كما ذكره ابن جني في المحتسب والأصل "الحمام" فحذف الألف والميم الأخيرة لا على وجه الترخيم لما ذكرناه، ثم كسر الميم الأولى لأجل القافية.
الثالث: أن يكون إما زائدًا على الثلاثة أو بتاء التأنيث، ولا تشترط العلمية ولا التأنيث بالتاء عينًا كما أفهمه كلامه ونص عليه في التسهيل ومنه قوله "من الخفيف":
٩٢٩-
لَيسَ حَيٌّ عَلَى المُنَونِ بِخَالِ
أي: بخالد:
تنبيه: اقتضى كلامه أن هذا الترخيم جائز على اللغتين وهو على لغة التمام إجماع كقوله "من الطويل":
٩٣٠-
لَنِعْمِ الفَتَى تَعْشُو إلَى ضَوءِ نَارِهِ ... طَرِيفُ بنُ مَالٍ لَيلَةَ الجُوعِ وَالخَصَرْ
стр. 1017
أراد ابن مالك؛ فحذف الكاف وجعل ما بقي من الاسم بمنزلة اسم له لم يحذف منه شيء ولهذا نونه.
وأما على لغة من ينتظر فأجازه سيبويه ومنعه المبرد، ويدل للجواز قوله "من الوافر":
٩٣١-
ألاَ أضْحَتْ حِبَالُكُمُ رِمَامَا ... وَأَضْحَتْ مِنْكَ شَاسِعَةً أُمَامَا
هكذا رواه سيبويه، ورواه المبرد:
وَمَا عَهْدِي كَعَهْدِكِ يَا أُمَامَا١
стр. 1018
قال في شرح الكافية: والإنصاف يقتضي تقرير الروايتين ولا تدفع إحداهما بالأخرى واستشهد سيبويه أيضًا بقوله "من البسيط":
٩٣٢-
إنَّ ابنَ حَارِثَ إنْ أشْتَقْ لِرُؤْيَتِهِ ... أو أمْتَدِحْهُ فَإنَّ النَّاسَ قَدْ عَلِموا
خاتمة: قال في التسهيل: ولا يرخم في غيرها -يعني في غير الضرورة- منادى عار من الشروط إلا ما شذ من "يا صاح"، و"أطرق كرا"١ على الأشهر؛ إذ الأصل: "صاحب" و"كروان"، فرخما مع عدم العلمية شذوذًا، وأشار بالأشهر إلى خلاف المبرّد فإنه زعم أنه ليس مرخمًا، وإن ذكر "الكروان" يقال له "كرًا"، والله أعلم.
стр. 1019
الاِخْتِصَاصُ:
"حقيقته والفرق بينه وبين النداء":
٦٢٠-
الاختصاص كنداء دون يا ... كـ"أيها الفتى" بإثر "ارجونيا"
"الاِخْتِصَاصُ": قصر الحكم على بعض أفراد المذكور وهو خبر "كَنِدَاءٍ" أي: جاء على صورة النداء لفظًا توسعًا كما جاء الخبر على صورة الأمر والأمر على صورة الخبر والخبر على صورة الاستفهام والاستفهام على صورة الخبر لكنه يفارق النداء في ثمانية أحكام:
الأول: أنه يكون "دُونَ يَا" وأخواتها لفظًا ونية.
الثاني: أنه لا يقع في أول الكلام بل في أثنائه، وقد أشار إليه بقوله "كَأَيُّهَا الفَتَى بِإِثْرِ ارْجُونيَا".
والثالث: أنه يشترط أن يكون المقدم عليه اسمًا بمعناه.
الرابع والخامس: أنه يقلّ كونه علمًا وأنه ينصب مع كونه مفردًا.
السادس: أنه يكون بأل قياسًا كما سيأتي أمثلة ذلك.
السابع: أن "أيا" توصف في النداء باسم الإشارة وهنا لا توصف به.
الثامن: أن المازني أجاز نصب تابع "أي" في النداء ولم يحكوا هنا خلافًا في وجوب رفعه، وفي الارتشاف: لا خلاف في تابعها أنه مرفوع.
стр. 1020
"أنواع الاسم المخصوص":
واعلم أن المخصوص وهو الاسم الظاهر الواقع بعد ضمير يخصه أو يشارك فيه على أربعة أنواع:
الأوّل: أن يكون "أيها" و"أيتها"؛ فلهما حكمهما في النداء وهو الضمّ، ويلزمهما الوصف باسم محلى بـ"أل" لازم الرفع، نحو: "أنا أفعل كذا أيها الرجل"، و"اللهم اغفر لنا أيتها العصابة".
والثاني أن يكون معرفًا بـ"أل" وإليه الإشارة بقوله:
٦٢١-
"وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ أيَ تِلوَ أل ... كَمِثْلِ نَحْنُ العُرْبَ أسْخَى مَنْ بَذَل"
بالذال المعجمة أي أعطى.
والثالث: أن يكون معرفًا بالإضافة كقوله ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء لا نورث"، وقوله "من الرجز":
٩٣٣-
نَحْنُ بَنِي ضَبَّةَ أصْحَابُ الجَمَل ... "ننعي ابن عفان بأطراف الأسل"
стр. 1021
قال سيبويه: وأكثر الأسماء دخولا في هذا الباب "بنو فلان" و"معشر" مضافا، و"أهل البيت" و"آل فلان".
والرابع: أن يكون علمًا، وهو قليل، ومنه قوله "من الرجز":
٩٣٤-
بِنَا تَمِيما يُكْشَفُ الضَّبَابُ
ولا يدخل في هذا الباب نكرة ولا اسم إشارة.
تنبيه: لا يقع المختص مبنيا على الضم إلا بلفظ "أيها" و"أيتها"، وأما غيرهما فمنصوب وناصبه فعل واجب الحذف تقديره أخص، واختلف في موضع "أيها" و"أيتها": فمذهب الجمهور أنهما في موضع نصب بأخص أيضًا وذهب الأخفش إلى أنه منادى ولا ينكر أن ينادي الإنسان نفسه، ألا ترى إلى قول عمر ﵁: كل الناس أفقه منك يا عمر، وذهب السيرافي إلى أن أيا في الاختصاص معربة وزعم أنها تحتمل وجهين: أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف والتقدير أنا أفعل كذا، هو أيها الرجل، أي المخصوص به، وأن تكون مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: أيها الرجل المخصوص أنا المذكور.
