المحفوظ في ليلة القدر، ووُضع في بيت العزة في السماء الدنيا؛ لينزله جبريل بأمر الله منجمًا. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا، وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ١، وقال: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ..
وهذا القول هو المشهور..
وقيل: أنزل إلى اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر إلى بيت العزة ما سينزل في العام.
والقول الثالث: ابتدأ نزوله في ليلة القدر من اللوح المحفوظ، وكان ينزل بعد ذلك منجمًا من اللوح إلى النبي ﷺ .
وقيل: أنزل من اللوح إلى السَّفَرَة التي كانت تعطي لجبريل المقدار المراد إنزاله٢.
والقول الأول هو الراجح؛ لأنه معزو إلى كبار الصحابة.
وكان القرآن أحيانًا ينزل منه جزء من الآية، وأحيانا آية كاملة، وأحيانًا خمس أو عشر آيات، وقد يزيد على ذلك العدد النازل.
بيد أن الذي كان يتلقاه خمس آيات حتى يجيد حفظها، ثم يتلقى غيرها، ولعل هذا قبل قوله له: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ٣.
وفي التقاء جبريل بالنبي كيفيتان: ارتقاء النبي بتغلب الروحانية على الجسدية، أو انخلاع الملَك إلى صورة البشر.
وإيحاء الله بالقرآن إلى جبريل كتحميل الملك أمينه كتابًا
стр. 37
يوصله إلى مَن أراد أن يصل إليه الكتاب من غير تدخل من الأمين في الكتاب.
أما الأحاديث القدسية، ففيها وحي المعنى.. والتعبير عنها بألفاظ يختارها الرسول، وينسبها إلى الله الذي أوحى بها.
أما الحديث النبوي، فالوحي فيه بالمعنى، واللفظ من عند النبي، وهو منسوب في الجملة إلى مَن أوحى به، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
وقول بعض العلماء: إن له ﷺ أحاديث توفيقية، فإن أرادوا توفيقه إلى اختيار اللفظ المناسب للمعنى فمسلم، وإن أرادوا قبولها للخطأ فمردود ومردود؛ لأن الفعل كالنكرة، وقد وقع في سياق النفي، فنعم ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ .. ثم أكد ذلك بصيغة الحصر فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ﴾ .. وبين تجدده له وعدم انقطاعه عنه بقوله: ﴿يُوحَى﴾ ، ثم أوضح دور الملَك وهو التعليم فقط فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ .
ودعوى أن جبريل كان يوحي بالمعنى واللفظ من عند النبي، وذلك في القرآن دعوى باطلة. وما نظن أن أحدًا من المسلمين أراد بها أن يخلط بين القرآن وغيره؛ وإنما أراد تفسيرًا لمعنى النزول لغة، ويقول للذين جعلوا كلام الله فقط للصفة القائمة به: إن إنزال ذلك ممتنع.. وللذين يجعلون الكلام شاملًا للفظ والمعنى يقول لهم: الإنزال للجواهر، والألفاظ والمعاني من الأعراض.
ولست أدرى لماذا لم يكن إنزال جبريل بالقرآن كما يلقن أحدنا شخصًا آخر ألفاظًا لها مدلولها ومعانيها، وتبليغ ذلك لشخص ثالث.
وللوحي كيفيات؛ منها وهي أشده عليه: أن يأتيه مثل صلصلة
стр. 38
الجرس فيكلمه، وقد وعى عنه ما قال.. ومنها وهي أهونها: أن يأتيه الملَك في صورة رجل فيكلمه، فيعي عنه ما يقول.. وهاتان الكيفيتان بهما كان نزول القرآن.
ومن كيفيات الوحي من غير القرآن: النفث في الروع، والرؤيا المنامية، وكلام الله المباشر له بكيفية لا نعلمها.
ويقال: إنه ﵇ كان نبيًّا ثلاث سنين لا يأتيه وحي، والذي أخبره بذلك إسرافيل، ثم كان رسولًا بلغه جبريل الرسالة بتوصيل القرآن له.
стр. 39
ز- نزول القرآن على سبعة أحرف:
في الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، كلها شافٍ كافٍ".
هذا الحديث رواه أكثر من عشرين صحابيًّا. وأقر عثمان بن عفان عليه عدد من الصحابة لا يحصون، مما يؤكد تواتره. وقد رواه أكثر كتب الحديث، واتفق عليه الصحيحان، واختلفوا في المراد بالأحرف السبعة على أقوال، أشير إلى أهمها:
١- هذا الحديث مشكل؛ لأن الحرف مشترك بين حرف الهجاء، وبين الكلمة فيقال لها: حرف، وبين المعنى فيقال لها: حرف، وبين الجهة التي يطلق عليها الحرف أيضًا، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ .
وقد سبق أن المشكل يمكن التعرف على المراد منه بعد التأمل. ولا يعني إشكاله التوقف فيه.
ولما كان القرآن يزيد على سبعة أحرف، وكلمات، ومعاني، تعين أن يراد بالحرف الجهة.. ولكن ما هي؟
٢- عدد السبعة لا يراد به الحصر؛ وإنما يراد به التكثير في الآحاد، كما أن السبعين في العشرات والسبعمائة في المئين، فيجوز أن تكون الأحرف ستة أو عشرة.. ويرد هذا القول ما روي من أن النبي ﷺ لم يزل يستزيد جبريل حتى انتهى معه إلى سبعة أحرف، ولم يزد على ذلك. فحقيقة السبعة مرادة.
٣- المراد بالأحرف القراءات.. ويرد بأن في بعض كلمات القرآن تقل القراءات عن سبع، وفي بعضها زيادة على السبع.
٤- قال ابن قتيبة: المراد بها الأوجه التي يقع بها التغاير:
فأولها: ما يتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته؛ مثل: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ﴾ بالفتح والرفع.
ثانيها: ما ينغير بالفعل؛ مثل: بعد وباعد -بلفظ الطلب والماضي.
ثالثها: ما يتغير باللفظ؛ مثل: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ وننشرها.
رابعها: ما يتغير بإبدال حرف قريب المخرج؛ مثل: ﴿طَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ وطلع.
خامسها: ما يتغير بالتقديم والتأخير؛ مثل: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ وسكرة الحق بالموت.
سادسها: ما يتغير بزيادة أو نقصان؛ مثل: والذكر والأنثى ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ .
سابعها: ما يتغير بإبدال كلمة بأخرى؛ مثل: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ وكالصوف المنفوش.
стр. 40
فأنت ترى أن ابن قتيبة لاحظ في الوجه الأول حركة الفعل، وفي الوجه الثاني لاحظ الصيغة، وفي الوجه الثالث لاحظ الإهمال والإعجام.
وقد لوحظ على ما قال أنه لم يستوعب كل أوجه القراءات؛ من إدغام وإظهار وإمالة وغير ذلك.
٥- المراد بالأحرف سبع لغات ولهجات مشهورة؛ ليتم التيسير، مع اتحاد المعنى وتقاربها. فلما استقامت ألسنة الناس على لغة قريش ورفعًا للخلاف؛ جمع عثمان الناس على حرف قريش، وأيده أولي الرأي، ونعم ما صنع!
وهذا الرأي لا يعني أن كل كلمة فيها سبع لهجات؛ بل إن غاية ما ينتهى إليه اختلاف اللهجات المشهورة إلى سبع. والمسلمون الآن لا يعرفون إلا حرف قريش ولا ينكرون ما عداها؛ لكنهم لا يقرءون الآن إلا بحرف قريش.
