في ذكره؛ نحو: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ فلم يعين المأكول لأنه مباح، والمباحات لا تكاد تنحصر.
وأحيانًا يُراد مجرد الإعلام بالفعل بصرف النظر عمن أوقعه ومن وقع عليه؛ كأن تقول: حصل حريق.. ومنه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ .. ففي "رأيت" الأولى مجرد الإعلام، ثم فسره بما وقع بعد "رأيت" الثانية.
٢- يشترط عند حذف الشيء لدليل أن يكون الدليل مطابقًا للمحذوف، فلا يصح تقدير: بلى ليحسبنا قادرين على أن نسوي بنانه.. بناء على أن الدليل الذي يدل على المحذوف هو قوله قبل: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ فرد عليه قائلًا: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ..
وذلك للاختلاف في الحسبانين؛ إذ الحسبان الموجود الذي اعتبر دليل حسبان بمعنى الظن والحسبان المقدر حسبان بمعنى اليقين، ففسد هذا التقدير لعدم مطابقة الدليل للمدلول عليه.
٣- إذا قدرت محذوفًا فلا يصح أن يكون جزءًا من الجملة؛ كأن يكون فاعلًا؛ لأن حذف الجزء إخلال بأحد ركني الجملة.
ومن ثم من جعل فاعل "بئس" هو المثل في قوله: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾
стр. 377
فقد أخطأ؛ لأن الفاعل أحد ركني الجملة فلا يحذف.. وإنما هو ضمير في معنى المثل فسره "مثل" المضاف إلي ما فيه "أل".
٤- لا يلي حرف "أما" إلا الاسم.. ولا يلي "إذا" إلا الفعل.. فإن وليها الاسم قدرت الفعل؛ نحو: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ..
٥- يجب تقليل المحذوف بقدر ما يمكن، على أن يكون المقدر موافقًا للسياق؛ مثل: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ﴾ تقدير: حرمة الكعبة أولى من تقدير: نصب الكعبة؛ لموافقته السياق.. وتقدير: كذلك في قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أولى من تقدير: فعدتهن كذلك لاختصار الأول..
٦- إذا تردد المحذوف بين أن يكون خبرًا للمبتدأ وبين أن يكون فعلًا.. فالأولى في التقدير أن يكون المحذوف هو الخبر؛ لدلالة المبتدأ عليه؛ إذ الخبر عين المبتدأ في المعنى، إلا إذا دل دليل على أن المحذوف هو الفعل، فيقدر نحو: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ..
فالتقدير: خلقهن الله.. لورود قوله: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ولو لم يرد هذا الدليل لكان الأحسن في التقدير: الله خلقهن..
٧- إذا دار الأمر بين كون المحذوف أولًا أو ثانيًا، فكونه ثانيًا أولى.. ومن ثم رجح أن المحذوف في نحو: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ نون الوقاية لا نون الرفع..
٨- يحذف المبتدأ في الغالب إذا وقع جوابًا عن استفهام؛ نحو: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ أي: هي نار..
وبعد "فاء" الجزاء؛ نحو: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: فعله لنفسه..
وبعد القول؛ نحو: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هي أساطير.. والذي سوغ حذف المبتدأ مع أنه ركن وجود دليل دل عليه..
стр. 378
٩- وحيث دخلت واو العطف على لام التعليل.. فإما أن تقدر علة محذوفة ليصح العطف، أو تقدر معلولًا بعلة محذوفًا؛ نحو قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ ..
فإما أن تقدر للإحسان إلى المؤمنين فعل ما فعل وليبلي المؤمنين.. أو تقدر ليمحق الكافرين وليبلي المؤمنين؛ لأنه لا يصح عطف ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ..
١٠- الأصل في الضمير الاختصار، ففي قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ... ﴾ الآية من سورة الأحزاب.. قال في آخرها: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فقام هذا الضمير مقام إعادة ذكر الآية مرة أخرى؛ ومن ثم كان الضمير المتصل أولى من الضمير المنفصل لاختصاره.. ولا يعدل إلى المنفصل إلا عند تعذر الإتيان بالضمير المتصل؛ كالابتداء مثلًا..
ولا بد للضمير من مرجع مطابق: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ .. أو متضمن: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: العدل.. أو بالالتزام: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أي: القرآن..
وقد يعود الضمير على متأخر في الرتبة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ .. وقد يعود إلى متأخر عنه في الذكر: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ ..