خاتمة: الأكثر في المختص أن يلي ضمير متكلم كما رأيت، وقد يلي ضمير مخاطب كقولهم: "بك الله نرجو الفضل"، و"سبحانك الله العظيم"، ولا يكون بعد ضمير غائب.
стр. 1022
التَّحْذِيرُ وَالإغْرَاءُ:
التحذير: تنبيه المخاطب على أمر مكروه ليجتنبه.
والإغراء تنبيهه على أمر محمود ليفعله.
وإنما ذكر ذلك بعد باب النداء لأن الاسم في التحذير والإغراء مفعول به بفعل محذوف ولا يجوز إظهاره كالمنادى على تفصيل يأتي.
واعلم أن التحذير على نوعين: الأول أن يكون بإياك ونحوه، والثاني بدونه.
فالأول يجب ستر عامله مطلقًا كما أشار إليه بقوله:
٦٢٢-
"إياك والشر" ونحوه نصب ... محذر بما استتاره وجب
"إيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ" أي نحو: إياك، كإياك، وإياكما، وإياكم، وإياكن "نَصَبْ مُحَذِّرٌ بِمَا" أي بعامل "اسْتِتَارُهُ وَجَبْ" لأنه لما كثر التحذير بهذا اللفظ جعلوه بدلًا من اللفظ بالفعل، والأصل: احذر تلاقي نفسك والشر، ثم حذف الفعل وفاعله ثم المضاف الأول وأنيب عنه الثاني فانتصب، ثم الثاني وأنيب عنه الثالث فانتصب وانفصل.
٦٢٣-
ودون عطف ذا لإيا انسب وما ... سواه ستر فعله لن يلزما
"وَدُونَ عَطْفٍ ذَا" الحكم أي النصب بعامل مستتر وجوبًا "لإيَّا انْسُبْ" سواء وجد
стр. 1023
تكرار، كقوله "من الطويل":
فَإِيَّاكَ إيَّاكَ المِرَاءَ فَإِنَّهُ ... إلَى الشَّرِّ دَعَّاءٌ وَلِلشَّرِّ جَالِبُ١
أم لم يوجد، نحو: "إياك من الأسد"، والأصل: باعد نفسك من الأسد، ثم حذف "باعد" وفاعله والمضاف، وقيل: التقدير: أحذرك من الأسد، فنحو: "إياك الأسد" ممتنع على التقدير الأوّل وهو قول الجمهور، وجائز على الثاني٢ وهو رأي الشارح وظاهر كلام التسهيل ويعضده البيت، ولا خلاف في جواز إياك أن تفعل لصلاحيته لتقدير "من"، قال في التسهيل: ولا يحذف يعني العاطف بعد "إيا" إلا والمحذور منصوب بإضمار ناصب آخر أو مجرور بـ"من"، وتقديرها مع أن تفعل كاف.
تنبيهان: الأول: ما قدمته من التقدير في "إياك والشر" هو ما اختاره في شرح التسهيل وقال: إنه أقل تكلفًا، وقيل الأصل اتق نفسك أن تدنو من الشر والشر أن يدنو منك، فلما حذف الفعل استغنى عن النفس فانفصل الضمير، وهذا مذهب كثير من النحويين منهم السيرافي واختاره ابن عصفور، وذهب ابن طاهر وابن خروف إلى أن الثاني منصوب بفعل آخر مضمر فهو عندهما من قبيل عطف الجمل.
الثاني: حكم الضمير في هذا الباب مؤكدًا أو معطوفًا عليه حكمه في غيره نحو إياك نفسك أن تفعل، وإياك أنت نفسك أن تفعل، وإياك وزيدًا أن تفعل، وإياك أنت وزيد أن تفعل.
"وَمَا سِوَاهُ" أي ما سوى ما بـ"إيا" وهو النوع الثاني من نوعي التحذير "سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلزَمَا".
٦٢٤-
إلا مع العطف أو التكرار ... كـ"الضيغم الضيغم يا ذا الساري"
"إلاَّ مَعَ العَطْفِ" سواء ذكر المحذور نحو: "ماز رأسك والسيف"، أي: يا مازنُ قِ
стр. 1024
رأسك واحذر السيف، أم لم يذكر نحو: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ١، "أَوِ التَّكْرَارِ" كذلك "كالضَّيغَمَ الضَّيغَمَ" أي الأسد الأسد "يَا ذَا السَّارِي" ونحو: "رأسك رأسك" جعلوا العطف والتكرار كالبدل من اللفظ بالفعل، فإن لم يكن عطف ولا تكرار جاز ستر العامل وإظهاره، تقول: "نفسك الشر" أي جنب نفسك الشر، وإن شئت أظهرت، وتقول: "الأسد" أي: "احذر الأسد"، وإن شئت أظهرت، ومنه قوله "من البسيط":
٩٣٥-
خَلِّ الطَّرِيقَ لِمَنْ يَبْنِي المَنَارَ بِهِ ... "وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر"
تنبيهات: الأول: أجاز بعضهم إظهار العامل مع المكرر، وقال الجزولي: يقبح ولا يمتنع.
الثاني: شمل قوله "إلا مع العطف أو التكرار" الصور الأربع المتقدمة، وكلامه في
стр. 1025
الكافية يشعر بأن الأخيرة منها وهي "رأسك رأسك" يجوز فيها إظهار العامل فإنه قال:
وَنَحْوُ رَاسَكَ كَإيَّاكَ جُعِل ... إِذِا الَّذِي يُحْذَرُ مَعْطُوفًا وُصِل
وقد صرح ولده بما تقدم.
الثالث: العطف في هذا الباب لا يكون إلا بالواو وكون ما بعدها مفعولًا معه جائز، فإذا قلت: "إياك وزيدًا أن تفعل كذا" صح أن تكون الواو واو "مع".