وقد وردت شُبَهٌ على هذا الرأي:
الشبهة الأولى: في أى حرف من أحرف القرآن سبع لهجات؟
والجواب: أننا لم ندعِ الآن إلا وجود لهجة قريش. وليست القراءات المتفق عليها راجعة إلا لهذه اللهجة.
الشبهة الثانية: أين ذهبت اللهجات الست؟ أنسخت ورفعت؟ وما الدليل وقد نزلت وقرأ بها رسول الله؟
стр. 41
والجواب: أن الأمة مطالبة بحفظ القرآن ومخيرة بأي حرف شاءت قرأت؛ كالتكفير في اليمين بإحدى الكفارات. فإن قيل: وما العلة؟ قلنا: إن السبعة أحرف كانت للتيسير. فلما أضحى سببًا للفرقة والتكفير؛ كان من المستحسن الإجماع على لهجة واحدة.
الشبهة الثالثة: كيف توفقون بين هذا وبين ما أثر عن عثمان: "وما اختلفتم فيه فاكتبوه بلغة قريش؛ فإنما نزل بلغتهم". قال ذلك للكتبة وهم يجمعون القرآن ويكتبونه؟
والجواب: أن عثمان أراد بذلك ابتداء نزوله وكان بلغة قريش، أو أن أغلب ما فيه بلغتهم.
الشبهة الرابعة: إن كان المراد سبع لهجات، فلمَ اختلف عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم في سورة الفرقان، وهما قرشيان ولهجتهما واحدة؟
والجواب: أن إنكار أحدهما على الآخر لعدم سماعه، لا لأنه قرأ بغير لغته، ومن المحتمل أن يكون أحدهما سمع حرفًا بغير لغته فحفظه، وسمع الآخر حرفًا بلغته فحفظه، ولم تكلَّف الأمة أن تحفظ بلهجتها؛ بل هي مخيرة في أي لهجة شاءت.
الشبهة الخامسة: كيف تدعون أن القرآن بلغة قريش وفيه ما هو بغير لغتهم؛ مثل: "الأرائك" بلغة اليمن، "أفلم ييئس" بلغة هوازن؟
والجواب: إما أن قريشًا نقلتها فصارت من لغتها، أو توافقت لغة قريش مع غيرها. بيد أنها كانت مشهورة في غير لغة قريش، وفي القرآن كلمات غير عربية ولم تخرجه عن كونه عربيًّا مبينًا كالأعلام.
стр. 42
الشبهة السادسة: أين اللغات السبع؟ وبأي لسان كانت؟
والجواب: أن اللهجات الست قد درست فلا حاجة لمعرفتها، وقد قيل: خمس منها لعجر من هوازن، واثنان لقريش وخزاعة. ومثل هذه الأخبار لا يصح ثبوتها.
وقد كانت للغة قريش المنزلة الرفيعة؛ لمكانتهم الدينية والسياسية، وكانت قريش لا تأخذ اللغة إلا عما استقام لسانه ولم يتأثر بغيره.
٦- الأحرف السبعة لغات سبع متفرقة في القرآن كله، وليس معناه أن المعنى الواحد يجيء بسبع لهجات كالرأي السابق؛ بل معناه: أن كلمة قد تجيء بلغة وأخرى تجيء بلغة أخرى حتى ينتهى إلى سبع.
واستدل أصحاب هذا الرأي بأن ابن العباس لم يفهم ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى سمع المتخاصمان يقول أحدهما عن البئر: أنا فطرتها. ولم يفهم: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ حتى قالت بنت ذي يزن: تعالَ أفاتحك. وعمر لم يفهم: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ أو ﴿يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ .
وقد اختلف أصحاب هذا الرأي: هل الأحرف السبعة من لغة العرب، أم مضر، أم قريش؟ والظاهر أن شيئًا من هذا لم يصح ثبوته.
فابن عباس وعمر أكبر مما نسب إليهما، ولئن صحت هذه الأخبار، فتوقفهما لأنهما لم يسمعا عن النبي ﷺ شيئًا في ذلك.
وقد نُوقش أصحاب هذا القول بما يأتي:
أ- أن ذلك لم يؤدِّ إلى التيسير المطلوب؛ بل يجعل القرآن أبعاضًا مختلفة.
ب- لو كان هذا الرأي صحيحًا، فكيف اختلف الصحابة في لفظ واحد؟
ج- ما استندوا إليه من أن في القرآن أحرفًا بغير لغة قريش، يحتمل أن يكون قد تخيرتها قريش، أو توافقت مع لغتها -كما سبق.
стр. 43
د- عدم فهم ابن عباس وعمر؛ لأنه لا يمكن لإنسان أن يحيط بلغته.
٧- قال الرازي: الاختلاف في الأحرف السبعة راجع إما إلى:
١- الأسماء من إفراد وتثنية وجمع.
٢- تصريف الأفعال.
٣- أوجه الإعراب.
٤- النقص والزيادة.
٥- التقديم والتأخير.
٦- الإبدال.
٧- اللغات والحركات.
٨- وقال الباقلاني: إن أوجه الاختلاف في الأحرف السبعة ترجع إلى:
١- تغير الحركة.
٢- تغير في المعنى عند الإعراب؛ كباعد..
٣- تغير في الصورة والمعنى بسبب الحرف؛ مثل: ننشزها..
٤- تغير الصورة مع بقاء المعنى؛ كالعهن، والصوف..
٥- تغير في الصورة والمعنى؛ كطلع..
٦- التقديم والتأخير..
٧- النقصان والزيادة..
٩- وقال ابن الجزري: إن التغير في الأحرف السبعة يرجع إلى:
١- تغير في الحركة مع بقاء المعنى والصورة..
стр. 44
٢- تغير في الحركات مع تغير في المعنى..
٣- تغير في الحروف مع تغير المعنى..
٤- تغير في الصورة لا المعنى..
٥- تغير في الصورة والمعنى..
٦- التقديم والتأخير..
٧- النقصان والزيادة..
وكل من الرازي والباقلاني وابن الجزري، حسبوا الأحرف السبعة هي أوجه القراءات؛ ولذلك اعترض عليهم بما يأتي:
١- أن تحديدهم مبني على الاستقراء الناقص، بدليل مخالفة بعضهم البعض، مع إمكان إدخال بعض الآراء في بعض.
٢- أن النزول على سبعة أحرف يراد منه التيسير، وليس في أوجه القراءات رفع مشقة.
٣- أنه اشتبه عليهم الأحرف السبع بالقراءات، وهذا غير ذاك.
١٠- إنها الحلال والحرام، والأمر والنهي، والمحكم والمتشابه، والأمثال. فهل ترى اضطرابًا كهذا الاضطراب؟ هذه عشرة أقوال من أربعين قولًا قيلت في هذا الحديث..
واعلم أن من الأصول المقررة في النزول:
١- التيسير على الأمة..
٢- الاختلاف في الألفاظ لا في المعاني..
٣- القراءات توقيفية كما نزلت..
стр. 45
٤- الأمة مخيرة في أي حرف تقرأ، كما ورد في الحديث: "فاقرءوا بأي حرف شئتم"..
٥- التوسعة كانت بعد الهجرة وشيوع الإسلام..
