١٧٢-
وجردن عسى أو ارفع مضمرا ... بها إذا اسم قبلها قد ذكرا
"وَجَرِّدَنْ عسى" وأختيها "اخلولق" و"أوشك" من الضمير واجعلها مسندة إلى أن يفعل" كما مر "أَوِ ارْفَعْ مُضْمَرا بِهَا" يكون اسمها، و"أن يفعل" خبرها "إذَا اسْمٌ قَبْلَهَا قَدْ ذُكِرَا" ويظهر أثر ذلك في التثنية، والجمع والتأنيث، فتقول على الأول: "الزيدان عسى أن يقوما"، و"الزيدون عسى أن يقوموا"، و"هند عسى أن تقوم"، و"الهندان عسى أن يقوما"، و"الهندات عسى أن يقمن"، وهكذا "اخلولق" و"أوشك"، هذه لغة الحجاز؛ وتقول على الثاني: "الزيدان عسيا"، و"الزيدون عسوا"، و"هند عست"، و"الهندان عستا"، و"الهندات عسين"، وهكذا "اخلولق" و"أوشك"؛ وهذه لغة تميم.
تنبيهان: الأول: ما سوى "عسى"، و"اخلولق"، و"أوشك" من أفعال الباب يجب فيه الإضمار، تقول: "الزيدان أخذا يكتبان، وطفقا يخصفان"؛ ولا يجوز: "أخذ يكتبان، وطفق يخصفان".
الثاني: اختلف فيما يتصل بـ"عسى" من الكاف وأخواتها، نحو: "عساك"، و"عساه"؛ فذهب سيبويه إلى أنه في موضع نصب حملا على "لعل" كما حملت "لعل" على "عسى" في اقتران خبرها بـ"أن"؛ كما في الحديث: "فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض". وذهب المبرد والفارسي إلى أن "عسى" على ما كانت عليه من رفع الاسم ونصب الخبر، لكن الذي كان اسما جعل خبرا، والذي كان خبرا جعل اسما، وذهب الأخفش إلى أن "عسى" على ما كانت عليه، إلا أن ضمير النصب ناب عن ضمير الرفع، كما ناب عنه في قوله "من الرجز":
٢٥١-
يابنَ الْزّبَيْرِ طَالَمَا عَصَيْكَا ... وَطَالَمَا عَنَّيْتَنَا إِلَيْكَا
стр. 282
وكما ناب ضمير الرفع عن ضمير النصب وضمير الجر في التوكيد، نحو: "رأيتك أنت"، و"مررت بك أنت"، وهذا ما اختاره الناظم؛ قال: ولو كان الضمير المشار إليه في موضع نصب كما يقول سيبويه والمبرد لم يقتصر عليه في مثل:
٢٥٢-
"تقول بنتي قد أنى أناكا" ... يَا أبَتَا عَلَّكَ أَوْ عَسَاكَا
لأنه بمنزلة المفعول، والجزء الثاني بمنزلة الفاعل، والفاعل لا يحذف، وكذا ما أشبهه، انتهى؛ وفيه نظر.
стр. 283
١٧٣-
والفتح والكسر أجز في السين من ... نحو "عسيت"، وانتقا الفتح زكن
"وَالْفَتْحَ والْكَسْرَ أَجِزْ فِي السِّيْنِ مِنْ" "عسى" إذا اتصل بها تاء الضمير أو نوناه كما في نَحْوِ: "عَسَيْتُ"، و"عسينا"، و"عسين". "وَانْتِقَا الْفَتْحِ زُكِنْ" انتقا -بالقاف- مصدر انتقى الشيء، أي: اختاره، وزكن: علم: أي: اختيار الفتح علم؛ لأنه الأصل، وعليه أكثر القراء في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ ١ وقرأ نافع بالكسر.
""كاد" نفيها نفي وإثباتها إثبات":
خاتمة: قال في شرح الكافية: قد اشتهر القول بأن "كاد" إثباتها نفي، ونفيها إثبات، حتى جعل هذا المعنى لغزا:
أَنْحَوِيَّ هَذَا الْعَصْرِ مَا هِي لَفْظَةٌ ... جَرَتْ فِي لِسَانَيْ جُرْهُمٍ وَثَمُوْدِ
إذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي صُوْرَةٍ الْجَحْدِ أَثْبَتَتْ ... وَإِنْ أَثْبَتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُوْدِ
ومراد هذا القائل "كاد"؛ ومن زعم هذا فليس بمصيب، بل حكم "كاد" حكم سائر الأفعال، وأن معناها منفي إذا صحبها حرف نفي، وثابت إذا لم يصحبها، فإذا قال قائل: "كاد زيد يبكي" فمعناه قارب زيد البكاء، فمقاربة البكاء ثابتة، ونفس البكاء منتف، وإذا قال: "لم يكد يبكي" فمعناه لم يقارب البكاء، فمقاربة البكاء منتفية، ونفس البكاء منتف انتفاء أبعد من انتفائه عند ثبوت المقاربة؛ ولهذا كان قول ذي الرمة "من الطويل":
٢٥٣-
إذَا غَيَّرَ الْنَأيُ الْمُحِبِّيْنَ لَمْ يَكَدْ ... رَسِيْسُ الْهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
стр. 284
صحيحا بليغا؛ لأن معناه: إذا تغير حب كل محب لم يقارب حبي التغير، وإذا لم يقاربه فهو بعيد منه؛ فهذا أبلغ من أن يقول: لم يبرح؛ لأنه قد يكون غير بارح وهو قريب من البراح، بخلاف المخبر عنه بنفي مقاربة البراح، وكذا قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ ١ هو أبلغ في نفي الرؤية من أن يقال: لم يرها؛ لأن من لم ير قد يقارب الرؤية، بخلاف من لم يقارب، وأما قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٢، فكلام تضمن كلامين مضمون كل واحد منهما في وقت غير وقت الآخر؛ والتقدير: فذبحوها بعد أن كانوا بعداء من ذبحها غير مقاربين له، وهذا واضح. والله أعلم.