٦٢٥-
وشذ "إياي" و"إياه" أشذ ... وعن سبيل القصد من قاس انتبذ
"وَشَذَّ" التحذير بغير ضمير المخاطب نحو "إِيَّايَ" في قول عمر ﵁: "لتذك لكم الأسل والرماح والسهام، وإياي وأن يحذف أحدكم الأرنب"، والأصل إياي باعدوا عن حذف الأرنب، وباعدوا أنفسكم عن أن يحذف أحدكم الأرنب. ثم حذف من الأول المحذور ومن الثاني المحذر، ومثل إياي إيانا "وَإِيَّاهُ" وما أشبهه من ضمائر الغيبة المنفصلة "أَشَذ" من "إياي"، كما في قول بعضهم: "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب"، والتقدير فليحذر تلاقي نفسه وأنفس الشواب، وفيه شذوذان: مجيء التحذير فيه للغائب وإضافة "إيا" إلى ظاهر وهو "الشواب"، ولا يقاس على ذلك كما أشار إلى ذلك بقوله "وَعَنْ سَبِيلِ القَصْدِ مَنْ قَاسَ انْتَبَذْ" أي من قاس على إياي وإياه وما أشبههما فقد حاد عن طريق الصواب. اهـ.
تنبيه: ظاهر كلام التسهيل أنه يجوز القياس على "إياي"، و"إيانا" فإنه قال: ينصب محذر "إياي" و"إيانا" معطوفًا عليه المحذور فلم يصرّح بشذوذ وهو خلاف ما هنا.
٦٢٦-
"وكَمُحَذِّرٍ بِلاَ إيَّا اجْعَلاَ ... مُغْرًى بِهِ فِي كلِّ مَا قَدْ فُصِّلاَ"
من الأحكام؛ فلا يلزم ستر عامله إلا مع العطف، كقوله: "المروءة والنجدة"، بتقدير:
وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ١، نصب "الناقة" على التحذير، وكل تحذير فهو نصب، ولو رفع على إضمار هذه لجاز فإن العرب قد ترفع ما فيه معنى التحذير، اهـ.
خاتمة: قال في التسهيل: ألحق بالتحذير والإغراء في التزام إضمار الناصب مثل وشبهه، نحو: "كليهما وتمرًا"٢، و"امرأ ونفسه"، و"الكلاب على البقر"٣، و"أَحشفا وسوء كِيلة"٤، و"من أنت زيدًا"، و"كل شيء ولا هذا"، أو "ولا شتيمة حر"، و"هذا ولا
стр. 1028
زعماتك، و"إن تأت فأهل الليل وأهل النهار"، و"مرحبًا وأهلًا وسهلًا"، و"عذيرك"، و"ديار الأحباب"، بإضمار: أعطني، ودع، وأرسل، وأتبيع، وتذكر، واصنع، ولا ترتكب، ولا أتوهم، وتجد، وأصبت، وأتيت، ووطئت، وأحضر، واذكر.
ثم قال: وربما قيل كلاهما وتمرًا، وكل شيء ولا شتيمة حر، ومن أنت زيد، أي كلاهما لي، وزدني، وكل شيء أمم١ ولا ترتكب، ومن أنت كلامك زيد أو ذكرك١، والله أعلم.
стр. 1029
أسماءُ الأفعالِ والأصواتِ:
"حقيقة اسم الفعل":
٦٢٧-
ما ناب عن فعل كشتان وصه ... هو اسم فعل وكذا أوه ومه
"مَا نَابَ عَنْ فِعْلٍ" في العمل ولم يتأثر بالعوامل ولم يكن فضلة "كَشَتَّانَ وَصَهْ هُوَ اسْمُ فِعْلٍ وَكَذَا أَوَّهْ وَمَهْ".
فما ناب عن فعل جنس يشمل اسم الفعل وغيره مما ينوب عن الفعل، والقيد الأوَّل -وهو لم يتأثر بالعوامل- فصل يخرج المصدر الواقع بدلًا من اللفظ بالفعل واسم الفاعل ونحوهما، والقيد الثاني -وهو لم يكن فضلة- لإخراج الحروف؛ فقد بان لك أن قوله كشتان تتميم للحدّ: فشتان: ينوب عن افترق، وصه ينوب عن اسكت، و"أوَّه": عن أتوجع، و"مهْ" عن انكفف، وكلها لا تتأثر بالعوامل وليست فضلات لاستقلالها.
تنبيهان: الأوَّل كون هذه الألفاظ أسماء حقيقة هو الصحيح الذي عليه جمهور البصريين، وقال بعض البصريين: إنها أفعال استعملت استعمال الأسماء، وذهب الكوفيون إلى أنها أفعال حقيقية، وعلى الصحيح فالأرجح أن مدلولها لفظ الفعل لا الحدث والزمان بل تدل على ما يدل على الحدث والزمان كما أفهمه كلامه، وقيل: إنها تدل على الحدث والزمان كالفعل لكن بالوضع لا بأصل الصيغة، وقيل: مدلولها المصادر، وقيل: ما سبق استعماله في ظرف أو مصدر باق على اسميته كرويد زيدًا ودونك زيدًا، وما عداه فعل كنزال وصهْ، وقيل: هي قسم برأسه يسمى خالفة الفعل.
الثاني: ذهب كثير من النحويين منهم الأخفش إلى أن أسماء الأفعال لا موضع لها من الإعراب، وهو مذهب المصنف، ونسبه بعضهم إلى الجمهور, وذهب المازني ومن وافقه
стр. 1030
إلى أنها في موضع نصب بمضمر، ونقل عن سيبويه وعن الفارسي القولان. وذهب بعض النحاة إلى أنها في موضع رفع بالابتداء وأغناها مرفوعها عن الخبر كما أغنى في نحو "أقائم الزيدان".
