تنبيه: من العرب من يسكن الياء في النصب أيضا، قال الشاعر "من الطويل":
٣٩- ولوْ أَنَّ واشٍ بِاليَمَامَةِ دَارُهُ ... وَدَارِي بأعْلَى حَضْرَمَوْتَ اهْتَدَى لِيَا
قال أبو العباس المبرد: وهو من أحسن ضرورات الشعر؛ لأنه حمل حالة النصب على حالتي الرفع والجر.
"إعراب المعتل من الأفعال":
٤٩- وأي فعل آخر منه ألف ... أو واو أو ياء فمعتلا عرف
стр. 72
"وَأَيُّ فِعْلٍ" كان "آخِرٌ مِنْهُ أَلِفْ" نحو: يخشى "أَوْ وَاوٌ" نحو: يدعو "أَوْ يَاءٌ" نحو: يرمي "فَمُعْتَلا عُرِفْ" أي: شرط، وهو مبتدأ مضاف، و"فعل" مضاف إليه، وكان بعده مقدرة، و"هي" إما شأنية، و"آخر منه ألف" جملة من مبتدأ وخبر خبرها مفسرة للضمير المستتر فيها، أو ناقصة، وآخر اسمها، و"ألف" خبرها، ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة، و"عرف" جواب الشرط، وفيه ضمير مستكن نائب عن الفاعل عائد على "فعل" وخبر المبتدأ جملة الشرط، وقيل: هي وجملة الجواب معا، وقيل: جملة الجواب فقط، و"معتلا" حال منه مقدم على عامله؛ والمعنى: أي فعل كان آخره حرفا من الأحرف المذكورة فإنه يسمى معتلا.
٥٠- فالألف انو فيه غير الجزم ... وأبد نصب ما كيدعو يرمي
٥١- والرفع فيهما انو واحذف جازما ... ثلاثهن تقض حكما لازما
"فَالأَلِفَ انْوِ فِيهِ غَيْرَ الْجَزْمِ" وهو الرفع والنصب، نحو: "زيد يسعى"، "ولن يخشى" لتعذر الحركة على الألف، والألف: نصب بفعل مضمر يفسره الفعل الذي بعده "وَأَبْدِ" أي: أظهر "نَصْبَ مَا" آخره واو "كَيَدْعُو" أو ياء نحو: "يَرْمِي" لخفة النصب، وأما قوله "من الطويل":
٤٠- "وما سودتني عامر عن وارثة" ... أَبَى اللَّهُ أَنْ أَسْمُو بأُم ولاَ أَبِ
الحركة التي قبل المحذوف دالة عليه "تَقْضِ حُكْما لاَزِما"، نحو: "لم يخش"، و"لم يغز"، و"لم يرم"، فالرفع: نصب المفعولية لأنو، وفيهما: متعلق به، واحذف: عطف على "انو"، وفي كل منهما ضمير مستتر وهو فاعله، وجازما: حال من فاعل "احذف"، و"ثلاثهن": مفعول به، إما لاحذف والضمير في "ثلاثهن" لأحرف العلة الثلاثة، ومعمول الحال محذوف، وهي الأفعال الثلاثة المعتلة، والتقدير: احذف أحرف العلة ثلاثهن حال كونك جازما الأفعال الثلاثة المذكورة، أو يكون معمولا للحال، والضمير للأفعال، ومعمول الفعل محذوف، وهو الأحرف الثلاثة، والتقدير: احذف أحرف العلة حال كونك جازما الأفعال ثلاثهن، و"تقض": مجزوم جواب احذف، و"حكما": مفعول به إن كان "تقض" بمعنى: تؤدي، ومفعول مطلق إن كان بمعنى: تحكم.
خاتمة: وقد ثبت حرف العلة مع الجازم في قوله "من الطويل":
٤٢- وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ ... كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرا يَمَانِيَا
فقيل: ضرورة، وقيل: بل حذف حرف العلة ثم أشبعت الفتحة في "تر" فنشأت ألف، والكسرة في "يأتك" فنشأت ياء، والضمة في "تهج" فنشأت واو، وأما: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ ١ فـ"لا" نافية لا ناهية، أي: فلست تنسى.
стр. 77
النَّكِرةُ وَالْمَعْرِفَةُ:
"تعريف النكرة":
٥٢- نكرة قابل أل مؤثرا ... أو واقع موقع ما قد ذكرا
"نَكِرَةٌ قَابِلُ أَلْ مُؤَثّرا" فيه التعريف؛ كرجل، وفرس، وشمس، وقمر "أَوْ وَاقِعٌ مَوْقِعَ ما قَدْ ذُكِرا" أي: ما يقبل "أل"، وذلك كـ"ذي"، بمعنى صاحب، و"من" و"ما" في الشرط والاستفهام، خلافا لابن كيسان في الاستفهاميتين؛ فإنهما عنده معرفتان، فهذه لا تقبل "أل" لكنها تقع موقع ما يقبلها، إذ الأولى تقع موقع صاحب، و"من" و"ما" يقعان موقع إنسان وشيء، ولا يؤثر خلوهما من تضمن معنى الشرط والاستفهام، فإن ذلك طارئ على "من" و"ما"؛ إذ لم يوضعا في الأصل له، ومن ذلك أيضا "من" و"ما"؛ نكرتين موصوفتين، كما في "مررت بمن معجب لك"، و"بما معجب لك" فإنهما لا يقبلان "أل"، لكنهما واقعان موقع إنسان وشيء، وكلاهما يقبل "أل"، وكذلك "صه" و"مه" بالتنوين، لا يقبلان "أل"، لكنهما يقعان موقع ما يقبلها، وهو سكوتا وانكفافا، وما أشبه ذلك، ونكرة: مبتدأ، والمسوّغ قصد الجنس، وقابل "أل": خبر، ومؤثرا: حال من المضاف إليه، وهو "أل"، وشرط جواز ذلك موجود، وهو اقتضاء المضاف العمل في الحال وصاحبها، واحترز بـ"مؤثرا" عما يدخله "أل" من الأعلام لضرورة أو لمح وصف، على ما سيأتي بيانه، فإنها لا تؤثر فيه تعريفا؛ فليس بنكرة.
