وقوله "من الطويل":
٣٢٧-
تعلم رسول الله أنك مدركي ... "وأن وعيدا منك كالأخذ باليد"
وفي حديث الدجال "تعلموا أن ربكم ليس بأعور" أي: اعلموا.
فإن كانت بمعنى "تعلم الحساب" ونحوه، تعدت لواحد.
فقد بان لك أن أفعال القلوب المذكورة على أربعة أنواع:
الأول: ما يفيد في الخبر يقينا، وهو ثلاثة: وجد، وتعلم، ودرى.
والثاني: ما يفيد فيه رجحانا، وهو خمسة: جعل، وحجا، وعد، وزعم، وهب.
والثالث: ما يرد للآمرين، والغالب كونه لليقين، وهو اثنان: رأى، وعلم.
стр. 352
والرابع: ما يرد لهما والغالب كونه للرجحان، وهو ثلاثة: ظن، وخال، وحسب.
تنبيه: إنما قال: "أعني رأى, إلى آخره" إيذانا بأن أفعال القلوب ليست كلها تنصب مفعولين؛ إذ منها ما لا ينصب إلا مفعولا واحدا، نحو: "عرف" و"فهم"، ومنها لازم، نحو: "جبن" و"حزن".
وهذا شروع في النوع الثاني من أفعال الباب، وهي أفعال التصيير "والتي كصيرا" من الأفعال في الدلالة على التحويل، نحو: جعل، واتخذ، وتخذ، ووهب، وترك، ورد "أيضا بها انصب" بعد أن تستوفي فاعلها "مبتدأ وخبرا"، نحو "من الرجز":
٣٢٨-
"ولعبت طير بهم أبابيل" ... فصيروا مثل كعصف مأكول
ونحو: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ ١، ونحو: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ٢ وكقوله "من الوافر":
٣٢٩-
تخذت غراز إثرهم دليلا ... "وفروا في الحجاز ليعجزوني"
стр. 353
وما حكاه ابن الأعرابي من قولهم: وهبني الله فداك، ونحو: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ١، وقوله "من الطويل":
٣٣٠-
وربيته حتى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه
стр. 354
ونحو: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ ١، وقوله "من الوافر":
٣٣١-
رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا
٢٠٩-
وخص بالتعليق والإلغاء ما ... من قبل هب والأمر عب قد ألزما
٢١٠-
كذا تعلم ولغير الماض من ... سواهما اجعل كل ما له زكن
"وخص بالتعليق"، وهو إبطال العمل لفظا لا محلا "والإلغاء" هو إبطاله لفظا ومحلا،
стр. 355
"ما" ذكر "من قبل هب" من أفعال القلوب، وهو أحد عشر فعلا، وذلك لأن هذه الأفعال لا تؤثر فيما دخلت عليه تأثير الفعل في المفعول؛ لأن متناولها في الحقيقة ليس هو الأشخاص، وإنما متناولها الأحداث التي تدل عليها أسامي الفاعلين والمفعولين، فهي ضعيفة العمل؛ بخلاف أفعال التصيير. وإنما لم يدخل التعليق والإلغاء "هب" و"تعلم" -وإن كان قلبيين- لضعف شبههما بأفعال القلوب، من حيث لزوم صيغة الأمر، كما أشار إليه بقوله: "والأمر هب قد ألزما، كذا تعلم" ألزما: ماض مجهول فيه ضمير مستتر يعود على "هب" نائب عن الفاعل، والألف للإطلاق، والأمر نصب بالمفعولية، والجملة خبر المبتدأ، وهو "هب".
"ولغير الماض" وهو: المضارع، والأمر، واسم الفاعل، واسم المفعول، والمصدر "من سواهما" أي: سوى "هب" و"تعلم"، من أفعال الباب "اجعل كل ماله"، أي: للماضي "زكن"، أي: علم، من الأحكام، من نصب مفعولين هما في الأصل مبتدأ وخبر، نحو: "أظن زيدا قائما"، ويا هذا ظن زيدا قائما، و"أنا ظان زيدا قائما"، و"مررت برجل مظنون أبوه قائما"، و"أعجبني ظنك زيدا قائما"؛ ومن جواز الإلغاء في القلبي وتعليقه على ما ستراه.