٦٢٨-
وما بمعنى افعل كـ"آمين" كثر ... وغيره كـ"وي وهيهات" نزر
"وَمَا بِمَعْنَى افْعَل كآمِينَ كَثُرْ" ما موصول مبتدأ وما بعده صلته وكثر خبره: أي ورود اسم الفعل بمعنى الأمر كثير، من ذلك "آمين" بمعنى استجب، و"صه" بمعنى اسكت، و"مه" بمعنى انكفف، و"تيد" و"تيدخ" بمعنى أمهل، و"هيت، وهيا" بمعنى أسرع، و"ويها" بمعنى أغر، و"إيه" بمعنى امض في حديثك، و"حيهل" بمعنى ائت أو أقبل أو عجل، ومنه باب نزال وقد مر أنه مقيس من الثلاثي، وأن "قرقار" بمعنى قرقر و"عرعار" بمعنى عرعر شاذ.
تنبيه: في "آمين" لغتان: أمين بالقصر على وزن "فعيل"، و"آمين" بالمد على وزن "فاعيل"، وكلتاهما مسموعة، فمن الأولى قوله "من الطويل":
٩٣٨-
تَبَاعَدَ مِنِّى فَطحلٌ وَابْنُ أُمِّهِ ... أَمِينَ فَزَادَ اللَّهُ مَا بَينَنَا بُعْدَا
стр. 1031
ومن الثانية قوله "من البسيط":
٩٣٩-
"يا رب لا تسلبني حبها أبدا" ... وَيَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ آمِينَا
وعلى هذه اللغة فقيل: إنه عجمي معرّب؛ لأنه ليس في كلام العرب "فاعيل"، وقيل: أصله أمين بالقصر فأشبعت فتحة الهمزة فتولدت الألف كما في قوله "من الرجز":
٩٤٠-
أَقُولُ إذْ خَرَّتْ عَلَى الكَلكَالِ ... "يا ناقتا ما جلت من مجال"
стр. 1032
قال ابن إياز: وهذا أولى.
"وَغَيرُهُ كَوَي وَهَيهَاتَ نَزُرْ" أي غير ما هو من هذه الأسماء بمعنى فعل الأمر قلَّ، وذلك ما هو بمعنى الماضي كشتان بمعنى افترق وهيهات بمعنى بعد، وما هو بمعنى المضارع كأوّه بمعنى أتوجع وأف بمعنى أتضجر، ووي ووا وواها بمعنى أعجب، كقوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ١: أي اعجب لعدم فلاح الكافرين وقول الشاعر "من الرجز":
٩٤١-
وَا بِأَبِي أَنْتِ وَفُوكِ الأَشْنَبُ ... "كأنما ذر عليه الزرنب"
стр. 1033
وقول الآخر "من الرجز":
وَاهًا لِسَلمَى ثُمَّ وَاهًا وَاهَا١
تنبيهان: الأوّل تلحق "وي" كاف الخطاب كقوله "من الكامل":
٩٤٢-
وَلَقَدْ شَفَا نَفْسِي وَأَبْرَأَ سُقْمَهَا ... قِيلُ الفَوَارِسِ وَيكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ
قيل: والآية المذكورة، وقوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ من ذلك، وذهب أبو عمرو بن العلاء إلى أن الأصل ويلك فحذفت اللام لكثرة الاستعمال،
стр. 1034
وفتح أن بفعل مضمر كأنه قال: ويك اعلم أن، وقال قطرب: قبلها لام مضمر والتقدير: ويك لأن، والصحيح الأول.
قال سيبويه سألت الخليل عن الآيتين فزعم أنها "وي" مفصولة من "كأن"، ويدل على ما قاله قول الشاعر "من الخفيف":
٩٤٣-
وَي كَأَنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْـ ... ـبَبْ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيشَ ضُرِّ
الثاني ما ذكره في هيهات هو المشهور، وذهب أبو إسحاق إلى أنها اسم بمعنى البعد وأنها في موضع رفع في قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ ١، وذهب المبرد إلى أنها ظرف غير متمكن وبني لإبهامه، وتأويله عنده "في البعد"٢، ويفتح الحجازيون تاء
стр. 1035
هيهات ويقفون بالهاء، ويكسرها تميم ويقفون بالتاء، وبعضهم يضمها، وإذا ضمت فمذهب أبي علي أنها تكتب بالتاء ومذهب ابن جني أنها تكتب بالهاء، وحكى الصغاني فيها ستًا وثلاثين لغة: هيهاه وأيهاه وهيهات وأيهات وهيهان وأيهان، وكل واحدة من هذه الست مضمومة الآخر ومفتوحته ومكسورته، وكل واحدة منونة وغير منونة فتلك ست وثلاثون، وحكى غيره هيهاك وأيهاك، وأيهاء وإيهاه١ وهيهاء وهيهاه، اهـ.
"اسم الفعل المنقول وغير المنقول":
٦٢٩-
والفعل من أسمائه عليكا ... وهكذا دونك مع إليكا
"وَالفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَيكَا وَهَكَذَا دُونَكَ مَعْ إلَيكَا" الفعل: مبتدأ ومن أسمائه عليك: جملة اسمية في موضع الخبر، ودونك أيضًا: مبتدأ، خبره هكذا، يعني أن اسم الفعل على ضربين؛ أحدهما: ما وضع من أوِّل الأمر كذلك كشتان وصه، والثاني: ما نقل عن غيره وهو نوعان؛ الأول: منقول عن ظرف أو جار ومجرور نحو: "عليك" بمعنى الزم، ومنه ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُم﴾ ٢ أي: الزموا شأن أنفسكم، ودونك زيدًا: بمعنى خذه، ومكانك: بمعنى اثبت، وأمامك: بمعنى تقدَّم، ووراءك: بمعنى تأخر، وإليك: بمعنى تنح.
تنبيهات: الأوَّل قال في شرح الكافية: ولا يقاس على هذه الظروف غيرها إلا عند الكسائي أي فإنه لا يقتصر فيها على السماع، بل يقيس على ما سمع ما لم يسمع.
الثاني: قال فيه أيضًا: لا يستعمل هذا النوع أيضًا إلا متصلًا بضمير المخاطب، وشذ قولهم عليه رجلًا بمعنى ليلزم، وعليّ الشيء بمعنى أولنيه، وإلي: بمعنى أتنحى، وكلامه في التسهيل يقتضي أن ذلك غير شاذ.