تنبيه: قدم النكرة لأنها الأصل، إذ لا يوجد معرفة إلا وله اسم نكرة، ويوجد كثير من النكرات لا معرفة له، والمستقل أولى بالأصالة، وأيضا فالشيء أول وجوده تلزمه الأسماء
стр. 78
العامة، ثم يعرض له بعد ذلك الأسماء الخاصة، كالآدمي إذا ولد فإنه يسمى إنسانا أو مولودا أو موجودا، ثم بعد ذلك يوضع له الاسم: العلم، واللقب، والكنية. وأنكر النكرات: مذكور، ثم موجود، ثم محدث، ثم جوهر، ثم جسم، ثم نام، ثم حيوان، ثم إنسان، ثم رجل، ثم عالم، فكل واحد من هذه أعم مما تحته وأخص مما فوقه، فتقول: كل عالم رجل، ولا عكس، وهكذا كل رجل إنسان إلى آخره.
" تعريف المعرفة":
٥٣- وغيره معرفة كهم وذي ... وهند وابني والغلام والذي
"وَغَيْرُهُ" أي: غير ما يقبل "أل" المذكورة أو يقع موقع ما يقبلها "مَعْرِفَةٌ"؛ إذ لا واسطة، واستغنى بحد النكرة عن حد المعرفة، قال في شرح التسهيل: من تعرض لحد المعرفة عجز عن الوصول إليه دون استدراك عليه.
وأنواع المعرفة على ما ذكره هنا ستة: المضمر "كَهُمْ، وَ" اسم الإشارة، نحو: "ذِي"، وَالعلم، نحو: "هِنْدَ"، وَالمضاف إلى معرفة، نحو: "ابْنِي"، والمحلى بأل، نحو: "الْغُلاَمُ"، وَالموصول، نحو: "الَّذِي"، وزاد في شرح الكافية المنادى المقصود كـ"يا رجل"، واختار في التسهيل أن تعريفه بالإشارة إليه والمواجهة، ونقله في شرحه عن نص سيبويه، وذهب قوم إلى أنه معرفة بـ"أل" مقدرة، وزاد ابن كيسان "من"، و"ما" الاستفهاميتين كما تقدم.
ولما فات على الناظم ترتيب المعارف في الذكر على حسب ترتيبها في المعرفة لضيق النظم رتبها في التبويب على ما ستراه، فأعرفها المضمر على الأصح، ثم العلم ثم اسم الإشارة، ثم الموصول، ثم المحلى، وقيل: هما في مرتبة واحدة، وقيل: المحلى أعرف من الموصول، وأما المضاف فإنه في رتبة ما أضيف إليه، مطلقا عند الناظم، وعند الأكثر أن المضاف إلى المضمر في رتبة العلم، وأعرف الضمائر ضمير المتكلم، ثم المخاطب، ثم الغائب السالم عن الإبهام، وجعل الناظم هذا في التسهيل دون العلم.
стр. 79
"أقسام الضمير":
٥٤- فما لذي غيبة أو حضور ... كأنت وهو سم بالضمير
"فَمَا" وضع "لِذِي غَيْبَةٍ" تقدم ذكره: لفظا، أو معنى، أو حكما، على ما سيأتي في آخر باب الفاعل، "أَوْ" لذي "حُضُور": متكلم، أو مخاطب "كَأنْتَ" وأنا "وَهْوَ" وفروعها "سَمِّ" في اصطلاح البصريين "بِالْضَّمِير" والمضمر، وسماه الكوفيون كناية ومكنيا.
تنبيه: رفع إبهام دخول اسم الإشارة في ذي الحضور بالتمثيل.
٥٥- وذو اتصال منه ما لا يبتدا ... ولا يلي إلا اختيارا أبدا
٥٦- كالياء والكاف من "ابني أكرمك" ... والياء والها من "سليه ما ملك"
"وَذُو اتِّصَالٍ مِنْهُ مَا لاَ يُبْتَدَا" به، "وَلاَ يَلِي إلاَّ" الاستثنائية "اخْتِيَارا أَبَدَا" وقد يليها اضطرارا، كقوله "من البسيط":
٤٥- وَمَا نُبَالِي إذَا مَا كنْتِ جَارَتَنَا ... أَن لاَ يُجَاوِرَنَا إلاَّكِ دَيَّارُ
стр. 80
وذلك "كَالْيَاء والْكَافِ مِنْ" قولك: "ابْنِي أَكْرَمَكْ وَاليَاءِ وَالْهَاء" مِنْ قولك: "سَلِيه مَا مَلَكْ" فالأول -وهو الياء- ضمير متكلم مجرور، والثاني -وهو الكاف- ضمير مخاطب منصوب، والثالث -وهو الياء- ضمير المخاطبة مرفوع، والرابع -وهو الهاء- ضمير الغائب منصوب، وهي ضمائر متصلة: لا تتأتى البداءة بها، ولا تقع بعد إلا.
"أسباب بناء الضمير":
٥٧- وكل مضمر له البنا يجب ... ولفظ ما جر كلفظ ما نصب
"وَكُلُّ مُضْمَرٍ" متصلاً كان أو منفصلاً "لَهُ الْبِنَا يَجِبْ" باتفاق النحاة، واختلف في سبب بنائه؛ فقيل: لمشابهته الحرف في المعنى؛ لأن كل مضمر مضمن معنى التكلم أو الخطاب أو الغيبة، وهي من معاني الحروف.
وذكر في التسهيل لبنائها أربعة أسباب:
الأول: مشابهة الحرف في الوضع؛ لأن أكثرها على حرف أو حرفين، وحمل الباقي على الأكثر.
والثاني: مشابهته في الافتقار؛ لأن المضمر لا تتم دلالته على مسماه إلا بضميمة من مشاهدة أو غيرها.
والثالث: مشابهته له في الجمود؛ فلا يتصرف في لفظه: بوجه من الوجوه حتى بالتصغير ولا بأن يوصف أو يوصف به.
الرابع: الاستغناء عن الإعراب باختلاف صيغه لاختلاف المعاني.
قال الشارح: ولعل هذا هو المعتبر عند الشيخ في بناء المضمرات؛ ولذلك عقبه بتقسيمها بحسب الإعراب، كأنه قصد بذلك إظهار علة البناء فقال: "وَلَفْظُ مَا جُرَّ كَلَفْظِ مَا نُصِبْ"، نحو: "إنه"، و"له"، و"رأيتك"، و"مررت بك".
