وأما زرقم وبابه –نحو: ستهم، ودلقم، وضرزم، وفسحم، ودردم –فلأنها م الزرقة والسته والاندلاق وهو الخروج، والضرز وهو البخيل – يقال ناقة ضرزة أي قليلة اللبن- والانفساح، والدرد وهو عدم الأسنان، والوصف منه أدْرَد، ودَرِد.
الثالث: أفهم قوله "تأصيلها تحققا" أنهما إذا سبقا ثلاثة لم يتحقق تأصيل جميعها، بل كان في أحدها احتمال، أنه لا يقدم على الحكم بزيادتهما إلا بدليل، وهو خلاف ما جزم به في التسهيل –وهو المعروف- من أن الهمزة والميم إذا سبقا ثلاثة أحرف أحدها يحتمل الأصالة والزيادة؛ أنه يحكم بزيادة الهمزة والميم وأصالة ذلك المحتمل، إلا أن يقوم دليل بخلاف ذلك، ولذلك حكم بزيادة همزة أفعى وأيدع، وميم موسى ومزود، وجاء في ميم مجن عن سيبويه قولان أصحهما أنها زائدة؛ فإن دل الدليل على أصالة الهمزة والميم وزيادة ذلك المحتمل حكم بمقتضاه، كما حكم بأصالة همزة أرطى فيمن قال: أديم مأروط، وهمزة أولق فيمن قال: ألق فهو مألوق كما سبق، وبأصالة ميم مهدد ومأجج، وزيادة أحد المثلين؛ إذ لو كانت ميمه زائدة لكان مفعلا فكان يجب إدغامه، وأجاز السيرافي في مهدد ومأجج أن تكون الميم زائدة، ويكون فكهما شاذا كما فك الأجل في قوله [من الرجز] :
١٢١٧-
ألْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الأَجْلَلِ ... [الواسعِ الفضلِ الوَهُوبِ المُجْزِل]
الرابع: تزاد الهمزة في الاسم أولى كأحمر، وثانية كشأمل، وثالثة كشمأل، ورابعة كحطائط وهو القصيير، وخامسة كحمراء، وسادسة كعقرباء وهي بلد، وسابعة كبرناساء، والبرناساء: الناس.
стр. 1192
والميم تزاد أولى كمرحب، وثانية كدملص، وثالثة كدلمص، ورابعة كزرقم، وخامسا كضارم؛ لأنه من الضبر وهو شدة الخلق، وذهب ابن عصفور إلى أنها في ضُبَارِم أصلية، قال في الصحاح: الضبارم بالضم الشديد الخلق من الأسْد، ا. هـ.
٩٣٣- شرح ابن عقيل
٩٣٣-
كَذَاكَ هَمْزٌ آخِرٌ بَعْدَ أَلِفْ ... أكْثَرَ مِنْ حَرْفَيْنِ لَفْظُهَا رَدِفْ
أي يحكم بزيادة الهمزة أيضا باضطراد إذا وقعت آخرا بعد ألف، قبل تلك الألف أكثر من حرفين، نحو حمراء وعلباء وقرفصاء؛ فخرج بقيد الآخر الهمزة الواقعة في الحشو، وبقيد قبلها ألف الواقعة آخرا وليست بعد ألف؛ فإنه لا يقضي بزيادة هاتين، إلا بدليل كما سبق في حطائط واحبنطأ، وبقيد أكثر من حرفين، نحو: ماء وشاء وكساء ورداء؛ فالهمزة في ذلك ونحوه، أصل أو بدل من أصل، لا زائدة.
تنبيه: مقتضى قوله "أكثر من حرفين" أن الهمزة يحكم بزيادتها في ذلك، سواء قطع بأصالة الحروف التي قبل الألف كلها أم قطع بأصالة الحرفين واحتمل الثالث، وليس كذلك؛ لأن ما آخره همزة بعد ألف بينها وبين الفاء حرف مشدد، نحو: سلاء وحواء، أو حرفان أحدهما لين، نحو: زيزاء وقوباء؛ فإنه محتمل لأصالة الهمزة وزيادة أحد المثلين، أو اللين، وللعكس؛ فإن جعلت الهمزة أصلية كان سلاء فعالا وحواء فعالا من الحواية، وإن جعلت زائدة كان سلا فعلاء وحواء من الحوة؛ فإن تأيد أحد الاحتمالين بدليل حكم به وألغي الآخر، ولذلك حكم على حواء بأنه همزته زائدة إذا لم يصرف، وبأنها أصل إذا صرف، نحو: حواء للذي يعاني الحيات، والأولى في سلاء أن تكون همزته أصلا؛ لأن فعالا في النبات أكثر من فعلاء؛ فلو قال الناظم "أكثر من أصلين" لكان أجود، ا. هـ.
٩٣٤-
وَالنُّون فِي الآخِرِ كالهَمْز وفِي ... نحْوِ غَضَنْفَرٍ أصَالَةً كُفِي
"وَالنُّون فِي الآخِرِ كالهَمْز" أي فيقضى بزيادتها بالشرطين المذكورين في الهمزة، وهما: أن يسبقها ألف، وأن يسبق تلك الألف أكثر من أصلين، نحو: عثمان وغضبان، بخلاف نحو: أمان وزمان ومكان.
стр. 1193
ويشترط لزيادة النون –مع ما ذكر- أن تكون زيادة ما قبل الألف على حرفين ليست بتضعيف أصل؛ فالنون في نحو: جنحان أصل لا زائدة، وهذا الشرط مستفاد من قوله سابقا "واحكم بتأصيل حروف سمسم" وقد اقتضى إطلاقه أنه يقضي بزيادة النون عينا فيما يتوسط فيه بين الألف والفاء حرف مشدد، نحو: حسان ورمان، أو حرف لين، نحو: عقيان وعنوان، وهذا الإطلاق على وفق ما ذهب إليه الجمهور؛ فإنهم يحكمون بزيادة النون في مثل حسان وعقيان إلا أن يدل دليل على أصالتها، بدلالة منع صرف حسان على زيادة نونه في قول الشاعر [من الوافر] :
١٢١٨-
أَلاَ مَنْ مُبْلِغٌ حَسَّانَ عَنِّي ... مُغَلْغَلَةً تَدُبُّ إلى عُكَاظِ
لكنه ذهب في التسهيل والكافية إلى أن النون في ذلك كالهمزة في تساوي الاحتمالين؛ فلا يلغى أحدهما إلا بدليل؛ فكان ينبغي له أن يقيد إطلاقه بذلك، وهذا مذهب لبعض المتقدمين.
وزاد بعضهم لزيادتها آخرا شرطا آخر، وهو أن لا يكون في اسم مضموم الأول مضعف الثاني اسما لنبات، نحو: رمان؛ فجعلها في ذلك أصلا؛ لأن فعالا في أسماء النبات أكثر من فعلان وإلى هذا ذهب في الكافية حيث قال:
فمل عن الفعلان والفعلاء ... في النبت للفعال كالسلاء
ورد بأن زيادة الألف والنون آخرا أكثر من مجيء النبات على فعال. ومذهب الخليل وسيبويه أن نون رمان زائد، قال سيبويه: وسألته –يعني الخليل_ عن الرمان إذا سمي به، فقال: لا أصرفه في المعرفة، وأحمله على الأكثر، إذ لم يكن له معنى يعرف به. وقال
стр. 1194
الأخفش: نونه أصلية مثل قراص وحماض؛ لأن فعالا أكثر من فعلان، يعني في النبات؛ والصحيح ما ذهب إليه، لا لما ذكره بل لثبوتها في الاشتقاق. قالوا: أرض مَرْمَنَة لكثيرة الرمان، ولو كانت النون زائدة لقالوا مَرَمَّة.
"و" النون "في نحو غضنفر" وعقنقل، وقرنفل، وحبنطأ، وورنتل –مما هو فيه متوسط، وتوسطه بين أربعة أحرف بالسوية، وهو ساكن، وغير مدغم– "أصالة كفي" كفي: مجهول، فيه ضمير النون هو المفعول الأول ناب عن الفاعل، وأصالة: نصب بالمفعول الثاني، أي أطردت زيادة النون فيما تضمن القيود المذكورة لثلاثة أمور: أولها أن النون في ذلك واقعة موقع ما تيقنت زيادته كياء سميدع وواو فدوكس، وألف عذافر، وجخادب١. ثانيها: أنها تعاقب حرف اللين غالبا، كقولهم للغليظ الكفين: شرنبث وشرابث، وللضخم جرنفش وجرافش، ولنبت عرنقصان وعريقصان. ثالثها: أن كل ما عرف له اشتقاق أو تصريف وجدت فيه زائدة فيحمل غير عليه، وقد خرج بالقيد الأول النون الواقعة أولا فإنها أصل، نحو: نهشل، إلا أن يقضي بزيادتها دليل كما في نحو: نرجس؛ لأنها لوكانت أصلا لكان وزنه فعلل وهو مفقود. وبالقيد الثاني، نحو: قنطار وقنديل وعنقود وخندريس وعندليب، فإنها أصل إلا أن يقضي دليل بالزيادة، كما في نحو: عنبس –لأنه من العبوس_ وحنظل لقولهم: حظلت الإبل، وعنسل لأنه من العسلان، وعرند لأنه من قولهم: شيء عرد أي صلب، وكنهبل لقولهم فيه: كهبل، ولعدم النظير على تقدير الأصالة. وبالقيد الثالث، نحو: غرنيق وهو السيد الرفيع، وخرنوب، وكنأبيل، فالنون أصلية؛ إذ ليس في اللام فعنيل ولا فعنول ولا فنعليل. وبالرابع، نحو: عجنس فإنه تعارضت فيه زيادة النون مع زيادة التضعيف؛ فغلب التضعيف لأنه الأكثر، وجعل وزنه فعلل كعدبس قال أبو حيان: والذي أذهب إليه أن النونين زائدتان ووزنه فعنل. والدليل على ذلك أنا وجدنا النونين مزيدتين فيما عرف له اشتقاق، نحو: ضفنط وزونك، ألا ترى أنه من الضفاطة والزوك؛ فيحمل ما لا يعرف له اشتقاق على ذلك.
تنبيهات: الأول: بقي مما تزاد فيه النون باطراد ثلاثة مواضع: المضارع كنضرب، والانفعال وفروعه كالانطلاق، والافعنلال كالاحرنجام، وإنما سكت عنها لوضوحها.
стр. 1195
الثاني: إنما لم يذكر التنوين، ونون التثنية والجمع، وعلامة الرفع في الأمثلة الخمسة، ونون الوقاية، ونون التوكيد؛ لأن هذه زيادة متميزة، مقصود الباب تمييز الزيادة المحتاجة إلى تمييز لاختلاطها بأصول الكلمة حتى صارت جزأ منها.
الثالث: اعلم أن النون تزاد أولى، نحو: نضرب، وثانية، نحو: حنظل، وثالثة، نحو: غضنفر، ورابعة، نحو: رعشن، وخامسة، نحو: عثمان، وسادسة، نحو: زغفران، وسابعة، نحو: عبوثران.