٦- التوسعة مظهر من مظاهر النعمة لا الفرقة..
٧- حرص الصحابة على القرآن وشدة إنكارهم لما لم يعلموا، فلما علموا زال الشك، وقد سمع عمر من هشام بن حكيم آية من سورة الفرقان، فأنكر قراءته لها حتى احتكما إلى النبي ﷺ فأقر كلًّا منهما على قراءته، قال لكل واحد: "هكذا أُنْزِلَتْ"..
والذي أميل إليه أن القرآن نزل أولًا على حرف واحد. ثم بعد ذلك وصل إلى سبعة أحرف؛ تيسيرًا على الداخلين في الإسلام من ذوي اللهجات المختلفة. وأن الخلاف الواقع بين عمر وهشام كان مرتبطًا بتلقي كل منهما من النبي ﷺ وقد أقر كلًّا منهما على ما تلقاه عنه وقرأ به.
فلا يصح أن تكون الأحرف السبعة مثار الخلاف بعيدة عن التلقي التوقيفي، وأن القراءات الصحيحة لا تضاد بين معانيها وإن اختلفت ألفاظها؛ فمثلًا: مالك وملك، في كل منهما معنى بلاغي لا يناقض المعنى الآخر..
والأحرف السبعة على حقيقتها في العدد، وكان الترخيص بها بعد الهجرة، وأن الأمر بالقراءة بأحد الأحرف للتخيير.
والمراد بالأحرف السبعة لغات سبع من قلب اللغة العربية، لسبع قبائل من القبائل المشهورة، التي يرجع إليها كلام سائر القبائل أو أغلبها. فجميع الخلافات التي في القرآن، إما أن ترجع إلى الخلاف الحاصل من هذه اللغات السبع، أو ترجع إلى معنى آخر يأتي على اللغات السبع، كما يأتي على اللغة الواحدة، وهو أن تكمل القراءة معنى آخر كملك ومالك، وباعد وبعد..
стр. 46
وجميع الاختلافات ترجع إلى هذه الخلافات في حدود أن تختلف الألفاظ ويتحد المعنى، أو في حدود ألا يتضاد المعنى.
ومن المقطوع به أن القراءات السبع ليست عين الأحرف السبعة؛ إنما هي بعض منها وأثر من آثارها. ولا أسلم بنسخ ستة أحرف في عهد عثمان، فالأحرف كلها باقية، والله أعلم بالصواب.
وبهذا ينتهي هذا الموضوع.
стр. 47
الموضوع الثالث: المحكم والمتشابه
قال تعالى من سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ١..
وظاهر هذه الآية تقسيم الكتاب إلى محكم ومتشابه؛ لكن هل هذا التقسيم يفيد الحصر، وأن كل آية تدخل إما في المحكم وإما في المتشابه؟
الظاهر أن هذا التقسيم لا يفيد حصرًا.
وقد ورد قوله في أول سورة هود: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ٢.
وظاهر هذا أن الكتاب كله محكم ومفصل؛ لكن المحكم هنا لا يقابل المتشابه.
وفي سورة الزمر ورد قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ ٣.
وظاهر هذا أن الكتاب كله متشابه، ولأجل هذه النصوص اختلف الناس؛ فمنهم مَن قال: الكتاب كله محكم.. ومنهم مَن قال: كله متشابه.. ومنهم مَن قال: منه المحكم ومنه المتشابه.
ومما لا شك فيه سلامة القرآن من التناقض في الأحكام. فإن أردنا بالمحكم الإتقان؛ فكله محكم.. وإن أردنا أن بعضه يشبه بعضًا في البلاغة والتنزه عن الخطأ؛ فكله متشابه.. وإن أردنا بالمحكم الأصول والضوابط الكلية، وأردنا بالمتشابه الجزئيات والفروع؛ جزمنا بأنه على هذا منه المحكم ومنه المتشابه..
стр. 48
وسبب هذا الخلاف عدم تحديدهم المراد من المحكم ومن المتشابه، ولهم في ذلك أقوال:
أحدها: أن المحكم ما عرف المراد منه، إما بالظهور وإما بالتأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه؛ كقيام الساعة، والحروف المقطعة في أوائل السور..
وهذا القول غير سديد؛ فالقرآن كله يعرف المراد منه، إما بسبب ظهور اللفظ، أو بتأويله إن وجدت قرينة. وأما ما استأثر الله بعلمه، فلا دخل لنا فيه؛ لأنه يخاطبنا بما نعلم. وتحديد وقت الساعة لا يندرج تحت مدلولات الألفاظ، وحاشاه أن يخاطبنا بالرموز والألغاز، ولا ننكر أن الناس مختلفون في حظوظهم من تفهم القرآن، فالراسخ في العلم حظه من تفهم القرآن أوفر من غيره.
ثانيها: أن المحكم ما وضح معناه، والمتشابه نقيضه١.
وهذا القول أيضًا نسبي، فإن وضوح المعنى قد يبدو لبعض الناس ويخفى على بعضهم. وكذلك الخفاء يظهر لبعض الناس ويغيب عن بعضهم..
ثالثها: أن المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه ما احتمل أوجهًا.
ويناقش هذا القول بأن أكثر القرآن حمال لوجوه متعددة -كما سبق في الوجوه والنظائر.
رابعها: أن المحكم ما كان معقول المعنى، والمتشابه بخلافه؛ كعدد ركعات الصلاة، واختصاص رمضان بالصيام دون شعبان وشوال.
стр. 49
ويناقش بأن اختصاص رمضان لا يعرف من مدلول اللفظ، والكلام في الألفاظ لا في التعليل لمعناها.
خامسها: أن المحكم ما يستقل بنفسه، والمتشابه ما لا يستقل فهمه إلا بعد رجوعه إلى غيره.
سادسها: أن المحكم ما تأويله تنزيله، والمتشابه ما لا يدرك إلا بالتأويل.
ويناقش هذا بأن التأويل مشترك بين المعنى الاصطلاحى؛ وهو صرف اللفظ من ظاهر معناه إلى المعنى المرجوح بقرينة، وبين التفسير، وبين معرفة الوقت المحدد للوقوع فيه؛ كما قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ ، وكما قال عن تأويل يوسف لرؤيا صاحبي السجن: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ .
فأي المعاني من التأويل تريدون؟
سابعها: أن المحكم ما لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه ما تكررت ألفاظه.
ويناقش هذا بأنه مخالف لمنطوق المحكم والمتشابه؛ إذ منطوق المتشابه التكرار، أو التكرار هو المفهوم الموافق لمنطوق المتشابه.
ثامنها: أن المحكم هو الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه القصص والأمثال.
أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال:
стр. 50
"المحكمات: ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به، والمتشابهات: منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به".
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: "المحكمات: ما لم ينسخ منه، والمتشابهات: ما قد نسخ".
وهذا القول الأخير قد دافع عنه ابن تيمية، وربط آية آل عمران بآيات من سورة الحج؛ وهى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
ووجه الربط ثلاثة اعتبارات:
الاعتبار الأول: أن كلًّا من الموضعين في آل عمران والحج اشتملا على محكم وما يقابله؛ ففي آل عمران المقابل هو المتشابه، وفي الحج المقابل هو المنسوخ.
الاعتبار الثاني: أن في آل عمران متبعي المتشابه مَن في قلوبهم زيغ. وفي سورة الحج: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم أصحاب الزيغ.
