"ما قام وقعد إلا زيد"، وما ورد مما ظاهره جواز ذلك مؤول، ويجوز فيما عدا ذلك من المعمولات١. والله تعالى أعلم.
стр. 457
المفعول المطلق:
زاد في شرح الكافية في الترجمة "وهو المصدر"، وذلك تفسير للشيء بما هو أعم منه مطلقا؛ كتفسير الإنسان بأنه الحيوان؛ إذ المصدر أعم مطلقا من المفعول المطلق؛ لأن المصدر يكون مفعولا مطلقا، وفاعلا، ومفعولا به، وغير ذلك، والمفعول المطلق لا يكون إلا مصدرا؛ نظرا إلى أن ما يقوم مقامه مما يدل عليه خلف عنه في ذلك وأنه الأصل.
"أنواع المفاعيل":
واعلم أن المفاعيل خمسة: مفعول به، وقد تقدم في باب تعدي الفعل ولزومه، ومفعول مطلق، ومفعول له، ومفعول فيه، ومفعول معه.
وهذا أول الكلام على هذه الأربعة:
"تعريف المفعول المطلق":
فالمفعول المطلق "ما ليس خبرا من مصدر مفيد توكيد عامله، أو بيان نوعه، أو عدده".
فـ"ما ليس خبرا" مخرج لنحو المصدر المبين للنوع في قولك: "ضربك ضرب أليم". و"من مصدر" مخرج لنحو الحال المؤكدة، نحو: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ ١.
стр. 458
و"مفيد توكيد عامله, إلى آخره" مخرج لنحو المصدر المؤكد في قولك: "أمرك سير سير"، وللمسوق مع عامله لغير المعاني الثلاثة، نحو: "عرفت قيامك"، ومدخل لأنواع المفعول المطلق: ما كان منها منصوبا لكونه فضلة، نحو: "ضربت ضربا، أو ضربا شديدا، أو ضربتين"، أو مرفوعا لكونه نائبا عن الفاعل، نحو: "غضب غضب شديد".
وإنما سمي مفعولا مطلقا لأن حمل المفعول عليه لا يحوج إلى صلة؛ لأنه مفعول الفاعل حقيقة، بخلاف سائر المفعولات، فإنها ليست بمفعول الفاعل، وتسمية كل منها مفعولا إنما هو باعتبار إلصاق الفعل به، أو وقوعه لأجله، أو فيه، أو معه؛ فلذلك احتاجت في حمل المفعول عليها إلى التقييد بحرف الجر، بخلافه، وبهذا استحق أن يقدم عليها في الوضع، وتقديم المفعول به لم يكن على سبيل القصد، بل على سبيل الاستطراد والتبعية.
ولما كان المفعول المطلق هو المصدر مع ضميمة شيء آخر كما عرفت بدأ بتعريف المصدر؛ لأن معرفة المركب موقوفة على معرفة أجزائه؛ فقال:
٢٨٦-
المصدر اسم ما سوى الزمان من ... مدلولي الفعل كأمن من أمن
"المصدر: اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل" أي: اسم الحدث؛ لأن الفعل يدل على الحدث والزمان؛ فما سوى الزمان من المدلولين هو الحدث "كأمن من" مدلولي "أمن" و"ضرب" من مدلولي "ضرب".
٢٨٧-
بمثله أو فعل أو وصف نصب ... وكونه أصلا لهذين انتخب
"بمثله" ولو معنى دون لفظ "أو فعل أو وصف نصب" نحو: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ ١، و"يعجبني إيمانك تصديقا"، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٢، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ ٣.
"وكونه": أي: المصدر "أصلا" في الاشتقاق "لهذين" أي: للفعل والوصف "انتخب"
стр. 459
أي: اختير، وهو مذهب البصريين١، وخالف بعضهم؛ فجعل الوصف مشتقا من الفعل؛ فهو فرع الفرع، وذهب الكوفيون إلى أن الفعل أصل لهما، وزعم ابن طلحة أن كلا من المصدر والفعل أصل برأسه؛ ليس أحدهما مشتقا من الآخر. والصحيح مذهب البصريين؛ لأن من شأن الفرع أن يكون فيه ما في الأصل وزيادة، والفعل والوصف مع المصدر بهذه المثابة؛ إذ المصدر إنما يدل على مجرد الحدث، وكل منهما يدل على الحدث وزيادة.
٢٨٨-
توكيدا أو نوعا يبين أو عدد ... كسرت سيرتين سير ذي رشد
"توكيدا أو نوعا يبين" المصدر المسوق مفعولا مطلقا "أو عدد" أي: لا يخرج المفعول المطلق عن أن يكون لغرض من هذه الأغراض الثلاثة؛ فالمؤكد "كسرت" سيرا"، ويسمى المبهم، ومبين العدد -ويسمى المعدود- كسرت "سيرتين" و ﴿دُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ ٢، ومبين النوع كـ"سرت "سير ذي رشد" أو سيرا شديدا، أو السير الذي تعرفه"، ويسمى المختص؛ هكذا فسره بعضهم؛ والظاهر أن المعدود من قبيل المختص كما فعل في التسهيل، فالمفعول المطلق على قسمين؛ مبهم، ومختص، والمختص على قسمين: معدود وغير معدود.
"ما ينوب عن المصدر في المفعولية المطلقة":
٢٨٩-
وقد ينوب عنه ما عليه دل ... كجد كل الجد، وافرح الجذل
"وقد ينوب عنه" أي: عن المصدر في الانتصاب على المفعول المطلق "ما عليه" أي: ما على المصدر "دل" وذلك ستة عشر شيئا، فينوب عن المصدر المبين "للنوع" ثلاثة عشر شيئا:
стр. 460
الأول: كليته "كجد كل الجد"، ومنه ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ ١، وقوله "من الطويل":
٤٢٠-
"وقد يجمع الله الشتيتين بعدما" ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
الثاني: بعضيته، نحو: "ضربته بعض الضرب".
الثالث: نوعه، نحو: "رجع القهقري"، و"قعد القرفصاء".
الرابع: صفته، نحو: "سرت أحسن السير، وأي سير".
الخامس: هيئته، نحو: "يموت الكافر ميتة سوء".