стр. 285
إنَّ وَأَخَوَاتها:
"عمل "إن" وأخواتها":
١٧٤-
لإن أن ليت لكن لعل ... كأن عكس ما لكان من عمل
١٧٥-
كـ"إن زيدا عالم بأني ... كفء ولكن ابنه ذو ضغن
"لإِنَّ"، و"أَنَّ"، و"لَيْتَ"، و"لَعَلْ"، و"كَأَنَّ عَكْسُ مَا لِكَانَ" الناقصة "مِنْ عَمَلْ": فتنصب المبتدأ اسما لها، وترفع الخبر خبرا لها.
"كَإِنَّ زَيْدا عَالِمٌ بِأَنِّي ... كُفءٌ وَلكِنَّ ابْنَهُ ذُوْ ضِغْن"
أي: حقد؛ وقس الباقي؛ هذه اللغة المشهورة، وحكى قوم -منهم ابن سيده- أن قوما من العرب تنصب بها الجزأين معا، من ذلك قوله "من الطويل":
٢٥٤-
إذَا اسْوَدَّ جُنْحُ الَّليْلِ فَلْتَأْتِ وَلْتَكُنْ ... خُطَاكَ خِفَافا إنَّ حُرَّاسَنَا أُسْدَا
تنبيهات: الأول: لم يذكر الناظم في تسهيله أن المفتوحة، نظرا إلى كونها فرع المكسورة، وهو صنيع سيبويه حيث قال: "هذا باب الحروف الخمسة".
الثاني" أشار بقوله: "عكس ما لكان" إلى ما لهذه الأحرف من الشبه بـ"كان"، في لزوم المبتدأ والخبر، والاستغناء بهما، فعملت عملها معكوسا؛ ليكونا معهن كمفعول قدم وفاعل أخر؛ تنبيها على الفرعية؛ ولأن معانيها في الأخبار فكانت كالعمد، والأسماء كالفضلات، فأعطيا إعرابيهما.
"معاني "إن" وأخواتها":
الثالث: معنى "إن" و"أن" التوكيد، و"لكن" الاستدراك والتوكيد، وليست مركبة على الأصح، وقال الفراء: أصلها "لكن أن" فطرحت الهمزة للتخفيف ونون "لكن" للساكنين، كقوله "من الطويل":
٢٥٧-
وَلَسْتُ بِآتِيهِ وَلاَ أَسْتَطِعْهُ ... وَلاَكِ اسْقِنِي إنْ كَانَ مَاؤُكَ ذَا فَضْلِ
стр. 288
وقال الكوفيون: مركبة من "لا" و"إن"، الكاف الزائدة لا التشبيهية، وحذفت الهمزة تخفيفا؛ ومعنى "ليت" التمني في الممكن والمستحيل، لا في الواجب. فلا يقال: ليت غدا يجيء، وأما قوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ ١ مع أنه واجب فالمراد تمنيه قبل وقته، وهو الأكثر؛ و"لعل" الترجي في المحبوب، نحو: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ ٢، والإشفاق في المكروه، نحو: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ ٣؛ وقد اقتصر على هذين في شرح الكافية، وزاد في التسهيل أنها تكون للتعليل والاستفهام؛ فالتعليل، نحو: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ ٤، والاستفهام، نحو: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ ٥ وتابع في الأول الأخفش، وفي الثاني الكوفيين، وتختص "لعل" بالممكن، وليست مركبة على الأصح؛ وفيها عشر لغات مشهورة؛ و"كأن" التشبيه، وهي مركبة على الصحيح، وقيل: بإجماع، من كاف التشبيه و"أن"، فأصل "كأن زيدا أسد": إن زيدا كأسد، فقدم حرف التشبيه اهتماما به، ففتحت همزة "أن" لدخول الجار.
стр. 289
١٧٦-
وراع ذا الترتيب إلا في الذي ... كليت فيها -أو هنا- غير البذي
"وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيْبَ" وهو تقديم اسمها وتأخير خبرها وجوبا "إلاِّ فِي" الموضع "الَّذِي" يكون الخبر فيه ظرفا أو مجرورا "كَلَيْتَ فِيْهَا -أَوْ هُنَا- غَيْرَ البَذِي" للتوسع في الظروف والمجرورات. قال في العمدة: ويجب أن يقدر العامل في الظرف بعد الاسم، كما يقدر الخبر وهو غير ظرف.