الثالث: قال فيه أيضًا: اختلف في الضمير المتصل بهذه الكلمات؛ فموضعه رفع عند الفراء ونصب عند الكسائي وجر عند البصريين وهو الصحيح، لأن الأخفش روى عن
стр. 1036
عرب فصحاء "عليّ عبد الله زيدًا" بجر "عبد الله"، فتبين أن الضمير مجرور الموضع، لا مرفوعه ولا منصوبه، ومع ذلك فمع كل واحد من هذه الأسماء ضمير مستتر مرفوع الموضع بمقتضى الفاعلية، فلك في التوكيد أن تقول: "عليكم كلكم زيدًا" بالجر توكيدًا للموجود المجرور، وبالرفع توكيدًا للمستكن المرفوع.
والنوع الثاني منقول من مصدر، وهو على قسمين: مصدر استعمل فعله، ومصدر أهمل فعله، وإلى هذا النوع بقسميه الإشارة بقوله:
٦٣٠-
كذا رويد بله ناصبين ... ويعملان الخفض مصدرين
"كَذَا رُوَيدَ بَلهَ نَاصِبَينِ" أي ناصبين ما بعدهما، نحو: "رويد زيدًا" و"بله عمرًا"، فأما "رويد زيدًا" فأصله أرود زيدًا أروادًا بمعنى أمهله إمهالًا، ثم صغروا الإرواد تصغير الترخيم وأقاموه مقام فعله واستعملوه تارة مضافًا إلى مفعوله فقالوا: "رويد زيد"، وتارة منوّنًا ناصبًا للمفعول فقالوا: "رويدًا زيدًا"، ثم إنهم نقلوه وسموا به فعله فقالوا: "رويد زيدًا"، ومنه قوله "من الطويل":
٩٤٤-
رُوَيدَ عَلِيًا جد مَا ثدي أُمِّهِمْ ... إلينا وَلَكِنْ ودهم مُتَمايِنُ
стр. 1037
أنشده سيبويه، والدليل على أن هذا اسم فعل كونه مبنيا، والدليل على بنائه عدم تنوينه، وأما "بله" فهو في الأصل مصدر فعل مهمل مرادف لدع واترك، فقيل فيه "بله زيد" بالإضافة إلى مفعوله، كما يقال: "ترك زيد"، ثم قيل: "بله زيدًا" بنصب المفعول وبناء "بله" على أنه اسم فعل، ومنه قوله:
بَلهَ الأَكُفَّ كَأَنَّهَا لَمْ تُخْلَقِ١
بنصب "الأكف"، وأشار إلى استعمالهما الأصلي بقوله: "وَيَعْمَلاَنِ الخَفْضَ مَصْدَرَينِ" أي معربين بالنصب دالين على الطلب أيضًا، لكن لا على أنهما اسما فعل، بل على أن كلا منهما بدل من اللفظ بفعله نحو: "رويد زيد" و"بله عمرو"، أي: إمهال زيد وترك عمرو، وقد روي قوله: "بله الأكف" بالجر على الإضافة؛ فرويد: تضاف إلى المفعول كما مر، وإلى الفاعل نحو: "رويد زيد عمرًا"، وأما "بله" فإضافتها إلى المفعول كما مر، وقال أبو علي: إلى الفاعل، ويجوز فيها حينئذٍ القلب، نحو "بهل زيد"، رواه أبو زيد، ويجوز فيها حينئذٍ التنوين ونصب ما بعدهما بهما، وهو الأصل في المصدر المضاف، نحو: "رويدًا زيدًا" و"بلها عمرًا"، ومنع المبرّد النصب برويد؛ لكونه مصغرًا.
تنبيهات: الأوّل الضمير في "يعملان" عائد على "رويد" و"بله" في اللفظ لا في المعنى، فإن "رويد" و"بله" إذا كانا اسمي فعل غير "رويد" و"بله" المصدرين في المعنى.
الثاني: إذا قلت: "رويدك وبله الفتى" احتمل أن يكونا اسمي فعل؛ ففتحتهما فتحة بناء، والكاف من رويدك حرف خطاب لا موضع لها من الإعراب، مثلها في ذلك، وأن يكونا مصدرين ففتحتهما فتحة إعراب وحينئذٍ فالكاف في "رويدك" تحتمل الوجهين: أن تكون فاعلا وأن تكون مفعولا.
الثالث: تخرج "رويد" و"بله" عن الطلب: فأما "بله" فتكون اسمًا بمعنى كيف فيكون ما بعدها مرفوعًا، وقد روي "بله الأكف" بالرفع أيضًا، وممن أجاز ذلك قطرب وأبو الحسن، وأنكر أبو علي الرفع بعدها، وفي الحديث: "يقول الله ﵎: أعددت
стр. 1038
لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرًا من بله ما أطلعتم عليه"، فوقعت معربة مجرورة بـ"من" وخارجة عن المعاني المذكورة، وفسرها بعضهم بـ"غير"، وهو ظاهر، وبهذا يتقوّى من بعدها من ألفاظ الاستثناء وهو مذهب لبعض الكوفيين، وأما "رويد" فتكون حالا نحو: "ساروا رويدًا" فقيل: هو حال من الفاعل أي مرودين، وقيل: من ضمير المصدر المحذوف أي ساروه أي السير رويدًا، وتكون نعتًا لمصدر إما مذكور نحو: "ساروا سيرًا رويدًا" أو محذوف نحو "ساروا رويدًا" أي: سيرًا رويدًا.
"عمل اسم الفعل":
٦٣١-
وما لما تنوب عه من عمل ... لها وأخر ما لذي فيه العمل
"وَمَا لِمَا تَنُوبُ عَنْهُ مِنْ عَمَل لَهَا" ما مبتدأ موصول صلته "لما"، و"ما" من "لما" موصول أيضًا صلته "تنوب"، و"عنه" و"من عمل": متعلقان بتنوب، و"لها" خبر المبتدأ، والعائد على ما الأولى ضمير مستتر في الاستقرار الذي هو متعلق اللام من "لما" والعائد على "ما" الثانية الهاء من "عنه".