السادس: مرادفه، نحو: "قمت الوقوف" "وافرح الجذل"، ومنه قوله "من الرجز":
٤٢١-
يعجبه السخون والبرود ... والتمر حبا ما له مزيد
стр. 461
السابع: ضميره، نحو: "عبد الله أظنه جالسا"؛ ومنه: ﴿لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
الثامن: المشار به إليه، نحو: "ضربته ذلك الضرب".
التاسع: وقته، كقوله "من الطويل":
٤٢٢-
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... "وبت كما بات السليم مسهدا"
стр. 462
أي: اغتماض ليلة أرمدا، وهو عكس: "فعلته طلوع الشمس"، إلا أنه قليل.
العاشر: "ما" الاستفهامية، نحو: "ما تضرب زيدا"؟
الحادي عشر: "ما" الشرطية، نحو: "ما شئت فاجلس".
الثاني عشر: آلته، نحو: "ضربته سوطا"، وهو يطرد في آلة الفعل دون غيرها، فلا يجوز: "ضربته خشبة".
الثالث عشر: عدده، نحو: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ١.
وزاد بعض المتأخرين اسم المصدر العلم، نحو: "بر برة"، و"فجر فجار".
وفي شرح التسهيل أن اسم المصدر لا يستعمل مؤكدا ولا مبينا.
وينوب عن المصدر المؤكد ثلاثة أشياء:
الأول: مرادفه، نحو: "شنئته بغضا"، و"أحببته مقة"، و"فرحت جذلا".
الثاني: ملاقيه في الاشتقاق، نحو: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ ٢، ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ ٣؛ والأصل: إنباتا، وتبئلا.
الثالث: اسم مصدر غير علم، نحو: "توضأ وضوءا"، و"اغتسل غسلا"، و"أعطى عطاء".
٢٩٠-
وما لتوكيد فوحد أبدا ... وثن واجمع غيره وأفردا
"وما" سيق من المصادر "لتوكيد فوحد أبدا"؛ بمنزلة تكرير الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع؛ "وثن واجمع غيره" أي: غير المؤكد، وهو المبين "وأفردا" لصلاحيته لذلك؛ أما العددي فباتفاق، نحو: "ضربته ضربة، وضربتين، وضربات". واختلف في
стр. 463
النوعي؛ فالمشهور الجواز نظرا إلى أنواعه، نحو: "سرت سيري زيد الحسن والقبيح"؛ وظاهر مذهب سيبويه المنع، واختاره الشلوبين.
٢٩١-
وحذف عامل المؤكد امتنع ... وفي سواه لدليل متسع
"وحذف عامل" المصدر "المؤكد امتنع" لأنه إنما جيء به لتقوية عامله وتقرير معناه، والحذف ينافي ذلك، ونازع في ذلك الشارح١ "وفي حذف عامل "سواه لدليل متسع" عند
стр. 464
الجميع، كأن يقال: "ما ضربت"؛ فتقول: "بلى ضربا مؤلما"، أو: "بلى ضربتين"، وكقولك لمن قدم من سفر: "قدوما مباركا"، ولمن أراد الحج أو فرغ منه: "حجا مبرورا"، فحذف العامل في هذه الأمثلة وما أشبهها جائز؛ لدلالة القرينة عليه، وليس بواجب.
٢٩٢-
والحذف حتم مع آت بدلا ... من فعله كندلا اللذ كاندلا
"والحذف حتم" أي: واجب "مع" مصدر "آت بدلا من فعله"؛ لأنه لا يجوز الجمع بين البدل والمبدل منه.
وهو على نوعين: واقع في الطلب، وواقع في الخبر.
فالأول: هو الواقع أمرا أو نهيا "كندلا اللذ كاندلا" في قوله "من الطويل":
على حين ألهى الناس جل أمورهم ... فندلا زريق المال ندل الثعالب١
فـ"ندلا": بدل من اللفظ بـ"اندل"، والأصل: "اندل يا زريق المال: أي اختطفه، يقال: ندل الشيء؛ إذا اختطفه، ومنه: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ٢، أي: فاضربوا الرقاب؛ وتقول: "قياما لا قعودا": أي: قم ولا تقعد.
стр. 465
كذا أطلق الناظم، وخص ابن عصفور الوجوب بالتكرار، كقوله "من الوافر":
٤٢٣-
فصبرا في مجال الموت صبرا ... "فما نيل الخلود بمستطاع"
أو دعاء، نحو: "سقيا"، و"رعيا"، و"جدعا"، و"كيا"، أو مقرونا باستفهام توبيخي، نحو: "أتوانيا وقد جد قرناؤك؟ " وقوله "من الوافر":
٤٢٤-
"أعبدا حل في شعبي غريبا" ... ألوما لا أبا لك واغترابا
стр. 466
والثاني: ما دل على عامله قرينة وكثر استعماله، كقولهم عند تذكر النعمة: "حمدا وشكرا لا كفرا"، وعند تذكر الشدة: "صبرا لا جزعا"، وعند ظهور معجب: "عجبا"، وعند الامتثال: "سمعا وطاعة"، وعند خطاب مرضي عنه: "افعل ذلك وكرامة ومسرة"، وعند خطاب مغضوب عليه: "لا أفعل ذلك ولا كيدا ولا هما"، و"لا فعلت ذلك ورغما وهوانا".
٢٩٣-
وما لتفصيل كإما منا ... عامله يحذف حيث عنا
"وما" سيق من المصادر "لتفصيل" أي: لتفصيل عاقبة ما قبله "كإما منا" من قوله تعالى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ١ "عامله يحذف حيث عنا" أي: حيث عرض؛ لما ذكر من أنه بدل من اللفظ بعامله، والتقدير: فإما تمنون وإما تفادون.
٢٩٤-
كذا مكرر وذو حصر ورد ... نائب فعل لاسم عين استند
"كذا مكرر وذو حصر ورد" كل منهما "نائب فعل لاسم عين استند"، نحو: "أنت سيرا سيرا"، و"إنما أنت سيرا"، و"ما أنت إلا سيرا"؛ فالتكرار عوض من اللفظ بالفعل، والحصر ينوب مناب التكرير، فلو لم يكن مكررا ولا محصورا جاز الإضمار والإظهار، نحو: "أنت سيرا"، و"أنت تسير سيرا". والاحتراز باسم العين عن اسم المعنى، نحو: "أمرك سير سير"، فيجب أن يرفع على الخبرية هنا؛ لعدم الاحتياج إلى إضمار فعل هنا، بخلافه بعد اسم العين؛ لأنه يؤمن معه اعتقاد الخبرية؛ إذ المعنى لا يخبر به عن العين إلا
стр. 467
مجازا، كقوله "من البسيط":
٤٢٥-
"ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت" ... فإنما هي إقبال وإدبار
أي: ذات إقبال وإدبار.