تنبيهان: الأول: حكم معمول خبرها حكم خبرها؛ فلا يجوز تقديمه؛ إلا إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا، نحو: "إن عندك زيدا مقيم"، و"إن فيك عمرا راغب"؛ ومنه قوله "من الطويل":
٢٥٨-
فَلا تَلْحَنِي فِيهَا فَإِن بِحُبهَا ... أخَاكَ مُصَابُ الْقَلْبِ جَمٌّ بَلاَبِلُهْ
وقد صرح به في غير هذا الكتاب، ومنعه بعضهم.
الثاني: محل جواز تقديم الخبر إذا كان ظرفا أو مجرورا في غير نحو: "إن عند زيد
стр. 290
أخاه"، و"ليت في الدار صاحبها"؛ لما سلف.
"مواضع فتح همزة "إن" وكسرها":
١٧٧-
وهمز إن افتح لسد مصدر ... مسدها وفي سوى ذاك أكسر
"وَهَمْزَ إن افْتَحْ" وجوبا "لِسَدِّ مَصْدَرِ مَسَدَّهَا" مع معموليها لزوما؛ بأن وقعت في محل فاعل نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ ١، أو مفعول غير محكي بالقول، نحو: ﴿وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ﴾ ٢، أو نائب عن الفاعل، نحو: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ ٣، أو مبتدأ نحو: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ ٤، أو خبر عن اسم معنى، غير قول، ولا صادق عليه خبرها، نحو: "اعتقادي أنك فاضل"؛ بخلاف: "قولي أنك فاضل"، و"اعتقاد زيد أنه حق"، أو مجرور بالحرف نحو: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ ٥، أو الإضافة نحو: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ٦، أو معطوف على شيء من ذلك، نحو: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ ٧، أو مبدل منه نحو: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ ٨.
تنبيه: إنما قال "لسد مصدر" ولم يقل لسد مفرد؛ لأنه قد يسد المفرد مسدها، ويجب الكسر، نحو: "ظننت زيداً إنه قائم"
١٧٨-
فاكسر في الابتدا، وفي بدء صله ... وحيث "إن" ليمين مكمله
١٧٩-
أو حكيت بالقول أو حلت محل ... حال كزرته وإني ذو أمل
١٨٠-
وكسروا من بعد فعل علقا ... باللام كاعلم إنه لذو تقى
"وَفِي سِوَى ذاكَ اكْسِرِ" على الأصل "فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا" أما حقيقة، نحو: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ ٩، أو حكما كالواقعة بعد ألا الاستفتاحية نحو: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ ١٠،
стр. 291
والواقعة بعد "حيث"، نحو: "اجلس حيث أن زيدا جالس"، والواقعة خبرا عن اسم الذات، نحو: "زيد إنه قائم"، والواقعة بعد "إذ"، نحو: "جئتك إذ أن زيدا غائب"، "وَفِي بَدْءِ صِلَهْ" نحو: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ﴾ ١؛ بخلاف حشو الصلة، نحو: "جاء الذي عندي أنه فاضل"، و"لا أفعله ما أن في السماء نجما"؛ إذ التقدير: ما ثبت أن في السماء نجما؛ "وَحَيْثُ إنَّ لِيَمِيْنٍ مُكْمِلَهْ" يعني وقعت جوابا له، سواء مع اللام أو دونها، نحو: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ٢، ﴿حَم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ ٣؛ "أَوْ حُكِيَتْ بِالْقَوْلِ"، نحو: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ ٤، فإن لم تحك بل أجري القول مجرى الظن وجب الفتح، ومن ثم روي بالوجهين قوله "من الكامل":
٢٥٩-
أَتَقُولُ إِنَّكَ بِالْحَيَاةِ مُمَتَّعٌ ... "وقد استبحت دم امرئ مستسلم"
"أَوْ حَلَّتْ مَحَلْ حالٍ" أما مع الواو "كَزُرْتُهُ وَإِنِّي ذُوْ أَمَلْ"، ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ ٥، وقوله "من المنسرح":
٢٦٠-
مَا أَعْطَيْانِي وَلاَ سَأَلْتُهُمَا ... إِلاَّ وإِنِّيْ لِحَاجِزِي كَرَمِي
стр. 292
أو بدونه، نحو: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ ١، "وَكَسَرُوْا" أيضا "مِنْ بَعْدِ فِعْلِ" قلبي "عُلِّقَا" عنها "بِالَّلامِ كَاعْلَمْ إِنَّهُ لَذُوْ تُقَى"، و ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ ٢. وأنشد سيبويه "من الطويل":
٢٦١-
ألَمْ تَرَ إِنِّي وَابْنَ أَسْوَدَ لَيْلَةً ... لَنَسْرِي إلَى نَارَيْنِ يَعْلُو سَنَاهُمَا
١٨١-
بعد إذا فجاءة أو قسم ... لا لام بعده بوجهين نمي
стр. 293
١٨٢-
مع تلو فا الجزا وذا يطرد ... في نحو "خير القول إني أحمد
و"بَعْدَ إذا فُجَاءَةٍ أو" فعل "قَسَمِ" ظاهر "لاَ لاَمَ بَعْدَهُ بِوَجْهِيْنِ نُمِي" أي: نسب، نظرا لموجب كل منهما، لصلاحية المقام لهما على سبيل البدل؛ فمن الأول قوله "من الطويل":
٢٦٢-
وَكُنْت أُرَى زَيْدا كَمَا قِيْلَ سَيِّدا ... إذَا إنَّهُ عَبْدُ الْقَفَا واللَّهَازِمُ
يروى بالكسر على معنى: فإذا هو عبد القفا، وبالفتح على معنى: فإذا العبودية: أي حاصلة، كما تقول: "خرجت فإذا الأسد"، قال الناظم: "والكسر أولى؛ لأنه لا يحوج إلى تقدير"؛ لكن ذهب قوم إلى أن "إذا" هي الخبر، والتقدير: فإذا العبودية، أي: ففي الحضرة
стр. 294
العبودية، وعلى هذا فلا تقدير في الفتح أيضا؛ فيستوي الوجهان، ومن الثاني قوله "من الرجز":
٢٦٣-
أو تَحْلِفِي بِرَبِّكِ الْعَلِيِّ ... أنّي أبُو ذَيَّالِكِ الصَّبِيِّ
يروى بالكسر على جعلها جوابا للقسم، وبالفتح على جعلها مفعولا بواسطة نزع الخافض، أي: على أني، والتقييد بكون القسم بفعل ظاهر للاحتراز عما مر قريبا في المكسورة، وبقوله: "لا لام بعده" عما بعده اللام من ذلك؛ حيث يتعين فيه الكسر، نحو: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ ١، و: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ ٢.