٢١١-
وجوز الإلغاء لا في الابتدا ... وانو ضمير الشأن أو لام ابتدا
٢١٢-
في موهم إلغاء ما تقدما ... والتزم التعليق قبل نفي "ما"
٢١٣-
و"إن" و"لا" لام ابتداء أو قسم ... كذا والاستفهام ذا له انحتم
"وجوز الإلغاء لا في" حال "الابتدا" بالفعل، بل في حال توسطه أو تأخره، وصدق ذلك بثلاث صور:
стр. 356
الأولى: أن يتوسط الفعل بين المفعولين، والإلغاء والإعمال حينئذ سواء، كقوله "من الوافر":
٣٣٢-
شجاك أظن ربع الظاعنين ... "فلم تعبأ بعذل العاذلينا"
يروى برفع "ربع" على أنه فاعل "شجاك": أي أحزنك، و"أظن": لغو، وينصبه على أنه مفعول أول لـ"أظن"، و"شجاك": المفعول الثاني مقدم.
الثانية: أن يتأخر عنهما، والإلغاء حينئذ أرجح، كقوله "من الخفيف":
٣٣٣-
آت الموت تعلمون فلا ير ... هبكم من لظى الحروب اضطرام
стр. 357
الثالثة: أن يتقدم عليهما ولا يبتدأ به، بل يتقدم عليه شيء، نحو: "متى ظننت زيدا قائما"، والإعمال حينئذ أرجح، وقيل: واجب.
ولا يجوز إلغاء المتقدم، خلافا للكوفيين والأخفش؛ "وانو ضمير الشأن"؛ ليكون هو المفعول الأول، والجزآن جملة في موضع المفعول الثاني، "أو" انو "لام ابتدا" لتكون المسألة من باب التعليق "في موهم إلغاء ما تقدما" كقوله "من البسيط":
٣٣٤-
أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل
стр. 358
وقوله "من البسيط":
٣٣٥-
كذاك أدبت حتى صار من خلقي ... أني رأيت ملاك الشيمة الأدب
فعلى الأول التقدير: إخاله، ورأيته: أي الشان، وعلى الثاني لملاك، وللدينا، فالفعل عامل على التقديرين.
نعم يجوز أن يكون ما في البيتين من باب الإلغاء؛ لتقدم "ما" في الأول و"إني" في الثاني على الفعل، لكن الأرجح خلافه، كما عرفت، فالحمل على ما سبق أولى.
стр. 359
"والتزم التعليق" عن العمل في اللفظ، إذا وقع الفعل قبل شيء له الصدر، كما إذا وقع "قبل نفي ما" النافية، نحو: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ١، "وإن، ولا" النافيتين في جواب قسم ملفوظ أو مقدر، نحو: "علمت والله إن زيد قائم، و"علمت إن زيد قائم"، و"علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو"، و"علمت لا زيد في الدار ولا عمرو"؛ "ولام ابتداء أو" لام جواب "قسم كذا"، نحو: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ ٢، وكقوله "من الكامل":
٣٣٦-
ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها
"والاستفهام ذا" الحكم "له انحتم" سواء كان بالحرف، نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ
стр. 360
بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ ١ أم بالاسم، سواء كان الاسم مبتدأ نحو: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ ٢، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا﴾ ٣، أم خبرا، نحو: "علمت متى السفر"، أم مضافا إليه المبتدأ، نحو: "علمت أبو من زيد"، أم فضلة، نحو: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ٤ فـ"أي": نصب على المصدر بما بعده، أي: ينقلبون منقلبا أي انقلاب، وليس منصوبا بما قبله؛ لأن الاستفهام له الصدر؛ فلا يعمل فيه ما قبله.
تنبيهات: الأول: إذا كان الواقع بين المعلق والمعلق غير مضاف، نحو: "علمت زيدا من هو"، جاز نصبه، وهو الأجود؛ ولكونه غير مستفهم به ولا مضاف إلى مستفهم به، وجاز أيضا رفعه؛ لأنه المستفهم عنه في المعنى، وهذا شبيه بقولهم: "إن أحدا لا يقول ذلك"، فـ"أحد" هذا لا يستعمل إلا بعد نفي، وهنا قد وقع قبل النفي؛ لأنه والضمير في "لا يقول" شيء واحد في المعنى.
الثاني: من المعلقات أيضا "لعل"، نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ﴾ ٥. ذكر ذلك أبو علي في التذكرة، و"لو" الشرطية؛ كقوله "من الطويل":
٣٣٧-
وقد علم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر
стр. 361
و"إن" التي في خبرها اللام، نحو: "علمت إن زيدا لقائم"، ذكر ذلك جماعة من المغاربة. والظاهر أن المعلق إنما هو اللام لا "إن"، إلا أن ابن الخباز حكى في بعض كتبه أنه يجوز: "علمت إن زيدا قائم"، بالكسر مع عدم اللام، وأن ذلك مذهب سيبويه، فعلى هذا المعلق "إن".
الثالث: قد عرفت أن الإلغاء سبيله عند وجود سببه الجواز، والتعليق سبيله الوجوب، وأن الملغى لا عمل له البتة، والمعلق عامل في المحل، حتى يجوز العطف بالنصب على المحل، كقوله "من الطويل":
٣٣٨-
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت
يروى بنصب "موجعات" بالكسرة عطفا على محل قوله "ما البكا".
