التقدير: إن هلك منفس أهلكته، وإن لم تنتفع بعلمك لم ينفعك علمك.
تنبيه: لا يقال الاشتغال بعد أدوات الشرط والاستفهام، إلا في الشعر، وأما في الكلام فلا يليهما إلا صريح الفعل؛ إلا إذا كانت أداة الشرط "إذا" مطلقا، أو "إن" والفعل ماض؛ فيقع في الكلام؛ فتسوية الناظم بين "إن" و"حيثما" مردودة.
"المواضع التي يجب فيها رفع الاسم المتقدم":
٢٥٨-
وإن تلا السابق ما بالابتدا ... يختص فالرفع التزمه أبدا
٢٥٩-
كذا إذا الفعل تلا ما لم يرد ... ما قبل معمولا لما بعد وجد
"وإن تلا" الاسم "السابق ما بالابتدا يختص" كـ"إذا" الفجائية و"ليتما" "فالرفع التزمه أبدا" على الابتداء، وتخرج المسألة عن هذا الباب إلى باب المبتدأ والخبر، نحو: "خرجت فإذا زيد يضربه عمرو"، و"ليتما بشر زرته"؛ فلو نصبت "زيدا" و"بشرا" لم يجز؛ لأن "إذا" المفاجأة و"ليت" المقرونة بـ"ما" لا يليهما فعل ولا معمول فعل.
ومما يختص بالابتداء أيضا واو الحال في نحو: "خرجت وزيد يضربه عمرو"؛ فلا يجوز و"زيدا يضربه عمرو"، بنصب "زيد".
و"كذا" التزم رفع الاسم السابق "إذا الفعل" المشتغل عنه "تلا" أي: تبع "ما" أي: شيئا "لم يرد ما قبل معمولا لما بعد وجد" كأدوات الشرط، والاستفهام، والتحضيض، ولام الابتداء، و"ما" النافية، و"كم" الخبرية، والحروف الناسخة، والموصول، والموصوف، تقول: "زيد إن زرته يكرمك، وهل رأيته؟ وهلا كلمته"، وهكذا إلى آخرها، بالرفع؛ ولا يجوز النصب؛ لأن هذه الأشياء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، فلا يفسر عاملا فيه؛ لأنه بدل من اللفظ به.
"المواضع التي يترجح فيها نصب الاسم المتقدم":
٢٦٠-
واختير نصب قبل فعل ذي طلب ... وبعد ما إيلاؤه الفعل غلب
٢٦١-
وبعد عاطف بلا فصل على ... معمول فعل مستقر أولا
"واختير نصب" أي: رجح على الرفع في ثلاثة أحوال:
стр. 422
الأول: أن يقع اسم الاشتغال "قبل فعل ذي طلب" وهو: الأمر، والنهي، والدعاء، نحو: "زيدا اضربه، أو ليضربه عمرو، أو لا تهنه"، و"اللهم عبدك ارحمه، أو لا تؤاخذه"، و"بكرا غفر الله له".
وإنما وجب الرفع في نحو: "زيد أحسن به"؛ لأن الضمير في محل رفع، وإنما اتفق السبعة عليه في نحو: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ١ لأن تقديره عند سيبويه: مما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني، ثم استؤنف الحكم؛ وذلك لأن الفاء لا تدخل عنده في الخبر في نحو هذا، ولذا قال في قوله "من الطويل":
٣٩٤-
وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... "وأكرومة الحيين خلو كما هيا"
стр. 423
إن التقدير: هذه خولان؛ وقال المبرد: الفاء لمعنى الشرط، ولا يعمل الجواب في الشرط، فكذلك ما أشبهه، وما لا يعمل لا يفسر عاملا.
وقال ابن السيد وابن بابشاذ: يختار الرفع في العموم كالآية، والنصب في الخصوص كـ"زيدا اضربه".
"وَ" الثاني: أن تقع "بعدما إيلاؤه الفعل غلب" أي: بعد ما الغالب عليه أن يليه فعل، فإيلاؤه: مصدر مضاف إلى المفعول الثاني، والفعل: مفعول أول؛ لأنه الفاعل في المعنى، والذي يليه الفعل غالبا أشياء: منها همزة الاستفهام، نحو: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ ١ فإن فصلت الهمزة فالمختار الرفع، نحو: "أأنت زيد تضربه"، إلا في نحو: "أكل يوم زيدا تضربه"؛ لأن الفصل بالظرف كلا فصل. وقال ابن الطراوة: إن كان الاستفهام عن الاسم فالرفع، نحو: "أزيد ضربته أم عمرو"، وحكم بشذوذ النصب في قوله "من الوافر":
٣٩٥-
أثعلبة الفوارس أم رياحا ... عدلت بهم طهية والخشابا
стр. 424
ومنها النفي بـ"ما" أو "لا" أو "إن"، نحو: "ما زيدا رأيته"، و"لا عمرا كلمته"، و"إن بكرا ضربته"؛ وقيل: ظاهر كلام سيبويه اختيار الرفع؛ وقال ابن الباذش وابن خروف: يستويان.
ومنها "حيث" المجردة من "ما" نحو: "اجلس حيث زيدا ضربته".
"و" الثالث: أن يقع "بعد عاطف بلا فصل على معمول فعل مستقر أولا" سواء كان ذلك المعمول منصوبا، نحو: "لقيت زيدا وعمرا كلمته"، أو مرفوعا، نحو: "قام زيد وعمرا أكرمته".
وإنما رجح النصب طلبا للمناسبة بين الجملتين؛ لأن من نصب فقد عطف فعلية على فعلية، ومن رفع فقد عطف اسمية على فعلية، وتناسب المتعاطفين أحسن من تخالفهما.
واحترز بقوله: "بلا فصل" من نحو: "قام زيد وأما عمرو فأكرمته"؛ فإن الرفع فيه أجود؛ لأن الكلام بعد "أما" مستأنف مقطوع عما قبله، وبقوله: "فعل مستقر أولا" من العطف على جملة ذات وجهين، وستأتي.
تنبيهان: الأول: تجوز الناظم في قوله "على معمول فعل"؛ إذ العطف حقيقة إنما هو على الجملة الفعلية، كما عرفت.