وقد اتضح لك أن من فتح "أن" لم يجعلها جواب القسم؛ لأن الفتح متوقف على كون المحل مغنيا فيه المصدر على "أن" وصلتها، وجواب القسم لا يكون كذلك، فإنه لا يكون إلا جملة.
стр. 295
ويجوز الوجهان أيضا "مَعِ تِلْوِ فَا الْجزَا"، نحو: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١ جواب: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ ٢ قرئ بالكسر على جعل ما بعد الفاء جملة تامة، أي: فهو غفور رحيم، وبالفتح على تقديرها بمصدر هو خبر مبتدأ محذوف، أي: فجزاؤه الغفران، أو مبتدأ خبره محذوف، أي: فالغفران جزاؤه، والكسر أحسن في القياس، قال الناظم: "ولذلك لم يجئ الفتح في القرآن إلا مسبوقا بأن المفتوحة.
"وَذَا" الحكم أيضا "يَطَّرِدُ فِي" كل موضع وقعت "إن" فيه خبر قول، وكان خبرها قولا، والقائل واحد، كما في "نحو: خَيْر القَوْلِ إني أَحْمَدُ" الله، فالفتح على معنى خير القول حمد الله، والكسر على الإخبار بالجملة لقصد الحكاية، كأنك قلت: خير القول هذا اللفظ، أما إذا انتفى القول الأول فالفتح متعين، نحو: "عملي أني أحمد الله"، أو القول الثاني أولم يتحد القائل؛ فالكسر، نحو: "قولي إني مؤمن"، و"قولي إن زيدا يحمد الله".
تنبيه: سكت الناظم عن مواضع يجوز فيها الوجهان:
الأول: أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه، نحو: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ ٣. قرأ نافع وأبو بكر بالكسر؛ إما على الاستئناف، أو العطف على جملة "إن" الأولى، والباقون بالفتح عطفا على "أن لا تجوع".
الثاني: أن تقع بعد "حتى"؛ فتكسر بعد الابتدائية، نحو: "مرض زيد حتى إنهم لا يرجونه"، وتفتح بعد الجارة والعاطفة، نحو: "عرفت أمورك حتى أنك فاضل".
الثالث: أن تقع بعد "أما" نحو: "أما أنك فاضل"، فتكسر إن كانت "أما" استفتاحية بمنزلة "ألا"، وتفتح إن كانت بمعنى "حقا"، كما تقول: "حقا أنك ذاهب". ومنه قوله "من الوافر":
٢٦٤-
أَحَقّا أَنَّ جِيْرَتَنَا اسْتَقَلُّوا ... "فنيتنا ونيتهم فريق"
стр. 296
أي: أفي حق هذا الأمر.
الرابع: أن تقع بعد لا جرم نحو: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ ١ فالفتح عند سيبويه على أن "جرم" فعل، و"أن" وصلتها فاعل، أي: وجب أن الله يعلم، و"لا" صلة، وعند الفراء على أن "لا جرم" بمنزلة: لا رجل، ومعناه: لا بد، و"من" بعدها مقدرة، والكسر على ما حكاه الفراء من أن بعضهم ينزلها منزلة اليمين فيقول: لا جرم لآتينك.
١٨٣-
وبعد ذات الكسر تصحب الخبر ... لام ابتداء، نحو: إني لوزر
"وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ" جوازا "لاَمُ ابْتِدَاء نحو: إنِّي لَوَزَرْ"، أي: ملجأ، وكان حق هذه اللام أن تدخل على أول الكلام؛ لأن لها الصدر، لكن لما كانت للتأكيد و"إن" للتأكيد كرهوا الجمع بين حرفين لمعنى واحد، فزحلقوا اللام إلى الخبر.