٩٣٥-
وَالْتَّاءُ فِي التَّأْنِيْثِ والمُضَارَعَهْ ... ونَحْوِ الاِسْتِفْعَالِ المُطَاوَعَهْ
٩٣٦-
وَالهَاءُ وَقْفَاً كَلِمَهْ وَلَمْ تَرَهْ ... وَاللاَّمُ فِي الإشَارَةِ المُشْتَهِرَهْ
"والتاء" تزاد في أربعة مواضع: "في التأنيث" كضربت، وضاربة، وضربة وأنت وفروعه على المشهور١، "و" في "المضارعة" كتضرب، "و" في "نحو الاستفعال" من المصادر، وذلك الافتعال كالاستخراج والاقتدار، وفروعهما، والتفعيل والتفعال كالترديد والترداد، دون فروعهما، "و" في نحو: "المطاوعة" كتعلم تعلما، وتدحرج تدحرجا، وتغافل وتغافلا، ولا يقضي بزيادتها في غير ما ذكر إلا بدليل.
واعلم أنه قد زيدت التاء أولا وآخرا وحشوا؛ فإما زيادتها أولا فمنه مطرد وقد تقدم، ومنه مقصود على السماع كزيادتها في تنضب، وتنفل، وتدرأ، وتحلئ، وأما زيادتها آخرا فكذلك منه مطرد وقد تقدم، ومنه مقصور عل السماع، كالتاء في نحو: رغبوت ورحموت وملكوت وجبروت، وفي ترتموت وهو صوت القوس عند الرمي؛ لأنه من الترنم، ووزنه تفعلوت، وفي عنكبوت، ومذهب سيبويه أن نون عنكبوت أصل؛ لقولهم في معناه العنكب؛ فهو عند رباعي، وذهب بعض النحاة إلى أنه ثلاثي ونونه زائدة، وأما زيادتها حشوا فلا تطرد إلا في الاستفعال والافتعال وفروعهما، وقد زيدت حشوا في ألفاظ قليلة، ولقلة زيادتها حشوا ذهب الأكثر إلى أصالتها في يستعور، وإلى كونها بدلا من الواو في كلتا.
стр. 1196
"وَالهَاءُ وَقْفَاً كَلِمَهْ وَلَمْ تَرَهْ" أي الهاء من حروف الزيادة كما سبق، إلا أن زيادتها قليلة في غير الوقف، ولم تطرد إلا في الوقف على ما الاستفهامية مجرورة، نحو: "لمه"، وعلى الفعل المحذوف اللام جزما أو وقفا، وعلى كل مبني على حركة لازمة إلا ما تقدم استثناؤه في باب الوقف، وهي واجبة في بعض ذلك، وجائزة في بعضه، وعلى ما تقدم في بابه، وأنكر المبرد زيادتها، وقال: إنها إنما تلحق في الوقف بعد تمام الكلمة للبيان، كما في نحو: ﴿مَالِيَهْ﴾ ١، و"يا زيداه" وللإمكان، كما في نحو: "دعه، وقه" كما قدمته؛ فهي كالتنوين وباء الجر، والصحيح أنها من حروف الزيادة وإن كانت زيادتها قليلة، والدليل على ذلك قولهم في أمات: أمهات، ووزنه فعلهات؛ لأنه جمع أم، وقد قالوا: أمات، والهاء في الغالب فيمن يعقل، وإسقاطها فيما لا يعقل، وقالوا في أم: أمهة، ووزنها فعله’، وأجاز ابن السراج أن تكون أصلية، وتكون فعله مثل قبرة أبهة، ويقوي قوله ما حكاه صاحب كتاب العين من من قولهم: تأمهت أما، بمعنى اتخذت، ثم حذفت الهاء فبقي أم، ووزنه فع؛ فإن جمع أمهة، وأمات جمع أم، وما ذهب إليه ابن السراج ضعيف؛ لأنه خلاف الظاهر، وأما حكاية صاحب العين فلا يحتج بها؛ لما فيه من الخطأ والاضطراب، قال في الفتح: ذاكرت بكتاب العين يوما شيخنا أبا علي؛ فأعرض عنه، ولم يرضه؛ لما فيه من القول المردود والتصريف الفاسد.
وزيدت الهاء في قولهم: "أهرقت الماء؛ فأنا أهريقه إهراقة" والأصل أراق يريق إراقة، وألف أراق منقلبة عن الياء، وأصل يريق يؤريق، ثم أبدلوا من الهمزة هاء، وإنما قالوا: يهريقه، وهو لا يقولون: أأريقه؛ لاستثقالهم الهمزتين، وقالوا أيضا: أهرق الماء يهرقه إهراقا، ولا جواب للمبرد عن زيادتها في أهراق إلا دعوى الغلط من قائله؛ لأنه لما أبدل الهمزة هاء توهم أنها فاء الكلمة؛ فأدخل الهمزة عليها وأسكنها، وادعى الخليل زيادة الهاء في هركولة وأنها هفعولة، وهي العظيمة الوركين؛ لأنها تركل في مشيها، والأكثرون على أصالتها، وأنها فِعَْلَوَْلَة.
وقال أبو الحسن: إنها زائدة في هبلع وهو الأكول، وهجرع وهو الطويل، فهما عنده هفلع؛ لأن الأول من البلع، والثاني من الجرع وهو المكان لسهل، وحجة الجماعة أن
стр. 1197
العرب تقول في الهِجْرَعَيْن: هذا أهجرُ من هذا، أي أطول، وكذلك تقول في هلقامة وهو الأسد والضخم الطويل أيضا، ويجوز أن تكون زائدة في سهلب وهو الطويل لأن السلب أيضا الطويل، يقال: قرن سهلب١ وسلب أي طويل، ويجوز أن يكون من باب سبطر وسبط.
تنبيه: التحقيق أن لا تذكر هاء السكت مع حروف الزيادة لما تقدم.
"وَاللاَّمُ فِي الإشَارَةِ المُشْتَهِرَهْ" أي من حروف الزيادة واللام، والقياس يقتضي أن لا تزاد لبعدها من حروف المد؛ فلهذا كانت أقل الحروف زيادة ولم تطرد زيادتها إلا في الإشارة، نحو: ذلك وتلك وهناك، وأُولَالِك، وما سواها فبابه السماع، وقد سمع من كلامهم قولهم في عبد: عبدل، وفي الأفجح –وهو المتباعد الفخذين-: فحجل، وفي الهيق- وهو الظليم-: هيقل، وفي الفيشة –وهي الكمرة-: فيشلة، والطيس –وهو الكثير-: طيسل، ونقل عن أبي الحسن أن لام عبدل أصل، وهو مركب من عبد الله كما قالوا: عبشمي، ويبعده قولهم في زيد: زيدل، على أنه قال في الأوسط: اللام تزاد في عبدل وحده، وجمعه عبادلة؛ فيكون له قولان، نعم البواقي يحتمل أن تكون من مادتين كسبط وسبطر.
تنبيهان: الأول: حق لام أن لا تذكر مع أحرف الزيادة؛ لما قلناه في هاء السكت من أنها كلمة برأسها.
الثاني: ذكر في النظم من أحرف الزيادة تسعة، وسكت عن السين، وهي تزاد باطراد مع التاء في الاستفعال وفروعه، قيل: وبعد كاف المؤنثة وقفا، نحو: أكرمتكس وهي الكسكسة، ويلزم هذا القائل أن يعد شين الكشكشة، نحو: أكرمتكش، والغرض من الإتيان بهما بيان كسرة الكاف؛ فحكمهما حكم هاء السكت في الاستقلال، ولا تطرد زيادتها في غير ذلك، بل تحفظ كسين قدموس بمعنى قديم، وأسطاع يسطيع بقطع الهمزة وضم أول المضارع، فإن أصله عن سيبويه أطاع يطيع، وزيدت السين عوضا عن حركة عين الفعل؛ لأن أصل أطاع أطوع. والعذر للناظم أن السين لا تطرد زيادتها إلا في موضع واحد، وقد
стр. 1198
مثل به في زيادة التاء؛ إذ قال "ونحو الاستفعال" فكأنه اكتفى بذلك، ولهذا قال في الكافية في ذكره زيادة التاء:
ومع سين زيد في استفعال ... وفرعه كاستقص ذا استكمال
ا. هـ.
٩٣٧-
وَامْنَعْ زِيَادَةً بِلاَ قَيْدٍ ثَبَتْ ... إنْ لَمْ تَبَينْ حُجَّةٌ كَحَظِلتْ
"وَامْنَعْ زِيَادَةً بِلاَ قَيْدٍ ثَبَتْ" أي متى وقع شيء من هذه الحروف العشرة خاليا عما قيدت به زيادة فهو أصل "إنْ لَمْ تَبَينْ حُجَّةٌ" على زيادته "كحظلت" الإبل، إذا تأذت من أكل الحنظل؛ فسقوط النون في الفعل حجة على زيادتها في الحنظل، مع أنها خلت من قيد الزيادة وهو كونها آخرا بعد ألف مسبوق بأكثر من أصلين أو واقعة كما هي في، نحو: عضنفر كما سبق بيانه. وقد تقدمت أمثلة كثيرة مما حكم فيه بالزيادة لحجة مع خلوه من قيد الزيادة، فليراجع.
стр. 1199
فصل في زيادة همزة الوصل:
هو من تتمة الكلام على زيادة الهمزة، وإنما أفرده لاختصاصه بأحكام، وقد أشار إلى تعريف همزة الوصل بقوله:
٩٣٨-
لِلوَصلِ هَمْزٌ سَابِقٌ لاَ يَثْبُت ... إلاَّ إذَا ابْتُدِي بِهِ كَاسْتَثْبَتُوا
أي همز الوصل كل همز ثبت في الابتداء وسقط في الدرج، وما يثبت فيهما فهو همز قطع، وقد اشتمل كلامه على فوائد: الأولى: أن همزة الوصل وضعت همزة لقوله "للوصل همز" وهذا هو الصحيح، وقيل: يحتمل أن يكون أصلها الألف، ألا ترى إلى ثبوتها ألفا، في نحو: "الرجل؟ " في الاستفهام لما لم يضطر إلى الحركة. الثانية: أن همزة الوصل لا تكون إلا سابقة؛ لأنه إنما جيء بها وصلة إلى الابتداء بالساكن، إذ الابتداء به متعذر. الثالثة: أنها لا تختص بقبيل، بل تدخل على الاسم والفعل والحرف، أخذ ذلك من إطلاقه، والمثال لا يخصص. الرابعة: امتناع إثباتها في الدرج إلا لضرورة كقوله [من الطويل] :
١٢١٩-
ألاَ لاَ أَرَى إثْنيْنِ أحْسَنَ شِيْمَةً ... عَلَى حَدَثَانِ الْدَّهْرِ مِنِّي وَمِنْ جُمْلِ
стр. 1200
واختلف في سبب تسميتها بهمزة الوصل مع أنها تسقط في الوصل، فقيل: اتساعا، وقيل: لأنها تسقط فيتصل ما قبلها بما بعدها، وهذا قول الكوفيين، وقيل: لوصول المتكلم بها إلى النطق بالساكن، وهذا قول البصريين. وكان الخليل يسميها سلم اللسان.