ووجه تسميته تعليقا أن العامل ملغى في اللفظ عامل في المحل؛ فهو عامل لا عامل،
стр. 362
فسمي معلقا أخذا من المرأة المعلقة التي لا مزوجة ولا مطلقة؛ ولهذا قال ابن الخشاب: لقد أجاد أهل هذه الصناعة في هذا اللقب لهذا المعنى.
الرابع: قد ألحق بأفعال القلوب في التعليق أفعال غيرها، نحو: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ ١، ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ ٢، ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ ٣، ﴿يَسْأَلونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ ٤، ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ ٥؛ ومنه ما حكاه سيبويه من قولهم: أما ترى أي برق ههنا.
٢١٤-
"لعلم عرفان وظن تهمه ... تعدية لواحد ملتزمه"
نحو: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ٦، أي: لا تعرفون، وتقول: "سرق مالي" و"ظننت زيدا": أي اتهمته، واسم المفعول منه "مظنون" و"ظنين"، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ٧: أي بمتهم.
وقد نبهت على استعمال بقية أفعال القلوب في غير ما يتعدى فيه إلى مفعولين كما رأيت؛ وإنما خص هو "علم" و"ظن" بالتنبيه لأنهما الأصل؛ إذ غيرهما لا ينصب المفعولين إلا إذا كان بمعناهما، وأيضا فغيرهما عند عدم نصب المفعولين يخرج عن القلبية غالبا، بخلافهما.
٢١٥-
ولرأى الرؤيا انم ما لعلما ... طالب مفعولين من قبل انتمى
"ولرأى" التي مصدرها "الرؤيا" وهي الحلمية "انم"، أي: انسب "ما لعلما طالب مفعولين من قبل انتمى"، أي: انتسب، "ما" موصول صلته "انتمى" في موضع نصب مفعول لـ"انم"، و"طالب" حال من "علم"، و"لرأى" متعلق بـ"انم"، و"لعلما" متعلق بـ"انتمى"، وكذلك "من قبل". والتقدير: انسب لرأى التي مصدرها الرؤيا الذي انتسب
стр. 363
لـ"علم" متعدية إلى مفعولين من الأحكام، وذلك لأنها مثلها من حيث الإدراك بالحس الباطن، قال الشاعر "من الوافر":
٢٣٩-
أبو حنش يؤرقني وطلق ... وعمار وآونة أثالا
أراهم رفقتي حتى إذا ما ... تجافى الليل وانخزل انخزالا
إذا أنا كالذي يجري لورد ... إلى آل فلم يدرك بلالا
стр. 364
فهو من "أراهم" مفعول أول، و"رفقتي" مفعول ثان.
وإنما قيد بقوله: "طالب مفعولين من قبل" لئلا يعتقد أنه أحال على "علم" العرفانية.
فإن قلت: ليس في قوله "الرؤيا" نص على المراد؛ إذ الرؤيا تستعمل مصدرا لـ"رأى" مطلقا حلمية كانت أو يقظية.
قلت: الغالب والمشهور كونها مصدرا للحلمية.
"حذف معمولي هذه الأفعال أو أحدهما لدليل أو لغيره":
٢١٦-
ولا تجز هنا بلا دليل ... سقوط مفعولين أو مفعول
"ولا تجز هنا" في هذا الباب "بلا دليل سقوط مفعولين أو مفعول" ويسمى اقتصارا؛ أما الثاني فبالإجماع؛ وفي الأول -وهو حذفهما معا اقتصارا- خلاف؛ فعن سيبويه والأخفش المنع مطلقا، كما هو ظاهر إطلاق النظم، وعن الأكثرين الجواز مطلقا، تمسكا بنحو: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ ١، أي: يعلم، ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ٢، وقولهم: "من يسمع يخل"٣؛ وعن الأعلم الجواز في أفعال الظن دون أفعال العلم.
أما حذفهما لدليل -ويسمى اختصارا- فجائز إجماعا، نحو؛ ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ٤؛ وقوله "من الطويل":
٣٤٠-
بأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حبهم عارا علي وتحسب
стр. 365
وفي حذف أحدهما اختصارا خلاف؛ فمنعه ابن ملكون، وأجازه الجمهور.
ومن ذلك -والمحذوف الأول- قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ١ في قراءة يحسبن بالياء آخر الحروف، أي: ولا يحسبن الذين يبخلون ما يبخلون به هو خيرا.
