"ومن ضمير الحاضر" متكلمًا كان أو مخاطبًا "الظاهر لا تبدله " أي: يجوز إبدال الظاهر من الظاهر، ومن ضمير الغائب كما ذكره في أمثلة، ولا يجوز أن يبدل الظاهر من ضمير المتكلم أو المخاطب "إلاَّ مَا إحَاطَةً جَلاَ" أي إلا إذا كان البدل بدل كل فيه معنى الإحاطة نحو: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ ١ وقوله "من الطويل":
٨٦٤-
فَمَا بَرِحَتْ أَقْدَامُنَا فِي مَقَامِنَا ... ثَلاَثَتُنَا حَتَّى أُزِيرُوا المَنَائِيَا
فإن لم يكن فيه معنى الإحاطة فمذاهب: أحدها المنع وهو مذهب جمهور البصريين، والثاني الجواز وهو قول الأخفش والكوفيين، والثالث: أنه يجوز في الاستثناء نحو ما ضربتكم إلا زيدًا وهو قول قطرب "أَو اقْتَضَى بَعْضًا" أي كان بدل بعض نحو: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ٢ وقوله "من الرجز":
٨٦٥-
أَوعَدَنِي بِالسِّجْنِ وَالأَدَاهِمِ ... رِجْلِي فَرِجْلِي شَثْنَةُ المَنَاسِمِ
стр. 947
٥٧٠-
أو اقتضى بعضًا أو اشتمالًا ... كأنك ابتهاجك اشتمالا
"أو" اقتضى "اشتمالًا" أي: كان بدل اشتمال "كأنك ابتهاجك اشتمالًا" وقوله "من الطويل":
٨٦٦-
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرًا
стр. 948
تنبيه: قال في التسهيل ولا يبدل مضمر من مضمر ولا من ظاهر وما أوهم ذلك جعل توكيدًا إن لم يفد إضرابًا، اهـ.
٥٧١-
وَبَدَلُ المُضَمَّنِ الهَمْزَ يَلِي ... هَمْزًا كـ"مَنْ ذَا أَسَعِيدٌ أَمْ عَلِي؟ "
"وبدل" المبدل منه "المضمن" معنى "الهمز" المستفهم به "يلي همزا" مستفهما به وجوبًا "كمن ذا أسعيد أم علي؟ " و"كم مالك أعشرون أم ثلاثون؟ " و"ما صنعت أخيرًا أم شرًا؟ " وكيف جئت أراكبًا أم ماشيًا؟ ".
تنبيه: نظير هذه المسألة بدل اسم الشرط نحو من يقم إن زيد وإن عمرو أقم معه وما تصنع إن خيرًا أو شرًا تجز به ومتى تسافر إن ليلًا أو نهارًا أسافر معك.
٥٧٢-
وَيُبْدَلُ الفِعْلُ مِنَ الفِعْلِ كـ"من ... يصل إلينا يستعن بنا يعن"
"ويبدل الفعل من الفعل" بدل كل من كل، قال في البسيط: باتفاق، كقوله "من الطويل":
٨٦٧-
متى تأتينا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبًا جزلًا ونارًا تأججا
ولا يبدل بدل بعض: وأما بدل الغلط فقال في البسيط: جوزه سيبويه وجماعة من النحويين، والقياس يقتضيه.
تنبيه: تبدل الجملة من الجملة نحو: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ ١، وقوله "من الطويل":
٨٦٩-
أَقُولُ لَهُ ارْحَل لاَ تُقِيمَنَّ عِنْدَنَا ... "وإلا فكن في السر والجهر مسلما"
وأجاز ابن جني والزمخشري والناظم إبدالها من المفرد كقوله "من الطويل":
٨٧٠-
إلَى اللَّهِ أَشْكُو بِالمَدِينَةِ حَاجَةً ... وَبِالشَّامِ أُخْرَى كَيفَ يَلتَقِيَانِ
стр. 951
أبدل كيف يلتقيان" من "حاجة وأخرى" أي: إلى الله أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقائهما، وجعل منه الناظم نحو عرفت زيدًا أبو من هو".
خاتمة: في مسائل متفرقة من التسهيل وشرحه.
الأولى: قد يتحد البدل والمبدل منه لفظًا إذا كان مع الثاني زيادة بيان كقراءة يعقوب: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ ١ بنصب كل الثانية، فإنها قد اتصل بها ذكر سبب الجثو.
الثانية: الكثير كون البدل معتمدًا عليه، وقد يكون في حكم الملغى كقوله "من الكامل":
٨٧١-
إنَّ السُّيُوفَ غُدُوَّهَا وَرَوَاحَهَا ... تَرَكَتْ هَوَازِنَ مِثْلَ قَرْنِ الأَعْضَبِ
стр. 952
الثالثة: قد يستغنى في الصلة بالبدل عن لفظ المبدل منه، نحو أحسن إلى الذي صحبت زيدًا١" أي صحبته زيدًا.
الرابعة: ما فصل به مذكور وكان وافيًا به يجوز فيه البدل والقطع نحو مررت برجال قصير وطويل وربعة، وإن كان غير واف تعين قطعه إن لم ينو معطوف محذوف، نحو مررت برجال طويل وقصير، فإن نوى معطوف محذوف فمن الأول، نحو "اجتنبوا الموبقات الشرك بالله والسحر" بالنصب، التقدير وأخواتهما لثبوتها في حديث آخر، والله تعالى أعلم.
стр. 953
النداء:
"لغات لفظ النداء":
فيه ثلاث لغات، أشهرها كسر النون مع المد، ثم مع القصر، ثم ضمها مع المد، واشتقاقه من ندى الصوت وهو بعده، يقال: فلان أندى صوتًا من فلان، إذا كان أبعد صوتًا منه.
"حروف النداء ومواضعها":
٥٧٣-
وَلِلمُنَادَى النَّاءِ" أو كالناء "يا، ... وأي، وآ" كذا "أيا" ثم "هيا"
"وللمنادى الناءِ" أي: البعيد "أو" من هو "كالناءِ" لنوم أو سهو أو ارتفاع محل أو انخفاضه، كنداء العبد لربه وعكسه من حروف النداء "يا وأي" بالسكون، وقد تمد همزتها "وآ، كذا أيا ثم هيا" وأعمقها "يا"؛ فإنها تدخل في كل نداء، وتتعين في الله تعالى.