٢٩٥-
ومنه ما يدعونه مؤكدا ... لنفسه أو غيره فالمبتدا
٢٩٦-
نحو "له على ألف عرفا" ... والثان كـ"ابني أنت حقا صرفا"
"ومنه" أي: ومن الواجب حذف عامله "ما يدعونه مؤكدا" وهو إما مؤكد "لنفسه أو
стр. 468
غيره؛ فالمبتدا" من النوعين -وهو المؤكد لنفسه- هو الواقع بعد جملة هي نص في معناه، وسمي بذلك لأنه بمنزلة إعادة الجملة؛ فكأنه نفسها "نحو: له علي ألف عرفا"، أي: اعترافا، ألا ترى أن "له علي ألف" هو نفس الاعتراف "والثان" -وهو المؤكد لغيره- هو الواقع بعد جملة تحتمل غيره فتصير به نصا، وسمي بذلك لأنه أثر في الجملة، فكأنه غيرها؛ لأن المؤثر غير المؤثر فيه "كابني أنت حقا صرفا" فـ"حقا": رفع ما احتمله "أنت ابني" من إرادة المجاز.
٢٩٧-
كذاك ذو التشبيه بعد جمله ... كـ"لي بكا بكاء ذات عضله"
و"كذاك" مما يلتزم إضمار ناصبه المصدر المشعر بالحدوث "ذو التشبيه بعد جمله" حاوية معناه وفاعله غير صالح ما اشتملت عليه للعمل فيه "كلي بكا بكاء ذات عضله" أي: ممنوعة من النكاح، و"لزيد ضرب ضرب الملوك"، و"له صوت صوت حمار"؛ فالمنصوب في هذه الأمثلة قد استوفى الشروط السبعة، بخلاف ما في نحو: "لزيد يد يد أسد"؛ لعدم كونه مصدرا، ونحو: "له علم علم الحكماء"؛ لعدم الإشعار بالحدوث، ونحو: "له صوت صوت حسن"؛ لعدم التشبيه، ونحو: "صوت زيد صوت حمار"؛ لعدم تقدم جملة، ونحو: "له ضرب صوت حمار"؛ لعدم احتواء الجملة قبله على معناه، ونحو: "عليه نوح نوح الحمام"؛ لعدم احتوائها على صاحبه؛ فيجب رفعه في هذه الأمثلة ونحوها؛ وقد ينتصب في هذا الأخير، لكن على الحال.
وبخلاف ما في نحو: "أنا أبكي بكاء ذات عضلة"، و"زيد يضرب ضرب الملوك"، حيث يتعين كون نصبه بالعامل المذكور في الجملة قبله، لا بمحذوف؛ لصلاحية المذكور للعمل فيه.
وإنما لم يصلح المشتملة عليه الجملة -في نحو: "لي بكا"، و"لزيد ضرب"- للعمل؛ لأن شرط إعمال المصدر أن يكون بدلا من الفعل، أو مقدرا بالحرف المصدري والفعل، وهذا ليس واحدا منهما.
стр. 469
تنبيه: مثل "له صوت صوت حمار" قوله "من الكامل":
٤٢٦-
ما إن يمس الأرض إلا منكب ... منه وحرف الساق طي المحمل
لأن ما قبله بمنزلة "له طي"؛ قاله سيبويه:
خاتمة: المصدر الآتي بدلا من اللفظ بفعله على ضربين:
الأول: ما له فعل، وهو ما مر.
والثاني: ما لا فعل له أصلا، كـ"بله"؛ إذا استعمل مضافا، كقوله "من الكامل":
٤٢٧-
تذر الجماجم ضاحيا هاماتها ... بله الأكف كأنها لم تخلق
стр. 470
في رواية خفض "الأكف" فبله حينئذ: منصوب نصب "ضرب الرقاب"، والعامل فيه فعل من معناه، وهو "اترك"؛ لأن "بله الشيء" بمعنى: ترك الشيء؛ فهو على حد النصب في نحو: "شنئته بغضا"، و"أحببته مقة".
ويجوز أن ينصب ما بعد "بله"؛ فيكون اسم فعل بمعنى: "اترك"، وهي إحدى الروايتين في البيت، وسيأتي في بابه.
ومثل "بله" المضاف: ويله، وويحه، وويسه، وويبه، وهي كنايات عن الويل. وويل: كلمة تقال عند الشتم والتوبيخ، كثرت حتى صارت كالتعجب؛ يقولها الإنسان لمن يحب ولمن يبغض، ونصبها بتقدير: ألزمه الله، وهو قليل، ولذلك لم يتعرض له هنا.
стр. 471
المفعول له:
"تعريفه":
ويسمى المفعول لأجله، ومن أجله.
وقدمه على المفعول فيه لأنه أدخل منه في المفعولية، وأقرب إلى المفعول المطلق؛ بكونه مصدرا؛ كما أشار إلى ذلك بقوله:
٢٩٨-
ينصب مفعولا له المصدر إن ... أبان تعليلا كـ"جد شكرا ودن"
٢٩٩-
وهو بما يعمل فيه متحد ... وقتا وفاعلا وإن شرط فقد
٣٠٠-
فاجرره بالحرف وليس يمتنع ... مع الشروط كلزهد ذا قنع
"ينصب مفعولا له المصدر" أي القلبي "إن أبان تعليلا" أي: أفهم كونه علة للحدث، ويشترط كونه من غير لفظ الفعل "كجد شكرا"، أي: لأجل الشكر، فلو كان من لفظ الفعل كـ"حيل محيلا" كان انتصابه على المصدرية "ودن" طاعة "وهو" أي: المفعول له "بما يعمل فيه متحد وقتا وفاعلا" الجملة حالية، و"وقتا وفاعلا" نصب بنزع الخافض، أي: يشترط لنصب المفعول له -مع كونه مصدرا قلبيا سيق للتعليل- أن يتحد مع عامله في الوقت وفي الفاعل.