وقد يحذف العائد إما لدليل أو ثقة بفهم السامع؛ نحو: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ فإن الحجاب دليل على الشمس.. ونحو قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ أي: الميت.. ولم يتقدم له ذكر..
وقد يعود الضمير على البعض دون الكل؛ نحو: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ فإنه لا يعود إلا على المطلقة طلاقًا رجعيًّا.. مع أن قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يعم البائنات والرجعيات.
стр. 379
وقد يعود الضمير على المعنى؛ نحو: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ .. فألف الاثنين عائدة على الكلالة التي تعم بمعناها الواحد فما زاد..
وقد يعود على واحد من الاثنين لبيان أن الآخر تبع له؛ نحو: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ .. فالضمير راجع إلى الله؛ لأن الرسول يرضى بكل ما يُرضي الله.
وقد يعود الضمير على غير المذكور، وقد تقدم في الاستخدام؛ نحو: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ .. فالإنسان آدم، والمجعول ذريته..
وقد يعود إلى ملابسه؛ نحو: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ أي: ضحى يومها..
وقد يكون العائد معقولًا نزل منزلة المحس المشاهد؛ نحو: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾ .. فالضمير عائد على الأمر وهو معقول، نزل منزلة المشاهد المقول له، ذلك أن ما سبق به علم سبحانه وقع من غير تخلف..
ويعود الضمير إلى أقرب مذكور ما لم توجد قرينة تدل على خلاف ذلك؛ نحو: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ ..
١١- الأصل أن يتحد العائد حذرًا من تشتت الضمائر؛ إلا إذا وجدت قرينة على خلاف ذلك؛ نحو: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ .. فالأول لأصحاب الكهف، والثاني لليهود..
١٢- يفرق بين ضمير الفصل الذي هو للإعلان بأن ما بعده خبر لا تابع، وبين ضمير الشأن والقصة الذي لتعظيم المخبر عنه، ولزومه الإفراد.. يفرق بينهما حتى لا يضطرب الكلام عند جعل ضمير الفصل ضمير الشأن، وعكس ذلك.
стр. 380
قال ابن هشام: متى أمكن الحمل على غير ضمير الشأن فلا ينبغي أن يُحمل عليه.
١٣- جمع التكثير في العاقلات يعود الضمير عليه في الغالب جمعًا.. وفي غير العاقلات يعود على جمع الكثرة مفردًا، وجمع القلة مجموعًا نظرًا لتمييزهما؛ نحو: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ .
١٤- إذا عاد الضمير إلى المعنى قل أن يعود إلى اللفظ.. وإذا عاد إلى اللفظ كثر أن يعود إلى المعنى؛ لأن المعنى أقوى من اللفظ كما في "ما" و"من"؛ نحو: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ عاد إلى المعنى بعد أن وحد ضمير "يعش" مراعاة للفظ "من".. وعكسه نحو: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَام خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ .. عاد إلى اللفظ، فأفرد "محرم" بعد أن راعى المعنى في "خالصة".
١٥- من المعلوم أن الفعل إذا أسند إلى الجمع أو المفرد المؤنث تأنيثًا مجازيًّا جاز تذكيره وتأنيثه.. وكلما فصل بين الفعل والفاعل كان التذكير أَوْلَى، ويترجح بزيادة الفواصل؛ نحو: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ .. ذكر الفعل هنا..
وأنثه في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ ففي الأولى زيادة الميم فحسن التذكير، وأيضًا فيه فريق وهو مذكر.. وفي الثاني "من" وهي راجعة إلى الأمة؛ إذ مبدأ الآية: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ..
стр. 381
١٦- ينكر الاسم إما لإرادة الواحدة؛ نحو: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ ..
أو لإرادة النوع الغريب؛ نحو: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ..
أو للتعظيم في الكيفية: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ ..
أو للتكثير في الكمية: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ ..
أو للتقليل: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ .. والتقليل: رد الجنس إلى فرد من أفراده، وليس رد الواحد إلى جزء من أجزائه..
أو للتحقير: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ ..
أو للتجاهل كأنهم لا يعرفونه؛ كقول الكفرة: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
أو لإرادة العموم؛ كأن يقع بعد النفي أو الشرط أو الامتنان؛ نحو: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ ..
ويعرف بالضمير للاختصار ومراعاة المقام.. وبالعالمية لتمييزه بما عرف به.. وبالإشارة لمراعاة منزلته من القريب والبعد خسة أو رفعة.. وللتعريض بغباوته كأنه لا يدرك إلا ما هو محس؛ نحو: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ .. ولتمييزه عن غيره بالإشارة الحسية؛ نحو: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ ..