٥٧٤-
والهمز للداني، و"وا" لمن ندب ... أو "يا" وغير "وا" لدى اللبس اجتنب
و"الهمز" المقصور "للداني" أي: القريب، نحو: "أزيد أقبل" "ووا لمن ندب" وهو المفتجع عليه أو المتوجع منه، نحو: "وا ولداه"، "وا رأساه" "أو يا" نحو: "يا ولداه"، "يا
стр. 954
رأساه" "وغير وا" وهو "يا" لدى اللبس اجتنب" أي: لا تستعمل "يا" في الندبة إلا عند أن اللبس، كقوله "من البسيط":
٨٧٢-
حَمَلتَ أَمْرًا عَظِيمًا فَاصْطَبَرْتَ لَهُ ... وَقُمْتَ فِيهِ بِأَمْرِ اللَّهِ يَا عُمَرَا
فإن خيف اللبس تعينت وا.
تنبيهان: الأول: من حروف نداء البعيد "آيْ" بمد الهمزة وسكون الياء، وقد عدها في التسهيل؛ فجملة الحروف حينئذٍ ثمانية.
الثاني: ذهب المبرد إلى أن "أيا" و"هيا" للبعيد، و"أي" والهمز للقريب، و"يا" لهما، وذهب ابن برهان إلى أن "أيا" و"هيا" للبعيد والهمزة للقريب و"أي" للمتوسط و"يا" للجميع، وأجمعوا على أن نداء القريب بما للبعيد يجوز توكيدًا وعلى منع العكس.
٥٧٥-
وغَيرُ مَنْدَوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا ... جَا مَسْتَغَاثًَا قَدْ يُعَرَّى فاعلما
стр. 955
"وغير مندوب ومضمر وما ... جا مستغاثا قد يعري"
من حروف النداء لفظًا "فَاعْلَمَا" نحو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ ١، ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ ٢، ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ ٣، نحو "خيرًا من زيد أقبل"، ونحو "من لا يزال محسنًا أحسن إلي".
أما المندوب والمستغاث والمضمر فلا يجوز ذلك فيها لأن الأولين يطلب فيهما مد الصوت والحذف ينافيه ولتفويت الدلالة على النداء مع المضمر.
تنبيهان: الأول عد في التسهيل من هذا النوع لفظ الجلالة والمتعجب منه، ولفظه: ولا يلزم الحرف إلا مع الله والمضمر والمستغاث والمتعجب منه والمندوب، وعد في التوضيح المنادى البعيد وهو ظاهر.
الثاني: أفهم كلامه جواز نداء المضمر، والصحيح منعه مطلقًا وشذ نحو: "يا إياك قد كفيتك"، وقوله "من الرجز":
٨٧٣-
يَا أَبْجَرَ ابْنَ أَبْجَرٍ يَا أَنْتَا ... "أنت الذي طلقت عام جعتا"
стр. 956
٥٧٦-
وذاك في اسم الجنس والمشار له ... قل ومن يمنعه فانصر عاذله
"وذاك" أي: التعري من الحروف "في اسم الجنس والمشار له قل ومن يمنعه" فيهما أصلا ورأسا "فانصر عاذله" بالذال المعجمة أي: لائمه على ذلك، فقد سمع في كل منهما ما لا يمكن رد جميعه؛ فمن ذلك في اسم الجنس قولهم: "أطرق كرا"١، و"افتد مخنوق"٢، و"أصبح ليل"، وفي الحديث، "ثوبي حجر" وفي اسم الإشارة قوله "من الطويل":
٨٧٤-
إذا هملت عيني لها قال صاحبي ... بمثلك هذا لوعة وغرام
стр. 957
وقوله "من البسيط":
٨٧٥-
إن الأولى وصفوا قومي لهم فبهم ... هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولًا
وقوله "من الخفيف":
٨٧٦-
ذا ارعواء فليس بعد اشتعال ... الرأس شيبًا إلى الصبا من سبيل
وجعل منه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ١ وكلاهما عند الكوفيين
стр. 958
مقيس مطرد، ومذهب البصريين المنع فيهما وحمل ما ورد، على شذوذ أو ضرورة، ولحنو المتنبي في قوله "من الكامل":
٨٧٧-
هَذِي بَرَزْتِ لَنَا فَهِجْتِ رَسِيسَا ... "ثم انثنيت وما شفيت نسيسا
والإنصاف القياس على اسم الجنس لكثرته نظمًا ونثرًا، وقصر اسم الإشارة على السماع إذا لم يرد إلا في الشعر وقد صرح في شرح الكافية بموافقة الكوفيين في اسم الجنس فقال وقولهم في هذا أصح.
تنبيه: أطلق هنا اسم الجنس وقيده في التسهيل بالمبني للنداء إذ هو محل الخلاف فأما اسم الجنس المفرد غير المعين كقول الأعمى: "يا رجلًا خذ بيدي" فنص في شرح الكافية على أن الحرف يلزمه.
فالحاصل أن الحرف يلزم في سبعة مواضع: المندوب والمستغاث والمتعجب
стр. 959
منه، والمنادى البعيد والمضمر ولفظ الجلالة واسم الجنس غير المعين وفي اسم الإشارة واسم الجنس المعين ما عرفت.
٥٧٧-
"وَابْنِ المُعَرَّفَ المُنَادَى المُفْرَدَا ... عَلَى الَّذِي فِي رَفْعِهِ قَدْ عُهِدَا"
أي: إذا اجتمع في المنادى هذان الأمران التعريف والإفراد فإنه يبنى على ما يرفع به لو كان معربًا، وسواء كان ذلك التعريف سابقًا على النداء نحو يا زيد أو عارضًا فيه بسبب القصد والإقبال وهو النكرة المقصودة نحو "يا رجل أقبل"، تريد رجلًا معينًا، والمراد بالمفرد هنا أن لا يكون مضافًا ولا شبيهًا به كما في باب "لا"؛ فيدخل في ذلك المركب المزجي والمثنى والمجموع نحو: "يا معد يكرب" و"يا زيدان" و"يا زيدون" و"يا هندان" و"يا رجلان" و"يا مسلمون"، وفي نحو "يا موسى" و"يا قاضي" ضمة مقدرة.