стр. 472
"شروطه":
فالشروط حينئذ خمسة: كونه مصدرا؛ فلا يجوز: "جئتك السمن والعسل"، قاله الجمهور، وأجاز يونس: "أما العبيد فذو عبيد"، بمعنى: مهما يذكر شخص لأجل العبيد فالمذكور ذو عبيد، وأنكره سيبويه؛ وكونه قلبيا؛ فلا يجوز: "جئتك قراءة للعلم"، ولا "قتلا للكافر"، وأجاز الفارسي: "جئتك ضرب زيد": أي: لتضرب زيدا؛ وكونه علة؛ فلا يجوز: "أحسنت إليك إحسانا إليك"؛ لأن الشيء لا يعلل بنفسه؛ وكونه متحدا مع المعلل به في الوقت؛ فلا يجوز: "جئتك أمس طمعا غدا في معروفك"؛ ولا يشترط تعيين الوقت في اللفظ، بل يكفي عدم ظهور المنافاة، وفي الفاعل؛ فلا يجوز: "جئتك محبتك إياي"؛ خلافا لابن خروف.
تنبيه: قد يكون الاتحاد في الفاعل تقديريا، كقوله تعالى: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ١ لأن معنى: يريكم يجعلكم ترون, اهـ.
"وإن شرط" من الشروط المذكورة، ما عدا قصد التعليل "فقد فاجروه بالحرف" الدال على التعليل، وهو اللام أو ما يقوم مقامها؛ وفي بعض النسخ "باللام"، أي: أو ما يقوم مقامها؛ ففقد الأول -وهو كونه مصدرا- نحو: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ ٢ والثاني -وهو كونه قلبيا- نحو: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ ٣ بخلاف ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ ٤، والثالث -وهو الاتحاد في الوقت- نحو قوله "من الطويل":
٤٢٨
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... "لدى الستر إلا لبسة المتفضل"
стр. 473
والرابع -وهو الاتحاد في الفاعل- نحو "من الطويل":
٤٢٩-
وإني لتعروني لذكراك هزة ... "كما انتفض العصفور بلله القطر"
стр. 474
وقد "انتفى الاتحادان في ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ١؛ "وليس يمتنع" جره باللام أو ما يقوم مقامها "مع" وجود "الشروط" المذكورة.
٣٠١-
وقل أن يصحبها المجرد ... والعكس في مصحوب "أل" وأنشدوا
٣٠٢-
لا أقعد الجبن عن الهيجاء ... ولو توالت زمر الأعداء
"كلزهد ذا قنع؛ وقل أن يصحبها"، أي: اللام "المجرد" من "أل" والإضافة، كهذا المثال، حتى قال الجزولي: إنه ممنوع، والحق جوازه؛ ومنه قوله "من الرجز":
٤٣٠-
من أمكم لرغبة فيكم جبر ... "ومن تكونوا ناصريه ينتصر"
"والعكس في مصحوب أل" وهو أن جره باللام كثير ونصبه قليل "وأنشدوا" شاهدا
стр. 475
لجوازه قول الراجز:
٤٣١-
لا أقعد الجبن عن الهيجاء ... ولو توالت زمر الأعداء
تنبيهان: الأول: أفهم كلامه أن المضاف يجوز فيه الأمران على السواء، نحو: "جئتك ابتغاء الخير، ولابتغاء الخير".
الثاني: أفهم أيضا جواز تقديم المفعول له على عامله، منصوبا كان أو مجرورا، كـ"زهدا ذا قنع"، ولـ"زهد ذا قنع".
خاتمة: إذا دخلت "أل" على المفعول له أو أضيف إلى معرفة تعرف بـ"أل" أو بالإضافة، خلافا للرياشي والجرمي والمبرد في قولهم: إنه لا يكون إلا نكرة، وإن "أل" فيه زائدة، وإضافته غير محضة.
стр. 476
المفعول فيه وهو المسمى ظرفا:
"تعريف الظرف":
وتقديمه على المفعول معه لقربه من المفعول المطلق؛ بكونه مستلزما له في الواقع؛ إذ لا يخلو الحدث عن زمان ومكان؛ ولأن العامل يصل إليه بنفسه، لا بواسطة حرف ملفوظ، بخلافه.
٣٠٣-
الظرف وقت أو مكان ضمنا ... "في" باطراد كهنا امكث أزمنا
"الظرف" لغة الوعاء، واصطلاحا "وقت أو مكان"، أي: اسم وقت أو اسم مكان "ضمنا" معنى "في" دون لفظها "باطراد كهنا امكث أزمنا" فـ"هنا": اسم مكان، و"أزمنا": اسم زمان، وهما مضمنان معنى "في"؛ لأنهما مذكوران للواقع فيهما، وهو المكث.
والاحتراز بقيد "ضمنا في"، من نحو: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ ١، ونحو: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٢؛ فإنهما ليسا على معنى "في"، فانتصابهما على المفعول به، وناصب "حيث" يعلم محذوفا؛ لأن اسم التفضيل لا ينصب المفعول به إجماعا.
و"بمعنى في دون لفظها"، من نحو؛ "سرت في يوم الجمعة"، و"جلست في مكانك"؛ فإنه لا يسمى ظرفا في الاصطلاح، على الأرجح.
стр. 477
و"باطراد" من نحو: "دخلت البيت"، و"سكنت الدار"؛ مما انتصب بالواقع فيه، وهو اسم مكان مختص؛ فإنه غير ظرف؛ إذ لا يطرد نصبه مع سائر الأفعال، فلا يقال: "نمت البيت"، ولا "قرأت الدار"؛ فانتصابه على المفعول به بعد التوسع بإسقاط الخافض؛ هذا مذهب الفارسي والناظم، ونسبه لسيبويه، وقيل: منصوب على المفعول به حقيقة، وإن نحو: "دخل" متعد بنفسه، وهو مذهب الأخفش، وقيل: على الظرفية تشبيها له بالمبهم، ونسبه الشلوبين إلى الجمهور؛ وعلى هذين لا يحتاج إلى قيد "باطراد"؛ وعلى الأول يحتاج إليه خلافا للشارح.