стр. 297
"اقتران خبر "إن" باللام":
تنبيه: اقتضى كلامه أنها لا تصحب خبر غير "إن" المكسورة، وهو كذلك، وما ورد من ذلك يحكم فيه بزيادتها؛ فمن ذلك قراءة بعض السلف: "إلا أنهم ليأكلون الطعام"١ بفتح الهمزة، وأجازه المبرد، وما حكاه الكوفيون من قوله "من الطويل":
٢٦٥-
"يلومونني في حب ليلى عواذلي" ... ولكنني من حبها لعميد
ومنه قوله "من الرجز":
٢٦٦-
أم الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من اللحم بعظم الرقبه
وقوله "من البسيط":
٢٦٩-
أَمْسَى أبَان ذَلِيْلا بَعْدَ عِزَّتِهِ ... وَمَا أَبَانٌ لَمِنْ أَعْلاَجِ سُوْدَانِ
١٨٤-
ولا يلي ذي اللام ما قد نفيا ... ولا من الأفعال ما كرضيا
١٨٥-
وقد يليها مع قد كـ"إن ذا ... لقد سما على العدا مستحوذا"
стр. 300
"وَلا يَلِي ذِي اللامَ مَا قَدْ نُفِيَا" ذي: إشارة، واللام: نصب بالمفعولية، و"ما" من قوله: "ما قد نفيا" في موضع رفع بالفاعلية، أي: لا تدخل هذه اللام على منفي، إلا ما ندر من قوله "من الوافر":
٢٧٠-
وَأعْلمُ إنَّ تَسْلِيما وَتَرْكا ... لَلا مُتَشَابِهَانِ وَلاَ سَوَاءُ
"وَلا" يليها أيضا "مِنَ الأَفعَالِ مَا كَرَضِيَا" ماض، متصرف غير مقرون بـ"قد"، فلا يقال: "إن زيدا لرضي"، وأجازه الكسائي وهشام، فإن كان الفعل مضارعا دخلت عليه، متصرفا كان، نحو: "إن زيدا ليرضى"، أو غير متصرف، نحو: "إن زيدا ليذر الشر"،
стр. 301
وظاهر كلامه جواز دخول اللام على الماضي إذا كان غير متصرف، نحو: "إن زيدا لنعم الرجل"، أو: "لعسى أن يقوم"، وهو مذهب الأخفش والفراء؛ لأن الفعل الجامد كالاسم، والمنقول عن سيبويه أنه لا يجيز ذلك، فإن اقتران الماضي المتصرف بـ"قد" جاز دخول اللام عليه، كما أشار إليه بقوله:
"وَقَدْ يَلِيهَا مَعَ قَدْ كَإِنَّ ذَا ... لَقَدْ سَمَا عَلَى العِدَا مُسْتَحْوِذَا"
لأن "قد" تقرب الماضي من الحال فأشبه حينئذٍ المضارع؛ وليس جواز ذلك مخصوصا بتقدير اللام للقسم، خلافا لصاحب الترشيح، وقد تقدم أن الكسائي وهشاما يجيزان "إن زيدا لرضي" وليس ذلك عندهما إلا لإضمار "قد"، واللام عندهما لام الابتداء، أما إذا قدرت اللام للقسم فإنه يجوز بلا شرط، ولو دخل على "إن" والحالة هذه ما يقتضي فتحها فتحت مع هذه اللام، نحو: علمت أن زيدا لرضي.
١٨٦-
وتصحب الواسط معمول الخبر ... والفصل واسما حل قبله الخبر
"وَتَصْحَبُ" هذه اللام، أعني لام الابتداء أيضا "الوَاسِطَ" بين اسم "إن" وخبرها "مَعْمُولَ الخَبَرْ" بشرط كون الخبر صالحا لها، نحو: "إن زيدا لعمرا ضارب"، فإن لم يكن الخبر صالحا لم يجز دخولها على معموله المتوسط، نحو: "إن زيدا عمرا ضرب"؛ لأن دخولها على المعمول فرع دخولها على الخبر، وبشرط أن لا يكون ذلك المعمول حالا، فإن كان حالا لم يجز دخولها عليه، فلا يجوز: "إن زيدا لراكبا منطلق" واقتضى كلامه أنها لا تصحب المعمول المتأخر، فلا يجوز: "إن زيدا ضارب لعمرا"، "وَ" تصحب أيضا "الفَصْل" وهو الضمير المسمى عمادا، نحو: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ ١ إذا لم يعرب "هو" مبتدأ "وَ" تصحب "اسما" لإن "حَلَّ قَبْلَهُ الخَبَرْ"، نحو: "إن عندك لبرا"، ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا﴾ ٢ وفي معنى تقدم الخبر تقدم معموله، نحو: "إن في الدار لزيدا قائم".
стр. 302
"اتصال "ما" بهذه الحروف":
تنبيه: إذا دخلت اللام على الفعل أو على الاسم المتأخر لم تدخل على الخبر، فلا يجوز "إن زيدا لهو لقائم"، ولا "إن لفي الدار لزيدا"، ولا "إن في الدار لزيدا لجالس".