الثاني: لترجيح النصب أسباب أخر لم يذكرها ههنا:
أحدها: أن يقع اسم الاشتغال بعد شبيه بالعاطف على الجملة الفعلية، نحو؛ "أكرمت القوم حتى زيدا "أكرمته"، و"ما قام بكر لكن عمرا ضربته"، فـ"حتى" و"لكن" حرفا ابتداء أشبها العاطفين، فلو قلت: "أكرمت خالدا حتى زيد أكرمته"، و"قام بكر لكن عمرو ضربته"، تعين الرفع؛ لعدم المشابهة؛ إذ لا تقع "حتى" العاطفة إلا بين "كل" و"بعض"، ولا تقع "لكن" العاطفة إلا بعد نفي وشبهه.
ثانيها: أن يجاب به استفهام منصوب، كـ"زيدا ضربته"، جوابا لمن قال: "أيهم ضربت؟ " أو: "من ضربت؟ " ومثل المنصوب المضاف إليه، نحو: "غلام زيد ضربته"، جوابا لمن قال: "غلام أيهم ضربت".
ثالثها: أن يكون رفعه يوهم وصفا مخلا بالمقصود، ويكون نصبه نصا في المقصود،
стр. 425
كما في ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١؛ إذ النصب نص في عموم خلق الأشياء خيرها وشرها بقدر، وهو المقصود، وفي الرفع إيهام كون الفعل وصفا مخصصا، و"بقدر" هو الخبر، وليس المقصود؛ لإيهامه وجود شيء لا بقدر؛ لكونه غير مخلوق؛ ولم يعتبر سيبويه مثل هذا الإيهام مرجحا للنصب، وقال: النصب في الآية مثله في "زيدا ضربته" قال: وهو عربي كثير، وقد قرئ بالرفع، لكن على أن "خلقناه" في موضع الخبر للمبتدأ، والجملة خبر "إن"، و"بقدر" حال؛ وإنما كان النصب نصا في المقصود لأنه لا يمكن حينئذ جعل الفعل وصفا؛ لأن الوصف لا يعمل فيما قبله فلا يفسر عاملا فيه؛ ومن ثم وجب الرفع في قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ ٢.
"المواضع التي يجوز فيها نصب الاسم المتقدم أو رفعه":
٢٦٢-
وإن تلا المعطوف فعلا مخبرا ... به عن اسم فاعطفن مخيرا
"وإن تلا المعطوف" جملة ذات وجهين غير تعجبية: بأن تلا "فعلا مخبرا به" مع معموله "عن اسم" غير "ما" التعجبية "فاعطفن مخيرا" في اسم الاشتغال بين الرفع والنصب على السواء، بشرط أن يكون في الثانية ضمير الاسم الأول، أو عطف بالفاء، نحو: "زيد قام وعمرو أكرمته في داره"، أو "فعمرا أكرمته" برفع "عمرو" ونصبه: فالرفع مراعاة للكبرى، والنصب مراعاة للصغرى؛ ولا ترجيح؛ لأن في كل منهما مشاكلة، بخلاف "ما أحسن زيدا وعمرو أكرمته عنده"؛ فإنه لا أثر للعطف فيه، فإن لم يكن في الثانية ضمير الاسم الأول ولم تعطف بالفاء فالأخفش والسيرافي يمنعان النصب، والفارسي وجماعة -منهم الناظم- يجيزونه وقال هشام: الواو كالفاء، وهو ما يقتضيه كلام الناظم.
تنبيه: شبه العاطف في هذا أيضا كالعاطف، وشبه الفعل كالفعل؛ فالأول نحو: "أنا ضربت القوم حتى عمرا ضربته"، والثاني نحو: "هذا ضارب زيدا وعمرا يكرمه"، برفع "عمرو" ونصبه على السواء فيهما.
стр. 426
٢٦٣-
والرفع في غير الذي مر رجح ... فما أبيح أفعل ودع ما لم يبح
"والرفع في غير الذي مر" أنه يجب معه النصب، أو يمتنع، أو يكون راجحا، أو مساويا "رجح" على النصب؛ لسلامة الرفع في الإضمار الذي هو خلاف الأصل، فرفع "زيد" بالابتداء في قولك: "زيد ضربته" أرجح من نصبه بإضمار فعل، ونصبه عربي جيد، خلافا لمن منعه، وأنشد ابن الشجري على جوازه قوله "من الرمل":
٣٩٦-
فارسا ما غادروه ملحما ... غير زميل ولا نكس وكل
ومنه قراءه بعضهم: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ ١ بنصب "جنات".
ثم إذا عرفت ما أوردناه من القواعد "فما أبيح" لك فيما يرد عليك من الكلام أن ترده إليه وتخرجه عليه "أفعل ودع ما لم يبح" لك فيه ذلك.
٢٦٤-
وفصل مشغول بحرف جر ... أو بإضافة كوصل يجري
"وفصل مشغول" من ضمير الاسم السابق "بحرف جر" مطلقا "أو بإضافة" وإن تتابعت، أو بهما معا "كوصل يجري" في جميع ما تقدم؛ فالأحكام الخمسة الجارية مع اتصال الضمير بالمشغول تجري مع انفصاله منه بما ذكر؛ فيجب النصب في نحو: "إن زيدا
стр. 427
مررت به أو بغلامه، أو حبست عليه، أو على غلامه، أو أكرمت أخاه، أو غلام أخيه؛ "أكرمك" كما يجب في نحو: "إن زيدا أكرمته"؛ ويمتنع النصب ويتعين الرفع في نحو: "خرجت فإذا زيد مر به، أو بغلامه، أو حبس عليه، أو على غلامه، أو يضرب أخاه، أو غلام أخيه؛ عمرو" كما وجب الرفع في نحو: "فإذا زيد يضربه عمرو"؛ وقس على ذلك بقية الأمثلة.
تنبيه: النصب في نحو: "زيدا ضربته" أحسن منه في نحو: "زيدا ضربته أخاه"؛ وفي نحو: "زيدا ضربت أخاه" أحسن منه في نحو: "زيدا مررت بأخيه".
٢٦٥-
وسو في ذا الباب وصفا ذا عمل ... بالفعل إن لم يك مانع حصل
"وسو في ذا الباب وصفا ذا عمل" وهو اسم الفاعل والمفعول بمعنى الحال أو الاستقبال "بالفعل" في جواز تفسير ناصب الاسم السابق، نحو: "أزيدا أنت ضاربه، أو مكرم أخاه، أو مار به، أو محبوس عليه"؛ تريد الحال أو الاستقبال، كما تقول: "أزيدا تضربه، أو تكرم أخاه، أو تمر به، أو تحبس عليه".
وإنما امتنع "زيدا أنت تضربه" بخلاف "أنت ضاربه" لاحتياج الوصف إلى ما يعتمد عليه؛ بخلاف الفعل.