ومنه -والمحذوف الثاني- قوله "من الكامل":
٣٤١-
ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
стр. 366
٢١٧-
وكتظن اجعل "تقول" إن ولي ... مستفهما به ولم ينفصل
٣١٨-
بغير ظرف أو كظرف أو عمل ... وإن ببعض ذي فصلت يحتمل
"وكتظن" عملا ومعنى "اجعل" جوازا. "تقول" مضارع "قال" المبدوء بتاء الخطاب؛ فانصب به مفعولين "إن ولي مستفهما به" من حرف أو اسم "ولم ينفصل" عنه "بغير ظرف أو كظرف" وهو الجار والمجرور "أو عمل" أي: معمول "وإن ببعض ذي" المذكورات "فصلت يحتمل"؛ فمن ذلك حيث لا فصل قوله "من الطويل":
٣٤٢-
علام تقول الرمح يثقل عاتقي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
стр. 367
وقوله "من الرجز":
٣٤٣-
متى تقول القلص الرواسما ... يدنين أم قاسم وقاسما
ومنه مع الفصل بالظرف قوله "من البسيط":
٣٤٤-
أبعد بعد تقول الدار جامعة ... شملي بهم أم تقول البعد محتوما
стр. 368
ومنه مع الفصل بالمعمول قوله "من الوافر":
٣٤٥-
أجهالا تقول بني لؤي ... لعمر أبيك أم متجاهلينا
فإن فقد شرط من هذا الأربعة تعين رفع الجزءين على الحكاية، نحو: "قال زيد عمرو منطلق"، و"يقول زيد عمرو منطلق"، و"أنت تقول زيد منطلق"، و"أأنت تقول زيد منطلق".
تنبيه: زاد السهيلي شرط آخرا، وهو ألا يتعدى باللام، نحو: "أتقول لزيد عمرو منطلق"، وزاد في التسهيل أن يكون حاضرا، وفي شرحه أن يكون مقصودا به الحال. هذا كله في غير لغة سليم.
стр. 369
٢١٩-
وأجري القول كظن مطلقا ... عند سليم نحو "قل ذا مشفقا"
"وأجري القول كظن مطلقا" أي: ولو مع فقد الشروط المذكورة "عند سليم نحو قل ذا مشفقا" وقوله "من الرجز":
٣٤٦-
قالت وكنت رجلا فطينا ... هذا لعمر الله إسرائينا
تنبيه: على هذه اللغة تفتح "أن" بعد "قلت" وشبهه، ومنه قوله "من الطويل":
٣٤٧-
إذا قلت أني آئب أهل بلدة ... وضعت بها عنه الولية بالهجر
стр. 370
خاتمة: قد عرفت أن القول إنما ينصب المفعولين حيث تضمن معنى الظن، وإلا فهو وفروعه مما يتعدى إلى واحد، ومفعوله إما مفرد، وهو على نوعين: مفرد في معنى الجملة، نحو: "قلت شعرا، وخطبة، وحديثا"؛ ومفرد يراد به مجرد اللفظ، نحو: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ ١ أي: يطلق عليه هذا الاسم، ولو كان مبنيا للفاعل لنصب "إبراهيم"، خلافا لمن منع هذا النوع. وممن أجازه ابن خروف والزمخشري. وإما جملة فتحكى به، فتكون في موضوع مفعوله، والله أعلم.
стр. 371
" أعلم" و"أرى" وأخواتهما:
٢٢٠-
إلى ثلاثة رأى وعلما ... عدوا إذا صار أرى وأعلما
"إلى ثلاثة" من المفاعيل "رأى وعلما" المتعديين إلى مفعولين "عدوا إذا" دخلت عليهما همزة النقل و"صارا أرى وأعلما"؛ لأن هذه الهمزة تدخل على الفعل الثلاثي فيتعدى بها إلى مفعول كان فاعلا قبل؛ فيصير متعديا إن كان لازما، نحو: "جلس زيد"، و"أجلست زيدا"، ويزاد مفعولا إن كان متعديا، نحو: "لبس زيد جبة"، و"ألبست زيدا جبة"، و"رأيت الحق غالبا"، و"أراني الله الحق غالبا"، و"علمت الصدق نافعا"، و"أعلمني الله الصدق نافعا".
٢٢١-
وما لمفعولي علمت مطلقا ... للثان والثالث أيضا حققا
"وما" حقق "لمفعولي علمت" ورأيت من الأحكام "مطلقا للثان والثالث" من مفاعيل "أعلم" و"أرى" "أيضا حققا"؛ فيجوز حذفهما معا اختصارا إجماعا، وفي حذف أحدهما اختصارا ما سبق، ويمتنع حذف أحدهما اقتصارا إجماعا، وفي حذفهما معا اقتصارا الخلف السابق، ويجوز إلغاء العامل بالنسبة إليهما، نحو: "عمرو أعلمت زيدا قائم"، ومنه "البركة أعلمنا الله مع الأكابر"، وقوله "من الطويل":
٣٤٨-
وأنت أراني الله أمنع عاصم ... وأرأف مستكفى وأسمع واهب
стр. 372
وكذلك يعلق الفعل عنهما، نحو: "أعلمت زيدا لعمرو قائم"، و"أريت خالدا لبكر منطلق"؛ وأما المفعول الأول فلا يجوز تعليق الفعل عنه، ولا إلغاؤه، ويجوز حذفه اختصارا واقتصارا.