١٨٧-
ووصل "ما" بذي الحروف مبطل ... إعمالها وقد يبقى العمل
"وَوَصْلُ مَا" الزائدة "بِذِي الْحُرُوْفِ مُبْطِلُ إعْمَالَهَا"؛ لأنها تزيل اختصاصها بالأسماء، وتهيئها للدخول على الفعل؛ فوجب إهمالها لذلك، نحو: "إنما زيد قائم"، وكأنما خالد أسد، ولكنما عمرو جبان، ولعلما بكر عالم، "وَقَدْ يُبَقَّى العَمَلُ"، وتجعل "ما" ملغاة، وذلك مسموع في "ليت"؛ لبقاء اختصاصها، كقوله "من البسيط":
٢٧١-
قَالَتْ ألاَ لَيْتَمَا هَذَا الْحَمَامَ لَنَا ... إلَى حَمَامَتِنَا أَوْ نصْفَهُ فَقَدِ
стр. 303
يروى بنصب "الحمام" على الإعمال، ورفعه على الإهمال، وأما البواقي فذهب الزجاج وابن السراج إلى جوازه فيها قياسا، ووافقهم الناظم؛ ولذلك أطلق في قوله: "وقد يبقى العمل"؛ ومذهب سيبويه المنع، لما سبق من أن "ما" أزالت اختصاصها بالأسماء وهيأتها للدخول على الفعل، نحو: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١، ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ ٢، وقوله "من الطويل":
فَوَاللَّهِ مَا فَارَقْتُكُمْ قَالِيا لَكُمْ ... وَلَكِنَّ مَا يُقْضَى فَسَوْفَ يَكُونُ٣
وقوله "من الطويل":
٢٧٢-
أَعِدْ نَظَرا يَا عَبْدَ قَيْسٍ لَعَلَّمَا ... أَضَاءَتْ لَكَ الْنَّارُ الْحِمَارَ الْمُقَيَّدَا
بخلاف "ليت" فإنها باقية على اختصاصها بالأسماء، ولذلك ذهب بعض النحويين إلى وجوب الإعمال في "ليتما"؛ وهو يشكل على قوله في شرح التسهيل: يجوز إعمالها وإهمالها بإجماع.
стр. 304
"العطف على أسماء هذه الحروف":
١٨٨-
وجائز رفعك معطوفا على ... منصوب "إن" بعد أن تستكملا
"وَجَائِزٌ" بالإجماع "رَفْعُكَ مَعْطُوْفا عَلَى مَنْصُوْبِ إِنَّ" المكسورة "بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلا" خبرها، نحو: "إن زيداً آكل طعامك وعمرو"، ومنه نحو "من الطويل":
٢٧٣-
فَمَنْ يَكُ لَمْ يُنْجِبْ أَبُوهُ وَأُمُّهُ ... فَإِنَّ لَنَا الأمَّ النَّجِيبَةَ وَالأَبُ
وليس معطوفا حينئذٍ على محل الاسم -مثل: "ما جاءني من رجل ولا امرأة"، بالرفع- لأن الرفع في مسألتنا الابتداء وقد زال بدخول الناسخ، بل إما مبتدأ محذوف والجملة ابتدائية عطف على محل ما قبلها من الابتداء، أو مفرد معطوف على الضمير في الخبر "إن" كان فاصل، كما في المثال والبيت، فإن لم يكن فاصل -نحو: "إن زيدا قائم وعمرو"- تعين الوجه الأول، وقد أشعر قوله: "وجائز" أن النصب هو الأصل والأرجح.
أما إذا عطف على المنصوب المذكور قبل استكمال "إن" خبرها تعين النصب، وأجاز الكسائي الرفع مطلقا؛ تمسكا بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا
стр. 305
وَالصَّابِئُونَ﴾ ١، وقراءة بعضهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ ٢ برفع ملائكته، وقوله "من الطويل":
٢٧٤-
فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فَإِنّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ
وخرج ذلك على التقديم والتأخير، أو حذف الخبر من الأول، كقوله "من الطويل":
٢٧٥-
خَلِيْلَيَّ هَلْ طِبٌّ فَإني وَأَنْتُمَا ... وَإِنْ لَمْ تَبُوحَا بِالهَوى دَنِفانِ
стр. 306
ويتعين الأول في قوله:
فَإِنِّي وَقَيارٌ بِهَا لَغَرِيبُ١
لأجل اللام في الخبر، والثاني في "وملائكته" لأجل الواو في "يصلون" إلا أن قدرت للتعظيم، مثلها في ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ٢. ووافق الفراء الكسائي فيما خفي فيه إعراب المعطوف عليه، نحو: "إنك وزيد ذاهبان"، و"إن هذا وعمرو عالمان"؛ تمسكا ببعض ما سبق، قال سيبويه: واعلم أن ناسا من العرب يغلطون فيقولون: "إنهم أجمعون ذاهبون"؛ و"إنك وزيد ذاهبان".
١٨٩-
وألحقت بإن لكن وأن ... من دون ليت ولعل وكأن
"وَأُلْحِقَتْ بِإِنَّ" المكسورة فيما تقدم من جواز العطف بالرفع بعد الاستكمال "لَكِنَّ" باتفاق، كقوله "من الطويل":
٢٧٦-
وَمَا قَصَّرَتْ بِي فِي الْتَّسَامِي خُؤُولَةٌ ... وَلَكِنَّ عَمِّي الطَيّبُ الأصلِ وَالخَالُ
стр. 307
"وَأن" المفتوحة على الصحيح، إذا كان موضعها موضع الجملة؛ بأن تقدمها علم أو معناه، نحو: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ١ "مِنْ دُوْنِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَن" حيث لا يجوز في المعطوف مع هذه الثلاث إلا النصب: تقدم المعطوف، أو تأخر؛ لزوال معنى الابتداء معها، وأجاز الفراء الرفع معها أيضا، متقدما ومتأخرا بشرطه السابق، وهو خفاء العرب.