стр. 81
٥٨- للرفع والنصب والجر "نا" صلح ... كـ"اعرف بنا فإننا نلنا المنح"
"لِلرَّفْعِ وَالْنَّصْبِ وَجرّ نا" الدال على المتكلم المشارك أو المعظم نفسه "صَلَحْ" مع اتحاد المعنى والاتصال "كَاعْرِفْ بِنَا فَإنَّنَا نِلْنَا الْمِنَحْ" فـ"نا" في "بنا" في موضع جر بالباء، وفي "فإننا" في موضع نصب بـ"أن"، وفي "نلنا" في موضع رفع بالفاعلية، وأما الياء و"هم" فإنهما يستعملان للرفع والنصب والجر، لكن لا يشبهان "نا" من كل وجه؛ فإن الياء وإن استعملت للثلاثة وكانت ضميرا متصلا فيها إلا أنها ليست فيها بمعنى واحد، لأنها في حالة الرفع للمخاطبة، نحو: "اضربي"، وفي حالة الجر والنصب للمتكلم نحو: "لي"، و"إني"، و"هم" تستعمل للثلاثة وتكون فيها بمعنى واحد؛ إلا أنها في حالة الرفع ضمير منفصل، وفي الجر والنصب ضمير متصل.
٥٩- وألف والواو والنون لما ... غاب وغيره كقاما واعلما
"وَأَلِفٌ وَالْوَاوُ وَالْنُّونُ" ضمائر رفع بارزة متصلة "لِمَا غَابَ وَغَيْرِهِ" أي: المخاطب، فالغائب "كَقَامَا" وقاموا، وقمن، "وَ" المخاطب نحو: "اعْلَمَا" واعلموا، واعلمن.
تنبيه: رفع توهم شمول قوله "وغيره" المتكلم بالتمثيل.
ولما كان الضمير المتصل على نوعين: بارز -وهو ما له وجود في اللفظ- ومستتر -وهو ما ليس كذلك- وقدم الكلام على الأول، شرع في بيان الثاني بقوله:
٦٠- ومن ضمير الرفع ما يستتر ... كافعل أوافق نغتبط إذ تشكر
"وَمِنْ ضَمِيْرِ الْرَّفْعِ" أي: لا النصب ولا الجر "مَا يَسْتَتِرُ" وجوبا، أو جوازا؛ فالأول هو الذي لا يخلفه ظاهر ولا ضمير منفصل، وهو المرفوع بأمر الواحد المخاطب، "كَافْعَلْ" يا زيد، أو بمضارع مبدوء بهمزة المتكلم، مثل: "أُوَافِقْ"، أو بنون المتكلم المشارك أو المعظم نفسه مثل "نَغْتَبِطْ"، أو بتاء المخاطب، نحو: "إذْ تَشْكُرُ" أو بفعل استثناء كخلا وعدا ولا يكون في نحو: "قاموا ما خلا زيدا"، و"ما عدا عمرا"، و"لا يكون بكرا"، أو بأفعل
стр. 82
التعجب، نحو: "ما أحسن الزيدين" أو بأفعل التفضيل، نحو: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾ ١، أو باسم فعل ليس بمعنى المضي: كـ"نزال"، و"مه"، و"أف"، و"أوَّه"، والثاني: هو الذي يخلفه الظاهر أو الضمير المنفصل، وهو المرفوع بفعل الغائب أو الغائبة أو الصفات المحضة.
قال في التوضيح: هذا تقسيم ابن مالك وابن يعيش وغيرهما، وفيه نظر: إذ الاستتار في نحو: "زيد قام" واجب؛ فإنه لا يقال: "قام هو" على الفاعلية، وأما "زيد قام أبوه" أو "ما قام إلا هو" فتركيب آخر، والتحقيق أن يقال: ينقسم العامل إلى ما لا يرفع إلا الضمير كأقوم، وإلى ما يرفعهما كقام، انتهى.
تنبيه: إنما خص ضمير الرفع بالاستتار لأنه عمدة يجب ذكره، فإن وجد في اللفظ فذاك، وإلا فهو موجود في النية والتقدير، بخلاف ضميري النصب والجر؛ فإنهما فضلة، ولا داعي إلى تقدير وجودهما إذا عدما من اللفظ.
٦١- وذو ارتفاع وانفصال أنا هو ... وأنت والفروع لا تشتبه
"وَذُو ارْتِفَاعٍ وانْفِصَالٍ أنا" للمتكلم، و "هُو" للغائب، "وَأَنْتَ" للمخاطب، "وَالفرُوعُ" عليها واضحة "لا تَشْتَبِهُ" عليك.
٦٢- وذو انتصاب في انفصال جعلا ... إياي والتفريع ليس مشكلا
"وَذُو انْتِصَابٍ فِي انْفِصَالٍ جُعِلاَ، إِيَّايَ" وفروعه، "وَالْتَفْرِيعُ لَيْسَ مُشْكِلاً".
فتلخص أن الضمير على خمسة أنواع: مرفوع متصل، ومرفوع منفصل، ومنصوب متصل، ومنصوب منفصل، ومجرور ولا يكون إلا متصلا.
تنبيه: مذهب البصريين أن ألف "أنا" زائدة، والاسم هو الهمزة والنون، ومذهب الكوفيين -واختاره الناظم- أن الاسم مجموع الأحرف الثلاثة، وفيه خمس لغات ذكرها في التسهيل: فصحاهن إثبات ألفه وقفا وحذفها وصلا، والثانية إثباتها وصلا ووقفا، وهي لغة تميم، والثالثة "هنا" بإبدال همزة هاء، والرابعة "آن" بمدة بعد الهمزة، قال الناظم من قال
стр. 83
"آن" فإنه قلب "أنا" كما قال بعض العرب: "راء" في "رأى" والخامسة "أن" كـ"عن"، حكاها قطرب.
وأما "هو" فمذهب البصريين أنه بجملته ضمير، وكذلك "هي"؛ وأما "هما" و"هم" و"هنَّ" فكذلك عند أبي علي، وهو ظاهر كلام الناظم هنا وفي التسهيل، وقيل: غير ذلك.
وأما "أنت" فالضمير عند البصريين "أن"، والتاء حرف خطاب كالاسم لفظا وتصرفا.
وأما "إياي" فذهب سيبويه إلى أن "إيا" هو الضمير، ولواحقه -وهي الياء من "إياي"، والكاف من "إياك"، والهاء من "إياه"- حروف تدل على المراد به من تكلم أو خطاب أو غيبة، وذهب الخليل إلى أنها ضمائر، واختاره الناظم١.
٦٣- وفي اختيار لا يجيء المنفصل ... إذا تأتي أن يجيء المتصل
"وَفِي اخْتِيَارٍ لاَ يَجِيءُ" الضمير "الْمُنْفَصِل إذا تَأَتَّى أَنْ يَجِيءَ" الضمير؛ "الْمُتَّصِل" لأن الغرض من وضع المضمرات إنما هو الاختصار، والمتصل أخصر من المنفصل، فلا عدول عنه إلا حيث لم يتأت الاتصال؛ لضرورة نظم، كقوله "من البسيط":
٤٦- وَمَا أُصَاحبُ مِنْ قَوْمٍ فأذكُرَهُم ... إلاَّ يَزيدُهُمُ حُبًّا إليَّ هُم
стр. 84
وقوله "من البسيط":
٤٧- بِالْبَاعِثِ الْوَارِثِ الأَمْوَاتِ قَدْ ضَمِنَتْ ... إيَّاهُمُ الأرضُ فِي دهر الدَّهَارِيرِ
الأصل: "إلا يزيدونهم"، و"قد ضمنتهم"، أو تقدم الضمير على عامله، نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ١ أو كونه محصورا بألا أو إنما، نحو: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ٢.
стр. 85
ونحو قوله "من الطويل":
٤٨- أَنَا الذائدُ الْحَامِي الذِّمَار وَإِنَّمَا ... يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي
لأن المعنى: "لا يدافع إلا أنا"، أو كون العامل محذوفا أو معنويا، نحو: "إياك والشر" و"أنا زيد"؛ لتعذر الاتصال بالمحذوف والمعنوي.
٦٤- وصل أو افصل هاء سلنيه وما ... أشبهه في "كنته" الخلف انتمى
٦٥- كذاك خلتنيه واتصالا ... أختار غيري اختار الانفصالا
"وَصِلْ أوِ افْصِلْ هَاء سَلْنِيهِ وَمَا أَشْبَهَهُ" أي: وما أشبه هاء سلنيه، من كل ثاني ضميرين أولهما أخص وغير مرفوع، والعامل فيهما غير ناسخ للابتداء، سواء كان فعلا، نحو: "سلنيه"، و"سلني إياه"، و"الدرهم أعطيتكه"، و"أعطيتك إياه"، والاتصال حينئذٍ أرجح،
стр. 86
قال تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ ١، ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ ٢، ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا﴾ ٣، ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ ٤ ومن الفصل "إن الله ملككم إياهم، ولو شاء لملكهم إياكم" أو اسما نحو: "الدرهم أنا معطيكه"، و"معطيك إياه" والانفصال حينئذٍ أرجح؛ ومن الاتصال قوله "من المتقارب":
٤٩- لئن كَانَ حُبِّك لِي كاذِبا ... لقد كانَ حُبِّيكِ حَقّا يَقِينا
وقوله "من الوافر":
٥٠- "فلا تطمع أبيت اللعن فيها" ... وَمَنْعُكُهَا بِشَيء يُسْتَطَاعُ
стр. 87
وَ"فِي" هاء "كُنْتُهُ" وبابه "الْخلْفُ" الآتي ذكره "انْتَمَى" أي: انتسب، وَ"كَذَاكَ" في هاء "خِلْتَنِيهِ" وما أشبهه، من كل ثاني ضميرين أولهما أخص، وغير مرفوع، والعامل فيهما ناسخ للابتداء، "وَاتِّصَالا أَخْتَارُ" في البابين؛ لأنه الأصل، ومن الاتصال في باب "كان" قوله ﷺ في ابن صياد: "إن يكنه فلن تسلط عليه، وألا يكنه فلا خير لك في قتله" وقول الشاعر "من الطويل":
٥١- "دع الخمر يشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها"
فإن لا يكُنْهَا أَوَ تَكُنْهُ فَإنَّهُ ... أخوهَا غذته أمه بِلِبَانها
стр. 88
وأما الاتصال في باب "خال" فلمشابهة "خلتنيه" و"ظننتكه" بسألتنيه وأعطيتكه، وهو ظاهر، ومنه قوله "من البسيط":
٥٢- بلغْت صُنْعَ امْرِئ بَر إخَالُكَهُ ... إذْ لَمْ تَزَلْ لاِكْتِسَابِ الْحَمْدِ مُبْتَدِرَا
стр. 89
وأما "غَيْرِي" سيبويه والأكثر فإنه "اخْتَارَ الانْفِصَالا" فيهما؛ لأن الضمير في البابين خبر في الأصل، وحق الخبر الانفصال، وكلاهما مسموع، فمن الأول قوله "من الطويل":
٥٣- لَئِنْ كَانَ إيَّاهُ لَقَدْ حَالَ بُعْدُنَا ... عَنْ الْعَهْدِ وَالإنْسَانُ قَدْ يَتَغَيرُ
ومن الثاني قوله "من البسيط":
٥٤- أخِي حَسِبْتُكَ إيَّاهُ وَقَدْ مُلِئَتْ ... أَرجَاءُ صَدْرِكِ بالأَضْغَانِ وَالإحَنِ
стр. 90
تنبيه: وافق الناظم في التسهيل سيبويه على اختيار الانفصال في باب "خلتنيه": قال لأنه خبر مبتدأ في الأصل، وقد حجزه عن الفعل منصوب آخر، بخلاف هاء "كنته"، فإنه خبر مبتدأ في الأصل، ولكنه شبيه بهاء "ضربته" في أنه لم يحجزه إلا ضمير مرفوع، والمرفوع كجزء من الفعل، وما اختاره الناظم هنا هو مختار الرماني وابن الطراوة.
٦٦- وقدم الأخص في اتصال ... وقدمن ما شئت في انفصال
"وَقَدِّم الأَخَصَّ" من الضميرين في الأبواب الثلاثة على غير الأخص منهما، وجوبا "فِي" حال "اتِّصَالِ" فقدم ضمير المتكلم على ضمير المخاطب، وضمير المخاطب على ضمير الغائب كما في "سلنيه"، و"أعطيتكه"، و"كنته"، و"خلتنيه" و"ظننتكه" و"حسبتنيك" ولا يجوز تقديم الهاء على الكاف، ولا الهاء ولا الكاف على الياء في الاتصال، "وَقَدِّمَنْ مَا شِئْتَ" من الأخص وغير الأخص "فِي انْفِصَالِ"، نحو: "سلني إياه" و"سله إياي"، و"الدرهم أعطيتك إياه"، و"أعطيته إياك"، و"الصديق كنت إياه"، و"كان إياي" وهكذا إلى آخره، ومنه: "إن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم".