الاعتبار الثالث: أن في آل عمران: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ
стр. 51
آمَنَّا بِهِ﴾ . وفي سورة الحج: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ . اهـ.
وما أجمل أن يتربط القرآن بعضه ببعض، ويفسر بعضه بعضًا!
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فمن العلماء من اعتبر "الواو" للعطف.
وعليه، فالراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه.
وأدلتهم على ذلك: أنه إذا لم يعلم الراسخون، تساووا مع غيرهم. وإذا لم يعلموا كان الخطاب بالمتشابه فوق مستوى البشر.
ومن العلماء من اعتبر "الواو" للاستئناف.
وعليه، فالراسخون في العلم يقولون: آمنا به، ولا يعلمون تأويله.
وحجتهم في ذلك: ما ورد أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية وقال لعائشة: "فإذا رأيت الذين في قلوبهم زيغ فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم".
وورود المتشابه عند هؤلاء لاختبار الإيمان، فإذا أذعن الراسخون في العلم وآمنوا بالمتشابه؛ كان على غيرهم الإذعان من باب أولى. ونصه على الراسخين لامتداحهم على إيمانهم بما لا يعلمون معناه؛ كإيمان المؤمنين بالغيب.
ومن الحجج أيضًا قراءة بعضهم: "وإن علم تأويله إلا عند الله"، ويقول الراسخون: وإذا لم يثبت هذه قراءة متواترة، فلا أقل من الاحتجاج به رواية كسائر السنة.
أخرج ابن مردويه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ قال: "إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به".
стр. 52
والذي أختاره هو ما ذهب إليه الراغب في مفرداته؛ حيث قال: الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكم على الإطلاق، ومتشابه على الإطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه.. فالمتشابه بالجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومن جهة المعنى فقط، ومن جهة اللفظ والمعنى معًا.. فالمتشابه في اللفظ ضربان:
أحدهما: يرجع إلى الألفاظ المفردة، إما من جهة الغرابة نحو: أبًّا، أو الاشتراك: كاليد، تطلق على الكف وعلى الذراع وتمتد إلى المنكب.
وثانيهما: يرجع إلى الكلام المركب، وذلك ثلاثة أضرب: ضرب لاختصار الكلام نحو: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ مختصر عن قوله: "غفرت خطاياه وبدلت سيئاته حسنات"، وضرب لبسطه؛ نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .. لأنه لو قيل: ليس مثله شيء، كان أظهر للسامع..
وضرب ثالث لنظم الكلام؛ نحو: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا، قَيِّمًا﴾ وتقديره: أنزل على عبده الكتاب قيمًا ولم يجعل له عوجًا.
أما المتشابه من جهة المعنى؛ فكأوصاف الله سبحانه، والأمور الغيبية، فإننا لا نتصورها على الحقيقة ما لم نشاهدها؛ إذ العقل لا يتصور الشيء إلا بعد أن تنقله الحواس له، وإلا كان التصور خيالًا.
وأما المتشابه من جهة اللفظ والمعنى فخمسة أقسام:
١- ما كان التشابه فيه من جهة الكم كالعموم؛ نحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ .
٢- ما كان التشابه من جهة الكيفية؛ كالوجوب، والندب، والإباحة؛ نحو: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ .
стр. 53
والأمر متردد بين الوجوب والندب والإباحة..
٣- ما كان التشابه فيه من حيث الزمان؛ نحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ .
وفي مثل هذا يقع الاشتباه. فإذا علم الزمان لنزول كل منهما زال الاشتباه، إما بالجمع كأن تجعل الأولى في العقائد، والثانية في أعمال الجوارح.. وإما بالنسخ كأن تجعل الثانية ناسخة للأولى.
٤- ما كان التشابه من جهة المكان؛ كقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ ..
فما لا علم له عن عادات العرب في الجاهلية، وقد كانوا يجعلون شهرًا من الأشهر الحرم مكان شهر آخر؛ كرجب مكان شعبان، وشعبان مكان رجب، ومن لم يعلم ذلك لا يفهم النسيء.
٥- ما كان المتشابه من وضع شروط؛ كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ . وجاءت السنة تحدد شروط وجوبها وصحتها وكمالها.
إذا اتضح هذا، فاعلم أن المتشابه ثلاثة أنواع:
- نوع لا سبيل للإنسان إلى معرفته؛ كالأمور الغيبية.
- ونوع يمكن التوصل إليه؛ كمعرفة الألفاظ الغريبة.
- والنوع الثالث: يتوصل إليه الراسخون فقط؛ كتحديدهم أحد معاني اللفظ المشترك بالأمارات. اهـ، بتصرف ومزيد إيضاح.
بقيت مسألة من المتشابه تتصل بالله سبحانه؛ نحو: اليد والوجه والعين والنفس والمجيء. وهذه ألفاظ يوهم ظاهرها التشبيه، وهي قابلة للتأويل
стр. 54
بالمعنى الاصطلاحي؛ وهو صرف الكلام عن ظاهره الراجح إلى محتمله المرجوح بقرينة.
فلفظ اليد تحتمل الجارحة، وهي محال أن تراد بالنسبة لله، وتحتمل القدرة، واستعمال اليد فيها استعمال مجازي لا يصار إليه إلا بعد القرينة؛ لكن ما هي القرينة؟ أهى لفظية، واللفظ في ذاته يحتمل الحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، والحذف وعدم الحذف، وغير ذلك من الاحتمالات؟ وكل ما يقبل الاحتمال فهو ظني الدلالة، ولا بد في القرينة أن تكون قطعية الدلالة، ولا قطعية هنا من جهة اللفظ؛ لأنه دلالته ظنية، والمسألة في العقائد، والعقائد لا ينفع فيها الظن١.
وإذا انعدمت القرينة اللفظية وجب المصير إلى القرينة العقلية؛ لكن إذا كان من حق العقل أن يحيل حمل اللفظ على ظاهره، فليس من حقه أن يحدد المراد منه٢.
ومن أجل هذا، فالأسلم نؤمن بها كما آمن السلف، أحالوا إرادة الجارحة، وفوضوا العلم بالمراد منها إلى الله سبحانه، فهو كما وصف نفسه، ولا يقال كيف؛ فالكيف عنه مرفوع.
ومن الخلف٣ مَن يؤول هذه الألفاظ ويحملها على معانٍ تليق بذات الله، واختار ابن برهان مذهب التأويل وقال: لا يجوز أن يكون في القرآن لفظ لا يفهم الراسخون في العلم معناه.
стр. 55
وتوسط ابن دقيق العيد فقال: إذا كان التأويل قريبًا من لسان العرب العرب قلنا به؛ نحو: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أُوِّلَ بحقه، وإذا كان التأويل بعيدًا توقفنا عنه، ونزهنا الله عما يفيده ظاهر اللفظ، وفوضنا العلم له بالمراد..
وهذا القول غير سائغ؛ لأن التأويل البعيد مرفوض في أي شيء.
والحق أن طريقة السلف أسلم وأحكم في الأصول١، وطريقة الخلف أكثر إقناعًا للذين يثيرون الشبهات، وإليك بعض الأقوال في بعض هذه الآيات المتشابهات:
١- ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ :
أ- معنى "استوى": استقر، وهذا موهم للتجسيم.