تنبيهان: الأول: تضمن الاسم معنى الحرف على نوعين: "الأول" يقتضي البناء، وهو أن يخلف الاسم الحرف على معناه ويطرح غير منظور إليه، كما سبق في تضمن "متى" معنى الهمزة وإن الشرطية، "والثاني" لا يقتضي البناء، وهو أن يكون الحرف منظورا إليه؛ لكون الأصل في الوضع ظهوره، وهذا الباب من هذا الثاني.
الثاني: الألف في "ضمنا" يجوز أن تكون للإطلاق، وأن تكون ضمير التثنية، بناء على أن "أو" على بابها، وهو الأظهر، أو بمعنى الواو، وهو الأحسن؛ لأن كل واحد منهما ظرف، لا أحدهما, اهـ.
"الناصب للظرف":
٣٠٤-
فانصبه بالواقع فيه مظهرا ... كان وإلا فانوه مقدرا
"فانصبه بالواقع فيه" من فعل وشبهه "مظهرا كان" الواقع فيه، نحو: "جلست يوم الجمعة أمامك"، و"أنا سائر غدا خلف الركب" "وإلا" أي: وإن لم يكن ظاهرا، بل كان محذوفا من اللفظ: جوازا، أو وجوبا "فانوه مقدرا".
فالجواز نحو: "يوم الجمعة"، لمن قال: "متى قدمت؟ " و"فرسخين"، لمن قال: "كم سرت؟ ".
الوجوب فيما إذا وقع خبرا، نحو: "زيد عندك"، أو صلة، نحو: "رأيت الذي معك"، أو حالا، نحو: "رأيت الهلال بين السحاب"، أو صفة، نحو: "رأيت طائرا فوق
стр. 478
غصن"، أو مشتغلا عنه، نحو: "يوم الجمعة سرت فيه"، أو مسموعا بالحذف لا غير كقولهم: "حينئذ الآن"، أي: كان ذلك حينئذ واسمع الآن.
تنبيهان: الأول: العامل المقدر في هذه المواضع، سوى الصلة، استقر أو مستقر، وأما الصلة فيتعين فيها تقدير: استقر؛ لأن الصلة لا تكونن إلا جملة، كما عرفت.
الثاني: الضمير في "فانصبه" للظرف، وهو اسم الزمان أو المكان، وفي "فيه" لمدلوله، وهو نفس الزمان أو المكان؛ وأراد بالواقع دليله من فعل وشبهه؛ لأن الواقع هو نفس الحدث، وليس هو الناصب، والأصل فانصبه بدليل الواقع في مدلوله، فتوسع بحذف المضاف من الأول والثاني؛ لوضوح المقام. انتهى.
٣٠٥-
وكل وقت قابل ذاك وما ... يقبله المكان إلا مبهما
٣٠٦-
نحو الجهات والمقادير وما ... صيغ من الفعل كمرمى من رمى
"وكل" اسم "وقت قابل ذاك" النصب على الظرفية، مبهما كان أو مختصا.
والمراد بالمبهم ما دل على زمن غير مقدر، كحين ومدة ووقت؛ تقول: "سرت حينا، ومدة ووقتا".
وبالمختص ما دل على مقدر: معلوما كان، وهو المعرف بالعلمية؛ كـ"صمت رمضان"، و"اعتكفت يوم الجمعة"، أو بـ"أل"، كـ"سرت اليوم"، و"أقمت العام"، أو بالإضافة، كـ"جئت زمان الشتاء، ويوم قدوم زيد"؛ أو معلوم؛ وهو النكرة، نحو: "سرت يوما، أو يومين، أو أسبوعا، أو وقتا طويلا".
"وما يقبله المكان إلا" في حالتين:
الأولى: أن يكون "مبهما" لا مختصا؛ والمراد هنا بالمختص ما له صورة وحدود محصورة، نحو: الدار، والمسجد، والبلد، وبالمبهم ما ليس كذلك "نحو الجهات" الست، وهي: أمام، ووراء، ويمين، وشمال، وفوق، وتحت، وما أشبهها في الشياع؛ كناحية،
стр. 479
ومكان، وجانب "و" نحو: "المقادير" كفرسخ، وبريد، وغلوة، تقول: "جلست أمامك، وناحية المسجد، وسرت فرسخا".
"و" الثانية "ما صيغ من" مادة "الفعل" العامل فيه "كمرمى من" مادة "رمى" تقول: "رميت مرمى زيد"، و"ذهبت مذهب عمرو"، و"قعدت مقعد بكر"؛ ومنه: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ ١.
٣٠٧-
وشرط كون ذا مقيسا أن يقع ... ظرفا لما في أصله معه اجتمع
"وشرط كون ذا" المصوغ من مادة الفعل "مقيسا أن يقع ظرفا لما في أصله معه اجتمع" أي: لما اجتمع معه في أصل مادته، كما مثل؛ وأما قولهم: "هو مني مزجر الكلب، ومناط الثريا"٢، و"عمرو مني مقعد القابلة، ومعقد الإزار"٣، ونحوه: فشاذ؛ إذ التقدير هو مني مستقر في مزجر الكلب، فعامله الاستقرار، وليس مما اجتمع معه في أصله، ولو أعمل في المزجر زجر، وفي المناط ناط، وفي المقعد قعد؛ لم يكن شاذا.
تنبيهان: الأول: ظاهر كلامه أن هذا النوع من قبيل المبهم، وظاهر كلامه في شرح الكافية أنه من المختص، وهو ما نصه عليه غيره، وأما النوع الذي قابله فظاهر كلام الفارسي أنه من المبهم، كما هو ظاهر كلام الناظم، وصححه بعضهم؛ وقال الشلوبين: ليس داخلا تحت المبهم، وصحح بعضهم أنه شبيه بالمبهم، لا مبهم.
الثاني: إنما استأثرت أسماء الزمان بصلاحية المبهم منها والمختص للظرفية عن أسماء المكان لأن أصل العوامل الفعل ودلالته على الزمان أقوى من دلالته على المكان؛ لأنه يدل على الزمان بصيغته وبالالتزام، ويدل على المكان بالالتزام فقط؛ فلم يتعد إلى كل أسمائه، بل يتعدى إلى المبهم منها؛ لأن في الفعل دلالة عليه في الجملة، وإلى المختص الذي صيغ من مادة العامل؛ لقوة الدلالة عليه حينئذ. اهـ.