ثم أشار إلى مواضعها مبتدئا بالفعل لأنه الأصل في استحقاقها لما سأذكره بعد، فقال:
٩٣٩-
وَهْوَ لِفِعْلٍ مَاضٍ احْتَوَى عَلَى ... أكْثَرَ مِنْ أرْبَعَةٍ، نحو انْجَلَى
٩٤٠-
وَالأَمْرِ وَالْمَصْدَرِ مِنْهُ، وَكَذَا ... أَمْرُ الثُّلاَثِي كَاخْشَ وَامْضِ وَانْفُذَا
"وَهْوَ لِفِعْلٍ مَاضٍ احْتَوَى عَلَى أكْثَرَ مِنْ أرْبَعَةٍ" إما بها "نحو انجلى" وانطلق، أو سواها، نحو: استخرج "والأمر والمصدر منه" أي من المحتوى على أكثر من أربعة، نحو: انجلى انجلاء، وانطلق انطلاقا، واستخرج استخراجا. "وكذا أمر الثلاثي" الذي يسكن ثاني مضارعه لفظا، سواء في ذلك مفتوح العين ومكسورها ومضمومها "كَاخْشَ وَامْضِ وَانْفُذَا" فإن تحرك ثاني مضارعه لم يحتج إلى همزة الوصل ولو سكن تقديرا، كقولك في الأمر من مضارعها لفظا، والأكثر في الأمر منها حذف الفاء والاستغناء عن همزة الوصل.
٩٤١-
وَفِي اسْمٍ اسْتٍ ابْنٍ ابْنِمٍ سُمِعْ ... وَاثْنَيْنِ وَامْرِئٍ وَتَأْنِيْث تَبِعْ
٩٤٢-
وأَيْمُنٍ وهمز أل كذا، ويبدل ... مدا في الاستفهام أو يسهل
وَفِي اسْمٍ اسْتٍ ابْنٍ ابْنِمٍ سُمِعْ ... واثنين وامرئ وتأنيث تبع، وايمن
стр. 1201
فهذه عشرة أسماء؛ لأن قوله "وتأنيث تبع" عني به ابنه، واثنتين، وامرأة. ونبه بقوله "سمع" على أن افتتاح هذه الأسماء العشرة بهمز الوصل غير مقيس، وإنما طريقه السماع، وذلك أن الفعل لأصالته في التصرف استأثر بأمور: منها بناء أوائل بعض أمثلته على السكون؛ فإذا اتفق الابتداء بها صدرت بهمزة الوصل للامكان، ثم حملت مصادر تلك الأفعال عليها في إسكان أوائلها واجتلاب الهمز، وهذه الأسماء العشرة ليست من ذلك؛ فكان مقتضى القياس أن تبنى أوائلها على الحركة، ويستغني عن همزة الوصل، وإنما شذت عن القياس لما سأذكره.
أما "اسم" فأصله عند سيبويه سمو كقنو، وقيل: سمو كقفل، فحذفت لامه تخفيفا، وسكن أوله. وقيل: نقل سكون الميم إلى السين، وأتيى بالهمزة توصلا وتعويضا، ولهذا لم يجمعوا بينهما، بل أثبتوا أحدهما فقالوا في النسبة إليه: اسمي، أو سموي، كما عرف في موضعه، واشتقاقه عند البصريين من السمو، وعند الكوفيين من الوسم، ولكنه قلب، فأخرت فاؤه فجعلت بعد اللام، وجاءت تصاريفه على ذلك. والخلاف في هذه المسألة شهير فلا نطيل بذكره.
وأما "است" فأصله ستة؛ لقولهم: ستيهة، وأستاه، و"زيد أسته من عمرو" فحذفت اللام –وهي الهاء- تشبيها بحروف العلة، وسكن أوله، وجيء بالهمزة لما ذكر، وفيه لغتان أخريان: سه بحذف العين فوزنه فل، وست بحذف اللام فوزنه فع. والدليل على كون الأصل ستة بفتح الفاء فتحها في هاتين اللغتين. والدليل على التحريك والفتح في العين ما يذكر في ابن.
وأما "ابن" فأصله بنو كقلم، فعل به ما سبق في اسم واست. ودليل فتح فائه قولهم في جمعه بنون، وفي النسب بنوي بفتحها. ودليل تحريك العين قولهم في جمعه: أبناء، وأفعال إنما هو جمع فعل بتحريك العين. ودليل كونها فتحة كون أفعال في مفتوح العين أكثر منه في مضمونها كعضد وأعضاد، ومكسورها ككبد، وأكباد، والحمل على الأكثر. ودليل كون لامه واوا لا ياء ثلاثة أمور: أحدها: أن الغالب على ما حذف لامه الواو لا الياء. والثاني: أنهم قالوا في مؤنثه بنت فأبدلوا التاء من اللام، وإبدال التاء من الواو أكثر من إبدالها من الياء كما ستعرفه في موضعه. والثالث: قولهم: البنوة، ونقل ابن الشجري في أماليه أن بعضهم ذهب إلى أن المحذوف ياء، واشتقه من: "بنى بامرأته يبني بها"، ولا دليل
стр. 1202
في البنوة؛ لأنها كالفتوة وهي من الياء، ولو بنيت من حميت فعولة لقلت: حموة، وأجاز الزجاج الوجهين.
وأما "ابنم" فهو ابن زيدت فيه الميم للمبالغة، كما زيدت في زرقم. قال الشاعر [من الطويل] :
١٢٢٠-
وَهَلْ لِيَ أُمٌّ غَيْرَهَا إنْ ذَكَرْتُهَا ... أبَى اللَّهُ إلاَّ أنْ أكُوْنَ لَهَا ابْنَمَا
وليست عوضا من المحذوف، وإلا لكان المحذوف في حكم الثابت ولم يحتج لهمزة الوصل.
وأما "اثنان" فأصله ثنيان بفتح الفاء والعين؛ لأنه من ثنيت، ولقولهم في النسبة إليه ثنوي، فحذفت لامه، وسكن أوله، وجيء بالهمز.
وأما "امرؤ" فأصله مرء؛ فخفف بنقل حركة الهمزة إلى الراء، ثم حذفت الهمزة، وعوض عنها همزة الوصل، ثم ثبتت عند عود الهمزة لأن تخفيفها سائغ أبدا؛ فجعل المتوقع كالواقع.
وأما تأنيث ابن واثنين وامرئ؛ فالكلام عليها كالكلام على مذاكرتها، والتاء في ابنة واثنتين للتأنيث كالتاء في امرأة كما أفهمه كلامه، بخلاف التاء في بنت وثنتين فإنها فيهما
стр. 1203
بدل من لام الكلمة؛ إذ لو كانت للتأنيث لم يسكن ما قبلها، ويؤيد ذلك قول سيبويه: لو سميت بهما رجلا لصرفتهما، يعني بنتا وأختا، وإفهام التأنيث مستفاد من أصل الصيغة، لا من التاء.
وأما "ايمُن" المخصوص بالقسم فألفه للوصل عند البصريين، وللقطع عند الكوفيين؛ لأنه عندهم جمع يمين، وعند سيبويه اسم مفرد من اليمن وهو البركة؛ فلما حذفت نونه فقيل: "أيم الله" أعاضوه الهمز في أوله، ولم يحذفوها لما أعادوا النون؛ لأنها بصدد الحذف كما قلنا في امر، وفيه اثنتا عشرة لغة جمعها الناظم في هذين البيتين:
همز أيم وايمن فافتح واكسر أو إم قل ... أو قل مِ أو منُ بالتثليث قد شكلا
وأيمن اختم به، والله كلا أضف ... إليه في قسم تستوف ما نقلا
ثم أشار إلى ما بقي مما يدخل عليه همزة الوصل بقوله: "همز أل كذا" أي همز وصل، ومعرفة كانت أو موصولة أو زائدة، ومذهب الخليل أن همزة "أل" قطع وصلت لكثرة الاستعمال، واختاره الناظم في غير هذا الكتاب، ومثل "أل" "أم" في لغة أهل اليمن.
تنبيهان: الأول: علم من كلامه أن همزة الوصل لا تكون في مضارع مطلقا، ولا في حرف غير "أل"، ولا في ماض ثلاثي ولا رباعي، ولا في اسم إلا مصدر الخماسي والسداسي والأسماء العشرة المذكورة.
الثاني: كان ينبغي أن يزيد "أيم" لغة في "أيمن"؛ فتكون الأسماء غير المصادر اثني عشر؛ فإن قيل: هي أيمن حذفت اللام، يقال: وابنم هو ابن وزيدت الميم، انتهى.
"وَيُبْدَلُ" همز الوصل المفتوح "مَدا فِي الاِسْتِفْهَام" وهو الأرجح "أوْ يُسَهَّلُ" بين الهمزة والألف مع القصر، ولا يحذف كما يحذف المضموم، من نحو قولك: اضطر الرجل، وكما يحذف المكسور، في نحو: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ ١، ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ ٢ لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر، ولا يحقق؛ لأن همز الوصل لا يثبت في الدرج إلا لضرورة كما مر،
стр. 1204
فنقول: آلحسن عندك، وآيمن الله يمينك، بالمد راجحا، وبالتسهيل مرجوحا، ومنه قوله [من الطويل] :
١٢٢١-
أألحقُ– إنْ دَارُ الرَّبَابِ تَبَاعَدَتْ ... أوْ انْبَتَّ حَبْلٌ أَنَّ قَلْبَكَ طَائِرُ
وقد قرئ بالوجهين في مواضع من القرآن، نحو: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ ١، ﴿آلْآنَ﴾ ٢.
خاتمة: في مسائل؛ الأولى: اعلم أن لهمزة الوصل بالنسبة إلى حركتها سبع حالات: وجوب الفتح، وذلك في المبدوء بها "أل". ووجوب الضم، وذلك في نحو: انطلق واستخرج مبنيين للمفعول، وفي أمر الثلاثي المضموم العين في الأصل، نحو: اقتل واكتب، بخلاف امشوا وامضوا. ورجحان الضم على الكسر، وذلك فيما عرض جعل ضمة عينه كسرة، نحو: اغزي، قاله ابن الناظم، وفي تكملة أبي علي أنه يجب إشمام ما قبل ياء المخاطبة وإخلاص ضمة الهمزة، وفي التسهيل أن همزة الوصل تشم قبل الضم المشم. ورجحان الفتح على الكسر، وذلك في "ايمن" و"آيم". ورجحان الكسر على الضم، وذلك
стр. 1205
في كلمة "اسم". وجواز الضم والكسر والإشمام، وذلك في نحو: "اختار" و"انقاد" مبنيين للمفعول. ووجوب الكسر، وذلك فيما بقي، وهو الأصل.
الثانية: قد علم أن همزة الوصل إنما جيء بها للتوصل إلى الابتداء بالساكن؛ فإذا تحرك ذلك الساكن استغني عنها، نحو استتر، إذا قصد ادغام تاء الافتعال فيما بعدها نقلت حركتها إلى الفاء فقيل: ستر١، إلا لام التعريف إذا نقلت حركة الهمزة إليها في نحو: الأحمر فالأرجح إثبات الهمزة، فنقول: "الحمر قائم" ويضعف "لحمر قائم" والفرق أن النقل للإدغام أكثر من النقل لغير الإدغام.
الثالثة: إذا اتصل بالمضمومة شاكن صحيح أو جار مجراه جاز كسره وضمه، نحو: ﴿أَنِ اقْتُلُوا﴾ ٢ ﴿أَوِ انْقُصْ﴾ ٣.