وبالموصول لمراعاة ما تشير إليه الصلة من ستر أو ذم أو عموم وغير ذلك..
وبالإضافة للاختصار والتعظيم أو التحقير.. وبالألف واللام لمراعاة المراد بهما..
١٧- إذا تكررت المعرفة فالثاني عين الأول.. وإذا تكررت النكرة فالثاني غير الأول..
стр. 382
وإذا جاء الاسم معرفًا بعد وروده منكرًا فالثاني غير الأول.. والعكس يتوقف على القرآن؛ نحو: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ..
وهذا القاعدة بُنيت على الغالب بشرط عدم قصد التكرار، وأن يكونا في كلام واحد، ولمتكلم واحد.. أو في كلامين متصلين بينهما رابط وتعلق..
١٨- الإفراد والجمع والتثنية في كل موضع من القرآن له ما يبرره؛ كالأرض والسموات، والظلمات والنور، والمشرق والمغرب، والسبيل والسبل، والولي والأولياء..
وإذا أفرد الريح كانت عذابًا.. والرياح رحمة.. وقد يفردها وتكون رحمة لمراعاة الحال؛ كما في قوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ ..
ذلك أن تعدد الرياح يعرض السفينة للهلاك.. أما في البر، فكانت الرياح رحمة؛ لأنها إن جاءت من جهة غير مريحة قابلتها من جهة أخرى ريح ثانية تقاومها، فتولد بينهما ريح ثالثة.. فكان التعدد رحمة.. أما ريح العذاب فلا يقاومها شيء.
وأفرد السمع وجمع البصر؛ لأن الأول يغلب في المصدرية، والثاني في الجارحة، ومتعلق الأول الأصوات وحقيقتها واحدة، ومتعلق الثاني الأكوان والألوان، وهي حقائق متعددة..
١٩- أشياء لا واحد لها، وأشياء يجب التعرف على مفردها وجمعها؛ من ذلك:
"المن والسلوى": لا واحد لهما.. "النصارى": قيل مفردها: نصراني أو نصير.. "إعصار": جمعه أعاصير..
"الأزلام": واحدها زُلَم بضم الزاي وفتحها مع فتح اللام فيهما.. "مدرارًا": جمعه مدارير.. "أساطير": واحده أسطورة.
стр. 383
"الصور": جمع صورة أو هو مفرد جمعه أصوار.. "قنوان وصنوان": جمع قنو وصنو، والمثنى والجمع فيهما واحد..
"الحوايا": مفردها حاويا.. "نشرا": مفردها نشور.. "عضين وعزين": مفردهما عضة وعزة.. "سرى": جمعه سريان.. "آناء": مفرده أنا بوزن مع، أو إني: بوزن قرد، أو أنوة: بوزن فرقة..
"صياصي": مفردها صيصية.. "منسأة": تجمع على مناسي.. "غرابيب": مفردها غربيب..
"أتراب": مفردها أترب.. "آلاء": مفردها إِلَى؛ وهي النعمة على وزن مع، أو إلى وزن قفى، وقيل وزن قرد، أو وزن دلو..
"التراقي": مفردها ترقوة.. "الأمشاج": مفردها مشيج.. "ألفافًا": واحدها لف بكسر اللام.. "الخنس": مفردها خانسة، وكذا الكنس..
"الزبانية": مفردها زبنية، أو زابن، أو زباني.. "أشتاتا": مفردها شت أو شتيت..
٢٠- إذا قُوبل الجمع بالجمع كان لكل فرد ما يخصه؛ نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ .. فإن كل فرد تحرم عليه أمه فقط..
وقد يكون كل الجمع لواحد؛ نحو: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ فإن هذا العدد كله لكل فرد على حدة..
стр. 384
وأحيانًا يكون الأمر محتملًا.. فيكون لكل فرد ما يخصه، أو يكون الجمع كله لواحد، والقرآن هي التي تحدد؛ نحو: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ..
هل لكل فرد جنات، أو لكل فرد جنة تخصه؟
وإذا قُوبل الجمع بالمفرد.. فالغالب عدم تعميم المفرد، وقد يعمم؛ نحو: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ ..
فالفدية مفرد، وهي على كل فرد يطيق الصوم فأفطر..
٢١- يجب التفريق بين ما يظن ترادفه من الألفاظ؛ مثل: الخشية التي تدل على اليبس والجمود، والخوف الذي مدلوله النقص..