стр. 480
"الظرف المتصرف وغير المتصرف":
٣٠٨-
وما يرى ظرفا وغير ظرف ... فذاك ذو تصرف في العرف
٣٠٩-
وغير ذي التصرف الذي لزم ... ظرفية أو شبهها من الكلم
"وما يرى" من أسماء الزمان أو المكان "ظرفا" تارة "وغير ظرف" أخرى "فذاك ذو تصرف في العرف" النحوي؛ كيوم، ومكان، تقول: "سرت يوم الجمعة"، و"جلست مكانك"؛ فهما ظرفان، وتقول: "اليوم مبارك"، و"مكانك طاهر"، و"أعجبني اليوم ومكانك"، و"شهدت يوم الجمل"، و"أحببت مكان زيد"؛ فهما في ذلك غير ظرفين؛ لوقوع كل منهما في الأول مبتدأ، وفي الثاني فاعلا، وفي الثالث مفعولا به، وكذا ما أشبهها.
"وغير ذي التصرف" منهما هو "الذي لزم ظرفية أو شبهها من الكلم" أي: غير المتصرف -وهو الملازم للظرفية- على نوعين:
ما لا يخرج عنها أصلا، كقط وعوض، تقول: "ما فعلته قط"، و"لا أفعله عوض".
وما يخرج عنها إلى شبهها، وهو الجر بالحرف، نحو: قبل وبعد ولدن وعند.
فيقضي عليهن بعدم التصرف مع أن "من" تدخل عليهن؛ إذ لم يخرجن عن الظرفية إلا إلى ما يشبهها؛ لأن الظرف والجار والمجرور سيان في التعلق بالاستقرار والوقوع خبرا وصلة وحالا وصفة.
ثم الظرف المتصرف منه منصرف، نحو: يوم وشهر وحول، ومنه غير منصرف، وهو غدوة وبكرة، علمين لهذين الوقتين: قصد بهما التعيين، أو لم يقصد. قال في شرح التسهيل: ولا ثالث لهما، لكن زاد في شرح الجمل لابن عصفور "ضحوة" فقال: إنها لا تنصرف للتأنيث والتعريف.
والظرف غير المتصرف منه منصرف وغير منصرف، فالمنصرف نحو: سحر وليل ونهار وعشاء وعتمة ومساء وعشية، غير مقصود بها كلها التعيين، وغير المنصرف نحو: سحر مقصودا به التعيين؛ ومن العرب من لا يصرف عشية في التعيين.
стр. 481
"نيابة المصدر عن الظرف":
٣١٠-
وقد ينوب عن مكان مصدر ... وذاك في ظرف الزمان يكثر
"وقد ينوب عن" ظرف "مكان مصدر" فينتصب انتصابه، نحو: "جلست قرب زيد"، أي: مكان قربه؛ ولا يقاس على ذلك؛ لقلته، فلا يقال: "آتيك جلوس زيد"، تريد مكان جلوسه. "وذاك في ظرف الزمان يكثر" فيقاس عليه؛ وشرطه إفهام تعيين وقت أو مقدار، نحو: "كان ذلك خفوق النجم، وطلوع الشمس"، و"انتظرته نحر جزور, وحلب ناقة"؛ والأصل وقت خفوق النجم، ووقت طلوع الشمس، ومقدار نحر جزور، ومقدار حلب ناقة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
تنبيه: قد يحذف أيضا المصدر الذي كان الزمان مضافا إليه؛ فينوب ما كان هذا المصدر مضافا إليه: من اسم عين، نحو: "لا أكلمه القارظين"١، و"لا آتيه الفرقدين"٢، والأصل مدة غيبة القارظين، ومدة بقاء الفرقدين. اهـ.
خاتمة: مما ينوب عن الظرف أيضا: صفته، وعدده، وكليته أو جزئيته، نحو: "جلست طويلا من الدهر شرقي مكان"، و"سرت عشرين يوما ثلاثين بريدا"، و"مشيت جميع اليوم جميع البريد، أو كل اليوم كل البريد، ونصف اليوم نصف البريد، أو بعض اليوم بعض البريد".
стр. 482
المفعول معه:
٣١١-
ينصب تالي الواو مفعولا معه ... في نحو "سيري والطريق مسرعه"
٣١٢-
بما من الفعل وشبهه سبق ... ذا النصب لا بالواو في القول الأحق
"ينصب" الاسم الفضلة "تالي الواو" التي بمعنى "مع" التالية لجملة ذات فعل أو اسم يشبهه مما فيه معنى الفعل وحروفه "مفعولا معه" كما "في نحو سيري والطريق مسرعه" و"أنا سائر والنيل"، و"أعجبني سيرك والنيل"، فـ"الطريق" و"النيل" نصب بالمفعول معه.
وخرج بالاسم نحو: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن"، ونحو: "سرت والشمس طالعة"؛ فإن تالي الواو في الأول فعل وفي الثاني جملة.
وبالفضلة نحو: "اشترك زيد وعمرو".
وبالواو نحو: "جئت مع عمرو".
وبكونها بمعنى "مع" نحو: "جاء زيد وعمرو قبله، أو بعده".
وبكونها تالية لجملة، نحو: "كل رجل وضيعته"؛ فلا يجوز فيه النصب خلافا للضيمري.
وبكون الجملة ذات فعل، أو اسم يشبهه، نحو: "هذا لك وأباك"؛ فلا يتكلم به، خلافا لأبي علي.
وأما قولهم: "ما أنت وزيدا"، و"كيف أنت وقصعة من ثريد" وما أشبهه فسيأتي بيانه.