ب- معناه: استولى.. ويرد بأن الاستيلاء لا يكون إلا بعد مغالبة ومضادة. وتعالى الله أن يغالبه شيء.. وأيضًا إنه مستولٍ على الأكوان كلها. فما معنى تخصيص العرش؟
جـ- معنى "استوى": صَعِدَ.. ويرد بأنه منزه عن الصعود.
د- "علا" في الآية -فعل. و"العرش": مبتدأ، والمعنى: الرحمن استعلى والعرش له استوى.. ويرد بأنها حرف والعرش مجرور بها.
هـ- الكلام تم عند العرش، والابتداء من ﴿اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ .. ويرد بأن هذا بتر للمعنى، وإذا قلنا: الرحمن على العرش؛ بقي الاعتراض قائم.
و أن معنى "استوى": أقبل، والتقدير: الرحمن أقبل على خلق العرش؛ كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ .. ويبعده أنه لو كان كذلك لتعدى بإلى؛ كما في: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ .
ز- "استوى" بمعنى: اعتدل؛ أي: قام بالعدل؛ كقوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ هذا بعض ما قيل في هذه الآية٢.
ولو تنبه المؤولون إلى أن أفعال الله مجردة من الزمان، ولا تدل إلا على الحدث؛ لنفعهم ذلك.
стр. 56
٢- ومن ذلك لفظ "النفس" في قوله عيسى: ﴿وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ..
وأولوها بأنها جاءت على باب المشاكلة في تسمية الشيء باسم ما حاوره أو صحبه أو قابله، والآية: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ .
والمراد به الغيب؛ لأنه مستتر كالنفس؛ كأن المسيح قال: ولا أعلم ما في غيبك؛ أي: ما غاب عني واستأثرت بعلمه.
ويرشحه ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ .
وقد يراد بالنفس العقوبة أو الذات، والمقام هو الذي يقرب المعنى القريب في التأويل؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ .
وقال السهيلي: النفس عبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد؛ ومن ثم صلحت للتعبير بها عن الله سبحانه.
٣- ومن ذلك لفظ "الوجه" في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ .. أُوِّلَ بالذات.
وقد يؤول الوجه بالجهة؛ كما في قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي: الجهة التي أمر بالتوجه لها.
وقد يؤول بما يتجه إليه إخلاص النية؛ كما في قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ .
٤- العين كما في قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ .
فالعين حقيقة في البصر، مجاز في الإدراك.
وقيل: هى حقيقة في الإدراك، مجاز في تسمية العضو بها.
وأيًّا ما كانت العين في البصر أو الإدراك حقيقة أو مجاز، فما المراد بنسبتها إلى الله؟
стр. 57
قال ابن اللبان: نسبة العين إليه تعالى اسم لآياته المبصرة التي بها سبحانه ينظر للمؤمنين وبها ينظرون إليه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ نسب البصر للآيات على سبيل المجاز تحقيقًا؛ لأنها المرادة بالعين المنسوبة إليه.
وقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: فإنك بآياتنا تنظر إلينا، وبها ننظر إليك ونرعاك.
٥- "اليد" في قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أُوِّلَتْ بالقدرة.
ومنهم من جعلها صفة ذات أخص من القدرة بدليل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ . والظاهر أنها استعارة لنور القدرة، وهذا معنى أنها أخص من القدرة.
فللقدرة نوران: نور الفضل، ونور العدل. واليمين رمز لنور الفضل.
٦- "الساق" في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ أُوِّلَ بالشدة، تقول العرب: قامت الحرب على ساق.
٧- "القرب" في قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ أُوِّلَ بالعلم، وفيه استعارة أو مجاز من إطلاق المسبب وإرادة السبب.
وقد جعل الله في كتابه آيات واضحة الدلالة، وآيات الوصول إلى معرفتها يحتاج إلى تأمل؛ وذلك لفوائد:
منها: إظهار فضل العلماء الباحثين عن الحقائق.
ومنها: اتساع القرآن لأصحاب المذاهب العديدة؛ ليضع كل واحد منهم يده على الحقيقة بعدما يقدم له شيئًا مما يوافق مذهبه الفكري، ولم يكن ذلك على سبيل الخداع والاستدراج، فالحق في القرآن لا يتعدد؛
стр. 58
وإنما يتحد الفكر البشري في أصول مسلمة من الجميع، ثم يتفرع إلى فروع يقع فيها الخلاف.
ومنها: حصول الثواب على قدر المشقة.
ومنها: التسليم بتفاوت الناس في الإدراك، فما يكون بدهيًّا عند قوم يكون نظريًّا عند آخرين، وكل عالم يعرف أن لعلمه نهاية، وفوق كل ذي علم عليم، والعلم الحقيقي عند الله الذي نزَّل الكتاب وهو يتولى الصالحين.
وبهذا ينتهي هذا الموضوع.
стр. 59
الموضوع الرابع: المناسبات والفواصل
اعلم أن أول ما يجب على المفسر بيانه إظهار الرابط بين الآيات والسور، ومبدأ السورة وختامها. فأكثر لطائف القرآن كامنة تحت الروابط والترتيب.
وإذا كان القرآن قد نزل في أكثر من عشرين سنة، والآيات في المصحف ليست على ترتيب النزول، وقد تكون الأسباب في بعض الآيات المتجاورة مختلفة، فليس معنى هذا ألا يطلب لها رابط؛ لأن الآيات بترتيبها في المصحف توقيفية، فهي على الوقائع نزولًا، وعلى الحكمة الإلهية ترتيبًا. واستنباط الرابط أساسه قوة ملاحظة المستنبط؛ ولذا يختلف الرابط باختلاف الناس جودة وركاكة..
والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها مكملة لما قبلها، أو مستقلة. ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟.. وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له..
والمناسبة في اللغة: المشاكلة والمقاربة. ومرجعها في الآيات ونحوها إلى معنى رابط بينها: عام أو خاص، عقلي أو حسي أو خيالي، أو غير ذلك من أنواع العلاقات؛ كالتلازم الذهني بين السبب والمسبب، والعلة والمعلول، والنظيرين والضدين ونحوه..
وفائدة معرفة المناسبة جعل أجزاء الكلام بعضها آخذ بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم.
стр. 60
فإذا كان الارتباط ظاهرًا -كأن تكون الثانية مؤكدة للأولى أو مكملة لها- فالأمر هين. وإن لم يظهر وجه الربط بأن تكون كل آية أو جملة في موضوع مختلف. فإن وجد حرف عطف بحثنا عن الجهة الجامعة؛ إذ لا بد منها عند العطف؛ كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ فالجهة الجامعة التضاد.
وقد جرت عادة القرآن إذا ذكر أحكامًا ذكر بعدها وعدًا ووعيدًا؛ ليكون باعثًا على العمل، ثم يذكر آيات توحيد وتنزيه؛ ليعلم عظم الآمر والناهي.
وإن لم يوجد حرف العطف، فلا بد من دعامة يعتمد عليها في الربط، وهي قرينة معنوية يدركها المستنبط ببصيرته النفاذة؛ كإلحاق النظير بالنظير في قوله تعالى من سورة الأنفال: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
ثم بَيَّنَ أوصافهم، وختم ذلك بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ ..
وذكر جزاءهم فقال: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ .
والتنظير هنا في أن الغنائم لما انتزعت من أيدي المجاهدين في أول الأمر وجعلت لله والرسول؛ تألم بعضهم لحرمانه منها. فألحق الله ذلك بكراهيتهم للخروج إلى الجهاد في أول الأمر، وتبينهم بعد ذلك أن في الخروج الغنيمة والنصر وعز الإسلام وهلاك الأعداء؛ كأنه يقول: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ..
ومن أمثلة الروابط: التضاد وشبهه؛ كالحديث عن الكافرين بعد المؤمنين وعكس ذلك هو كثير في القرآن..
стр. 61
ومن الروابط: الاستطراد المناسب، ومثاله: قصة آدم في سورة الأعراف، وفيها بدو السوءة. واستطرادًا في هذا الباب قال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ ..
ثم قال راجعًا إلى تكملة القصة: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ .
ومن أوجه الربط: حسن التخلص؛ كأن يصل إلى غرضه أثناء الحديث عن شيء آخر؛ كالحديث عن موسى في سورة الأعراف في أكثر من أربعين آية، ثم يصل إلى الحديث عن محمد، وبعد ذلك يعود لإتمام الحديث عن موسى، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ .
وبعد ذلك يعود فيقول: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ..
ومن أوجه الربط: الانتقال من حديث إلى حديث تنشيطًا للسامع، والربط بين الحديثين باسم الإشارة، ومثاله: أنه لما تحدث عن بعض الأنبياء في سورة ص، ختم هذا الحديث بقوله: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ، هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ..
فقوله: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ يشير به إلى ذكر الأنبياء، ثم يشرع في ذكر الجنة، وبعد ذلك يشرع في ذكر النار، فيقول: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ ..
стр. 62
والقاعدة: أنك إذا أردت أن تعرف المناسبة بين آيات السورة الواحدة؛ فتعرَّف على الغرض الذى من أجله سيقت السورة، والمقدمات الموصلة إليه قربًا وبعدًا، واللوازم في جزئيات تلك المقدمات التي تنتقل بالسامع من حالة إلى حالة..
ومما تجدر الإشارة له التعرف على الانسجام الكامل بين أول السورة ونهايتها، وعلى سبيل المثال: سورة القصص التى ابتدأت بالحديث عن موسى والوعد بردِّه إلى أمه، ودعائه ألا يكون ظهيرًا للمجرمين. وختمت بحديث إلى محمد، ووعده بالرجوع إلى مكة أم القرى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ وقد عاد إليها منتصرًا، وقيل له: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ .
وسورة المؤمنون افتتحت بفلاحهم، وقبل آخرها بآية قال: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ .
وفي سورة ص قال في مبدئها: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وفي آخرها قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ .
وفي سورة القلم نَفى في أولها ما رُمي به ﷺ من الجنون فقال: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ، وفي آخرها حكى قول المشركين فقال: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ .. فسبحان من نفى عن رسوله التهمة قبل حكايتها..
ومما يجدر التنبه له التعرف على المناسبة بين بدء السورة وختام ما قبلها؛ كقوله في آخر سورة الطور: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ ، ثم قال في السورة التي تليها: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ .
وفي آخر سورة الواقعة: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ، وفي أول سورة الحديد التي تليها: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ..
стр. 63
ومن اللطائف مقابلة المعاني في سورة لمعان في سورة قبلها؛ كسورة الماعون والكوثر، ففي الأولى ذم البخل والرياء، وفي الثانية أظهر كرمه على نبيه، وأمره بالكرم، ودعاه إلى الإخلاص، وفي الأولى توعد تارك الصلاة، وفي الثانية أمر بها..
ومن الضوابط الكلية للتعرف على وجه الربط بين السورة والسورة:
أ- اتحاد الحروف أو تشاكلها واقترابها؛ كالحواميم والطواسين.
ب- التفصيل بعد الإجمال؛ كالبقرة والفاتحة، فآخرها ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ . وهذا الصراط هو أول البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ..
جـ- توافق الفواصل؛ كما في قوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ..
د- التقاء السورتين في غرض واحد؛ كسورتي: والضحى وألم نشرح..
ومن الملاحظ أن السور المبتدئة بالأحرف المقطعة يعقب ذلك ذكر الكتاب إلا في: العنكبوت، والروم، ون.. وسر ذلك -والله أعلم- أنه اكتفي بذكر القرآن في آيات تلك السور الثلاث..
وقال الزركشي في البرهان: كل سورة ابتدأت بالأحرف المقطعة تكررت فيها تلك الأحرف أكثر من غيرها، إما صراحة كما في ق، أو ضمنًا كتكرار الخصومات والقصص في سورتي: ص والأعراف؛ لما في أولهما من حرف الصاد.
ولا تخرج فواتح السور عن أمور عشرة:
١- الثناء على الله في الفاتحة والإسراء..
стр. 64
٢- الأحرف المقطعة؛ كما في البقرة وآل عمران..
٣- النداء؛ كما في النساء والمائدة..
٤- الشرط؛ كما في الزلزلة والنصر..
٥- الأمر؛ كما في الإخلاص والمعوذتين..
٦- السؤال؛ كما في الأنفال والمعارج..
٧- الدعاء؛ كما في المطففين والهمزة..
٨- القسم؛ كما في الضحى والعصر..
٩- الخبر؛ كما في النحل والأنبياء..
١٠- التعليل؛ نحو: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ..
أما ختام السور فهي: دعاء، ووصايا، وفرائض، وتحميد، وتهليل، ومواعظ، ووعد، ووعيد، وتفصيل المطلوب، مما يجعل المتدبر قانعًا بآخر السورة، لا يتطلع إلى كلام يجيء بعد..
وأما المناسبة في تسمية القرآن وسور بأسماء وصفات، فاعلم أن لكل اسم أو صفة مدلولًا مرادًا.
وقد ميز الله كتابه عن غيره في التسمية. فالعرب يسمون كتابهم ديوانًا، والقَدْر منه قصيدة وبيت وقافية. أما القرآن فهو الكتاب، والقَدْر منه سورة وآية وفاصلة..
ومن بين أسماء القرآن وصفاته أنه الكتاب للضم الواقع بين حروفه وكلماته، والشفاء لإزالته أمراض القلوب، والذكر للتذكير بالوعد والوعيد، والنور لما يستنار به، والفرقان لتفريقه بين الحق والباطل.
وأما تسمية الطائفة من الآيات باسم السورة، فاعلم أنه توقيفي، وهل
стр. 65
هي من السؤر المهموز ومعناه البقية، أو هي من سور البلد المحيط بها، أو هي من النسور وهو الصعود والارتفاع؟
وقد تُسمى السورة باسم مذكور فيها، وهذا هو الغالب.
وقد تُسمى باسمين فأكثر؛ لوجود هذا فيها، إما باللفظ أو بالمعنى؛ كسورة الفاتحة.
وقد تُسمى السورة باسم فرد من أفراد ذُكروا فيها كسورة هود؛ لأنه تكرر ذكره فيها أربع مرات، ولئن كان نوح تكرر ست مرات، إلا أنه له سورة سُميت باسمه لم يقع فيها ذكر سواه، فكانت به أنسب. ولم تسمَ سورة باسم آدم اكتفاء بسورة الإنسان.. ولم تسمَ سورة باسم موسى أو عيسى؛ لأنه اكتفي بتسمية سورة باسم أم عيسى..
ويقال: تُسمى سورة القصص بسورة موسى، وكذلك سورة طه، وفي صحة ثبوت ذلك نظر.