الرابعة: مذهب البصريين أن أصل همزة الوصل الكسر، وإنما فتحت في بعض المواضع تخفيفا، وضمت في بعضها في بعضها اتباعا، وذهب الكوفيون إلى أن كسرها في "اضرب" وضمها في "اسكن" إتباعا للثالث، وأورد عدم الفتح في "اعلم"، وأجيب بأنها لو فتحت في مثله لالتبس الأمر بالخبر، والله اعلم.
стр. 1206
الإبدال:
[الفرق بين الإبدال والقلب والتعويض] :
الغرض من هذا الباب بيان الحروف التي تبدل من غيرها إبدالا شائعا لغير إدغام؛ فإن إبدال الإدغام لا ينظر إليه في هذا الباب؛ لأنه يكون في جميع حروف المعجم إلا الألف، كما أن الزائد للتضعيف لا ينظر إليه في حروف الزيادة لذلك، وأراد الإبدال ما يشمل اختص بحرف العلة والهمزة؛ لأنها تقارب حروف العلة بكثرة التغيير، وذلك كما في "قام" أصله: قوم؛ فألفه منقلبة عن واو في الأصل، وموسى ألفه عن الياء، وراس ألفه عن الهمزة، وإنما لينت لثبوتها؛ فاستحالت ألفا، والبدل لا يختص كما ستراه.
ويخالفهما التعويض؛ فإن العوض يكون في غير موضع المعوض منه كتاء "عدة"، وهمزة "ابن"، وياء "سفيريج"، ويكون عن حرف كما ذكر، وعن حركة كسين "أسطاع" كما تقدم.
وقد ضمن الناظم هذا البا أربعة أحكام من التصريف: الإبدال، والقلب، والنقل، والحذف.
[أحرف الإبدال الشائع] :
وأشار إلى حصر حروف البدل الشائع في التصريف بقوله:
стр. 1207
٩٤٣-
أَحْرُفُ الإبْدَالِ "هَدَأتَ مُوْطِيَا ... فَأَبْدِلِ الْهَمْزَةَ مِنْ وَاوٍ وَيَا
٩٤٤-
آخِرًا اثْرَ ألِفٍ زيدَ، وَفي ... فاعِلِ مَا أُعِلَّ عَيْنَاً ذَا اقْتُفِي
"أَحْرُفُ الإبْدَالِ هَدَأتَ مُوْطِيَا" وخرج بالشائع البدل الشاذ، نحو: إبدال اللام من نون "أصيلان" تصغير "أصيل" على غير قياس كما في "مغرب" و"مغيربان" في قوله [من البسيط] :
١٢٢٢-
وقفْتُ فيها أُصَيْلالًا أُسائِلُها ... أعيَتْ جَوابًا، وما بالربْعِ مِنْ أَحَدِ
стр. 1208
ومن ضاد اضطجع في قوله [من الرجز] :
١٢٢٣-
[لمَّا رأَى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ] ... مَالَ إلَى أَرْطَاةِ حِقْفٍ فَالْطَجَعْ
والقليل، نحو: إبدال الجيم من الياء المشددة في الوقف، كقوله [من الرجز] :
١٢٢٤-
خَالِي عُوَيْفٌ وَأبو عَلِجِّ ... المُطْعِمَانِ اللحْمَ بِالعشِجِّ
وبالغداة كُتَلَ الْبَرْنَجِّ ... يُقْلَعُ وبِالصِّيصِجِّ١
стр. 1209
وربما أبدلت دون وقف، كقولهم في "الأيل": "أجل"، ودون تشديد، كقوله [من الرجز] :
لا همَّ إنْ كُنْتَ قَبِلْتَ حِجَّتِجْ ... فَلاَ يَزَالُ شَاحِجٌ يَأتِيْكَ بِجْ١
أقْمُرنَّهاتٌ يُنَزِّي وَفْرَتِجْ
وتسمى هذه عجعجة قضاعة.
ومعنى "هدأت" سكنت، و"موطيا" من أوطأته جعلته وطيئا؛ فالياء فيه بدل من الهمزة، وذكره الهاء زيادة على ما في التسهيل؛ إذ جمعها فيه في "طويت دائما" ثم إنه لم يتكلم عليها هنا مع عده إياها، ووجهه أن إبدالها من التاء إنما يطرد في الوقف، على نحو:
стр. 1210
"رحمة ونعمة" وذلك مذكور في باب الوقف، وأما إبدالها من غير التاء فمسموع كقولهم "هياك"، و"لهنك قائم"، و"هرقت الماء"، و"هردت الشيء"، و"هرحت الدابة".
تنبيهات: الأول: ذكر في التسهيل أن حروف البدل الشائع –يعني في كلام العرب_ اثنان وعشرون حرفا، وهذه التسعة المذكورة هنا حروف الإبدال الضروري في التصريف؛ فقال: يجمع حروف البدل الشائع في غير إدغام قولك: "لجد صرف شكس آمن طي ثوب عزته"، والضروري في التصريف هجاء "طويت دائما"، وهذا كلامه. فأفهم أن باقي حروف المعجم –وهي الحاء والخاء والذال والظاء والضاد والغين والقاف –قد تبدل على وجه الشذوذ، وقد قال ابن جني في قراءة الأعمش "فَشَرِّذْ بِهِمْ"١ بالذال المعجمة: إن الذال بدل من الدال، كما قالو: لحم خزاذل وخرادل. والمعنى الجامع لهما أنهما مجهوران ومتقاربان، وجرجها الزمخشري على القلب بتقديم اللام على العين من قولهم: "شذر مذر". وأفهم أيضا أن من الشائع ما تقدم من إبدال اللام من النون ومن الضاد، ومن إبدال الجيم من الياء، وكذا إبدال النون من اللام، كقولهم في "الرفل" وهو الفرس الذيال: رفن، ومن الميم كقولهم في "أمغرت الشاة" إذا خرج لبنها أحمر كالمغرة: أنغرت، وينبغي أن لا يسمى ذلك شائعا، بل الشائع في ذلك ما اطرد أو كثر في بعض اللغات كالعجعجة في لغة قضاعة، والعنعنة كقولهم: "ظننت عنك ذاهب"، أي أنك، والكشكشة في لغة تميم، كقولهم في خطاب المؤنث "ما الذي جاء بشِ" يريدون بك، وقراءة بعضهم: "قَدْ جَعَلَ رَبُّشِ تَحْتَشِ سَرِيًّا"٢ والكسكسة في لغة بكر، كقولهم في خطاب المؤنث: "أبوسِ"، و"أمسّ" يريدون "أبوك" و"أمك".
قال في شرح الكافية: وهذا النوع من الإبدال جدير بأن يذكر في كتب اللغة، لا في كتب التصريف، وإلا لزم أن تذكر العين؛ لأن إبدالها من الهمزة المتحركة مطرد في لغة بني تميم، ويسمى ذلك عنعنة، وكان يلزم أيضا أن يذكر الكاف لأن إبدالها من تاء الضمير مطرد، كقول الراجز:
стр. 1211
١٢٢٥-
يا ابْنَ الْزّبَيْرِ طَالَمَا عَصَيْكَا ... وَطَالَمَا عَنَّيْتَنَا إِلَيْكَا
أراد عصيت، وأمثال هذا من الحروف المبدلة من غيرها كثيرة. وإنما ينبغي أن يعد في الإبدال التصريفي ما لو لم يبدل أوقع في الخطأ أو مخالفة الأكثر؛ فالموقع في الخطأ كقولك في مال مول، والموقع في مخالفة الأكثر كقولك في سقاة: سقاية. هذا كلامه.
الثاني: عد كثير من أهل التصريف حروف الإبدال اثني عشر حرفا، وجمعوها في تراكيب كثيرة: منها "طال يوم أنجدته"، وأسقط بعضهم اللام، وعدها أحد عشر، وجمعها في قوله: "أجد طويت منها"، وزاد بعضهم الصاد والزاي، وعدها أربعة عشر، وجمعها في قوله: "أنصت يوم زل طاه جد"، وعدها الزمخشري ثلاثة عشر، وجمعها في "استنجده يوم طال" قال ابن الحاجب: هو وهم؛ لأنه أسقط الصاد والزاي وهما من حروف الإبدال، كقولهم: زراط، وزقر، في صراط وصقر، وزاد السين وليست من حروف الإبدال، فإن
стр. 1212
أورد "اسمع" ورد "اذكر" و"اظلم"؛ لأنه من باب الإدغام، لا من باب الإبدال المجرد، هذا كلامه، قلت: قد أجاز النحاة في "استخذ" أن يكون أصله اتخذ، فأبدلوا من التاء الأولى السين، كما أبدلوا التاء من السين في "ست" إذ أصله سدس، فلعله نظر إلى ذلك. والذي ذكره سيبويه أحد عشر حرفا: ثمانية من حروف الزيادة، وهي ما سوى اللام والسين، وثلاثة من غيرها، وهي الدال والطاء والجيم.
[معرفة الإبدال] :
الثالث: يعرف الإبدال بالرجوع في بعض التصاريف إلى المبدل منه لزوما أو غلبة؛ فالأول نحو: "جدف"، فإن فاءه بدل من ثاء "جدث"؛ لأنهم قالوا في الجمع: أجداث، بالثاء فقط، والثاني، نحو: "أفلط" أي: أفلت، فإن طاءه بدل من التاء؛ لأن التاء أغلب في الاستعمال، وكذا قولهم في لص: لصت، التاء بدل من الصاد؛ لأن جمعه على "لصوص" أكثر من "لصوت".
فإن لم يثبت ذلك في ذي استعمالين فهو من أصلين، نحو: أرخ وورخ، ووكد وأكد؛ لأن جميع التصاريف جاءت بهما، فليس أحدهما بدلا من الآخر.
وقال ابن الحاجب: يعرف البدل بكثرة اشتقاقه كتراث؛ فإن أمثلة اشتقاقه ورث ووارث وموروث، وبقلة استعماله كقولهم "الثعالي" في الثعالب، و"الأراني" في الأرانب، وأنشد سيبويه [من البسيط] :
١٢٢٦-
لَهَا أَشَارِيْرُ مِنْ لَحْمٍ تُتَمِّرُه ... مِن الثَّعَالِي وَوَخزٌ مِنْ أرَانِيْهَا
стр. 1213
قال ابن جني: يحتمل أن يكون "الثعالي" جمع "ثعالة" ثم قلب؛ فيكون كقولهم "شراعي" في شرائع، والذي قاله سيبويه أولى؛ ليكون كأرانيها، وأيضا فإن ثعالة اسم جنس، وجمع أسماء الأجناس ضعيف، يعني بقوله اسم جنس علم جنس.
وبكونه فرعا والحرف زائد كضويرب تصغير ضارب؛ لأنه لما علم الأصل علم أن هذه الواو مبدلة من الألف.
ويكونه فرعا وهو أصل كمويه؛ فإنه تصغير "ما"، فلما صغر على مويه علم أن الهمزة مبدلة من هاء.
وبلزوم بناء مجهول، نحو: "هراق" يحكم بأن أصله أراق؛ لأنه لو لم يكن كذلك لوجب أن يكون وزنه هفعل وهو بناء مجهول.