فعليه.. فالخشية ينظر فيها إلى عظمة مَن يختشي.. وإن كان المختشي قويًّا، والخوف ينظر فيه إلى ضعف الخائف، وإن كان المخوف أمرًا يسيرًا، قال تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ ..
ومن ذلك: الشيخ والبخل.. فالشح فيه زيادة حرص..
والفرق بين البخل والضن: أن البخل بالهبات، والضن بالعارية. تقول: ضنين بعلمه؛ لأن العلم أشبه بالعارية التي لا تخرج عن ملك صاحبها، بخلاف الهبة، قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ..
ومع اعتبار البخل في الهبات، والهبة تخرج عن ملك الواهب، فقوله تعالى: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ .. وذلك في المال لادعاء ملكية العبد له. وفي الحقيقةلم يخرج المال عن ملك الله..
стр. 385
وهذا الاستعمال في الأصل، فإن خرج عنه ملكته.. ومن ذلك: السبيل والطريق..
فالأول فيه سهولة، وأغلب استعماله في الخير.. والثاني إذا استعمل في الخير وصف أو أضيف..
ومن ذلك: جاء وأتى.. فالإتيان يجيء بسهولة.. وجاء يسند إلى الجواهر والأعيان، وما يراد تجسيده من المعاني..
أما أتى.. فيسند للمعاني والأزمان..
ومن ذلك: مد وأمد.. فأكثر ما يستعمل الثاني في الخير، وأكثر ما يستعمل الأول في الشر..
ومن ذلك: العمل والفعل.. ففي الأول امتداد زمني، وفي الثاني سرعة، قال تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: ثابروا على عملها.. وقال: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ أي: استبقوا إليه بالمسارعة..
ومن ذلك: القعود والجلوس.. فالأول فيه طول مكث، والثاني فيه قصر، قال تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ وقال: ﴿تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ ..
ومن ذلك: التمام والكمال.. فرق بينهما بأن التمام زوال نقصان الأصل.. والكمال زوال نقصان العوارض بعد تمام الأصل، قال تعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ .. وقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ لأن العدد قد تم، ووصفه بالكمال لنفي احتمال النقص في صفاتها..
стр. 386
وقيل: التمام لما حصل فيه نقص قبل التمام.. والكمال لا يشعر بذلك..
وقال العسكري: الكمال اسم لاجتماع أبعاض الموصوف به، والتمام اسم للجزء الذي يتم به الموصوف؛ ولهذا يقال: القافية تمام البيت، ولا يقال: كماله، ويقولون: البيت بكماله أي: باجتماعه. اهـ.
ومن ذلك: أعطى وآتى.. فالإيتاء أقوى؛ إذ لا مطاوع له، فالفاعل فيه مستقل، بخلاف أعطى، فله مطاوع.. وكل فعل له مطاوع فالفاعل فيه يتوقف تأثيره على قبول المفعول للتأثير، تقول: خرطته فانخرط.. فلولا قبوله للانخراط لم ينخرط.. ولهذا يدل على أن الإعطاء لن يدوم على حالة واحدة، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ .. لأنه مورد في الموقف مرتحل عنه قريب إلى منازل العز في الجنة..
فعبر فيه بالإعطاء لأنه يترك عن قرب وينتقل إلى ما هو أعظم منه..
وكذا: ﴿يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ لما فيه من تكرير الإعطاء والزيادة إلى أن يرضى كل الرضا ﷺ .
وقال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ فمن يؤتيه الله قبل من غير توقف؛ إذن هذا الفعل لا مطاوع له؛ فالفاعل فيه مستقبل بالتأثير.
ومن ذلك: آتى وأتى.. فالأول لمن يقبل دائمًا.. والثاني قد لا يقبل، قال تعالى: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ لمن يقبل.. وقال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ وليس منهم قبول.
ومن ذلك: السنة في الشدة، والعام في الرخاء ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ .
стр. 387
٢٢- الأصل في السؤال أن يطابقه الجواب؛ نحو: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ .. فقد سألوه عن الحكمة مَن خلقها، لا عن أطوار الهلال من النقصان والزيادة كما قيل؛ إذن الأصل المطابقة بين الجواب والسؤال حتى يقوم دليل على خلاف ذلك.