يعني أن العمل الذي استقر للأفعال التي نابت عنها هذه الأسماء مستقرّ لها أي لهذه الأسماء، فترفع الفاعل ظاهرًا في نحو: "هيهات نجد وشتان زيد وعمرو"، لأنك تقول: بعدت نجد وافترق زيد وعمرو، ومضمرًا في نحو: "نزال"، وينصب منها المفعول ما ناب عن متعدّ نحو: "دراك زيدًا"، لأنك تقول: أدرك زيدًا، ويتعدى منها بحرف من حروف الجر ما هو بمعنى ما يتعدى بذلك الحرف، ومن ثم عدى "حيهل" بنفسه لما ناب عن "ائت" في نحو: "حيهل الثريد"، وبالباء لما ناب عن "عجل" في نحو: "إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر" أي: فعجلوا بذكر عمر، وبـ"علي" لما ناب عن "أقبل" في نحو: "حيهل على كذا".
"حكم أسماء الأفعال في التعدي واللزوم":
تنبيهات: الأوَّل قال في التسهيل: وحكمها -يعني أسماء الأفعال- غالبًا في التعدي
стр. 1039
واللزوم حكم الأفعال، واحترز بقوله "غالبًا" عن "آمين"؛ فإنها نابت عن متعد ولم يحفظ لها مفعول.
الثاني: مذهب الناظم جواز إعمال اسم الفعل مضمرًا، قال في شرح الكافية: إن إضمار اسم الفعل مقدمًا لدلالة متأخر عليه جائز عند سيبويه.
الثالث قال في التسهيل: ولا علامة للمضمر المرتفع بها يعني بأسماء الأفعال، ثم قال وبروزه مع شبهها في عدم التصرف١ دليل على فعليته، يعني كما في "هات وتعال فإن بعض النحويين غلط فعدهما من أسماء الأفعال وليسا منها بل هما فعلان غير متصرفين لوجوب اتصال ضمير الرفع البارز بهما كقولك للأنثى: "هاتي" و"تعالي"، وللاثنين والاثنتين: "هاتيا" و"تعاليا"، وللجماعتين: "هاتوا" و"تعالوا" و"هاتين" و"تعالين"، وهكذا حكم "هلمّ" عند بني تميم فإنهم يقولون: "هلم" و"هلمي" و"هلما" و"هلموا" و"هلممن"، فهي عندهم فعل لا اسم فعل، ويدل على ذلك أنهم يؤكدونها بالنون نحو "هلمن".
قال سيبويه: وقد تدخل الخفيفة والثقيلة يعني على "هلم"، قال: لأنها عندهم بمنزلة رد وردا وردى وردوا وارددن. وقد استعمل لها مضارعًا من قيل له: هلم، فقال: "لا أهلم"، وأما أهل الحجاز فيقولون: "هلم" في الأحوال كلها كغيرها من أسماء الأفعال، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُم﴾ ٢ ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ٣، وهي عند الحجازيين بمعنى احضر وتأتي عندهم بمعنى أقبل.
"وَأخِّرْ مَا لِذِي" الأسماء "فِيهِ العَمَل" وجوبًا؛ فلا يجوز "زيدًا دراك" خلافًا للكسائي، قال الناظم: ولا حجة له في قول الراجز:
٩٤٥-
يَا أيُّهَا المَائِح دَلوي دُونَكَا ... إنِّي رَأيتُ النَّاسَ يَحْمَدُونَكَا
стр. 1040
لصحة تقدير "دلوي" مبتدأ أو مفعولًا بدونك مضمرًا، ثم ذكر ما تقدم عن سيبويه ويأتي هذا التأويل الثاني في قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ١.
تنبيهات: الأوّل: ادعى الناظم وولده أنه لم يخالف في هذه المسألة سوى الكسائي، ونقل بعضهم ذلك عن الكوفيين.
الثاني: توهم المكودي أن "لذي" اسم موصول فقال: والظاهر أن ما في قوله: "ما لذي فيه العمل: زائدة لا يجوز أن تكون موصولة، لأن "لذي" بعدها موصولة، وليس كذلك بل "ما" موصولة، و"لذي" جار ومجرور في موضع رفع خبر مقدم، والعمل: مبتدأ مؤخر، والجملة صلة "ما".
الثالث: ليس في قوله "العمل" مع قوله عمل إبطاء لأن أحدهما نكرة والآخر معرفة، وقد وقع ذلك للناظم في مواضع من هذا الكتاب.
٦٣٢-
واحكم بتنكير الذي ينون ... منها وتعريف سواه بين
"وَاحْكُمْ بِتَنْكِيرِ الذِي يُنَوَّنُ مِنْهَا" أي من أسماء الأفعال "وَتَعْرِيفُ سِوَاهُ" أي سوى المنوّن "بَيِّنُ" قال الناظم في شرح الكافية: لما كانت هذه الكلمات من قبل المعنى أفعالا
стр. 1041
ومن قبل اللفظ أسماء جعل لها تعريف وتنكير، فعلامة تعريف المعرفة منها تجرده من التنوين، وعلامة تنكير النكرة منها استعماله منوّنًا، ولما كان من الأسماء المحضة ما يلازم التعريف كالمضمرات وأسماء الإشارات وما يلازم التنكير كأحد وعريب وديار، وما يعرف وقتًا وينكر وقتًا كرجل وفرس جعلوا هذه الأسماء كذلك فألزموا بعضًا التعريف كـ"نزال" و"بله" و"آمين"، وألزموا بعضًا التنكير كـ"واها" و"ويها"، واستعملوا بعضًا بوجهين فنوّن مقصودًا تنكيره وجرد مقصودًا تعريفه كـ"صه وصهٍ" و"أف وأف" انتهى.
تنبيه: ما ذكره الناظم هو المشهور، وذهب قوم إلى أن أسماء الأفعال كلها معارف ما نوّن منها وما لم ينوّن تعريف علم الجنس.