تنبيهات: الأول قال في التسهيل: ويجوز نصب ما وصف من معرف بقصد وإقبال وحكاه في شرحه عن الفراء وأيده بما روي من قوله ﷺ في سجوده: "يا عظيمًا يرجى لكل عظيم" وجعل منه قوله "من الطويل":
٨٧٨-
أَدَارًا بِحُزْوَى هِجْتِ لِلعَينِ عَبْرَةً ... "فماء الهوى يرفض أو يترقرق"
стр. 960
الثاني: ما أطلقه هنا قيده في التسهيل بقوله: غير مجرور باللام؛ للاحتراز من نحو: "يا لزيد لعمرو" ونحو: "يا للماء والعشب"، فإن كلًا منهما مفرد وهو معرب.
الثالث: إذا ناديت "اثني عشر" و"اثنتي عشرة" قلت: "يا اثنا عشر" و"يا اثنتا عشرة" بالألف، وإنما بني على الألف لأنه مفرد في هذا الباب كما عرفت، وقال الكوفيون: "يا اثني عشر" و"يا اثنتي عشرة" بالياء إجراء لهما مجرى المضاف.
٥٧٨-
وَانْوِ انْضِمَامَ مَا بَنَوا قَبْلَ النِّدَا ... وليجر مجرى ذي بناء جددا
"وانوا انضمام ما بنا قبل الندا" كسيبويه وحذام في لغة الحجاز وخمسة عشر "وَليُجْرَ مُجْرَى ذِي بِنَاءٍ جُدِّدَا" ويظهر أثر ذلك في تابعه فتقول: "يا سيبويه العالم" برفع العالم ونصبه كما تفعل في تابع ما تجدد بناؤه نحو: "يا زيد الفاضل"، والمحكي كالمبني، تقول: "يا تأبط شرًا المقدام والمقدام".
"أحوال نصب المنادي":
٥٧٩-
"وَالمُفْرَدَ المَنْكُورَ وَالمُضَافَا ... وَشِبْهَهُ انْصِبْ عَادِمًا خِلاَفَا"
أي: يجب نصب المنادى حتمًا في ثلاثة أحوال: الأول النكرة غير المقصودة كقول الواعظ: "يَا غَافِلًا وَالمَوتُ يَطْلُبُهُ"، وقول الأعمى: "يا رجلًا خذ بيدي"، وقوله "من الطويل":
٨٧٩-
أَيَا رَاكِبًا إمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ ... "نداماي من نجران أن لا تلاقيا"
стр. 961
وعن المازني أنه أحال وجود هذا النوع.
الثاني: المضاف سواء كانت الإضافة محضة نحو: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ أو غير محضة نحو يا حسن الوجه، وعن ثعلب إجازة الضم في غير المحضة.
الثالث: الشبيه بالمضاف وهو ما اتصل به شيء من تمام معناه نحو: "يا حسنًا وجهه" و"يا طالعًا جبلًا" و"يا رفيقًا بالعباد" و"يا ثلاثة وثلاثين" فيمن سميته بذلك، ويمتنع في هذا إدخال "يا" على "ثلاثين" خلافًا لبعضهم وإن ناديت جماعة هذه عدتها، فإن كانت غير معينة نصبتهما أيضًا، وإن كانت معينة ضممت الأول وعرفت الثاني بأل ونصبته أو رفعته، إلا إن أعدت معه "يا" فيجب ضمه وتجريده من "أل". ومنع ابن خروف إعادة "يا" وتخييره في إلحاق "أل" مردود.
تنبيه: انتصاب المنادى لفظًا أو محلًا عند سيبويه على أنه مفعول به وناصبه الفعل المقدر، فأصل "يا زيد" عنده: أدعو زيدًا؛ فحذف الفعل حذفًا لازمًا، لكثرة الاستعمال، ولدلالة حرف النداء عليه وإفادته فائدته، وأجاز المبرد نصبه بحرف النداء لسده مسد
стр. 962
الفعل، فعلى المذهبين "يا زيد" جملة، وليس المنادى أحد جزأيها؛ فعند سيبويه جزآها؛ أي الفعل والفاعل مقدران، وعند المبرد حرف النداء سد مسد أحد جزأي الجملة أي الفعل، والفاعل مقدر، والمفعول ههنا على المذهبين واجب الذكر لفظًا أو تقديرًا؛ إذ لا نداء بدون المنادى.
٥٨٠-
"وَنَحْوَ زَيدٍ ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ ... نَحْوِ أَزَيدُ بْنَ سَعِيدٍ لاَ تَهِنْ"
أي: إذا كان المنادى علمًا مفردًا موصوفًا بابن متصل به مضاف إلى علم نحو: "يا زيد بن سعيد" جاز فيه الضم والفتح، والمختار عند البصريين غير المبرد الفتح، ومنه قوله "من الرجز":
٨٨٠-
يَا حَكَمَ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجَارُودْ ... سُرَادِقُ المَجْدِ عَلَيكَ مَمْدُودْ
تنبيه: شرط جواز الأمرين كون الابن صفة كما هو الظاهر؛ فلو جعل بدلًا أو عطف
стр. 963
بيان أو منادى أو مفعولًا بفعل مقدر تعين الضم، وكلامه لا يوفي بذلك وإن كان مراده.
٥٨١-
"وَالضَّمُّ إنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا ... أو يَلِ الاِبْنَ عَلَمٌ قَد حُتِمَا"
"الضم": مبتدأ خبره قد حتما، و"إن لم يل": شرط جوابه محذوف، والتقدير فالضم متحتم أي واجب، ويجوز أن يكون قد حتما جوابه والشرط وجوابه خبر المبتدأ، واستغنى بالضمير الذي في حتم رابطًا؛ لأن جملة الشرط والجواب يستغنى فيهما بضمير واحد لتنزلهما منزلة الجملة الواحدة، وعلى هذا فلا حذف.
