وكان ﵀ جوادًا سخيًّا يبذل كثيرا مما يفد إليه من ربح تجارته الوارفة الظلال، كما كان عفيفا أمينا يرعى الود ويصون لسانه عن الخوض فيما يؤذي الناس، اللهم إلا إذا استفزه الدفاع عن نفسه، فإن له إذ ذاك لشأنا كما فعل مع "عاقل أفندي" في رسالة "الأغلال والسلاسل".
وقد كانت وفاته في شهر رمضان سنة ١٢٦٢هـ، فرثاه الشعراء وبكاه الأدباء، ومنهم تلميذه الشاعر المشهور "محمود صفوت الساعاتي" الذي زعموا أنه رأى قويدرًا" في منامه قبل وفاته بثلاث ليال ميتا، فانتبه قائلًا:
رحمة الله على حسن قويدر فحسب ... جملها فكان تاريخا لسنة وفاته١
٦٤٨ ١١٠٦٦ ١١٨ ٣٢٠
والساعاتي هو الذي رثاه بقوله:
بكت عيون العلا وانحطت الرتب ... ومزقت شملها من بعدك الكتب
ونكست رأسها الأقلام باكية ... على القراطيس لما ناحت الخطب
ويقول فيه أيضا:
قالوا قضى حسن المناقب فارثه ... فأجبتهم ومدامعي تتحدر
لا أستطيع رثاء من لمصابه ... أضحى لساني في فمي يتعثر
نثره:
نثر الشيخ "حسن قويدر" يجري مجرى الصنعة، ويبدو عليه أثر التعمل والتكلف، ويلتزم الجناس فلا يفلت منه، وليس بعجيب أن يكون أدبه كذلك وأن يكون طابعه الزخرف والطلاء، وقد كان ذلك أدب العصر، وطريقته الملتزمة على أنه تلميذ "الشيخ حسن العطار"، وثمرة من ثماره، وكان "العطاء" أستاذه ممن يلتزمون السجع في رسائلهم، ويولعون بالصنعة في كتابتهم، وكتاب "إنشاء العطار" على ذلك شهيد.
стр. 422
ولكن "قويدرًا" رغم متابعته للعصر ومسايرته لأستاذه غير ممعن في التعقيد، ولا مفرط في الاستغلاق، بل إن نثره أقرب -على قيوده وتكلفه إلى الوضوح والرصانة.
نموذج من نثره:
ومن نثره ما قاله في خطبة شرحه لكتاب
"ومن شغفي بتلك العرائس الخواطر، حملتني بواعث الخواطر على أن أكتب عليها شرحا، وأبني على دعائمها صرحا، وأشد نطاق البلاغة لها كشحا فوقفت على أقدامي مترددا في تأخري وإقدامي ... وشددت نطاق العزم، وتقلدت بصارم الحزم، وقومت سنان يراعي، وبسطت في حومة هذا الميدان باعي، وإني لأرى التوفيق يقوم أمامي -والعناية تقود زمامي".
شعره:
شعر "قويدر" يميل إلى الزخرف والطلاء، ولكنه يتفاوت قوة وضعفا حسب إغراقه في التكلف، أو لطفه في تناوله، "وكلما كان أكثر تعملا كان أكثر تعقيدا، وهو غير ملتزم طريقة واحدة، ولا نهجا واحدا.
فمن شعره الذي يميل إلى السهولة، ولا يغرق في المحسن والصنعة، ما قاله ناصحًا.
يا طالب النصح خذ مني محبرة ... تلقى إليها على الرغم المقاليد
عروسة من بنات الفكر قد كسيت ... ملاحة ولها في الخد توريد
كأنها وهي بالأمثال ناطقة ... طير له في صميم القلب تغريد
احفظ لسانك من لغظ ومن غلط ... كل البء بهذا العضو مرصود
واحذر من الناس لا تركن إلى أحد ... فالخل في مثل هذا العصر مفقود
بواطن الناس في ذا الدهر قد فسدت ... فالشر طبع لهم والخير تقليد
стр. 423
هذا زمان لقد سادت أراذله ... قلنا لهم: هذه أيامكم "سودوا"
ويقول في شرحه على منظومة "العطار"
منظومة الفاضل العطار قد عبقت ... منها القلوب بريا نكهة عطره
لو لم تكن روضة في النحو يانعة ... لما جنى الفكر منها هذه الثمرة
في ظلمة الجهل لو أبدت محاسنها ... والليل داج أرانا وجهه قمره
قالوا جواهر لفظ قلت: لا عجب ... بحر البلاغة قد أهدى لنا درره
فأنت ترى أن تخفيفه من المحسنات البديعة أكسب شعره طلاوة، ولم ينفر الذوق منه، أو تتصرف النفس عنه.
ومما قاله وأسرف في الجناس فيه قوله:
فشمر الغصن عن الساق وقد ... جرد سيفا لرقابهم وقد
وقال جمري بكلامكم وقد ... أنا الذي أشبه أعطافا وقد
أحملكم وتجهلون قدري
"فقد" دارت كلمة "وقد" في هذه الأشطر خمس مرات بالواو وبغيرها، فكانت حرفا مقرونا بالواو في الشطر الأول، أما قوله: "وقد" في الشطر الثاني، فيحتمل أن يكون اسما بمعنى النار واقعا صفة لسيفًا أي سيفًا وهو النار لرقابهم، وأن يكون فعلا بمعنى اتقد أي سيفا اتقد، وقوله بكلامكم "وقد" محتمل أيضا المعنيين أي جمري نار أو اتقد، وقوله في الشطر الرابع: أشبه أعطافا، وقد جاءت فيه هذه الكلمة على معناها الحرفي مع الاقتران بالواو، وقد الأخيرة جزء من قدر المضاف إلى ياء المتكلم.
فقد أرهق الشاعر نفسه وشعره بهذه الكلمة التي وضعها خمس مرات في خمسة أسطر وضعا مختلفا فيه تهافت عبث بالمعنى وعقده، وتكلف ذهب بجمال الشعر وأفسده.
ولقويدر مزدوجات افتن في صياغتها، وبرع في نظمها إلا أنها محتملة كثيرًا
стр. 424
من التكلف موسومة بالنزعة العلمية في غير موضع، ومنها قوله:
رأيت بدرا فوق غصن مائس ... يخطر في خضر من الملابس
ويسحل العقل بطرف ناعس ... وهو بشوش الوجه غير عابس
كأن ماء الحسن منه يجري
خاطرت لما أن رأيته خطر ... وحار فكري في بها ذاك الحور
وقلت: لا والله ما هذا بشر ... ومن بشمس قاسه أو بقمر
فليس عندي بالقياس يدري
وكلمة القياس هنا من مصطلح علم المنطق الذي تأثر الشاعر به.
فلفظه العذب لقلبي قوت ... كأنه الدر أو الياقوت
وسحره إلى السهى "مثبوت" ... يعجز عن مثاله هاروت
وهو الحلال من صنوف السحر
الحسن شيء ما له مثيل ... وكل وجه حازه جميل
والنفس دائما له تميل ... وصاحب العز له ذليل
في قيد أسر نهيه والأمر
والنهي والأمر كلاهما من مصطلح علم النحو كما ترى، وشعره متفرق لم يجمع في ديوان.
آثاره العلمية والأدبية:
للشيخ "حسن قويدر" آثار لغوية قيمة ومؤلفات أدبية جليلة، غير أن كثيرًا من هذه الثروة القيمة لا يزال مخطوطا لم يطبع، وكثير منها عبثت به الأيام، فحرمت الانتفاع به الأفهام والأقلام -ومن أهم هذه المؤلفات:
стр. 425
نيل الأرب في مثلثات العرب:
وهو كتاب جليل جمع فيه المؤلف ما يثلث من الألفاظ العربية بالحركات نظمه في أرجوزة حسنة السبك محكمة النظم يقول في مطلعها:
يقول من أساء واسمه حسن ... لكن له ظن بمولاه حسن
فكم لمولاه من منن ... بالعد لا تدخل تحت الحصر
وهي سهلة الحفظ واضحة غير معقدة، وبهامشها فوائد قيمة فيها غنية لكل أديب، طبعت بمصر سنة ١٣٠٢، وفي صدرها ترجمة للمؤلف بقلم الأستاذ "محمد فني"، وترجمت هذه المثلثات إلى اللغة الإيطالية بقلم "فيتو" المستعرب وطبعت الترجمة في بيروت١.
ويقول في مقدمتها:
جمعت فيها الكلمات اللاتي ... تكون في الشكل مثلثات
أبدأ بالمفتوح ثم آتي ... بالضم لكن بعد ذكر الكسر
ثم يقول:
رتبتها كمعجم على الولا ... معتبر اللباب حرفا أولا
بذا أتت غريبة في الوضع ... يعشها كل رقيق الطبع
وعدد أبياتها ٢٢١ بيتا.
ومن مؤلفاته شرح منظومة العطار:
وهي منظومة في النحو أستاذه الشيخ "حسن العطار"، وقد شرحها
стр. 426
هو شرحا دقيقا قيما، والمنظومة مشهورة يتداولها أبناء الأزهر.
وله كتاب يسمى "زهر النبات في الإنشاء والمراسلات" غير مطبوع.
وشرح على مزدوجته البديعة غير مطبوع أيضا، ويقال: إنه كان واقعا في مائة ونيف كراسة ذهبت بها الأيام١.
هذا عدا شعره المتفرق ومزودجته المطبوعة المتداولة بين الأدباء.
стр. 427
الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري:
المتوفى سنة "١٣٠٦هـ-١٨٨٨م":
نشأته وحياته:
هو، "عبد الهادي" بن "السيد رضوان" نجا الإبياري نسبة إلى "إبيار" إحدى قرى الغربية الشهيرة، ولد بها سنة ١٢٣٦هـ ١٨٢١م، وما أن تعلم القراءة والكتابة حتى دفعه هواه إلى المطالعة والدرس، وكان والده أحد علماء الأزهر وفضلائه، فلما تنسم ذلك الميل فيه شرع يلقنه العلم، ويعبد له طريق الأدب وعلوم العربية، فبلغ منها في زمن يسير الحظ الموفور، وقد حدث المترجم أنه حضر على والده "في الحديث الجامع الصغير والبخاري والمواهب، وفي التفسير الجلالين، وفي الفقه إلى المنهج، وفي النحو إلى الأشموني، وفي الفرائض والتوحيد وغيرها جملة١.
وألحقه والده بالأزهر فتلقى علومه على الأساتذة الفحول أمثال الشيخ "محمد الباجوري"، والشيخ "محمد الدمنهوري"، والشيخ "محمد عليش" شيخ المالكية وغيرهم.
وقد نبغ في سائر العلوم الأزهرية من دينية ولسانية، وكان دائم الجد موصول الاطلاع لا يشغله عن التوفر على العلم شاغل حتى ذاع صيته، وتحدث الناس بعلمه وأدبه وفضله، وأنهى إلى مسامع الخديو "إسماعيل" علو شأنه فاستقدمه، وأثنى عليه وعهد إليه في تعليم أنجاله خاصة، وفيهم "توفيق" فثقفهم وعلمهم الآداب العربية، وأدى ما كلف القيام به أبلغ أداء.
ولم يكن ذلك ليصرفه عن التدريس في الأزهر، ومجالس العلم والأدب
стр. 428
يعقدها في بيته، ويأوي إليها النابهون ممن كان لهم بعد شأن، يذكر كالشيخ "حسن الطويل"، والشيخ "محمد البسيوني البيباني".
ويؤخذ مما كتبه في بعض رسائله أن الود بينه، وبين "إسماعيل صديق باشا" الشهير "بالمفتش" لم يكن ثابت الدعائم، ومن ثم ألقى في نفس الخديو ما أغضبه، فأوعز الخديو إلى بعض خاصته أن يكتب إليه ليرحل عن القاهرة، فأقام ببلده حتى نكب "إسماعيل صديق"، فعاد الخديو فاستدعاه، وغمره بفضله.
ولما ولي الخديو "توفيق" عرش مصر بعد "إسماعيل" لم ينس فضل أستاذه عليه، فأدناه منه وقربه إليه وأجله، وأحله رفيع المكانة وأقامه للمعية مفتيا وإمامًا، فظل كذلك حتى استأثر الله به.
مواهبه:
عرف الشيخ "عبد الهادي نجا" في عصره بغزارة العلم وسعة المادة، والتبحر في اللغة وعلومها، حتى كان ثقة يرجع إليه في حل المشكلات١.
وهو إلى جانب هذا "الشاعر الناثر الحافظ الماهر٢".
وقد طارت شهرته في العالم العربي كله فدارت المكاتبات والمراسلات بينه وبين العلماء والأدباء، والشعراء من أمثال الشيخ "الأحدب"، والشيخ "أحمد فارس الشدياق"، والشيخ "ناصيف اليازجي"، وغيرهم.
وكانت له أياد غر، وأقلام حداد في فنون الأدب العربي تذكر له بالشكر، وتؤثر بالثناء٣.
стр. 429
نثره:
مسرف في التكلف مولع بالصنعة مفتون بالزخرف والطلاء حريص على السجع مفرط فيه مترصد له يجتهد في حشد المحسنات البديعة، ولو نبا بها الكلام، ومن ثم مال أسلوبه إلى الإغراب، وجنح إلى التعقيد، وربما ضلت الفكرة في ثنايا ما تهالك عليه من هذا التعمل، ولو أنه ارتضى لنفسه السهولة والوضوح، وآثر البعد عن ذلك التكلف، أو مسه برفق لكان له من غزارة مادته ومن كرم موهبته ما يسمو به إلى مصاف الكتاب البارزين الذين ترتاح النفوس لأدبهم، ولكنه أغرق في مجاراة العصر وغالى في متابعته.
فمن نشره ما كتبه إلى الشيخ "الأحدب":
"السيد حفظه الله شيخ الأحدب، وفارسه الذي من خطاه في حلبته، فقد أخطأ وأساء الأدب، كيف لا وهو الذي بنى قصوره وشيدها، وبين معالمه بعد الأندراس وجددها، ورفع في سبيل البيان مناره، ونصب أعلامه ابتداء ورفع أخباره، وجلى عرائسه للخطاب من الخطبا، وأبرز خرائده من الخدور أترابا عربا، وتجمل بتفصيل ما أجمل من جمله، وتفضل بتبيين ما تشابه منه توضيحا لسبله، واستخرج من معدنه إبريزه فصفاه، واستنتج ما ترشحت به العضلاء عن نتائج قضاياه، إذ تمكن من تصريف رياح المعاني، فهي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، وتميز من بين سادة العصر بأنه من أتاه الله الحكمة وفصل الخطاب، فمتى فاه فاح عرف الحكم، ورأيت لسان الحال له بالتفرد في لسان العرب قد حكم.
..... إلى أن قال وبعد
فما هذه الرسالة البديعة المثال البعيدة المنال؟ اللآلئ في نحور حور أم كواكب مشرقة في ديجور، وحدائق أزهار، أم رقائق أشعار، ومعاني كواكب أتراب، أم معاني فرائد آداب، وثغور باسمة عن جمان، أم زهور بديع في رياض بيان؟ ... إلخ.
стр. 430
ومن رسالة كتبها إلى "السيد الحلواني".
سيد ما الذي أوجب تناسيك لحبك الذي لم ينس لعهدك، والذي لا يزال على ممر الأيام يرقب إلك ويرعى ودك، وما الذي توهمته في صديقك الفقير الصادق، حتى قطعت صدقات رسائلك عنه، وهو بها وامق وبك واثق سيدي ما هذا التجني، والإغضاء عني، سيدي ما لعرائس كتبك عني استأخرت ولأوانس فضلك مني استنفرت، وأني بها لرءوف، شغوف بحسنها الشفوف.
فأنت ترى أنه حريص على الجناس حتى ليحتال عليه ليوقعه في الكلمتين المتجاورتين مع تهافته على الطباق، وتصيده ما استطاع من المجاز قبل أو نبا وتهالكه على الاستعارة، ولو مجها الذوق كقوله في الرسالة الأولى تمكن من تصريف رياح المعاني، وهو أيضا كثير الاقتباس من القرآن ليحلي به رسائله، وتدور في كتابته المصطلحات العلمية متأثرًا بها، ثم إذا نظرت في كلامه الذي يطول لم تجد فيه رفيع معنى ولا كبير غناء، إنما هي ألفاظ محشودة، للتقريظ وترادف متصل أعانه عليه غزارة مادة اللغة، وتمكنه من أسرارها ودقائقها.
شعره:
وشعره ميدان يتبارى فيه بحشد الزخرف اللفظي، والمحسن البديعي ما عبدت له طريقه وأرخى له عنانه، وقد عبث هذا الطلاء الذي يكلف به بالمعنى الشعري وضلت الفكرة في بيداء صنعته المسرفة، ويلوح من تهالكه على المحسنات، وإفراطه فيما يتناوله من المجاز، والاستعارة أن ذلك مقصده الأسمى من الشعر وأنه لا شيء من التصوير الشعري بذي بال عنده، وذلك مما لم يدع شيئا من شعره يستهوي النفوس، وتتروح منه نسيم الشاعرية.
فمن شعره ما قاله متغزلا:
اقطف ورود خدود الغيد بالقبل ... وقل وفاء بحق للهوى قبلي
стр. 431
واخلع عذارك في خال العذار ولا ... تبال فالعذر عند الخال منه خلي١
وكن على حذر من أسهم عرضت ... لمن تعرض للألحاظ والمقل
من أعين ما رنت ألا رمت مهجا ... تبيت في وهج منها وفي وهل٢
تحيك ما غزلت ثوب الضنا فترى ... منها الحماسة للألفاظ في الغزل
واهصر قد ودا زهت ممشوقة فغدت ... معشوقة لغصون البان والأسل٣
واضمم فؤادك فوق الحصر مختصرًا ... واجعل لنفسك كفلا ما من الكفل٤
وان تشأ فارتشف من مبسم ضربا ... ولا تخف ضرب جد الشارب المثل٥
وكرر الرشف تشف النفس من كيد ... وتطف من كبد نارا من القلل٦
فهذه الأبيات لا يعفيك بيت واحد منها من محسن بديعي، ولا يخلو أحدها من جناس خف أو ثقل، وقد يتكرر تبعا لضرورة الشاعر، وهي بعد ذلك خالية من الخيال الشعري الخصيب، والروعة الشعرية التي تستهوي النفوس -غير أن مادته اللغوية من أهم الأسباب التي مكنته من الألفاظ يصرفها على مقتضى هواه، ومن ثم لم يعدم الجناس لتوفر مادته.
ومما قاله موجها إلى الشيخ "ناصيف اليازجي:-
بنصيف قد أنصف الدهر بيرو ... ت فأضحت تتيه في ثوب سؤدد
ولئن أصبحت تفاخر كل المـ ... ـدن أضحى لعمري الحال يشهد
ما سمعنا بمثله عيسوبا ... يتحدى بمثل معجز أحمد
стр. 432
نظم الدر والدراري في أحسـ ... ـن سمط من البيان ومهد
ألمعي لكنه عيسوي ... كان أولى بفضل دين محمد
لو تروى ارتووى بكوثره العذ ... ب وأروى ظماء من بات يجحد
حكم مولى يقضي علينا بما شا ... ء تعالى عن التولد سرمد
دم حليف العلا نصيف بفضل ... لا يوازي وحسن حمد مؤيد
والشاعر في هذه الأبيات أقل تهافتا على المحسنات، ومن ثم كانت أغزر معنى وأوضح غرضا، وأشهى مذاقا مع قلة حظها من الروعة.
وكثرا ما يخضع الشعر للعلم، فيقيد به مسائله ويودعه جواب سؤال، أو دفع إشكال كما جاء في كتابه "عقود الكواكب الدرية"، قوله:-
ويقضي واجب قد فات إلا ... بعشر قد أتت كالدر نظما
فناذر حج دهر فات عاما ... وناذر صوم دهر فات يوما
ونذر صلاة أول وقتها في ... أواخره بها يوما ألما
وإحرام لداخل مكة إن ... نقل هو لازم من رام حتما
وناذر أن يحرر كل عبد ... له والبعض مات ففات رغما
ومن بجماع أفسد حجة ثـ ... ـم أفسد للقضا لم يقض حزما
وناذر التصدق كل يوم ... بفاضل قوته فرآه عدما
آثاره العلمية:
له آثار كثيرة يذكر "علي مبارك باشا" في خططه أنها تنيف عن أربعين كتابا منها.
سعود المطالع:
فقد كان للأبياري رسالة تضمنت لغزًا في اسم الخديو "إسماعيل"، فأودع كتاب "سعود المطالع" شرح هذه الرسالة، وحل ذلك اللغز الذي تعجب إذ تراه استخراج منه خمسة وأربعين فنا على نسق غريب، وهو كتاب قيم
стр. 433
دل على قدرة مؤلفه، ووقوفه على شوارد اللغة وأسرارها، وهو واقع في سفرين كبيرين مطبوع في مطبعة بولاق سنة ١٢٣٨هـ.
النجم الثاقب:
كتاب وضعه في الفصل بين صحيفة "البرجيس" التي كان يحررها بالعربية في باريس المرحوم "سليمان الحريري التونسي"، وصحيفة "الجوانب" التي أنشأها الشيخ "أحمد فارس" في الآستانة، وذلك في مؤاخذات لغوية، وانتصارت في فنون إنشائية حكم "الإبياري" فيها بالتبريز لمنشيء الجوانب على محرر البرجيس، وقد طبع هذا الكتاب على الحجر سنة ١٢٧٩هـ.
الوسائل الأدبية في الرسائل الأحدبية:
وهو كتاب يضم طائفة من مراسلاته الأدبية، وما وقع بينه وبين الأدباء المعاصرين من مراسلات ومكاتبات، ولا سيما الشيخ "الأحدب" و"السيد الحلواني" طبع سنة ١٣٠١هـ -وقد صدره بخطبة ابتدأها بقوله: الحمد لله الذي أنزل علينا كتابا نقرأه، وبشرنا بأنه تعالى على ممر الأيام يكلأه، والصلاة والسلام على من حثت رسالته على اتباع ملة إبراهيم، وأوتي من البلاغة والفصاحة ما لم يبلغ أحد من العالمين مبلغه العظيم، وعلى آله الأجلة، وصحبه الذين حذوا من الفضل حله، ثم يقول:
وأبهى ما ورد به خد الكتابة والخطابة ما دار بيني وبين نادرة العصر، الذي تفعل آدابه البديعة بالعقول ما لا تفعله سلافة العصر، حضرة المولى الأجل أديب الشام "السيد إبراهيم الأحدب" بلغه الله من الحظوظ كل مطلب، فأليكها عرائس مجلوة، من كشف لثامها، ورشف رضابها استكمل الظرف والفتوه موسومة بالوسائل الأدبية في الرسائل الأحدبية، واستطردت في خلالها ببعض ما كتب لي من أبناء العصر أو كتبته لبعض، مما رأيت أن ترك قيده عبث محض، وربما فسرت في خلال بعض الرسائل ما أودعته فيها من الإشارات لبعض المسائل الحكمية، وأوضحت ما أومأت إليه من
стр. 434
الفوائد التاريخية والأدبية والكتاب يقع في خمسين ومائة صفحة تقريبا من القطع المتوسط.
نفحة الأكمام في مثلث الكلام:
وهو نظم رقيق يشتمل على الكلمات العربية المستعملة بفتح أولها وكسره وضمه -يقول في مقدمته:-
قد نظمت منه ما وجدته ... مثلثا من بعد أن هذبته
وما تركت حسبما ظننته ... شيئا وإن كان فبعض النزر
معولا على أصول الأسما ... وتارك المختلفات رسما
كمثل واوي مع بائي إذ ما ... هذا مثلث على ما أدري
وهو يبدأ بذكر المفتوح، ثم المكسور ثم المضموم كما قال:-
أبدأ بالمفتوح فيها أولا ... وبعده ذو الكسر فالضم ولا
ثم أزيد البعض منها حيث لا ... حاجة للتكميل حسب اليسر
وربما تركت ما قد اشتهر ... من المعاني أن يكن ثم أخر
رتبتها على الحروف للنظر ... فيها لدى الحاجة لا بعسر
والنظم واقع في ١١٩ صفحة، وتم طبعه في السادس عشر من جمادى الأولى سنة ست وسبعين ومائتين وألف من الهجرة.
وله متن "الكواكب الدرية" في نظم الضوابط العلمية لعلوم وفنون مختلفة
بذل فيه من العناء والتدقيق ما يستحق العجب، فإنه ضبط مسائل في الفقه والنحو والصرف واللغة والسيرة والتاريخ والفلك، وغيرها في نظم دقيق بارع دل على قدرة ناظمه، وتبحره في شتى العلوم، وفي آخره ما نصه كتبه ناظمه الفقير إلى رحمة سيده الغني "عبد الهادي نجا الإبياري" الشافعي، غفر الله له ولوالديه والمسلمين آمين، في يوم الجمعة الحادي والعشرين من
стр. 435
شعبان سنة ١٢٩٩ تسع وتسعين ومائتين وألف".
وله "كتاب المواكب العلية في توضيح الكواكب الدرية في الضوابط العلمية"،
وهو كتاب قيم شيح به هذا المتن شرحًا دقيقا مستفيضا دالا على قدرته في علوم
شتى.
والمتن والشرح مطبوعان في سفر واحد
وله "باب الفتوح لمعرفة أحوال الروح":
وهو كتاب يبحث في أمر الروح وحكمة خلقها قبل الأجساد، وأصل نشأتها هذه الأمور التي كان المؤلف دائم التفكير فيها ضيق الصدر بها حتى أسفر له من الهند كتاب الأسفار للصدر الشيرازي، وفيه من ذلك فوائد جمة وفرائد مهمة إلا أنها متفرقة فيه أيدي سبا؛ بعبارات صعبة تشتت بها أفكار من لها صبا، فلخصها المؤلف وقربها للأفهام، وضم بعضها إلى بعض مراجعا في ذلك كتاب جليلة كالمواقف وشرحه والطوالع، وشرح الإشارات وكشاف الاصطلاحات والمقاصد والتفسير والكبير، وكبير اللقاني على جوهرته وغير ذلك، فاجتمع عنده من كل ذلك ما شفى غليله، وأودعه هذا الكتاب القيم، وهو مطبوع بالمبطعة الخيرية سنة ١٣٠٤هـ، واقع في ستة وتسعين ومائة صفحة من القطع المتوسط.
وله غير ذلك كتاب "نيل الأماني في توضيح مقدمة القسطلاني"
والقصر المبني على حواشي المغني:
"ودروق الأنداد في أسماء الأضداد" جمع فيه أسماء الأضداد يقول عنه، وهو كتاب جمعت فيه أسماء الأضداد، ونظمتها في بسيطية سميتها دروق الأنداد في أسماء الأضداد١.
стр. 436
وله "ترويح النفوس على حواشي القاموس" و"صحيح المعاني في شرح منظومة البيباني، ورشف الرغاب في المصطلح أيضا، و"الحديقة في البيان"، ولها شرحان "وشرح كشف النقاب" "وزهرة الروابي" شرح وضعية الإنبابي "والمورد الهني" "وشرحه سرور المغني" "والفواكه الجنوية في الفوائد النحوية" "وسعود القرآن في نظم مشترك القرآن" "والثغر الباسم" في مختصر حاشية الباجوري على ابن قاسم "وزكاة الصيام في إرشاد العوام" "وفاكهة الإخوان في مجالس رمضان" "والبهجة التوفيقية في اللغة والأدب"، "وزهرة الحمدلة في الكلام على البسملة" "وحاشية حصن الحصين في علم الحديث"، "وحجة المتكلم على متن مختصر النووي لصحيح مسلم".
هذه آثار أدبية ولغوية دالة على أبلغ قدره، وأعظم براعة وأغزر مادة، ولو أن هذه الكتب القيمة كانت مطبوعة معبدة السبيل لكان فيها أعظم النفع، وأبلغ الجدوى، ولكن كثيرًا منها لا يزال مخطوطا رهن مكتبة المؤلف.
стр. 437
الشيخ حسين المرصفي:
المتوفى سنة ١٣٠٧هـ-١٨٨٩م:
نشأته وحياته:
هو، الشيخ "حسين المرصفي" نسبة إلى "مرصفا" بلده بالقليوبية أنجبت بجمهرة من أعلام الفقه واللغة والأدب، وكان والده الشيخ "أحمد حسين المرصفي" من أئمة العلم في عصره.
ولد المترجم له في مصر ونشأ بها، وبعد أن أتم حفظ القرآن التحق بالجامع الأزهر، فتلقى العلم على كبار شيوخه، وما زال يكد، ويبحث حتى صار من العلماء الفحول، وتصدر للتدريس، فقرأ بالأزهر أمهات الكتب في العلوم العربية كمغني اللبيب في النحو لابن هشام.
وكان ﵀ مكفوف البصر، وقد عرف منذ صغره بحدة الذهن، وتوقد الذكاء، وإذا صح ما قيل من أن والده حفظ القرآن في ستة أشهر، فإن ذكاءه موروث عن أبيه، وكان إلى ذلك جادا مثابرا شديد التوافر على كتب الأدب يرتوي من محاسنها، ويستظهر من روائعها، لم يسترح إلى الأدب الشائع في عصره ولم يرقه نهجه، بل كان من أوائل من تفطنوا في هذه البلاد إلى قدر الأدب القديم١.
وكان من حبه للأدب العربي القديم، وقدرته على تفهم أسراره، وتذوق بلاغته يقرأ كثيرًا في كتب البلاغة العربية، ودواوين الشعراء الفحول ويبذل جهده في استظهار ما يهتز له، ويجيل قلمه على غرار ما بهره من هذه الآداب حتى استقام له بيانه الرصين.
وكان إلى جانب هواه بالأدب شديد الميل إلى العلوم العربية، دائم البحث
стр. 438
في أسرارها وتفهم دقائقها، واكتناه خفاياها حتى صار في العلم بها حجة ثبتا.
وقد قرأ الخط العربي والفرنسي في أقرب زمن مع انكفاف بصره، وهو حروف اصطلح عليها اصطلاحا جديدا تدرك بالجس باليد١.
وتولى تدريس الأدب وعلوم العربية بمدرسة دار العلوم، وتخرج على يديه طليعة الناهضين من أبنائها الشعراء والأدباء.
أثره في النهضة الأدبية:
الشيخ "حسين المرصفي" شيخ الأدباء في ذلك العصر، وأستاذ الطبقة الأولى من دار العلوم، فقد تخرج عليه طلائع النابهين في هذه المدرسة من أمثال "حفني بك ناصف"، وأترابه.
وكان قبلة الشعراء والأدباء في هذا العصر ينهلون من علمه، وأدبه، وينتفعون بتوجيهه وإرشاده، صاحبه ولازمه أعيان البيان العربي، فعرضوا عليه منظومهم ومنشورهم فنقح ما شاء له ذوقه وعلمه، وهذب كثيرا من بيانهم، وراضهم على ما تهدي إليه من الأدب العربي القديم الرصين.
انتفع بتوجيهه "عبد الله فكري باشا"، فكان أحد تلامذته الذين أفادوا منه، بل إن "البارودي" نفسه، وهو زعيم النهضة الشعرية، ورافع لوائها في العصر الحاضر كان أحد تلامذته الذين صاحبوه ولازموه، علم المرصفي زعيم الشعراء اللغة العربية الفصيحة، وهداه إلى الأساليب المجودة الفحلة، وعرض عليه شعره فهذبته قريحته التي صقلها الأدب العربي وطبعها بطابعه الجميل، وإن لصلة البارودي به لحديثا طريفا نمر به سراعا، ولكنا أفضنا فيه حين تكلمنا عن شعر الأزهر، وكيف أن الأزهريين كانوا أساتذة زعماء الشعر في العصر الحاضر.
وكان من أثره في الأدب فصوله الممتعة التي كان ينشرها في صحيفة
стр. 439
"روضة المدارس"، فقد رسم بها للأدباء أمثل الطرق في ممارسة البيان العربي الجزل، وكان قدوة الكاتبين بطريقته العذبة التي تجمع بين الجزالة والسهولة.
أما أسلوبه فطلي رصين واضح فصيح لا يلم بالسجع إلا إلماما، ولا تستهويه الصنعة التي يكلف بها أصحاب الأدب الفارغ، فيستروا بزخرفها نقص أدبهم وفراغه، وهو في سلاسته، وترتيبه المنطقي أقرب ما يكون شبها "بابن خلدون" في مقدمته، فهو بحق من أولئك الأفذاذ الأعلام الذين ردوا على اللغة في العصر الحديث ما كان لها من البهاء القديم في العصر القديم١.
ومن حديث المرحوم "الشيخ عبد العزيز البشري" عنه قوله، ويقوم ذلك الكاتب الأديب المجدد، فيلفت جمهرة الأدباء عن ذلك الأدب الضامر، ويوجه أذهانهم وأذواقهم جميعا إلى الخالص المنتخل من أدب العرب في جاهليتهم، وفي إسلامهم، ويبعث لهم شعر أبي نواس، وأبي تمام والبحتري وغيرهم من فحول الشعراء، كما يدل على بيان ابن المقفع والجاحظ، والصولي، وأحمد بن يوسف وأضرابهم من متقدمي الكتاب فسرعان ما يصفو البيان ويجلو، وسرعان ما يجزل القول ويعلو، وسرعان ما تنفرج آفاق الكلام، وتنبسط أسلات الأقلام في كل مقام وناهيك بغرس يخرج من ثماره "إبراهيم المويلحي" في الكتاب، "ومحمود سامي البارودي" في الشعراء٢.
آثاره ومؤلفاته:
ألف كتاب "الوسيلة الأدبية للعلوم العربية"، وهو كتاب جليل القدر لا يستغني عنه أديب، وقد شاع الانتفاع بما فيه من الآداب والعلوم، ولا يزال منتجع الأدباء إلى يومنا هذا، والكتاب جزآن يقع الثاني منهما في صفحات تربى على ثلاث أمثال الجزء الأول.
стр. 440
"والوسيلة الأدبية" مجموعة من الآداب والعلوم المختلفة من نحو، وصرف وفقه وبيان ومعان وبديع، وتاريخ ساقها المؤلف لتعليم الكتابة الإنشائية، وترويض الملكات البيانية على غرارها، ونهجها العربي الصحيح، وهو يتبع في هذه الكتابة طريقة الشرح والإفاضة، والتتابع والاستطراد، فإذا ألم ببحث علمي وفي جوانبه وبسط في آفاقه، ولم يدع فيه ما يحتاج إليه الباحث المتعقب، وإذا أورد قصيدة أو خطبة شرح معانيها اللغوية شرحا دقيقا متمكنا، ثم بين مراد الأديب مما قاله، وتعرض له بشيء من أخباره وآثاره، وقد يستطرد فيقرن المعنى بمشابه له، أو مقارب منه، أو مضاد له يفيض في كل ذلك بأسلوب رصين واضح فصيح، وقد عمد فيما اختاره من آثاره عربية إلى روائع الأدب من شعر ونثر، وخطب ورسائل، فهو حسن الذوق في كا ما يهتدي إليه، غزير المادة بما يفيض فيه، قريب الشبه في مسلكه بالكتب التي هي أصول للأدب من أمثال "الأماني"، و"الكامل" و"العقد" إلا أنه لم يغلب عليه ناحية خاصة تستأثر به، وتدعه ضعيفا في غيرها مما يقدم عليه بحثه وشرحه ونقده وتعليقه، وإنما هو في هذه النواحي جميعا المتمكن الذي يعدل بينها.
والوسلة بجزئيها تتضمن تمهيدًا وأربعة مقاصد، يشتمل كل منها على فصول ومقالات -فالتمهيد في باين فضل العلم وتقسيم العلوم، وتعريفات لعلوم العربية والأدب مع إفاضة بذكر الأمثلة، والمقصد الأول في العقل وشرح أنواع المعقول، والمقصد الثاني في تعريف اللغة، وبيان الداعي لوضع علوم العربية ونهايته نهاية الجزء الأول، والمقصد الثالث وهو أول الجزء الثاني يحتوي فنون البلاغة بإسهاب وشرح، وإفاضة مع دقة وتحليل، والمقصد الرابع، وهو أوسع المقاصد، وأكثرها بسطا يتضمن المكاتبة، والتربية الأدبية، والأدعية التي جرى السلف على استعمالها في مكاتباتهم، ومكاتبات النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، ومكاتبة الملوك والأمراء والأدباء، وفي الأمثال العربية، وغير ذلك من البحوث الأدبية الممتعة، وقد ختم الجزء
стр. 441
الثاني بكلمة ضافية عن المرحوم "عبد الله فكري باشا"، ومن أهم ما حواه الجزء الثاني حديثه عن البارودي الشاعر العظيم -والكتاب مطبوع بمطبعة المدارس الملكية بمصر من سنة ١٢٨٩ إلى سنة ١٢٩٢هـ.
وله كتاب "الكلم الثمان":
وهو رسالة شرح فيها كلمات جرت على ألسنة الناس في عهده، وكثر ترديدهم لها ولهجوا بذكرها مما دعاه إلى بسطها، وتبيينها كلفظ الأمة والوطن والحكومة والعدل والظلم والسياسية، والحرية والتربية والإنسان والمربي، وكيف يجب أن يكون وما به تكون التربية، كتبها بأسلوبه الرصين الرشيق، وهي مطبوعة بالمطبعة الشرقية بمصر سنة ١٢٩٨هـ.
وله أيضًا "دليل المسترشد في الإنشا":
وهو كتاب وضعه لتعلم طرق الإنشاء وأساليبها، وكيفية افتتاح المراسلات والمكاتبات والموضوعات الإنشائية المختلفة، وأورد فيه طائفة من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ومكاتبات النبي ﷺ ، وكتب خلفائه الراشدين إلى القياصرة، والأكاسرة والعرب خاصتهم وعامتهم، وجمهرة من القصائد، والمقاطيع لمشهوري الشعراء من الطبقات الأولى الثلاث.
والكتاب يتضمن مقدمة تحتوي على ما يحتاج إليه المنشئ من معرفة مبادئ العلوم، وتمييز بعضها عن بعض، ثم يحتوي بحوثا قيمة في تعريف الكتابة، وبيان طرق التعليم، والأغراض التي يحاول المنشئ أن تحسن بها صناعته، ويجود بها إنشاؤه -والكتاب مخطوط لم يطبع.
стр. 442
نماذج من إنشائه:
كتب في الوسيلة الأدبية بعنوان "تمهيد":
"اعلم أن الأدب معرفة الأحوال التي يكون الإنسان المتخلق بها محسوبًا عند أولي الألباب الذين هم أمناء الله على أهل أرضه من القول في موضعه المناسب له، فإن لكل قول موضعا يخصه بحيث يكون وضع غيره فيه خروجا عن الأدب، كما قال "جرول" الشاعر المشهور "بالحطيئة": فإن لكل مقام مقالا.
ومن الصمت وهو السكوت المقصود في موضعه، فإن للصمت موضعا يكون القول فيه خلاف الأدب يرشد إلى ذلك قوله ﷺ : "رحم الله امرأ قال خيرا، فغنم أو سكت فسلم". وفي لامية الطغرائي:
ويا خبيرا على الأسرار مطلعا ... أصمت ففي الصمت منجاة من الزلل
ولبعضهم:
عجبت لأزراء العيي بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالعلم أحزما
وللصمت خير للعيي وإنما ... صحيفة لب المرء أن يتكلما
والكلام المنبه على مواضع الأقوال، وعلى مواضع الصمت كثير.
ومن الأحوال التي يكون التخلق بها أدبا، وضع الأفعال في مواضعها كما قال الله تعالى، وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح، فأجره على الله فتنبه على أن المطلوب العفو المصلح دون المفسد، وقال النابغة الجعدي" بين يدي رسول الله ﷺ :
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... لبيب إذا ما أورد الأمر أصدرا
والناس في الأدب متفاوتون تفاوتا عظيما، فمن قرأ العلوم وطاف في
стр. 443
البلاد وعاشر طوائف الناس بعقل حاضر، وتنبه قائم وضبط جيد حتى عرف العوائد المختلفة، والأهواء المتشعبة وميز الحسن منها، وتخلق به يكون بالضرورة أكثر أدبا ممن قرأ وخالط، ولم يطف وممن قرأ وطاف ولم يعاشر، وموافقة جميع الناس أمر غير ممكن، فإن الدين والعقل يمنعان من ارتكاب أمور لا يسر بعض ذوي الأهواء غيرها، وأولئك هم السفهاء الذين لا ألباب لهم، فهم بمنزلة قشور الأشياء التي لولا لبها لم تصلح إلا للنار، أو ما أشبه".
وكتب في التخلق ببعض الأخلاق، فقال:
غير خاف أن التخلق بالكبر والخيلاء والعجب، والتعاظم على الناس بما أفضل الله به على الإنسان من علم وجاه ومال أمر غير حسن، لما حيلت عليه النفوس من الأباء، والنفرة عمن يتعاظم عليها، فما أكثر ما بدل حسن الود، والتآلف بأشنع العداوة والتنافر، لكن لذلك موضع يكون فيه حسنا.
وبيانه أن من المشاهد كون النوع الإنساني محتاجا في حسن تعيشه، وتحصيل أغراضه إلى ألفة ومودة، وإنصاف بأن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، فإذا خرج بعض الناس من الجمعية، وسعى في الأرض فسادا، وجب على الناس تأديبه بما يعيده إلى الصلاح، وربما كان التكبر والزهو عليه أنكى له وأرجى لمئاب فكره، وانحيازه إلى حيز الاستقامة، كما ورد أن رسول الله ﷺ رأى فارسا من أصحابه يمشي بين الصفين مختالا يميل يمينا وشمالا، فقال: "هذه مشية يكرهها الله تعالى إلا في هذا الموضع"، فقد علمنا أن للتكبر موضعا يكون فيه حسنا.
стр. 444
الشيخ حمزة فتح الله:
المتوفى سنة ١٣٣٦هـ-١٩٠٨م:
نشأته وحياته:
ينحدر من سلالة مغربية، ولكنه ولد بثغر الإسكندرية سنة ١٢٦٦هـ "١٨٤٩م"، وشب بها فحفظ القرآن في أحد مكاتبها، ودرس العلوم الشرعية واللغوية بجامع "الشيخ إبراهيم باشا"، ثم ألحق بالأزهر فأتم به دراسته، وتوفر على الآداب واللغة، فتمكن منهما وأصاب حظا كبيرًا، ودبج الرسائل الأدبية ونظم الشعر، ثم عاد إلى "الإسكندرية"، ورحل إلى "تونس"، فلبث فيها بضع سنين تولى في أثنائها تحرير جريدة "الرائد التونسي"، فأكسبه مرانه، ودربه على معالجة الكتابة الصحفية والسياسية، ثم عاد إلى "مصر"، فألفى نار الثورة العرابية مشبوبة، فاتصل بالخديوي، وكان من أعوانه ومناصريه، فأوحى إليه أن يحرر جريدة "البرهان" لمنشئها "معوض فريد"، وقد كانت أسبوعية تصدر في الإسكندرية، وتعلن أنها صحيفة الخديو، وتفاخر بأنها حلت من أعتابه العليا محل القبول.
كانت الصحف المصرية تحبذ الشوى وتدعو لها، والكتاب يعضدون هذا المسلك، ويجهدون في سبيله، ولكن الشيخ "حمزة" ﵀ دعا دعوة رجعية تنافي ما أجمع عليه الصحف في ذلك الحين، ولم يقتصر في مناصرته الخديو على تحريره جريدة "البرهان"، بل أصدر جريدة "الاعتدال" عام الثورة العرابية ذيادا عن العرش، وكثيرًا ما كان يخطب معاضدا هذه السياسة.
وفي سنة ١٨٨٦م ندبته الحكومة المصرية لتمثيلها في المؤتمر العلمي الشرقي الذي عقد في "فينا"، كما ندبته مرة أخرى لتمثيلها في مؤتمر العلوم الشرقية الذي اجتمع في "استكهلم" سنة ١٨٨٩.
стр. 445
ثم رأى أن يزاول التعليم، فعين في سنة ١٨٨٨م بمدرسة الألسن ثم مدرسا بمدرسة دار العلوم العليا، وتخرج عليه طائفة من المضلعين١ في اللغة والأدب.
وفي سنة ١٩١٠م عين مفتشا أول للغة العربية، وظل كذلك إلى أن خرج بحكم الستين في سنة ١٩١٢م، فعكف على البحث والاطلاع والتقليب في كتب اللغة والأدب، حتى وافته المنية في إبريل سنة ١٩١٨م، بعد أن كان كف بصره.
أثره في اللغة والأدب:
كان ﵀ حجة في اللغة متمكنًا من أصولها، وفروعها ملما بأسرارها، ودقائقها غيورًا عليها شديد الحفاظ لها يلتزمها في حديثه مع جميع الناس حتى مع خادمه، ولم ينزل عن غريبها في جميع ما كتبه من شعر، أو نثر، أو حديث أو مراسلة أو تقرير، حتى كان بعض الأدباء يضع بعض النوادر في أسلوب غريب، وينسبها إليه لتلصق به.
وكان شديد الحفظ قوي الذاكرة ملما بطائفة عظيمة من شعر الفحول، وقصصهم، وأحاديث السلف وما يتعلق بهم، فما تذكر له حادثة إلا يفيض في تقريرها، وبيانها والتعليق عليها، والانتقال منها إلى أخرى مشابهة لها.
هذا إلى عذوبة حديثه وصحة عبارته، وحلاوة محاضرته، وجمال دعايته، وما يتدفق منه من بيان، وعلم غزيرين.
وكانت له على المدرسين هيمنة واسعة، وإشراف دقيق في أثناء تفتيشه بوزارة المعارف، فقد كان يحاسبهم حسابا عسيرا على هفواتهم، ويرشدهم إلى زلاتهم، وينبههم إلى مواطن الخطأ والصواب حتى اضطرهم إلى مراجعة معاجم اللغة والبحث في مجفواتها، وما طال هجره من الألفاظ، فأخرج كنوزها
стр. 446
ورد إليها بهجتها، ونفى عنها ما يداخلها من الأغلاط، وخلصها من أدران العامية والدخيل، ونقاها من عجمة الأساليب، وفساد التراكيب.
ويحدث الأستاذ "عبد العزيز البشري" ﵀ عن أثره في اللغة، فيقول:
"وفي أعقاب نهضة "المرصفي" يقبل العالمان الأديبان "الشيخ حمزة فتح الله"، و"الشيخ إبراهيم البازجي"، فيكشفان عن مجفو العربية، ويستظهران من أواضعها، وصيغها ما يدل على الكثير من الأسباب الدائرة، ويتعقبان الأخطاء الشائعة ويدلان على الصحيح الناصح١ من كلام العرب، فيأخذ الكتاب والشعراء أنفسهم بالتحري في التماس الصحيح حذر النقد، والتشهير، وكذلك تصفو اللغة، وتشرق ديباجتها٢.
كان من أثر هذه العناية، وما أخذ به المدرسين من شدة المراقبة، وعسر الحساب أن طبع كثير منهم بطابعه، فتشددوا تشدده، ونسجوا على منواله، ووقفوا عند السماع وعكفوا عليه، بل تغالى بعض المفتونين منهم، وتعدوا طورهم فجعلوا يقولون، لا توجد هذه الكلمة في اللغة، ولو وجدت في شعر فحول الأدباء من أهل القرون الأولى٣.
والحق أن هذه طريقة خدمت اللغة، وكان لها أثر طيب في سلامتها، ولكن الإمعان في التشدد، وهجر ما سهل من الألفاظ إلى الغريب المتوعر ربما أورث الكتابة تعقيدا وغموضا.
وكثيرًا ما كانت تعرض عليه وزارة المعارف ما تطبعه من كتب العربية، فيقوم بتصحيحها، ويخرجها سليمة من الأخطاء اللغوية والعربية.
стр. 447
مؤلفاته:
ترك الشيخ حمزة فتح الله، آثارًا دالة على غزارة علمه، ودقة بحثه وتمكنه من أسرار العربية وإلمامه بدقائقها، وقد اتسمت هذه المؤلفات بالبحث المنظم والنسج المحكم، والاستيعاب الدال على سعة العلم.
ومن هذه المؤلفات:
"المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية":
التي أحيا بها ما اندثر من آثار السابقين، وجرى فيها على طريقة الجاحظ والمبرد والقالي والمرتضى في أماليهم، وهي فنون من اللغة والأدب -والعلم دالة على سعة اطلاعه، وطول باعه في علوم مختلفة من أدب ونحو وصرف، وبلاغة وتاريخ، وغير ذلك فهي أخذ من كل فن بطرف، وجمع لما يوسع المدارك ويثقف الأذهان، وهو إذ يعرض خطبة من خطب العرب، أو قصيدة من قصائدهم، أو رسالة من رسائلهم يترجم للخطيب أو الشاعر، أو الأديب ويذكر شيئا من خبرهم، ثم يشرح أثره الشعري أو النثري شرحا لغويا دقيقا، ويستطرد إلى إعراب الشعر، ويعرج بذكر طرف من النحو أو الصرف، أو البيان مقابلا بين هذا المعنى، وما ذهب إليه غيره، وهكذا لا يزال يتهم في الأدب والعلم وينجد، ويطوف بك بين رياضه، ويهدي إليك من ثماره، وأنت مفتون بما أهدى إليك، معجب بطريقته في البحث، ومنحاه في الدراسة وحسن تنظيمه، وترتيبه "والمواهب" جزءان حافلان بالنكت الأدبية، والبحوث المختلفة التي تقوم الألسنة، وتمد الأقلام وتنفع الأديب بما لا غنية له عنه.
والكتاب مطبوع متداول.
ومن مؤلفاته رسلة في المفردات الأعجمية التي وردت في القرآن الكريم، وهي بحث طريف أعان عليه سعة عمله، وله رسالة أخرى في "الرسم" سماها
стр. 448
"هدية الفهم إلى بعض أنواع الرسم"، تحدث فيها عن وسم الخيل وغيرها، وأسماء ذلك عند العرب مما عثر عليه في كتاب المخصص لابن سيده وغيره من كتب اللغة، وفي أول الرسالة فهرس بأسماء السمات مرتب على حروف الهجاء، والرسالة محلاة بصور بعض الإبل الموسومة، طبعت في بولاق سنة ١٣١٣هـ، وله رسالة في التوحيد نهج فيها نهجا عقليا في البحث والاستدلال.
وله رسالة سماها "باكورة السلام في حقوق النساء في الإسلام"، وهي مطبوعة أيضا.
كتابته:
كانت له في الكتابة طريقتان -طريقة وعرة متكلفة، وأخرى سهلة مرسلة، فهو يلتزم السجع أحيانا، ويفتن في استعمال الغريب، ويعمد إلى الزخرف والصنعة فتجيء كتابته ثقيلة متوعرة غامضة تنفر النفس من طول ما بذل فيها من التعمل والتكلف، ولكنه يعمد أحيانا إلى السلامة والسهولة، ويتجنب السجع فلا يرد في كلامه إلا عفوا غير مطلوب، ويتضح معناه ويشرق تعبيره.
وهو في كلتا الحالتين فصيح العبارة محكم النسج شديد السطوة، ويغلب أن يكون النوع الأول في رسائله، ومعاطاته الوصف، ومجاراته أساليب القدماء وأشد ذلك في توقيعاته، "ويغلب أن تكون السهولة والوضوح في كتابته الصحفية، وما يتناول به لشئون الاجتماعية.
شعره:
أما شعره فهو غريب مشدود لا يجري مجرى الطبع، والارتياح بل يناوله على استكراه، وتكلف ويعني فيه بالزخرف والصنعة، ولا تشم منه روح الشعر المطبوع، ولم نعثر على شيء من شعره إلا قليلا.
стр. 449
نماذج من كتابته:
كتب إلى بعض الفضلاء يطلب وده، وهو من نثره المتكلف الجاري مجرى الصنعة، والتعمل كما أن شغف١ الجنان٢، بالحسن والإحسان تكون داعيته المشاهدة، وتسريح الأنظار في محيا٣ الكمال، ومجتلى٤ الجمال فترى العين من تلك الغرة٥ ما يملؤها غرة٦، فكذلك السماع يستدعي هذا الشغف، فيتأثر الفؤاد بما يشنف٧ الآذان مما تهديه إليه طرائف٨ الأخبار حتى كأن حاستي السمع والبصر في ذلك صنوان٩، بل أخوان في هيكل هذا الجثمان١٠.
ألا وأن محاسن السيد الأجل لما سارت بها الركبان، وأثنى عليها كل لسان ما بين أخلاق أبهى من الروض النضير١١، وأعراق١٢ أشهى من عذيب النمير١٣ قد احتلت من فؤادي لا أقول منزلا رحيبا، ولا
стр. 450
واديًا خصيبا بل منزلة شماء١ ودارة٢ علياء وأوجا٣ بطوالعها السعيدة يسعد، ويلوح بها من ذكراه كل حين فرقد٤، فلم أنشب٥ أن قدمت كتابي هذا لمولاي بين يدي اللقاء عله إن يسمح به الزمان، وتشعر٦ عنه الليالي والأيام ليتاح٧ لي ري الفؤاد بما أرويه من حديث زيد الخيل الذي سماه رسول الله ﷺ زيد الخير، وقال له ما وصف لي أحد، فرأيته إلا وجدته دون ما وصف لي سواك، وإن فيك خصلتين يحبهما الله "الحلم والأناة٨" مقتديا بالإمام "محمود جار الله٩" في تقديم هذا الحديث الشريف على ما أنشده إياه الشريف ابن الشجري أول ما لقيه، وكانا قد تحابا بالسماع.
كانت مساءلة الركبان تخبرنا ... عن جابر بن رباح أطيب الخبر
حتى اجتمعنا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري
ومن كتابته السهلة الواضحة التي لا التواء فيها ولا تعقيد، ما كتبه بعنوان "الشورى، ومجلس النواب المصري"، فمما قاله:
ونحن وإن كنا نعلم ما يترتب على الشورى من الفوائد العميمة، والمنافع الجسيمة، وما ينجم عن التفرد بالرأي من سوء العاقبة، غير أن ذلك لم يمنعنا من إبداء ما نراه من الملاحظات في الأمر بين كليهما، أعني الشورى والتفرد بالرأي المعروف بالاستبداد، فأما الشورى، فإنها وإن كانت ممدوحة عقلا
стр. 451
وشرعًا بما ورد في الكتاب العزيز والسنة المطهرة في غير موضع، إلا أن ذلك ليس على معنى أنها واجبة حتما على أولي الأمر، بحيث لا تمضي بدونها بيعتهم، ولا تنفذ أحكامهم؛ لأن هذا ما لا يقول به أحد، بل إن مبلغ العلم فيها أنها من الأمور التي ندبت إليها الشريعة المطهرة من قبل اتمام مكارم الأخلاق.
وأما الاستئناس بأن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁ قد ترك الأمور شورية فهو غلط ظاهر.
ألا وأن الملوك ظل الله في أرضه لا يجوز الخروج عن طاعتهم، ولا البغي عليهم ولا تخفر ذمتهم، ولا تنكث بيعتهم، ولا ينقض عهدهم في حال من الأحوال، اللهم إلا بكفر صريح لا يحتمل التأويل١.
نموذج من توقيعاته:
وقع لبعض المدرسين على قطع المحفوظات التي أرسلت إليه ليقرأها، وكان قد ضرب على بعضها فقال: وهو غاية في الغموض والإغراب.
لم أراد بذلك الترميج٢ إلا الرعوي٣ على النشء، فإن قلا مع حفظ المبني خير من كثر يطوح٤ به في موامي٥ المنبت٦.
نموذج من شعره:
قال في مؤتمر العلوم "باستكهلم"
стр. 452
حمد السرى يا أخي العود١ والناب٢ ... أنساك وعثاء٣ إغباب٤ وإخباب٥
ولو شهدت عبابا خضت لجثه ... على سفين٦ بجنح الليل خباب٧
يطفو إذا خفقت فيه بأجنحه ... من تحتها كل غواص ورساب
تجر في اليم أذيالا مصبغة ... كالخود٨ تختال في أذيال جلباب٩
ومنها:
طفقت أختلها١٠ شزرا١١ وقد سفرت ... عنها اللثام ونضت١٢ فضل أثواب
تقول ما للنوى بي مولعا دنفا ... يا ليتما بعذولي في الهوى ما بي
стр. 453
ومنها:
وهو الذي كان أغرابي بنظرته ... فاعجب له كيف أغراني وأغرى بي
فهو الذي إن كتمت الحب باح به ... وهو الذي في مهاوي الحب ألقى بي
ومنها في الحكم:
كما جامح بالثريا راضه١ سفر ... فوق الثرى بين أكوار٢ وأقتاب٣
إن الثواء٤ ثواء والقصور قبور ... العاجزين ولا إيراء٥ للخابي٦
ومن بغى نيل مجد وهو في دعة ... فقد بغى من صفاه٧ در أحلاب٨
والمرء في موطن كالدر في صدف ... والتبر في معدن والتبع في غاب
وقال يمنع الوزير "خير الدين باشا" بقصيدة مطلعها:
آلاوك٩ الغر أو آناؤك١٠ الغرر ... زها بها في الزمان الجيد الطرر١١
стр. 454
الله ملجأنا إذ ليس يعجزنا ... شر الخطوب وخير الدين لي وزر
حبر١ له همة أعلى وأرفع من ... هام٢ الثريا ومجد ليس ينحصر
وسيرة سرت الدنيا بشائرها ... وضمخ٣ الكون عرفا٤ مسكها الذفر٥
لا زال كهفا لمن يأوي بساحته ... في ظله تعقد الآمال والوطر
وكعبة وزراء الفضل أنجمها ... تزهو به وهو فيما بينهم قمر
стр. 455
الشيخ سيد المرصفي:
المتوفى سنة ١٣٥١هـ-١٩٣١م:
نشأته وحياته:
هو، الأديب العالم الجليل الشيخ "سيد" بن "علي المرصفي"، ولد "بالمرصفا" إحدى قرى "القليوبية"، وهي بلدة أنبتت كثيرًا من الأدباء والعلماء النابهين، نشأ بها وأتم القرآن حفظا، ثم التحق بالجامع الأزهر فنهل من علمه وارتوى من ثقافته، و"شب مطبوعا على الجد والمثابرة بهمة لا يتطرق إليها الملل، وكان ذا ميل شديد إلى كتب الأدب العربي يقلب فيها نظره، ويمتع بروائعها نفسه، وكثيرا ما حفظ من شعر العرب الفحول، وتزود من أدبهم القديم الرصين، كما أكب على دراسة الكتب اللغوية، فدرسها دراسة دقيقة ووقف على أسرارها، واكتنه دقائقها من أمثال كتاب "الكامل للمبرد" "والأمالي لأبي علي القالي" "والحماسة لأبي تمام"، وغيرها.
وظل يتلقى العلم على فحول العلماء من أمثال "الشيخ الشربيني شيخ الجامع الأزهر الأسبق"، ومن شيوخه أيضًا الشيخ "المبلط"، والشيخ "عبد الهادي نجا الأبياري"، وكان يقول أخذت اللغة عنه.
وقد كتب كثيرًا من كتب الشربيني بخطه منها شرح البخاري، وتقرير له على الأطول في البلاغة، وظل كذلك حتى تقدم لامتحان العالمية، فحصل عليها من الدرجة الأولى الممتازة.
الوظائف التي شغلها:
وأول عمل تولاه هو تدريسه اللغة العربية بمدرسة "عباس باشا الابتدائية" ببولاق، ثم عتب عليه "الإنباني" شيخ الأزهر أن يحرم الأزهر فضله، وعمله فشكا "المرصفي" من أن مرتبات الأزهر لا تغنيه، فتفضل "الإنبابي"
стр. 456
ومنحه مرتب التدريس بالأزهر على أن يلقي درسا في جامع الزاهد "بجهة باب البحر" بين المغرب والعشاء، فيجمع بينه وبين التدريس بمدرسة "عباس باشا الابتدائية"، فكان يؤم درسه الأدباء والفضلاء، وحين كان مدرسًا بهذه المدرسة تأخر قليلا عن الموعد المقرر، فاستدعاه الناظر فكان جوابه تقديم الاستقالة، ومما أثر عنه أنه قال: ذهبنا إلى المدارس، فوجدناها نظاما بلا علم، وجئنا إلى الأزهر فوجدناه علما بلا نظام، فآثر العلم على النظام وتولى "المرصفي" التدريس في الأزهر.
وكان الناهضون بالأزهر الراغبون في ترويج الآداب العربية به، قد اتجهت عزائمهم إلى التوفر على دراسة الأدب العربي في الأزهر، وبذل عناية خاصة به بعد أن كان نافلة ينساق الحديث إليه استطرادًا.
فلما نهض المرحوم الشيخ "محمد عبده" بإصلاح الأزهر، ومكن من تنفيذ خطط الإصلاح فيه، وكان من أجل ما عني به توسيع آفاق الأدب العربي في الأزهر، والعمل على أن يأخذ الأزهريون بحظ غير يسير منه، فاقترح أن يطلب من ديوان الأوقاف مبلغا لترقية التعليم في علوم اللغة العربية، وأجيب هذا الطلب، وقرر مبلغ مائة جنيه سنويا لهذا الغرض١.
وكان الشيخ "سيد المرصفي"، قد اشتهر بالتمكن من الأدب العربي، والاضلاع في علوم اللغة العربية، فعهد إليه بتدريس كتاب "الكامل للمبرد"، ثم درس "الأمالي لأبي علي القالي"، "والحماسة لأبي تمام"، كما درس غيرها من كتب اللغة العربية، والأدب العربي وزيد مرتبه عن غيره من المدرسين لاضطلاعه بتدريس الأدب، ثم جمع بين التدريس في الأزهر، والتدريس بمدرسة السلحدار الابتدائية، ولما عين الشاعر العالم "الشيخ عبد الرحمن قراعة" مديرا للأزهر، والمعاهد سعى في منحه عضوية جماعة كبار العلماء، "والمرصفي" فيما نعلم أول عالم أزهري تمحض درسه للأدب في الأزهر.
стр. 457
وفي سنة ١٩١٣ عين مصححا بدار الكتب المصرية، فصحح "كتاب أساس البلاغة للزمخشري" "وكتاب الطراز" في البلاغة.
مسلكه في التدريس:
كان يشرح ما في كتاب من شعر أو نثر شرحا دقيقا، وينقد ما فيه من غلط أو مجافاة، ويتجه اتجاها لغويا أكثر منه فكريا، وإذا نقد تبسط في نقده، ونفذ إلى الأعماق فيما يرمى إليه، وكان شديد الطرب للشعر القديم المتوغل في القدم، شديد الكره للتعبيرات النحوية أو الصرفية، أو غيرها مما يجري عليه مؤلف الكتب الأزهرية، يؤدي مراده بأسلوب أدبي رصين، ويحمل تلامذته على متابعته والاقتداء به، ولم يكن ليخفي نفوره من الشعر المصري الحديث الذي لا يجري في تركيبه على الأساليب العربية الجزلة.
وكانت دراسة أشبه بدراسة القدماء من اللغويين والأدباء، أمثال أبي العباس تعلب والمبرد والرياشي، وأبي عمرو بن العلاء وغيرهم من أعلام اللغويين ورواة الشعر، ويقول عنه تلميذه "الدكتور طه حسين باشا" في مقدمة كتاب "الأدب الجاهلي"، وكان يفسر لتلاميذه في الأزهر ديوان الحماسة لأبي تمام، أو كتاب الكامل للمبرد، أو كتاب الأمالي للقالي، ينحو في هذا لتفسير مذهب اللغويين والنقد من قدماء المسلمين في البصرة والكوفة، وبغداد مع ميل شديد إلى النقد والغريب، وانصراف شديد عن النحو والصرف.
وكان طروبا لرقة الحديث وعذوبة المنطق، وحسن صوت المتكلم، تعجبه الكلمة الهادئة الرصينة المستقدة في موضعها التي لا نبو في استعمالها، وأكثر ما يؤذيه الكلمة الخشنة والصوت الأجش:
وإذا استحسن كلمة أو عبارة في بيت بالغ في استحسانها، وإظهار التأثر والإعجاب بها وأعادها جملة مرات في صوت رقيق ونغمة عذبة، وطلب إلى تلامذته أن يسمعوا أو يعجبوا ويشاركوه في عجبه، وبذلك تولدت عندهم
стр. 458
حاسة النقد الذوقي، ونشأت عند كثير منهم ملكة الشعر الغنائي، والنثر الرقيق الذي يشبه الشعر في لطف موسيقاه.
وكان ملحنا في طريقة أدائه حتى ليظهر طربه ويستخف تلامذته من موسيقى توقيعه، ويرى أن الأوزان الشعرية ترجع في توقيعها، ونغمتها إلى ضروب السير للرجالة والركبان والفرسان، ويجتهد في تمثيل ذلك بصوته وتوقيعه وحركته.
أثره في الأدب وتلامذته:
كان "المرصفي" يعقد درسه في الرواق العباسي، وقد حدثنا أحد تلامذته الخلصاء الأدباء١ أن حلقة درسه كانت مهرجانا يضم الأدباء والشعراء على اختلاف بيئاتهم وألوانهم، فلم تكن مقصورة على الأزهريين فحسب، بل كانت ندوة يؤمها عشاق الأدب جميعا، وكان يقيم بجهة باب الفتوح على مقربة من الأزهر، وبلغت الصلة بينه وبين تلامذته وعشاقه حدًّا غريبا فهم لا يقنعون بما انتفعوا به في دروسهم، ولكنهم يصحبونه إلى منزله فلا يزالون في حديث أدبي موصول، ودراسة طريقة ممتعة، ويشق عليهم أن يدعوا لأستاذهم فرصة ينفرد بها، والحق أن "المرصفي" كان خفيف الروح جذابًا"، يميل إلى الدعابة والمفاكهة، ويتبسط مع تلامذته فيزيل ما بينه وبينهم من الفوارق، ويشعرون بجو روحي خالص تمتزج فيه مشاعرهم بمشاعره وخواطرهم بخواطره.
وكان يهتز للسؤال الأدبي اهتزازا، ويخف له ويرتاح لموقعه من نفسه
стр. 459
ويقرظ صاحبه حتى ليسمو بسؤاله، فإن سأله أحد تلامذته بما هو من النحو، أو علي شرف منه أعرض عنه، وقال: "نعم يا بن خروف".
تخرج علي الشيخ "سيد المرصفي"، فحول الأدباء والشعراء في مصر حتى ليجزم بعض تلامذته بأنه رأى جميع الأدباء والشعراء في درس "المرصفي"، ينتفعون بأدبه وتوجيهه.
ومن هؤلاء الذين غذاهم "المرصفي" بأدبه وعلمه، وبصرهم بمواقع الأدب، ومواطن الجمال فيه، وعلمهم النقد الأدبي الصحيح "السيد مصطفى لطفي المنفلوطي"، "والشيخ عبد العزيز البشري" "محمد مصطفى الهيهاوي" "والدكتور طه حسين باشا"، "والدكتور زكي مبارك" "والأستاذ أحمد حسن الزيات"، "والأستاذ محمد حسن نائل المرصفي" الذي أخرج مجلة الجديد وشهر زاد، وصحح كتاب كليلة ودمنه، وعني بضبط غريبه وتفسيره، وبيان ما فيه من أسماء الحيوان والطير، وكتب مقدمة الكتاب، وترجم لعبد الله بن المقفع الذي نقله إلى العربية، ومنهم أيضا "الأستاذ حسن السندوبي" صاحب صحيفتي "الثمرات والجوانب"، وصاحب كتاب "أعيان البيان"، والشعراء الثلاثة "وشرح المفضليات"، "وشرح البيان والتبيين"، "وشرح المقابسات" "وأدب الجاحظ" "ورسائل الجاحظ"، "وشرح ديوان امرئ القيس"، "وأخبار المراقسة وأشعارهم" "وأبو العباس المرسي"، ومنهم الأستاذ أحمد الزين الأديب الشاعر "والشيخ حسن القاياتي" الأديب الشاعر، "والشيخ محمود الزناتي" الذي شرح مختارات ابن الشجري، وبعض كتب أبي العلاء المعري، كما أنه له تصحيحات قيمة على كثير من كتب الأدب.
كما أن من تلامذته الأستاذ "محمود شاكر" الأديب الباحث الذي أخرج رسالة ممتازة عن المتنبي بمناسبة مرور ألف عام على وفاته.
ومن تلامذته المجيدين الكاتب المعروف "المرحوم محمد إبراهم هلال"
стр. 460
الذي كان يكتب في "الكشكول" بعنوان "المرآة"، وكتب به "البشري" فيما بعد.
ومنهم الأديب الشاعر المؤلف الأستاذ "كامل الكيلاني"، كما أن منهم المرحوم الأستاذ "فهيم قنديل" صاحب مجلة عكاظ.
هؤلاء جميعا وغيرهم نهلوا من أدب "المرصفي"، واهتدوا بهديه واتجهوا متجهه في النقد الأدبي الصحيح.
وكان "المرصفي" صاحب الفضل العظيم في لفت الأنظار إلى الأدب العربي القديم، واستخراج كنوزه، والاقتباس من روائعه.
ومما قاله أحد تلامذته "الدكتور طه حسين "باشا" أستاذنا الجليل "سيد بن علي المرصفي" أصح من عرفت بمصر فقها في اللغة، وأسلمهم ذوقا في النقد، وأصدقهم رأيا في الأدب، وأكثرهم رواية للشعر ولا سيما شعر الجاهلية، وصدر الإسلام، وقال:
"حب الأستاذ ودرسه قد أثر في نفسي تأثيرا شديدا، فصاغاها على مثاله، وكونا لها في الأدب والنقد ذوقا على مثال ذرقنه".
إيثار للبدوي الجزل على الحضرمي السهل، وكلف بمناحي الأعراب في فنون القول، ونبوعن تكلف المولدين لأنواع البديع، وانتحالهم لألوانه الفلسفية والمنطق، وتفطن شديد لحكم الضرورة في الشعر واللفظ السهل المهلهل يقع بين الألفاظ الجزلة الفخمة إلى غير ذلك، مما هو إلى مذهب القدماء من أئمة اللغة، ورواة الشعر أدنى منه إلى مذهب المحدثين من الأدباء والنقاد١.
وكان "المرصفي" شديد التمكن من رواية الشعر العربي القديم متوثقا من كل ما يرويه، مفاخرًا بذلك بين تلامذته، حتى لقد كان يقول: "إن أبا تمام