تنبيه: حاصل ما ذكره أن الضمير الذي يجوز اتصاله وانفصاله هو ما كان خبرا لكان أو
стр. 91
إحدى أخواتها، أو ثاني ضميرين أولهما أخص وغير مرفوع، فخرج مثل الكاف من نحو: "أكرمتك"، ودخل مثل الهاء من نحو قوله:
وَمَنْعُكَهَا بِشَيء يُسْتَطَاعُ
فإن الهاء ثاني ضميرين أولهما -وهو الكاف- أخص، وغير مرفوع؛ لأنه مجرور بإضافة المصدر إليه.
٦٧- وفي اتحاد الرتبة الزم فصلا ... وقد يبيح الغيب فيه وصلا
"وَفِي اتِّحَادِ الْرُّتْبَةِ" وهو أن لا يكون فيهما أخص، بأن يكونا معا ضميري تكلم أو خطاب أو غيبة "الْزَمْ فَصْلا"، نحو: "سلني إياي"، و"أعطيتك إياك"، و"خلته إياه" ولا يجوز: "سلنيني"، ولا "أعطيتكك"، ولا "خلتهه" "وَقَدْ يُبيحُ الْغَيْب" أي: كونهما للغيبة "فِيهِ" أي: في الاتحاد "وَصْلا": من ذلك ما رواه الكسائي من قول بعض العرب: هم أحسن الناس وجوها وأنضرهموما، وقوله "من الطويل":
٥٥- لِوَجْهِكَ فِي الإحْسَانِ بَسْطٌ وَبهْجَةٌ ... أَنَا لَهُمَاهُ قَفْوُ أَكْرَمِ والِدِ
стр. 92
وقوله "من الطويل":
٥٦- وَقَدْ جَعَلتْ نَفْسِي تَطيبُ لِضَغْمَةٍ ... لِضَغْمِهُمَا يَقْرَعُ الْعَظْمِ نَابُهَا
وشرط الناظم لجواز ذلك أن يختلف لفظاهما، كما في هذه الشواهد، قال: فإن اتفقا -في الغيبة، وفي التذكير أو التأنيث، وفي الإفراد أو التثنية أو الجمع ولم يكن الأول مرفوعا- وجب كون الثاني بلفظ الانفصال، نحو: "فأعطاه إياه"، ولو قال: "فأعطاهوه" بالاتصال لم يجز، لما في ذلك من استثقال توالي المثلين مع إيهام كون الثاني تأكيدا للأول، وكذا لو اتفقا في الإفراد والتأنيث، نحو: "أعطاها إياها" أو في التثنية أو الجمع، نحو: "أعطاهما إياهما"، أو "أعطاهم إياهم". أو "أعطاهن إياهن" فالاتصال في هذا وأمثاله ممتنع. هذه عبارته في بعض كتبه، ثم قال: فإن اختلفا وتقاربت الهاءان، نحو: "أعطاهوها" و"أعطاهاه" ازداد الانفصال حسنا وجودة؛ لأن فيه تخلصا من قرب الهاء من
стр. 93
الهاء؛ إذ ليس بينهما فصل إلا بالواو في نحو: "أعطاهوها" وبالألف في نحو: "أعطاهاه" بخلاف "أنضرهموها" و"أنالهماه" وشبهه.
تنبيه: قد اعتذر الشارح عن الناظم في عدم ذكره الشرط المذكور بأن قوله: "وصلا" -بلفظ التنكير- على معنى نوع من الوصل؛ تعريض بأنه لا يستباح الاتصال مع الاتحاد في الغيبة مطلقا، بل يقيد وهو الاختلاف في اللفظ.
"نون الوقاية ومواضعها":
٦٨- وقبل يا النفس مع الفعل التزم ... نون وقاية و"ليسي" قد نظم
"وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ" دون غيرها من المضمرات "مَعَ الفِعْلِ" مطلقا "الْتُزِمْ نُونُ وِقَايَةٍ" مكسورة، نحو: "دعاني"، "ويكرمني"، "وأعطني"، و"قام القوم ما خلاني"، و"ما عداني وحاشاني"، إن قدرتهن أفعالا، و"ما أحسنني إن اتقيت الله"، و"عليه رجلا ليسني"، وندر "ليسي" بغير نون كما أشار إليه بقوله: "وَلَيْسي قَدْ نُظِمْ"، أي: في قوله "من الرجز":
٥٧- "عددت قومي كعديد الطيس" ... إذْ ذَهَبَ الْقَوْمُ الْكِرَامُ لَيْسِي
стр. 94
وجوز الكوفيون "ما أحسني" بناء على ما عندهم من أنه اسم لا فعل؛ وأما نحو: "تأمروني" فالصحيح أن المحذوفة نون الرفع١.
تنبيه: مذهب الجمهور أنها إنما سميت نون الوقاية لأنها تقي الفعل الكسر، وقال الناظم: بل لأنها تقي الفعل اللبس في "أكرمني" في الأمر، فلولا النون لالتبست ياء المتكلم بياء المخاطبة، وأمر المذكر بأمر المؤنثة، ففعل الأمر أحق بها من غيره، ثم حمل الماضي والمضارع على الأمر.
٦٩- و"ليتني" فشا و"ليتي" ندرا ... ومع "لعل" اعكس وكن مخيرا
٧٠- في الباقيات واضطرارا خففا ... مني وعني بعض من قد سلفا
"وَلَيْتَني" بثبوت نون الوقاية "فَشَا" حملا على الفعل؛ لمشابهتها له مع عدم المعارض "وَلَيْتي" بحذفها "نَدَرَا"، ومنه قوله "من الوافر":
٥٨- كَمُنْيَةِ جَابِرٍ إذْ قَالَ لَيْتِي ... "أصادفه وأتلف جل مالي"
стр. 95
وهو ضرورة، وقال الفراء: يجوز "ليتي" و"ليتني" وظاهره الجواز في الاختيار "وَمَعْ لَعَلَّ اعْكِسْ" هذا الحكم؛ فالأكثر "لعلي" بلا نون، والأقل "لعلني" ومنه قوله "من الطويل":
٥٩- فَقُلْتُ أعِيرَانِي الْقَدُومَ لَعَلَّنِي ... أخُطُّ بِهَا قَبْراً لأبْيَضَ مَاجِدِ
ومع قلته هو أكثر من "ليتي" نبه على ذلك في الكافية، وإنما ضعفت "لعل" عن
стр. 96
أخواتها لأنها تستعمل جارة، نحو "من الطويل":
٦٠-
"فقلت ادع أخرى وارفع الصوت جهرة" ... لَعَلَّ أَبِي الْمِغْوَارِ مِنْكَ قَرِيبُ
وفي بعض لغاتها "لعن" -بالنون- فيجتمع ثلاث نونات.
"وَكُنْ مُخَيَّرا فِي" أخوات "ليت" و"لعل" "الْبَاقِيَاتِ" على السواء، فتقول: "إني" و"إنني"، و"كأني" و"كأنني"، و"لكني" و"لكنني" فثبوتها لوجود المشابهة المذكورة، وحذفها لكراهة توالي الأمثال.
"وَاضْطِرَارا خَفَّفَا مِنِّي وَعَنِّي بَعْضُ مَنْ قَدْ سَلَفَا" من العرب، فقال "من الرمل":
٦١-
أَيُّهَا السَّائِلُ عَنْهُمْ وَعَني ... لَسْتُ مِنْ قَيْس وَلاَ قَيْسُ مِنِي
стр. 97
وهو في غاية الندرة، والكثير "مني" و"عني" بثبوت نون الوقاية، وإنما لحقت نون الوقاية من وعن لحفظ البناء على السكون.
٧١-
وفي لدني لدني قل وفي ... قدني وقطني الحذف أيضا قد يفي
"وَفِي لَدُنِّي" بالتشديد "لَدُنِي" بالتخفيف "قَلَّ" أي: لدني -بغير نون الوقاية- قل في "لدني" -بثبوتها- ومنه قراءة نافع: "قد بلغت من لَدُنِي عذرا"١ بتخفيف النون وضم الدال، وقرأ الجمهور بالتشديد.
"وَفِي قَدْنِي وَقَطْنِي" بمعنى حسبي "الْحَذْفُ" للنون "أَيْضا قَدْ يَفِي" قليلا، ومنه قوله جامعا بين اللغتين في "قدني" "من الرجز":
٦٢-
قَدني مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي ... "ليس الإمام بالشحيح الملحد"
стр. 98
وفي الحديث: $ "قط قط بعزتك"، يروى بسكون الطاء، وبكسرها مع الياء ودونها، ويروى "قطني قطني" بنون الوقاية، و"قط قط" بالتنوين، والنون أشهر، ومنه قوله "من الرجز":
٦٣-
امْتَلأَ الحَوْضُ وَقالَ قَطْنِي ... مَهْلا رُوَيْدا قَدْ مَلأْتَ بَطْني
وكون "قد"، و"قط" بمعنى "حسب" في اللغتين هو مذهب الخليل وسيبويه، وذهب
стр. 99
الكوفيون إلى أن من جعلهما بمعنى حسب قال: "قدي"، و"قطي" بغير نون كما تقول: حسبي، ومن جعلهما اسم فعل بمعنى "أكتفى" قال: "قدني" و"قطني" بالنون، كغيرهما من أسماء الأفعال.
خاتمة: وقعت نون الوقاية قبل ياء النفس مع الاسم المعرب في قوله ﷺ لليهود: "فهل أنتم صادقوني؟ "، وقول الشاعر "من الطويل":
٦٤-
وَلَيْسَ بِمُعْيِيني وَفِي الناس ممْتعٌ ... صَدِيقٌ إذَا أعْيَا عَلَيَّ صَدِيقُ
وقوله "من الطويل":
٦٥-
وَلَيْسَ الْمُوافِيني لِيُرفَدَ خائِبا ... فإنَّ لَهُ أَضْعَافَ مَا كَانَ أَمَّلا
стр. 100
للتنبيه على أصل متروك؛ وذلك لأن الأصل أن تصحب نون الوقاية الأسماء المعربة المضافة إلى ياء المتكلم لتقيها خفاء الإعراب، فلما منعوها ذلك نبهوا عليه في بعض الأسماء المعربة المشابهة للفعل.
ومما لحقته هذه النون من الأسماء المعربة المشابهة للفعل أفعل التفضيل في قوله ﷺ : $ "غير الدجال أخوفني عليكم"؛ لمشابهة أفعل التفضيل لفعل التعجب، نحو: "ما أحسنني إن اتقيت الله"، والله أعلم.
стр. 101
الْعَلَمُ:
"تعريف العلم":
٧٢-
اسم يعين المسمى مطلقا ... علمه كجعفر وخرنقا
٧٣-
وقرن وعدن ولاحق ... وشذقم وهيلة وواشق
"اسْمٌ يُعَيِّنُ المسَمَّى" به "مُطْلَقا عَلَمُهُ" أي: علم ذلك المسمى، فاسم: مبتدأ، و"يعين المسمى": جملة في موضع رفع صفة له، ومطلقا: حال من فاعل "يعين"، وهو الضمير المستتر، وعلمه، خبر؛ ويجوز أن يكون "علمه" مبتدأ مؤخرا، و"اسم يعين المسمى" خبرا مقدما، وهو حينئذٍ مما تقدم فيه الخبر وجوبا؛ لكون المبتدأ ملتبسا بضميره، والتقدير: علم المسمى اسم يعين المسمى مطلقا، أي: مجردا عن القرائن الخارجية، فخرج بقوله: "يعين المسمى" النكرات، وبقوله: "مطلقا" بقية المعارف؛ فإنها إنما تعين مسماها بواسطة قرينة خارجة عن ذات الاسم: إما لفظية كأل والصلة، أو معنوية كالحضور والغيبة.
ثم العلم على نوعين: جنسي وسيأتي، وشخصي ومسماه العاقل وغيره، مما يؤلف من الحيوان وغيره "كَجَعْفَرٍ" لرجل "وَخِرْنِقا" لامرأة، وهي أخت طرفة بن العبد لأمه "وَقَرَنٍ" لقبيلة ينسب إليها أويس القرني "وَعَدَنٍ" لبلد "ولاَحِق" لفرس "وشَذْقَمٍ" لجمل "وَهَيْلَةٍ" لشاة "وَوَاشِق" لكلب.
стр. 102
"أقسام العلم":
٧٤-
واسما أتى وكنية ولقبا ... وأخرن ذا إن سواه صحبا
"وَاسما أَتَى" العلم، والمراد به هنا ما ليس بكنية ولا بلقب "وَ" أتى "كُنْيَةً" وهي: ما صدر بأب أو أم: كأبي بكر، وأم هانئ "وَ" أَتى "لَقَبا" وهو ما أشعر برفعة مسماه أو ضعته: كزين العابدين، وبطة "وَأَخِّرَنْ ذا" أي: أخر اللقب "إن سِواهُ" يعني الاسم "صَحِبا" تقول: "جاء زيد زين العابدين"، ولا يجوز: جاء زين العابدين زيد؛ لأن اللقب في الأغلب منقول من غير الإنسان كبطة، فلو قدم لأوهم إرادة مسماه الأول، وذلك مأمون بتأخيره، وقد ندر تقديمه في قوله "من الوافر":
٦٦-
أَنَا ابنُ مُزَيْقِيَا عَمْرو وَجَدِّي ... أَبُوهُ مُنْذِرٌ مَاءُ السَّمَاءِ
وقوله "من البسيط":
٦٧-
بِأَنَّ ذَا الْكَلْبِ عَمْرا خَيرُهُمْ حَسَبا ... بِبَطْنِ شريَانَ يَعْوِي حَوْلَهُ الذِّيبُ
стр. 103
تنبيه: لا ترتيب بين الكنية وغيرها؛ فمن تقديمها على الاسم قوله "من الرجز":
٦٨-
أَقْسَمَ بِاللَّه أَبُو حَفصٍ عُمرْ ... مَا مَسَّهَا مِنْ نَقَبٍ وَلاَ دَبَرْ
ومن تقديم الاسم عليها قوله "من الطويل":
٦٩-
وَمَا اهَتَزَّ عَرشُ اللَّهِ مِنْ أَجَلِ هَالِكٍ ... سَمعنَا بِهِ إلاَّ لِسَعْدٍ أَبي عَمرو
стр. 104
وكذلك يفعل بها مع اللقب. اهـ.
وقد رفع توهم دخول الكنية في قوله: "سواه" بقوله:
٧٥-
وإن يكونا مفردين فأضف ... حتما وإلا أتبع الذي ردف
"وَإِن يَكُونَا" أي: الاسم واللقب "مُفْرَدَيْنِ فَأَضِف" الاسم إلى اللقب "حتما" إن لم يمنع من الإضافة مانع على ما سيأتي بيانه، هذا ما ذهب إليه جمهور البصريين، نحو: "هذا سعيد كرز" يتأولون الأول بالمسمى، والثاني بالاسم، وذهب الكوفيون إلى جواز إتباع الثاني للأول على أنه بدل منه أو عطف بيان، نحو: "هذا سعيد كرز"، و"رأيت سعيدا كرزا"، و"مررت بسعيد كرز"، والقطع: إلى النصب بإضمار فعل، وإلى الرفع بإضمار مبتدأ، نحو: "مررت بسعيد كرزا وكرز"، أي: أعني كرزا، وهو كرز.
"وإِلاَّ" أي: وإن لم يكونا مفردين: بأن كانا مركبين، نحو: "عبد الله أنف الناقة"، أو الاسم، نحو: "عبد الله بطة"، أو اللقب، نحو: "زيد أنف الناقة" امتنعت الإضافة للطول، وحينئذٍ "أَتْبِع الَّذِي رَدِفْ" وهو اللقب للاسم في الإعراب: بيانا، أو بدلا، ولك القطع على ما تقدم، وكذا إن كانا مفردين ومنع من الإضافة مانع كـ"أل" نحو: "الحارث كرز".
стр. 105
٧٦-
ومنه منقول كفضل وأسد ... وذو ارتجال كسعاد وأدد
٧٧-
وجملة وما بمزج ركبا ... ذا إن بغير "ويه" ثم أعربا
٧٨-
وشاع في الأعلام ذو الإضافه ... كعبد شمس وأبي قحافه
"وَمِنْهُ" أي: بعض العلم "مَنقُول" عن شيء سبق استعماله فيه قبل العلمية، وذلك المنقول عنه مصدر "كَفَضْلٍ" وَاسم عين مثل "أَسَدْ" واسم فاعل كحارث، واسم مفعول كمسعود، وصفة مشبهة كسعيد، وفعل ماض كشمر -علم فرس- قال الشاعر "من الطويل":
٧٠- أَبُوكَ حُبَابٌ سَارِقُ الضيفِ بُرْده
وَجَدِّيَ يَا حَجَّاجُ فَارِسُ شَمّرَا
وفعل مضارع كيشكر، قال الشاعر "من مجزوء البسيط":
٧١-
وَيَشْكُرُ اللَّه لاَ يَشْكُرُهُ
стр. 106
وجملة وستأتي، "وَ" بعضه الآخر "ذُو ارْتِجَالٍ"؛ إذ لا واسطة على المشهور، وذهب بعضهم إلى أن الذي علميته بالغلبة لا منقول ولا مرتجل، وعن سيبويه أن الأعلام كلها منقولة، وعن الزجاج كلها مرتجلة، والمرتجل هو: ما استعمل من أول الأمر علما "كَسُعَادَ" علم امرأة "وَأُدَدْ" علم رجل "وَ" عن المنقول ما أصله الذي نقل عنه "جُمْلَةٌ" فعلية والفاعل ظاهر: كبرق نحره، وشاب قرناها؛ أو ضمير بارز: كأطرقا -علم مفازة- قال الشاعر "من المتقارب":
٧٢-
عَلَى أَطْرِقَا بَالِيَاتِ الخِيَام ... "إلا الثمام وإلا العصي"
أو مستتر: كيزيد، في قوله "من الرجز":
٧٣-
نُبِّئْتُ أَخْوَالِي بَنِي يَزِيدُ ... ظُلْما عَلَيْنَا لَهُمْ فَدِيدُ
стр. 107
ومنه إصمت -علم مفازة- قال الشاعر "من البسيط":
٧٤-
أَشْلَى سَلُوقِيَّةً بَاتَتْ وَبَاتَ بِهَا ... بِوَحْشِ إصْمِتَ فِي أَصْلاَبِهَا أَوَدُ
стр. 108
تنبيه: حكم العلم المركب تركيب إسناد -وهو المنقول من جملة- أن يحكى أصله، ولم يرد عن العرب علم منقول من مبتدأ وخبر، لكنه بمقتضى القياس جائز، اهـ.