ومعنى البيت أن الضم متحتم أي واجب إذا فقد شرط من الشروط المذكورة كما في نحو: "يا رجلُ ابنَ عمرو"، و"يا زيدُ الفاضلُ ابن عمرو"، و"يا زيد الفاضل" لانتفاء علمية المنادى في الأولى، واتصال الابن به في الثانية والوصف به في الثالثة، ولم يشترط هذا الكوفيون كقوله "من الوافر":
٨٨١-
فَمَا كَعْبُ بْنُ مَامَةَ وَابْنُ أَرْوَى ... بِأَجْوَدَ مِنْكَ يَا عُمَرَ الجَوَادَا
стр. 964
بفتح "عمر"، وعلى هذه الثلاثة يصدق صدر البيت. ونحو: "يا زيد ابن أخينا" لعدم إضافة "ابن" إلى "علم"، وهو مراد عجز البيت.
تنبيهات: الأول: لا إشكال أن فتحة "ابن" فتحة إعراب إذا ضم موصوفه، وأما إذا فتح فكذلك عند الجمهور، وقال عبد القاهر: هي حركة بناء؛ لأنك ركبته معه.
الثاني: حكم "ابنة" فيما تقدم حكم "ابن" فيجوز الوجهان نحو: "يا هند بنة زيد" خلافًا لبعضهم، ولا أثر للوصف بـ"بنت" هنا؛ فنحو: "يا هند بنت عمرو" واجب الضم.
الثالث: يلتحق بالعلم "يا فلان بن فلان"، و"يا ضل بن ضل"، و"يا سيد بن سيد" ذكره في التسهيل، وهو مذهب الكوفيين، ومذهب البصريين في مثله مما ليس بعلم التزام الضم.
الرابع: قال في التسهيل: وربما ضم "الابن" إتباعًا، يشير إلى ما حكاه الأخفش عن بعض العرب من "يا زيد بن عمرو" بالضم إتباعًا لضمة الدال.
الخامس: قال فيه أيضًا: ومجوز فتح ذي الضمة في النداء يوجب في غيره حذف تنوينه لفظًا، وألف "ابن" في الحالتين خطأ، وإن نون فللضرورة.
السادس: اشترط في التسهيل لذلك كون المنادى ذا ضمة ظاهرة، وعبارته: ويجوز فتح ذي الضمة الظاهرة إتباعًا، وكلامه هنا يحتمله، فنحو:"يا عيسى ابن مريم"، يتعين فيه تقدير الضم؛ إذ لا فائدة في تقدير الفتح، وفيه خلاف، اهـ.
٥٨٢-
"واضمم أو انصب ما اضطرارا نونا ... مما له استحقاق ضم بينا"
стр. 965
فقد ورد السماع بهما، فمن الضم قوله "من الطويل":
٨٨٢-
سلام الله يا مطر عليها ... "وليس عليك يا مطر السلام"
وقوله "من البسيط":
٨٨٣-
ليت التحية كانت لي فأشكرها ... مكان يا جمل حييت يا رجل
стр. 966
ومن النصب قوله:
أعبدا حل في شعبي غريبا ... "ألؤما لا أبا لك واغترابا"١
وقوله "من الخفيف":
٨٨٤-
ضربت صدرها إلي وقالت ... يا عديا لقد وقتك الأواقي
واختار الخليل وسيبويه الضم، وأبو عمرو وعيسى ويونس والجرمي والمبرد النصب، ووافق الناظم والأعلم الأولين في العلم والآخرين في اسم الجنس.
стр. 967
٥٨٣-
وباضطرار خص جمع "يا" و"أل" ... إلا مع "الله" ومحكي الجمل
"وباضطرار خص جمع يا وأل" في نحو قوله "من الكامل":
٨٨٥-
عباس يا الملك المتوج والذي ... عرفت له بيت العلا عدنان
وقوله "من الرجز":
٨٨٦-
فيا الغلامان اللذان فرا ... إياكما أن تعقبانا شرا
стр. 968
ولا يجوز ذلك في الاختيار خلافًا للبغداديين في ذلك "إلاَّ مَعَ اللَّهِ" فيجوز إجماعًا؛ للزوم أل له حتى صارت كالجزء منه فتقول: "يا الله" بإثبات الألفين، و"يا الله" بحذفهما، و"يا الله" بحذف الثانية فقط "وَ" إلا مع "مَحْكِيِّ الجُمَل" نحو: "يا المنطلق زيد" فيمن سمي بذلك، نص على ذلك سيبويه، وزاد عليه المبرد ما سمي به من موصول مبدوء بأل نحو الذي والتي وصوبه الناظم، وزاد في التسهيل اسم الجنس المشبه به نحو: "يا الأسد شدة أقبل"، وهو مذهب ابن سعدان، قال في شرح التسهيل: وهو قياس صحيح لأن تقديره: "يا مثل الأسد أقبل"، ومذهب الجمهور المنع.
٥٨٤-
والأكثر "اللهم" بالتعويض ... وشذ "يا اللهم" في قريض
"والأكثر" في نداء اسم الله تعالى أن يحذف حرف النداء ويقال "اللهم بالتعويض" أي: بتعوض الميم المشددة عن حرف النداء "وشذ يا اللهم في قريض"، أي: شذ الجمع بين "يا" و"الميم" في الشعر، كقوله "من الرجز":
٨٨٧-
إني إذا ما حدث ألما ... أقول يا اللهم يا اللهما
стр. 969
تنبيهات: الأول مذهب الكوفيين أن الميم في اللهم بقية جملة محذوفة وهي "أمنا بخير"، وليست عوضًا عن حرف النداء ولذلك أجازوا الجمع بينهما في الاختيار.
الثاني: قد تحذف "أل" من اللهم كقوله "من الرجز":
٨٨٨-
لاَ هُمَّ إنْ كُنْتَ قَبِلتَ حَجَّتِجْ ... "فلا يزال شاحج يأتيك بج"
وهو كثير في الشعر.
الثالث: قال في النهاية: تستعمل اللهم على ثلاثة أنحاء: أحدها النداء المحض نحو: "اللهم أثبتنا"، ثانيها: أن يذكرها المجيب تمكينًا للجواب في نفس السامع كأن يقول لك القائل: "أزيد قائم؟ " فتقول له: "اللهم نعم" أو "اللهم لا"، ثالثها: أن تستعمل دليلًا على الندرة وقلة وقوع المذكور نحو قولك: "أنا أزورك اللهم إذا لم تدعني"، ألا ترى أن وقوع الزيارة مقرونًا بعدم الدعاء قليل.