٢٢٢-
وإن تعديا لواحد بلا ... همز فلاثنين به توصلا
٢٢٣-
والثان منهما كثاني اثني كسا ... فهو به في كل حكم ذو ائتسا
"وإن تعديا" أي: "رأى" و"علم" "لواحد بلا همز" بأن كانت "رأى" بصرية و"علم" عرفانية "فلاثنين به"، أي: بالهمز "توصلا"؛ لما عرفت، فتقول: أريت زيدا الهلال، وأعلمته الخبر.
"والثان منهما"، أي: من هذين المفعولين "كثاني اثني" مفعولي "كسا" وبابه من كل فعل يتعدى إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، نحو: "كسوت زيدا جبة"، و"أعطيته درهما" "فهو" أي الثاني من هذين المفعولين "به"، أي: بالثاني من مفعولي باب كسا "في كل حكم ذو ائتسا"، أي: ذو اقتداء؛ فيمتنع أن يخبر به عن الأول، ويجوز الاقتصار عليه، وعلى الأول، ويمتنع الإلغاء.
نعم يستثنى من إطلاقه التعليق؛ فإن "أعلم" و"أرى" هذين يعلقان عن الثاني؛ لأن
стр. 373
"أعلم" قلبية و"أرى" وإن كانت بصرية فهي ملحقة بالقلبية في ذلك، ومن تعليق "أرى" عن الثاني قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ١.
٢٢٤-
وكأرى السابق نبا أخبرا ... حدث أنبأ كذاك خبرا
"وكأرى السابق" المتعدي إلى ثلاثة مفاعيل فيما عرفت من الأحكام "نبا" وأخبرا" و"حدث" و"أنبأ" و"كذاك خبرا" لتضمنها معناه، كقوله "من الكامل":
٣٤٩-
نبئت زرعة والسفاهة كاسمها ... يهدي إلي غرائب الأشعار
وكقوله "من البسيط":
٣٥٠-
وما عليك إذا أخبرتني دنفا ... وغاب بعلك يوما أن تعوديني
стр. 374
وكقوله "من الخفيف":
٣٥١-
أو منعتم ما تسألون فمن ... حدثتموه له علينا الولاء
стр. 375
وكقوله "من المتقارب":
٣٥٢-
وأنبئت قيسا ولم أبله ... كما زعموا خير أهل اليمن
وكقوله "من الطويل":
٣٥٣-
وخبرت سوداء الغميم مريضة ... فأقبلت من أهلي بمصر أعودها
стр. 376
تنبيه: دخول همزة النقل وصوغ الفعل للمفعول متقابلان بالنسبة إلى ما ينشأ عنهما؛ فدخول الهمزة على الفعل يجعله متعديا إلى مفعول لم يكن متعديا إليه قبل الصوغ؛ فالذي لا يتعدى إن دخلته همزة النقل تعدى إلى واحد، والمتعدي إلى ثلاثة إذا صغته للمفعول صار متعديا إلى اثنين، وذو الاثنين يصير متعديا إلى واحدا، وذو الواحد يصير غير متعد؛ فإن كان المصوغ للمفعول من باب "أعلم" لحق بباب "ظن"، وإن كان من باب "ظن" لحق بباب "كان"، وكالمصوغ للمفعول في ذلك المطاوع، اهـ.
خاتمة: أجاز الأخفش أن يعامل غير "علم" و"رأى" من أخواتهما القلبية الثنائية معاملتهما في النقل إلى ثلاثة بالهمزة، فيقال على مذهبه: "أظننت زيدا عمرا فاضلا"، وكذلك "أحسبت"، و"أخلت"، و"أزعمت". ومذهبه في ذلك ضعيف؛ لأن المتعدي بالهمزة فرع المتعدي بالتجرد، وليس في الأفعال متعد بالتجرد إلى ثلاثة فيحمل عليه متعد بالهمزة، وكان مقتضى هذا ألا ينقل "علم" و"رأى" إلى ثلاثة، لكن ورد السماع بنقلهما فقبل، ووجب ألا يقاس عليهما، ولا يستعمل استعمالها إلا ما سمع. ولو ساغ القياس على "أعلم" و"أرى" لجاز أن يقال: "ألبست زيدا عمرا ثوبا"، وهذا لا يجوز إجماعا. والله أعلم.