فإن كان الوصف غير عامل لم يجز أن يفسر عاملا؛ فلا يجوز: "أزيدا أنت ضاربه -أو محبوس عليه- أمس".
وإنما يكون الوصف العامل كالفعل في التفسير "إن لم يك مانع حصل" يمنعه من ذلك؛ كوقوعه صلة لـ"أل"؛ لامتناع عمل الصلة فيما قبلها، وما لا يعمل لا يفسر عاملا؛ ومن ثم امتنع تفسير الصفة المشبهة، فلا يجوز "زيدا أنا الضاربه"، ولا "وجه الأب زيد حسنه".
تنبيه: يتعين الرفع في "زيد عليكه"، و"زيد ضربا إياه"؛ لأنهما غير صفة؛ نعم يجوز النصب عند من يجوز تقديم معمول اسم الفعل، وهو الكسائي، ومعمول المصدر الذي لا ينحل بحرف مصدري, وهو المبرد والسيرافي.
стр. 428
٢٦٦-
وعلقة حاصلة بتابع ... كعلقة بنفس الاسم الواقع
"وعلقة" وبين العامل الظاهر والاسم السابق "حاصلة بتابع" سببي له جار على متبوع أجنبي منه، وهو الشاغل: نعتا، أو عطف نسق بالواو، أو عطف بيان "كعلقة بنفس الاسم" السببي "الواقع" شاغلا، فكما تقول "زيدا أكرمت أخاه" أو "محبه" فتكون العلقة بين زيد وأكرمت عمله في سببيه كذلك تقول "زيدا أكرمت رجلا يحبه"، أو "أكرمت عمرا وأخاه" أو "عمرا أخاه"؛ فتكون العلقة عمله في متبوع سببيه المذكور؛ ويجوز أن يكون المراد بالعلقة الضمير الراجع إلى الاسم السابق؛ فتكون الباء بمعنى في، أي: إن وجود الضمير في تابع الشاغل كاف في الربط كما يكفي وجوده في نفس الشاغل، وإن كان الأصل أن يكون متصلا بالعامل، أو منفصلا عنه بحرف جر، ونحوه.
تنبيه: لو جعلت "أخاه" من قولك "زيدا أكرمت عمرا أخاه" بدلا امتنعت المسألة: نصبت، أو رفعت؛ لأن البدل في نية تكرير العامل، فتخلو الأولى عن الرابط؛ نعم، يجوز ذلك إن قلنا: إن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه؛ وكذا تمتنع إذا كان العطف بغير الواو؛ لإفادة الواو معنى الجمع؛ بخلاف غيرها من حروف العطف.
خاتمة: إذا رفع فعل ضمير اسم سابق، نحو: "أزيد قام" أو "غضب عليه"، أو ملابسا لضميره، نحو: "أزيد قام أبوه"؛ فقد يكون ذلك الاسم السابق واجب الرفع بالابتداء؛ كخرجت فإذا زيد قام، وليتما عمرو قعد؛ إذا قدرت "ما" كافة، أو بالفاعلية، نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ١، و"هلا زيد قام"؛ وقد يكون راجح الابتدائية على الفاعلية، نحو: "زيد قام"؛ وذلك عند المبرد ومتابعيه، وغيرهم يوجب ابتدائيته؛ لعدم تقدم طلب الفعل، وقد يكون راجح الفاعلية على الابتدائية، نحو: "زيد ليقم"، ونحو: "قام زيد وعمرو قعد"، ونحو: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ ٢، و ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ ٣؛ وقد يستويان، نحو: "زيد قام وعمرو قعد عنده"؛ والله أعلم.
стр. 429
تعدي الفعل ولزومه:
"علامة الفعل المتعدي":
٢٦٧-
علامة الفعل المعدى أن تصل ... "ها" غير مصدر به نحو عمل
"علامة الفعل المعدى" إلى مفعول به أكثر -ويسمى أيضا واقعا؛ لوقوعه على المفعول به، ومجاوزا؛ لمجاوزته الفاعل إلى المفعول به- أمران: الأول؛ صحة "أن تصل ها" ضمير راجع إلى "غير مصدر به"، والثاني: أن يصاغ منه اسم مفعول تام، وذلك "نحو عمل" فإنك تقول منه: "الخير عمله زيد"؛ فهو معمول، بخلاف نحو: "خرج"؛ فإنه لا يقال منه: "زيد خرجه عمرو"، ولا هو مخروج، بل مخروج به، أو إليه؛ فلا يتم إلا بالحرف.
والاحتراز بهاء غير المصدر من هاء المصدر؛ فإنها تتصل باللازم والمتعدي، نحو: "الخروج خرجه زيد"، و"الضرب ضربه عمرو".
تنبيه: هذه الهاء تتصل بـ"كان" وأخواتها؛ والمعروف أنها واسطة: أي: لا متعدية ولا لازمة، ولعله جعلها من المتعدي نظرا إلى شبهها به، وربما أطلق على خبرها المفعول.
٢٦٨-
فانصب به مفعوله إن لم ينب ... عن فاعل نحو تدبرت الكتب
"فانصب به مفعوله إن نم ينب" ذلك المفعول "عن فاعل نحو: تدبرت الكتب" فإن ناب عنه رفعته به كما سلف.
стр. 430
"علامة الفعل اللازم":
٢٦٩-
ولازم غير المعدى وحتم ... لزوم أفعال السجايا كنهم
٢٧٠-
كذا افعلل والمضاهي اقعنسسا ... وما اقتضى نظلنة أو دنسا
٢٧١-
أو عرضا أو طاوع المعدى ... لواحد كمده فامتدا
"ولازم غير المعدى" "غير المعدى": مبتدأ، و"لازم": خبره، أي: ما سوى المعدى هو اللازم؛ إذ لا واسطة، ويسمى قاصرا أيضا؛ لقصوره على الفاعل، وغير واقع، وغير مجاوز؛ لذلك.
"وحتم لزوم أفعال السجايا" وهي الطبائع؛ والمراد بأفعال السجايا: ما دل على معنى قائم بالفاعل لازم له "كنهم" -بكسر الهاء- الرجل؛ إذ كثر أكله، وشجع، وجبن، وحسن، وقبح، وطال، وقصر، وما أشبه ذلك.
و"كذا" ما وازن "افعلل" نحو: اقشعر، واشمأز، واطمأن، وما ألحق به، وهو افوعل، نحو: "اكوهد الفرخ"، إذا ارتعد.
