← История

История · id 11748

الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة

محمد كامل الفقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

كان غصنًا فصار عودا ولكن ... لم يزل يحمل الأثمارا كان يستمطر السماء فحال الأ ... مر فاستمطر العقول والغرارا يسعد الناس باليراع ويلقي ... ربه منه ذلة وصغارا واشقاء الأديب هل وتر الد ... هر فلا زال طالبا منه ثارا؟ أرفيق المحراث يحيا سعيدا ... ورفيق اليراع يقضي افتقارا ما جنى ذلك الشقاء ولكن ... قد أراد القضاء أمرا فصارا ليس للنصر من جناح إذا لم ... يجد النسر في القضاء مطارا حاسبوه على الذكاء وقالوا ... حسبه صيته البعيد فخارا أوهموه أن الذكاء شراء ... فمضى يسحب الذيول اغترارا يحسب النقد للقصيدة نقدا ... ويرى البيت في القصيدة دارا ليس بدعا من هائم في خيال ... أن يرى كل أصفر دينارا إن بين المداد والحظ عهدا ... وذماما لا يلتوي وجوارا فاللبيب اللبيب من ودع الطر ... س وولى من اليراع فرارا

стр. 387

الشيخ محمد شاكر: المتوفي سنة "١٣٥٨-١٩٣٩": نشأته وحياته ١: هو، "السيد محمد شاكر" بن "أحمد" بن "عبد القادر" من أسرة "أبي علياء" من أشراف الصعيد. ولد بمدينة "جرجا" في منتصف شوال من سنة ١٢٨٢هـ، الموافق مارس سنة ١٨٦٦م، وحفظ كتاب الله، ثم رحل إلى القاهرة"، فتعلم بالأزهر. وفي منتصف رجب سنة ١٣٠٧هـ الموافق ٤ من مارس سنة ١٨٩٠م عين أمينا للفتوى مع مفتي الديار المصرية أستاذه الشيخ "محمد العباسي المهدي"، وفي السابع من شعبان سنة ١٣١١هـ الموافق ١٣ من فبراير سنة ١٩٨٤م، ولي منصب نائب محكمة مديرية القليوبية، ومكث به أكثر من ست سنين، وقد اطلع خلال الفترة التي قضاها في المحاكم الشرعية على وجوه النقص فيها، وما يتطلب العلاج منها سواء منها ما كان متعلقا بإجراءاتها المعقدة، أو نظمها الملتوية، فوضع تقريرا فيما أوحت به غيرته، وأملته خبرته، ورفعه للأستاذ الإمام "الشيخ محمد عبده"، مفتي الديار المصرية إذ ذاك في أوائل سنة ١٨٩٩م، وهذا التقرير مصور ضوئيا ومحفوظ بدار الكتب"، ولما طاف الإمام بكثير من محاكم الوجه البحري متفقدا أحوالها دارسا شئونها كان رأيه في الإصلاح متفقا في كثير من الأمر مع ما اهتدى إليه المترجم، ولعل الأستاذ الإمام لاقتناعه بوجاهة نظرة في الإصلاح رأى أن يمهد له ليشغل منصب قاضي قضاة السودان، فاقتنع ولي الأمر بذلك، وأسند إلي هذا المنصب

стр. 388

في ١٠ من ذي القعدة سنة ١٣١٧هـ، الموافق ١١ من مارس سنة ١٩٠٠م. ظل الشيخ "شاكر" في السودان أربعة أعوام يمثل الرئيس الديني الجريء الذي يستمد سلطانه من حاكم مصر الأعلى، وكان معتزا بهذا السلطان يغار على كل مظهر من مظاهره، فقد أعاد تعيين القضاة الشرعيين الذين تسلموا عملهم قبل حضوره، ولم يعترف بتعيينهم من قبل، وبعث لكل منهم بإذن يباشر بمقتضاه عمله الشرعي متضمن إجازة ما أصدر من قبل من الأحكام الشرعية١. ومن اعتزازه بمكانته، وذوده عن حقوق عمله التي يخولها له منصبه شجر خلاف بينه، وبين كاتم السر القضائي في السودان، ولكن الشيخ اقترن موقفه في هذا الخلف باللباقة والكياسة، وبراعة الحجة وقوة المنطق، وتم له النصر في كل نزاع دون أن يثير حنفا على مسلكه، أو موجدة من تصرفه. وفي سنة ١٩٠٢ قام قاضي محلة "الرباطات" الشرعي بالإجازة من غير أن يستأذن "الشيخ شاكرًا"، فلما علم بذلك كتب إلى كاتم السر القضائي يلفته إلى خطأ ذلك التصرف، وأرسل بالبرق إلى قاضي "الدامر" يأذن له بمباشرة الأحكام الشرعية في محكمة "الرباط" في أثناء غياب قاضيها، ولكن كاتم السر كتب إلى الشيخ شاكر ينبهه إلى أن محكمة العموم التي يرأسها الشيخ بصفته قاضيا القضاة موغلة في التدخل "إداريا" في شئون المحاكم التابعة لها -ولم يكن قاضي القضاة القوي العنيد يغضي على هذه اللفتة، فجرد قلمه ورد عليه ردا يحفظه التاريخ كان في ختامه، وإلى هذا الحد أرجو أن تعيدوا النظر في هذه الملاحظات، وتقدروا موضوعها حق قدره، فإن بقاءها على ما هي عليه يذهب بكثير من الثقة التي هي عماد الاشتراك في المصالح، والتي إن فقد الموظف

стр. 389

شيئا منها، فخير له أن يفقد مركزه ليحتفظ بها، وأنا أول رجل يسخو بمركزه في سبيل الثقة بنفسه١. فقد مكث في السودان رجلا مصلحا يرعى الحدود في تقية، وكرامة، واستحدث به من التشريع ما مست الحاجة إليه حتى كان السودان أسبق حظا في الإصلاح بسبب ما تهيأ له من جهد هذا الرجل الذي بث فيه أفكاره، ونشر في ربوعه هداه، فضلا عما نفح فيه من العلم، وألقى من الموعظة فقد كان يلقي خطبا محكمة يدعو بها إلى الدين والفضيلة، ومما يذكر أنه قرأ للسودانيين صحيح البخاري بأسلوبه العذب، وطريقته الحبيبة. وحين عاد إلى القاهرة كان قد رؤي قبل عودته بعام أن تخضع الإسكندرية للجامع الأزهر في التدريس والامتحان، وكان الجامع "الأنور الإسكندري" موقوفا للتدريس من قبل "الشيخ إبراهيم الباشا" الجد الأعلى للشيخين "محمود الباشا"، و"أحمد الباشا"، وأبى أبناء الواقف أن يتبعوا مجلس إدارة الأزهر في نظامه وإدارته٢. وقرر مجلس الأزهر تعيين شيخ لعلماء الإسكندرية غير "الشيخ محمود الباشا" إذ ذاك فكر "الشيخ محمد عبده" المصلح الذي يقول على هذا العمل الجليل، ونثر كنانته، فلم يجد أصلح من "الشيخ شاكر" همة نفس، وكفاية عمل وقوة عزم، "فاختبر رغبته فلقي منها تلبية، وواقفت حكومة السودان على نقله إلى عمله الجديد، ورضي الخديو بتعيينه، وصدر الأمر العالي به في ٢٦ من إبريل سنة ١٩٠٤"٢". صدع الشيخ بالأمر، وتلفت هؤلاء الشيوخ في الإسكندرية، فإذا هم أقل من القليل، ولهذا المعهد فإذا هو صورة ضئيلة متواضعة، إذ ذاك فكر في إيجاد معهد ديني جليل، وبعد أن طاف بمدارس الثغر الوطنية، والأجنبية، ودرس

стр. 390

مناهجها ونظمها، وعكف على إعداد ميزانية هذا المعهد، وأعد العدة لوجوده وعرض الأمر على الخديو "عباس"، فوافق على تفكير الشيخ الذي يتطلب من مال الدولة سبعة آلاف جنيه، واختار جامح "أبي العباس" مكانا للدراسة، وأعلن قبول الطلاب بامتحان يحرر لهم، فأمه النشء من كل صوب، ولم يهل أول العام إلا وعلى مقاعده ثلاث مائة طلب، وكان خلف "أبي العباس" فراغ تابع لمصلحة البحرية، فارتأى الشيخ أن يقيم عليه مساكن للطلاب، وتفضل الخديو بتنفيذ رغبته، كما اتجه إلى إقامة بناء فخم يضم طلبة المعهد، وإدارته فطلب من البلدية قطعة أرض تبلغ ١٨ ألف متر بجهة "الورديان"، وإذ تقوم في طريق مشروعاته العقبات، وتقف في مجرى إصلاحه السدود يجد من لباقته البارعة، وحيلته الواسعة، وعطف ولي الأمر ما يمضي به إلى النجاح قدما. أذكى الشيخ في هذا المعهد نهضة علمية متوثية، وبث في الطلاب روح الجد والمثابرة، وقام على شئونهم بعزيمة نافذة، وفكر موفق، فألف الطلاب النظام ودرجوا عليه، والأساتذة ضبط المواعيد ورعوا حدودها، وواظبوا على إلقاء الدروس، وتنظيم ساعات العمل، والتقيد بمنهاج مرسوم١. وكان يرفع كل عام تقريرًا عن أعماله لولي الأمر أولا، ولمن يهمهم التعليم الديني ثانيا يعد هذا التقرير بنفسه، ويصوغ بأسلوبه، ويتحدث فيه عن الامتحان والمتقدمين له، والناجحين فيه وبضمته خطبتة التي يلقيها في نهاية العام الدراسي، ويوضح في مناهج الدراسة مما يدل على فهمه، وتمكنه من أساليب التربية والتعليم. من سننه الحميدة في الإسكندرية أنه كان يقيم آخر العام الدراسي حفلا جامعا تمنح فيه الجوائز للناجحين، وكان يوزعها عليهم نائب الخديو، أو رئيس مجلس النظار حثا للطلاب، وتشجيعا لعزائمهم، ويظهر حبه الأدب في إيثاره

стр. 391

كتبه وآثاره واختياره أسفاره، وأمهاته جوائز للطلاب فيمنحهم ما يفيدهم في اللغة والأدب، وعلومه كمقدمة ابن خلدون، والمثل السائر، وديوان الحماسة ونهج البلاغة، وتاريخ أبي الفداء، وديوان المتنبي، وفقه اللغة وغيرها. وكان كبار المفكرين، ووجوه الناس في الثغر لصلتهم به، وإعجابهم بنهوضه يهدون الطلاب كتبا ذات قيمة في الأدب والتاريخ كالمرحوم "محمد طلعت حرب باشا" -الذي أهدى إليهم مائة نسخة من كتاب تاريخ دول العرب والإسلام"، "ومحمود بك أبي النصر" أحد كبار المحامين بالإسكندرية إذ ذاك الذي أهدى إليهم تسعين نسخة من كتاب "إرشاد القاصد لابن ساعد الأنصاري". ومما يؤثر أن اللورد "كرومر" المعتمد البريطاني في مصر إذ ذاك كان قد تعرض للإسلام، فآثر الشيخ أن يرد عليه في هذا الحفل الجامع، وكان يومًا ذا خطر عظيم إذ يفد لسماع خطابه الكبراء والعظماء والأعيان، والعلماء فبعد حديث طويل في خطابه اتجه إلى العلماء، وقال: "إن هذا الدين القويم الذي استضاء بنوره أبناء الإنسان منذ أربعة عشر قرنا لا تزال مزاياء القاضلة محجوبة عن أعين كثير من الناس حتى من الذين اقتضت الإدارة الإلهية أن تمزجوا بأهله، إن احتجاب هذه الفضائل الإسلامية عن العيون، وإعراض الكثير من المسلمين عن التمسك بها، وتقاعد العلماء عن التنويه بشأنها، والحث عليها سوغ لرجال نظروا إلى أحوال الأمم الإسلامية الحاضرة، ولم يكلفوا أنفسهم مشقة البحث عن حقيقة فضائل الإسلام، وآدابه أن ينسبوا إلى الإسلام عيوب هذا العصر، وأن يعلنوا في مشارق الأرض، ومغاربها أن التعاليم الإسلامية هي التي وقفت تقدم البلدان التي دان أهلها بدين الإسلام١.

стр. 392

وظل الشيخ يعرض أقوال المهاجمين، وينفذ إليها قولا قولا، ويسفهها فكرة فكرة حتى خلب العقول، وأخذ بنواصي الألباب. هذه بعض الجهود التي بذلها الشيخ، وتلك آثاره الجلية في إنشاء هذا المعهد الجليل وسهره على العلم فيه. ولا بأس بالإشارة إلى ما كان بينه وبين الخديو من وثيق الصلة، وثابت الود فقد كان الخديو يجزل له الحب، ويغمره بالثقة الكريمة، ويستشيره في أخطر المسائل، ويقدر رأيه حق قدره، ويحرص على إيثاره بالإجلال والتكريم. ومما يذكرونه في ذلك أن الشيخ اختلف مع "الشيخ محمد بخيب الطيعي"، الذي كان إذ ذاك رئيسا لمحكمة الإسكندرية الشرعية، وكان الشيخ شيخا لمعهدها اختلفا في مناسبة من المناسبات الخاصة بالتشريف الرسمية بأيهما يسبق الآخر في مصافحة الخديو، يقول الشيخ شاكر: أنا نائب شيخ الأزهر، وهو مقدم على جميع العلماء، ويقول الشيخ: بحيث أنا نائب قاضي القضاة، وقاضي القضاة يعين بأمر السلطان، ويحتدم النزاع بين الشيخين، ويعنف الخلف دفاعا عن الكرامة، ويسمع الخديو بحديثهما إذ كان قد نقل إليه، فيتقدم ويفتح الباب بيديه، ويقول: "تقدم يا شيخ شاكر". وفي أواخر سنة ١٣٢٤هـ ندب للقيام بأعباء مشيخة الأزهر نيابة عن الشيخ "عبد الرحمن الشربيني" شيخ الأزهر إذ ذاك، "فجمع بين ذلك وبين مشيخة المعهد الإسكندري، حتى كان التاسع من ربيع الآخر سنة ١٣٢٧هـ، الموافق ٢٩ من أبريل سنة ١٩٠٩م، فصدر الأمر العالي بتعيينه وكيلا للجامع الأزهر، فمضى في طريق إصلاحه بفكر موفق، ورأي مسدد، وهمة لا تعرف الونى أو الفتور. وفي عهد وكالته صدر قانون النظام في الأزهر سنة ١٩١١م الذي قسمت بمقتضاه الدراسة إلى مراحل لكل منها نظام ومواد خاصة، وعهد إليه بتطبيق القانون الجديد، فأنشئ القسم الأولى، وعين شيخا له مع بقائه وكيلا

стр. 393

للجامع الأزهر. وقد قام برحلة إلى الصعيد، وجال في كثير من قراه ومدنه متفقدا الدراسة الدينية في مساجد توطئة لإنشاء معاهد دينية تتبع الأزهر وتخضع له، وقد نفذ ذلك بإنشاء معهدي أسيوط وقنا. ولما شرع قانون الأزهر في سنة ١٩١١م، وأنشئت فيه "هيئة كبار العلماء" كان أحد أعضائها، وظل يرفع صوته مناديا بالإصلاح مدافعا عن الوطن بما خلد في العاملين ذكره. وفي سنة ١٩١٣م أنشئت الجمعية التشريعية، وكان قد زهد في المناصب لما يجد فيها من العناء، وما يرتصد له من سعي السعاة وكيدهم، ولم يكن يستطيع أن يطلب إحالته إلى المعاش إذ كان في السابعة والأربعين من عمره، وذلك ما لم يبحه القانون، فاهتيل إنشاء هذه الجمعية فرصة، وحدث "محمد سعيد باشا" ناظر النظار إذ ذاك، وكان صديقا له فعين عضوا بها. ولما اشتعلت الثورة المصرية سنة ١٩١٩م، صال فيها وجال ذكاها بقلمه ولسانه، ورأيه حتى إذا وافت سنة ١٩٣١م أعرضت عنه الدنيا، ولزم داره لمرض "الفالج" الذي أصابه، وظل ينتظر المنون حتى دعاه مولاه، فلباه في صباح الخميس الحادي عشر من جمادى الأولى سنة ١٣٥٨هـ، الموافق التاسع والعشرين من يونية سنة ٩٣٩ غفر الله له، وأكرم في جنته مثواه. وكان ﵀ وثيق الدين، طيب الخلق، مخلصا في عمله، جريئا في رأيه، كما كان فقيها ضليعا في الفقه وأسراره، واسع الأفق في تفسير كتاب الله مدركا لدقائقه متفطنا لكريم مغزاه متمكنا من الأصول والمنطق والحديث، وله في كل ذلك لفتات دالة على بعد غورة، وصفاء ذهنه. وقد ديج بقلمه الرشيق الدقيق، بحثا ضافيا سماه "القول الفصل" في ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية، وهو مجموعة من مقالاته الممتعة التي نشرها

стр. 394

في الصحف مؤيدًا بها رأيه في هذه المسألة التي كان ينكر على مجيزيها أشد نكير، ويراهم "لولا حسن الظن -فئة من ملاحدة هذا العصر، عصر التجدد والانتقال"، وقد طبع هذا البحث سنة "١٣٤٣هـ-١٩٢٥م". كتابته: كتب عدة مقالات في السياسة والعلم والاجتماع، والقانون، فأشرقت على صفحات الصحف، والمجلات كمجلة الأحكام الشرعية التي صدرت أربع سنوات مبتدئه من سنة ١٩٠٢م، وكان ينقد في هذه المجلة بعض أحكام المحاكم الشرعية، ويوجهها الوجهة الصالحة. وأكثر الصحف التي حفلت بمقالاته، وبحوثه هو صحيفة المقطم، فقد كانت له بها جولات موفقة، وكلمات في السياسة لا تزال ملء الأسماع. وكانت الأقطار العربية تتلقف كتابته، وتستشرف لها حتى قال بعض البغداديين: "فحينما يصل المقطم في البريد نفتح أعداده بلهفة شديدة، وتتصفح مقالاته لعلنا نجد مقالة لحضرة الشيخ مذيلة بإمضائه، فإذا وجدنا ذلك عددنا اليوم من أسعد أيامنا". ومن عجيب أنه يتحدث في شئون السياسة العامة، ويتناول القضية المصرية ويدرس ما يجد من أحداثها، وما يظهر كل يوم من مواقفها وتطورها، فتستشف مما يكتبه روح الخبير الدارس الملم بأطوار الحياة السياسية العارف دقائقها جملة وتفصيلا، فيهدي برأيه، وينير بفكره، ويوجه بعقله، وتراه في كل ذلك كأحد الزعماء السياسيين الذين يخبون في السياسة ويضعون، والذين يحيون في بر السياسة وبحرها، ويقضون فيها صباحهم والمساء. هذا إلى روحه الوطني الغيور، وضميره اليقظ المؤمن الذي تسمع صوته في كل حرف، ويناديك في كل خطرة وهاجسة. وأسلوب الشيخ يمثل الأسلوب الأدبي المصفى من كل تعقيد الذي لا تشوبه

стр. 395

شائبة من التواء أو معاظلة، والذي يطول ويطول، ولكنك لا تعثر فيه على لوثه الجناس التورية، ولا يوافيك منه في قليل، ولا كثير شيء من آثار الصنعة والطلاء. وهو منطقي في أسلوبه، بارع في حجته، يغمرك بالأدلة ويفيض عليك بالبراهين حتى لا يدع إلى الشك مجالا فيما يذهب إليه من رأي، أو ينفذ إليه من غرض. وتجد كتابته الشابة الثائرة كأنما خطها، قلم شاب متحمس جريء، فلا تحفظ ولا خوف ولا تمليق، وهي مع ذلك لا تفوت الرصانة والاتزان. وقد جمعت طائفة قيمة من مقالاته التي رفعها لحضرة صاحب المعالي رئيس الوفد المصري باسم "الشرح التفصيلي لمذكرة الاتفاق"، الذي قدمه الإنجليز للمصريين، وبيان ما تضمنه من الشروط التي تتعارض مع الاستقلال، وقد "أحصى منها ثلاثين شرطا سوى التنصيص على إلغاء الحماية، وسوى مسألة السودان التي هي الجزء الحيوي المتسمم لمصر". كما جمعت طائفة أخرى من مقالاته الممتعة التي سبق نشرها في الصحف، فضمها كتيب بعنوان "من الحماية إلى السيادة"، يقول في مقدمته: "أقدم هذه الكلمات إلى كل عامل في سبيل الاستقلال التام لوادي النيل من منبعه إلى مصبه، بدون أي تدخل أجنبي في شئونه الداخلية والخارجية". واطلعت على تقرير كتبه بخطه الجميل الأنيق سنة ١٨٩٩م، إذ كان نائبا لمحكمة بنها الشرعية، "حينما كانت مديرية القليوبية"، وقد أودع هذا القرار خلاصة آرائه، ومشاهداته وما يراه من إصلاح شامل في المحاكم واللوائح والنظم، وختم التقرير بفصل ضاف يبين حالة ديار المحاكم الشرعية، وما هي عليه من سوء الإهمال.

стр. 396

نماذج من كتابته: مما كتبه بعنوان "من الخماية إلى السيادة": يقول مكاتب التيمس: -والطريق الوحيد للخروج من هذه الأزمة هو إيجاد حكومة برلمانية بقدر ما يمكن من السرعة عمليا، ويقول فخامة اللورد في خطابه: أما إنشاء برلمان يتمتع بحق الإشراف، والرقابة على السياسة والإدارة في حكومة مسئولة على الطريقة الدستورية، فالأمر فيه يرجع إلى عظمتكم، وإلى الشعب المصري من ذا الذي لا تطربه هذه النغمات، ولا تستهويه رشاقتها؟ ولكن الشعب المصري لا يسره الخروج من هذه الأزمة بالسرعة التي يريدها مكاتب التيمس، فدعونا زمنا ما حتى نتعرف هذا المصير الذي تسوقنا الحوادث إليه، لقد أنكرنا الحماية وعالجناها حتى ألقيناها من عواتقنا، وضحينا في سبيل الخلاص منها ما ضحينا، فليس من السهل، ولا من الميسور أن نستشفي من داء الحماية بداء السيادة، وما ترك أبو الطيب المتنبي في مصر رجلا، ولا امرأة إلا، وقد عرك أذنه حتى أدماها، وهو يعظه بقوله: إذا استشفيت من داء بداء ... فاقتل ما أعلك ما شفاكا لا والله ما كنت أحب لبريطانيا أن تضرب على رءوس المصريين بنا قوس السيادة البريطانية، وهي ترى ماذا يفعل الشرق والشرقيون، وإلى أية غاية يسير ويسيرون، وكان عليها أن تتريث في الاتهام نصيبها من تراث الرجل المريض، حتى تنظر بعيني رأسها إلى موضع أنيابه من أحشاء خصومه وأعدائه. إلى أن يقول: -وها هي الآن قد اضطرت إلى الظهور بما كانت تضمره، وإن كانت لا تزال تحاول كتمانه، وإلى هذه الحقيقة تشير "التيمس"، حيث تقول: -ولا شك أن نتيجة هذا الاتفاق ستقيم علاقاتنا مع القطر المصري على قاعدة جديدة، وستقوى نفوذنا الذي تقلص تقلصا خطيرا بالنظر إلى ما حدث في غضون السنوات الأخيرة من سوء التفاهم، ولقد رفعت المسألة برمتها إلى مستوى أسمى من ذلك المستوى الذي تدلت إليه من خلال المفاوضات التي دارت بين الحكومة الإنكليزية، وبين ممثلين مختلفين من قبل

стр. 397

مصر -وحسبنا في هذا الموقف الدقيق أن نتمثل بقول الشاعر العربي: ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم فلنصبر ولننتظر حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا ومما كتبه للرد على مبيحي ترجمة القرآن الكريم وحدثونا أيها القوم بما تعملون، لماذا نجد من بين الدعاة إلى تعميم نشر الترجمة الإنجليزية للقرآن الكريم في مختلف الجهات من أقاموا السنين الطوال، وهم ينشرون دعوتهم هذه مستعينين بكبار المتضلعين من اللغتين العربية والإنجليزية. ولا يزال هؤلاء على طول عهدهم بالإسلام يؤدون الصلاة المفروضة بالقرآن الإنكليزي الذي يلحون في الدعوة إلى تعميم نشره، ولو شاءوا لتعلموا من القرآن العربي المبين ما لا تصلح الصلاة بدونه، وهو لا يتجاوز فاتحة الكتاب، وأقصر سورة من سوره كما تعلموا من اللغة العربية العامية ما ليس لهم من تعلمه بد في مختلف الأحاديث، فهؤلاء وأمثالهم يعتبرون من القادرين على القراءة بالعربية لا من العاجزين عنها، فإن الامتناع عن التعلم لا يسمى عجزا. ولذلك فإنا نحكم حكما قاطعا ببطلان كل صلاة صلوها بهذا القرآن الإنكليزي، وهم قادرون على تعلم ما لا تصح الصلاة بدونه من القرآن بنظمه العربي. لا خلاف بين الأئمة المجتهدين في بطلان القرآن بغير العربية، وهم قادرون على أن يتعلموا منه بالعربية ما لا تصح الصلاة بدونه. الله يشهد أننا فيما كتبنا لم نذهب إلى أن "نضيق على الناس سبيل تفهم أصول الدين"، كما يقولون، وكان حقا عليهم أن يعرفوا ما بين الترجمة والتفسير من الفروق المعقولة حتى يعلموا أن أئمة الإسلام الذين أجمعوا على تحريم ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأعجمية، لم يختلفوا في جواز تفسيره اللغات الأعجمية، كما أجازوا تفسيره باللغة العربية. تم الجزء الثاني، ويليه الجزء الثالث.

стр. 398

فهرست الجزء الثاني: صفحة الموضوع ٣ الخطابة في العصر الحاضر ٦ الأزهر والخطابة ٨ الأزهر والخطابة السياسية ١٤ الأزهر والخطابة الدينية ١٦ الأزهر والخطابة القضائية ١٨ أشهر الخطباء السياسيين بالأزهر ١٨ السيد عبد الله نديم ٤٩ سعد زغلول ٧٦ أشهر الخطباء الدينيين من الأزهر ٧٦ الشيخ محمد مصطفى المراغي ٨٨ أشهر الخطباء القضائيين من الأزهر ٨٨ إبراهيم الهلباوي بك ٩٩ الكتابة في هذا العصر ٩٩ الكتابة الديوانية ١٠٠ الأزهر ولغة الدواوين ١٠٢ كتابة التأليف ١٠٣ الكتابة الفنية ١٠٦ الأزهر والنشر ١٠٨ الشيخ عبد الرحمن الجبرتي ١١٦ عبد الله فكري "باشا"

стр. 399

صفحة الموضوع ١٢٦ الشيخ محمد عبده ١٤٦ الشيخ عبد الكريم سلمان ١٥٢ الشيخ عبد المجيد الشرنوبي ١٦٤ المنفلوطي ٢٥٥ الشيخ محمد شاكر

стр. 400

المجلد الثالث تابع الأزهر والنشر الشيخ عبد العزيز البشري ... الشيخ عبد العزيز البشري: المتوفى سنة "١٣٦٢-١٩٤٣": نشأته وحياته: الشيخ "عبد العزيز" بن الأستاذ الأكبر المرحوم "سليم البشري"، الذي ظل شيخا للأزهر مدة من الزمان، وكان من المتبحرين في فقه المالكية، وكان إخوة الشيخ عبد العزيز "علماء وطلابا في الأزهر، فاقتضت هذه البيئة الأزهرية العلمية التي تنشأ في ظلالها أن يتجه متجهها، وأن يكون أحد طلاب الأزهر فألحق به في بواكير حياته، بعد أن قضى فترة في المكتب ألم فيها بمبادئ القراءة والكتابة وأتم القرآن حفظًا، وظل يوالي دراسته في الأزهر حتى نال شهادة العالمية، ولم يكد يحصل عليها حتى طلبته وزارة المعارف، وجعلته محررا فنيا بها لما ذاع من أدبه وطار من شهرته، ثم ولي القضاء الشرعي حينا من الدهر١، واختبر في مناصب أخرى حتى أصبح وكيلا لإدارة المطبوعات، فسكرتيرا برلمانيا لوزير المعارف، ثم عين رئيس تحرير لمجلة المجمع اللغوي الملكي، وكان المرحوم "محمد جاد المولى بك" مراقبا إداريا للمجمع، فلما نقل الثاني إلى وزارة المعارف عين "البشري" بدلًا منه، وظل بهذا العمل حتى استأثر الله به في صباح الخميس الخامس والعشرين من شهر ديسمبر سنة ١٩٤٣م. صفاته ومواهبه: وقد نشأ ﵀ مجبولا على حب الأدب نهما في الاطلاع، عكوفا على

стр. 401

البيان العربي يروي نفسه من روائعه، ويستظهر من غرره، وقد سمعت من أهله وخلصائه الذين اندسست فيهم للوقوف على ما خفي من سيرته، فرووا أنه عكف ليلة على كتاب الأغاني لأبي الفرج، وكان من عشاقه المتوفرين على قراءته فظل مستغرقا في الاطلاع يضيء له مصباح نفط، ولم يرعه إلا أن والدته دخلت عليه، وقالت له: "أطفئ المصباح إذ لا حاجة لك به فقد طلعت الشمس". وكان من فنونه بالأدب أن عزف به في كثير من الأحيان عن الدروس في الأزهر أيام الطلب، وشغف بالتفرغ للكتابة الأدبية يروي بها ظمأه، وأقبل على الصحف الأدبية يكتب لها، وهو حدث كما افتتن في صباه بحب الفن وأغرم بأهله، رويت عن أحد خلطائه الأدباء أنه لم يفته مجلس من مجالس الطرب التي كان يقيمها المطربون في شبابه من أمثال: "عبده الحمولي، ويوسف المنيلاوي، ومحمد عثمان، وغيرهم"، ومع أنه من هذه البيئة الدينية التي يلزمها مجانبة اللهو واللعب كان يحتال برشوة يقدمها للخدم للخلاص من القيود، فلا يزال يجول في القاهرة، ويتحسس مواقع السمر ومواطن الطرب حتى يعود مع الفجر، وقد أثر في نفسه طول ما غنمه من أوقات اللذة والسرور، وما استمتع به من الفن والتطريب، فزاد في إحساسه وهذب مشاعره، على ما نشأ عليه من رقة النفس وإرهاف الحس. وكان البشري حاد الذكاء، حاضر البديهة، صفي الذهن، لماح الخاطر ذواقا إلى أبعد الحدود، قوي الحس إلى درجة ناردة حقا لا يكاد يمر به شيء إلا التقطه التقاطا، ورسمه في نفسه رسما يخالطه مخالطة حتى يصبح كأنه جزء منه١. وكان سريع التأثر أيضا حتى لقد عرف بذلك بين أصدقائه، فكانوا يتقون مواطن تأثره، ويحسبون لها حسابا، وإذا تأثرا بشيء لم يكد يطيق

стр. 402

احتماله بل يتبرم بكتمانه، ويسعى لأحبابه وخلانه فيلقي به إليهم، ويعالنهم بما ضاق به فإذا هم صفحة من نفسه، وقسيم في شعوره وحسه. ومما امتاز به حلاوة فكاهته، وحسن محاضرته وسعة اطلاعه على المجتمع وأخلاق الناس وأحوالهم، وإلمامه بأسرار الجيل التي واتته من طول المداخلة وحسن المخالطة حتى إذا حدث في هذا المقام، كان خبيرا بما يقول. وقد عنى عناية خاصة واحتفل احتفالا بالغا "بكتاب الأغاني"، فقلب فيه النظر وأدمن الاطلاع عليه، وتروى كثيرا من أدب الجاحظ، وتردد على مطالعته وجرد له جانبا من وقته، وكان الاطلاع على "الأغاني" وكتب "الجاحظ" حبيبا إلى نفسه متسقا مع هواه، ترم "أبا الفرج" "وأبا عثمان"، وتأثر بهما وانطبع على طريقتها وتحدث بلغتهما، وخاصة "الجاحظ" الذي يحيل عليه في كثير من المواطن، ويشير إلى الأخذ عنه والتهدي إليه، ويصرح في مطالع ما كتبه "في البخل" بأنه قرأ كتاب البخلاء "للإمام الجاحظ" أكثر من مرة، ويذكر حين يتحدث عن المداعبات، والأفاكيه بأنه قرأ للإمام "الجاحظ" شيئا في هذا المعنى، وحين يصور الشيخ "التفتازاني" في المرآة يقول: "أنه لو نجم في عهد "الجاحظ"، أو اطلع عليه "كارليل" لخصت به الرسل، وأفردت له الأسفار، ولكن أنى لنا جزالة قلم "الجاحظ" أو دقة ذهن كارليل، لنقول في الشيخ كل ما ينبغي أن يقال فيه١". وإذ يتحدث في تمهيده للكتابة في المرآة عن النكتة يقول: "وللإمام الجاحظ" في هذا المعنى قول جليل، فراجعه إن شئت في كتابه البخلاء". وممن تأثر بهم "البشري" في طريقتهم وأولع بأدبهم، وأسلوبهم "المويلحي الكبير"، فقد كان ينهج في رسائله "في المرآة" نهجه في تحليل الشخصيات دون

стр. 403

خدش في الأعراض أو إسفاف في الأداء١". ولم يكن ذلك وحده هو ما تأثر به من "المويلحي"، فقد كان منذ شب على الكتابة يكتب إلى صحيفته الأدبية "مصباح الشرق"، ويكلف بالمصباح الذي أصبح في الأدب العربي فتحا جديدا، وأمسى مصباحا حقا يهتدي المتأدبون بسناه، بل صار أفخر مدرسة لطلب الأدب الرفيع الجزل الطريف في هذه البلاد، بل إن "البشري" يدل صراحة على أنه اهتدى بالمصباح في نشأته الأدبية، فيقول: "لست أغلو إذا زعمت أنني في مطلع نشأتي الأدبية كان مصباح الشرق عندي هو المثل الأعلى للبيان العربي، وبهذا كنت شديد الإكباب على قراءته، وتقليب الذهن واللسان في روائع صيغه، وطرائف عبارته حتى لقد كنت أشعر بأنني أترشفهما ترشفا لتدور في أعراقي، وتخالط دمي وتطبع على هذا اللون من البيان الجزل السهل النافد الطريف٢. "والبشري" نظم الشعر في شبابه، وكثيرا ما نظمه في هجاء المرحوم الشيخ "علي يوسف"، ونشره في جريده "الظاهر"، ولكن شعره قليل على جودته، وقد استأثرت الكتابة بعبقريته، فلم تدع للشعر مجالا في نفسه، حتى إذ توفي صديقه المرحوم "حلمي المنشاوي" الطبيب، وهو غض الشباب جرت عاطفته بشعر نشرته "الرسالة" في حينه. أسلوب البشري: اتسم أدب البشري بالجزالة والفصاحة التي ترجع بالكتابة إلى العصر

стр. 404

العباسي الأول، وتجلت في أسلوبه كثرة الترادف والآن دواع وتكرار المعنى في كثير من صوره، وفي أسلوبه كثير من السجع، ولكنه مقبول لا يعل سماعه ومن لا يستكره ترديده، على أنه يوافيك بثروة لغوية خصبة ليس لها أثر من التوعر تواتت له من غزارة مادته، وسعة إطلاعه وكثرة ما رواه من البيان العربي وأساليب القدماء، وقد ظهر في أدبه دقة الوصف، وإيفاؤه حقه ولا سيما حين يصف الأشخاص، كما يظهر للمطلع على مقالاته التي كتبه في "المرآة"، وقد تأثر فيها بأساليب الغرب في تحليل الشخصية، والإفاضة في وصف الأشخاص والتسلل إلى مداخلهم النفسية فضلا عن أوصافهم الظاهرية. وإنه ليروعك من "البشري" تفطنه إلى عادات الناس وأخلاقهم، وشذوذهم وخواصهم البعيدة التي لا يلتفت إليها إلا الذواقون من الأدباء المرهفون حسا، حتى إنه ليعرف الشخص فيرسم له صورة دقيقة منعطفا فيها إلى سماته الخلقية والخلقية بما يعز اكتناهه على أحد، وهو يجرد قلمه الرشيق، فيصور به كل خاطرة تخطر أو حادثة تقع، أو فكرة تملك عليه نفسه. ولقد أتيح له من مخالطة العظماء، ومصادفة الكبراء وغشيانه كل مجلس وناد واقتحامه ميادين المختلفة من سياسية، واجتماعية أن يلم بمظاهر الحياة فيها، وأن يقف على كثير من صورها. وكثيرًا ما يتمثل بالشعر العربي الرصين في كتابته حتى ليستفتح بالشعر أحيانا كتابته. وما من شك في أن أسلوب "البشري" كان متشددا في السجع، واستعمال الكلمات العربية الغريبة، وإن كان ذلك عن طبع منه لا أثر للتكلف والقصد فيه لكنه حينما طلبت إليه الصحف أن يكتب لها، والإذاعة أن يلقي بها أحاديث للناس ألان حينئذ أسلوبه، وطوع بيانه، وقصد أن يزيد وضوحه

стр. 405

وإشراقه ليلائم الغرض، ويشاكل القصد وينتفع بأدبه خاصة الناس وعامتهم، وإذ ذاك خلف غريبه وقل سجعه، وكان أنصع ديباجة وأوضح تعبيرًا. وكان من الأسباب التي ألانت قلمه وزادت أسلوبه سهولة ونصاعة، وجعلته لمشايعة الحياة أكثر قربا ما تكاثر عليه من مطالب الوزراء والكبراء الذين يريدون أن يخطبوا، أو يكتبوا في مناسبات اجتماعية رسمية تتطلب التجويد الذي لا يسمح وقتهم -على الأقل- به فاضطره ذلك إلى أن يجاري بقلمه ما يتسق مع الطابع العصري السمح، وما يوائم الخطيب أو الكاتب من السهولة والإشراق. وأسلوب "البشري" قريب من كل روح مداخل لكل نفس يجد كل فيه غداءه الروحي، ومتعته السائغة. وهو يوائم فيما يكتب بين الكلمة العربية الرصينة، والكلمة الأوروبية المستلزمة والعامية الشائعة على ألسنة العوام إذا اقتضت النكتة سوقها، على أنك تجد الائتلاف، والالتئام بين هذه الكلمات سواء تقاربت أم تلاحقت. "وأخص ما يمتاز به أدب "عبد العزيز" إنه حلو سمح خفيف الروح لا يجد قارئه مشقة في قراءته، ولا جهدا في فهمه، ولا عناء في تذوقه وتمثله١". النكتة من مظاهره: كانت النكتة البارعة من الأمور التي جبل "البشري" عليها، وشغف حبابها ولم يكن يستطيع مغالبتها فهي تقهره، وتدفعه إلى المفاكهة بها دفعا، وقد اشتهر بها عند الناس حتى لا يلقونه إلا وهم يترقبون تنادره، ومطايبته بها ويفجؤه بها الخبثاء، فلا يعجز عن نكتة تقع موقع الارتياح والعجب، وتكون أبلغ من غيرهما جمالا وروعة.

стр. 406

يخلع جبته ليتوضأ ويضعها على المشجب١، فيرسم أحد الظرفاء عليها وجه حمار، ويزعم أصحابه أن "البشري" يرتج عليه من هذه المفاجأة، فما أن يقع بصره على الجبة حتى يقول: "من منكم مسح بالجبة وجهة؟ "، وهكذا لا يعيا بنكتة، ولا يغيض معينها في حادثة. ولم يعرف أنه اغتاظ لنكتة، وما استغضبه إلا ما وقع بين بائعي الأكفان وبينه في طريقه إلى داره، فقد كان يمر كل يوم بعمال "محل الأكفال" الذين يقول الشيخ فيهم: "وجزت بهم مصبح يوم وعيناي تنضحان بالدمع من أثر رمد فأتلعوا إلى أعناقهم، ورأيت البشر يشيع في وجوههم، وسرعان ما تحركوا جذين للقائي، وهم يدعون الله في أنفسهم أن يجعل استفتاحي "لبنا"، فصحت فيهم استريحوا يا أولاد الـ ... فما بي والله بكاء ولكنه الرمد، وكلنا والحمد لله بخير وعافية، وقطع الله أرزاقكم، ولا أدخل عليكم النعمة أبدًا٢. وتراه يلبي داعي النكتة، ويرسلها في غير تحرج في شتى المواقف ومختلف المناسبات، ولا يكتمها مهما كلفته من ثمن، أو حملته من تبعة. كان "علي باشا إبراهيم" قادما من الإسكندرية بالطريق الصحراوي في سيارته ليحضر مجلس الجامعة المصرية الذي كان رئيسه إذ ذاك، وكان "البشري" معه في سيارته، وقد بقي على انقعاد المجلس زمن قصير ذهب به توقف السيارة مرات متعددة لإصلاح خلل في "سلوكها"، أو ترميم في "سيرها"، وبينما الرجل مغيظ محنق من التوقف، والتأخير إذا "بالبشري" يغادر السيارة، ويقول له: "لن أركب معك بعد اليوم إلا إذا قدمت لي شهادة بحسن "السير والسلوك"، فيذهب غيظ الرجل، ويستلق من الضحك.

стр. 407

دخل مأتمًا ليعزي أحد الناس في أحد بنيه، فصفع سمعه صوت القارئ، وكان منكرا مزعجا، وقد أشيع حينئذ أن "الإذاعة" تختار أردأ الفقهاء لإذاعة القرآن وكان بمجلس العزاء طائفة من الكبراء، والعظماء بينهم مدير الإذاعة، فخف الشيخ على مرأى ومسمع من هؤلاء إلى رئيس الأسرة المعزى، وجعل يستحلفه بالله أن "يتوه" هذا الفقيه عقب التلاوة مباشرة حتى لا يأخذ عنوانه مدير الإذاعة ويرمي الناس به، فقد لبى داعي النكتة دون حرج من موقف العزاء: والعجيب من أمر "البشري" أنه يرسل النكتة تضحك الثكلى، وهو عابس ليس به أثر من الضحك أو المداعبة، فكان مجلسه نادرة من طربه ومرحه، وكان كبراء الناس يتشهون حديثه لما فيه من خفة الروح وحلاوة الدعابة، وروعة النكتة. النكتة في أدبه: ولم تكن النكتة لتشيع في حديثه فحسب، ولكنها تنضر أدبه الذي يكتبه أو يلقيه في الإذاعة، أو ينشره في الصحف، وخاصة ما كان ينشره في "المرآة"، فإنه ميدان فسيح لنكاته الأدبية الرائعة، وطالما وضع النكتة مع صورة من يتحدث عنه كأنما هي عنوان الموضوع، كأن يكتب تحت صورة "حافظ رمضان باشا" المتخيلة التي رسم في أعلاها وجه "مصطفى كامل باشا" "ومحمد فريد" "وجه مصطفى كامل"، ووجه فريد كلاهما لازم لوقت الشعل فقط، كما يكتب تحت صورة "إبراهيم وجيه باشا" الذي كان وزيرا للخارجية معروفا بالمبالغة في الأناقة والعناية بالمظهر، على مفوضينا وقناصلنا، في جميع أقطار العالم موافاتنا "تلغرافيا" بآخر "مودة"، وكما يصور المغفور له الأستاذ الأكبر الشيخ "أبا الفضل الجيزاوي"، ويكتب تحت صورته "الحمد لله لم يبق لي إلا مائة ألف جنيه و ٥٠٠٠ سهم بنك عقاري قديم حتى أنقطع

стр. 408

إلى عبادة الله والزهد في الدنيا١. وكما يصور "أبا نافع باشا" عمدة "سان استيفانو" بصورة ضخمة، وأمامه حماره الصغير مذعورا، ويكتب تحتهما "لا تخف فإني والله مخيف". ولعل أحفل ما كتبه بالنكتة الأدبية هو موضوع "في الطيارة" يتحدث عن ساقة السيارة، فيقول: "وإني لأسأل الرجل منهم أن يتريث فلا يسمع، وإذا فعل طوعا لرجائي أو لزجري فلثانية أو اثنتين، ثم عاد أجري وأسرع مما كان، وإني لأقول: "يا سيدي لست مستعجلا أمرا، والله ما أنا ذاهب لاطفاء حريق، ولا لإنقاذ غريق صدقني والله ما أنا ماض لقيادة الجيش في المعركة الحاسمة، ولا أنا مدعو لتأليف الوزارة، ولا لشراء "النمرة" الرابحة في سباق الدربي كل هذا ولا حياة لمن تنادي، حتى يقول حين أفزعه ركوب الطائرة: "تعودت إذا ركبت القطار أو السيارة أن أقرأ حزب البر، فإذا علوت السفين قرأت حزب البحر فمن لي اليوم بحزب الهواء"؟ ويتحدث في موضوع آخر عن الثقلاء الذين يزعجون الناس، فيقول: "يراك منهمكا والدهن يسيل من يديك كلتيهما، فيمد يده بورقة "اليانصيب" حتى تحول بينك وبين طعامك، وحتى تكاد أصبعه تفقأ العين آدي اللي فضلت، السحب النهارده، اللي تكسب متين جنيه". ويحدثك عن شاب أنيق الملبس التقى معه، فيقول: قال لي: "يا عم كم الساعة

стр. 409

الآن؟ فطالعت ساعتي، وقلت له الساعة اثنتان وسبع دقائق، فحسر كمه الأيسر فانكشف عن ساعة يد ذهبية، ونظر فيها وقال: لا. لا. ساعتك مؤخرة أربع دقائق، ثم خلى بيني وبينه الطريق وانطلق لطيته، وبعد أن أجلت ظني في شأنه أدركت أنه ربما كان مفتش عموم الساعات". وهكذا يفيض أدبه بروائع النكت الطريفة التي تهتز لها النفوس، وتطرب لها الأسماع "فالبشري" لا يجاريه أحد في صوغ النكتة الرائعة، "وهو أكثر الكتاب المحدثين اصطناعا للنكتة البلدية يصطنعها بلغته العامة في غير تكلف، ولا تحفظ ولا احتياط، يأخذها من حي السيدة زينب، أو من حي باب الشعرية، فيضعها في وسط الكلام الرائع الذي يمكن أن يقاس إلى أروع ما كتب أهل القرن الرابع والثالث للهجرة، فإذا النكتة البلدية العامية مستقيمة في مكانها، ومطمئنة في موضعها لا تحس قلقا، ولا نبوا ولا يحس قائلها قلقا ولا نبوا، ولكنها تفجؤ القارئ فتعجبه، وتملأ نفسه رضى، ثم هو يحس أن الكلام ما كان ليستقيم لولا أن هذه النكتة قد جاءت في هذا الموضع، واستقرت في هذا المكان١. وقد اضطر "البشري" أن يسوق النكتة باللغة العامية الخالصة إذا أراد أن يجلو على القارئ صورة كاملة من حيث قوم في مناقلاتهم، ومناوراتهم، وما تطارحوا من فنون الكلام، إذ يقتضي الحديث أن يورد كما نطقوا به، وبخاصة إذا كان يجري في التعبيرات التي تشيع على ألسن الناس، وتذهب عندهم مذهب الأمثال، وإلا لو أدى بفصيح اللغة فسد الغرض، واختل نظام الكلام٢. ولأن النكتة إذا سبكت في العربية الخالصة، فقد ينضب ماؤها ويحول بهاؤها٣.

стр. 410

هذا هو الذي حدا بالبشري أن يسوق النكته بالعامية، ولم يكن الدافع له عجزه عن العربية الفصيحة، وهو أبو عذرتها وابن بجدتها، وهو أحد الذين ردوا إلى الأدب العربي في النهضة الحاضرة قوته وجزالته، وكان على جانب عظيم من معرفة اللغة العربية والتضلع فيها، حتى ليفيض أدبه بثروة لغوية خصبة، ويقتدر على التعبير عن كل ما يريد بأفصح لغة، وأبلغ تعبير. آثاره الأدبية: المختار: هو مجموع ما نشره في الصحف وما حاضر به وألقاه في الإذاعة مما أبدعه أسلوبه وافتن فيه بقلمه، فكان آية في إشراق الأدب وغزارة البيان، وفصاحة العبارة، وسعة الأفق، ضم هذا الكتاب صورًا من الأدب الرفيع يعزر رسمها على غير يراعه والحق أن "المختار" كما يقول الأستاذ "خليل مطران بك" في مقدمته للجزء الأول: متحف حافل بالمفاخر، وكل طرفة من طرفه جديرة بأن تطالع في تدبر ورية. أما الجزء الثاني فقد كتب في مقدمته عميد الأدب الدكتور طه حسين بقلمه الرشيق، وأدبه العذب فزاد في بهائه وأعلى من مكانته، والجزءان مطبوعان طبعا مصقولا مهذبا. في المرآة: يضم هذا الكتاب ما اختاره "البشري" مما كان ينشره في مجلة السياسة الأسبوعية مع جمهرة أخرى من القطع الأدبية الساحرة التي دبجها قلمه المبدع، والكتاب يتضمن صورا دقيقة لعظماء مصر، وكبرائها وساستها وعيونها، رسمها بريشته التي يعيا المصور عن توضيحها كما أوضح وانطاقها كما أنطق، فقد تدسس على جميع ما يختص بهؤلاء الناس، فوصف نفوسهم وطباعهم، وشرح

стр. 411

أخلاقهم وعاداتهم، وتفطن إلى مواطن الشذوذ فيهم، واكتنه ما خفي من أمورهم حتى على المتصلين بهم، فكان نفاذا في وصفه بارعًا في تصويره، ولم يدع شيئا مما يتصل بهم، وبخلقهم وخلقهم إلا وقد أنطقه، وجلاه بأوضح بيان كل ذلك بأسلوب مرح خلاب، وعبارة جزلة فصيحة، وبيان مشرق منطلق، ونكتة أخاذة تثير العجب والطرب. وقد كان لما يكتبه "البشري" في هذه "المرائي" أكبر الأثر في نفوس الناس، وكانوا ينتظرونها، ويخشى كل عظيم أن يكون في مرآته، وإذ يكتب عن كبير أو ذي شأن، فإنما يمنحه الرفعة ونباهة الشأن، أو ينزل به إلى مكان سحيق ويدعه مضغة الأفواه، وحديث الألسن. وقد وضع لكل شخص يتحدث عنه في هذا الكتاب صورة متخيلة، ولا يخلو الحديث عن واحد من الذين تناولهم في المرآة من نكتة بارعة يلصقها به، فتسير وتذيع وتتناقلها الأفواه. وقد نسج على منواله كثير من الأدباء، فكتبوا مرائي مختلفة نهجوا فيها نهجه في التحليل، ولكن شتان بين ما كتبوا وما كتب. كتاب التربية الوطنية: وللبشري كتاب في التربية الوطنية تناول فيه موضوعات مختلفة تتصل بالوطن وشئونه والتربية وفنونها، وأسلوبه في هذا الكتاب ناصع يبين الموضوع في وضوح وسلاسة. آثار أخرى: واشترك بتكليف من وزارة المعارف في تأليف كتاب "المفصل في تاريخ الأدب العربي"، وهو جزءان و"المنتخب من أدب العرب"، وهو جزءان أيضا"، والمجمل في الأدب العربي" لطلبة المدارس الثانوية، أسهم في هذه الآثار الأدبية، وهي ذات قيمة وأثر ملموس لما نشرته من الأدب في تحقيق دقيق صيغ بأسلوب سهل فصيح.

стр. 412

وللبشري أيضا كتاب "القطوف"، وهو مجموع مقالاته التي نشرها في الصحف، وألقاها في الإذاعة مما لم يطبع قبل، والقطوف لا يزال غير مطبوع. نماذج من أدبه: مما أذاعه عن "الراديو" المذياع كما يصفه أعرابي قادم من البادية. وأقل على صاحبي يعرف لي الرجل قال: إنه من إحدى بوادي نجد، وهو يتنخس في الدواب١ على أنه لم تهيأ له رؤية الحضر من قبل بل لقد كان يرسل على إبله وخيله إلى مصر، وغير مصر ولده وبعض معشره، ثم بدا له أن يفد معهم هذا العام ليشهد عيش الحضر قبل أن يدركه الأجل، ووافق مقدمه حاجتي إلى بعض الجياد، وسألته أن يقيم عندي ما أقام في مصر لما رأيت من ظرفه، وخفة روحه، ولطف حديثه، وحسن بديهته. ولقد بعثت "الراديو" ذات عشية في حضرته فارتاع رشده، وذهب الرعب بلبه كل مذهب، ثم اطمأن صاحبي فترة قصيرة، وقال: وعلى الشيخ عدلان أن يقص بقبة الحديث، والتفت إلي الرجل وسأله أن يتكلم فتعذر، وتمنع فعزم عليه ألا تكلم، فأكرم الضيف وأومأ إلي. تنحنح الرجل وسعل سعالا رقيقا، ثم أنشأ يتحدث في لهجة بدوية كثيرا ما كان يلتوي علي فيها اللفظ، فيسويه لي بعض من حضر. سيداتي سادتي: الآن أنقل إليكم حديث ذلكم الأعرابي بعد أن علقته، وقيدته بقدر ما واتاني الجهد، فإن كنت قد عالجته بعض العلاج ففي شيء من الصياغة بتقويم

стр. 413

ما لا يستقيم في آذاننا من لهجة أولئكم الأعراب قال: دعاني صاحبك ذات عشية إلى أن أصعد إليه، فلما استوينا في مجلسنا من إحدى الغرف أومأ إلى ركنها، فحولت بصري فإذا دمية١ من خشب بتر ساقاها، فأقعدوها على منضدة لها أنف صغير، ولها أذنان دقيقتان وقد توسط ما دون الجبين عين لها واعجباه -واحدة تمزقت حدقتها فتناثرت في بياضها تناثر أكارع النمل على صفحة الرمل، ولها فم -يا حفيظ- قد استهلك نصف وجهها مشجوه بديباجة من حرير، وليتهم سدوا عليه مسامير من حديد، وما أحسب والله هذه الدمية إلا صنعت على صورة الجن لم تطبع على صورة إنسان. ثم قامت صاحبك إليها فحرك أذنها، وسرعان ما أحمدت حدقتها فاستعذت بالله من الشيطان الرجيم، ثم سمعت لها حسيسًا٢ ما لبث أن استحال زمزمة٣ وهمهمة٤، فخلت والله أن الأرض قد زلزلت علي وأحسست قلبي يتمشى من الروع في صدري حتى يصك حنجرتي، فجمعت ثوبي للهرب، فجذب صاحبك فضل ردائي ولو قد أطلقني ما أصبت المهرب، فلقد تخاذلت عني ساقاي، وأظلم ما بيني وبين وجه الطريق، وجعلت ألتمس آية الكرسي أستعصم بها من هذا الشيطان، فأذهبها الرعب عني، وكأني لم أحفظ منها في دهري الأطول إلا كلمة واحدة، ولما رأى صاحبي ما بي قال لي: خفض عليك يا شيخ، فقلت: وهذا العفريت -قال: لن ينالك منه مكروه إن شاء الله، فقلد قيدوا ساقه وشدوا وثاقه، فما يجد له من أساره فكاكا، ولا يستطيع في محبسه حراكًا، قلت-: أفيسجن سليمان المردة في قماقم نحاس أو من ذهب، وأنتم لا تبالون أن تسجنوها في جماجم من خشب؟

стр. 414

طرب: ومما كتبه بهذا المعنى: غنانا "صالح" ولست أدري أكانا مغنيا يرسل الصوت فيقع حقا في الآذان، أم ساحرا يتلعب بألبابنا، فيخيل إلينا أنا في الجنان، نتمايل على النسيم بين الآس والريحان، ونسمع من شدو القماري على أيكها أبدع الأنغام وأروع الألحان. حدثني يا فتى -أي روض جاز به صوتك قبل أن يبلغني، وكم نسمة اختلطت به مما نفث فيه صب مشوق، وحمل عاشق من زفرات كبده إلى معشوق، حتى أخذ فينا كل هذا الأخذ، وفعل بقلوبنا كل هاتيك الأفاعيل. آه -وفي آه لذة وألم، وفيها برء وسقم، وفي آه راحة وهناء، وفيها يأس وفيها رجاء. أشاكر أنا أم شاك، وضاحك أنا أم باك، وراض أم غضبان، وسال أم ولهان وناعم أم بائس، وراج أم آيس؟ قد غرني أمري فسلوا صوته ونبئون. يا ليل وما عساك تبغي من الليل؟ لقد نام الخليون، هنيئا لهم، وأمعنوا في المنام. نعم، إن فيك يا ليل عيونا تسيل بالدم شئونا، وإن فيك يا ليل جراحات تفيض بالدمع عيونها، وكم فيك يا ليل من فؤاد تحلل نسما، وكم فيك يا ليل من أكباد تطايرت حسما، هذا عان يشكوا بثه وحزنه وأساه، وهذا صب يبثك وجده وجواه، وهذا مشدوه لا يتخذ الرفيق إلا من بين كواكبك، ونجومك وتلك والهة لا تجد الأنس إلا في وحشتك ووجومك.

стр. 415

إن تحت الضلوع عواطف تئن من طول احتباسها، أطلقها "يا ليل" تمزج أنفاسك بأنفاسها، أطقلها تملك الجو عليك طربا وشدوا، وتملأ هذا الهواء تحنانا وشجوا، ففي العواطف بلبل وكنار، وفيها يا ليل فاخت وهزار، أطلقها بالله يا ليل لتغني الثريا، وتشكو وجدها لسهيل: أبكي الذين أذاقوني مودتهم ... حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا واستنهضوني فلما قمت منتهضا ... بثقل ما حملوني في الهوى قعدوا لأخرجن من الدنيا وحبهم ... بين الجوانح لم يشعر به أحد يا عين -وقل يا عين حقيقة أردتها أم مجازا، ورجعها صباغنيتها أم حجازا، فإنه: هوى بتهامة وهوى بنجد ... قد أعيتني التهائم والنجود عن يا فتى غن، فالله أكرم من أن يثير هذا كله في صدور الناس، ويحرمهم غناءك يا صالح. الشيخ: وما كتبه في المرآة بعنوان "الشيخ": صديقي أو غير صديقي أو هما معًا، الأستاذ الشاب أو الكهل أو الشيخ، أوكل أولئك في وقت واحد. الشيخ أو السيد فلان: وأنا أشهد أنه ما اطلع على مجلس إلا حللت له الحبوة "١، ولا جلس إلى

стр. 416

إلا آثرته بتكرمتي، ولا أرسل يده إلى إلا أسرع بتقبيلها؛ لأني أرى في الشيخ عظيمًا، وإن لم ير غيري أن فيه عظيمًا. هو شيخ طريقة وهو على صداقته، وملازمته لشيخ مشايخ الطرق لا نرى على ما يزعم شانئوه لطريقته في سجلات مشيخة مطرق الصوفية عينا ولا أثرًا. ثم هو رجل جمع بين أقصى مطالب الدنيا، وأقصى مطالب الدين، فتراه كما يظهر الأصيل في حلقة الذكر يظهر العشاء في بار "ارستومين". ثم هو سعدي وعدلي وحر دستوري، وحزب وطني واتحادي ومحايد، ومستقل وغير هؤلاء جميعًا. ثم هو لا يفتر عن أداء حقوق القصر ولا يني عن التوافي في كل موسم لدار الوكالة الإنجليزية، ولا يترك جريدة السياسة إلا إلى بيت الأمة. ثم هو يحسن العربية ويحكم الإنجليزية، فلا تعرف إن كان غربيا مستشرقا، أو شرقيا مستغربا. ثم هو مصري وفي الوقت نفسه مطاف الجالية الفرنسية في مصر يتحدث عن أمورها، ويدلي بمهمتها في هذه البلاد، فلا تعرف أن كان عربيا مستعجما ثم هو إذ تقضيت أصله، وقصصت منشأه ومنجمه رأيته من المنوفية، ومن الشرقية ومن البحيرة، ومن الدقهلية ومن القيلوبية، ومن الجيزة ومن المنيا، ومن أسيوط ومن جرجا ومن قنا، ومن هؤلاء جميعا، وهو يلاغي بلغاهم جميعا فترى في لسانه حديث أهل البحيرة، وجشوبة١ منطق أهل الصعيد، فتسمعه إذا نادا "محمدا" قال: "يا محم"، وإذا عبر عن الفم قال: "الخشم". هو ولا شك عصبة أمم تجول في قفطان وجبة.

стр. 417

وإذا حضرك في هذا المقام أن الشياطين تتشكل، فلا يذهب عنك أن الملائكة كذلك تتشكل، وأن أولياء الله يتشكلون، وللأقطاب والأبدال في التشكل أحاديث طوال١. وإذا كنا نحتفل في هذه الدنيا بشخصية واحدة، ونتخذها موضع الحديث فكيف بسبع وثمانين شخصية قوية اتسقت كلها لرجل واحد. ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد

стр. 418

أزهريون لغويون أدباء مدخل ... أزهريون لغويون أدباء: عني الأزهريون باللغة "أو أكثرهم"، فيما عنوا به من أصول النهضة الأدبية عناية بالغة فتوفورا على دراستها، وجدوا في معرفة خفاياها، وأسرارها ومن مظاهر عنايتهم بها دراستهم علم الصرف، فما هو إلا تصريف للكلمات اللغوية، وبيان ما فيها من إعلان، وقلب، وحذق، وغير ذلك. ثم هم قد أكبوا على دراسة غريب القرآن، وغريب الحديث، وغريب الشواهد العربية، وأطالوا البحث في الوقوف على المعاني اللغوية في الأدب العربي بمختلف فنونه، فلذلك هم يقلبون مجفوات ما يرونه من الألفاظ اللغوية للوقوف على معانيها المختلفة، بل هم ينحون إلى اللغة في غير علومها، فتراهم يذكرون بصدد المصطلحات العلمية في شتى العلوم معانيها اللغوية، ويستطردون في شرحها، وترى الشروح والحواشي تتغالى في بيان مدلولاتها، والإفاضة فيها. ومن مظاهر عنايتهم باللغة أيضا تصحيح كتبها، وتحرير معاجمها وقواميسها وتناولها بالنقد والتعليق، والتوسع في ذلك. علاقة اللغة بالأدب: وغير خاف ما بين علم اللغة والأدب من وشيج الصلة، وما يتطلبه الأدب والإضلاع في اللغة والغوص في أسرارها، فإن ذلك يعين على شرح غريب الأدب من شعر أو نثر، ويمكن من تفسير غامضه، وتجلية مبهمة، وقد درج المؤلفون في علم الأدب العربي، المتتبعون نهضته في مظاهرها المختلفة أن يتحدثوا عن اللغة واللغويين، وأن يتقصوا بالدراسة آثارهم، لما بين اللغة والأدب من شديد التآخي. وقد تحدث "ابن خلدون" في مقدمته عن علاقة اللغة بعلم الأدب، فقال

стр. 419

"هذا العلم لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها، وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في فني المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم، فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الكلمة من شعر عالي الطبقة، وسجع متساو في الإجادة، ومسائل من اللغة مبثوثة أثناء ذلك متفرقة يستقري منها الناظر في الغالب معظم قوانين العربية١. على أن هؤلاء الذين نعقد لواء هذا البحث لهم، ونتحدث في هذا الوضع عنهم، لم تكن اللغة وحدها مناط نبوغهم، ومجال تبريزهم، والسمة التي استموا بها وحدها، فهم أدباء مبرزون، وأعلام في البيان مجلون، وما فيهم إلا من هو شاعر معروف أو كاتب مشهور، إلا أن النزعة اللغوية ظهرت في أدبهم، وغلبت على آثارهم، وكانت لهم باللغة شهرة وفي ميدانها سبق، ومن ثم أفردناهم بعنوان وخصصناهم ببحث -وقد جعلناهم بين الكتاب والشعراء لما أنهم واسطة العقد تتنازعهم الناحيتان، ويشرف بهم الفنان معا. هذا وقد سبق لنا الحديث عن جمهرة من المضلعين في اللغة العربية وعلومها فيما بعنوان "الأزهر والتصحيح"، لما أن تصحيحهم الكتب والصحف كان أظهر آثارهم. وسنترجم لأشهر اللغويين الأدباء مبينين فضلهم على النهضة الأدبية وآثارهم اللغوية، مرتبين الكلام عنهم حسب وفاتهم.

стр. 420

الشيخ حسن قويدر الخليلي: المتوفى سنة "١٣٦٢هـ-١٨٤٥م". نشأته وحياته: هو، "حسن بن علي قويدر" كان مولده بمصر سنة ١٢٠٤هـ، وأصل أسرته من المغرب، استوطن أحد أفرادها "الخليل" من بلاد فلسطين، واشتهرت ذريته هناك بالمغاربة، ثم نزح منها إلى "مصر" والده "علي" في تجارة وأقام بها، ووهب المترجم فلما بلغ أشده ألحقه والده بالأزهر لطب العلم فيه، فتلقى العلوم والآداب على كبار شيوخه، وجلة أساتذه من أمثال الشاعر الناثر "الشيخ حسن العطار"، والشيخ "إبراهيم الباجوري"، فتخرج عليهم في اللغة وعلومها والأدب وفنونه، ولا سيما الأول الذي كان من أنبه الأزهريين في الأدب شأنا، وأبعدهم في فنونه صيتا، وكان "لقويدر" رغبة فطرية في الأدب، وهوى للغة وعلومها ومعرفة خفاياها، واكتناه دقائقها فبرع في ذلك وجود، وأنشأ الفصول ونظم الشعر وحرر الرسائل، ودارت بينه وبين كتاب العصر محاورات، ومراسلات وأمه الناشئون من عشاق الأدب والشعر، فأفادوا منه ونشروا فضله. ولم يعرف أن "قويدرًا" شغل منصبا أو زوال عملا حكوميا، ويظهر أنه كان عزوفا عن الوظائف وقيودها فلم يسع لها، وربما واتته دون عناء لو انصرف لها، ولكنه كان يتجر فيما أورثه والده من المال شركة مع بعض السوريين الذين كانوا يرسلون إليه بضاعة سورية، ويرسل إليهم أخرى مصرية. ولم تكن التجارة لتشغله عن العلم والأدب، فنال منهما حظا وافرا وأعطاهما فراغ وقته، فصنف الكتب وشرح المؤلفات.

стр. 421

وكان ﵀ جوادًا سخيًّا يبذل كثيرا مما يفد إليه من ربح تجارته الوارفة الظلال، كما كان عفيفا أمينا يرعى الود ويصون لسانه عن الخوض فيما يؤذي الناس، اللهم إلا إذا استفزه الدفاع عن نفسه، فإن له إذ ذاك لشأنا كما فعل مع "عاقل أفندي" في رسالة "الأغلال والسلاسل". وقد كانت وفاته في شهر رمضان سنة ١٢٦٢هـ، فرثاه الشعراء وبكاه الأدباء، ومنهم تلميذه الشاعر المشهور "محمود صفوت الساعاتي" الذي زعموا أنه رأى قويدرًا" في منامه قبل وفاته بثلاث ليال ميتا، فانتبه قائلًا: رحمة الله على حسن قويدر فحسب ... جملها فكان تاريخا لسنة وفاته١ ٦٤٨ ١١٠٦٦ ١١٨ ٣٢٠ والساعاتي هو الذي رثاه بقوله: بكت عيون العلا وانحطت الرتب ... ومزقت شملها من بعدك الكتب ونكست رأسها الأقلام باكية ... على القراطيس لما ناحت الخطب ويقول فيه أيضا: قالوا قضى حسن المناقب فارثه ... فأجبتهم ومدامعي تتحدر لا أستطيع رثاء من لمصابه ... أضحى لساني في فمي يتعثر نثره: نثر الشيخ "حسن قويدر" يجري مجرى الصنعة، ويبدو عليه أثر التعمل والتكلف، ويلتزم الجناس فلا يفلت منه، وليس بعجيب أن يكون أدبه كذلك وأن يكون طابعه الزخرف والطلاء، وقد كان ذلك أدب العصر، وطريقته الملتزمة على أنه تلميذ "الشيخ حسن العطار"، وثمرة من ثماره، وكان "العطاء" أستاذه ممن يلتزمون السجع في رسائلهم، ويولعون بالصنعة في كتابتهم، وكتاب "إنشاء العطار" على ذلك شهيد.

стр. 422

ولكن "قويدرًا" رغم متابعته للعصر ومسايرته لأستاذه غير ممعن في التعقيد، ولا مفرط في الاستغلاق، بل إن نثره أقرب -على قيوده وتكلفه إلى الوضوح والرصانة. نموذج من نثره: ومن نثره ما قاله في خطبة شرحه لكتاب "ومن شغفي بتلك العرائس الخواطر، حملتني بواعث الخواطر على أن أكتب عليها شرحا، وأبني على دعائمها صرحا، وأشد نطاق البلاغة لها كشحا فوقفت على أقدامي مترددا في تأخري وإقدامي ... وشددت نطاق العزم، وتقلدت بصارم الحزم، وقومت سنان يراعي، وبسطت في حومة هذا الميدان باعي، وإني لأرى التوفيق يقوم أمامي -والعناية تقود زمامي". شعره: شعر "قويدر" يميل إلى الزخرف والطلاء، ولكنه يتفاوت قوة وضعفا حسب إغراقه في التكلف، أو لطفه في تناوله، "وكلما كان أكثر تعملا كان أكثر تعقيدا، وهو غير ملتزم طريقة واحدة، ولا نهجا واحدا. فمن شعره الذي يميل إلى السهولة، ولا يغرق في المحسن والصنعة، ما قاله ناصحًا. يا طالب النصح خذ مني محبرة ... تلقى إليها على الرغم المقاليد عروسة من بنات الفكر قد كسيت ... ملاحة ولها في الخد توريد كأنها وهي بالأمثال ناطقة ... طير له في صميم القلب تغريد احفظ لسانك من لغظ ومن غلط ... كل البء بهذا العضو مرصود واحذر من الناس لا تركن إلى أحد ... فالخل في مثل هذا العصر مفقود بواطن الناس في ذا الدهر قد فسدت ... فالشر طبع لهم والخير تقليد

стр. 423

هذا زمان لقد سادت أراذله ... قلنا لهم: هذه أيامكم "سودوا" ويقول في شرحه على منظومة "العطار" منظومة الفاضل العطار قد عبقت ... منها القلوب بريا نكهة عطره لو لم تكن روضة في النحو يانعة ... لما جنى الفكر منها هذه الثمرة في ظلمة الجهل لو أبدت محاسنها ... والليل داج أرانا وجهه قمره قالوا جواهر لفظ قلت: لا عجب ... بحر البلاغة قد أهدى لنا درره فأنت ترى أن تخفيفه من المحسنات البديعة أكسب شعره طلاوة، ولم ينفر الذوق منه، أو تتصرف النفس عنه. ومما قاله وأسرف في الجناس فيه قوله: فشمر الغصن عن الساق وقد ... جرد سيفا لرقابهم وقد وقال جمري بكلامكم وقد ... أنا الذي أشبه أعطافا وقد أحملكم وتجهلون قدري "فقد" دارت كلمة "وقد" في هذه الأشطر خمس مرات بالواو وبغيرها، فكانت حرفا مقرونا بالواو في الشطر الأول، أما قوله: "وقد" في الشطر الثاني، فيحتمل أن يكون اسما بمعنى النار واقعا صفة لسيفًا أي سيفًا وهو النار لرقابهم، وأن يكون فعلا بمعنى اتقد أي سيفا اتقد، وقوله بكلامكم "وقد" محتمل أيضا المعنيين أي جمري نار أو اتقد، وقوله في الشطر الرابع: أشبه أعطافا، وقد جاءت فيه هذه الكلمة على معناها الحرفي مع الاقتران بالواو، وقد الأخيرة جزء من قدر المضاف إلى ياء المتكلم. فقد أرهق الشاعر نفسه وشعره بهذه الكلمة التي وضعها خمس مرات في خمسة أسطر وضعا مختلفا فيه تهافت عبث بالمعنى وعقده، وتكلف ذهب بجمال الشعر وأفسده. ولقويدر مزدوجات افتن في صياغتها، وبرع في نظمها إلا أنها محتملة كثيرًا

стр. 424

من التكلف موسومة بالنزعة العلمية في غير موضع، ومنها قوله: رأيت بدرا فوق غصن مائس ... يخطر في خضر من الملابس ويسحل العقل بطرف ناعس ... وهو بشوش الوجه غير عابس كأن ماء الحسن منه يجري خاطرت لما أن رأيته خطر ... وحار فكري في بها ذاك الحور وقلت: لا والله ما هذا بشر ... ومن بشمس قاسه أو بقمر فليس عندي بالقياس يدري وكلمة القياس هنا من مصطلح علم المنطق الذي تأثر الشاعر به. فلفظه العذب لقلبي قوت ... كأنه الدر أو الياقوت وسحره إلى السهى "مثبوت" ... يعجز عن مثاله هاروت وهو الحلال من صنوف السحر الحسن شيء ما له مثيل ... وكل وجه حازه جميل والنفس دائما له تميل ... وصاحب العز له ذليل في قيد أسر نهيه والأمر والنهي والأمر كلاهما من مصطلح علم النحو كما ترى، وشعره متفرق لم يجمع في ديوان. آثاره العلمية والأدبية: للشيخ "حسن قويدر" آثار لغوية قيمة ومؤلفات أدبية جليلة، غير أن كثيرًا من هذه الثروة القيمة لا يزال مخطوطا لم يطبع، وكثير منها عبثت به الأيام، فحرمت الانتفاع به الأفهام والأقلام -ومن أهم هذه المؤلفات:

стр. 425

نيل الأرب في مثلثات العرب: وهو كتاب جليل جمع فيه المؤلف ما يثلث من الألفاظ العربية بالحركات نظمه في أرجوزة حسنة السبك محكمة النظم يقول في مطلعها: يقول من أساء واسمه حسن ... لكن له ظن بمولاه حسن فكم لمولاه من منن ... بالعد لا تدخل تحت الحصر وهي سهلة الحفظ واضحة غير معقدة، وبهامشها فوائد قيمة فيها غنية لكل أديب، طبعت بمصر سنة ١٣٠٢، وفي صدرها ترجمة للمؤلف بقلم الأستاذ "محمد فني"، وترجمت هذه المثلثات إلى اللغة الإيطالية بقلم "فيتو" المستعرب وطبعت الترجمة في بيروت١. ويقول في مقدمتها: جمعت فيها الكلمات اللاتي ... تكون في الشكل مثلثات أبدأ بالمفتوح ثم آتي ... بالضم لكن بعد ذكر الكسر ثم يقول: رتبتها كمعجم على الولا ... معتبر اللباب حرفا أولا بذا أتت غريبة في الوضع ... يعشها كل رقيق الطبع وعدد أبياتها ٢٢١ بيتا. ومن مؤلفاته شرح منظومة العطار: وهي منظومة في النحو أستاذه الشيخ "حسن العطار"، وقد شرحها
следующие страницы →