[إبدال الواو والياء والألف همزة] :
"فَأَبْدِلِ الْهَمْزَةَ مِنْ وَاوٍ وَيَا آخِرًا اثْرَ ألِفٍ زيدَ" أي تبدل الهمزة من الواو والياء وجوبا في أربع مسائل:
الأولى: هذه، وهي: إذا تطرفت إحداهما بعد ألف زائدة، نحو: كساء وسماء ودعاء، ونحو: وبناء وظباء وقضاء، بخلاف نحو: قاول وبايع، وتعاون وتباين، لعدم التطرف، ونحو: غزو وظبي لعدم الألف، ونحو: "واو، وآي" لعدم زيادة الألف؛ لأنها أصلية فيهما فلا إبدال، وإلا لتوالى إعلالان، وهو ممنوع.
تنبيهات: الأول: تشاركهما في ذلك الألف، في نحو: "حمراء" فإن أصلها حمرى
стр. 1214
كسكرى؛ فزيدت الألف قبل الآخر للمد كألف كتاب وغلام، فأبدلت الثانية همزة، فكان الأحسن أن يقول كما قال في الكافية:
من حرف لين آخر بعد ألف ... مزيدٍ أبدل همزة وذا ألف
الثاني: هذا الإبدال مستصحب مع هاء التانيث العارضة، نحو: "بناء وبناءة" فإن كانت هاء التأنيث غير عارضة امتنع الإبدال، نحو: "هداية، وسقاية، وإداوة، وعداوة"؛ لأن الكلمة بنيت على التاء، أي أنها لم تبن على مذكر. قال في التسهيل: وربما صح مع العارضة وأبدل مع اللازم؛ فالأول كقولهم في المثل "اسق رقاش فإنها سقاية"١؛ لأنه لما كان مثلا –والأمثال لا تغير- أشبه ما بني على هاء التأنيث، ومنهم من يقول "فإنها سقاءة" بالهمز كحاله في غير المثل. والثاني كقولهم "صلاءة" في صلاية.
وحكم زيادتي التثنية حكم هاء التأنيث في اسصحاب هذا الإبدال، نحو: "كساءين" و"رداءين" فإن بنيت الكلمة على التثنية امتنع الإبدال، وذلك كقولهم: "عقلته بثنايين" وهما طرفا العقال.
الثالث: قد أورد على الضابط المذكور مثل "غاوي" في النسب٢ إذا رخمته على لغة من لا ينوي؛ فإنك تقول "يا غاو" بضم الواو من غير إبدال، مع اندراجه في الضابط المذكور، وإنما لم يبدل لأنه قد أعل بحذف لامه؛ فلم يجمع فيه بين إعلالين، فلو أتى موضع قوله: "آخر" بـ"لا ما" فقال: "لا ما بإثر ألف زيد" لاستقام.
الرابع: اختلف في كيفية هذا الإبدال؛ فقيل: أبدلت الياء والواو همزة، وهو ظاهر كلام المصنف، وقال حذاق أهل التصريف: أبدل من الواو والياء ألف ثم أبدلت الألف همزة، وذلك أنه لما قيل كساو ورداي تحركت الواو والياء بعد فتحة، ولا حاجز بينهما إلا
стр. 1215
الألف الزائدة وليست بحاجز حصين لسكونها وزيادتها، وانضم إلى ذلك أنهما في محل التغيير وهو الطرف، فقلبا ألفا –حملا على باب عصا ورحا- فالتقى ساكنان، فقلبت الألف الثانية همزة؛ لأنها من مخرج الألف، انتهى.
ثم أشار إلى الثانية بقوله "وفي * فاعل ما أعل عينا ذا اقتفى" أي اتبع، "ذا": إشارة إلى إبدال الواو والياء همزة.
أي يجب إبدال كل من الواو والياء همزة إذا وقعت عينا لاسم فاعل أعلت عين فعله، نحو: "قائل"، و"بائع" الأصل: قاول وبايع، فحملا على الفعل في الإعلال، بخلاف، نحو: عور فهو عاور وعين فهو عاين.
تنبيهات: الأول: هذا لإبدال جاز فيما كان على فاعل وفاعلة، ولم يكن اسم فاعل، كقولهم "جائز" وهو البستان، قال [من الرمل] :
صَعْدَةٌ نَابِتَةٌ فِي جَائِزٍ ... أيْنمَا الرِّيْحُ تُمَيِّلُهَا تَمِلْ١
وكقولهم "جائزة" وهي خشبة تجعل في وسط السقف، وكلام الناظم هنا وفي الكافية لا يشمل ذلك، وقد نبه عليه في التسهيل.
الثاني: اختلف في هذا الإبدال أيضا؛ فقيل: أبدلت الواو والياء همزة كما قال المصنف، وقال الأكثرون: بل قلبتا ألفا، ثم أبدلت الألف همزة كما تقدم في "كساء" و"رداء"، وكسرت الهمزة على أصل التقاء الساكنين، وقال المبرد: أدخلت ألف "فاعل" قبل الألف المنقلبة في قال وباع وأشباههما، فالتقى ألفان وهما ساكنان، فحركت العين لأن أصلها الحركة، والألف إذا تحركت صارت همزة.
الثالث: يكتب نحو: "قائل"، و"بائع" بالياء على حكم التخفيف؛ لأن قياس الهمزة في ذلك أن تسهل بين الهمزة والياء، فلذلك كتبت ياء، وأما إبدال الهمزة في ذلك ياء محضة فنصوا على أنه لحن، وكذلك تصحيح الياء في "بائع". ولو جاز تصحيح الياء في "بائع" لجاز تصحيح الواو في "قائل"، ومن ثم امتنع نقط الياء من "قائل"، و"بائع". قال المظرزي: نقط الياء من "قائل" و"بائع" عامي. قال: ومر بي في بعض تصانيف أبي الفتح
стр. 1216
ابن جني أن أبا علي الفارسي دخل على واحد من المسمين بالعلم، فإذا بين يديه جزء مكتوب فيه "قائل" بنقطتين من تحت، فقال أبو علي لذلك الشيخ: هذا خط من؟ فقال: خطي، فالتفت إلى صاحبه، وقال: قد أضعنا خطواتنا في زيارة مثله، وخرج من ساعته، ا. هـ.
ثم أشار إلى الثالثة بقوله:
٩٤٥-
وَالْمَدُّ زِيدَ ثَالِثاً فِي الوَاحِدِ ... هَمْزًا يُرَى فِي مِثْلِ كالْقَلاَئِدِ
أي يجب إبدال حرف المد الزائد الثالث همزة، إذا جمع على مثال مفاعل، نحو: "رعوفة ورعائف، وقلادة وقلائد، وصحيفة وصحائف، وعجوز وعجائز، وسليق وسلائق، وشمال وشمائل"، بخلاف نحو؛ "قسورة وقساور" لعدم المد، وبخلاف نحو: "مفازة ومفاوز، ومعيشة ومعايش، ومثوبة ومثاوب" لعدم الزيادة، وشذ "مصائب، ومنائر" والأصل مصاوب ومناور، وقد نطق فيهما بهذا الأصل، وبخلاف نحو: "صيرف وعوسج وحائط ومفتاح وقنديل ومكوك" لعدم كونه ثالثا.
ثم أشار إلى الرابعة بقوله:
٩٤٦-
كَذَاكَ ثَانِي لَيِّنيْنِ اكْتَنَفَا ... مَدّ مَفَاعِلَ كَجَمْعِ نَيِّفَا
نيفا: نصب على المفعول به بالمصدر المنون وهو جمع، وأضافه في الكافية للفاعل فقال "كجمع شخص نيفا".
أي: يجب أيضا إبدال كل من الواو والياء همزة إذا وقع ثاني حرفين لينين بينهما ألف مفاعل، سواء كان اللينان ياءين كنيائف جمع نيف، أو واوين كأوائل جمع أول، أو مختلفين كسيائد جمع سيد وأصله سيود، وصوائد جمع صائد، والأصل سياود وصوايد.
واعلم أن ما اقتضاه إطلاق الناظم هو مذهب الخليل وسيبويه ومن وافقهما، وذهب الأخفش إلى أن الهمزة في الواوين فقط، ولا يهمز في الياءين، ولا في الواو مع الياء،
стр. 1217
فيقول: نيايف وسياود وصوايد، على الأصل، وشبهته أن الإبدال في الواوين إنما كان لثقلهما، ولأن لذلك نظيرا، وهو اجتماع الواوين أول كلمة، وأما إذا اجتمعت الياآان أو الياء والواو فلا إبدال؛ لأنه إذا التقت الياآان أو الياء والواو أول كلمة فلا همز، نحو: "يَيَن ويَوم" اسم موضع١.
واحتج أيضا بقول العرب في جمع "ضيون" –وهو ذكر السنانير- ضياون من غير همز، والصحيح ما ذهب إليه الأولان للقياس والسماع؛ أما القياس فلأن الإبدال في نحو: "أوائل" إنما هو بالحمل على "كساء" و"رداء"؛ لشبهه به من جهة قربه من الطرف، وهو في "كساء" و"رداء" لا فرق بين الياء والواو، فكذلك هنا. وأما السماع فحكى أبو زيد في سيقة سيائق، بالهمزة، وهو فعيلة١ من ساق يسوق. وحكى الجوهري في تاج اللغة جيد وجيائد، وهو من "جاد"، وحكى أبو عثمان عن الأصمعي في جمع "عيل": عيائل. وأما ضياون فشاذ مع أنه لما صح في واحده صح في الجمع فقالوا: ضياون كما قالوا: ضيون، وكان قياسه ضين، والصحيح أنه لا يقاس عليه.
تنبيهات: الأول: فهم من قوله "مد مفاعل" اشتراط اتصال المد بالطرف، فلو فصل بمدة شائعة ظاهرة أو مقدرة فلا إبدال؛ فالأولى نحو: طواويس، والثانية نحو، قوله [من الرجز] :
١٢٢٧-
وَكَحَلَ الْعَيْنَيْنِ بِالْعَوَاوِر
أراد بالعواوير، لأنه جمع عوار، وهو الرمد، فحذفت الياء ضرورة؛ فهي في تقدير الموجودة. أما الفصل بمدة غير شائعة فلا أثر له، ويجب الإبدال كقوله [من الرجز] :
стр. 1218
١٢٢٨-
فِيْهَا عَيَائِيْلُ أُسُوْدٍ وَنُمُر
الأصل عيائل، لكنه أشبع الهمزة اضطرارا فنشأت الياء، كقوله [من البسيط] :
[تَنْفِي يَدَاها الحصَى في كلِّ هاجِرَة ... نَفْيَ الدَّراهِم] تنقاد الصياريف١
لأنه جمع عيل واحد العيال. قال الصغاني: واحد العيال عيل، والجمع عيائل مثل جيد وجيائد.
الثاني: لا يختص هذا الإبدل بتالي ألف الجمع، كما أوهمه كلامه، بل لو بنيت من القول مثل عوارض قلت "قوائل" بالهمز، هذا مذهب سيبويه والجمهور، وعليه مشى في التسهيل، وخالف الأخفش والزجاج فذهبا إلى منع الإبدال في المفرد لخفته.
الثالث: حكم هذه الهمزة في كتابتها ياء ومنع النقط كما سبق في "قائل" و"بائع".