"وكذا المضاهي" أي: المشابه في الوزن: افعنلل، نحو: احرنجم، يقال: "احرنجمت الإبل"، أي: اجتمعت، وما ألحق به، وهو وزنان: افعنلل -بزيادة إحدى اللامين- نحو: "اقعنسسا" يقال: "اقعنسس البعير"؛ إذا امتنع من الانقياد، وافعنلى، نحو: "احرنبى الديك"؛ إذا انتفش للقتال، و"اسلنقى الرجل"؛ إذا نام على ظهره؛ وقد جاء منه المتعدي، نحو: اسرندى، واغرندى: أي علا وركب، في قول الراجز:
٣٩٧-
قد جعل النعاس يسرنديني ... أدفعه عني ويغرنديني
стр. 431
تنبيه: يجوز في "اقعنسس" أن يكون مفعولا للمضاهي، والأولى أن يكون فاعلا له، والمفعول محذوف: أي والمضاهية "اقعنسس"؛ لما عرفت أنه ملحق بـ"احرنجم".
"و" كذلك حتم أيضا لزوم "ما اقتضى" من الأفعال "نظافة أو دنسا"، نحو: نظف، وطهر، ووضؤ، ودنس، ونجس، وقذر "أو عرضا" وهو: ما ليس حركة جسم من معنى قائم بالفاعل غير ثابت فيه، كمرض، وكسل، ونشط، وفرح، وحزن، ونهم؛ إذا شبع "أو طاوع المعدى لواحد كمدة فامتدا" ودحرجت الشيء فتدحرج؛ أما مطاوع المتعدي لأكثر من واحد فإنه متعد؛ كما مر.
٢٧٢-
وعد لازما بحرف جر ... وإن حذف فالنصب للمنجر
"وعد لازما بحرف جر"، نحو: "ذهبت بزيد"، بمعنى: أذهبته، و"عجبت منه"، و"غضبت عليه" "وإن حذف" حرف الجر "فالنصب للمنجر" وجوبا، وشذ إبقاؤه على جره، في قوله "من الطويل":
٣٩٨-
"إذا قيل أي الناس شر قبيلة" ... أشارت كليب بالأكف الأصابع
أي: إلى كليب.
стр. 432
"حذف حرف الجر":
٢٧٣-
نقلا وفي "أن" و"أن" يطرد ... مع أمن لبس كعجبت أن يدوا
وحيث حذف الجار في غير "أن" و"أن" فإنما يحذف "نقلا" لا قياسا مطردا، وذلك على نوعين:
الأول: وراد في السعة، نحو: شكرته، ونصحته، وذهبت الشام.
والثاني: مخصوص بالضرورة، كقوله "من البسيط":
٣٣٩-
آليت حب العراق الدهر أطعمه ... "والحب يأكله في القرية السوس"
стр. 433
وقوله "من الكامل":
٤٠٠-
"لدن بهز الكف يعسل متنه" ... فيه كما عسل الطريق الثعلب
أي: على حب العراق، وفي الطريق.
"و" حذفه "في "أن" و"أن" يطرد" قياسا "مع أمن لبس كعجبت أن يدوا" ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ١ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ٢ أي: من أن يدوا: أي يعطوا الدية، ومن أن جاءكم، وبأنه.
стр. 434
فإن خيف اللبس امتنع الحذف، كما في: "رغبت في أن تفعل، أو عن أن تفعل"؛ لإشكال المراد بعد الحذف.
وأما قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ١ فيجوز أن يكون الحذف فيه لقرينة كانت، أو أن الحذف لأجل الإبهام ليرتدع من يرغب فيهن لجمالهن، ومن يرغب عنهم لدمامتهن وفقرهن؛ وقد أجاب بعض المفسرين بالتقديرين.
تنبيهان: الأول: إنما اطرد حذف حرف الجر مع "أن" و"أن" لطولهما بالصلة.
الثاني: اختلفوا في محلهما بعد الحذف، فذهب الخليل والكسائي إلى أن محلهما جر؛ تمسكا بقوله "من الطويل":
٤٠١-
وما زرت ليلى أن تكون حبيبة ... إلي ولا دين بها أنا طالبه
стр. 435
بجر "دين"، وذهب سيبويه والفراء إلى أنهما في موضع نصب، وهو الأقيس.
ومثل "أنّ" و"أنْ" في حذف حرف الجر قياسا "كي" المصدرية، نحو: "جئتك كي تقوم": أي: لكي تقوم.
"ترتيب المفعولات":
٢٧٤-
والأصل سبق فاعل معنى كمن ... من "ألبسن من زاركم نسج اليمن"
"والأصل" في ترتيب مفعولي الفعل المتعدي إلى اثنين ليس أصلهما المبتدأ والخبر "سبق فاعل": أي أن يسبق الفاعل "معنى" منهما المفعول معنى "كمن من" قولك: "ألبسن من زاركم نسج اليمن" فإن "من" هو اللابس؛ فهو الفاعل في المعنى، و"نسج اليمن" هو الملبوس؛ فهو المفعول في المعنى.
ويجوز العدول عن هذا الأصل؛ فيتقدم ما هو مفعول في المعنى على ما هو فاعل في المعنى، فيقال: ألبسن نسج اليمن من زاركم.
٢٧٥-
ويلزم الأصل لموجب عرا ... وترك ذاك الأصل حتما قد يرى
"و" قد "يلزم الأصل" المذكور "لموجب عرا" أي: وجد، وذلك كخوف اللبس، نحو: "أعطيت زيدا عمرا"، وكون الثاني محصورا، كـ"ما أعطيت زيدا إلا درهما"، أو ظاهرا، والأول ضمير متصل، نحو: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ١.
"وترك ذاك الأصل" لمانع وجد "حتما قد يرى" أي: قد يرى واجبا، وذلك كما إذا كان الذي هو الفاعل في المعنى محصورا، نحو: "ما أعطيت الدرهم إلا زيدا"، أو ظاهرا والثاني ضميرا متصلا، نحو: "الدرهم أعطيته زيدا"، أو متلبسا بضمير الثاني، نحو: "أسكنت الدار بإنيها"، فلو كان الثاني متلبسا بضمير الأول كما في نحو: "أعطيت زيدا ماله"؛ جاز وجاز؛ على ما عرف في باب الفاعل.
تنبيه: حكم المبتدأ مع خبره إذا وقعا مفعولين كحكم الفاعل في المعنى مع المفعول
стр. 436
في المعنى في هذه الأمور الثلاثة؛ فجواز تقديمه في نحو: "ظننت زيدا قائما"، ووجوبه في نحو: "ظننت زيدا عمرا"، وامتناعه في نحو: "ظننت في الدار صاحبها".