وقد يعدل في الجواب عن مقتضى السؤال بالزيادة أو النقصان أو لتصحيح السؤال.. وأنه يجب أن يكون كذا، أو لإرشاد السائل إلى ما ينبغي أن يسأل عنه فيما يهمه؛ نحو: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ .. لم يُعرِّف لهم الحيض تعريفًا فقهيًّا..
ولما قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ؟ وهذا يسأل به عن الجنس، والله لا جنس له، أجابه موسى بالصفات: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ وكان فرعون ينتظر أن يجيبه موسى بأنه الله، ولم يفعل لأن الذي يسأل به عن ذوات العقلاء "مَن"؛ ولذا قال فرعون لمن حوله: ﴿أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ يريد: عدم مطابقة الجواب للسؤال..
ومثال ما زاد الجواب فيه عن السؤال قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ .. ردًّا على السؤال: ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ..
ومثال ما نقص اكتفاء بما يذكر: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ لما قالوا له: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ فمن يعجز عن التبديل يعجز عن الاختراع من باب أَوْلَى.
وقد يرد الجواب مجملًا إذا ورد السؤال عن مشترك، لم يجدد السائل
стр. 388
مراده من بين معانيه، فيرد الجواب مجملًا كيدًا له على تعنته؛ نحو: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ .
فالروح مشترك بين: ما تقوم به الحياة، والوحي، وجبريل، وجيش من الملائكة، وغير ذلك.
وقد يحذف ثقة بفهم السامع، واكتفاء عنه بالجواب؛ نحو: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ .
فسؤالهم مقدار: مَن يبدأ الخلق ثم يعيده؟.. ولا يحسن ذكره كي لا يكون السائل والمجيب واحدًا.
والأصل التطابق بين السؤال والجواب في الجمل: اسمية أو فعلية.. تقول: مَن قام؟.. فتُجاب: قام محمد..
فإذا حذف الفعل واكتفي بمحمد.. كان فاعلًا عند النحويين، ويقدره علماء البيان أنه مبتدأ؛ لأنه المسئول عنه في المعنى.
ورد عليهم مما ورد في القرآن: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ .
وقدر علماء البيان: ما أنا فعلت بل فعله؛ لأن "بل" لا يصلح الابتداء بها.
والسؤال قد يتعدى بنفسه.. فإن تعدى بـ"عن" فالمطلوب به التعريف: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ .
وإن تعدى بـ"من" فالمطلوب به الإعطاء: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ .
стр. 389
٢٣- الفعل يدل على الحدوث والتجدد.. ومعنى تجدد الماضي حصوله.. ومعنى تجدد المضارع تكرار وقوعه.
فإن عبر بالمضارع عن الماضي أراد حكاية الحال الماضية.
ومضمر الفعل ومظهره سواء؛ نحو: ﴿قَالُوا سَلامًا﴾ أي: نسلم سلامًا.
وأما الاسم فيدل على الثبوت والدوام.. واعترض على ذلك بأن الاسم لا يدل إلا على المسمى.. واستند المعترض إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ .
ويمكن الرد على ذلك بإدخال المجاز..
٢٤- إذا أتي بالمصدر مرفوعًا أفاد الوجوب..وإن كان منصوبًا أفاد الندب: ﴿قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ والجملة الاسمية آكد في الثبوت..
٢٥- العطف ثلاثة أقسام:
أ- عطف على اللفظ وهو الأصل. وشرط جوازه: صحة توجه العامل للمعطوف.
ب- عطف على المحل. وشرطه: إمكان ظهور ذلك المحل؛ نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ بالرفع.. معطوف على محل "إن" واسمها.
جـ- وعطف على التوهم؛ كقراءة: "إنه من يتقي ويصبر" بإثبات الياء في فعل الشرط، وسكون الراء.
فلما توهم أن "مَن" الموصولة كالشرطية عطف بالجزم.. أما قراءة حذف الياء، فالجزم على الأصل، و"مَن" شرطية.
стр. 390
وليس معنى التوهم الغلط.. وإنما معناه ملاحظة المعنى.. ويقال في مثل هذا: عطف على المعنى.
وأوردت العطف على التوهم؛ لأنه المصطلح عليه عند النحاة.. واختلفوا في جواز عطف الخبر على الإنشاء وعكسه، كما اختلفوا في جواز عطف الجملتين المختلفتين في الاسمية والفعلية، ومنع الجواز أَوْلَى.
والعطف على الضمير المجرور جائز ولو لم يعد حرف الجر، قال تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ..
وبهذا ينتهي هذا الموضوع.