وأما الفاصلة، فكلمة تقع في آخر الآية كالقافية في آخر الشطرة من بيت الشعر.
وقال بعض العلماء: الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع يقع بها إفهام المعاني.
وفرَّق الداني بين الفواصل ورءوس الآي فقال: الفاصلة هى الكلام المنفصل عما بعده، والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وقد لا يكون، وكذلك الفواصل تكون رءوس آية وغيرها، فكل رأس آية فاصلة، وليس كل فاصلة رأس آية. اهـ.
قال الجعبري: من الفواصل ما هو توقيفي وقف عليه النبي ﷺ ومنه ما هو قياسي، وهو الذي يلحق بالموقوف عليه لشبه بينهما.
стр. 66
وقال غيره: تقع الفاصلة عند الاستراحة بالخطاب لتحسين الكلام بها، وهي الطريقة التي يباين القرآن بها سائر الكلام. وسُميت بذلك أخذًا من قوله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ .
ومن المعلوم أن اللفظ في القرآن يتبع المعنى، وكلام البشر تتبع المعنى فيه الألفاظ. فكلامهم لا يخرج عن التكلف.
ومن الأحكام التى استنبطت من تتبع رءوس الآي اتضح أنها:
١- تقديم المعمول على عامله ليختم بالعامل؛ نحو: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ﴾ . وتقديم المفعول ليختم بالفاعل؛ نحو: ﴿جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ .
وقد يختم بتأخير الصفة ويقدم عليها ما يمكن أن تكون صفة له؛ نحو: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ ، فيمكن أن تكون "الكبرى" صفة للآيات، وأن تكون "من" بيانية و"الكبرى" مفعول ثانٍ.
والتقدير: لنريك الكبرى من آياتنا.
٢- تقديم ما هو متأخر في الزمان: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ .. مراعاة للفواصل.
٣- تقديم الفاضل على الأفضل مراعاة أيضًا للفاصلة: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ .
٤- تقديم الضمير على ما يفسره؛ نحو: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ .
٥- تقديم الصفة المكونة من جملة فعلية على الصفة المفردة؛ نحو: ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ فجملة يلقاه صفة، وهي جملة فعلية قدمت على الصفة المفردة ليختم بالمفردة "منشورًا".
стр. 67
٦- حذف ياء المنقوص؛ نحو: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ .
٧- حذف ياء الفعل غير المجزوم؛ نحو: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ .
٨- حذف ياء الإضافة؛ نحو: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ .
٩- زيادة حرف المد؛ نحو: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ .
١٠- صرف ما لا ينصرف؛ نحو: ﴿قَوَارِيرَا، قَوَارِيرَ﴾ .
١١- إيثار تذكير اسم الجنس؛ كقوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ .
١٢- إيثار تأنيثه؛ نحو: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ .
١٣- الاقتصار على أحد الوجهين الجائزين؛ نحو: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ بفتح الشين والراء مع جواز ضم الراء وسكون الشين في قوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾ لكنه فتح هناك مراعاة للفواصل.
وكل فاصلة ينظر إلى ما قبلها أو ما بعدها من الآيات؛ لتتضح مراعاة الفواصل.
١٤- إيراد الجملة على خلاف المطابقة لما رد بها عليه الاسم والفعل؛ فمثلًا قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لم يقل: وما آمنوا مراعاة للفواصل.
١٥- إيراد أحد القسمين مخالفًا للقسم الآخر في الصيغة؛ نحو: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ولم يقل: الذين كذبوا..
١٦- إيراد أحد جزأي الجملتين على غير الوجه الذي أورد نظيرها من الجملة الأخرى؛ نحو: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
стр. 68
لم يقل: اتقوا، والصدق والتقوى يجتمعان، بخلاف ما قبله من الصدق والكذب.
١٧- إيثار أغرب الألفاظ؛ نحو: "الحطمة" في موضع، "ولظى" في آخر، و"سقر" في ثالث؛ مراعاة للفواصل.
١٨- اختصاص كل من المشتركين بموضع؛ كـ"الألباب" ليوافق "الأنصار"، و"النهى" ليوافق "أخرى".
١٩- حذف المفعول؛ نحو: ﴿وَمَا قَلَى﴾ .
٢٠- الاستغناء بالإفراد عن التثنية؛ نحو: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ .
٢١- الاستغناء بالمفرد عن الجمع؛ نحو: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ .
٢٢- الاستغناء بالمثنى عن الإفراد: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ .. إذا كان الإخبار لكل فرد على حدة من الإنس والجن.. فإن كان الإخبار لهما فالمثنى على بابه. والأقرب أن يجعل هذا من باب الاستغناء بالمثنى عن الجمع؛ لأنها جنات.
٢٣- الاستغناء بالجمع عن المفرد: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ .
٢٤- إجراء غير العاقل مجرى العاقل؛ نحو: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ .
٢٥- الإتيان بصيغة المبالغة؛ نحو: رحيم، وعليم، وقدير ...
٢٦- إيثار بعض أوصاف المبالغة على بعض؛ نحو: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أوثر على عجيب.
стр. 69
٢٧- الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه؛ نحو: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ ، فلو لم يفصل لقال: وأجل مسمى لكان لزامًا.
٢٨- إيقاع الظاهر موقع الضمير؛ نحو: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ ولم يقل: أجرهم.
٢٩- وقوع مفعول موقع فاعل؛ نحو: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ أي: ساترًا.
٣٠- وقوع فاعل موقع مفعول؛ نحو: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ .
٣١- إيقاع حرف مكان غيره؛ نحو: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ أي: إليها.
٣٢- حذف الفاعل ونيابة المفعول؛ نحو: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ .
٣٣- إثبات هاء السكت؛ نحو: ﴿مَالِيَهْ﴾ .
٣٤- الجمع بين المجرورات؛ نحو: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ ، والأحسن الفصل بين حروف الجر الثلاثة؛ لكنه جمع للفاصلة.
٣٥- العدول من الماضي إلى المستقبل؛ نحو: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ .
واعلم أن هذه الأمور وإن كانت في ظاهرها على خلاف المشهور مراعاة للفواصل، فإني لا أسلم أن مجرد مراعاة الفاصلة فقط هو الوحيد الذي اقتضى الخروج عن المشهور.. بل في كل موضع من هذه المواضع ما يبرره من التقديم والتأخير، وعلى سبيل المثال: تقديم "الآخرة" على "الأولى"
стр. 70
لأهمية الآخرة، وتقديم المعمول على العامل لاستحضار المستعان به في قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ﴾ ، وتقديم السحرة لهارون لأن فرعون كان لا يهتم إلا بموسى.. وتقديم يلقاه أهم من نشر الكتاب، ووجود الألف وصرف ما لا ينصرف فيهما مزيد من الإعلام، وعدم المطابقة مراعاة للفواصل في ذلك أيضًا ما تفيده الجملة من الثبوت والدوام، أو من الحدوث والتجدد، ولكل مقام مقال.
وأما الختم بألوان من الألفاظ التي يظن ترادفها -كاللب والنُّهَى- فلكل لفظ ما يناسبه من السياق؛ إذ اللب الجامع بين العقل والقلب، فهو أعلى مراتب العقل؛ ولذا ورد استعماله في المواضع التي يدق فيها الفهم ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ .
وبالتأمل في سائر المواضع تتضح المناسبة في التقديم والتأخير، وملاحظة رعاية الفواصل من المحسنات البلاغية في بعض المواضع وليس في كلها؛ ليتميز الكلام عن سجع الكهان المذموم.
وهذا هو مسلك القرآن، لم يلتزم أن تختم الآيات كما تختم القوافي في الشعر أو القرائن في السجع؛ بل يكتفي في المراعاة بأدنى ملابسة؛ كالألباب والأنصار وخبيرًا وحكيمًا.
قيل: لا تخرج رءوس الآي عن أربعة أشياء:
١- التمكين: وهو أن يقدم في الآية ما يدل على ختامها؛ بحيث يمكن للسامع أن يأتي بالختام بعد سماعه فقرات من الآية.. ومن ذلك: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ .
ناسب الأمر بترك عبادة الآباء وما كانوا عليه الحلم. وناسب التصرف
стр. 71
في الأموال الرشد، ومنه قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ .
فاللطيف يناسب من لا يدرك بالبصر، والخبير يناسب من يدرك الأبصار.
ومن ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ من سورة السجدة، وختامها بكلمة ﴿يَسْمَعُونَ﴾ لأن الموعظة مسموعة.
فلما قال في نفس السورة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ختمها بـ ﴿يُبْصِرُونَ﴾ لأنه من المرئيات.
وقد تختم الآيات بفواصل متعددة؛ كقوله في سورة النحل: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ .
وذلك أن مبدأ البحث التفكر، ويليه التعقل والفهم. ثم الانتفاع المشار إليه بالتذكر. وكما قلنا: لكل ختام ما يناسبه.
ففي سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ الآيات، ختمت الأولى بـ ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ والثانية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ والثالثة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .. لأن ترك الوصايا في الآية الأولى دال على عدم التعقل. وفي الآية الثانية حقوق قولية ومالية، وكل إنسان يحرص عليهما لنفسه، وترك ذلك بالنسبة للغير غفلة يناسبه الدعوة إلى التذكر، وفي الآية الثالثة دعوة إلى شرع الله والبعد عن سبل الشيطان، والمخالفة تعرض إلى سخط الله؛ فناسبه الدعوة إلى التقوى.
ومن ذلك ما جاء في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ
стр. 72
الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ .
فالاطلاع على سير الكواكب يعرفه العلماء، وفَهْم الجنين وأطواره أدق من سابقه ولذا يخص الفقهاء؛ إذ الفقه أخص من العلم، فالعلم هو الفَهْم، والفقه فَهْم المراد.
وانظر إلى تهمتين وجهتا إلى القرآن: أنه شعر، وأنه سجع.. ومخالفته للشعر ظاهرة.. ومخالفته للسجع تحتاج إلى تأمل. فمن أثبت الأولى كفر. ومن أثبت السجع كان غافلًا، قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ .
ومن بديع القرآن أن ينوع في القضية الواحدة؛ نظرًا لمراعاة وصف كل من الطرفين، قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ .
وفي سورة النحل قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
قابل ظلم الإنسان بالمغفرة منه سبحانه. وقابل الكفران بالرحمة.
ونظيره قوله في كل من سورتي فصلت والجاثية: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ؛ لكن المقام في فصلت بيان العدل؛ ولذا ختمها بقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .
والمقام في سورة الجاثية إنكار للبعث؛ ولذا ختم هناك بقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ .
ونظيره أيضًا قوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ ، والكلام
стр. 73
مع اليهود الذين افتروا على الله الكذب، والكلام مع المشركين يقول: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ؛ لأنهم لا كتاب لهم وضلالهم أشد.
وقد تختم الآية ختامًا يخالف ظاهرها؛ نحو قول المسيح: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
والظاهر: الغفور الرحيم؛ لكنه عدل عنه ليبين أن الغافر لمن يستحق العقوبة غالب، لا يُسأل عما يفعل.
وذلك هو معنى العزيز..
وأن الذي يغفر لمن يستحق العذاب قد يخفى فعله على بعض الناس فينكره، فبين تنزيهه عن العبث، وأن أي فعل يفعله لا يخرج عن الحكمة، فالحكمة فيما فعل.
ومن ذلك قوله في آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
ظاهره أن يقول: والله بكل شيء عليم؛ لكن المقام مقام وعيد ومجازاة؛ فناسبه القدرة.
ومما تخفى مراعاة الفاصلة فيه قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ .
ووجه المناسبة: أنه لما ذكر تسبيح الأشياء بحمده، ومن الناس من يغفل عن ذلك ولا يعاجله الله بالعقوبة قال: ﴿حَلِيمًا﴾ ، وأنه مهما سبح الكائن بحمد الله، فهو مقصر لا يوفي الله حقه؛ ولذا قال: ﴿غَفُورًا﴾ .
стр. 74
٢- التصدير:
ومعناه ختم الآية بلفظ ذكر فيها؛ نحو: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ .
٣- التوشيح:
وهو أن يكون في الآية إشارة بلازمه إلى ختامها؛ نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ ، فإن الاصطفاء يدل بلازمه على وجود مصطفى عليه، وهو قوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ .
٤- الإيغال:
وهو أن يكون في الآية مقدمة، والختام هو النتيجة؛ نحو قوله: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ . فعدم سؤال الأجر من الناس مقدمة ودليل على الاهتداء.
ورءوس الآي في القرآن لوحظ فيها مراعاة الترتيل والترنم. ويعتبر ذلك عند الوقف عليها. ولا تخرج أحرف ختام الآية عن مماثلتها لغيرها أو الاقتراب من ذلك.
ويدخل في العلم بالمناسبة والفواصل الآيات المتشابهة التي وردت في القرآن على موضوع واحد بأساليب متعددة.
من ذلك قوله في سورة البقرة: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وفي لقمان: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ . وكل ذلك إخبار عن الكتاب، إلا أنه في البقرة ذكر الإيمان وما يشمله من صلاة وزكاة والإيمان بالكتب وبالآخرة، والمناسب لذلك ذكر "المتقين".
стр. 75
وفي سورة لقمان ذكر الرحمة والمناسب لها الإحسان.
ومن ذلك قوله في سورة البقرة: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ .
وفي سورة الأعراف: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ .
فالفوارق في الموضعين: "قلنا" و"الواو" و"رغدا".
هذا في البقرة.. لأنها مسبوقة بقول الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ وقوله للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ .
والسكنى في البقرة مراد بها الإقامة، فناسبها الواو الدالة على الامتنان؛ ولذا قال: ﴿رَغَدًا﴾ .
أما في الأعراف، فلم يتقدم قول سابق. والسكنى فيها اتخاذ المسكن، والمناسب لها الفاء؛ لأن الأكل مرتب على اتخاذ المسكن.
ومن ذلك قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ وذلك في النفس الشافعة.
أما في النفس المشفوع لها فقال: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ .
ومن ذلك قوله لبني إسرائيل في سورة البقرة: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ .. وفي سورة إبراهيم: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ .. لأن المتكلم في البقرة الله، فلم يعدد البلاء الذي نزل بهم. والمتكلم في إبراهيم هو موسى؛ ولذا عدَّد وعطف بالواو.
ومن ذلك قوله في سورة البقرة لبني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ .. وقوله في الأعراف: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ .. وبين القصتين اختلاف في الألفاظ اقتضاها المقام.. ففي البقرة امتنان.. وفي الأعراف توبيخ.