٢٧٦-
وحذف فضلة أجز إن لم يضر ... كحذف ما سيق جوابا أو حصر
"وحذف فضلة" وهي المفعول من غير باب "ظن" "أجز": اختصارا، أو اقتصارا "إن لم يضر" حذفها، كما هو الأصل، ويكون ذلك لغرض: إما لفظي؛ كتناسب الفواصل، نحو: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ١، ونحو: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ ٢، وكالإيجاز في نحو: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ٣ وإما معنوي؛ كاحتقاره في نحو؛ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ ٤ أي: الكافرين، أو استهجانه؛ كقول عائشة ﵂: "ما رأيت منه ولا رأى مني"، أي: العورة.
فإن ضر الحذف امتنع، وذلك "كحذف ما سيق جوابا" لسؤال سائل: كـ"ضربت زيدا"، لمن قال: "من ضربت؟ " "أو حصر"، نحو: "ما ضربت إلا زيدا"، و"إنما ضربت زيدا"، أو حذف عامله، نحو: "إياك والأسد".
تنبيه: قوله: "يضر" هو بكسر الضاد مضارع "ضار يضير ضيرا"، بمعنى: ضر يضر ضرا، قال الله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ٥، أي: لم يضركم.
٢٧٧-
ويحذف الناصبها إن علما ... وقد يكون حذفه ملتزما
"ويحذف الناصبها" أي: ناصب الفضلة "إن علما" بالقرينة، وإذا حذف فقد يكون حذفه جائزا، نحو: ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾ ٦ "وقد يكون حذفه ملتزما" كما في باب الاشتغال، والنداء، والتحذير، والإغراء، بشرطه، وما كان مثلا، نحو: "الكلاب على البقر"٧؛ أي:
стр. 437
أرسل الكلاب، أو أجري مجرى المثل، نحو: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ ١.
"تصيير الفعل المتعدي لازما":
خاتمة: يصير المتعدي لازما أو في حكم اللازم بخمسة أشياء:
الأول: التضمين لمعنى لازم؛ والتضمين: إشراب اللفظ معنى لفظ آخر وإعطاؤه حكمه؛ لتصير الكلمة تؤدي مؤدى كلمتين؛ نحو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ٢، أي: يخرجون، ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ ٣، أي: تنب، ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ ٤، أي: تحدثوا, ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ ٥ أي: بارك لي.
ومنه قول الفرزدق "من الرجز":
٤٠٢-
كيف تراني قالبا مجني ... قد قتل الله زيادا عني
стр. 438
أي: صرفه بالقتل، وقول الآخر "من الكامل":
٤٠٣-
ضمنت برزق عيالنا أرماحنا
أي: تكلفت، وهو كثير جدا.
الثاني: التحويل إلى فعل -بالضم- لقصد المبالغة والتعجب، نحو: "ضرب الرجل، وفهم"، بمعنى: ما أضربه وأفهمه!
الثالث: مطاوعته المتعدي لواحد، كما مر.
الرابع: الضعف عن العمل: إما بالتأخير، نحو: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ ١، ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ٢، أو بكونه فرعا في العمل، نحو: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ٣، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٤.
الخامس: الضرورة، كقوله "من الكامل":
٤٠٤-
تبلت فؤادك في المنام خريدة ... تسقي الضجيع ببارد بسام
стр. 439
"تصيير الفعل اللازم متعديا":
ويصير اللازم متعديا بسبعة أشياء:
الأول: همزة النقل كما أسلفته.
الثاني: تضعيف العين، نحو: "فرح زيد"، و"فرحت زيدا".
وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ١.
الثالث: المفاعلة، تقول في "جلس زيد، ومشى، وسار": "جالست زيدا، وماشيته، وسايرته".
الرابع: "استفعل" للطلب أو النسبة للشيء، كـ"استخرجت المال"، و"استحسنت زيدا"، و"استقبحت الظلم"، وقد ينقل ذا المفعول الواحد إلى اثنين، نحو: "استكتبته الكتاب"، و"استغفرت الله الذنب"، ومنه قوله "من البسيط":
٤٠٥-
أستغفر الله ذنبا لست أحصيه ... "رب العباد إليه الوجه والعمل"
стр. 440
وإنما جاز "استغفرت الله من الذنب" لتضمنه معنى "استثبت": أي: طلبت التوبة.
الخامس: صوغ الفعل على فعلت بالفتح أفعل بالضم لإفادة الغلبة، تقول: "كرمت زيدا أكرمه"، أي: غلبته في الكرم.
السادس: التضمين، نحو: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ ١، أي: لا تنووا؛ لأن "عزم" لا يتعدي إلا بـ"على"، تقول: عزمت على كذا، لا عزمت كذا؛ ومنه: "رحبتكم الطاعة"، و"طلع بشر اليمن"؛ أي: وسعتكم، وبلغ اليمن.
السابع: إسقاط الجار توسعا، نحو: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ ٢، أي: من أمره، ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ٣، أي: عليه، وقوله:
كما عسل الطريق الثعلب٤
أي: في الطريق.
وليس انتصابهما على الظرفية، خلافا للفارسي في الأول وابن الطراوة في الثاني؛ لعدم الإبهام. والله أعلم.
стр. 441
التنازع في العمل:
٢٧٨-
إن عاملان اقتضيا في اسم عمل ... قبل فللواحد منهما العمل
٢٧٩-
والثان أولى عند أهل البصرة ... واختار عكسا غيرهم ذا أسره
"إن عاملان" فأكثر "اقتضيا" أي: طلبا "في اسم عمل" متفقا أو مختلفا "قبل" أي: حال كونهما قبل ذلك الاسم "فللواحد منهما العمل" فيه اتفاقا.
والاحتراز بكونهما مقتضيين للعمل من نحو "من الطويل":
٤٠٦-
"فأين إلى أين النجاء ببغلتي" ... أتاك أتاك اللاحقون "احبس احبس"
стр. 442
إذ الثاني توكيد، وإلا فسد اللفظ؛ إذ حقه حينئذ أن يقول: "أتاك أتوك"، أو "أتوك أتاك"؛ ومن نحو "من الطويل":
٤٠٧-
"ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة" ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
فإن الثاني لم يطلب "قليل"، وإلا فسد المعنى؛ إذ المراد: كفاني قليل من المال ولم أطلب الملك.