стр. 377
الفاعل:
"تعريفه وأحكامه":
٢٢٥-
الفاعل الذي كمرفوعي "أتى ... زيد" "منيرا وجهه" "نعم الفتى"
"الفاعل" في عرف النحاة: هو الاسم "الذي" أسند إليه فعل تام أصلي الصيغة أو مؤول به "كمرفوعي" الفعل والصفة من قولك: "أتى زيد منيرا وجهه نعم الفتى" فكل من "زيد" و"الفتى" فاعل؛ لأنه أسند إليه فعل "تام" أصلي الصيغة، إلا أن الأول متصرف والثاني جامد، و"وجهه" فاعل؛ لأنه أسند إليه مؤول بالفعل المذكور وهو "منيرا".
فالذي أسند إليه فعل يشمل الاسم الصريح، كما مثل، والمؤول به، نحو ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ ١، والتقييد بالفعل يخرج المبتدأ، وبالتام، نحو: اسم "كان"، وبأصلي الصيغة النائب عن الفاعل، وذكر "أو مؤول به" لإدخال الفاعل المسند إليه صفة، كما مثل، أو مصدر، أو اسم فاعل، أو ظرف، أو شبهه.
تنبيه: للفاعل أحكام أعطى الناظم منها بالتمثيل البعض، وسيذكر الباقي:
الأول: الرفع، وقد يجر لفظه بإضافة المصدر، نحو: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ﴾ ٢ أو اسمه، نحو: "من قبلة الرجل امرأته الوضوء"، أو بـ"من" أو الباء
стр. 378
الزائدتين، نحو: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ ١، ونحو: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ٢، وقوله "من الوافر":
ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد٣
ويقضى حينئذ بالرفع على محله، حتى يجوز في تابعه الجر حملا على اللفظ، والرفع حملا على المحل، نحو: "ما جاءني من رجل كريمٍ، وكريمٌ"، و"ما جاءني من رجل ولا امرأةٍ، ولا امرأةٌ"؛ فإن كان المعطوف معرفة تعين رفعه، نحو: "ما جاءني من عبد ولا زيد"؛ لأن شرط جر الفاعل بـ"من" أن يكون نكرة بعد نفي أو شبهه.
الثاني: كونه عمدة، لا يجوز حذفه؛ لأن الفعل وفاعله كجزأي كلمة لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وأجاز الكسائي حذفه تمسكا بنحو قوله "من الطويل":
٣٥٤-
فإن كان لا يرضيك حتى تردني ... إلى قطري لا إخالك راضيا
стр. 379
وأوله الجمهور على أن التقدير: فإن كان هو، أي: ما نحن عليه من السلامة.
الثالث: وجوب تأخيره عن رافعه، فإن وجد ما ظاهره تقدم الفاعل وجب تقدير الفاعل ضميرا مستترا، وكون المقدم إما مبتدأ كما في نحو: "زيد قام"، وإما فاعلا محذوف الفعل كما في نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ١ ويجوز الأمران في نحو: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ ٢، ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ ٣ والأرجح الفاعلية؛ لما سيأتي في باب الاشتغال، وإلى هذا الثالث الإشارة بقوله:
٢٢٦-
وبعد فعل فاعل فإن ظهر ... فهو وإلا فضمير استتر
"وبعد فعل" أي وشبهه "فاعل" "فاعل": مبتدأ خبره في الظرف قبله: أي يجب أن يكون الفاعل بعد الفعل "فإن ظهر" في اللفظ، نحو: "قام زيد"، و"الزيدان قاما" "فهو" ذاك "وإلا"، أي: وإلا يظهر في اللفظ "فضمير"، أي: فهو ضمير "استتر" نحو: "قم"، و"زيد قام"، و"هند قامت"؛ لما مر من أن الفعل وفاعله كجزأي كلمة، ولا يجوز تقديم عجز الكلمة على صدرها، وأجاز الكوفيون تقدم الفاعل مع بقاء فاعليته، تمسكا بقول الزباء "من الرجز":
٣٥٥-
ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا
стр. 380
وأوله البصريون على أن "مشيها" مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: مشيها يكون أو يوجد وئيدا، وقيل: ضرورة، وقد روي مثلنا: الرفع على ما ذكرنا، والنصب على المصدر، أي: تمشي مشيها؛ والخفض بدل اشتمال من الجمال.