"تخفيف "إن" وعملها":
١٩٠-
وخففت إن فقل العمل ... وتلزم اللام إذا ما تهمل
١٩١-
وربما استغني عنها إن بدا ... ما ناطق أراده معتمدا
"وَخُفِّفَتْ إنَّ" المكسورة "فَقَلَّ الْعَمَلُ" وكثر الإهمال؛ لزوال اختصاصها حينئذٍ، نحو: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ ٢، وجاز إعمالها استصحابا للأصل، نحو: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ ٣، "وَتَلْزَم الَّلامُ إذا مَا تُهْمَلُ" لتفرق بينها وبين "إن" النافية، ولهذا تسمى اللام الفارقة، وقد عرفت أنها لا تلزم عند الإعمال لعدم اللبس.
стр. 308
تنبيه: مذهب سيبويه أن هذه اللام هي لام الابتداء، وذهب الفارسي إلى أنها غيرها اجتلبت للفرق، ويظهر أثر الخلاف في نحو قوله ﵊: "قد علمنا إن كنت لمؤمنا" فعلى الأول يجب كسر "إن"، وعلى الثاني يجب فتحها.
٢٧٧-
إن الحق لا يخفى على ذي بصيرة ... "وإن هو لم يعدم خلاف معاند"
أو معنوية، كقوله "من الطويل":
٢٧٨-
أنا ابن أباة الضيم من آل مالك ... وإن مالك كانت كرام المعادن
стр. 309
١٩٢-
والفعل إن لم يك ناسخا فلا ... تلفيه غالبا بإن ذي موصلا
"وَالْفِعْلُ إنْ لَمْ يَكُ نَاسِخا" للابتداء، وهو "كان" و"كاد" و"ظن" وأخواتها "فَلاَ تُلْفِيهِ" أي: لا تجده "غَالِبا بِأَنْ ذِي" المخففة من الثقيلة "مُوصِلا"؛ وإن كان ناسخا وجدته موصلا بها كثيرا، نحو: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ ١، ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٢، وأكثر منه كونه ماضيا، نحو: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ ٣، ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ٤، ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ ٥، ومن النادر قوله "من الكامل":
٢٧٩-
شَلَّتْ يَمِينُكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمَا ... "وجبت عليك عقوبة المتعمد"
стр. 310
ولا يقاس عليه نحو: "إن قام لأنا"، و"إن قعد لزيد"، خلافًا للأخفش والكوفيين، وأندر منه كونه لا ناسخًا ولا ماضيًا، كقولهم: "إن يزينك لنفسك، وإن يشينك لهيه".
"تخفيف "أن" وعملها":
١٩٣-
وإن تخفف أن فاسمها استكن ... والخبر اجعل جملة من بعد أن
"وَإنْ تُخَفَّفْ أنَّ" المفتوحة "فَاسْمُهَا" الذي هو ضمير الشأن "اسْتَكَن" بمعنى حذف من اللفظ وجوبًا، ونوى وجوده، لا أنها تحملته؛ لأنها حرف، وأيضًا فهو ضمير نصب، وضمائر النصب لا تستكن، وأما بروز اسمها وهو غير ضمير الشأن في قوله "من الطويل":
٢٨٠-
فَلَوْ أنَّكِ فِي يَوْمِ الْرَّخَاءِ سَأَلْتِنِي ... طَلاَقَكِ لَمْ أَبْخَلْ وَأَنْتِ صَدِيْقُ
стр. 311
وقوله "من المتقارب":
٢٨١-
بِأَنْكَ رَبِيعٌ وَغَيْثٌ مَرِيعٌ ... وَأَنْكَ هُنَاكَ تَكُونُ الثِّمَالا
فضرورة.
"وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ أَنْ"، نحو: "علمت أن زيد قائم"، فـ"أن": مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، و"زيد قائم" جملة في موضع رفع خبرها.
تنبيه: أن المفتوحة أشبه بالفعل من المكسورة، لأن لفظها كلفظ "عض" مقصودا به
стр. 312
الماضي أو الأمر، والمكسورة لا تشبه إلا الأمر، كـ"جد"، فلذلك أوثرت "أن" المفتوحة المخففة ببقاءِ عملها على وجه يبين فيه الضعف، وذلك بأن جعل اسمها محذوفا، لتكون بذلك عاملة كلا عاملة، ومما يوجب مزيتها على المكسورة أن طلبها لما تعمل فيه من جهة الاختصاص ومن جهة وصليتها بمعمولها، ولا تطلب المكسورة ما تعمل فيه إلا من جهة الاختصاص، فضعفت بالتخفيف، وبطل عملها بخلاف المفتوحة.