стр. 443
ويكونهما قبل من نحو: "زيد قام وقعد"؛ لأن كل واحد منهما أخذ مطلوبه، أعني ضمير الاسم السابق، فلا تنازع.
هكذا مثل الناظم وغيره وعللوا؛ وفي كل من المثال والتعليل نظر: أما المثال فظاهر، وأما التعليل فلقصور العلة؛ لأن ذلك يقتضي ألا يمتنع تقديم مطلوبهما إذا طلبا نصبا.
و"عاملان" في كلامه رفع فعل مضمر يفسره "اقتضيا"، و"عمل" مفعول به، وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة.
تنبيهات: الأول: مراده بالعاملين فعلان متصرفان، أو اسمان يشبهانهما، أو اسم وفعل كذلك؛ فالأول نحو: ﴿آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ١، والثاني كقوله "من الطويل":
٤٠٨-
عهدت مغيثا مغنيا من أجرته ... "فلم أتخذ إلا فناءك موئلا
стр. 444
والثالث نحو: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ ١ وقوله "من الطويل":
٤٠٩-
"لقد علمت أولى المغيرة أنني" ... لقيت ولم أنكل عن الضرب مسمعا
ولا تنازع بين حرفين، ولا بين حرف وغيره، ولا بين جامدين، ولا جامد وغيره؛ وعن المبرد إجازته في فعلي التعجب، نحو: "ما أحسن وأجمل زيدا"، و"أحسن به وأجمل بعمرو"، واختاره في التسهيل.
الثاني: قد يكون التنازع بين أكثر من عاملين، وقد يتعدد المتنازع فيه؛ من ذلك قوله ﵊: "تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين"؛ وقول الشاعر "من الطويل":
٤١٠-
طلبت فلم أدرك بوجهي فليتني ... قعدت ولم أبغ الندى عند سائب
стр. 445
الثالث: اشترط في التسهيل في المتنازع فيه أن يكون غير سببي مرفوع، فنحو: "زيد قام وقعد أخوه"، وقوله "من الطويل":
٤١١-
"قضى كل ذي دين فوفى غريمه" ... وعزة ممطول معنى غريمها
стр. 446
محمول على أن السببي مبتدأ، والعاملان قبله خبران عنه، أو غير ذلك مما يمكن، بخلاف السببي المنصوب، كما مر، ولم يذكر هذا الشرط أكثر النحويين، وأجاز بعضهم في البيت التنازع.
"والثان" من المتنازعين "أولى" بالعمل من الأول "عند أهل البصرة" لقربه، "واختار عكسا" من هذا، وهو أن الأول أولى لسبقه "غيرهم ذا أسره" أي: غير البصريين، وهم الكوفيون، مع اتفاق الفريقين على جواز إعمال كل منهما١.
تنبيه: سكتوا عن الأوسط عند تنازع الثلاثة، وحكى بعضهم الإجماع على جواز إعمال كل منها؛ ومن إعمال الأول قوله "من الطويل":
٤١٢-
كساك ولم تستكسه فاشكرن له ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر
стр. 447
ومن إعمال الثالث قوله [من البسيط] :
٤١٣-
جئ ثم حالف وقف بالقوم إنهم ... لمن أجاروا ذوو عز بلا هون
٢٨٠-
وأعمل المهمل في ضمير ما ... تنازعاه والتزم ما التزما
٢٨١-
كيحسنان ويسيء ابناكا ... وقد بغى واعتديا عبداكا
"وأعمل المهمل"منها وهو الذي لم يتسلط على الاسم الظاهر مع توجهه إليه في المعنى "في ضمير ما تنازعاه والتزم" في ذلك "ما التزما" من مطابقة الضمير للظاهر، ومن
стр. 448
امتناع حذف هذا الضمير حيث كان عمدة؛ وسواء في ذلك كان الأول هو المهمل "كيحسنان ويسيء ابناكا" أم الثاني "و" ذلك نحو: "قد بغى واعتديا عبداكا" وهذا المثال الثاني متفق على جوازه، والأول منعه الكوفيون؛ لأنهم يمنعون الإضمار قبل الذكر في هذا الباب؛ فذهب الكسائي ومن وافقه إلى وجوب حذف الضمير من الأول -والحالة هذه- للدلالة عليه، تمسكا بظاهر قوله "من الطويل":
٤١٤-
تعفق بالأرطى لها وأرادها ... رجال فبذت نبلهم وكليب
وقال الفراء: إن اتفق العاملان في طلب المرفوع فالعمل لهما، ولا إضمار، نحو: "يحسن ويسيء ابناكا"؛ وإن اختلفا أضمرته مؤخرا، نحو: "ضربني وضربت زيدا هو"، والمعتمد ما عليه البصريون، وهو ما سبق؛ لأن العمدة يمتنع حذفها، ولأن الإضمار قبل الذكر قد جاء في غير هذا الباب، نحو: "ربه رجلا"، وقد سمع أيضا في هذا الباب، من ذلك ما حكاه سيبويه من قول بعضهم: "ضربوني وضربت قومك"، ومنه
стр. 449
قوله "من الطويل":
جفوني ولم أجف الأخلاء إنني ... لغير جميل من خليلي مهمل١
وقوله "من البسيط":
٤١٥-
هوينني وهويت الغانيات إلى ... أن شبت فانصرفت عنهن آمالي
وقوله "من الطويل":
٤١٦-
وكمتا مدماة كأن متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب
стр. 450
ولا حجة فيما تمسك به المانع؛ لاحتمال إفراد ضمير الجمع؛ وقد أجاز ذلك البصريون في الأحوال كلها، تقول: "ضربني وضربت الزيدين"، كأنك قلت: "ضربني من"، على ما لا يخفى.
٢٨٢-
ولا تجئ مع أول قد أهملا ... بمضمر لغير رفع أوهلا
٢٨٣-
بل حذفه الزم إن يكن غير خبر ... وأخرنه إن يكن هو الخبر
"ولا تجئ مع أول قد أهملا بمضمر لغير رفع" وهو النصب لفظا أو محلا "أوهلا" أي: جعل أهلا "بل حذفه الزم إن يكن غير خبر" في الأصل؛ لأنه حينئذ فضلة فلا حاجة إلى إضمارها قبل الذكر، فتقول: "ضربت وضربني زيد"، و"مررت ومر بي عمرو"؛ وأما قوله
стр. 451
"من الطويل":
٤١٧-
إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب ... "جهارا فكن في الغيب أحفظ للود"
فضرورة.
"وأخرنه إن يكن هو الخبر"؛ لأنه منصوب فلا يضمر قبل الذكر، وعمدة في الأصل فلا يحذف، فتقول: "كنت وكان قائما إياه"، و"ظنني وظننت زيدا عالما إياه".
أما امتناع الإضمار مقدما فادعى الشارح الاتفاق عليه، وفي دعواه نظر؛ فقد حكى ابن عصفور ثلاثة مذاهب: أحدها جوازه كالمرفوع وفي كلام والده في الكافية وشرحها ميل إلى جواز إضمار المنصوب مطلقا مقدما، واحتج له، وهو أيضا ظاهر كلام التسهيل.
وأما الحذف فمنعه البصريون، وأجازه الكوفيون؛ لأنه مدلول عليه بالمفسر، وهو
стр. 452
أقوى المذاهب؛ لسلامته من الإضمار قبل الذكر ومن الفصل.
تنبيهات: الأول: اقتضى كلامه أنه يجاء بضمير الفضلة مع الثاني المهمل، نحو: "ضربني وضربته زيد"، و "مر بي ومررت بهما أخواك"؛ لدخوله تحت قوله: "وأعمل المهمل في ضمير ما تنازعاه"، ولم يخرجه، ومنه قوله "من الطويل":
٤١٨-
إذا هي لم تستك بعود أراكة ... تنخل فاستاكت به عود إسحل
وأنه يجوز حذفه لمفهوم قوله: "والتزم ما التزما"، وهذا لم يلتزم ذكره؛ لأنه فضلة،
стр. 453
ومنه قوله "من مجزوء الكامل":
٤١٩-
بعكاظ يعشي الناظريـ ... ـن إذا هم لمحوا شعاعه
وخص بعضهم حذفه بالضرورة كالبيت؛ لأن في حذفه تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه لغير معارض.
الثاني: كلامه هنا مخالف للتسهيل من وجهين: "الأول" جزمه بحذف الفضلة من الأول المهمل، "والثاني" جزمه بتأخير الخبر، ولم يجزم بهما في التسهيل، بل أجاز التقديم.
الثالث: يشترط لحذف الفضلة من الأول المهمل أمن اللبس؛ فإن خيف وجب
стр. 454
التأخير، نحو: "استعنت واستعان علي زيد"؛ لأنه مع الحذف لا يعلم هل المحذوف مستعان به أو عليه.
الرابع: قوله: "غير خبر" يوهم أن ضمير المتنازع فيه إذا كان المفعول الأول في باب "ظن" يجب حذفه، وليس كذلك، بل لا فرق بين المفعولين في امتناع الحذف ولزوم التأخير، نحو: "ظننت منطلقة وظنتني منطلقا هند إياها"، فـ"إياها": مفعول أول لـ"ظننت"، ولا يجوز تقديمه، وفي حذفه ما سبق، ولذلك قال الشارح: لو قال بدله:
واحذفه إن لم يك مفعول حسب ... وإن يكن ذاك فأخره تصب
لخلص من ذلك التوهم.
لكن قال المرادي: قوله: "مفعول حسب" يوهم أن غير مفعول حسب يجب حذفه وإن كان خبرا، وليس كذلك؛ لأن خبر "كان" لا يحذف أيضا، بل يؤخر كمفعول "حسب"، نحو: "زيد كان وكنت قائما إياه"، وهذا مندرج تحت قول المصنف: "غير خبر"، ولو قال:
بل حذفه إن كان فضلة حتم ... وغيرها تأخيره قد التزم
لأجاد.
قلت: وعلى هذا أيضا من المؤاخذة ما على بيت الأصل من عدم اشتراطه أمن اللبس، كما أسلفته، فكان الأحسن أن يقول:
واحذفه لا إن خيف لبس أو يرى ... لعمدة فجئ به مؤخرا
الخامس: قاس المازني وجماعة المتعدي إلى ثلاثة على المتعدي إلى اثنين، وعليه مشى في التسهيل؛ فتقول على هذا عند إعمال الأول: "أعلمني وأعلمته إياه إياه زيد عمرا قائما"، ويختار إعمال الثاني، نحو: "أعلمني وأعلمت زيدا عمرا قائما إياه إياه"، و"أعلمت وأعلمني زيد عمرا قائما إياه إياه".
стр. 455
٢٨٤-
وأظهر ان يكن ضمير خبرا ... لغير ما يطابق المفسرا
٢٨٥-
نحو أظن ويظناني أخا ... زيدا وعمرا أخوين في الرخا
"وأظهر أن يكن ضمير خبرا" أي: في الأصل "لغير ما يطابق المفسرا" أي: في الإفراد والتذكير وفروعهما؛ لتعذر الخوف بكونه عمدة والإضمار بعدم المطابقة، فتعين الإظهار، وتخرج المسألة من هذا الباب.
"نحو أظن ويظناني أخا زيدا وعمرا أخوين في الرخا" على إعمال الأول، فزيدا وعمرا أخوين: مفعولا "أظن"، و"أخا": ثاني مفعولي يظناني، وجيء به مظهرا لتعذر إضماره؛ لأنه لو أضمر فإما أن يضمر مفردا مراعاة للمخبر عنه في الأصل وهو الياء من "يظناني"؛ فيخالف مفسره -وهو "أخوين"- في التثنية، وإما أن يثنى مراعاة للمفسر؛ فيخالف المخبر عنه، وكلاهما ممتنع عند البصريين، وكذا الحكم لو أعملت الثاني، نحو: "يظناني وأظن الزيدين أخوين أخا"، وأجاز الكوفيون الإضمار على وقف المخبر عنه، نحو: "أظن ويظناني إياه الزيدين أخوين"، عند إعمال الأول وإهمال الثاني، وأجازوا أيضا الحذف، نحو: "أظن ويظناني الزيدين أخوين".
تنبيه: وجه كون هذه المسألة من هذا الباب هو أن الأصل: "أظن ويظنني الزيدين أخوين"، فتنازع العاملان "الزيدين"؛ فالأول يطلبه مفعولا، والثاني يطلبه فاعلا، فأعلمنا الأول؛ فنصبا به الاسمين، وأضمرنا في الثاني ضمير "الزيدين"، وهو الألف، وبقي علينا المفعول الثاني يحتاج إلى إضماره؛ فرأينه متعذرا لما مر، فعدلنا به إلى الإظهار، وقلنا "أخا" فوافق المخبر عنه، ولم تضره مخالفته لأخوين؛ لأنه اسم ظاهر لا يحتاج إلى ما يفسره.