стр. 483
"بما من الفعل وشبهه سبق ذا النصب" ذا النصب: رفع بالابتداء، خبره في المجرور الأول، وهو "بما"، و"سبق": صلة "ما"، ومن الفعل: متعلق ب "سبق"، أي: نصب المفعول معه إنما هو بما تقدم في الجملة قبله من فعل وشبهه "لا بالواو في القول الأحق" خلافا للجرجاني في دعواه أن النصب بالواو؛ إذ لو كان الأمر كما ادعى لوجب اتصال الضمير بها فكان يقال: "جلست وك"، كما يتصل بغيرها من الحروف العاملة، نحو: "إنك" و"لك"، وذلك ممتنع باتفاق، وأيضا فهي حينئذ حرف مختص بالاسم غير منزل منزلة الجزء؛ فحقه ألا يعمل إلا الجر كحروف الجر، ولا بالخلاف خلافا للكوفيين١. وإنما قيل: "غير منزل منزلة الجزء" للاحتراز من لام التعريف؛ فإنها اختصت بالاسم، ولم تعمل فيه؛ لكونها كالجزء منه؛ بدليل تخطي العامل لها؛ وتناول إطلاق الفعل الظاهر كما مثل، والمقدر كقوله "من الوافر":
٤٣٢-
فما لك والتلدد حول نجد ... "وقد غصت تهامة بالرجال"
стр. 484
أي: ما تصنع والتلدد، ومن إعمال شبه الفعل قوله "من الطويل":
٤٣٣-
"إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا" ... فحسبك والضحاك سيف مهند
وقوله "من الطويل":
٤٣٤-
فقدني وإياهم فإن ألق بعضهم ... يكونوا كتعجيل السنام والمسرهد
стр. 485
وقوله "من البسيط":
٤٣٥-
لا تحسبنك أثوابي فقد جمعت ... هذا ردائي مطويا وسربالا
فـ"سربالا": نصب على المفعول معه، والعامل فيه مطويا، لا هذا، خلافا لأبي علي في تجويزه الأمرين.
تنبيه: أفهم بقوله "سبق" أن المفعول معه لا يتقدم على عامله، وهو اتفاق، فلا يجوز: "والطريق سرت"، وفي تقدمه على مصاحبه خلاف، والصحيح المنع، وأجاز ذلك
стр. 486
ابن جني، تمسكا بقوله "من الطويل":
٤٣٦-
جمعت وفحشا غيبة ونميمة ... ثلاث خصال لست عنها بمرعوي
وقوله "من البسيط":
٤٣٧-
أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوءة اللقبا
стр. 487
على رواية من نصب "السوءة" و"اللقب"، يعني أن المراد في الأول: جمعت غيبة ونميمة مع فحش، وفي الثاني: ولا ألقبه اللقب مع السوءة؛ لأن من اللقب ما يكون لغير سوءة.
ولا حجة له فيهما؛ لإمكان جعل الواو فيهم عاطفة قدمت هي ومعطوفها، وذلك في البيت الأول ظاهر، وأما في الثاني فعلى أن يكون أصله: ولا ألقبه اللقب ولا أسوؤه السوءة، ثم حذف ناصب السوءة.
٣١٣-
وبعد "ما" استفهام أو "كيف" نصب ... بفعل كون مضمر بعض العرب
"وبعد ما استفهام أو كيف نصب" الاسم على المعية "بفعل كون مضمر" وجوبا "بعض العرب" فقالوا: ما أنت وزيدا، ومنه قوله "من المتقارب":
٤٣٨-
ما أنت والسير في متلف ... "يبرح بالذكر الضابط"
стр. 488
وقالوا: "كيف أنت وقصعة من ثريد"، والأصل: ما تكون وزيدا، وكيف تكون وقصعة؛ فاسم "كان" مستكن، وخبرها ما تقدم عليها من اسم استفهام، فلما حذف الفعل من اللفظ انفصل الضمير.
تنيهان: الأول: من ذلك أيضا قوله "من الكامل":
٤٣٩-
أزمان قومي والجماعة كالذي ... لزم الرحالة أن تميل مميلا
فـ"الجماعة": نصب على المعية بفعل كون مضمر، والتقدير: أزمان كان قومي والجماعة، كذا قدره سيبويه.
الثاني: في قوله "بعض العرب" إشارة إلى أن الأرجح في مثل ما ذكره الرفع بالعطف.
٣١٤-
والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق ... والنصب مختار لدى ضعف النسق
٣١٥-
والنصب إن لم يجز العطف يجب ... أو اعتقد إضمار عامل تصب
"والعطف إن يمكن بلا ضعف" من جهة المعنى أو من جهة اللفظ "أحق" وأرجح من
стр. 489
النصب على المعية، كما في نحو: "جاء زيد وعمرو"، و"جئت أنا وزيد"، ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ١ برفع ما بعد الواو على العطف؛ لأنه الأصل، وقد أمكن بلا ضعف، ويجوز النصب على المعية في مثله "والنصب" على المعية "مختار لدى ضعف النسق": إما من جهة المعنى، كما في نحو قولهم: "لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها"، فإن العطف فيه ممكن على تقدير: لو تركت الناقة ترأم فصيلها وترك فصيلها يرضعها لرضعها؛ لكن فيه تكلف وتكثير عبارة؛ فهو ضعيف؛ فالوجه النصب على معنى: لو تركت الناقة مع فصيلها؛ ونحو قوله "من الطويل":
٤٤٠-
إذا أعجبتك الدهر حال من امرئ ... فدعه وواكل أمره واللياليا
وقوله "من الوافر":
٤٤١-
فكونوا أنتم وبني أبيكم ... مكان الكليتين من الطحال
стр. 490
لأن في العطف تعسفا في الأول وتوهينا للمعنى في الثاني، وفي النصب على المعية سلامة منها، فكان أولى.
وإما من جهة اللفظ، كما في نحو: "جئت وزيدا"، و"اذهب وعمرا"؛ لأن العطف على ضمير الرفع المتصل لا يحسن ولا يقوى إلا مع الفضل، ولا فضل؛ فالوجه النصب؛ لأن فيه سلامة من ارتكاب وجه ضعيف عنه مندوحة.
"والنصب" على المعية "إن لم يجز العطف" لمانع معنوي، أو لفظي "يجب" فالمانع المعنوي كما في "سرت والنيل"، و"مشيت والحائط"، و"مات زيد وطلوع الشمس"؛ مما لا يصح مشاركة ما بعد الواو منه لما قبلها في حكمه، والمانع اللفظي كما في نحو: "مالك وزيدا"، و"ما شأنك وعمرا"؛ لأن العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار ممتنع عند الجمهور؛ فيتعين النصب على المعية. هذا حيث أمكن النصب على المعية كما رأيت، فأما إذا امتنع مع امتناع العطف، وهو رابع الأقسام، وذلك كما في نحو قوله "من الرجز":
٤٤٢-
علفتها تبنا وماء باردا ... "حتى شتت همالة عيناها"
стр. 491
وقوله "من الوافر":
٤٤٣-
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا
стр. 492
فإن العطف ممتنع؛ لانتفاء المشاركة، والنصب على المعية ممتنع لانتفاء المصاحبة في الأول وانتفاء فائدة الإعلام بها في الثاني؛ فأول العامل المذكور بعامل يصخ انصبابه عليهما، فأول "علفتها" بـ"أنلتها"، و"زججن" بـ"زين"، كما ذهب إليه الجرمي والمازني والمبرد وأبو عبيدة والأصمعي واليزيدي. "أو اعتقد إضمار عامل" ملائم لما بعد الواو ناصب له "تصب" أي: وسقيتها ماء، وكحلن العيون، وإلى هذا ذهب الفراء والفارسي ومن تبعهما.