١٩٤-
وإن يكن فعلا ولم يكن دعا ... ولم يكن تصريفه ممتنعا
١٩٥-
فالأحسن الفصل بقد أو نفي أو ... تنفيس أو لو وقليل ذكر لو
"وَإنْ يَكُنْ" صدر الجملة الواقعة خبر "أن" المفتوحة المخففة "فِعْلا وَلَمْ يَكُنْ" ذلك الفعل "دَعَا وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعا فَالأَحْسَنُ" حينئذٍ "الْفَصْلُ" بين أن وبينه "بِقَدْ"، نحو: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ ١، وقوله "من الحديث":
٢٨٢-
شَهَدْتُ بِأَنْ قَدْ خُطَّ مَا هُو كَائِنٌ ... وَأَنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ
стр. 313
"أو نَفْيٍ" بـ"لا"، و"لن"، أو "لم"، نحو: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ١، ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ٢، ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ٣ "أوْ" حرف "تَنْفِيسٍ"، نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ ٤، وقوله "من السريع":
٢٨٣-
وَاعْلَمْ فَعِلْمُ الْمَرْءِ يَنْفَعُهُ ... أنْ سَوْفَ يَأتِي كُلُّ مَا قُدِرَا
"أوْ لَوْ"، نحو: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ ٥، "وَقَلِيْلٌ" في كتب النحاة "ذِكْرُ لَوْ" وإن كان كثيرا في لسان العرب، وأشار بقوله: "فالأحسن الفصل" إلى أنه قد يرد والحالة
أما إذا كانت جملة الخبر اسمية، أو فعلية فعلها جامد، أو دعاء فلا تحتاج إلى فاصل، كما هو مفهوم الشرط من كلامه، نحو: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ٢، ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ ٣.
"تخفيف "كأن" وعملها":
١٩٦-
وخففت كأن أيضا فنوي ... منصوبها وثابتا أيضا روي
"وَخُفِّفَتْ كَأَنْ أيْضا" حملا على أن المفتوحة "فَنُوِي مَنْصُوبُهَا" وهو ضمير الشأن كثيرا "وَثَابِتا أيْضا رُوِي" وهو غير ضمير الشأن قليلا كمنصوب "أن"، فمن الأول قوله "من الهزج":
٢٨٦-
وَصَدْرٍ مُشْرِقِ الْنَّحْرِ ... كَأَنْ ثَدْيَاهُ حُقَّانِ
стр. 316
وقوله "من الطويل":
٢٨٧-
وَيَوْما تُوَافِينَا بِوَجْهِ مُقسَّمٍ ... كَأَنْ ظَبْيَةٌ تَعْطُو إلَى وَارَقِ السَّلَم
على رواية من رفع فيهما، وعلى رواية النصب هما من الثاني، وقد عرفت أنه لا يلزم في خبرها عند حذف الاسم أن يكون جملة، كما في "أن"، بل يجوز جملة في البيت الأول، وأن يكون مفردا كما في الثاني.
تنبيه: إذا كان خبر "كأن" المخففة جملة اسمية لم يحتج إلى فاصل، كما في البيت
стр. 317
الأول، وإن كانت فعلية فصلت بـ"قد" أو "لم" نحو: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ ١، وكقوله "من الخفيف":
٢٢٨-
لاَ يَهُولَنَّكَ اصطِلاَءُ لظَى الحَرْ ... بِ فَمَحْذُورُهَا كَأَن قَدْ أَلمَّا
стр. 318
"تخفيف "لعل" و"لكن":
خاتمة: لا يجوز تخفيف "لعل" على اختلاف لغاتها، وأما "لكن" فتخفف فتهمل وجوبا، نحو: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ ١؛ وأجاز يونس والأخفش إعمالها حينئذٍ قياسا، وحكي عن يونس أنه حكاه عن العرب، والله أعلم.
стр. 319
" لا" التي لنفي الجنس:
اعلم أنه إذا قصد بـ"لا" نفي الجنس على سبيل الاستغراق اختصت بالاسم؛ لأن قصد الاستغراق على سبيل التنصيص يستلزم وجود "من" لفظا أو معنى، ولا يليق ذلك إلا بالأسماء النكرات؛ فوجب لـ"لا" عند ذلك القصد عمل فيما يليها، وذلك العمل: إما رفع، وإما نصب، وإما جر؛ فلم يكن جرا لئلا يعتقد أنه بـ"من" المنوية؛ فإنها في حكم الموجودة؛ لظهورها في بعض الأحيان كقوله "من الطويل":
٢٨٩-
فقام يذود الناس عنها بسيفه ... وقال ألا لا من سبيل إلى هند
стр. 320
ولم يكن رفعا؛ لئلا يعتقد أنه بالابتداء، فتعين النصب؛ ولأن في ذلك إلحاقا لـ"لا" بـ"إن" لمشابهتها إياها في التوكيد، فإن "لا" لتوكيد النفي، و"إن" لتوكيد الإثبات، ولفظ "لا" مساو للفظ "إن" إذا خففت في تضمن متحرك بعده ساكن، فلما ناسبتها حملت عليها في العمل، وقد أشار إلى عملها على وجه يؤذن بذلك فقال:
"شروط إعمال "لا" النافية للجنس ":
١٩٧-
عمل إن اجعل للا في نكره ... مفردة جاءتك أو مكرره
"عمل إن اجعل للا في نكره مفردة جاءتك"، نحو: "لا غلام رجل قائم"؛ "أو مكرره"، نحو: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، وهو مع المفردة على سبيل الوجوب، ومع المكررة على سبيل الجواز، كما ستراه.
تنبيه: شروط إعمال "لا" العمل المذكور على ما أفهمه كلامه تصريحا وتلويحا سبعة: أن تكون نافية، وأن يكون منفيها الجنس، وأن يكون نفيه نصا، وأن لا يدخل عليها جار، وأن يكون اسمها نكرة، وأن يتصل بها، وأن يكون خبرها أيضا نكرة.
فإن كانت غير نافية لم تعمل، وشذ إعمال الزائدة في قوله "من البسيط":
٢٩٠-
لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها ... إذن للام ذوو أحسابها عمرا