خاتمة: لا يتأتى التنازع في التمييز، وكذا الحال١، خلافا لابن مغط، وكذا نحو:
стр. 456
"ما قام وقعد إلا زيد"، وما ورد مما ظاهره جواز ذلك مؤول، ويجوز فيما عدا ذلك من المعمولات١. والله تعالى أعلم.
стр. 457
المفعول المطلق:
زاد في شرح الكافية في الترجمة "وهو المصدر"، وذلك تفسير للشيء بما هو أعم منه مطلقا؛ كتفسير الإنسان بأنه الحيوان؛ إذ المصدر أعم مطلقا من المفعول المطلق؛ لأن المصدر يكون مفعولا مطلقا، وفاعلا، ومفعولا به، وغير ذلك، والمفعول المطلق لا يكون إلا مصدرا؛ نظرا إلى أن ما يقوم مقامه مما يدل عليه خلف عنه في ذلك وأنه الأصل.
"أنواع المفاعيل":
واعلم أن المفاعيل خمسة: مفعول به، وقد تقدم في باب تعدي الفعل ولزومه، ومفعول مطلق، ومفعول له، ومفعول فيه، ومفعول معه.
وهذا أول الكلام على هذه الأربعة:
"تعريف المفعول المطلق":
فالمفعول المطلق "ما ليس خبرا من مصدر مفيد توكيد عامله، أو بيان نوعه، أو عدده".
فـ"ما ليس خبرا" مخرج لنحو المصدر المبين للنوع في قولك: "ضربك ضرب أليم". و"من مصدر" مخرج لنحو الحال المؤكدة، نحو: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ ١.
стр. 458
و"مفيد توكيد عامله, إلى آخره" مخرج لنحو المصدر المؤكد في قولك: "أمرك سير سير"، وللمسوق مع عامله لغير المعاني الثلاثة، نحو: "عرفت قيامك"، ومدخل لأنواع المفعول المطلق: ما كان منها منصوبا لكونه فضلة، نحو: "ضربت ضربا، أو ضربا شديدا، أو ضربتين"، أو مرفوعا لكونه نائبا عن الفاعل، نحو: "غضب غضب شديد".
وإنما سمي مفعولا مطلقا لأن حمل المفعول عليه لا يحوج إلى صلة؛ لأنه مفعول الفاعل حقيقة، بخلاف سائر المفعولات، فإنها ليست بمفعول الفاعل، وتسمية كل منها مفعولا إنما هو باعتبار إلصاق الفعل به، أو وقوعه لأجله، أو فيه، أو معه؛ فلذلك احتاجت في حمل المفعول عليها إلى التقييد بحرف الجر، بخلافه، وبهذا استحق أن يقدم عليها في الوضع، وتقديم المفعول به لم يكن على سبيل القصد، بل على سبيل الاستطراد والتبعية.
ولما كان المفعول المطلق هو المصدر مع ضميمة شيء آخر كما عرفت بدأ بتعريف المصدر؛ لأن معرفة المركب موقوفة على معرفة أجزائه؛ فقال:
٢٨٦-
المصدر اسم ما سوى الزمان من ... مدلولي الفعل كأمن من أمن
"المصدر: اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل" أي: اسم الحدث؛ لأن الفعل يدل على الحدث والزمان؛ فما سوى الزمان من المدلولين هو الحدث "كأمن من" مدلولي "أمن" و"ضرب" من مدلولي "ضرب".
٢٨٧-
بمثله أو فعل أو وصف نصب ... وكونه أصلا لهذين انتخب
"بمثله" ولو معنى دون لفظ "أو فعل أو وصف نصب" نحو: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ ١، و"يعجبني إيمانك تصديقا"، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٢، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ ٣.
"وكونه": أي: المصدر "أصلا" في الاشتقاق "لهذين" أي: للفعل والوصف "انتخب"
стр. 459
أي: اختير، وهو مذهب البصريين١، وخالف بعضهم؛ فجعل الوصف مشتقا من الفعل؛ فهو فرع الفرع، وذهب الكوفيون إلى أن الفعل أصل لهما، وزعم ابن طلحة أن كلا من المصدر والفعل أصل برأسه؛ ليس أحدهما مشتقا من الآخر. والصحيح مذهب البصريين؛ لأن من شأن الفرع أن يكون فيه ما في الأصل وزيادة، والفعل والوصف مع المصدر بهذه المثابة؛ إذ المصدر إنما يدل على مجرد الحدث، وكل منهما يدل على الحدث وزيادة.
٢٨٨-
توكيدا أو نوعا يبين أو عدد ... كسرت سيرتين سير ذي رشد
"توكيدا أو نوعا يبين" المصدر المسوق مفعولا مطلقا "أو عدد" أي: لا يخرج المفعول المطلق عن أن يكون لغرض من هذه الأغراض الثلاثة؛ فالمؤكد "كسرت" سيرا"، ويسمى المبهم، ومبين العدد -ويسمى المعدود- كسرت "سيرتين" و ﴿دُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ ٢، ومبين النوع كـ"سرت "سير ذي رشد" أو سيرا شديدا، أو السير الذي تعرفه"، ويسمى المختص؛ هكذا فسره بعضهم؛ والظاهر أن المعدود من قبيل المختص كما فعل في التسهيل، فالمفعول المطلق على قسمين؛ مبهم، ومختص، والمختص على قسمين: معدود وغير معدود.
"ما ينوب عن المصدر في المفعولية المطلقة":
٢٨٩-
وقد ينوب عنه ما عليه دل ... كجد كل الجد، وافرح الجذل
"وقد ينوب عنه" أي: عن المصدر في الانتصاب على المفعول المطلق "ما عليه" أي: ما على المصدر "دل" وذلك ستة عشر شيئا، فينوب عن المصدر المبين "للنوع" ثلاثة عشر شيئا:
стр. 460
الأول: كليته "كجد كل الجد"، ومنه ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ ١، وقوله "من الطويل":
٤٢٠-
"وقد يجمع الله الشتيتين بعدما" ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
الثاني: بعضيته، نحو: "ضربته بعض الضرب".
الثالث: نوعه، نحو: "رجع القهقري"، و"قعد القرفصاء".
الرابع: صفته، نحو: "سرت أحسن السير، وأي سير".
الخامس: هيئته، نحو: "يموت الكافر ميتة سوء".
السادس: مرادفه، نحو: "قمت الوقوف" "وافرح الجذل"، ومنه قوله "من الرجز":
٤٢١-
يعجبه السخون والبرود ... والتمر حبا ما له مزيد