٢٢٧-
وجرد الفعل إذا ما أسندا ... لاثنين أو جمع كـ"فاز الشهدا"
٢٢٨-
وقد يقال سعدا وسعدوا ... والفعل للظاهر بعد مسند
"وجرد الفعل" من علامة التثنية والجمع "إذا ما أسندا لاثنين" كفاز الشهيدان، ويفوز الشهيدان "أو جمع كفاز الشهدا" ويفوز الشهداء، وفازت الهندات، وتفوز الهندات؛ هذه اللغة المشهورة.
"وقد يقال" على لغة قليلة "سعدا" الزيدان، ويسعدان الزيدان، "وسعدوا" العمرون، ويسعدون العمرون، وسعدن الهندات، ويسعدن الهندات؛ ومن ذلك قوله "من الطويل":
٣٥٦-
تولى قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه مبعد وحميم
стр. 381
وقوله "من الخفيف":
٣٥٧-
نسيا حاتم وأوس لدن فا ... ضت عطاياك يابن عبد العزيز
وقوله "من الكامل":
٣٥٨-
نصروك قومي فاعتزرت بنصرهم ... ولو أنهم خذلوك كنت ذليلا
وقوله "من الطويل":
٣٦٠-
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر
ويعبر عن هذه اللغة بلغة "أكلوني البراغيث"، وعليه حمل الناظم قوله ﵊: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" أخرجه مالك في الموطأ. ثم قال: لكنني أقول في حديث مالك: إن الواو فيه علامة إضمار؛ لأنه حديث مختصر رواه البزار مطولا مجردا؛ فقال: "إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم".
وحكى بعض النحويين أنها لغة طيئ، وبعضهم أنها لغة أزد شنوءة.
"والفعل" على هذه اللغة ليس مسندا لهذه الأحرف، بل هو "للظاهر بعد مسند". وهذه أحرف دالة على تثنية الفاعل وجمعه، كما دلت التاء في: "قامت هند" على تأنيث الفاعل.
ومن النحويين من يحمل ما ورد من ذلك على أنه خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، ومنهم من يحمله على إبدال الظاهر من المضمر، وكلا الحملين غير ممتنع فيما سمع من غير أصحاب هذه اللغة؛ ولا يجوز حمل جميع ما جاء من ذلك على الإبدال أو التقدير والتأخير؛ لأن الأئمة المأخوذ عنهم هذا الشأن اتفقوا على أن قوما من العرب يجعلون هذه الأحرف علامات للتثنية والجمع، وذلك بناء منهم على أن من العرب من يلتزم مع تأخير الاسم
стр. 384
الظاهر الألف في فعل الاثنين، والواو في فعل جمع المذكر، والنون في فعل جمع المؤنث: فوجب أن تكون عند هؤلاء حروفا، وقد لزمت للدلالة على التثنية والجمع كما لزمت التاء للدلالة على التأنيث؛ لأنها لو كانت أسماء للزم إما وجوب الإبدال، أو التقديم والتأخير، وإما إسناد الفعل مرتين؛ واللازم باطل اتفاقا.
"حذف الفعل":
٢٢٩-
ويرفع الفاعل فعل أضمرا ... كمثل "زيد" في جواب "من قرا"
"ويرفع الفاعل فعل أضمرا" أي: حذف من اللفظ؛ إما جوازا كما إذا أجيب به استفهام محقق "كمثل زيد في جواب من قرا" إذا جعل التقدير: قرأ زيد، ومنه ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١، أي: خلقهن الله، أو مقدر٢، كقراءة ابن عامر وشعبة ﴿يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ، رِجَالٌ﴾ ٣ وقراءة ابن كثير "كَذَلِكَ يُوحَي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ"٤ وقراءة بعضهم: "زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ"٥، وقوله "من الطويل":
٣٦١-
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح
стр. 385
ببناء الأفعال للمفعول، والأسماء المذكورة رفع بالفاعلية لأفعال محذوفة، كأنه قيل: من يسبح، ومن يوحي، ومن زينه، ومن يبكيه؛ فقيل: يسبح رجال، ويوحي الله، وزينه شركاؤهم، ويبكيه ضارع.
وهذا أولى من تقدير هذه المرفوعات أخبار مبتدآت محذوفة؛ لاعتضاد التقدير الأول بما رجحه؛ أما الآية الأولى فلثبوته فيما يشبهها، وهو: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ١ وفيما هو على طريقتها، وهو: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٢، ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ٣ وأما البواقي فبالرواية الأخرى، وهي رواية البناء للفاعل.
نعم في غير ما ذكر يكون الحمل على الثاني أولى؛ لأن المبتدأ عين الخبر؛ فالمحذوف عين الثابت، فيكون الحذف كلا حذف، بخلاف الفعل فإنه غير الفاعل.
أو أجيب به نفي، كقوله "من الطويل":
٣٦٢-
تجلدت حتى قيل لم يعر قلبه ... من الوجد شيء قلت بل أعظم الوجد
стр. 386
أي: بل عراه أعظم الوجد.
أو استلزمه فعل قبله، كقوله "من الرجز":
٣٦٣-
رأسقى الإله عدوات الوادي ... وجوفه كل ملث غادي
كل أجش حالك السواد
أي: سقاها كل أجش.
стр. 387
وإما وجوبا، كما إذا فسر بما بعد الفاعل من فعل مسند إلى ضميره أو ملابسه، نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ١، و"هلا زيد قام أبوه"؛ أي: وإن استجارك أحد استجارك، وهلا لابس زيد قام أبوه، إلا أنه لا يتكلم به؛ لأن الفعل الظاهر كالبدل من اللفظ بالفعل المضمر؛ فلا يجمع بينهما.
"حكم الفعل مع الفاعل المؤنث من حيث التذكير والتأنيث":
٢٣٠-
وتاء تأنيث تلي الماضي إذا ... كان لأنثى كـ"أبت هند الأذى"
"وتاء تأنيث تلي الماضي إذا كان لأنثى"؛ لتدل على تأنيث الفاعل، وكان حقها ألا تلحقه؛ لأن معناها في الفاعل، إلا أن الفاعل لما كان كجزء من الفعل جاز أن يدل ما اتصل بالفعل على معنى في الفاعل، كما جاز أن يتصل بالفاعل علامة رفع الفعل في الأفعال الخمسة، وسواء في ذلك التأنيث الحقيقي: "كأبت هند الأذى"، والمجازي: كطلعت الشمس.
٢٣١-
وإنما تلزم فعل مضمر ... متصل أو مفهم ذات حر
"وإنما تلزم" هذه التاء من الأفعال "فعل" فاعل "مضمر متصل" سواء عاد على مؤنث حقيقي؛ كهند قامت، والهندان قامتا، أم مجازي: كالشمس طلعت، والعينان نظرتا "أو" فعل فاعل ظاهر متصل "مفهم ذات حر" أي: فرج، وهو المؤنث الحقيقي: كقامت هند، وقامت الهندان، وقامت الهندات؛ فميتنع: هند قام، والهندان قاما، والشمس طلع، والعينان نظرا، وقام هند، وقام الهندان، وقام الهندات.
стр. 388
وقد أفهم أن التاء لا تلزم في غير هذين الموضعين: فلا تلزم في المضمر المنفصل، نحو: "هند ما قام إلا هي"، و"ما قام إلا أنت"، ولا في الظاهر المجازي التأنيث، نحو: "طلع الشمس"، ولا في الجمع غير ما ذكر، على ما سيأتي بيانه.
تنبيهان: الأول: يضعف إثبات التاء مع المضمر المنفصل.
الثاني: تساوي هذه التاء في اللزوم وعدمه تاء مضارع الغائبة والغائبتين.
٢٣٢-
وقد يبيح الفصل ترك التاء في ... نحو "أتى القاضي بنت الواقف".
"وقد يبيح الفصل" بين الفعل وفاعله الظاهر الحقيقي التأنيث "ترك التاء" كما "في نحو أتى القاضي بنت الواقف". وقوله "من الوافر":
٣٦٤-
لقد ولد الأخيطل أم سوء ... "على باب استها صلب وشام"
وقوله "من البسيط":
٣٦٥-
إن امرأ غره منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
стр. 389
والأجود الإثبات١.
٢٣٣-
والحذف مع فصل بإلا فضلا ... كـ"ما زكا إلا فتاة ابن العلاء
"والحذف مع فصل بإلا فصلا" على الإثبات "كما زكا إلا فتاة ابن العلا" إذ معناه ما زكى إلا فتاة ابن العلاء، ويجوز "ما زكت" نظرا إلى اللفظ؛ وخصه الجمهور بالشعر، كقوله "من الرجز":
٣٦٦-
ما برئت من ريبة وذم ... في حربنا إلا بنات العم
стр. 390
وقوله "من الطويل":
٣٦٧-
"طوى النحز والأجراز ما في غروضها" ... فما بقيت إلا الضلوع الجراشع
قال الناظم: والصحيح جوازه في النثر أيضا، وقد قرئ: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ ١، "إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ"٢.
٢٣٤-
والحذف قد يأتي بلا فصل ومع ... ضمير ذي المجاز في شعر وقع
"والحذف قد يأتي" مع الظاهر الحقيقي التأنيث "بلا فصل" شذوذا؛ حكى سيبويه "قال فلانة".
"ومع ضمير ذي" التأنيث "المجاز" الحذف "في شعر وقع" أيضا، كقوله "من المتقارب":
٣٦٨-
فإما تريني ولي لمة ... فإن الحوادث أودى بها