← История

История · id 11748

الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة

محمد كامل الفقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الشيخ عبد الكريم سلمان: المتوفى سنة "١٣٣٦هـ-١٩١٨". نشأته وحياته: ولد ﵀ في القاهرة يوم الخميس غرة شعبان سنة ١٢٦٥هـ، من أبوين ألباني الأصل، فقد وفد إلى مصر من "ألبانيا" جده لأبيه المرحوم "سلمان أفندي أغا" في عهد "محمد علي باشا"، ووظف بجنده، وكان ابنه "حسين أفندي" قد اتصل بأسرة من جنسه بقرية "جنبواي" من أعمال مركز "إيتاي البارود" بمديرية "البحيرة"، فأصهر إليها ولبث بهذه القرية على هوى منه، وزهد في وظيفته بما اشتراه من عقار في هذه الجهة، وقد رزق عدة بنين كان المرحوم الشيخ "عبد الكريم" ثانيهم سنا، وقد أصيب الشيخ "عبد الكريم" بالجدرى، وهو طفل، فكاد يذهب ببصره لولا أن القدر هيأ له أخاه في الطفولة، فبينما كان يعلبان على سطح الدار إذا بأخيه يقذف به، فيهبط من حالق وتشج جبهته وحاجبه، ويتدفق منها دم غزير انكشفت به غشاوة عن إحدى عينيه، فأبصر بها. وقد حال ضعف بصره دون إلحاقه بالمدارس، فالتحق بكتاب القرية، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وأتم القرآن به ثم أشرب حب الأزهر، وتملكه هواه فتسلل خفية إليه، وقد التقى في طريقه إلى الأزهر برجل من قريته، فسأله الرجل عن مقصده فعي جوابه، وإذ ذاك عاد ب الرجل إلى القرية وأسلمه لوالده، ولم يشأ والده أن يصرفه عن حبه الأزهر، فأوفده إليه في سنة ١٢٨٨هـ، فانكب على العلم وطالعه برغبته وشوق، وكان معروفا بالذكاء والتفوق على الأقران، وجمعته صداقة الصبا بجمهرة من نابغي الأزهر كالطلاب "سعد زغلول"، و"محمد عبده"، و"إبراهيم الهلباوي"، وغيرهم.

стр. 352

وفي أواخر داسته بالأزهر، وفد إلى مصر "السيد جمال الدين الأفغاني"، فوصل بينهما "الشيخ محمد عبده"، وأكد ودهما فتلقى "الشيخ عبد الكريم" عن الأفغاني ما كان ينشده بمصر من العلوم، ودرب فيمن دربهم على الكتابة ومعالجة الشئون، ومنذ ذلك الحين شرع يكتب في الصحف، ويتناول النواحي الوطنية، والخلقية والاجتماعية، وذاع اسمه بين الكتاب النابهين، وكان قلمه يدر عليه اليسر والرغد، ونال شهادة العالمية من الدرجة الأولى في سنة ١٣١٥ هجرية. أعماله: اتجهت رغبة المرحوم "رياض باشا"، وكان ناظر النظار إلى إصلاح جريدة الوقائع المصرية، فقلب بصره باحثا عن نحارير الكتاب، وجهابذتهم فاختاره فيمن اختارهم لتحريرها "كسعد زغلول"، و"سيد وفا"، وغيرهما تحت رئاسة الشيخ "محمد عبده" سنة ١٨٨٠م، وكان "رياض باشا" قد اهتدى إليه بمقال كتبه قبل ذلك تناول فيه بالنقد بعض أعمال الحكومة، فدعاه على أثر ذلك، وخيره بين الكف عن الكتابة والتزام قربته، فآثر الثانية، ثم دعاه منها لهذا العمل، فكان أحد الذين سموا بلغة الوقائع، ونهضوا بتحريرها، وخلصوها مما كانت ترسف في أغلاله من السجع المرذول، والصناعة المستكرهة. ولما حوكم "الشيخ محمد عبده" عقب الثورة العرابية، وقضى بنفيه إلى "الشام" حل "الشيخ عبد الكريم" محله في رئاسة الوقائع، وظل بها إلى أواخر سنة ١٨٩٧، وهي السنة التي ألغي فيها القسم الأدبي من الوقائع، فعادت إلى ما كانت عليه صحيفة أوامر وقوانين. ثم عين في أول يناير سنة ١٨٩٨م عضوا بالمحكمة الشرعية العليا، وقد حصل على شهادة العالمية في فقه الأحناف؛ لأنه نشأ شافعي المذهب، ولا يتقلد

стр. 353

قضاء مصر إلا الحنفية، وقد أبدى ذكاء غريبا في دراسة فقهه الجديد، فإنه تضلع فيه، واستمكن في وجيز من الزمن. وفي أول أبريل سنة ١٨١٠م عين مفتشا عاما بالمحاكم الشرعية، وطاف بمحاكم البلاد جميعها، وكتب تقريرا مبدعا بين فيه ما شاهده من علل، ونقص وأشار بكثير من ضروب الإصلاح والعلاج الإداري والفقهي، ثم لقي عنتا آثر به الاستقالة في نوفمبر سنة ١٩١٢م. صلته بالشيخ محمد عبده: وقد نشأ ملازما للشيخ "محمد عبده" متآخيا معه لا يغادر أحدهما الآخر منذ صباه، ولقد ضرب الشيخ "محمد عبده" في أثناء دروسه مثلا يصور به تلازمهما، فقال: "كأن يسأل السائل هل رأيت الشيخ "محمد عبده"؟ فتقول: ولا الشيخ "عبد الكريم سلمان"، وكان بينهما تقارب في الرأي، وتناسب في الفكر وتشابه في الشعور، وكأنهما أراد أن تدوم صلتهما في الآخرة كما دامت في الأولى، فابتنيا قبرا واحد ضم رفاتيهما، فما أبلغ ذلك وفاء. لازم الشيخ "عبد الكريم" صديقه الإمام أكثر من عشر سنين بذلا فيها جهودا موفقة في خدمة الأزهر، وإصلاح شئونه, وكثيرا ما عاون الشيخ "عبد الكريم" زميله الإمام في مشروعاته المثمرة، وعاضده في أنجاحها على رغم ما يدبر له من كيد أعدائه، وأعداء الإصلاح، حتى أنجز في ظلالهما ورعايتهما للأزهر إصلاح واسع الأفق، فصله "الشيخ عبد الكريم" في كتابه الذي سماه "أعمال مجلس إدارة الأزهر"، وقد طبعه المرحوم "السيد رشيد رضا" مجردا من اسم صاحبه لما حواه من حقائق تتصل بالخديو إذ ذاك، ولما قدم الإمام استقالته من مجلس إدارة الأزهر قدم هو الآخر استقالته في الأسبوع نفسه١، ومما قاله الإمام في تقديره: "وأكننته كنى فأدنيته منى، وجعلته

стр. 354

في مكان النحو من ابن جني". وما زال كذلك حركة دائبة في الإصلاح، وآية فذة في العلم والأدب حتى قبض ﵀ في يوم الجمعة السابع عشر من مايو سنة ١٩١٨ على أثر نوبة قلبية لم تملهه، وقد نقل جثمانه من الرحمانية إلى القاهرة في حفل رهيب سعى إليه سعد زغلول، وعلماء الأمة وعظماؤها، وأدباؤها وكبراؤها. أخلاقه: هذا وقد كان ﵀ أبلغ الأمثال في الإباء، والاعتزاز بالكرامة رحيما يرثي للمنكوبين، ويغدق خفيه على المعوزين، ويسعى لقضاء مصالح الناس، فلا ترد له كلمة ولا تنتكس له شفاعة، ويؤثر غيره على نفسه، ولو كان به خصاصة ويقدم سواه فيما هو أهل له، رجا صديقه الإمام، وسعدا يوما ما في تعيين بعض الأصدقاء، وقد توسط به من منصب كبير، قال له الإمام: إنني "وسعدا" ندخر هذا المنصب لك، وأنت أجدر الناس به، فقال: لا، لن أقبله إنما هو لصاحبي فقد أعطيته كلمة. وبلغ من الرثاء للمحتاجين البائسين أنه كان يجمع من كثير من الأغنياء صدقة يوزعها عليهم ترفيها عنهم. كتابته: اشتغل ﵀ بالكتابة والتحرير في الصحف، وهو يطلب العلم في الأزهر، وبكر صيته بالكتابة الأدبية القيمة التي نشرها في "الوقائع المصرية" و"المقطم"، و"الجريدة" و"الآداب"، و"المؤيد"، وغيرها من الصحف.

стр. 355

ومما يذكر له بالفضل ما بذله من صادق الجهود في تلخيص الكتابة من ربقة السجع، والمحسنات، والزخرف، وكان أشد الناس بغضا للتهويل، والمبالغة ميالا إلى القصد والاعتدال في الكتابة، واضح الغرض، سهل العبارة، فصيح التعبير، مسلسل الفكرة، قوي الحجة، سليم المنطق. وإننا لنجد في كتابته طرفا من السجع، ولكنه قليل ضئيل بالنسبة لما كتبه مما استرسل فيه، وأتى به طلقا مشرق الديباجة، أبلج الغرض مسايرًا لسجيته، وطبيعته التي لا تميل إلى السجع إلا أن وافاها عفوا دون طلب. نماذج من كتابته: كتب إلى كريمته "السيدة رابعة"، وقد انتقلت إلى منزل زوجها في بلد آخر، وكان يحبها حبا لم يطق معه توديعها. عزيزتي رابعة، سلام عليك وعلى من تحبين. وبعد: فيعلم الله يا عزيزتي أنني ما سافرت لمنفعة أستجلبها، ولا لمضرة أتنكبها، ولكنني أشفقت أن أراك وأنت تبرحين بيتي إلى بيتك الجديد، وهذا لا يستغرب مع شيخوختي، وضعف عزيمتي، عن مقاومة التأثرات، ولقد أحسست اليوم عند خروجي بما عراك، ثم رأيته بعيني عندما قبلتك قبلة التوديع، ووجدت من نفسي هزيمة كبيرة أمام هذه الحالة، ولكنني عدت فآمنت بأن هذه سنة الدهر، وأدركت أن هذه الفرقة إنما هي فرقة الجسم، أما الصلة القلبية، والمودة الأبوية والشفقة والحنان، فكل هذا دائم لا يزول. ولقد كنت أخفيت أمر سفري وجعلته لسبب، والحقيقة ما كاشفتك به، وهو خشية ذلك الموقف الخطير، والصدق يا عزيزتي هو أفضل الفضائل،

стр. 356

وأنت تعلمين محافظتي عليه، ولذلك لم أستطع بقائي مصرا على الكتمان فأعلمتك بأمري، وانهزام صبري، وعلى الله أجري، والسلام. وكتب في صفحة أخرى من الخطاب إلى صهره. إنني وضعت أمانتي بين يديك، ورضيتك لها حافظا أمينا، فعليك بتقوى الله في العناية والاهتمام بشأنها، وما أريدك إلا آخذًا بحقك قائما بواجبك، ولم أوصها بمثل هذه الوصية؛ لأنها منك بمنزلة الأمانة، وليس للوديعة في يد المودع إلا الحفظ، وما عليها وهي في يده إلا أن تكون حيث يضعها من أمكنة الحفظ والصيانة، وقد سهل علي أمر فراقكما أن هذه سنة الله في خلقه، واحترام كل منكما صاحبه كامل الاحترام، أدام الله لكما هذا التوفيق السار، المخفف لآلام البعد وصعوبة الافتراق. وأهدي كتابا إلى صديق له، وكتب إليه: "الإنسان الكامل والمولى الفاضل دام كماله وزاد إقباله. "كتابي إلى الأستاذ والهدايا تزيد في التواد، وتوسع في قوة الارتباط، إن كانت لغير من حظرها عليه الشرع القويم، والشيخ مني بمنزلة الأخ من أخيه، وأنا منه بمثابة الولد من أبيه، ولا داعية إليه سوى الصلة به، ولا أريد منه غير الوداد، قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى، وقد اخترت لك من كتب الأدب العربي القديم كتابا حديث العهد بالوجود، بعثته إلى حضرتك معترفا بأنه نموذج فضلك، ومعنى أدبك، ويعترف لك مهديه بأنه لاحظ المناسبات، ونظر إلى الرغبات، وقبل أن تشتغل بالبحث فيه عن اسمه والأوصاف، أعلمك بأنه كتاب المنسوب والمضاف، فهنيئا له الشيخ يقدره حق قدره، وهنيئا للشيخ به يزيده في أمره، وأن قبول الأستاذ لهديتي مكفول بحسن أخلاقه وطهارة أعراقه، وبعلمه بأن النفع بها، وهي عنده أهم وأوفى، فله الحمد على ما قبل، والشكر على أولى".

стр. 357

عبد المجيد الشرنوبي: المتوفى سنة ١٣٤٨هـ-١٩٣٠م. ولد بشرنوب، وهي قرية من قرى البحيرة ينسب إليها العارف بالله سيدي أحمد عرب الشرنوبي صاحب تائية السلوك. وكان مولده سنة ثلاثين وثمانمائة وألف من الميلاد، وتوفي والده وابنه في الثانية من عمره، وأتم حفظ القرآن، ولما يتجاوز العاشرة. وكان شديد الرغبة في العلم مفتونا بالأخذ في أسبابه، فالتزم أن يكتب بخطه ما فرض بالأزهر على طلاب السنين الأولى، وحفظ متونها وتلقى نهج هذه الدراسات عن الشيخ عبد الفتاح وهيبة من علماء شرنوب، حتى إذا أتم الخامسة عشرة استأذن والديه في السفر إلى القاهرة؛ لينهل من علم الأزهر وثقافته، فقالت له: إنك يا بني يتيم وليس لك عائل يقول على شأنك في طلب العلم، فقال لها: إنني أعددت من الكتب والزاد ما يكفيني عاما، وفي هذا العام ما يكفيني لبلوغ حظ من العلم، وبعدئذ يفعل الله ما يشاء. وإذ ذاك أذنت له، ونزل بالقرب من الجامع العظيم، وظل ينشد ضالته من الشيوخ الأعلام حتى هداه الله للعالم الفذ الشيخ حسن العدوي، فتلقى عنه فقه الإمام، واستمع له وهو يدرس شرح الزرقاني على متن العزية، ولما طلب الحاشية من أستاذه لينسخها بخطه -وكان ذا خط جميل رشيق- امتحنه الشيخ، فالقى خطه منظما وحروفه منمقة، ووجده متمكنا في الفقه والنحو على الرغم من صغر سنة، وأنه في بداية الطريق، وهنا يفصح الشيخ عن إعجابه بالتلميذ الناشيء، وعن حبه له وإقباله عليه، فيقول له: أنت قد ساقك الله إلينا ومحفظتنا هي محفظتك، فانقل منها ما تريد، وقد أذنتك أن تكون القارئ لنا في جميع دروسنا.. ويمضي الأستاذ العدوي في تشجيع تلميذه النجيب، فيقول له: لله علي نذر إن تمت الحاشية التي تكتبها على شرح الزرقاني

стр. 358

لتذهبن معي -هذا العام- لحج بيت الله الحرام، ولما أتمها الشرنوبي في رمضان من تلك السنة ذهب شيخه العدوي إلى "توفيق باشا" خديوي مضر في ذلك العهد، فأعطاه إذنا بالسفر إلى بيت الله يحج به هو، ومن يحب من حاشيته على نفقة الحكومة. وطلب العدوي من تلميذه الشرنوبي أن يستأذن والده في الحج مع أستاذه، فبكى الشرنوبي؛ لأنه يتيم وكان أخفى ذلك عن شيخه، فحمله الشيخ هدية لوالدته لتمنحه ذلك الإذن. وفي مكة المكرمة كان العدوي يدرس بها في جمع من محبي العلم وعشاقة، وكان الشرنوبي هو الذي يقرأ له، فرغب مفتي مكة إلى العدوي في أن يكون الشرنوبي ضيفا له، فلبى دعوته ولما ذهب إلى بيته عرض المفتي على الشرنوبي أن يكون زوجا لابنته، ولم يكن له ولد سواها، فأبى الشرنوبي لعلمه أن العدوي قد تبناه، وليس في وسعه التخلي عنه. وحين رجعا من مكة رغب العدوي في بناء مسجده المشهور بشارع الشنواني بالدراسة، وفي بناء الحمام الملاصق له لينفق من دخله على المسجد.. وهنا يخشى الشرنوبي على أستاذه من جشع "المقاولين" هذه الفئة التي فطن الشرنوبي إلى وجوب الحذر منها، حتى لا ينفد المال قبل اكتمال البناء، فينفضح شيخه، ويحذره بهذين البيتين. أتيت بالنصح والتحذير من فئة ... وإنني عالم بالدار والجار عساك تسمع نصحي غير متهم ... فتملأ السمع من وعظى وإنذاري ولكن شيخه العدوي يمضي -مع الثقة بتلميذه الناصح- فيما تهيأ له، ويقول: ألم يقل الله فإذا عزمت، فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين. وبهذا العزم تم بناء المسجد والحمام، وتم بناء خلوتين اختص العدوي تلميذه بهما، وكانتا بجوار مقام العدوي في نفس القبة التي هي على يسار باب

стр. 359

المسجد، وقد أقام فيهما الشرنوبي راضينا جوار شيخه حيا وميتا. هذا وعلى الرغم من شهرته العلمية، وتفوقه على أقرانه لم ينل شهادة العالمية، وسر ذلك أن هذه الشهادة، إنما كانت تمنح للمبرزين في العلم بغير امتحان المعول عليه في ذلك شهادة الأساتذة، وتصدى المقتدر من الناشئين للتدريس واستهتارة بالإجادة.. وقد أدرك الشرنوبي هذه السنة غير أنه فوجئ بسن قانون الامتحان، فامتنع منه، وقال: كيف أجلس في الامتحان بين يدي من هم أقل مني علما، بل ربما منحوني أقل من الدرجة الأولى، وفي ذلك من جرح كرامتي ما فيه؟ وكان ولده الأكبر الأستاذ محمد عبد المجيد الشرنوبي قد أغرى والده باعتزال الحياة في خلوة المسجد، هذه الحياة التي يؤثرها على الإقامة في مسجده الذي كن يملكه في بولاق، وأعرض عنه اثنتى عشرة عاما، ومن ثم اشترى الأستاذ محمد لوالده منزلا بشارع الشنواني، ثم آخر بشارع الدوداري، وانتقل إليهما بقية أسرة الشرنوبي بعد أن ظل الشيخ ملازمًا خلويته بمسجد العدوي إلى سنة ١٣٢٥هـ الموافقة لسنة ١٩٠٧م. وقد كان الشرنوبي معروفا بالذكاء والجد، والمثابرة على تحصيل العلم، وطارت شهرته بالأدب والشعر حتى سعى صاحب المؤيد ليكون الشرنوبي شريكه في تحرير ملكية هذه الصحيفة الضخمة، ولكنه أبى، ولعل لصلة الشرنوبي بالخديو إذ ذاك أثرًا في إعراضه عن هذا العمل الذي يدر أخلاف الرزق، وتطير به شهرة القائم عليه. وليس من شك في أن الشيخ كان على صلة وثيقة بربه مؤثرا العبادة، وجانب الله على الناس، وقد حدثنا نجله الأكبر الأستاذ محمد الشرنوبي، وكان مطيعا والديه بارا بهما أنه لما اشتدت العلة بأبيه ذهب إلى قبره الذي أعدله، وطلا جدارنه وكساه رونقا، وبهجة فلما عاد والده في مرض موته، قال له: حسنا ما فعلت يا محمد: أهكذا احتفلت بقبري.. ولقد ظل سليم الحواس.

стр. 360

قوي البناء، موفور العافية حتى أربى على المائة، وكانت وفاته في السادس عشر من شهر مارس سنة ١٩٣٠م. وقد أنجب ثلاثة أولاد أصغرهم أحمد الواعظ بوزارة الأوقاف، وأوسطهم محمود الذي كان كبيرًا لكتاب المحكمة الشرعية العليا وأحيل إلى المعاش، وأكبرهم محمد الذي كان أستاذًا بكلية الشريعة، وأحيل إلى التقاعد، وقد عرف بغزارة العلم ودماثة الخلق، والحرص على الدعوة لدين الله.. وقد حصل على الشهادة الأهلية بعد خمس سنوات دراسية، وكانت درجته الأولى بامتياز، وكان ثالث الناجحين في امتحان الشهادة العالمية، وامتاز بعفة اللسان والورع. هذا وقد قام مدير البحيرة سنة ١٩٤٩م بتقديم لوحة شرف لأعلام هذه المديرية إلى المعرض الزراعي الصناعي العام لذكرى هؤلاء المبرزين، ومع الشرنوبي من هؤلاء في هذه اللوحة الشيخ محمد عبده، والشيخ عبد الكريم سلمان، والشيخ سليم البشري، وعلي الجارم، وعبد القادر حمزة. منزلته العلمية: أشرنا في الترجمة له إلى شغفه المبكر بالعلم، والسعي الحثيث في طلبه، وما اكتشفه فيه أستاذه العدوي من قدرة قادرة، وقد كانت هذه المواهب بداية ناهضة ظهر بعدها تملؤه من العلم، وتمكنه من فنونه، حتى صح أن يلقبه السيد جمال الدين الأفغاني "بالسنجق"، وهي كلنة تركية يقصد بها أنه علم فيما يتلقاه عنه من العلم، فلم يكن عجبا أن يكون بهذه المثابة، وهو تلميذ السيد جمال الدين، والمنتفع بأعلام العصر وفحوله من أمثال الشيوخ إبراهيم السقا، ومحمد عليش، وعبد الهادي نجا الإبياري ومحمد الإنبابي، وعبد الرحمن الشربيني وأحمد ضياء الدين، وزين المرصفي، وأحمد شرف الدين المرصفي، وحسن المرصفي وموسى المرصفي، ومحمد البسيوني، وغيرهم من الفحول١

стр. 361

وعلى ذكر تلقيه للعلم عن السيد جمال الدين الأفغاني، يقول: إنه عدل عن تلقي العلم عن هذا الإمام، واعتزل حلقة درسه التي جمعته مع فحول العصر أمثال محمد عبده، وعبد الكريم سلمان، ولم يكن هذا الاعتزال إلا صدعا بأمر أستاذه العدوي، وقد ظل الشرنوبي يحن إلى هذا المجلس الحافل بالعلم، وأسراره حتى قال حين نفي الإمام موجها شعره لمحمد عبده، وعبد الكريم سلمان: يا عصبة كانوا على ... أوج البها ما حالكم كنتم بدورا في الورى ... فاسود نور جمالكم ولقد طارت شهرة الشرنوبي العلمية في جميع آفاق البلاد الإسلامية، ولا يزال إلى اليوم لمؤلفاته الكثيرة الضخمة صدى ودوي، فيجتذب الناس إليها ما اتسمت به من الدقة والاستيعاب، والعمق في إشراق أسلوب، ووضوح فكرة، ترى ذلك في سائر مؤلفاته في الشريعة والتصوف واللغة العربية، وغيرها من الفنون. ولعل مما يستطرف أن نسوق تلك الحادثة الدالة على ذيوع صيته في الأقطار العربية: فقد طلب منه بعض علماء المغرب شرح ديوان ابن الفارض، وكتبوا عنوان الخطاب الذي بعثوا به "حضرة صاحب الفضل والفضيلة شيخ الإسلام والمسلمين بالأزهر"، فسلم الخطاب إلى شيخ الأزهر، فلما فضه وجده باسم الشيخ عبد المجيد الشرنوبي، فاستدعاه وقام وأجلسه مكانه١، وقال له: اجلس حيث أجلسك مشايخنا علماء المغرب. ومن أشهر مؤلفاته: ١- شرح مختصر البخاري. ٢- شرح الأربعين النووية.

стр. 362

٣- مختصر الشمائل المحمدية للترمذي. ٤- مناهج السعادات على دلائل الخيرات. ٥- ديوان خطب مربع السجعات. ٦- ديوان خطب آخر مثلث السجعات. ٧- تحفة العصر الجديد، ونخبة الأدب المفيد. ٨- إرشاد السالك على ألفية ابن مالك في النحو والصرف. ٩- المحاسن البهية على متن العشماوية. ١٠- الكواكب الدرية على متن العزية. ١١- تقريب المعاني على رسالة أبي زيد القيرواني. ١٢- مختصر الصحيح والحسن من الجامع الصغير. ١٣- دلالة السالك على أقرب المسالك. ١٤- مناهج التسهيل على متن سيدي خليل. ١٥- مناهج التيسير على مجموع العلامة الأمير. ١٦- شرح حكم ابن عطاء الله السكندري. ١٧- شرح تائية السلوك لأحمد عرب الشرنوبي. وتستطيع أن تستأنس لدراسة هذه المؤلفات والوقوف على أثرها، وما دلت عليه من تمكن صاحبها وفيض علمه، بطف مما جاء في تقريظ الجهابذة الفحول لبعض هذه الآثار العلمية. يقول السيد عبد الهادي نجا الإبياي في تقريظ شرح تائية السلوك: "رأيته شرحا ينشرح به صدر كل ذي قلب سليم، جمع من لطائف العوارف وعوارف اللطائف، ما به تقتطف النفوس المطمئنة قطوف الأنس في روض القدس الوارف، ورفع منار الطريق المريدي حسن السلوك، ونظم من جواهر الطريقة والحقيقية ما يعز مثله من الفرائد عند الملوك". ويقول الشيخ محمد البسيوني البيباني١:

стр. 363

"وأنى يدرك بعض فضله الفاضل، وذاك لغزارة علمه، وجودة ذكائه وفهمه، كما يشاهد من أدبه، وكما يطالع في كتبه، فلو رأه ابن عيينة لقبله بين عينيه، ولو شامه قدامه لترك بأثر قدميته، فشرحها شرحا زاد محاسن الأوصاف، عادلا عن التعسف مائلا إلى الإنصاف". منزلته الأدبية: يعتبر عبد المجيد الشرنوبي إلى جانب علمه الجم، ومؤلفاته الضخمة، أحد دعائم النهضة الأدبية في العصر الحاضر، فقد أسهم في بناء المجد الصحفي الأول في النهضة الحديثة، "صحيفة الوقائع المصرية"، إذ كان ذلك أول أعماله التي قام بها مع الإمام محمد عبده، وقد أتاح له عمله في مكتبة الأزهر الاطلاع على الأسفار الأدبية، وأن يتأثر بأساليبها، وينهج نهج من حفلة المكتبة بتراثهم الأدبي الخالد، فنضجب بذلك موهبته، وأشرق أسلوبه، ونمت ملكته في الشعر، وأغرم بالمطارحات والمعارضات، حتى ترك لنا من ذلك ثروة تجعله من طلائع الأدباء الشعراء. أما نثره، فيتجلى فيه إشراق الأسلوب، واستواء العبارة، ووضوح القصد، والتئام الفقر، وحسن السبك مع ميل شديده إلى السجع، وكلف واضح بالصفقة، والمحسنات شأنه في ذلك شأن هذه الطبقة التي اتسمت بهذا الطابع في عصره، ومن يقرأ كتاب "تحفة العصر الجديد ونخبة الأدب المفيد" يلمح هذه الخصائص في أسلوبه، كما يقول في باب الاحتراس من أشرار الناس: "أيها الراغب في معالم المعارف، الطالب لمطالب العوارف، قد أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين، فشنف سمعك بما ألقه إليك، ولا تكن من الغافلين، وأول منا أبديه إليك، وألقي معانيه عليك، ألا تحسن الظن بإنسان، إلا بعد التجربة والامتحان، ولا تثق بسماع أخباره، قبل نقده واختباره، فإني رأيتك قد عولت على ظواهر الرجال، فلم تفقد ما هم عليه من تقلبات الأحوال.

стр. 364

فأكثر من تلقى يسرك قوله ... ولكن قليل من يسرك فعله وقد كان حسن الظن بعض مذاهبي ... فأدبني هذا الزمان وأهله فأنت ترى التزامه السجع، وحرصه على التضمين، والاقتباس المحكم من القرآن، واتباعه ذلك بغرر من الشعر. ويقول السيد عبد الهادي نجا الإبياري معبرا عن ارتياحه لأسلوبه: "عبارات هي أحلى من النسيم، وأحلى من البدر الشريق في الليل البهيم، وأرق في إيراد الرقائق من مر النسيم، وأشوق من سمر الغانيات لمن بها يهيم". ويقول الأستاذ محمد البسيوني: "تعجز البلغاء بلاغته، وتفحم الفصحاء فصاحته، اختلب بما جلب القلوب بملاحته، واستلب العقول بفصاحته وصباحته، فالصحاح درر ثغره، والقاموس بعض فيض نهره، والبيان من سحر كلامه، والرياض من بشاشته وابتسامه". أما شعره، فلنقرأ له قوله: قد تعدى بنو الزمان وصاروا ... في زوايا طغيانهم يعمهونا واستحلوا ما يغضب الله جهرًا ... وعلى ما يرضى الورى عاكفونا وقوله: ألا إنني جربت أهل مودتي ... فألقيت أن البعد أولى أو سلم وأيقنت أن الصحب ألف بواجد ... فلم أبق غير اللب والله أعلم وقوله: إذا بليت بأقدام ذوي حسد ... سود القلوب لهم ذم الورى قوت فإن نأيت فدع أحشاءهم بلظى ... وإن أتيتهموني الحي قل موتوا وقوله: تجمعت زمرة الأعادي ... وجددوا ألسن النكايه

стр. 365

وحسدي بادروا بهجوي ... بغير جرم ولا بدايه أغواهم فضلنا فهاموا ... بكل واد من السعايه وليس حصني سوى مقالي ... مولاي حسبي وذا كفايه تجد شعره مقطوعات صغيره خفيفة، لا غموض فيها ولا تعقيد، يصور في معظمها أخلاق الناس، ويعرض تجاريبه في الحياة، وخبرته بالزمان وأهله، فهي حافلة بالحكم والتجاريب والنصح، ويتسم شعره بالسهولة، وإحكام النسج والقوافي، والحرص على التضمين والاقتباس من القرآن، كما يمتاز بالطابع العلمي الذي يتسم به شعر العلماء والفقهاء، كقوله: "فلم أبق غير اللب، والله أعلم". ومن العجيب أنه مع قدرته الواضحة في صوغ الشعر، واستقامة أوزانه له، وظهور مكلته فيه، لا نجد له قصائد مطولة، مع ما يبدو لنا من قدرته عليها لو أراد، ولعل عذره في ذلك هو انصرافه إلى العلم وخدمته، واشتغاله بفنون شتى منه. فكان كما ترى يدع كتابته العلمية بكثير من مقطوعاته هذه القصار التي تحمل في إيجازها واسع المعاني والتجارب. وتراه كذلك في رسائله يودعها الشعر؛ ليجمع بين الفنين، ويلائم بين الصنعتين، كقوله لأحد أبنائه، وكان قد طلب للتدريس في جاوه، وكتب إلى والده يستشيره، فكتب له نظما ونثرًا: "فلا تجعل فراقك لفقد حياتي، وحياة والدتك سببا، فتكون عاقا لوالديك، وأنا أدعوك لأمر سهل، وأما أريد أن أشق عليك، فانتظرنا يا ولدنا لما، وبعد ذلك تأكل التراث أكلا لما، ومنفعتك في نفس بلادك تلوح عليه البشائر، إذا حسنت منك السرائر وما مصر إلا جنة قد تزينت ... وأنهارها تجري وسكانها تدري وأما سواها فهو لا شك دونها ... سوى طيبته والبيت والقدس والحجر

стр. 366

ولست إلى هند أميل صبابة ... وإن ملأت بالتبر أو غيره حجري طرف من نثره: كتب في مقدمة شرخه تأتيه السلوك "لما كان علم التصوف مما يصفى الفؤاد، ويوصل السالك بالجد إلى بلوغ المراد، وكان من أجمل ما ألف فيه هذه التائية الفريدة، التي هي في بابها بديعة وحيدة، نسيجة قطب الوجود وعمدتي في خطوبي، سيدي وسندي السيد أحمد عرب الشرنوبي، بادرت إلى ارتشاف حميا كاسها الشهي، وطفقت أنظم لؤلؤا في جيدها البهي، ليكون ذلك شرحا بديع المثال، مفصلا لتلك الدراري التي نسجت على أحسن منوال، ملتقطا تلك اللآلئ البهية، من بحار السادة الأعلام ذوي الكئوس الوفية، فاني خادم أعتابهم، وتراب أقدامهم". وفي تحفة العصر الجديد قوله: "إثارة الفتن نار، والكذب على الإخوان عار، ليكن مرجعك إلى الحق، ومنزعك إلى الصدق، فالحق أقوى أمين والصدق أفضل قرين؛ لا تقولن كذبا يوافق هواك ويغضب أخاك، وإن خلته لهوا وقلته لغوا، فرب لهو يوحش منك حرا، ولغو يجلب لك شرا ما عز ذو كذب، ولو أخذ القمر بيديه، ولا ذل ذو صدق ولو اتفق العالم عليه، وإياك وقبيح الكلام، فإنه ينفر عنك الكرام، ويغري عليك اللئام، ويوجه إليك الملام". ومن شعره قوله في شأن الحسد: غني يا نديم جهرا فإني ... للمعالي قد سرت حثيثا لا تعدلي مذمة من حسود ... إن فضلي يرى قديما حديثا وإذا كنت موقنا أن عزمي ... قاصم ظهر من تراه خبيثا كيف أرتاع من مذمة قوم ... لا يكادون يفقهون حديثا

стр. 367

ويقول: إذا زل الكريم فكن حليما ... فإن الحلم حينئذ مزية وإن جاء اللئيم إليك عمدا ... بما كسبت يداه من الأسية ولم يخضع لعفوك باعتراف ... فعجل بالمكافأة القوية فإن الحر يكفيه ملام ... وإن العبد تصلحه الأذية فعامل كل إنسان بحكم ... وفي هذا ترى فصل القضية وفي البيت الأخير ظاهرة من شعر العلماء حيث تناول ألفاظ العلم ومصطلحاته، ففي المنطق "الحكم" و"فصل القضية"، ويقول: أقول للحاسد الباغي علي إذا ... أتى الحمى وغدا عندي من الأسرى عزمي شديد وجاهي واسع لنا ... مكارم بين أعيان الورى تترا وجل قدري أن أجني عليك بما ... جنت يداك، فلا تشغل لنا الفكرا بل أنت حل وهذا الفضل عادتنا ... لقد مننا عليك مرة أخرى وفي النهي عن الكذب قوله: لو يعلم الباغي بسوء مقاله ... أن الجحيم نعيمه في المنتهى لأبان بين الناس نير صدقه ... وعن المعاصي والأكاذيب انتهى وفي أخلاق الناس قوله: رأيت الناس بالدينار هاموا ... وباعوا الدين بالدنيا وساموا فأورثهم نفاقا في قلوب ... إلى يوم به اشتد الزحام ترى عند اللقاء جميل بشر ... وبعد البعد تأتيك السهام وحسبي من خطوب الدهر طه ... لكل المرسلين هو الختام

стр. 368

ويقول في ختام تحفة الأدب الجديد: رب إني من فيض فضلك أرجو ... محو ذنبي بجاه خير الأنام وأنا المخطئ المقر بأني ... ليس لي غير جاه بدر التمام فأقل عثرتي إلهي وهبني ... للشفيع المجاب يوم الزحام وأجرني من الجحيم فإني ... لذت بالمصطفى رفيع المقام وإذا العبد كان عبد مجيد ... فله في العلا بلوغ المرام فبجاه الحبيب تنجح قصدي ... ببلوغ المنى وحسن الختام

стр. 369

السيد مصطفى لطفي المنفلوطي: المتوفى سنة "١٣٤٢هـ-١٩٢٤م". نشأته وحياته: "السيد مصطفى المنفلوطي" بن "محمد المنفلوطي"، ولد في سنة "١٨٧٦م" بمدينة "منفلوط" واليها ينتسب، وقد انحدر من أسرة عريقة، عرفت بالوجاهة والحسب، وتوارثت القضاء الشرعي، ونقابة الصوفية زهاء مائتي عام، وأما أبوه فعربي واضح النسب يمتد إلى الحسين بن علي ﵄، وأما أمه فهي وثيقة القرابة بأسرة "الجوربجي" التركية الضاربة في الشرف والمجد. حفظ القرآن بالمكتب، ثم اتجه إلى الأزهر فتلقى علومه به، وكان معروفا بين أقرانه بحدة الذكاء، وسلامة الذوق وصفاء الفكر، وقد نزع إلى طريقة ارتضاها لنفسه غير الطريقة التي درج عليها أبناء الأزهر، فكان يطالع الدروس على طريقة يخلص منها إلى تحرير الفكرة وتحديد الجوهر، غير مبال بما يعترضه من جدل ونزاع لفظي، وأكب في صباه على كتب الأدب يغذي هواه ويروي فطرته، فقد نشأ شغوفا بالأدب مفطورًا على التقليب في آثاره، والتروي من روائعه ومحاسنه ودرس فيما درس طائفة من كتب الطبيعة والحكمة والأخلاق، وأقبل على الأشعار يحفظها، والشوارد بتصيدها، ونظم الشعر وحرر الرسائل، وذاع صيته بين الناس وبين الأزهريين خاصة، فقربه الإمام المرحوم "الشيخ محمد عبده"، ووجد في ظلال الإمام التوجيه النافع والهدى الموفق، وما لبث "المنفلوطي" أن اتسع له صدر الإمام، فلازمه وصاحبه وتردد على درسه، وتمشى منزله، ودامت هذه الصلة الوثيقة عشر سنين، كانت "المنفلوطي" غذاء لروحه وتوجيها لفكرة، وتعبيدا لطريق حياته، وأثمرت صلته بالإمام معرفته بالمرحوم "سعد باشا زغلول"، فهش له وقدر مواهبه، وتفطن لما شب عليه من صفاء القريحة، وسلاسة الأسلوب

стр. 370

فقربه ورعاه. وقد بلغ من حب "المنفلوطي"، للإمام وتعلقه به أنه انتبذ مكانا قصيا إلى أهله "بمنفلوط"، حين استأثر الله بالإمام، وأظلمت الدنيا في محياه، وابتأس حين أوحشت حياته من لقائه. ثم بدد عزلته النائية التي بكى فيها أستاذه، وموجهه "الشيخ محمد عبده"، فراسل "المؤيد" برسائله الممتعة التي طالما أتلع الناس إليها أعناقهم واستشرفوا للقائها، وتزاحموا على ورودها. وقد كانت ترد إليه رسائل من أقاصي البلدان تسأله أن يعالج موضوعا، أو يجلي حادثا، أو يعلق على أمر ذي بال، والناس لمطلعها مشوقون. وقد تأثر "المنفلوطي" بالشيخ "محمد عبده" فطبع بطابعه، ونهل من شعوره، وانصرف منصرفه في معالجة الشئون، وتناول الإصلاح الوطني، والخلقي والاجتماعي. ويتجلى تأثره به في الحملة التي شن غارتها على المفاسد التي دخلت على الإسلام، وفي دعوته إلى الإصلاح، تلك الدعوة التي اصطبغت بالصبغة التي نجدها في كثير من كتابات الشيخ "محمد عبده"١. وقد نسب إليه في أثناء طلبه العلم بالأزهر أنه هجا الخديو السابق بقصيدة نشرتها إحدى الصحف الأسبوعية، فحكم عليه بالسجن، وقضى به مدة عقوبته ثم شفع له بعض المقربين لدى الخديو فعفا عنه، ويرى بعض الأدباء أن القصيدة من عمل غيره، ونسبت له. ولما ولي "سعد زغلول باشا" نظارة المعارف عينه محررا عربيا لها، فأصلح من أسلوب الكتابة بها، وأشرف على لغة الكتبة، وتعهدهم بالرعاية، والإرشاد حتى إذا ما حول "سعد" إلى نظارة الحقانية استصحبه معه لمثل

стр. 371

هذا العمل فكان له فضل عظيم في ترقية الكتابة، وتقدم لغتها وتخلصها من الركة والعجمة، والضعف بقدر ما وسعته الجهود، وبعد عامين فصل من هذا العمل. ولما انعقد "البرلمان" عين كاتم سره، وكان القدر قد أراد أن تنطفئ شعلته، فمضى إلى ربه في العقد الخامس من عمره عام ١٩٢٤م. وكان ﵀ عالي النفس عزيزا متوقرا، يجافي صغائر الأمور ولا يتعلق إلا بجلائل الأعمال، نزاعا إلى الحرية عيوفا من كل ما يدنس صفحته كريم الخلق طيب السريرة في تواضع جم، وكرم نفاح. وقد عاش طول حياته لم يلوث يده بأجر على ما كان يكتبه على جلالة شأنه، ونباهة ذكره ما يهيئه من الرفعة، وعلو المكانة لمن يحظى بقلمه مؤيدا ومعاضدا. وقد اجتمعت عليه عداوات، وأرثت أحقاد من طول ما لقيه من الشهرة بأدبه وبعد الصيت بقلمه، وتألبت عليه الأقلام تنوشه، وتنهشه حقدا وموجدة، وهو ثابت كالطود موفورًا الحلم والأناة، واسع العفو والإغضاء، فكان كما قال: إذا ما سفيه نالني منه نائل ... من الذم لم يحرج بموقفه صدري أعود إلى نفسي فإن كان صادقا ... عتبت على نفسي وأصلحت من أمري وإلا فما ذنبي إلى الناس أن طغى ... هواها فما ترضى بخير ولا شر وقد صور المرحوم "أحمد شوقي بك" أمير الشعراء خصومة حساده، وكلفهم بتتبعه، وأنصف حلمه وسعة صدره، وعفوه عن خصومه اللد، فقال في رثائه له. سكن الأحبة والعدا وفرغت من ... حقد الخصوم ومن هوى الأشباع كم غارة شنوا عليك دفعتها ... تصل الجهود فكن خير دفاع

стр. 372

والجهد مؤت في الحياة ثماره ... والجهد بعد الموت غير مضاع فإذا مضى الجيل المراض صدوره ... وأتى السليم جوانب الأضلاع فافرغ إلى الزمن الحكيم فعنده ... نقد تنزه عن هوى ونزاع أدب المنفلوطي: لقي الأدب "بالمنفلوطي" حياة جديدة، وتهيأت له بقلمه جدة وروعة، فأينع وانتعش، كان رشيق القلم عذب البيان، فصيح التعبيير مشرق الديباجة محكم الرصف متين النسج، وكان مرهف الحس دقيق التفطن لمواطن البلاغة طروبا للتعبير الفخم، والتركيب المحكم، يحتفل بأسلوبه، ويجود في صياغته إذا هبطت عليه سجعة، فذاك وإلا لم يتكلف طلبها، ولم يتعمل١. وإذا جاز أن يكون الأدب العربي المعاصر قبل "المنفلوطي" دائرا على اللفظ يغل الفكرة، فلا يتوخاها ويغضي عن المعنى، فلا ينفذ إلى روائعه، فإن "المنفلوطي" كان أحد أولئك الأدباء القلائل الذين أدخلوا المعنى، والقصد في الإنشاء بعد أن ذهب منه كل معنى، وضل به الكاتبون عن كل قصد٢. وقد حدث المستعرب "أغناطيوس"، فيما قاله عن الأدب العربي الحديث، ورجال له، فقال: "امتاز مصطفى لطفي المنفلوطي، وهو أصغر تلاميذ الشيخ عبده سنا بالجهود الموفقة لابتكار أسلوب جديد شائق، ويمكننا أن نقول: إنه نجح كثيرا عن جدارة، واستحقاق٣". وكان المنفلوطي صاحب طريقة في الأدب وذا مكان ملحوظ فيه، ولقد بهر الناس أدبه وفتنهم روعته وجذبتهم طريقته السهلة المشرقة المتدفقة حتى كان محفوظ التلاميذ مرقوب المتأدبين، وكان بحيث لو لم يذكر المنفلوطي مع ما يكتبه لنم أسلوبه عنه، وهدى إشراقه إليه.

стр. 373

ومن أهم ما يسر له هذه المكانة بعد روائع أسلوبه الذاتية بروز شخصيته فيما يكتب، ويصور حتى قال المرحوم "سعد زغلول باشا": إني لأرى لك في كتابتك شخصية أتمنى أن أجدها كثيرا في أقلام الكاتبيين". وكان رفيع الأدب في كل ما يكتب، فلم يسف في مقال ولم يتدل في موضوع بل كان" الكاتب الفريد الذي يحافظ على أسلوبه في جميع حالاته، وشئونه سواء في ذلك المعاني المطروقة لكتاب العربية الأولى، أو التي لم يكتبوا عنها شيئا، ولم يرسموا لها أسلوبا مما يدل على أن السليقة العربية ملكة من ملكاته لا عارية من عواريه١. ولم يكن مفتونا بالصنعة، متهافتا على تجويد الأسلوب، بل كان طبعه يغلب صناعته، ولم تكن الصنعة لتخلق أديبا "كالمنفلوطي" في نباهة شأنه، وروعة أدبه، ولو رجحت الصنعة في أدبه لضل في ثناياها الغرض، وغمرت الفكرة وعز عليك أن تجد له هذه الأفكار الحية، وتلك الموضوعات الاجتماعية التي يتهم فيها وينجد، التي عبر فيها عن خلجات النفوس، وخفقات القلوب ومسارح الفكر والشعور، وصور بها الآلام والأحزان صورة يرتسم فيها الأسى حتى كان من أشد الأدباء تأثرا بالأدب الغربي، واصطباغا بصيغته. وأول ما بهر الناس من أدبه، وفتنهم من جمال أسلوبه ما نشره من "نظراته" في صحيفة "المؤيد" سنة "١٩٠٨"، فقد اهتزت لها القلوب والأسماع، "ورأى الأدباء والقراء في هذا الفن الجديد ما لم يروا في فقرات الجاحظ، وسجعات البديع، وما لا يرون في غثاثة الصحافة، وركاكة الترجمة فأقبلوا عليها إقبال الهيم على المورد الوحيد العذب٢".

стр. 374

هذه "النظرات" التي كان الأدباء يتشوقون إليها، ويعدون لها أيام الأسبوع يوما بعد يوم، ويترقبون لرؤيتها ما يترقبه الضال في ظلمة الليل البهيم من الفجر الطالع، والظاميء في المهمة القفر من الغيث الهامع١. امتازت هذه المقالات بطابعها الأنيق، ومعالجتها شئونا مختلفة بأسلوب رشيق جمع بين الأدب العالي، وإرضاء الذوق؛ لأنها كتبت بلغة موسيقية صافية، فكانت بمثابة الوحي يهبط على جمهور تعود قراء الكلفة والتصنع، وقد انتشرت انتشارا واسعا بين قراء العربية من بغداد إلى مراكش، وهذا مما يدل على أنهم ألفوا فيها شيئا قيما، كما كانت تمثل الشعور الذي تردد صداه في العالم الإسلامي أبلغ تمثيل٢. كان "المنفلوطي" ﵀ رحيم الفؤاد رقيق العاطفة، يهتز لكل مأساة، ويبتئس لكل كارثة، وتسيل عبراته على ما تقع عليه العين من شقوة أو بأساء، ومن كتب في البؤس والمأساة فبلغ ما لم يبلغه أحد، وصور ما يعتلج في الأفئدة من هموم وأحزان بقلم باك، وبراعة دامية وقال فيه عارفوه ومن صاحبوه: "إنه لم يكتب إلا عن فيض شعوره وحسه، وإن كتاباته صورة حقيقية لنفسه". المنفلوطي القصصي: ثم إن "المنفلوطي" تناول القصة فمهد لها في الأدب العربي طريقا، وفسح لها في فنونه مكانا وبلغ بها منزلة سامقة، وذلك أنه كان يستعين بإخوانه ممن يعرف لغة أجنبية، فيستوحيه معاني القصة، فإذا ما استقرت في نفسه

стр. 375

صاغها بعبارة الساحرة، وزانها بقالبه الجميل١، ولم يكن يتقيد إذ ذاك -بعبارات المؤلف ومعانيه. ولهذه الطريقة حسنات أهمها أنها تمكن الناقل من إظهار ما لديه من شخصية، ومقدرة وعبقرية، ولكنها من الجهة الأخرى قد تخطئ الغرض الأصلي إذا كان الغرض نقل الأثر الغربي إلى اللغة العربية٢، فالقصص التي ينقلها "المنفلوطي" بهذه المثابة قد تبعد عن الأصل في ترجمتها، أما إذا اعتبرت من وضعه على أنه استعان بواضعها الغربي، فهي من جهده الذي يفاخر به. وأيا ما كان فقد كانت القصص، والروايات التي تناولها "المنفلوطي" مرآة تنطبع عليها العيوب، والمآسي الخلقية والاجتماعية بأسلوب مؤثر وعبارة فصيحة، وإذا كنا لا نستطيع أن نقول: إن "المنفلوطي" في عصره كان أبرع القصاص، وأنبغ الرواتيين، فإنه لا ريب من خير من عبد هذه الطريق، ومن طلائع الذين أودعوا خيال الغرب، وذلك لا يعفيه من ضعف الأداء، والتحريف في التعبير أحيانًا. المنفلوطي الناقد: "المنفلوطي" إذا نقد الأحوال السياسية أو الشئون الاجتماعية، أو الأدبية أو تناول نقدا شخصيا بينه وبين مصاول كان بارع النقد لماح الفكر يعالج الموضوع في تحليل مستوعب، وإلمام شامل، ولا يجمح قلمه فيما ينقد، أو يتجاوز العفة والنزاهة، وتوخي الحق فيما يرى، وقد أثر عنه كرم القلم

стр. 376

وترفع الأسلوب، ونزاهة الرأي على رغم ما ارتصد له من عقارب تنفث سمومها على الصحف وفي المجتمعات، ولكنه كان يعتصم دائما بقوله: "إن الله وحده هو الذي يستطيع أن يغير طبيعة الإنسان". ومهما يكن من شيء "فالمنفلوطي" في الأدب أمة وحده، نهج فيه نهجا رفيعا مبتكرًا، وخلد بهذا الفن الرائع ذكره، واستحق أن تصفه صحيفة "الهلال" بأنه "أمير النثر العصري"، وأن يقول فيه الأستاذ "أحمد الزيات": "فإذا قدر الله لأدب المنفلوطي أن يفقد سحره، وخطره في أطوار المستقبل، فإن تاريخ الأدب الحديث سيقصر عليه فصلا من فصوله يجعله في النثر بمنزلة البارودي في الشعر١". شعره: "للمنفلوطي" شعر جمع بين الجزالة والسهول، رصين القافية فخم التعبير، وله قصائد رائعة متينة السبك محكمة النسج لطيفة المعنى بارعة الوصف، وله في الوجديات غرر وفي الحكم بدائع، غير أنه مقل لم يتجه إلى الشعر اتجاهه إلى النثر الذي ملك عليه نفسه، واستأثر بقلمه، ولو أن ولعه بالنثر ترفق به وخلى بينه، وبين الشعر أحيانا أخرى لكان من أبرع الشعراء، وأنبه الفحول. آثاره الأدبية: النظرات: وهي مقالات الفذة الرائعة الأسلوب التي كان ينشرها في المؤيد تباعا، ويعالج فيها شئون المجتمع، وقد كانت مثار شهرته وبعد صيته، وهي

стр. 377

العبرات: مجموعة روايات موجزة وضع فريقا منها، وترجم فريقا آخر وقد ساقها عظة وتذكرة، وهي اليتيم، والشهداء، والححاب، والذكرى، والهاوية، والجزاء والعقاب، والضحية ومذكرات "مرغريب"، وهي مطبوعة تكرر طبعها. الشاعر أو "سرانو دي برجراك": رواية أدبية تهذيبية غرامية تمثيلية استخلصها من روايات "ادمون اوستان" تكرر طبعها أيضًا. ماجدولين أو تحت ظلال الزيزفون: ألفها الكاتب الفرنسي "ألفونس كار"، ونقلها عن الفرنسية إلى العربية "المنفلوطي" في قالب قصة خيالية تخيل وقائعها في ألمانيا، وأملي عليها ترجمتها الحرفية صديقة الأستاذ "محمد فؤاد كمال بك"، ثم تصرف فيها "المنفلوطي" بأسلوبه، وهذبها بحذف ما يجافي الذوق العربي منها مع حفاظه لطابع الرواية ومغزاها١. وقد كتب الأستاذ "خلاصة شعرية لهذه الرواية، وهي نسخة في مجلد واحد تكرر طبعها. الانتقام: رواية أدبية اجتماعية أخلاقية تصور حكاية المسيو "كابريني"، وكيف قضى شطرا طويلا من حياته سعيدا بزوجته وثروته، حتى عصف الدهر بهما مع تصوير ما وقع لابنته مع زوج أبيها من بؤس، وتعس إلى غير ذلك من مشاهد، طبعت بمطبعة المكتبة التجارية سنة ١٩٢٣م غيرها.

стр. 378

في سبيل التاج: ألف هذه الرواية الشاعر الفرنسي الشهير "المسيو فرانسو كوبيه"، ثم نقلها "المنفلوطي" إلى العربية، وقد وقعت أحداث هذه الرواية في القرن الرابع عشر بين العثمانيين وشعوب البلقان، وأراد مؤلفها أن يجاري بها "كروفي" و"راسين" عميدي الشعر التمثيلي في القرن السابع عشر طبعت بالمطبعة الرحمانية بالقاهرة سنة ١٩٢٠م، ثم توالى طبعها. الفضيلة: رواية ألفها الكاتب الفرنسي الشهير المسيو "برناردين دي سان بير"، ثم نقلها "المنفلوطي" إلى العربية بتلخيص وتهذيب، وهي من الروايات الأدبية الأخلاقية الاجتماعية التي تؤرخ لحوادث غريبة كتب عن جزيرة "موريس" إحدى جزر أفريقية الواقعة في المحيط الهندي قريبا من "مدغشقر"، وقد وصفت طبيعة هذه الجهة، وصورت الاستعمار الأوروبي بها، وتحدثت عن أشخاص عاشوا بهذه الأصقاع، وبآخر قصيدة في العظة والعبرة خاطب بها "بول"، و"فرجيني" اللذين هما بعض سكان هذه الجزر التي شاهدها المؤلف في رحلاته، طبعت بالمطبعة الرحمانية سنة ١٩٢٣م، ثم أعيد طبعها. مختارات المنفلوطي: هي روائع من النظم والنثر مما استجاده، واهتز له فؤاده ووقف عنده معجبا بأسلوبه وتصويره، وقع عليها من كثرة ما يحيل النظر في الكتب العربية وآدابها، وهي دالة على حسن ذوقه، وروعة اختياره.

стр. 379

نماذج من نثره: الحرية: نبذة مما كتبه بهذا العنوان: "إن كثيرًا من أسرى الاستبداد من بني الإنسان لا يشعرون بما تشعر به هذه الهرة المحبوسة في الغرفة، والوحش المعتقل في القفص، والطير المقصص الجناح من ألم الأسر، وشقائه بل ربما كان بينهم من لا يفكر في وجه الخلاص، أو يلتمس السبيل إلى النجاة مما هو فيه، بل ربما كان بينهم من يتمنى البقاء في هذا السجن ويأتي به، ويتلذذ بآلامه وأسقامه. من أصعب المسائل التي يحار العقل البشري في حلها أن يكون الحيوان الأعجم أوسع في الحرية ميدانا من الحيوان الناطق، فهل كان نطقه شؤما عليه، وعلى سعادته؟ وهل يجعل به أن يتمنى الخرس والبله ليكون سعيدا بحريته؟ كما كان قبل أن يصبح ذكيا ناطقا؟. ....... ليست جناية المستبد على أسيره أنه سلبه حريته بل جنايته الكبرى أنه أفسده عليه وجدانه، فأصبح لا يحزن لفقد تلك الحرية، ولا يذرف دمعة واحدة عليها. ولو عرف الإنسان قيمة الحرية المسلوبة منه، وأدرك حقيقة ما يحيط بجسمه وعقله من السلاسل، والقيود لا نتحر كما ينتحر البلبل إذا حبسه الصياد في القفص، وكان ذلك خيرًا له من حياة لا يرى فيها شعاعا من أشعة الحرية، ولا تخلص إليه نسمة من نسماتها. لا سبيل إلى السعادة في هذه الحياة إلا إذا عاش الإنسان فيها حرًّا لا يسيطر على جسمه، وعقله ونفسه، ووجدانه وفكره إلا أدب النفس.

стр. 380

الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس، فمن عاش منها محروما عاش في ظلمة حالكة يتصل أولها بظلمة الرحم، وآخرها بظلمة القبر. الحرية هي الحياة، ولولاها لكانت حياة الإنسان أشبه شيء بحياة التماثيل المتحركة في أيدي الأطفال بحركة صناعية. ليست الحرية في تاريخ الإنسان حادثا جديدا، أو طائرا غريبا، وإنما هي فطرته التي فطر عليها مذ كان وحشا يتسلق الصخور، ويتعلق بأغصان الأشجار. إن الإنسان الذي يمده يده لطلب الحرية ليس بمتسول ولا مستجد، وإنما هو يطلب حقا من حقوقه التي سلبته إياها المطالع البشرية، فإن ظفر بها فلا منة لمخلوق عليه، ولا يد لأحد عنده. مضى الليل إلا أقله و"سوزان" جالسة إلى نافذة قصرها المشرقة على النهر تلتفت إلى سرير ابنتها مرة، وتقلب وجهها في السماء مرة وأخرى، وكان القمر في ليلة تمه، فظلت تناجيه، وتقول: "أيها القمر الساري في كبد السماء ها أنذا أراك في ليلة تمامك للمرة الرابعة والعشرين، فهل يعود إلي "خطيبي جوستاف"، فيراك معي كما كان يفعل من قبل؟ لقد كنت لي أيها الكوكب المنير نعم المعين في ليالي الموحشة على همومي وأحزاني، فهل تستطيع أن تحدثني عن "جوستاف" أين مكانه ومتى يعود؟ وهل نلتقي فتتم بذلك يدك عندي؟ حدثني عنه هل يذكرني كما أذكره، ويحفظ عهدي أحفظ عهده، وهل يجلس إليك حينا، فيسألك عني كما أسألك عنه؟ فإن فعل فقل له: -إن ابنته جميلة جدا جمال الابتسامة الحائرة في فم الحسناء، بيضاء بياض الفطرة

стр. 381

الصافية فوق الزنبقة الناصعة تحت الأشعة الساطعة، وقل له: إنها لا تهتف باسم غير اسمه، ولا تبتسم لرسم غير رسمه، وإن رآها أغنته رؤيتها عن المرآة المجلوة؛ لأنه يرى صورته في وجهها كما تتشابه الدميتان المصبوبتان في قالب واحد. ولم تزل تناجي القمر بمثل هذه النجاء حتى رأته ينحدر إلى مغربة، فودعته وداعا جميلا، وقالت: إلى الغد يا رفيقي العزيز، ثم قامت إلى سرير ابنتها، فحنت عليها برفق وقبلتها في جبينها قبلة المساء، وذهبت إلى مضجعها، وما هو إلا أن غشت بجفنها السنة الأولى من النوم حتى أسلمتها أحلامها إلى أمانيها وآمالها، فرأت كأن "جوستاف" قد عاد من سفره، فاستقبلته هي وابنتها على باب القصر، فنزل من مركبته، وضمهما معا إلى صدره ضما شديدا، وظل يقبلهما، ويبكي فرحا وسرورًا. فإنها لمستغرقة في حلمها إذ شعرت بيد تحركها، فانتبهت فإذا صدر النهار قد علا، وإذا خادمتها واقفة على رأسها ضاحكة منطلقة تقول لها: بشراك يا سيدتي فقد حضر سيدي، فاستطارت فرحا وسرورا، وقالت: أحمد اللهم فقد صدقت أحلامي، وأسرعت إلى غرفة ملابسها، فبدلت أثوابها ثم دخلت عليه في غرفته باسمة متهللة تحمل ابنتها على يديها، فرأته واقفا في وسط الغرفة متكئا على كرسي بين يديه، فهرعت إليه ولكنها ما دنت منه حتى تراجعت حائرة مندهشة؛ لأنها رأت أمامها رجلا لا تعرفه، ولا عهد لها به من قبل، بل هو بعينه، ولكنها رأت وجها صامتا متحجرا لا تلمع فيه بارقة ابتسام، ولا تجري فيه قطرة بشاشة، فأنكرته، إلا أنها تماسكت قليلا، ومدت إليه يدها تحييه، فمد إليها يده بتثاقل وفتور، كأنما ينقلها من مكانها نقلا، ولم يلق على وجه الطفلة، وكانت تبتسم إليه، وتمد نحوه ذراعيها نظرة واحدة، وكانت أول كلمة قالها: -أباقية أنت في القصر حتى اليوم، فازدادت دهشة وحيرة ولم تفهم ماذا يريد، وقالت له: وأين كنت تريد أن تراني يا سيدي؟ في القصر كما تركتك، ولكني أظن أنك لا تستطيعين

стр. 382

البقاء في بعد اليوم قالت: ولماذا؟ قال: لأن زوجتي قادمة إليه، وربما كانت لا تحب أن ترى فيه من يزعجها وجوده. ...... ثم سقطت على يده تقبلها، وتبللها بدموعها، وتقول: -ها أنذا "يا جلبرت" جاثية تحت قدميك فارحمني، واغفر لي ذنبي فقد أصبحت امرأة بائسة شقيقة ليس على وجه الأرض من هو أحق بالرحمة مني، وكأنما أحس بنغمة صوتها فارتعد قليلا، ثم مال بنظره إليها شيئا فشيئا، حتى رآها فسقطت من جفنه دمعة حارة على يدها كانت هي آخر عهده بالحياة وقضى. ولما دنا مني السياق تعرضت ... إلي ودوني من تعرضها شغل أتت وحياض الموت بيني وبينها ... وجادت يوصلي حين لا ينفع الوصل ومما كتبه بعنوان "الشرف". لو فهم الناس معنى الشرف لأصبحوا كلهم شرفاء -ما من عامل يعمل في هذه الحياة إلا وهو يطلب في عمله الشرف الذي يتصوره، أو يتصوره الناس إلا أنه تارة يخطئ مكانه، وتارة يصيب- يقتل القاتل، وفي اعتقاده أن الشرف في أن ينتقم لنفسه، أو عرضه بإراقة هذه الكمية من الدم، ولا يبالي أن يسميه القانون بعد ذلك مجرما؛ لأن البيئة التي يعيش فيها لا توافق على هذه التسمية وهي في نظره أعدل من القانون حكما وأصدق قولا، يفسق الفاسق وفي اعتقاده أنه نفض عن نفسه بعمله هذا غبار الخمول والبله الذي يظلل الأعفاء والمستقيمين، وإنه استطاع أن يعمل عملا لا يقدم عليه إلا كل صاحب حيلة وشجاعة وإقدام........ هكذا يتصور الأدنياء أنهم شرفاء، وهكذا يطلبون الشرف ويخطئون مكانه، وما أفسد عليهم تصوراتهم إلا الذين أحاطوا

стр. 383

بهم من سجرائهم وخلطائهم، وذوي جامعتهم ... لولا فساد التصور ما جلس القاضي المرتشي فوق كرسي القضاء يفتل شاربه، ويصعر خديه، وينظر نظرات الاحتقار والازدراء إلى المتهم الواقف بين يديه موقف الضراعة والذل، ولا ذنب له إلا أنه جاع، وضاقت به مذاهب العيش فسرق رغيفا -ولولا فساد التصور ما تصور ذلك اللص الكبير أنه أشرف من هذا اللص الصغير، ولولا فساد التصور لوقف هذان اللصان في موقف واحد أمام قاض عدل يحكم بإدانة الأول؛ لأنه سرق مختارا ليرفه عيشه، وببراءة الثاني؛ لأنه سرق مضطرا لإنقاذ حياته من براثن الموت. نماذج من شعره: قال في الوجديات، وشعره فيها أشبه بشعر البدو: سقاها وحيا تربها وابل القطر ... وإن أصبحت قفراء في مهمه قفر طواها البلى طي الشحيح ردائه ... وليس لما يطوي الجديدان من نشر مرابض آساد ومأوى أراقم ... تجاور في قيعانها الفيل بالجحر يكاد يضل النجم في عرصاتها ... ويزود عن ظلمائها البدر من ذعر لقد فعلت أيدي السواقي بنؤيها ... وأحجارها ما يفعل الدهر بالحر وقفت بها وحشية الليل وقفة ... أثار شجاها كامن الوجد في صدري ذكرت بها العهد القديم الذي مضى ... ولم يبق منه غير بال من الذكر وعيشا حسبناه من الحسن روضة ... كساها الحيا منه أفانين من زهر

стр. 384

فأنشأت أبكي والأسى يتبع الأسى ... إلى أن رأيت الصخر يبكي إلى الصخر وما حيلة المحزون إلا لواعج ... تفيض بها الأحشاء أو عبرة تجري إلى أن قال: وفي القصر بين الظل والماء غادة ... تميس بلا سكر وتنأى بلا كبر تريك عيونا ناطقات صوامتا ... فما شئت من خمر وما شئت من سحر لهوت بها حتى قضى الليل نحبه ... وأدرجه المقدار في كفن الفجر لعمرك ما راحت بلبي صبابة ... ولا نازعتني مهجتي سورة الخمر ولا هاجني وجد ولا رسم منزل ... عفاء ولكن هكذا سنة الشعر ومن كان ذا نفسي كنفسي قريحة ... من الهم لا يعني بوصل ولا هجر كأني ولم أسلخ ثلاثين حجة ... ولم يجر يوما خاطر الشيب في شعري أخو مائة يمشي الهوينى كأنه ... إذا ما مشى في السهل في جبل وعو إذا شاب قلب المرء شاب رجاؤه ... وشاب هواه وهو في ضحوة العمر حييت بآمالي فلما كذبتني ... قنعت فلم أحفل بقل ولا كثر وأصبحت لا أبغي سوى الجرعة التي ... أذوق إذا ما ذقتها راحة القبر وقال في الشيب: ضحكات الشيب في الشعر ... لم تدع في العيش من وطر يا بياض الشيب ما صنعت ... يدك العسراء بالطرر ليت سواد الشباب مضت ... بسواد القلب والبصر هن رسل الموت سانحة ... قبله والموت في الأثر أنت ليل الحادثان وإن ... كنت نور الصبح في النظر فالصبا كل الحياة فإن ... مر مرت غبطة العمر

стр. 385

وقال في الإمام المرحوم "الشيخ محمد عبده": بدأ وقد حفت به هيبة ... كأنما عثمان في برده ما فيه من عيب سوى أنه ... محمد الناس على مجده ما حيلة الحساد في نعمة ... أسبغها الله على عبده وقال يصف القلم: يا يراعي لولا يد لك عندي ... عفت نظمي في وصفك الأشعارا يا يراع الأديب لولاك أصبـ ... ـح حظ الأديب يشكو العثارا غير أني أحنو عليك وإن لم ... تك عونا في النائبات وجارا أنت نعم المعين في الدهر لولا ... أن للدهر همة لا تجارى يتجلى في النفس شمس نهار ... في دجى الليل تبعت الأنوارا١ جمع الله فيك بين نقيضـ ... ـين فكان الظلام منه نهارا فهو حينا نارا تلظى وحينا ... جنة الخلد تنشر الأزهارا وتراه ورقاء تندب شجوا ... وتراه رقطاء تنفث نارا٢ وتراه مغنيا إن شد حر ... ك بين الجوانح الأوتارا وتراه مصورا رسم الحسـ ... ن ويغوي برسمه الأبصارا فتخال القرطاس صفحة خد ... وتخال المداد فيه عذارا هو جسر تمشي القلوب عليه ... لتلاقي بين القلوب قرارا صامت يسمع العوالم منه ... أي صوت يناهض الأقدارا فهو كالكهرباء غامضة الكنـ ... ـه وتبدو بين الورى آثارا كم آثار اليراع خطبا كمينا ... وأمات اليراع خطبا مثارا قطرات من بين شقيه سالت ... فأسالت من الدما أنهارا

стр. 386

كان غصنًا فصار عودا ولكن ... لم يزل يحمل الأثمارا كان يستمطر السماء فحال الأ ... مر فاستمطر العقول والغرارا يسعد الناس باليراع ويلقي ... ربه منه ذلة وصغارا واشقاء الأديب هل وتر الد ... هر فلا زال طالبا منه ثارا؟ أرفيق المحراث يحيا سعيدا ... ورفيق اليراع يقضي افتقارا ما جنى ذلك الشقاء ولكن ... قد أراد القضاء أمرا فصارا ليس للنصر من جناح إذا لم ... يجد النسر في القضاء مطارا حاسبوه على الذكاء وقالوا ... حسبه صيته البعيد فخارا أوهموه أن الذكاء شراء ... فمضى يسحب الذيول اغترارا يحسب النقد للقصيدة نقدا ... ويرى البيت في القصيدة دارا ليس بدعا من هائم في خيال ... أن يرى كل أصفر دينارا إن بين المداد والحظ عهدا ... وذماما لا يلتوي وجوارا فاللبيب اللبيب من ودع الطر ... س وولى من اليراع فرارا

стр. 387

الشيخ محمد شاكر: المتوفي سنة "١٣٥٨-١٩٣٩": نشأته وحياته ١: هو، "السيد محمد شاكر" بن "أحمد" بن "عبد القادر" من أسرة "أبي علياء" من أشراف الصعيد. ولد بمدينة "جرجا" في منتصف شوال من سنة ١٢٨٢هـ، الموافق مارس سنة ١٨٦٦م، وحفظ كتاب الله، ثم رحل إلى القاهرة"، فتعلم بالأزهر. وفي منتصف رجب سنة ١٣٠٧هـ الموافق ٤ من مارس سنة ١٨٩٠م عين أمينا للفتوى مع مفتي الديار المصرية أستاذه الشيخ "محمد العباسي المهدي"، وفي السابع من شعبان سنة ١٣١١هـ الموافق ١٣ من فبراير سنة ١٩٨٤م، ولي منصب نائب محكمة مديرية القليوبية، ومكث به أكثر من ست سنين، وقد اطلع خلال الفترة التي قضاها في المحاكم الشرعية على وجوه النقص فيها، وما يتطلب العلاج منها سواء منها ما كان متعلقا بإجراءاتها المعقدة، أو نظمها الملتوية، فوضع تقريرا فيما أوحت به غيرته، وأملته خبرته، ورفعه للأستاذ الإمام "الشيخ محمد عبده"، مفتي الديار المصرية إذ ذاك في أوائل سنة ١٨٩٩م، وهذا التقرير مصور ضوئيا ومحفوظ بدار الكتب"، ولما طاف الإمام بكثير من محاكم الوجه البحري متفقدا أحوالها دارسا شئونها كان رأيه في الإصلاح متفقا في كثير من الأمر مع ما اهتدى إليه المترجم، ولعل الأستاذ الإمام لاقتناعه بوجاهة نظرة في الإصلاح رأى أن يمهد له ليشغل منصب قاضي قضاة السودان، فاقتنع ولي الأمر بذلك، وأسند إلي هذا المنصب

стр. 388

في ١٠ من ذي القعدة سنة ١٣١٧هـ، الموافق ١١ من مارس سنة ١٩٠٠م. ظل الشيخ "شاكر" في السودان أربعة أعوام يمثل الرئيس الديني الجريء الذي يستمد سلطانه من حاكم مصر الأعلى، وكان معتزا بهذا السلطان يغار على كل مظهر من مظاهره، فقد أعاد تعيين القضاة الشرعيين الذين تسلموا عملهم قبل حضوره، ولم يعترف بتعيينهم من قبل، وبعث لكل منهم بإذن يباشر بمقتضاه عمله الشرعي متضمن إجازة ما أصدر من قبل من الأحكام الشرعية١. ومن اعتزازه بمكانته، وذوده عن حقوق عمله التي يخولها له منصبه شجر خلاف بينه، وبين كاتم السر القضائي في السودان، ولكن الشيخ اقترن موقفه في هذا الخلف باللباقة والكياسة، وبراعة الحجة وقوة المنطق، وتم له النصر في كل نزاع دون أن يثير حنفا على مسلكه، أو موجدة من تصرفه. وفي سنة ١٩٠٢ قام قاضي محلة "الرباطات" الشرعي بالإجازة من غير أن يستأذن "الشيخ شاكرًا"، فلما علم بذلك كتب إلى كاتم السر القضائي يلفته إلى خطأ ذلك التصرف، وأرسل بالبرق إلى قاضي "الدامر" يأذن له بمباشرة الأحكام الشرعية في محكمة "الرباط" في أثناء غياب قاضيها، ولكن كاتم السر كتب إلى الشيخ شاكر ينبهه إلى أن محكمة العموم التي يرأسها الشيخ بصفته قاضيا القضاة موغلة في التدخل "إداريا" في شئون المحاكم التابعة لها -ولم يكن قاضي القضاة القوي العنيد يغضي على هذه اللفتة، فجرد قلمه ورد عليه ردا يحفظه التاريخ كان في ختامه، وإلى هذا الحد أرجو أن تعيدوا النظر في هذه الملاحظات، وتقدروا موضوعها حق قدره، فإن بقاءها على ما هي عليه يذهب بكثير من الثقة التي هي عماد الاشتراك في المصالح، والتي إن فقد الموظف

стр. 389

شيئا منها، فخير له أن يفقد مركزه ليحتفظ بها، وأنا أول رجل يسخو بمركزه في سبيل الثقة بنفسه١. فقد مكث في السودان رجلا مصلحا يرعى الحدود في تقية، وكرامة، واستحدث به من التشريع ما مست الحاجة إليه حتى كان السودان أسبق حظا في الإصلاح بسبب ما تهيأ له من جهد هذا الرجل الذي بث فيه أفكاره، ونشر في ربوعه هداه، فضلا عما نفح فيه من العلم، وألقى من الموعظة فقد كان يلقي خطبا محكمة يدعو بها إلى الدين والفضيلة، ومما يذكر أنه قرأ للسودانيين صحيح البخاري بأسلوبه العذب، وطريقته الحبيبة. وحين عاد إلى القاهرة كان قد رؤي قبل عودته بعام أن تخضع الإسكندرية للجامع الأزهر في التدريس والامتحان، وكان الجامع "الأنور الإسكندري" موقوفا للتدريس من قبل "الشيخ إبراهيم الباشا" الجد الأعلى للشيخين "محمود الباشا"، و"أحمد الباشا"، وأبى أبناء الواقف أن يتبعوا مجلس إدارة الأزهر في نظامه وإدارته٢. وقرر مجلس الأزهر تعيين شيخ لعلماء الإسكندرية غير "الشيخ محمود الباشا" إذ ذاك فكر "الشيخ محمد عبده" المصلح الذي يقول على هذا العمل الجليل، ونثر كنانته، فلم يجد أصلح من "الشيخ شاكر" همة نفس، وكفاية عمل وقوة عزم، "فاختبر رغبته فلقي منها تلبية، وواقفت حكومة السودان على نقله إلى عمله الجديد، ورضي الخديو بتعيينه، وصدر الأمر العالي به في ٢٦ من إبريل سنة ١٩٠٤"٢". صدع الشيخ بالأمر، وتلفت هؤلاء الشيوخ في الإسكندرية، فإذا هم أقل من القليل، ولهذا المعهد فإذا هو صورة ضئيلة متواضعة، إذ ذاك فكر في إيجاد معهد ديني جليل، وبعد أن طاف بمدارس الثغر الوطنية، والأجنبية، ودرس

стр. 390

مناهجها ونظمها، وعكف على إعداد ميزانية هذا المعهد، وأعد العدة لوجوده وعرض الأمر على الخديو "عباس"، فوافق على تفكير الشيخ الذي يتطلب من مال الدولة سبعة آلاف جنيه، واختار جامح "أبي العباس" مكانا للدراسة، وأعلن قبول الطلاب بامتحان يحرر لهم، فأمه النشء من كل صوب، ولم يهل أول العام إلا وعلى مقاعده ثلاث مائة طلب، وكان خلف "أبي العباس" فراغ تابع لمصلحة البحرية، فارتأى الشيخ أن يقيم عليه مساكن للطلاب، وتفضل الخديو بتنفيذ رغبته، كما اتجه إلى إقامة بناء فخم يضم طلبة المعهد، وإدارته فطلب من البلدية قطعة أرض تبلغ ١٨ ألف متر بجهة "الورديان"، وإذ تقوم في طريق مشروعاته العقبات، وتقف في مجرى إصلاحه السدود يجد من لباقته البارعة، وحيلته الواسعة، وعطف ولي الأمر ما يمضي به إلى النجاح قدما. أذكى الشيخ في هذا المعهد نهضة علمية متوثية، وبث في الطلاب روح الجد والمثابرة، وقام على شئونهم بعزيمة نافذة، وفكر موفق، فألف الطلاب النظام ودرجوا عليه، والأساتذة ضبط المواعيد ورعوا حدودها، وواظبوا على إلقاء الدروس، وتنظيم ساعات العمل، والتقيد بمنهاج مرسوم١. وكان يرفع كل عام تقريرًا عن أعماله لولي الأمر أولا، ولمن يهمهم التعليم الديني ثانيا يعد هذا التقرير بنفسه، ويصوغ بأسلوبه، ويتحدث فيه عن الامتحان والمتقدمين له، والناجحين فيه وبضمته خطبتة التي يلقيها في نهاية العام الدراسي، ويوضح في مناهج الدراسة مما يدل على فهمه، وتمكنه من أساليب التربية والتعليم. من سننه الحميدة في الإسكندرية أنه كان يقيم آخر العام الدراسي حفلا جامعا تمنح فيه الجوائز للناجحين، وكان يوزعها عليهم نائب الخديو، أو رئيس مجلس النظار حثا للطلاب، وتشجيعا لعزائمهم، ويظهر حبه الأدب في إيثاره
следующие страницы →