تنبيه: بقي من الأقسام قسم خامس، وهو تعين العطف وامتناع النصب على المعية، نحو: "كل رجل وضيعته"، و"اشترك زيد وعمرو"، و"جاء زيد وعمرو قبله، أو بعده"، انتهى.
خاتمة: ذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن هذا الباب سماعي١، وذهب غيره إلى أنه مقيس في كل اسم استكمل الشروط السابقة. وهو ما اقتضاه إيراد الناظم، وهو الصحيح. والله تعالى أعلم.
стр. 493
الاستثناء:
"تعريف الاستثناء":
الاستثناء هو: الإخراج بـ"إلا" أو إحدى أخواتها لما كان داخلا أو منزلا منزلة الداخل.
فالإخراج: جنس.
وبـ"إلا" إلى آخره يخرج التخصيص ونحوه.
و"ما كان داخلا" يشمل الداخل حقيقة والداخل تقديرا؛ وهو المفرغ.
والقيد الأخير لإدخال المنقطع، على ما ستراه.
"حكم المستثنى بـ"إلا":
٣١٦-
ما استثنت "الا" مع تمام ينتصب ... وبعد نفي أو كنفي انتخب
٣١٧-
إتباع ما اتصل وانصب ما انقطع ... وعن تميم فيه إبدال وقع
"ما استثنت ألا مع" كلام "تمام" أي: غير مفرغ: موجبا كان أو غير موجب "ينتصب" إلا أن الانتصاب مع الموجب متحتم اتفاقا: سواء كان المستثنى متصلا، وهو ما كان بعضا من المستثنى منه، أو منقطعا وهو ما لم يكن كذلك، وسواء كان متقدما على المستثنى منه، أو متأخرا عنه؛ تقول: "قام القوم إلا زيدا"، و"خرج القوم إلا بعيرا"، و"قام إلا زيدا القوم"، و"خرج إلا بعيرا القوم". وهكذا تقول مع عامل النصب والجر.
стр. 494
تنبيه: ناصب المستثنى هو "إلا"، لا ما قبلها بواسطتها ولا مستقلا، ولا "استثنى" مضمرا، خلافا لزاعمي ذلك، على ما أشعر به كلامه، وصرح باختياره في غير هذا الكتاب، وقال: إنه مذهب سيبويه والمبرد والجرجاني، ومشى عليه ولده؛ لأنه حرف مختص بالأسماء غير منزل منها منزلة الجزء، وما كان كذلك فهو عامل، فيجب في "إلا" أن تكون عاملة، مالم تتوسط بين عامل مفرغ ومعموله؛ فتلغى: وجوبا إن كان التفريغ محققا، نحو: "ما قام إلا زيد"، وجوازا إن كان مقدرا، نحو: "ما قام أحد إلا زيد"؛ فإنه في تقدير "ما قام إلا زيد"؛ لأن "أحد" مبدل منه، والمبدل منه في حكم الطرح، وإنما لم تعمل الجر لأن عمل الجر بحروف تضيف معاني الأفعال إلى الأسماء، وتنسبها إليها؛ و"إلا" ليست كذلك؛ فإنها لا تنسب إلى الاسم الذي بعدها شيئا، بل تخرجه من النسبة، فلما خالفت الحروف الجارة لم تعمل عملها، وإنما لم يجز اتصال الضمير بها لأن الانفصال ملتزم في التفريغ المحقق والمقدر، فالتزم مع عدم التفريغ؛ ليجري الباب على سنن واحد اهـ.
"وبعد نفي" ولو معنى دون لفظ "أو كنفي" وهو النهي والاستفهام المؤول بالنفي وهو الإنكاري "انتخب" أي: اختير "إتباع ما اتصل" لما قبل إلا في إعرابه؛ فمثاله بعد النفي لفظا ومعنى: "ما قام أحد إلا زيد"، و"ما رأيت أحدا إلا زيدا"، و "ما مررت بأحد إلا زيد"، ومثاله بعد النفي معنى دون لفظ قوله "من البسيط":
٤٤٤-
وبالصريمة منهم منزل خلق ... عاف تغير إلا النؤي والوتد
стр. 495
فإن "تغير" بمعنى "لم يبق" على حاله. ومثال شبه النفي: "لا يقم أحد إلا زيد"؛ "هل قام أحد إلا زيد"، ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ١.
تنبيهات: الأول: المستثنى عند البصريين -والحالة هذه- بدل بعض من المستثنى منه؛ وعند الكوفيين عطف نسق٢. قال أبو العباس ثعلب: كيف يكون بدلا وهو موجب ومتبوعه منفي؟ وأجاب السيرافي بأنه بدل منه في عمل العامل فيه؛ وتخالفهما في النفي والإيجاب لا يمنع البدلية؛ لأن سبيل البدل أن يجعل الأول كأنه لم يذكر والثاني في موضعه؛ وقد يتخالف الموصوف والصفة نفيا وإثباتا، نحو: "مررت برجل لا كريم ولا لبيب".
الثاني: إذا تعذر البدل على اللفظ أبدل على الموضوع، نحو: "ما جاءني من أحد إلا زيد"، و"لا أحد فيها إلا زيد"، و"ما زيد شيئا إلا شيء لا يعبأ به"، برفع ما بعد "إلا" فيهن، ونحو: "ليس زيد بشيء إلا شيئا"، بنصبه؛ لأن من والباء لا يزادان في الإيجاب، و"ما" و"لا" لا يقدران عاملتين بعده، كما تقدم في موضعه.
الثالث: أفهم قوله "انتخب" أن النصب جائز، وقد قرئ في السبع: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا