وجملة وستأتي، "وَ" بعضه الآخر "ذُو ارْتِجَالٍ"؛ إذ لا واسطة على المشهور، وذهب بعضهم إلى أن الذي علميته بالغلبة لا منقول ولا مرتجل، وعن سيبويه أن الأعلام كلها منقولة، وعن الزجاج كلها مرتجلة، والمرتجل هو: ما استعمل من أول الأمر علما "كَسُعَادَ" علم امرأة "وَأُدَدْ" علم رجل "وَ" عن المنقول ما أصله الذي نقل عنه "جُمْلَةٌ" فعلية والفاعل ظاهر: كبرق نحره، وشاب قرناها؛ أو ضمير بارز: كأطرقا -علم مفازة- قال الشاعر "من المتقارب":
٧٢-
عَلَى أَطْرِقَا بَالِيَاتِ الخِيَام ... "إلا الثمام وإلا العصي"
أو مستتر: كيزيد، في قوله "من الرجز":
٧٣-
نُبِّئْتُ أَخْوَالِي بَنِي يَزِيدُ ... ظُلْما عَلَيْنَا لَهُمْ فَدِيدُ
стр. 107
ومنه إصمت -علم مفازة- قال الشاعر "من البسيط":
٧٤-
أَشْلَى سَلُوقِيَّةً بَاتَتْ وَبَاتَ بِهَا ... بِوَحْشِ إصْمِتَ فِي أَصْلاَبِهَا أَوَدُ
стр. 108
تنبيه: حكم العلم المركب تركيب إسناد -وهو المنقول من جملة- أن يحكى أصله، ولم يرد عن العرب علم منقول من مبتدأ وخبر، لكنه بمقتضى القياس جائز، اهـ.
"وَ" من العلم "مَا بِمَزْجٍ رُكِّبَا" وهو: كل اسمين جعلا اسما واحدا، منزلا ثانيهما من الأول منزلة تاء التأنيث مما قبلها، نحو: بعلبك، وحضرموت، ومعد يكرب، وسيبويه، و"ذَا" المركب تركيب مزج "إِنْ بِغَيْرَ "وَيْهِ" "تَمَّ"" أي" ختم "أُعْرِبَا" إعراب ما لا ينصرف على الجزء الثاني، وقد يبنى ما تم بغير "ويه" على الفتح تشبيها بخمسة عشر، وقد يضاف صدره إلى عجزه. والأول هو الأشهر؛ أما المركب المزجي المختوم بويه كسيبويه وعمرويه، فإنه مبني على الكسر؛ لما سلف، وقد يعرب غير منصرف كالمختوم بغير "ويه".
"وَشَاعَ فِي الأَعْلاَمِ ذُو الإضَافَهْ" وهو: كل اسمين جعلا اسما واحدا، منزلا ثانيهما من الأول منزلة التنوين، وهو على ضربين: غير كنية "كَعَبْدِ شَمْسٍ"، وَكنية، مثل "أَبِي قُحَافَهْ" وإعرابه إعراب غيره من المتضايفين.
"علم الجنس":
٧٩-
ووضعوا لبعض الأجناس علم ... كعلم الأشخاص لفظا وهو عم
٨٠-
من ذاك أم عريط للعقرب ... وهكذا ثعالة للثعلب
٨١-
ومثله برة للمبره ... كذا فجار علم للفجره
"وَوَضَعُوا لِبْعضِ الأَجْنَاسِ" التي لا تؤلف غالبا كالسباع والوحوش والأجناس "عَلَمْ" عوضا عما فاتها من وضع الأعلام لأشخاصها لعدم الداعي إليه، وهذا هو النوع الثاني من نوعي العلم، وهو "كَعَلَمِ الأشْخَاصِ لَفْظَا"؛ فلا يضاف، ولا يدخل عليه حرف التعريف، ولا ينعت بالنكرة، ويبتدأ به، وتنصب النكرة بعده على الحال، ويمنع من الصرف مع سبب آخر غير العلمية كالتأنيث في "أسامة"، و"ثعالة"، ووزن الفعل في "بنات أوبر"، و"ابن آوى"، والزيادة في "سبحان" علم التسبيح، و"كيسان" علم على الغدر.
وعلم: مفعول بوضعوا، ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة. ولفظا: تمييز، أي: العلم الجنسي كالعلم الشخصي من حيث اللفظ.
"وَهْوَ" من جهة المعنى "عَم" وشاع في أمته؛ فلا يختص به واحد دون آخر، ولا
стр. 109
كذلك علم الشخص، لما عرفت، وهذا معنى ما ذكره الناظم في باب النكرة والمعرفة من شرح التسهيل من أن "أسامة" ونحوه: نكرة معنى، معرفة لفظا، وأنه في الشياع كأسد. وهو مذهب قوم من النحاة، لكن تفرقة الواضع بين اسم الجنس وعلم الجنس في الأحكام اللفظية تؤذن بالفرق بينهما في المعنى أيضا، وفي كلام سيبويه الإشارة إلى الفرق، فإن كلامه في هذا حاصله أن هذه الأسماء موضوعة للحقائق المتحدة في الذهن، ومثله بالمعهود بينه وبين مخاطبه، فكما صح أن يعرف ذلك المعهود باللام، فلا يبعد أن يوضع له علم.
قال بعضهم: والفرق بين "أسد" و"أسامة" أن أسدا موضوع للواحد من آحاد الجنس لا بعينه في أصل وضعه، و"أسامة" موضوع للحقيقة المتحدة في الذهن، فإذا أطلقت "أسدا" على واحد أطلقته على أصل وضعه، وإذا أطلقت "أسامة" على واحد فإنما أردت الحقيقة، ولزم من إطلاقه على الحقيقة باعتبار الوجود التعدد، فجاء التعدد ضمنا، لا باعتبار أصل الوضع، قال الأندلسي شارح الجزولية: وهي مسألة مشكلة.
"مِنْ ذَاك" الموضوع علما للجنس "أَمُّ عِرْيَطٍ" وشبوة "لِلعَقْرَبِ وَهكَذا ثُعَالَةٌ" وأبو الحصين "لِلْثَعْلَبِ"، وأسامة وأبو الحارث للأسد، وذؤالة وأبو جعدة للذئب، "وَمِثْلُهُ بَرَّةُ" علم "لِلمَبَرَّه" بمعنى البر، و"كَذَا فَجَارِ" بكسر كحذام "عَلَمٌ لِلْفَجرَهْ" بمعنى الفجور، وهو: الميل عن الحق، وقد جمعهما الشاعر في قوله "من الكامل":
٧٥-
إنَّا اقتَسَمْنَا خُطَّتَيْنا بَيْنَنَا ... فَحَمَلْتُ بَرَّةَ وَاحْتَمَلْتَ فَجَار
стр. 110
ومثله "كيسان" علم على الغدر، ومنه قوله "من الطويل":
٧٦-
إذَا مَا دَعَوْا كَيْسانَ كَانَت كُهُولُهُم ... إلى الغَدْرِ أدنى مِنْ شَبَابِهُمُ المُردِ
وكذا "أم قشعم" للموت، و"أم صبور" للأمر الشديد.
فقد عرفت أن العلم الجنسي يكون للذوات والمعاني، ويكون اسما وكنية.
خاتمة: قد جاء علم الجنس لما يؤلف كقولهم للمجهول العين والنسب: "هيان بن بيان" وللفرس: "أبو المضاء"، وللأحمق: "أبو الدغفاء"، وهو قليل.
стр. 111
اسم الإشارة:
"تعريف اسم الإشارة":
اسم الإشارة: ما وضع لمشار إليه، وترك الناظم تعريفه بالحد اكتفاء بحصر أفراده بالعد، وهي ستة؛ لأنه: إما مذكر أو مؤنث، وكل منهما إما مفرد أو مثنى أو مجموع.
٨٢-
بذا لمفرد مذكر أشر ... بذي وذه تي تا على الأنثى اقتصر
"بِذَا" مقصورا "لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ"، وقد يقال "ذاء" -بهمزة مكسورة بعد الألف- و"ذائه" -بهاء مكسورة بعد الهمزة- و"بِذِي وَذِهْ" وته -بسكون الهاء، وبكسرها أيضا: بإشباع، وباختلاس فيهما- و"تِي" و"تَا" وذات "عَلَى الأنْثَى" المفردة "اقْتَصِرْ" فلا يشار بهذه العشرة لغيرها، كما حكاها في التسهيل.
٨٣-
وذان تان للمثنى المرتفع ... وفي سواه ذين تين اذكر تطع
"وَذَانِ تَانِ لِلْمُثَنَّى الْمُرْتَفِعْ": الأول لمذكره، والثاني لمؤنثه "وَفِي سِوَاهُ" أي: سوى المرتفع، وهو المجرور والمنتصب "ذَيْنِ" و"تَيْنِ" بالياء "اذْكُر تُطع"، وأما ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ١, فمؤول٢.
стр. 112
٨٤-
وبأولى أشر لجمع مطلقا ... والمد أولى ولدى البعد انطقا
٨٥-
بالكاف حرفا دون لام أو معه ... واللام إن قدمت ها ممتنعه
"وَبِأُوَلى أشِرْ لِجَمعٍ مُطْلَقا" أي: مذكرا كان أو مؤنثا "وَالمَدُّ أولى" فيه من القصر؛ لأنه لغة الحجاز، وبه جاء التنزيل؛ قال الله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ ١، والقصر لغة تميم.
تنبيه: استعمال "أولاء" في غير العاقل قليل، ومنه قوله "من الكامل":
٧٧-
ذُمَّ الْمَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى ... وَالْعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأَيَّام
"مراتب المشار إليه":
وما تقدم هو فيما إذا كان المشار إليه قريبا "وَلَدَى البُعْدِ" وهي المرتبة الثانية من مرتبتي المشار إليه على رأي الناظم "انْطِقَا" مع اسم الإشارة "بِالْكَافِ حَرْفا" ألف "انطقا"
стр. 113
مبدلة من نون التوكيد الخفيفة، وحرفا: حال من الكاف، أي: انطقن بالكاف محكوما عليه بالحرفية، وهو اتفاق، ونبه عليه لئلا يتوهم أنه ضمير كما هو في نحو: "غلامك" ولحق الكاف للدلالة على الخطاب، وعلى حال المخاطب: من كونه مذكرا أو مؤنثا، مفردا أو مثنى أو مجموعا، فهذه ستة أحوال تضرب في أحوال المشار إليه -وهي ستة كما تقدم- فذلك ستة وثلاثون، يجمعها هذان الجدولان:
وطريقة هذين الجدولين المشار إليهما: أنك تنظر لأحوال المخاطب الستة، فتأخذ كل حال منها مع أحوال المشار إليه الستة مبتدئا منها بالمفرد بقسميه، ثم بالمثنى كذلك، ثم بالمجموع كذلك، وابتدئ بالمخاطب المذكر المفرد، ثم المثنى، ثم المجموع، ثم المخاطبة المؤنثة المفردة، ثم المثنى، ثم المجموع.
هذا الجزء يسحب إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
وإنما قضى على هذه الكاف بالحرفية على اختلاف مواقعها لأنها لو كانت اسما لكان اسم الإشارة مضافا، واللازم باطل؛ لأن اسم الإشارة لا يقبل التنكير بحال.
وتلحق هذه الكاف اسم الإشارة "دُونَ لاَمٍ" كما رأيت، وهي لغة تميم، "أَوْ مَعَهْ" وهي
стр. 114
لغة الحجاز، ولا تدخل اللام على الكاف مع جميع أسماء الإشارة، بل مع المفرد مطلقا نحو: "ذلك"، و"تلك"، ومع "أولى" مقصورا، نحو: "أولاك"، و"أولالك"١. وأما المثنى مطلقا، و"أولاء" الممدود؛ فلا تدخل معها اللام "واللام إن قدمت ها" التنبيه فهي "ممتنعه" عند الكل؛ فلا يجوز اتفاقا "هذا لك"، ولا "هاتلك"، ولا "هؤلالك"؛ كراهة كثرة الزوائد.
تنبيه: أفهم كلامه أن "ها" التنبيه تدخل على المجرد من الكاف، نحو: "هذا"، و"هذه"، و"هذان"، و"هاتان"، و"هؤلاء" وعلى المصاحب لها وحدها، نحو: "هذاك"، و"هاتيك"، و"هذانك"، و"هاتانك"، و"هؤلائك". لكن هذا الثاني قليل، ومنه قول طرفة "من الطويل":
٧٨-
رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف الممدد
стр. 115
٨٦-
وبهنا أو ههنا أشر إلى ... داني المكان وبه الكاف صلا
٨٧-
في البعد أو بثم فه أوهنا ... أو بهنالك انطقن أو هنا
"وَبِهُنَا" المجردة من "ها" التنبيه "أَوْ ههُنَا" المسبوقة بها "أَشِرْ إلَى دَانِي الْمَكَانِ" أي: قريبه نحو: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ١، "وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ فِي الْبُعْدِ" نحو: هناك، وههناك، "أَوْ بِثَمَّ فُهْ" أي: انطق في البعد بثم، نحو: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ﴾ ٢ "أَوْ هَنَّا" بالفتح والتشديد "أَوْ بِهُنَالِكَ" أي: بزيادة اللام مع الكاف "انْطِقَنْ" على لغة الحجاز، كما تقول: "ذلك"، نحو: ﴿هُنَالِكَ ابْتُليَ المؤْمنُونَ﴾ ٣ ولا يجوز "ها هنالك" كما لا يجوز "هذا لك" على اللغتين "أَوْ هِنَّا" بالكسر والتشديد، قال الشاعر "من البسيط":
٧٩-
هَنَّا وهِنَّا وَمِنْ هُنَّا لَهُنَّ بِهَا ... ذَاتَ الشَّمَائِلِ وَالأيْمَانِ هَيْنُومُ
تروى الأولى بالفتح، والثانية بالكسر، والثالثة بالضم، بتشديد النون في الثلاث، وكلها بمعنى، وهو الإشارة إلى المكان، لكن الأوليان للبعيد، والأخيرة للقريب، وربما
стр. 116
جاءت للزمان، ومنه قوله "من الكامل":
٨٠-
حَنَّتْ نَوَارُ وَلاَتَ هَنَّا حَنَّتِ ... وَبَدَا الذِي كَانَتْ نَوَارِ أَجَنَّتِ
خاتمة: يفصل بين "ها" التنبيه وبين اسم الإشارة بضمير المشار إليه، نحو: "ها أنا ذا، وها نحن ذان، وها نحن أولاء، وها أنا ذى، وها نحن تان، وها نحن أولاء، وها أنت ذا، وها أنتما ذان، وها أنتم أولاء، وها أنت ذه، وها أنتما تان، وها أنتن أولاء، وها هو ذا، وها هما ذان، وها هم أولاء، وها هي تا، وها هما تان، وها هن أولاء" وبغيره قليلا، نحو "من البسيط":
٨١-
هَا إِنَّ ذِي عِذْرَةٌ "إن لم تكن نفعت ... فإن صاحبها قد تاه في البلد"
стр. 117
وقد تعاد بعد الفصل توكيدا، نحو: "ها أنتم هؤلاء"، والله أعلم.
стр. 118
الْمَوْصُولُ:
"تعريف الاسم الموصول":
٨٨-
موصول الأسماء الذي الأنثى التي ... واليا إذا ما ثنيا لا تثبت
٨٩-
بل ما تليه أوله العلامه ... والنون إن تشدد فلا ملامه
"مَوْصُولُ الأسْمَاءِ" ما افتقر أبدا إلى عائد أو خلفه، وجملة صريحة أو مؤولة، كذا حده في التسهيل، فخرج بقيد "الأسماء" الموصول الحرفي، وسيأتي ذكره آخر الباب، وبقوله: "أبدا" النكرة الموصوفة بجملة، فإنها إنما تفتقر إليها حال وصفها بها فقط، وبقوله: "إلى عائد" حيث و"إذ" و"إذا"؛ فإنها تفتقر أبدا إلى جملة، لكن لا تفتقر إلى عائد، قوله: "أو خلفه" لإدخال نحو قوله "من الطويل":
٨٢-
سُعادُ التي أَضْنَاكَ حُبُّ سُعَادا ... "وإعراضها عنك استمر وزادا"
стр. 119
وقوله "من الطويل":
٨٣-
"فيا رب أنت الله في كل موطن" ... وَأَنْتَ الذي فِي رَحمةِ اللَّهِ أَطْمَعُ
مما ورد فيه الربط بالظاهر. وأراد بالمؤولة الظرف، والمجرور والصفة الصريحة، على ما سيأتي بيانه.