стр. 970
فصل: "تابع المنادى وأحواله"
٥٨٥-
تَابِعَ ذِي الضَّمِّ المُضَافَ دُونَ أَل ... أَلزِمْهُ نَصْبًا، كـ"أزيد ذا الحيل"
"تابع" المنادي "ذي الضم المضاف دون أل ألزمة نصبًا" مراعاة لمحل المنادى نعتًا كان "كَأَزَيدُ ذَا الحِيَل" أو بيانًا نحو: "يا زيد عائد الكلب"، أو توكيدًا نحو: "يا زيد نفسه" و"يا تميم كلهم أو كلكم".
تنبيهان: الأول أجاز الكسائي والفراء وابن الأنباري الرفع في نحو: "يا زيد صاحبنا"، والصحيح المنع لأن إضافته محضة، وأجازه الفراء في نحو: "يا تميم كلهم" وقد سمع، وهو محمول عند الجمهور على القطع أي كلهم يدعى.
الثاني: شمل قوله: "ذي الضم" العلم والنكرة المقصودة والمبني قبل النداء لأنه يقدر ضمه كما مر.
٥٨٦-
وما سواه انصب أو ارفع واجعلا ... كمستقل نسقًا وبدلًا
"وَمَا سِوَاهُ" أي: ما سوى التابع المستكمل للشرطين المذكورين وهما الإضافة والخلو من أل، وذلك شيئان: المضاف المقرون بـ"أل"، والمفرد "ارْفَعْ أوِ انْصِبْ" تقول: "يا زيد الحسن الوجه والحسن الوجه"، و"يا زيد الحسن والحسن"، و"يا غلام بشر وبشرًا"، و"يا تميم أجمعون وأجمعين"، فالنصب اتباعًا للمحل، والرفع اتباعًا للفظ لأنه يشبه المرفوع من حيث عروض الحركة.
تنبيهان: الأول شمل كلامه أولًا وثانيًا التوابع الخمسة، ومراده النعت والتوكيد وعطف البيان، وسيأتي الكلام على البدل وعطف النسق.
الثاني: ظاهر كلامه أن الوجهين على السواء.
"وَاجْعَلاَ كَمُسْتَقِل" بالنداء "نَسَقًا" خاليًا عن "أل" "وَبَدَلاَ" تقول: "يا زيد بشر"
стр. 971
بالضم، وكذلك "يا زيد وبشر"، وتقول: "يا زيد أبا عبد الله"، وكذلك "يا زيد وأبا عبد الله"، وهكذا حكمهما مع المنادى المنصوب؛ لأن البدل في نية تكرار العامل، والعاطف كالنائب عن العامل.
تنبيه: أجاز المازني والكوفيون "يا زيد وعمرا ويا عبد الله وبكرا".
٥٨٧-
وَإِنْ يَكُنْ مَصْحُوبَ "أَل" مَا نُسِقَا ... ففيه وحهان ورفع ينتقى
"وإن يكن مصحوب أل ما نسقا ففيه وجهان" الرفع والنصب "وَرَفْعٌ يُنْتَقَى" أي: يختار وفاقًا للخليل وسيبويه والمازني؛ لما فيه من مشاكلة الحركة، ولحكاية سيبويه أنه أكثر، وأما قراءة السبعة: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ ١، بالنصب فللعطف على فضلًا من: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾ ٢، واختار أبو عمرو وعيسى ويونس والجرمي النصب لأن ما فيه "أل" لم يل حرف النداء فلا يجعل كلفظ ما وليه وتمسكًا بظاهر الآية إذ إجماع القراء سوى الأعرج على النصب، وقال المبرد: إن كانت "أل" معرفة فالنصب وإلا فالرفع لأن المعرف يشبه المضاف.
تنبيه: هذا الاختلاف إنما هو في الاختيار، والوجهان مجمع على جوازهما إلا فيما عطف على نكرة مقصودة نحو: "يا رجل والغلام" فلا يجوز فيه عند الأخفش ومن تبعه إلا الرفع.
٥٨٨-
"وَأَيُّهَا مَصْحُوبَ أَل بَعْدُ صِفَهْ ... يَلزَمُ بِالرَّفْعِ لَدَى ذِي المَعْرِفَهْ"
يجوز في ضبط هذا البيت أن يكون "مصحوب" منصوبًا، فـ"أيها": مبتدأ و"يلزم": خبره، ومصحوب: مفعول مقدم بـ"يلزم" و"صفة": نصب على الحال من مصحوب "أل" وبالرفع في موضع الحال من مصحوب "أل" و"بعد": في موضع الحال، مبني على الضم لحذف المضاف إليه وهو ضمير يعود إلى "أي"، والتقدير: وأيها يلزم مصحوب
стр. 972
"أل" حال كونه صفة لها مرفوعة واقعة أو واقعًا بعدها، ويجوز أن يكون "مصحوب" مرفوعًا على أنه مبتدأ ويكون خبره "يلزم" والجملة خبر "أيها" والعائد على المبتدأ محذوف أي: يلزمها ويجوز أن يكون "صفة" هو الخبر.
والمراد إذا نوديت أي فهي نكرة مقصودة مبنية على الضم وتلزمها "ها" التنبيه مفتوحة، وقد تضم لتكون عوضًا عما فاتها من الإضافة، وتؤنث لتأنيث صفتها نحو: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ﴾ ١ ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ﴾ ٢ ويلزم تابعها الرفع، وأجاز المازني نصبه قياسًا على صفة غيره من المناديات المضمومة.
قال الزجاج: لم يجز هذا المذهب أحد قبله ولا تابعه أحد بعده، وعلة ذلك أن المقصود بالنداء هو التابع و"أي" وصلة إلى ندائه، وقد اضطرب كلام الناظم في النقل عن الزجاج فنقل في شرح التسهيل عنه هذا الكلام ونسب إليه في شرح الكافية موافقة المازني وتبعه ولده، وإلى التعريض بمذهب المازني الإشارة بقوله: "لدى ذي المعرفة"، وظاهر كلامه أنه صفة مطلقًا وقد قيل: عطف بيان قال ابن السيد: وهو الظاهر، وقيل: إن كان مشتقًا فهو نعت وإن كان جامدًا فهو عطف بيان، وهذا أحسن.