٦٣٣-
"وَمَا بِهِ خُوطِبَ مَا لاَ يَعْقِلُ ... مِنْ مُشْبِهِ اسْمِ الفِعْلِ صَوتًا يُجْعَلُ"
٦٣٤-
"كَذَا الَّذِي أَجْدَى حِكَايَةً كـ"َقَبْ"" ... والزم بنا النوعين فهو قد وجب
أي: أسماء الأصوات: ما وضع لخطاب ما لا يعقل، أو ما هو في حكم ما لا يعقل من صغار الآدميين، أو لحكاية الأصوات كذا في شرح الكافية، فالنوع الأوّل إما زجر كـ"هلا للخيل"، ومنه قوله "من الطويل":
٩٤٦-
"أعيرتني داء بأمك مثله" ... وأيُّ جَوَادٍ لاَ يُقَالُ لَهُ هَلاَ
стр. 1042
و"عدس للبغل"، ومنه قوله "من الطويل":
عَدَسْ مَا لِعَبَّادٍ عَلَيكِ إِمَارَةٌ ... "نجوت وهذا تحملين طليق"١
و"كخ" للطفل، وفي الحديث: "كخ كخ فإنها من الصدقة" وهيد، وهاد، وده، وجه، وعاه، وعيه للإبل وعاج، وهيج، وحل للناقة، وإس، وهس، وهَج، وقاعِ لِلغنم، وهجا، وهَج، للكلب. وسع للضأن، ووح للبقر، وعز وعيز للعنز، وحر للحمار، وجاه للسبع، وإما دعاء كأو للفرس، ودوه للربع، وعوه للجحش، وبس للغنم، وجوت وجئ للإبل الموردة، وتؤ وتأ للتيس المنزي، ونخ مخففًا ومشددًا للبعير المناخ، وهدع لصغار الإبل المسكنة، وسأ وتشوء للحمار المورد، ودج للدجاج، وقوس للكلب. النوع الثاني كغاق للغراب، وماء -بالإمالة- للظبية، وشيب لشرب الإبل، وعيط للمتلاعبين، وطيخ للضاحك، وطاق للضرب، وطق لوقع الحجارة، وقب لوقع السيف، وخاق باق للنكاح، وقاش ماش للقماش.
تنبيه: قوله "من مشبه اسم الفعل" كذا عبر به أيضًا في الكافية، ولم يذكر في شرحها ما احترز به عنه، قال ابن هشام في التوضيح: وهو احتراز من نحو قوله "من البسيط":
٩٤٧-
يَا دَارَ مَيَّةَ بِالعَليَاءِ فَالسَّنَدِ ... "أقوت وطال عليها سالف الأمد"
стр. 1043
وقوله "من الطويل":
٩٤٨-
ألا أيُّهَا اللَّيلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِي ... "بصبح وما الإصباح منك بأمثل"
انتهى.
"وَالزَمْ بِنَا النَّوعَينِ فَهْوَ قَدْ وَجَبَ" يحتمل أن يريد بالنوعين أسماء الأفعال والأصوات، وهو ما صرّح به في شرح الكافية، ويحتمل أن يريد نوعي الأصوات وهو أولى؛ لأنه قد تقدَّم الكلام على أسماء الأفعال في أوَّل الكتاب.
وعلة بناء الأصوات مشابهتها الحروف المهملة في أنها لا عاملة ولا معمولة فهي أحق بالبناء من أسماء الأفعال.
تنبيه: هذه الأصوات لا ضمير فيها بخلاف أسماء الأفعال فهي من قبيل المفردات، وأسماء الأفعال من قبيل المركبات.
стр. 1044
خاتمة: قد يعرب بعض الأصوات لوقوعه موقع متمكن، كقوله "من الرجز":
٩٤٩-
قَدْ أَقْبَلَتْ عَزَّةُ مِنْ عِرَاقِهَا ... مُلصِقَةَ السَّرْجِ بِخَاقِ بَاقِهَا
أي بفرجها وقوله "من الرجز":
٩٥٠-
"ولو ترى إذ جبتي من طاق" ... لِمَّتِي مِثْلُ جَنَاحِ غَاقِ
أي غراب، ومنه قول ذي الرّمة "من الكامل":
٩٥١-
تَدَاعَينَ بِاسْمِ الشِّيبِ فِي مُتَثَلِّمِ ... جَوَانِبُهُ مِنْ بَصْرَةٍ وَسِلاَمِ
стр. 1045
وقوله أيضًا "من البسيط":
٩٥٢-
لا ينعش الطرف إلا ما يخونه ... داع يناديه باسم الماء مبغوم
فالشيب: صوت شرب الإبل، والماء: صوت الظبية كما مر، اهـ. والله أعلم.
стр. 1046
نُونَا التَّوكِيدِ:
٦٣٥-
للفعل توكيد بنونين هما ... كنوني أذهبن واقصدنهما
"لِلفِعْلِ تَوكِيدٌ بِنُونَينِ هُمَا" الثقيلة والخفيفة "كَنُونَيِ اذْهَبَنَّ وَاقْصِدَنْهُمَا" وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا﴾ ١ وقد تقدم أول الكتاب أن قوله:
أَقَائِلُنَّ أحْضِرُوا الشُّهُودَا٢
ضَرُورَة.
تنبيه: ذهب البصريون إلى أن كلًا منهما أصل لتخالف بعض أحكامهما، وذهب الكوفيون إلى أن الخفيفة فرع الثقيلة، وقيل بالعكس، وذكر الخليل أن التوكيد بالثقيلة أشدّ من الخفيفة.
٦٣٦-
يؤكدان أفعل ويفعل آتيا ... ذا طلب أو شرطًا أما تاليًا
"يُؤَكِّدَانِ افْعَل" أي فعل الأمر مطلقًا نحو اضربن زيدًا، ومثله الدعاء كقوله "من الرجز":
٩٥٣-
"فثبت الأقدام إن لاقينا" ... وأنزلن سكينة علينا
стр. 1047
"وَيَفْعَل" أي المضارع بالشرط الآتي ذكره، ولا يؤكدان الماضي مطلقًا، وأما قوله "من الكامل":
٩٥٤-
دَامَنَّ سَعْدُكِ إنْ رَحِمْتِ مُتَيَّمَا ... "لولاك لم يك للصبابة جانحا"
فضرورة شاذة سهلها كونه بمعنى الاستقبال، وإنما يؤكد بهما المضارع حال كونه "آتِيَا ذَا طَلَبٍ" بأن يأتي أمرًا نحو ليقومن زيد، أو نهيا نحو: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ
стр. 1048
غَافِلًا﴾ ١، وعرضًا، نحو "ألا تنزلين عندنا"، أو تحضيضًا، كقوله "من البسيط":
٩٥٥-
هلا تمنن بوعد غير مخلفة ... كما عهدتك في أيام ذي سلم
أو تمنيا، كقوله "من الطويل":
٩٥٦-
فليتك يوم الملتقى ترينني ... لكي تعلمي أني أمرؤ بك هائم
стр. 1049
أو استفهامًا، كقوله "من المتقارب":
٩٥٧-
وهل يمنعني ارتيادي البلا ... د من حذر الموت أن يأتين
وقوله "من الكامل":
٩٥٨-
"قالت فطيمة حل شعرك مدحه" ... أفبعد كندة تمدحن قبيلا
стр. 1050
وقوله "من الطويل":
٩٥٩-
فأقبل على رهطي ورهطك نبتحث ... مساعينا حتى ترى كيف تفعلا
أو دعاء، كقوله "من الكامل":
لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفه الجزر
стр. 1051
النَّازِلُونَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ... والطَّيِّبُونَ مَعَاقِدَ الأزُرِ١
"أَو" آتيا "شَرْطًا إمَّا تَالِيَا" إما في موضع النصب مفعول به لتاليا، أي شرطًا تابعًا أن الشرطية المؤكدة بما، نحو، وإما تخافنَّ، فإما تذهبنَّ، فإما ترينَّ، واحترز من الواقع شرطًا بغير إما، فإن توكيده قليل كما سيأتي.
٦٣٧-
أو مثبتا في قسم مستقبلًا ... وقل بعد "ما ولم" وبعد "لا"
"أَو" آتيا "مُثْبَتًا فِي" جواب "قَسَمٍ مُسْتَقْبَلاَ" غير مفصول من لامه بفاصل نحو: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ ٢، وقوله "من الطويل":
٩٦٠-
فَمَنْ يَكُ لَمْ يَثْأَرْ بِأَعْرَاضِ قَومِهِ ... فَإنِّي وَرَبِّ الرَّاقِصَاتِ لأَثْأرَا
стр. 1052
ولا يجوز توكيده بهما إن كان منفيًا نحو: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ ١ إذ التقدير لا تفتؤ، وأما قوله "من البسيط":
٩٦١-
تَاللَّهِ لاَ يُحْمَدَنَّ المرءُ مُجْتَنِبًا ... فِعْلَ الكِرَامِ وَلَو فَاقَ الوَرَى حَسَبَا
فشاذ أو ضرورة، أو كان حالا كقراءة ابن كثير: "لأقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ"٢، وقوله "من المتقارب":
٩٦٢-
يَمِينًا لأَبْغُضُ كُلَّ امْرِئ ... يُزَخْرِفُ قَولا وَلاَ يَفْعَلُ
стр. 1053
وقوله: "من الطويل":
٩٦٣-
لَئِنْ تَكُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيكُمْ بُيُوتُكُم ... لَيَعْلَمُ رَبِّي أنَّ بَيتِيَ وَاسِعُ
أو كان مفصولًا من اللام مثل: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ ١، ونحو: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ٢.
تنبيهان: الأوَّل التوكيد في هذا النوع واجب بالشروط المذكورة كما نص عليه في التسهيل وهو مذهب البصريين، فلا بدَّ عندهم من اللام والنون فإن خلا منهما قدر قبل حرف النفي، فإذا قلت: "والله يقوم زيد" كان المعنى نفي القيام عنه، وأجاز الكوفيون تعاقبهما، وقد ورد في الشعر، وحكى سيبويه: "والله لأضربه"، وأما التوكيد بعد الطلب فليس بواجب اتفاقًا، واختلفوا فيه بعد أما: فمذهب سيبويه أنه ليس بلازم ولكنه أحسن ولهذا لم يقع في القرآن إلا كذلك، وإليه ذهب الفارسي وأكثر المتأخرين وهو الصحيح، وقد كثر في الشعر مجيئه غير مؤكد، من ذلك قوله "من البسيط":
٩٦٤-
يَا صَاحِ إمَّا تَجِدْنِي غَيرَ ذِي جِدَةٍ ... فَمَا التَّخَلِّي عَنِ الخِلاَّنِ مِنْ شِيَمِي
стр. 1054
وقوله "من المتقارب":
فإما تريني ولي لمة ... فإن الحوادث أودى بها١
وقوله "من الطويل":
٩٦٥-
فإما تريني كابنة الرمل ضاحيًا ... على رقة أخفى ولا أتنعل
стр. 1055
وذهب المبرد والزجاج إلى لزوم النون بعد "إما"، وزعما أن حذفها ضرورة.
الثاني: منع البصريون نحو: "والله ليفعل زيد الآن"، استغناء عنه بالجملة الاسمية المصدّرة بالمؤكد كقولك: "والله إن زيدًا ليفعل الآن"، وأجازه الكوفيون، ويشهد لهم ما تقدم من قراءة ابن كثير لأقسم، والبيتين. اهـ.
"وَقَلَّ" التوكيد "بَعْدَمَا" الزائدة التي لم تسبق بـ"أن"، من ذلك قولهم: "بعين ما أرينّك"، و"بجهد ما تبلغنّ"، و"حيثما تكوننّ آتك"، و"متى ما تقعدنّ أقعد"، وقوله "من الطويل":
٩٦٦-
إذَا مَاتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ سَرَقَ ابْنُهُ ... وَمِنْ عِضَةٍ مَا يَنْبُتَنَّ شَكِيرُهَا
وقوله "من الطويل":
٩٦٧-
قَلِيلاَ بِهِ مَا يَحْمَدَنَّكَ وَارِثٌ ... "إذا نال مما كنت تجمع مغنمًا"