"وَ" من العلم "مَا بِمَزْجٍ رُكِّبَا" وهو: كل اسمين جعلا اسما واحدا، منزلا ثانيهما من الأول منزلة تاء التأنيث مما قبلها، نحو: بعلبك، وحضرموت، ومعد يكرب، وسيبويه، و"ذَا" المركب تركيب مزج "إِنْ بِغَيْرَ "وَيْهِ" "تَمَّ"" أي" ختم "أُعْرِبَا" إعراب ما لا ينصرف على الجزء الثاني، وقد يبنى ما تم بغير "ويه" على الفتح تشبيها بخمسة عشر، وقد يضاف صدره إلى عجزه. والأول هو الأشهر؛ أما المركب المزجي المختوم بويه كسيبويه وعمرويه، فإنه مبني على الكسر؛ لما سلف، وقد يعرب غير منصرف كالمختوم بغير "ويه".
"وَشَاعَ فِي الأَعْلاَمِ ذُو الإضَافَهْ" وهو: كل اسمين جعلا اسما واحدا، منزلا ثانيهما من الأول منزلة التنوين، وهو على ضربين: غير كنية "كَعَبْدِ شَمْسٍ"، وَكنية، مثل "أَبِي قُحَافَهْ" وإعرابه إعراب غيره من المتضايفين.
"علم الجنس":
٧٩-
ووضعوا لبعض الأجناس علم ... كعلم الأشخاص لفظا وهو عم
٨٠-
من ذاك أم عريط للعقرب ... وهكذا ثعالة للثعلب
٨١-
ومثله برة للمبره ... كذا فجار علم للفجره
"وَوَضَعُوا لِبْعضِ الأَجْنَاسِ" التي لا تؤلف غالبا كالسباع والوحوش والأجناس "عَلَمْ" عوضا عما فاتها من وضع الأعلام لأشخاصها لعدم الداعي إليه، وهذا هو النوع الثاني من نوعي العلم، وهو "كَعَلَمِ الأشْخَاصِ لَفْظَا"؛ فلا يضاف، ولا يدخل عليه حرف التعريف، ولا ينعت بالنكرة، ويبتدأ به، وتنصب النكرة بعده على الحال، ويمنع من الصرف مع سبب آخر غير العلمية كالتأنيث في "أسامة"، و"ثعالة"، ووزن الفعل في "بنات أوبر"، و"ابن آوى"، والزيادة في "سبحان" علم التسبيح، و"كيسان" علم على الغدر.
وعلم: مفعول بوضعوا، ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة. ولفظا: تمييز، أي: العلم الجنسي كالعلم الشخصي من حيث اللفظ.
"وَهْوَ" من جهة المعنى "عَم" وشاع في أمته؛ فلا يختص به واحد دون آخر، ولا
стр. 109
كذلك علم الشخص، لما عرفت، وهذا معنى ما ذكره الناظم في باب النكرة والمعرفة من شرح التسهيل من أن "أسامة" ونحوه: نكرة معنى، معرفة لفظا، وأنه في الشياع كأسد. وهو مذهب قوم من النحاة، لكن تفرقة الواضع بين اسم الجنس وعلم الجنس في الأحكام اللفظية تؤذن بالفرق بينهما في المعنى أيضا، وفي كلام سيبويه الإشارة إلى الفرق، فإن كلامه في هذا حاصله أن هذه الأسماء موضوعة للحقائق المتحدة في الذهن، ومثله بالمعهود بينه وبين مخاطبه، فكما صح أن يعرف ذلك المعهود باللام، فلا يبعد أن يوضع له علم.
قال بعضهم: والفرق بين "أسد" و"أسامة" أن أسدا موضوع للواحد من آحاد الجنس لا بعينه في أصل وضعه، و"أسامة" موضوع للحقيقة المتحدة في الذهن، فإذا أطلقت "أسدا" على واحد أطلقته على أصل وضعه، وإذا أطلقت "أسامة" على واحد فإنما أردت الحقيقة، ولزم من إطلاقه على الحقيقة باعتبار الوجود التعدد، فجاء التعدد ضمنا، لا باعتبار أصل الوضع، قال الأندلسي شارح الجزولية: وهي مسألة مشكلة.
"مِنْ ذَاك" الموضوع علما للجنس "أَمُّ عِرْيَطٍ" وشبوة "لِلعَقْرَبِ وَهكَذا ثُعَالَةٌ" وأبو الحصين "لِلْثَعْلَبِ"، وأسامة وأبو الحارث للأسد، وذؤالة وأبو جعدة للذئب، "وَمِثْلُهُ بَرَّةُ" علم "لِلمَبَرَّه" بمعنى البر، و"كَذَا فَجَارِ" بكسر كحذام "عَلَمٌ لِلْفَجرَهْ" بمعنى الفجور، وهو: الميل عن الحق، وقد جمعهما الشاعر في قوله "من الكامل":
٧٥-
إنَّا اقتَسَمْنَا خُطَّتَيْنا بَيْنَنَا ... فَحَمَلْتُ بَرَّةَ وَاحْتَمَلْتَ فَجَار
стр. 110
ومثله "كيسان" علم على الغدر، ومنه قوله "من الطويل":
٧٦-
إذَا مَا دَعَوْا كَيْسانَ كَانَت كُهُولُهُم ... إلى الغَدْرِ أدنى مِنْ شَبَابِهُمُ المُردِ
وكذا "أم قشعم" للموت، و"أم صبور" للأمر الشديد.
فقد عرفت أن العلم الجنسي يكون للذوات والمعاني، ويكون اسما وكنية.
خاتمة: قد جاء علم الجنس لما يؤلف كقولهم للمجهول العين والنسب: "هيان بن بيان" وللفرس: "أبو المضاء"، وللأحمق: "أبو الدغفاء"، وهو قليل.