تنبيهات: الأول يشترط أن تكون "أل" في تابع أي جنسية كما ذكره في التسهيل فإذا قلت: "يأيها الرجل" فـ"أل" جنسية وصارت بعد للحضور كما صارت كذلك بعد اسم الإشارة، وأجاز الفراء والجرمي إتباع "أي" بمصحوب "أل" التي للمح الصفة نحو: "يا أيها الحارث"، والمنع مذهب الجمهور ويتعين أن يكون ذلك عطف بيان عند من أجازه.
الثاني: ذهب الأخفش في أحد قوليه إلى أن المرفوع بعد "أي" خبر لمبتدأ محذوف و"أي" موصولة بالجملة، ورد بأنه لو كان كذلك لجاز ظهور المبتدأ بل كان أولى ولجاز وصلها بالفعلية والظرف.
الثالث: ذهب الكوفيون وابن كيسان إلى أن ها دخلت للتنبيه مع اسم الإشارة فإذا قلت: "يا أيها الرجل" تريد يا أيهذا الرجل ثم حذف "ذا" اكتفاء بها.
стр. 973
الرابع: يجوز أن توصف صفة "أي" ولا تكون إلا مرفوعة مفردة كانت أو مضافة كقوله "من الرجز":
٨٨٩-
يَا أَيُّهَا الجَاهِلُ ذُو التّنَزِّي ... لاَ تُوعِدَنِّي حَيَّةً بِالنَّكْزِ
٥٨٩-
وأيهذا أيها الذي ورد ... ووصف أي بسوى هذا يرد
"وَأَيُّهَذَا أَيُّهَا الَّذِي وَرَدْ" "أيهذا": مبتدأ، و"أيها الذي": عطف عليه، وسقط العاطف للضرورة، و"ورد" جملة خبر، ووحد الفاعل إما لكون الكلام على حذف مضاف والتقدير لفظ أيهذا وأيها الذي ورد أو هو من باب "من الخفيف":
٨٩٠-
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ "والرأي مختلف"
стр. 974
أي: ورد أيضًا وصف "أي" في النداء باسم الإشارة وبموصول فيه "أل" كقوله "من الطويل":
٨٩١-
أَلاَ أَيُّهَذَا البَاخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ ... لِشَيءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيهِ المَقَادِرُ
ونحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ ١، "وَوَصْفُ أيَ بِسِوَى هَذَا" الذي ذكر "يُرَدْ" فلا يقال: "يا أيها زيد" ولا "يا أيها صاحب عمرو".
تنبيهان: الأول يشترط لوصف "أي" باسم الإشارة خلوه من كاف الخطاب كما هو ظاهر كلامه، وفاقًا للسيرافي، وخلافًا لابن كيسان فإنه أجاز "يا أيها ذاك الرجل".
стр. 975
الثاني: لا يشترط في اسم الإشارة المذكور أن يكون منعوتًا بذي "أل" وفاقًا لابن عصفور والناظم كقوله "من الرمل":
٨٩٢-
أَيُّهَذَانِ كُلاَ زَادَكُمَا ... وَدَعَانِي وَاغِلًا فِيمَنْ وَغَل
واشترط ذلك غيرهما.
٥٩٠-
وذو إشارة كأي في الصفه ... إن كان تركها يفيت المعرفه
"وَذُو إشَارَةٍ كَأَي فِي الصِّفَه" في لزومها، ولزوم رفعها كونها بـ"أل" على ما مر، نحو: "يا ذا الرجل" و"يا ذا الذي قام" هذا "إنْ كَانَ تَرْكُهَا" أي ترك الصفة "يُفِيتُ المَعْرِفَهْ" أي بأن تكون هي مقصودة بالنداء واسم الإشارة قبلها لمجرد الوصلة إلى ندائها كقولك لقائم بين قوم جلوس: "يا هذا القائم"، أما إذا كان اسم الإشارة هو المقصود بالنداء بأن قدرت الوقوف عليه فلا يلزم شيء من ذلك، ويجوز في صفته حينئذٍ ما يجوز في صفة غيره من المناديات المبنيات على الضم.
стр. 976
"حكم المنادى المكرر المضاف ثاني لفظيه":
٥٩١-
في نحو "سعدُ سعدَ الأوس" ينتصب ... ثان وضم وافتح أولا نصب
"فِي نَحْوِ" يا "سَعْدُ سَعْدَ الاَوسِ"١ وقوله "من البسيط":
٨٩٣-
يَا تَيمُ تَيمَ عَدِي لاَ أَبَا لَكُمُ ... "لا يلقينكم في سوأة عمر"
وقوله "من الرجز":
٨٩٤-
يَا زَيدُ زَيدَ اليَعْمُلاَتِ الذُّبَّلِ ... "تطاول الليل عليك فانزل"
стр. 977
"يَنْتَصِبْ ثَانٍ" حتمًا "وَضُمَّ وَافْتَحْ أَوَّلًا تُصِبْ" فإن ضممته فلأنه منادى مفرد معرفة، وانتصاب الثاني حينئذٍ لأنه منادى مضاف أو توكيد أو عطف بيان أو بدل أو بإضمار أعني، وأجاز السيرافي أن يكون نعتًا وتأول فيه الاشتقاق، وإن فتحته فثلاثة مذاهب:
أحدها -وهو مذهب سيبويه- أنه منادى مضاف إلى ما بعد الثاني، والثاني مقحم بين المضاف والمضاف إليه، وعلى هذا قال بعضهم يكون نصب الثاني على التوكيد.
وثانيها -وهو مذهب المبرد- أنه مضاف إلى محذوف دل عليه الآخر، والثاني مضاف إلى الآخر ونصبه على الأوجه الخمسة.
وثالثها: أن الاسمين ركبا تركيب خمسة عشر ففتحتهما فتحة بناء لا فتحة إعراب ومجموعهما منادى مضاف وهذا مذهب الأعلم.
تنبيهات: الأول صرح في الكافية بأن الضم أمثل الوجهين.
الثاني: مذهب البصريين أنه لا يشترط في الاسم المكرر أن يكون علمًا بل اسم الجنس نحو: "يا رجل رجل قوم" والوصف نحو: "يا صاحب صاحب زيد" كالعلم فيما تقدم، وخالف الكوفيون في اسم الجنس فمنعوا نصبه وفي الوصف فذهبوا إلى أنه لا ينصب إلا منونًا نحو: "يا صاحبًا صاحب زيد".
الثالث: إذا كان الثاني غير مضاف، نحو: "يا زيد زيد" جاز ضمه بدلًا، ورفعه ونصبه عطف بيان على اللفظ أو المحل.
стр. 978
المنادى المضاف إلى ياء المتكلم:
٥٩٢-
واجعل منادى صح إن يضف ليا ... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
"وَاجْعَل مُنَادًى صَحَّ" آخره "إنْ يُضَفْ لِيَا" المتكلم "كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدا عَبْدِيَا" والأفصح والأكثر من هذه الأمثلة الأول وهو حذف الياء والاكتفاء بالكسرة نحو: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُون﴾ ١، ثم الثاني: وهو ثبوتها ساكنة نحو: ﴿يَا عِبَادِي لا خَوْفٌ عَلَيْكُم﴾ ٢، والخامس: وهو ثبوتها مفتوحة نحو: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ ٣، وهذا هو الأصل، ثم الرابع: وهو قلب الكسرة فتحة والياء ألفًا نحو: ﴿يَا حَسْرَتَا﴾ ٤، وأما المثال الثالث وهو حذف الألف والاجتزاء بالفتحة فأجازه الأخفش والمازني والفارسي كقوله "من الوافر":
وَلَسْتُ بِرَاجِعٍ مَا فَاتَ مِنِّي ... بِلَهْفَ وَلاَ بِلَيتَ وَلاَ لَو أنِّي٥
أصله بقولي: يا لهفا، ونقل عن الأكثرين المنع، قال في شرح الكافية: وذكروا أيضًا وجهًا سادسًا وهو الاكتفاء عن الإضافة بنيتها وجعل الاسم مضمومًا كالمنادى المفرد، ومنه قراءة بعض القراء: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيّ﴾ ٦، وحكى يونس عن بعض العرب: "يا أمُّ لا تفعلي" وبعض العرب يقولون: "يا ربُّ اغفر لي" و"يا قومُ لا تفعلوا".
أما المعتل آخره ففيه لغة واحدة وهي ثبوت يائه مفتوحة نحو: "يا فتايَ" و"يا قاضيَ".
стр. 979
تنبيهان: الأول: ما سبق من الأوجه هو فيما إضافته للتخصيص كما أشعر به تمثيله، أما الوصف المشبه للفعل فإن ياءه ثابتة لا غير، وهي إما مفتوحة أو ساكنة نحو: "يا مكرمي" و"يا ضاربي".
الثاني: قال في شرح الكافية: إذا كان آخر المضاف إلى ياء المتكلم ياء مشددة كـ"بني" قيل: "يا بني" أو "يا بني" لا غير؛ فالكسر على التزام حذف ياء المتكلم فرارًا من توالي الياءات مع أن الثالثة كأن يختار حذفها قبل ثبوت الثنتين وليس بعد اختيار الشيء إلا لزومه، والفتح على وجهين: أحدهما أن تكون ياء المتكلم أبدلت ألفًا ثم التزم حذفها لأنها بدل مستثقل، الثاني: أن ثانية ياءي "بني" حذفت ثم أُدغمت أولاهما في ياء المتكلم ففتحت لأن أصلها الفتح كما فتحت في يدي ونحوه، اهـ. وقد تقدمت بقية الأحكام في باب المضاف إلى ياء المتكلم.
٥٩٣-
وفتح أو كسر وحذف اليا استمر ... في "يابن أم، يابن عم لا مفر"
"وَفَتْحٌ أو كَسْرٌ وَحَذْفُ اليَا" والألف تخفيفًا لكثرة الاستعمال "اسْتَمَر فِي" قولهم "يَابْنَ أُمَّ" ويا ابنة أم، و"يَابْنَ عَمَّ" ويا ابنة عم "لاَ مَفَرْ" أما الفتح ففيه قولان: أحدهما أن الأصل أما وعما بقلب الياء ألفًا فحذفت الألف وبقيت الفتحة دليلًا عليها، الثاني أنهما جعلا اسمًا واحدًا مركبًا وبني على الفتح، والأول قول الكسائي والفراء وأبي عبيدة وحكي عن الأخفش، والثاني قيل: هو مذهب سيبويه والبصريين وأما الكسر فظاهر مذهب الزجاج وغيره أنه مما اجتزئ فيه بالكسرة عن الياء المحذوفة من غير تركيب، قال في الارتشاف: وأصحابنا يعتقدون أن "ابن أم" و"ابنة أم" و"ابن عم" و"ابنة عم" حكمت لها العرب بحكم اسم واحد وحذفوا الياء كحذفهم إياها من أحد عشر إذا أضافوه إليها، وأما إثبات الياء والألف في قوله "من الخفيف".
٨٩٥-
يَابْنَ أُمِّي وَيَا شُقَيِّقَ نَفْسِي ... "أنت خلفتني لدهر شديد"
стр. 980
وقوله "من الرجز":
٨٩٦-
يَابْنَةَ عَمَّا لاَ تَلُومِي وَاهْجَعِي
فضرورة، أما ما لا يكثر استعماله من نظائر ذلك نحو: "يابن أخي" و"يابن خالي" فالياء فيه ثابتة لا غير، ولهذا قال "في يابن أم يابن عم" ولم يقل في نحو: "يابن أم يابن عم".
تنبيه: نص بعضهم على أن الكسر أجود من الفتح وقد قرئ: "قال يابن أم" بالوجهين.
стр. 981
"لغات نداء أب وأم مضافين للياء":
٥٩٤-
وفي الندا "أبت أمت" عرض ... واكسر أو افتح ومن اليا التا عوض
"وَفِي النِّدَا" قولهم: يا "أَبَتِ" ويا "أُمَّتِ" بالتاء "عَرَضْ" والأصل: يا أبي ويا أمي "وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ وَمِنَ اليَا التَّا عِوَضْ" ومن ثم لا يكادان يجتمعان، ويجوز فتح التاء وهو الأقيس وكسرها وهو الأكثر، وبالفتح قرأ ابن عامر وبالكسر قرأ غيره من السبعة.
تنبيهات: الأول فهم من كلامه فوائد؛ الأولى أن تعويض التاء من ياء المتكلم في أب وأم لا يكون إلا في النداء. الثانية أن ذلك مختص بالأب والأم، الثالثة أن التعويض فيهما ليس بلازم فيجوز فيهما ما جاز في غيرهما من الأوجه السابقة فهم ذلك من قوله: "عرض"، الرابعة منع الجمع بين التاء والياء لأنها عوض عنها وبين التاء والألف لأن الألف بدل من الياء، وأما قوله "من الطويل":
٨٩٧-
يَا أَبَتِي لاَ زِلتَ فِينَا فَإِنَّمَا ... لَنَا أَمَلٌ فِي العَيشِ مَا دُمْتَ عَائِشَا
فضرورة وكذا قوله "من الرجز":
"تقول بنتي قد أني أنا كا" ... يا أبتا علك أو عساكا١
وهو أهون من الجمع بين التاء والياء لذهاب صورة المعوض عنه، وقال في شرح الكافية: الألف فيه هي الألف التي يوصل بها آخر المنادى إذا كان بعيدًا أو مستغاثًا به أو
стр. 982
مندوبًا، وليست بدلًا من ياء المتكلم، وجوز الشارح الأمرين.
الثاني: اختلف في جواز ضم التاء في "يا أبت" و"يا أمت" فأجازه الفراء وأبو جعفر النحاس، ومنعه الزجاج، ونقل عن الخليل أنه سمع من العرب من يقول: "يا أبت" و"يا أمت" بالضم، وعلى هذا فيكون في ندائهما عشر لغات: الست السابقة في نحو: "يا عبد"، وهذه الأربعة أعني تثليث التاء والجمع بينها وبين الألف في نحو: "يا أبتا" على ما مر.
الثالث: يجوز إبدال هذه التاء هاء وهو يدل على أنها تاء التأنيث. قال في التسهيل: وجعلها هاء في الخط والوقف جائز، وقد قرئ بالوجهين في السبع، ورسمت في المصحف بالتاء.
стр. 983
أسماء لازمت النداء:
٥٩٥-
و"فل" بعض ما يخص بالندا ... "لؤمان نومان" كذا واطردا
"وَفُلُ بَعْضُ مَا يُخَصُّ بِالنِّدَا" أي: لا يستعمل في غير النداء ويقال للمؤنثة: يا فلة واختلف فيهما؛ فمذهب سيبويه أنهما كنايتان عن نكرتين، فـ"فل" كناية عن رجل و"فلة" كناية عن امرأة، ومذهب الكوفيين أن أصلهما فلان وفلانة فرخما، ورده الناظم بأنه لو كان مرخمًا لقيل فيه: "فلا" ولما قيل في التأنيث: "فلة"، وذهب الشلوبين وابن عصفور وصاحب البسيط إلى أن "فل" و"فلة" كناية عن العلم نحو: "زيد" و"هند" بمعنى فلان وفلانة، وعلى ذلك مشى الناظم وولده، قال الناظم في شرح التسهيل وغيره أن "يا فل" بمعنى "يا فلان" و"يا فلة" بمعنى "يا فلانة"، قال: وهما الأصل فلا يستعملان منقوصين في غير نداء إلا في ضرورة فقد وافق الكوفيين في أنهما كناية عن العلم وأن أصلهما فلان وفلانة، وخالفهم في الترخيم ورده بالوجهين السابقين، و"لُؤْمَانُ" بالهمز وضم اللام، و"ملأم" و"ملأمان" بمعنى عظيم اللؤم و"نَومَانُ" بفتح النون بمعنى كثير النوم "كَذَا" أي مما يختص بالنداء.
تنبيهان: الأول الأكثر في بناء "مفعلان" نحو: "ملأمان" أن يأتي في الذم، وقد جاء في المدح نحو: "يا مكرمان"، حكاه سيبويه والأخفش، و"يا مطيبان"، وزعم ابن السيد أنه يختص بالذم وأن "مكرمان" تصحيف "مكذبان"، وليس بشيء.
الثاني: قال في شرح الكافية: إن هذه الصفات مقصورة على السماع بإجماع وتبعه ولده، وهو صحيح في غير "مفعلان" فإن فيه خلافًا، أجاز بعضهم القياس عليه فتقول: "يا
стр. 984
مخبثان"، وفي الأنثى "يا مخبثانة".
"يا فَعَالِ":
٥٩٦-
في سب الأنثى وزن "يا خَبَاثِ" ... والأمر هكذا من الثلاثي
وَاطَّردَا "فِي سَبِّ الأُنْثَى وَزْنُ" "يا فَعَال" نحو: "يَا خَبَاثِ" "يا لكاع" "يا فساق" وأما قوله: "من الوافر":
٨٩٨-
أُطَوِّف مَا أُطَوِّفُ ثُمَّ آوِي ... إلَى بَيتٍ قَعِيدَتُهُ لَكَاعِ
فضرورة "وَالأَمْرُ هَكَذَا" أي: اسم فعل الأمر مطرد "مِنَ الثُّلاَثِي" عند سيبويه نحو نزال وتراك من نزل وترك.
تنبيهان: الأول: أهمل الناظم من شروط القياس على هذا النوع أربعة شروط؛ الأول:
стр. 985
أن يكون مجردًا فأما غير المجرد فلا يقال منه إلا ما سمع نحو: "دراك" من "أدرك"، الثاني: أن يكون تامًا فلا يبنى من ناقص، الثالث: أن يكون متصرفًا، الرابع: أن يكون كامل التصرف فلا يبنى من "يدع" و"يذر".
الثاني: ادعى سيبويه سماعه من غير الثلاثي شذوذًا كـ"قرقار" من "قرقر" في قوله: "من الرجز":
٨٩٩-
"حتى إذا كان على مطار ... يمناه واليسرى على الثرثار"
قَالَتْ لَهُ رِيحُ الصَّبَا قَرْقَار
وعرعار من "عرعر" في قوله "من الكامل":
٩٠٠-
"متكنفي جنبي عكاظ كليهما" ... يَدْعُو وَلِيدَهُمْ بِهَا عَرْعَارِ