"نوعا الاسم الموصول":
وهذا الموصول على نوعين: نص، ومشترك، فالنص ثمانية: "الَّذِي" للمفرد المذكر، عاقلا كان أو غيره، و"الأُنْثَى" المفردة لها "الَّتِي" عاقلة كانت أو غيرها. وفيهما ست لغات: إثبات الياء، وحذفها مع بقاء الكسرة، وحذفها مع إسكان الذال أو التاء، وتشديدها مكسورة
стр. 120
ومضمومة، والسادسة حذف الألف واللام وتخفيف الياء ساكنة "وَالْيَا" منهما "إذَا مَا ثُنِّيَا لاَ تُثْبت بَلْ مَا تَلِيِه" الياء، وهو الذال من الذي, والتاء من التي "أَوّله العَلاَمَهْ" الدالة على التثنية، وهي الألف في حالة الرفع، والياء في حالتي الجر والنصب؛ تقول: "اللذان"، و"اللتان"، و"اللذين"، و"اللتين"، وكان القياس "اللذيان"، و"اللتيان"، و"اللذيين"، و"اللتيين"، بإثبات الياء، كما يقال: "الشجيان"، و"الشجيين" في تثنية "الشجيِّ" وما أشبهه، إلا أن "الذي"، و"التي" لم يكن ليائهما حظ في التحريك لبنائهما، فاجتمعت ساكنة مع العلامة؛ فحذفت لالتقاء الساكنين "وَالْنُّونُ" من مثنى "الذي" و"التي" "إنْ تُشْدَدْ فَلاَ ملاَمَهْ" على مشددها، وهو في الرفع متفق على جوازه، وقد قرئ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ ١ وأما في النصب فمنعه البصري، وأجازه الكوفي، وهو الصحيح، فقد قرئ في السبع: "ربنا أرنا اللذيْنِّ أضلانا"٢.
٩٠-
والنون من ذين وتين شددا ... أيضا وتعويض بذاك قصدا
"وَالنُّونُ مِنْ ذَيْن وَتَيْنِ" تثنية "ذا" و"تا" "شُدِّدا أَيْضا" مع الألف باتفاق، ومع الياء على الصحيح، وقد قرئ: "فذانِّك برهانان"٣، و"إحدى ابنتي هاتيْنِّ"٤ بالتشديد فيهما "وَتَعْويضٌ بِذَاكَ" التشديد من المحذوف، وهو الياء من "الذي" و"التي"، والألف من "ذا" و"تا" "قُصِدَا" على الأصح؛ وهذا التشديد المذكور لغة تميم وقيس، وألف "شددا" و"قصدا" للإطلاق، انتهى حكم تثنية "الذي" و"التي".
٩١-
جمع الذي الألى الذين مطلقا ... وبعضهم بالواو رفعا نطقا
٩٢-
باللات واللاء التي قد جمعا ... واللاء كالذين نزرا وقعا
стр. 121
وأما "جَمْعُ الَّذِي" فشيئان: الأول "الأُلَى" مقصورا وقد يمد، قال الشاعر "من الطويل":
٨٤-
وَتُبْلِي الألَى يَسْتَلْئمونَ عَلَى الألَى ... تَرَاهُنَّ يَومَ الرَّوعِ كَالحِدَإِ القُبْل
وقال الآخر "من الطويل":
٨٥-
أنَّأبَى اللَّهُ لِلشُّمِّ الألاءِ كهُمْ ... سُيُوفٌ أَجَادَ القَينُ يَوما صِقَالهَا
стр. 122
والكثير استعماله في جمع من يعقل، ويستعمل في غيره قليلا، وقد يستعمل أيضا جمعا للتي، كما في قوله في البيت الأول: "على الألى تراهن".
وقوله "من الطويل":
٨٦-
مَحَا حُبُّهَا حُبَّ الأُلىَ كُنَّ قَبَلهَا ... "وحلت مكانا لم يكن حل من قبل"
والثاني "الَّذِينَ" بالياء "مُطلَقا" أي: رفعا ونصبا وجرا "وَبَعْضُهُمْ" وهم هذيل أو عقيل
стр. 123
"بالوَاوِ رَفْعا نَطَقا" قال "من الرجز":
٨٧-
نَحْنُ الَّذُونَ صَبَّحوا الصَّبَاحا ... يَوم النُّخَيلِ غَارَةً مِلحَاحَا
تنبيه: من المعلوم أن "الألى" اسم جمع، لا جمع، فإطلاق الجمع عليه مجاز، وأما "الذين" فإنه خاص بالعقلاء، و"الذي" عام في العاقل وغيره، فهما كالعالم والعالمين: اهـ.
"بِاللاتِ وَاللاءِ" بإثبات الياء وحذفها فيهما "الَّتِي قَدْ جُمِعَا" التي: مبتدأ، و"قد جمع" خبره، و"باللات" متعلق بجمع، أي: التي قد جمع باللاتي واللائي، نحو: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ ١، ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ ٢، وقد تقدم أنها تجمع على "الألى"، وتجمع أيضا على "اللواتي" بإثبات الياء وحذفها، وعلى "اللواء" ممدودا ومقصورا، وعلى "اللا" بالقصر، و"اللاءات" مبنيا على الكسرة، أي: معربا إعراب "أولات"؛ وليست هذه بجموع حقيقة، وإنما هي أسماء جموع.
стр. 124
"واللاء كالذين نزرا وقعا" اللاء: مبتدأ، و"وقع" خبره، و"كالذين" متعلق به، و"نزرا" أي: قليلا، حال من فاعل "وقع"، وهو الضمير المستتر فيه، والألف للإطلاق والمعنى أن اللائي وقع جمعا للذي قليلا، كما وقع "الألى" جمعا للتي كما تقدم، ومن هذا قوله "من الوافر":
٨٨-
فما آباؤنا بأمن منه ... علينا اللاء قد مهدوا الحجورا
والمشترك ستة: من، وما، وأل، وذو، وذا، وأي، على ما سيأتي شرحه، وقد أشار إليه بقوله:
٩٣-
ومن وما وأل تساوي ما ذكر ... وهكذا "ذو" عند طيئ شهر
"ومن وما وأل تساوي" أي في الموصولية "ما ذكر" من الموصولات "وهكذا ذو عند طيئ شهر" بهذا.
стр. 125
"من":
فأما "من" فالأصل استعمالها في العالم، وتستعمل في غيره لعارض تشبيه به، كقوله "من الطويل":
٨٩-
أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلي إلى من قد هويت أطير
وقوله "من الطويل":
٩٠-
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
стр. 126
أو تغليبه عليه في اختلاط، نحو: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ١، أو اقترانه به في عموم فصل بمن، نحو: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ ٢؛ لاقترانه بالعاقل في "كل دابة"، وتكون بلفظ واحد للمذكر والمؤنث مفردا كان أو مثنى أو مجموعا، والأكثر في ضميرها اعتبار اللفظ، نحو: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ٣، ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ ٤ ويجوز اعتبار المعنى، نحو: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ٥، ومنه قوله "من الطويل":
٩١-
تَعَشَّ فَإنْ عَاهَدْتَنِي لاَ تَخُونُنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ
стр. 127
"ما":
وأما "ما" فإنها لغير العالم، نحو: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ ١، وتستعمل في غيره قليلا، إذا اختلط به، نحو: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ٢، وتستعمل أيضا في صفات العالم، نحو: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٣ وحكى أبو زيد: "سبحان ما يسبح الرعد بحمده"، و"سبحان ما سخركنَّ لنا"، وقيل: بل هي فيها لذوات من يعقل، وتستعمل في المبهم أمره، كقولك وقد رأيت شبحا من بعد: انظر إلى ما أرى، وتكون بلفظ واحد كمن.
تنبيه: تقع "من"، و"ما" موصولتين كما مر، واستفهاميتين، نحو: "من عندك؟ "، و"ما عندك؟ "، وشرطيتين، نحو: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ ٤، و"ما تفعلوا من خير يوف إليكم"٥، ونكرتين موصوفتين، كقوله "من الطويل":
٩٢-
أَلاَ رُبَّ مَنْ تَغْتَشُّهُ لَكَ نَاصِحٌ ... ومؤتمن بالغيب غير أمين
ومن ذلك فيهما قولهم: "مررت بمن معجب لك"، و"بما معجب لك"، ويكونان أيضا نكرتين تامتين: أما "من" فعلى رأي أبي عليّ، زعم أنها في قوله "من البسيط":
٩٦-
"ونعم مزكأ من ضاقت مذاهبه" ... وَنِعْمَ مَنْ هُوَ فِي سِر وَإِعْلاَنِ
تمييز، والفاعل مستتر، و"هو" هو المخصوص بالمدح. وقال غيره: "من" موصول
стр. 131
فاعل، وقوله: "هو" مبتدأ خبره هو آخر محذوف، على حد قوله: شعري شعري١.
وأما "ما" فعلى رأي البصريين إلا الأخفش في نحو: "ما أحسن زيدا"؛ إذ المعنى شيء حسن زيدا، على ما سيأتي بيانه في بابه، وفي باب "نعم وبئس"، عند كثير من النحويين المتأخرين: منهم الزمخشري، نحو: "غسلته غسلا نعما" أي: نعم شيئا؛ فـ"ما": نصب على التمييز.
"أل":
وأما "أل" فللعاقل وغيره، وما ذكره الناظم من أنها اسم موصول هو مذهب الجمهور، وذهب المازني إلى أنها حرف موصول، والأخفش إلى أنها حرف تعريف.
والدليل على اسميتها أشياء:
الأول: عود الضمير عليها في نحو: "قد أفلح المتقي ربه"، وقال المازني: عائد على موصوف محذوف، ورد بأن لحذف الموصوف مظان لا يحذف في غيرها إلا لضرورة، وليس هذا منها.
الثاني: استحسان خلو الصفة معها عن الموصوف، نحو: "جاء الكريم"، فلولا أنها اسم موصول قد اعتمدت الصفة عليه كما تعتمد على الموصوف لقبح خلوها عن الموصوف.
الثالث: إعمال اسم الفاعل معها بمعنى المضي، فلولا أنها موصولة واسم الفاعل في تأويل الفعل لكان منع اسم الفاعل حينئذٍ معها أحق منه بدونها.
الرابع: دخولها على الفعل في نحو "من البسيط":
٩٧-
مَا أَنْتَ بِالْحَكمِ الْتُرضَى حُكومَتُهُ ... "ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل"
стр. 132
والمعرفة مختصة بالاسم.
واستدل على حرفيتها بأن العامل يتخطاها، نحو: "مررت بالضارب" فالمجرور "ضارب"، ولا موضع لـ"أل"، ولو كانت اسما لكان لها موضع من الإعراب.
قال الشلوبين: الدليل على أن الألف واللام حرف قولك: "جاء القائم" فلو كانت اسما لكان فاعلا، واستحق "قائم" البناء؛ لأنه على هذا التقدير مهمل؛ لأنه صلة، والصلة لا يسلط عليها عامل الموصول.
وأجاب في شرح التسهيل بأن مقتضى الدليل أن يظهر عمل عامل الموصول في آخر الصلة؛ لأن نسبتها منه نسبة عجز المركب منه، لكن منع من ذلك كون الصلة جملة، والجمل لا تتأثر بالعوامل، فلما كانت صلة الألف واللام في اللفظ غير جملة جيء بها على مقتضى الدليل؛ لعدم المانع. انتهى، ويلزم في ضمير "أل" اعتبار المعنى، نحو: "الضارب"، و"الضاربة"، و"الضاربين"، و"الضاربات".
стр. 133
"ذو":
وأما "ذو" فإنها للعاقل وغيره؛ قال الشاعر "من المنسرح":
٩٨-
ذَاكَ خَلِيلِي وَذُو يُوَاصِلُنِي ... يَرْمِي وَرَائِي بِامْسَهْمِ وَامْسَلِمَهْ
وقال الآخر "من الطويل":
٩٩-
فَقُولا لِهَذَا الْمَرْءِ ذُو جَاءَ سَاعِيا ... هَلُمَّ فإنَّ المشْرَفيَّ الفرائضُ
стр. 134
وقال الآخر "من الطويل":
١٠٠-
فَإمَّا كِرامٌ مُوِسرونَ لَقيتُهُمْ ... فَحَسْبِيَ مِنْ ذُو عنْدَهُمْ ما كَفانيَا
стр. 135
وقال الآخر "من الوافر":
١٠١-
فَإنَّ المَاءَ ماءُ أَبي وَجَدِّي ... وَبِئْري ذُو حَفَرْتُ وَذُو طَوَيْتُ
والمشهور فيها البناء، وأن تكون بلفظ واحد، كما في الشواهد، وبعضهم يعربها
стр. 136
إعراب "ذي" بمعنى صاحب، وقد روي بالوجهين قوله "من الطويل":
فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا١
"ذات":
٩٤-
وكالتي أيضا لديهم ذات ... وموضع اللاتي أتى ذوات
"وكَالَّتِي أَيْضا لَديهمْ" أي: عند طيئ "ذَاتُ" أي: بعض طيئ أَلحق بـ"ذو" تاء التأنيث مع بقاء البناء على الضم، حكى الفراء: "بالفضل ذو فضلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله به" "وَمَوْضِعَ الَّلاتِي أتى ذَوَاتُ" جمعا لـ"ذات"، قال الراجز:
١٠٢-
جَمَعتُهَا مِنْ أَيْنُقٍ موارِقِ ... ذَوات يَنْهَضْنَ بِغَيْرِ سَائِقِ
تنبيه: ظاهر كلام الناظم أنه إذا أريد غير معنى "التي" و"اللاتي" يقال: "ذو" على الأصل؛ وأطلق ابن عصفور القول في تثنية "ذو" و"ذات" وجمعهما، قال الناظم: وأظن أن الحامل له على ذلك قولهم: "ذات" و"ذوات" بمعنى "التي" و"اللاتي"، فأضربت عنه
стр. 137
لذلك، لكن نقل الهروي وابن السراج عن العرب ما نقله ابن عصفور.
"ذا":
٩٥-
ومثل ما "ذا" بعد ما استفهام ... أو من، إذا لم تلغ في الكلام
"وَمِثْلُ مَا" الموصولة فيما تقدم من أنها تستعمل بمعنى "الذي" وفروعه بلفظ واحد "ذَا" إذا وقعت "بَعْدَ مَا استِفْهَامِ" باتفاق "أَوْ" بعد "مَنْ" استفهام على الأصح، وهذا "إذَا لَمْ تُلْغَ" ذا "فِي الْكَلاَمِ" والمراد بإلغائها أن تجعل مع "ما" أو "من" اسما واحدا مستفهما به؛ ويظهر أثر الأمرين في البدل من اسم الاستفهام وفي الجواب، فتقول عند جعلك "ذا" موصولا: "ماذا صنعت؟ أخير أم شر؟ " بالرفع على البدلية من "ما" لأنه مبتدأ، و"ذا" وصلته خبر، ومثله: "من ذا أكرمت؟ أزيد أم عمرو؟ " قال الشاعر "من الطويل":
١٠٣-
ألا تَسْألانِ الْمرءَ مَاذَا يُحَاوِلُ ... أنَحْبٌ فَيُقْضَى أَم ضَلالٌ وَبَاطِلُ
стр. 138
وتقول عند جعلهما اسما واحدا: "ماذا صنعت؟ أخيرا أم شرا"، "ومن ذا أكرمت أزيدا أم عمرا؟ " بالنصب على البدلية من "ماذا" أو "من ذا"؛ لأنه منصوب بالمفعولية مقدما، وكذا تفعل في الجواب، نحو: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ١؛ قرأ أبو عمرو برفع "العفو" على جعل "ذا" موصولا، والباقون بالنصب على جعلها ملغاة، كما في قوله تعالى: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ ٢ فإن لم يتقدم على ذا "ما" و"من" الاستفهاميتان لم يجز أن تكون موصولة، وأجازه الكوفيون٣، تمسكا بقوله "من الطويل":
١٠٤-
عَدَسْ مِا لِعَبَّادٍ عَلَيْك إمَارَةٌ ... نَجَوْتِ وَهَذَا تَحْمِلينَ طليقُ
وخرج على أن "هذا طليق" جملة اسمية، و"تحملين" حال، أي: وهذا طليق محمولا.
стр. 139
تنبيه: يشترط لاستعمال "ذا" موصولة -مع ما سبق- أن لا تكون مشارا بها، نحو: "ماذا التواني"، و"ماذا الوقوف"، وسكت عنه لوضوحه.
٩٦-
وكلها يلزم بعده صله ... على ضمير لائق مشتمله
"وَكُلُّهَا" أي: كل الموصولات "يَلْزَمُ" أن تكون "بَعْدَهُ صِلَهْ" تعرفه ويتم بها معناه: إما ملفوظة، نحو: "جاء الذي أكرمته"، أو منوية كقوله "من مجزوء الكامل":
١٠٥-
نَحْنُ الأُلَى فَاجمَعْ جُمُو ... عَكَ ثُمَّ وَجِّهْهُمْ إلَيْنَا
أي: نحن الألى عرفوا بالشجاعة، بدلالة المقام.
وأفهم بقوله: "بعده" أنه لا يجوز تقديم الصلة ولا شيء منها على الموصول، وأما نحو: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ ١ فـ"فيه": متعلق بمحذوف دلت عليه صلة "أل"، لا بصلتها، والتقدير: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين.
ويشترط في الصلة أن تكون معهودة، أو منزلة منزلة المعهودة، وإلا لم تصلح للتعريف؛ فالمعهودة نحو: "جاء الذي قام أبوه"، والمنزلة منزلة المعهودة هي الواقعة في
стр. 140
معرض التهويل والتفخيم، نحو: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ ١، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ٢، وأن تكون "عَلَى ضَمِيرٍ لاَئِقٍ" بالموصول، أي: مطابق له في الإفراد والتذكير وفروعهما "مُشْتَمِلَهْ" ليحصل الربط بينهما، وهذا الضمير هو العائد على الموصول، وربما خلفه اسم ظاهر، كقوله "من الطويل":
سُعَادُ التِي أَضْنَاكَ حُبُّ سُعَادَا٣
وقوله "من الطويل":
وَأَنْتَ الَّذِي فِي رَحْمةِ اللَّهِ أطْمعُ٤
كما سبقت الإشارة إليه، وهو شاذ، فلا يقاس عليه.
تنبيه: الموصول إن طابق لفظه معناه فلا إشكال في العائد، وإن خالف لفظه معناه فلك في العائد وجهان: مراعاة اللفظ، وهو الأكثر، ومراعاة المعنى كما سبقت الإشارة إليه؛ وهذا ما لم يلزم من مراعاة اللفظ لبس؛ فإن لزم لبس؛ نحو: "أعط من سألتك لا من سألك" وجبت مراعاة المعنى.
٩٧-
وجملة أو شبهها الذي وصل ... به كمن عندي الذي ابنه كفل
"وَجُمْلَةٌ أو شِبْهُهَا" من ظرف ومجرور تامين "الَّذِي وُصِلْ بهِ" الموصول "كَمَنْ عِندِي الذِي ابنُهُ كُفِلْ" فعندي: ظرف تام صلة "من"، و"ابنه كفل": جملة اسمية صلة "الذي". وإنما كان الظرف والمجرور التامان شبيهين بالجملة لأنهما يعطيان معناها؛ لوجوب كونهما هنا متعلقين بفعل مسند إلى ضمير الموصول، تقديره: الذي استقر عندك، والذي استقر في الدار؛ وخرج عن ذلك ما لا يشبه الجملة منهما، وهو الظرف والمجرور الناقصان، نحو: "جاء الذي اليوم"، و"الذي بك" فإنه لا يجوز لعدم الفائدة.
تنبيه: من شرط الجملة الموصول بها -مع ما سبق- أن تكون خبرية لفظا ومعنى فلا يجوز: "جاء الذي أضربه"، أو "ليته قائم"، أو "﵀" خلافا للكسائي في الكل،
فمخرج على إضمار قول في الأول، أي: قبل التي أقول فيها لعلي أزورها، وأن "ماذا" في الثاني اسم واحد، وليست "ذا" موصولة؛ لموافقة "عسى": "لعل" في المعنى.
وأن تكون غير تعجبية، فلا يجوز: "جاء الذي ما أحسنه"، وإن كانت عندهم خبرية، وأجازه بعضهم، وهو مذهب ابن خروف؛ قياسا على جواز النعت بها.
وأن لا تستدعي كلاما سابقا، فلا يجوز "جاء الذي لكنه قائم".
٩٨-
وصفة صريحة صلة أل ... وكونها بمعرب الأفعال قل
"وَصِفَةٌ صَرِيحَة" أي: خالصة الوصفية "صِلَة أَلْ" الموصولة، والمراد بها هنا: اسم الفاعل، واسم المفعول، وأمثلة المبالغة، وفي الصفة المشبهة خلاف، وجه المنع أنها لا تؤول بالفعل؛ لأنها للثبوت، ومن ثم كانت "أل" الداخلة على اسم التفضيل ليست موصولة بالاتفاق، وخرج بالصريحة الصفة التي غلبت عليها الاسمية، نحو: "أبطح"، و"أجرع"، و"صاحب" فـ"أل" في مثلها حرف تعريف لا موصولة، والصفة الصريحة مع "أل" اسم لفظا فعل معنى، ومن ثم حسن عطف الفعل عليها، نحو: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ١، ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ٢ وإنما لم يؤت بها فعلا كراهة أن يدخلوا على الفعل ما هو على صورة المعرفة الخاصة بالاسم؛ فراعوا الحقين
стр. 143
"وَكَوْنُهَا" أي: صلة "أل" "بِمُعْرَبِ الأَفْعَالِ" وهو المضارع "قَلْ" من ذلك قوله "من البسيط":
مَا أَنْتَ بِالْحَكَمِ الْتُرضَى حُكُومَتُهُ ... وَلاَ الأَصِيلِ وَلاَ ذِي الرَّأيِ وَالْجَدَلِ
وهو مخصوص عند الجمهور بالضرورة، ومذهب الناظم جوازه اختيارا، وفاقا لبعض الكوفيين، وقد سمع منه أبيات٢.
تنبيه: شذ وصل "أل" بالجملة الاسمية، كقوله "من الطويل":
١٠٨-
مِنَ الْقَوْم الرسولُ اللَّهِ مِنْهُمْ ... لَهُمْ دَانَتْ رِقَابُ بَنِي مَعَدِّ
وبالظرف، كقوله "من الرجز":
١٠٩-
مَنْ لاَ يَزَالُ شَاكِرا عَلَى الْمَعَهْ ... فَهْوَ حَرٍ بِعِيشَةٍ ذَاتِ سَعَهْ
стр. 144
"أي الموصولة":
٩٩-
"أي" كـ"ما" وأعربت ما لم تضف ... وصدر وصلها ضمير انحذف
و"أَيٌّ" تستعمل موصولة، خلافا لأحمد بن يحيى في قوله: إنها لا تستعمل إلا شرطا أو استفهاما؛ وتكون بلفظ واحد في الإفراد والتذكير وفروعهما "كَمَا". وقال أبو موسى: إذا أريد بها المؤنث لحقتها التاء، وحكى ابن كيسان: إن أهل هذه اللغة يثنونها ويجمعونها "وَأُعْرِبَتْ" دون أخواتها "مَا لَمْ تُضَفْ وَصَدْرُ وَصْلِهَا ضَمِيْرٌ انْحَذَفْ" فإن أضيفت وحذف صدر صلتها بنيت على الضم، نحو: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ ١ التقدير: أيهم هو أشد، وإن لم تضف، أو لم يحذف -نحو: أي قائم، وأي هو قائم، وأيهم هو قائم- أعربت، وقد سبق الكلام على سبب إعرابها في المبنيات.
١٠٠-
وبعضهم أعرب مطلقا وفي ... ذا الحذف أيا غير أي يقتفي
١٠١-
إن يستطل وصل وإن لم يستطل ... فالحذف نزر وأبوا أن يختزل
١٠٢-
إن صلح الباقي لوصل مكمل ... والحذف عندهم كثير منجلي
١٠٣-
في عائد متصل إن انتصب ... بفعل أو وصف كمن نرجو يهب
"وَبَعْضُهُمْ" أي: بعض النحاة، وهو الخليل ويونس ومن وافقهما "أَعْرَبَ" أيا "مُطْلَقا"، أي: وإن أضيفت وحذف صدر صلتها، وتأولا الآية: أما الخليل فجعلها
стр. 145
استفهامية محكية بقول مقدر، والتقدير: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ الذي يقال فيه ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ ، وأما يونس فجعلها استفهامية أيضا، لكنه حكم بتعليق الفعل قبلها عن العمل؛ لأن التعليق عنده غير مخصوص بأفعال القلوب، واحتج عليهما بقوله "من المتقارب":
١١٠-
إذَا مَا لَقِيتَ بَنِي مَالِكٍ ... فَسَلِّمْ عَلَى أَيُّهُمْ أَفْضَلُ
بضم "أي"؛ لأن حروف الجر لا يضمر بينها وبين معمولها قول، ولا تعلق، وبهذا يبطل قول من زعم أن شرط بنائها أن لا تكون مجرورة، بل مرفوعة أو منصوبة، ذكر هذا الشرط ابن إياز، وقال: نص عليه النقيب في الأمالي؛ ويحتمل أن يريد بقوله: "وبعضهم إلى آخره" أن بعض العرب يعربها في الصور الأربع، وقد قرئ شاذا: "أيهم أشد" بالنصب على هذه اللغة.
تنبيهان: الأول: لا تضاف "أي" لنكرة، خلافا لابن عصفور، ولا يعمل فيها إلا مستقبل متقدم، كما في الآية والبيت؛ وسئل الكسائي: لم لا يجوز: "أعجبني أيهم قام"؟ فقال: أي كذا خلقت.
الثاني: تكون "أي" موصولة كما عرف، وشرطا نحو: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