ثم أشار إلى تقييد ما أطلقه من الحكم في الهمز المبدل مما بعد ألف مفاعل في النوعين المذكورين – أعني ما استحق الهمز لكونه مدا مزيدا في الواحد، وما استحق الهمز لكونه ثاني لينين اكتنفا مد "مفاعل"- بقوله:
٩٤٧-
وَافْتَحْ وَرُدَّ الْهَمْزَ يَا فِيْمَا أُعِلْ ... لاَمَاً، وَفِي مِثْلِ هِرَاوَةٍ جُعِلْ
стр. 1219
"وَافْتَحْ وَرُدَّ الْهَمْزَ يَا فِيْمَا أُعِلْ لاَمًا" فالألف واللام في الهمز للعهد، أي يجب في هذين النوعين إذا اعتلت لامها أن يخففا بإبدال كسرة الهمزة فتحة، ثم إبدالها ياء فيما لامه همزة أو ياء أو واو ولم تسلم في الواحد.
فالنوع الأول مثال ما لامه همزة منه خطيئة وخطايا، ومثال ما لامه ياء منه هدية وهدايا، ومثال ما لامه واو منه لم تسلم في الواحج مطية ومطايا.
فأصل خطايا خطاييء بياء مكسورة وهي ياء خطيءة وهمزة بعدها هي لامها، ثم أبدلت الياء همزة علىحد الإبدال في صحائف فصار خطائئ بهمزتين، ثم أبدلت الثانية ياء؛ لما سيأتي من أن الهمزة المتطرفة بعد همزة تبدل ياء وإن لم تكن بعد مكسورة، فما ظنك بها بعد المكسورة؟ ثم فتحت الأولى تخفيفا، ثم قلبت الياء ألف لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار خطاءا بألفين بينهما همزة، والهمزة تشبه الألف، فاجتمع شبه ثلاث ألفات، فأبدلت الهمزة ياء فصار خطايا، بعد خمسة أعمال.
وأصل هدايا هدايي بياءين الأولى ياء فعيلة والثانية لام هدية، ثم أبدلت الأولى همزة كما في صحائف، ثم قلبت كسرة الهمزة فتحة، ثم قلبت الياء ألفا، ثم قلبت الهمزة ياء فصار هدايا، بعد أربعة أعمال.
وأصل مطايا مطايو –لأن أصل مفرده وهو مطية مطيوة فعيلة من المطا وهو الظهر، أبدلت الواو ياء، وأدغمت الياء فيها على حد ما فعل بسيد وميت- فقلبت الواو ياء لتطرفها بعد كسرة كما في الغازي والداعي، ثم قلبت الياء الأولى همزة كما في صحائف، ثم أبدلت الكسرة فتحة، ثم الياء ألفا، ثم الهمزة ياء، فصار مطايا، بعد خمسة أعمال.
وإن كانت الهمزة أصلية سلمت، نحو: المرآة والمرائي؛ فإن الهمزة موجودة في المفرد؛ فإن المرآة مفعلة من الرؤية، فلا تغير في الجمع، وشذ مرايا كهدايا سلوكا بالأصلي مسلك العارض، كما شذ عكسه وهو السلوك بالعارض مسلك الأصلي في قوله [من الطويل] :
فما برحت أقدامنا في مكاننا ... ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا١
وقول بعض العرب: اللهم اغفر لي خطائئي، بهمزتين.
والنوع الثاني مثاله زاوية وزواها، أصله زوائي، بإبدال الواو همزة لكونها ثاني لينين
стр. 1220
اكتنفا مد مفاعل، ثم خفف بالفتح فصار زواءي؛ ثم قلبت الياء ألفا فصار زواءا، ثم قلبت الهمزة ياء، على نحو ما تقدم في هدايا.
تنبيه: أدرج الناظم هنا الهمزة في حروف العلة، حسبما حمل الشارح كلامه على ذلك، ولكنه غاير بينهما في التسهيل. وفي الهمزة ثلاثة أقوال: أحدها حرف صحيح، والثاني حرف علة، وإليه ذهب الفارسي، والثالث أنها شبيهة بحرف العلة، انتهى.
وأشار بقوله: "وَفِي مِثْلِ هِرَاوَةٍ جُعِلْ وَاوًا" إلى أن المجموع على مثال مفاعل إذا كانت لامه واوا لم تعل في الواحد، بل سلمت فيه كواو هراوة، جعل موضع الهمزة في جمعه واو، فيقال: هراوي، والأصل هرائو، بقلب ألف هراوة همزة، ثم هرائي، بقلب الواو ياء لتطرفها بعد الكسرة، ثم خففت بالفتح فصار هراءي، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار هراءا، فكرهوا ألفين بينهما همزة لما سبق، فأبدلوا الهمزة واوا؛ طلبا للتشاكل؛ لأن الواو ظهرت في واحده رابعة بعد ألف، فقصد تشاكل الجمع لواحده فصار هراوي، بعد خمسة أعمال.
تنبيهات: الأول: إنما ترد الهمزة ياء فيما أعل لاما من الجمع المذكور إذا كانت عارضة كما رأيت، فإن كانت أصلية سلمت.
الثاني: شذ جعل الهمزة واوا فيما لامه ياء، وذلك قولهم في هدايا: هداوي، وفيما لامه واو أعلت في الواحد، وذلك قولهم في مطايا: مطاوي، وقاس الأخفش على هداوي، وهو ضعيف؛ إذ لم ينقل منه إلا هذه اللفظة
الثالث: مذهب الكوفيين أن هذه الجموع كلها على وزن "فعالي" صحت الواو في هراوي كما صحت في المفرد، وأعلت في مطايا كما أعلت في المفرد، وهدايا على وزن الأصل، وأما خطايا فجاء على خطية بالإبدال والإدغام على وزن هدية. وذهب البصريون إلى أنها فعائل، حملا للمعتل على الصحيح، ويدل على صحة مذهب البصريين قوله:
حَتَّى أُزِيرُوَا المَنَائِيَا
وأما ما نقل عن الخليل من أن خطايا وزنها فعالى فليس كقول الكوفيين؛ لأن الألف عندهم للتأنيث، وعنده بدل من المدة المؤخرة، وذلك لأنه يقول: إن مدة الواحد لا تبدل
стр. 1221
في هذا همزة؛ لئلا يلزم اجتماع همزتين، بل تقلب بتقديم الهمزة على الياء، فيصير خطائي، ثم يعل كما تقدم، انتهى.
٩٤٨-
وَاوًا وهَمْزَاً أوَّلَ الْوَاوَيْنِ رُدْ ... فِي بَدْءِ غَيْرِ شِبْهِ ووُفِي الأشدْ
وهَمْزَاً أوَّلَ الْوَاوَيْنِ رُدْ ... فِي بَدْءِ غَيْرِ شِبْهِ ووُفِي الأشدْ
أي هذه المسألة خامسة اختصت بها الواو، يعني أن لكل كلمة اجتمع في أولها واوان فإن أولاهما يجب إبدالها همزة، بشرط أن لا تكون الثانية منهما مدة غير أصلية.
فخرج أربع صور:
الأولى: أن تكون الثانية مدة بدلا من ألف فاعل، نحو: "ووفي الأشد"، و ﴿وُورِيَ عَنْهُمَا﴾ ١.
والثانية: أن تكون مدة بدلا من همزة، كالوولي مخفف الوؤلي بواو مضمومة فهمزة، وهي أنثى الأوأل، أفعل تفضيل من "وأل" إذا لجأ.
والثالثة: أن تكون عارضة، كأن تبني من الوعد مثال فوعل ثم ترده إلى ما لم يسم فاعله.
والرابعة: أن تكون زائدة، كأن تبني من الوعد مثال طومار، فتقول: ووعاد؛ فهذه الصور الأربعة لا يجب فيها الإبدال، بل يجوز.
وخالف قوم في الرابعة فأوجبوا الإبدال؛ لاجتماع واوين، وكون الثانية غير مبدلة من زائد؛ فإن الضمة التي قبلها غير عارضة، وإلى هذا ذهب ابن عصفور، واختار المصنف القول بجواز الوجهين؛ لأن الثانية وإن كان مدها غير متجدد، لكنها مدة زائدة؛ فلم تخل عن الشبه بالألف المنقلبة.
ودخل صورتان يجب فيهما الإبدال:
الأولى: أن تكون غير مدة، نحو، قولك في جمع الأولى أنثى الأول: أول، والأصل وول، وقولك في جمع واصلة وواقية: أواصل وأواق، والأصل وواصل ووواق،
стр. 1222
بواوين: أولاهما فاء الكلمة والثانية بدل من ألف فاعلة، كما تبدل في التصغير، نحو: أويصل وأويق، وكذا لو بنيت من الوعد مثال كوكب قلت: أوعد، والأصل ووعد.
والثانية: أن تكون مدة أصلية، نحو: الأولى أنثى الأول، أصلها وولى، بواوين أولاهما فاء مضمومة والثانية عين ساكنة.
وإنما وجب الإبدال حينئذ كراهة ما لا يكون في أول الكلمة من التضعيف إلا نادرا كددن.
وخرج بتقييده بالبدء، نحو: هووي ونووي.
تنبيهات: الأول: ظهر أن في كلام المصنف أمورا؛ أحدها: أنه يوهم قصر المستثنى، على نحو: "ووفي" مما مدته زائدة بدل من ألف فاعل، وأن ما سواه مما مدته زائدة يجب فيه الإبدال، وليس كذلك كما عرفت. ثانيها: أنه يوهم أيضا أن المستثنى ممتنع الإبدال، وليس كذلك؛ لما عرفت أن الصور الأربع المخرجة يجوز فيها الإبدال. ثالثها: أن كلامه ليس صريحا في وجوب الإبدال فيما يجب فيه مما سبق، فلو قال:
وواوًا وهمزًا بدءُ واوي مبدا ... حتما سوى ما الثانِ طارٍ مدا
لخلص من ذلك كله؛ لما عرفت.
الثاني: زاد في التسهيل لوجوب الإبدال شرطا آخر، وهو أن لا يكون اتصال الواوين عارضا بحذف همزة فاصلة، مثال ذلك أن تبني افعوعل من الوأي؛ فتقول: اياوأى، والأصل اوأوأى، فقلبت الواو الأولى ياء لسكونها بعد كسرة، وقلبت الياء الأخيرة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ فإذا نقلت حركة الهمزة الأولى إلى الياء الساكنة قبلها حذفت همزة الوصل للاستغناء عنها، ورجعت الياء إلى أصلها وهو الواو لزوال موجب قلبها؛ فتصير الكلمة إلى ووأي، فقد اجتمع واوان أول الكلمة، لا يجب الإبدال، ولكن يجوز الوجهان، وكذلك لو نقلت حركة الهمزة الثانية إلى الواو فصارت "ووا" جاز الوجهان وفاقا للفارسي. قيل: وذهب غيره إلى وجوب الإبدال في ذلك، سواء نقلت الثانية أم لا.
الثالث: بقي مما تبدل منه الهمزة خمسة أشياء:
أحدها: الواو المضمومة ضمة لازمة غير مشددة، ولا موصوفة بموجب الإبدال السابق.
стр. 1223
ثانيها: الياء المكسورة بين ألف وياء مشددة.
ثالثها: الواو المكسورة المصدرة.
رابعها وخامسها: الهاء والعين.
وقد ذكرهن في التسهيل، وإنما لم يذكر هذه الخمسة هنا لأن إبدال الهمزة منها جائز لا واجب، وإنما تعرض هنا للواجب، وإن تعرض لغيره فعلى سبيل الاستطراد.
فأما إبدلها من الواو المضمومة المذكورة فحسن مطرد، نحو: أجوه جمع وجه، وأدؤر جمع دار، وأنؤر جمع نار، الأصل: وجوه وأدور، وأنور، ونحو: سؤوق جمع ساق، وغؤوق مصدر غار الماء يغور غورا وغؤورا، وليس القلب في هذا لاجتماع الواوين؛ لأن الثانية مدة زائدة.
والاحتراز بالمضمومة عن المكسورة والمفتوحة، وسيأتي الكلام عليهما.
وبكون الضمة لازمة من ضمة الإعراب، نحو: هذه دلو، وضمة التقاء الساكنين، نحو: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ ١، و ﴿لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ ٢.
والاحتراز بغير مشددة، من نحو: التعوذ والتحول؛ فإنه لا يبدل فيه.
والاحتراز بالقيد الأخير، من نحو: أواصل وأواق؛ فإن ذلك واجب كما مر.
وأما إبدالها من الياء المذكورة فنحو؛ "رائي وغائي" في النسب إلى راية وغاية، الأصل رايي وغايي، بثلاث ياءات؛ فخفف بقلب الأولى همزة.
وأما إبدالها من الواو المكسورة المصدرة؛ فنحو إشاح وإفادة وإسادة في وشاح ووفادة ووسادة، وقرأ أبي وابن جبير والثقفي "مِنْ إِعَاءِ أَخِيهِ"٣، ورأى أبو عثمان ذلك مطردا مقيسا، وقصره غيره على السماع، والاحتراز بالمصدرة، عن نحو: واو "طويل" فلا تقلب؛ لأن المكسورة أخف من المضمومة؛ فلم تقلب في كل موضع، والوسط أبعد من التغيير، وأما الواو المفتوحة فلا تقلب لخفة الفتحة، إلا ما شد من قولهم: "امرأة أناة" والأصل وناة؛ لأنه من الونية وهو البطء. قال ابن السراج: و"أسماء" اسم امرأة؛ لأنه في
стр. 1224
الأصل وسماه من الوسامة وهو الحسن، و"أحد" المستعمل في العدد أصله وحد من الوحدة، بخلاف أحد في "ما جاءني أحد" فقيل: همزته أصلية؛ لأنه ليس بمعنى الوَحْدَة.
[إبدال الهاء والعين همزة] :
وأما إبدال الهمزة من الهاء والعين فقليل؛ فمن إبدالها من الهاء قولهم: "ماء" والأصل ماء، وأصل ماه موه، بدليل: أمواه، ومويه؛ فتحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وإعلال حرفين متلاصقين من الشاذ، ومن ذلك أيضا قولهم: "أل فعلت؟ وألا فعلت" بمعنى هل فعلت وهلا فعلت، ومن إبدالها من العين قوله [من الرجز] :
١٢٢٩-
وَمَاجَ سَاعَات مَلاَ الْوَدِيْقِ ... أُبَابُ بَحْرٍ ضَاحِكٍ هَرْوَقِ
فأصل "أباب" "عُباب". وقال بعضهم: ليست الهمز فيه بدلا من العين، وإنما هو فعال من "أب" إذا تهيأ؛ لأن البحر يتهيأ للارتجاج؛ فالهمزة على هذا أصل، ومما شذ إبدالها من الألف في قولهم "دأبة"، و"شأبة"، و"ابيأض" وما روي عن العجاج من همز "العألم"، "الخأتم" وإبدالها من الياء في قولهم: قطع الله أديه، أي يديه، يريد يده؛ فردت اللام وأبدلت الياء همزة، وقالوا: "في أسنانه ألل" أي يلل، واليلل: قصر الأسنان، وقيل: احديدابها إلى داخل الفم، يقال: "رجل أيل، وامرأة أيلاء" وهمز بعضهم الشيمة، وهي الخلقة، وكذلك رئبال، وهو الأسد. ا. هـ.
стр. 1225
[إبدال الهمزة ألفا أو واوا أو ياء] :
٩٤٩-
وَمَدًّا ابْدِلْ ثَانِيَ الْهَمْزَيْنِ مِنْ ... كِلْمَةٍ إنْ يَسْكُنْ كَآثِرْ وَائْتَمِنْ
٩٥٠-
إنْ يُفْتَحِ اثْر ضَمَ أوْ فَتْح قُلِبْ ... وَاوَاً، وَيَاءً إثْرَ كَسْرٍ يَنْقَلِبْ
٩٥١-
ذُو الكَسْرِ مُطْلَقَاً كَذَا، وَمَا يُضَمْ ... وَاوَاً أَصِرْ، مَا لَمْ يَكُنْ لَفْظَاً أَتَمْ
٩٥٢-
فَذَاكَ يَاءً مُطْلَقَاً جَا وَأَؤُمْ ... وَنَحْوُهُ وَجْهَيْنِ فِي ثَانِيْهِ أُمْ
وَمَدًّا ابْدِلْ ثَانِيَ الْهَمْزَيْنِ مِنْ ... كِلْمَةٍ إنْ يَسْكُنْ كَآثِرْ وَائْتَمِنْ
أي إذا اجتمع همزتان في كلمة كان لهما ثلاثة أحوال: أن تتحرك الأولى وتسكن الثانية، وعكسه، وأن يتحركا معا، وأما الرابع –وهو أن يسكنا معا- فمتعذر.
فإن تحركت الأولى وسكنت الثانية وجب في غير ندور إبدال الثانية حرف مد يجانس حركة ما قبلها، نحو: "آثرت أوثر إيثارا" والأصل أأثرت أؤثر إئثارا، ومن الإبدال ألفا بعد الفتحة قول عائشة ﵂ "وكان يأمرني أن آتزر" بهمزة فألف، وعوام المحدثين يحرفونه؛ فيقرؤنه بألف وتاء مشددة، وبعضهم يرويه بتحقيق الهمزتين، ولا وجه لواحد منهما، وإنما وجب الإبدال لعسر النطق بهما، وخص بالثانية لأن إفراط الثقل حصل بها، وشذت قراءة بعضهم "إِئلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ"١ بتحقيق الهمزتين، والاحتراز بكونهما من كلمة، عن نحو: "أأتمن زيد أم لا؟ وأأنت فعلت هذا؟ وأأتمر بكر أم لا؟ "، فإنه لا يجب فيه الإبدال، بل يجوز التحقيق كما رأيت والإبدال: فتقول: أوتمن٢ زيد أم لا؟ وآنت فعلت، وايتمر بكر أم لا؟ لأن همزة الاستفهام كلمة، والهمزة التي بعدها أول كلمة أخرى، وأما قول القراء في همزة الاستفهام وما يليها "همزتان في كلمة" فتقريب على المتعلمين.
وإن سكنت الأولى وتحركت الثانية؛ فإن كانتا في موضع العين أدغمت الأولى في الثانية، نحو: سأال ولأال ورأاس، ولم يذكر هذا القسم لأنه لا إبدال فيه، وإن كانتا في موضع اللام فسيأتي الكلام عليهما عند قوله: "ما لم يكن لفظا أتم".
ع" فتقريب على المتعلمين.
وإن سكنت الأولى وتحركت الثانية؛ فإن كانتا في موضع العين أدغمت الأولى في الثانية، نحو: سأال ولأال ورأاس، ولم يذكر هذا القسم لأنه لا إبدال فيه، وإن كانتا في موضع اللام فسيأتي الكلام عليهما عند قوله: "ما لم يكن لفظا أتم".
стр. 1226
وإن تحركتا معا فإما أن يكون ثانيهما في موضع اللام، أو لا؛ فهذان ضربان، فأما الأول فسيأتي بيانه، أما الثاني فله تسعة أنواع؛ لأن الثانية إما مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، وعلى كل حال من هذه الثلاثة فالأولى أيضا إما مفتوحة أو مكسوة أو مضمومة؛ فثلاثة في ثلاثة بتسعة، وقد أخذ في بيان ذلك بقوله:
"إن يفتح" أي ثاني الهمزتين "أثر ضم أو فتح قلب واوا" فهذان اثنان من التسعة، الأولى، نحو: "أويدم" تصغير آدم، والثاني، نحو: "أوادم" جمعه، والأصل أويدم وأأدم، بهمزتين؛ فالواو بدل من الهمزة، وليست بدلا من ألفه، كما في ضارب وضويرب وضوارب؛ لأن المقتضى لإبدال همزته ألفا زال في التصغير والجمع. وذهب المازني إلى إبدال المفتوحة إثر فتح ياء؛ فيقول في أفعل التفضيل من "أن": زيد أبن من عمر، ويقول: الواو في "أوادم" بدل من الألف المبدلة من الهمزة؛ لأنه صار مثل خاتم، والجمهور يقولون: هو أون من عمرو.
"وياء أثر كسر ينقلب" ثاني الهمزتين المفتوح، وثانيهما "ذو الكسر مطلقا كذا" أي ينقلب ياء، سواء كان إثر فتح أو كسر أو ضم؛ فهذه أربعة أنواع، مثال الأول أن تبنى من "أم" مثل إصبع –بكسر الهمزة وفتح الباء- فتقول: إئمم –بهمزتين مكسورة فساكنة- ثم تنقل حركة الميم الأولى إلى الهمزة قبلها لتتمكن من إدغامها في الميم الثانية فيصير إثم، ثم تبدل الهمزة الثانية ياء فتصير الكلمة "إيم". ومثال الثاني والثالث والرابع أن تبني من "أم" مثل أصبع بفتح الهمزة أو كسرها أو ضمها والباء فيهن مكسورة، وتفعل ما سبق؛ فتصير الكلمة أيم وأيم وأيم، وأما قراءة ابن عامر والكوفيين "أئمة" بالتحقيق فمما يوقف عنده ولا يتجاوز.
"وما يضم" من ثاني الهمزين المذكورين "واوا أصر" سواء كان الأول مفتوحا أو مكسورا أو مضموما؛ فهذه ثلاثة أنواع بقية التسعة المذكورة. أمثلة ذلك: أوب جمع "أب" وهو المرعى، وأن تبني من "أم" مثل إصبع بكسر الهمزة وضم الباء، أو مثل "أبلم" فتقول: "إوم" بهمزة مكسورة وواو مضمومة، و"أوم" بهمزة وواو مضمومتين. وأصل الأول "أأبب" على وزن "أفلس"، وأصل الثاني والثالث إئمم وأؤمم، فنقلوا فيهن، ثم أبدلوا الهمزة واوا، وأدغموا أحد المثلين في الآخر.
стр. 1227
تنبيه: خالف الأخفش في نوعين من هذه التسعة، وهما المكسورة بعد ضم فأبدلها واوا، والمضمومة بعد كسر فأبدلها ياء، والصحيح ما تقدم، ا. هـ.
ثم أشار إلى الضرب الأول من ضربي اجتماع الهمزتين المتحركتين –وهو أن يكون ثانيهما في موضع اللام- بقوله: "ما لم يكن" أي ثاني الهمزتين "لفظا أتم" أتم: فعل ماض، ولفظا: إما مفعول به مقدم، والجملة خبر يكن، أو خبر يكن مفعول أتم: محذوف، أي أتم الكلمة، أي كان آخرها والجملة نعت للفظا "فذاك يا مطلقا جا" أي سواء كان إثر فتح أو كسر أو ضم أو سكون. أمثلة ذلك أن تبني من قرأ مثل جعفر وزبرج وبرثن وقمطر؛ فتقول في الأول قرأى على وزن سلمى، والأصل قرأأ، فأبدلت الهمزة الأخيرة ياء، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وتقول في الثاني "قرء" على وزن هند، والأصل قرئيء أبدلت الهمزة الأخيرة ياء، ثم أعل إعلال قاض. وتقول في الثالث "قرء" على وزن جمل، والأصل قرؤؤ، أبدلت الهمزة الأخيرة ياء، ثم أعل إعلال أيد، أي سكنت الياء وأبدلت الضمة قبلها كسرة؛ فهذا والذي قبلها منقوصان، كل منهما على وزن رفعا وجرا، وتعود له الياء في النصب؛ فيقال: رأيت قرئيا وقرئيا. وتقول في الرابع "قرأي" والأصل قرأأ بهمزتين ساكنة فمتحركة، وأبدلت المتحركة ياء، وسلمت؛ لسكون ما قبلها، وإنما أبدلت الهمزة الأخيرة ياء ولم تبدل واوا، قال في شرح الكافية: لأن الواو الأخيرة لو كانت أصلية ووليت كسرة أو ضمة لقلبت ياء ثالثة فصاعدا، وكذلك تقلب رابعة فصاعدا بعد الفتحة، فلو أبدلت الهمزة الأخيرة واوا فيما نحن بصدده لأبدلت بعد ذلك ياء فتعينت الياء.
"وأؤم ونحوه" مما أولى همزتيه للمضارعة "وجهين في ثانيه أم" أي اقصد، وهما الإبدال والتحقيق؛ فتقول في مضارع أم وأن: أوم وأين بالإبدال، وأؤم وأئن بالتحقيق، تشبيها لهمزة المتكلم بهمزة الاستفهام، نحو: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ ١ لمعاقبتها النون والتاء والياء.
تنبيهات: الأول: قد فهم من هذا أن الإبدال فيما أولى همزتيه لغير المضارعة واجب في غير ندور كما سبق.
الثاني: لو توالى أكثر من همزتين حققت الأولى والثالثة والخامسة، وأبدلت الثانية والرابعة، مثاله لو بنيت من الهمزة مثل أترجة قلت: أو أوأة، والأصل أأأأأة.
стр. 1228
الثالث: لا تأثير لاجتماع همزتين بفصل، نحو: "ءاء" و"ءاءة"١ ا. هـ.
[إبدال الألف والواو ياء] :
٩٥٣-
وَيَاءً اقْلِبْ أَلفاً كَسْرًا تَلاَ ... أَوْ يَاءَ تَصْغِيْرٍ، بَوَاوٍ ذَا افْعَلاَ
٩٥٤-
فِي آخِرٍ، أَوْ قَبْلَ تَا التَّأْنِيْثِ، أوْ ... زِيَادَتَي فَعْلاَنَ، ذا أيضًا رأوا
٩٥٥-
في مَصْدَرِ المُعْتَلِ عَيْنًا، وَالْفِعَلْ ... مِنْهُ صَحِيْحٌ غَالِبًا، نَحْوُ الحِوَلْ
"وَيَاءً اقْلِبْ أَلفاً كَسْرًا تَلاَ أَوْ يَاءَ تَصْغِيْرٍ" ألفا: مفعول أول باقلب، وياء: مفعول ثان قدم، وكسرا: مفعول بتلا، وياء تصغير: عطف عليه، وتلا ومعموله في موض نصب نعت لألف، والتقدير: اقلب ألفا تلا كسرا أو تلا ياء تصغير ياء.
أي يجب قلب الألف ياء في موضعين:
الأول: أن يعرض كسر ما قبلها، كقولك في جمع مصباح ودينار: مصابيح ودنانير، وفي تصغيرهما: مصيبيح ودنينير.
والثاني: أن يقع قبلها ياء التصغير، كقولك في تصغير غزال: غزيل.
"بواو ذا" القلب "افعلا في آخر" أي تفعل بالواو الواقعة أخرا ما تفعل بالألف من قبلها ياء إذا عرض قبلها كسرة أو ياء التصغير؛ فالأول نحو: رضي وغزي وقوي وغاز، أصلهن رضو وغزو وقوو وغازو؛ لأنهن من الرضوان والغزو والقوة، فقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها، وكونها آخرأ؛ لأنها بالتأخير تتعرض لسكون الوقف، وإذا سكنت تعذرت سلامتها، فعوملت بما يقتضيه السكون من وجوب إبدالها ياء توصلا إلى الخفة وتناسب اللفظ، ومن ثم لم تتأثر الواو بالكسرة وهي غير متطرفة كعوض وعوج، إلا إذا كان مع الكسرة ما يعضدها كحياض وسياط كما سيأتي بيانه، والثاني كقولك في تصغير جرو: جري، والأصل جريو، فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون وفقد المانع من الإعلال فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء.
تنبيه: هذا الثاني ليس بمقصود من قوله "بواو ذا افعلا في آخر" إنما المقصود التنبيه
стр. 1229
على الأول؛ لأن قلب الواو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق أحدهما بالسكون لا يختص بالواو المتطرفة، ولا بما سبقها ياء التصغير، على ما سيأتي بيانه في موضعه، ولذلك قال في التسهيل: تبدل الألف ياء لوقوعها إثر كسرة أو ياء تصغير، وكذلك الواو الواقعة إثر كسرة متطرفة، فاقتصر في الواو على ذكر الكسرة، فلو قال:
بإثر يا التصغير أو كَسْرِ ألفْ ... تقلب يا والواو إن كسرًا رَدِفْ
في آخر" لطابق كلامه في التسهيل، ا. هـ.
"أَوْ قَبْلَ تَا التَّأْنِيْثِ أوْ زِيَادَتَي فَعْلاَنَ" أي، نحو: شجية، وأكسية، وغازية، وعريقية تصغير عرقوة، الأصل شجوة وأكسوة وغازوة وعريقوة، ونحو: غزيان وشجيان من الغزو والشجو، والأصل غزوان وشجوان، فعله القلب ياء هو تطرف الواو بعد كسرة؛ لأن كلا من تاء التأنيث وزيادتي فعلان كلمة تامة؛ فالواقع قبلها آخر في التقدير، فعومل معاملة الآخر حقيقة. وشذ تصحيحا من الأول مقاتوة بمعنى خدام، وسواسوة جمع سواء. ومن الثاني إعلالا قولهم: رجل عليان مثل عطشان من علوت، وناقة لميان وقولهم صبيان بضم الصاد، وأما صبية وصبيان بكسر الصاد فسهل أمره وجود الكسرة والفاصل بينه وبين الواو ساكن وهو حاجز غير حصين.
ثم أشار إلى موضع ثان تقلب فيه الواو ياء بقوله: "وذا" أي الإعلال المذكور في الواو بعد الكسرة "أيضا رأوا في مصدر" الفعل "المعتل عينا" إذا كان بعدها ألف كصيام وقيام، وانقياد واعتياد، بخلاف سواك وسوار لانتقاء المصدرية. ونحو: لاوذ لواذا وجاور جوارا؛ لصحة عين الفعل، وحال حولا وعاد المريض عودا؛ لعدم الألف، والأصل صوام وقوام وانقواد واعتواد، لكن لما أعلت عينه في الفعل استثقل بقاؤها في المصدر، أعلوها في المصدر بعد كسرة وقبل حرف يشبه الياء، فأعلت بقلبها ياء حملا للمصدر على فعله، فقلبها ياء ليصير العمل في اللفظ من وجه واحد، وشذ تصحيحا مع استيفاء الشروط قولهم: "نار نوارا" أي نفر، ولا نظير له، وكان الأحسن أن يقول "المعل عينا"؛ لأن لاوذ يطلق عليه معتل العين؛ إذ كل ما عينه حرف علة فهو معتل وإن لم يعل.
وقد أشار إلى الشرط الأخير بقوله: "والفعل منه صحيح غالبا نحو الحول" يعني أن كل ما كان على فعل من مصدر الفعل المعل العين فالغالب فيه التصحيح، نحو الحول
стр. 1230
والعود، قال في شرح الكافية: ونبه بتصحيح ما وزنه فعل على أنه إعلال المصدر المذكور مشروط بوجود الألف فيه حتى يكون على فعال، انتهى. وفي تخصيصه بفعال نظر؛ فإن الإعلال المذكور لا يختص به؛ لما عرفت من مجيئة في الانفعال والافتعال كما سبق. واحترز بقوله "منه" أي من المصدر عن فعل من الجمع؛ فإن الغالب فيه الإعلال كما سيأتي، لكن قال في التسهيل: وقد يصحح ما حقه الإعلال من فعل مصدرا أو جمعا وفعال مصدا، فسوى بين هذه الثلاثة في أن حقها الإعلال، وهو يخالف ما هنا من أن الغالب على فعل مصدر التصحيح.
ثم أشار إلى موضع ثالث تقلب فيه الواو ياء بقوله:
٩٥٦-
وَجَمْعُ ذِي عَيْنٍ أُعِلَّ أَوْ سَكَنْ ... فَاحْكُمْ بِذَا الإعْلاَلِ فِيْهِ حَيْثُ عَنْ
"وَجَمْعُ ذِي عَيْنٍ أُعِلَّ أَوْ سَكَنْ فَاحْكُمْ بِذَا الإعْلاَلِ" أي المذكور، وهو القلب ياء لكسر ما قبلها "فيه حيث عن" أي إذا وقعت الواو عينا لجمع صحيح اللام، وقبلها كسرة –وهي في الواحد إما معلة، وإما شبيهة بالمعل وهي الساكنة- وجب قبلها ياء؛ فالأولى، نحو: دار وديار، وحيلة وحيل، وقيمة وقيم، والأصل دوار وحول وقوم؛ لأنه لما انكسر ما قبل الواو في الجمع، في نحو: ديار وكانت في الأفراد معلة بقلبها ألف ضعفت، فسلطت الكسرة عليها، وقوَّى تسلَّطَها وجودُ الألف، وإعلال الباقي لإعلال واحده، ولوقوع الكسرة قبل الواو، وشذ من ذلك حاجة وحوج.
والثانية وشرطها أن يكون بعدها في الجمع ألف، نحو: سوط وسياط، وحوض وحياض، وروض ورياض، الأصل سواط وحواض ورواض؛ لأنه لما انكسر ما قبلها في الجمع وكانت في الأفراد شبيهة بالمعل لسكونها ضعفت، فسلطت الكسرة عليها، وقوى تسلطها وجود الألف لقربها من الياء، وصحة اللام؛ لأنه إذا صحت اللام قوي إعلال العين.
فتلخص أن لقلب الواو ياء في هذا ونحوه خمسة شروط: أن يكون جمعا، وأن تكون الواو في واحده ميتة بالسكون، وأن يكون قبلها في الجمع كسرة، وأن يكون بعدها فيه ألف، وأن يكون صحيح اللام؛ فالثلاثة الأول مأخوذة من البيت، والرابع يأتي في البيت بعده، والخامس لم يذكره هنا وذكره في التسهيل؛ فخرج بالأول المفرد؛ فإنه لا يعل، نحو: