ومنحه مرتب التدريس بالأزهر على أن يلقي درسا في جامع الزاهد "بجهة باب البحر" بين المغرب والعشاء، فيجمع بينه وبين التدريس بمدرسة "عباس باشا الابتدائية"، فكان يؤم درسه الأدباء والفضلاء، وحين كان مدرسًا بهذه المدرسة تأخر قليلا عن الموعد المقرر، فاستدعاه الناظر فكان جوابه تقديم الاستقالة، ومما أثر عنه أنه قال: ذهبنا إلى المدارس، فوجدناها نظاما بلا علم، وجئنا إلى الأزهر فوجدناه علما بلا نظام، فآثر العلم على النظام وتولى "المرصفي" التدريس في الأزهر.
وكان الناهضون بالأزهر الراغبون في ترويج الآداب العربية به، قد اتجهت عزائمهم إلى التوفر على دراسة الأدب العربي في الأزهر، وبذل عناية خاصة به بعد أن كان نافلة ينساق الحديث إليه استطرادًا.
فلما نهض المرحوم الشيخ "محمد عبده" بإصلاح الأزهر، ومكن من تنفيذ خطط الإصلاح فيه، وكان من أجل ما عني به توسيع آفاق الأدب العربي في الأزهر، والعمل على أن يأخذ الأزهريون بحظ غير يسير منه، فاقترح أن يطلب من ديوان الأوقاف مبلغا لترقية التعليم في علوم اللغة العربية، وأجيب هذا الطلب، وقرر مبلغ مائة جنيه سنويا لهذا الغرض١.
وكان الشيخ "سيد المرصفي"، قد اشتهر بالتمكن من الأدب العربي، والاضلاع في علوم اللغة العربية، فعهد إليه بتدريس كتاب "الكامل للمبرد"، ثم درس "الأمالي لأبي علي القالي"، "والحماسة لأبي تمام"، كما درس غيرها من كتب اللغة العربية، والأدب العربي وزيد مرتبه عن غيره من المدرسين لاضطلاعه بتدريس الأدب، ثم جمع بين التدريس في الأزهر، والتدريس بمدرسة السلحدار الابتدائية، ولما عين الشاعر العالم "الشيخ عبد الرحمن قراعة" مديرا للأزهر، والمعاهد سعى في منحه عضوية جماعة كبار العلماء، "والمرصفي" فيما نعلم أول عالم أزهري تمحض درسه للأدب في الأزهر.
стр. 457
وفي سنة ١٩١٣ عين مصححا بدار الكتب المصرية، فصحح "كتاب أساس البلاغة للزمخشري" "وكتاب الطراز" في البلاغة.
مسلكه في التدريس:
كان يشرح ما في كتاب من شعر أو نثر شرحا دقيقا، وينقد ما فيه من غلط أو مجافاة، ويتجه اتجاها لغويا أكثر منه فكريا، وإذا نقد تبسط في نقده، ونفذ إلى الأعماق فيما يرمى إليه، وكان شديد الطرب للشعر القديم المتوغل في القدم، شديد الكره للتعبيرات النحوية أو الصرفية، أو غيرها مما يجري عليه مؤلف الكتب الأزهرية، يؤدي مراده بأسلوب أدبي رصين، ويحمل تلامذته على متابعته والاقتداء به، ولم يكن ليخفي نفوره من الشعر المصري الحديث الذي لا يجري في تركيبه على الأساليب العربية الجزلة.
وكانت دراسة أشبه بدراسة القدماء من اللغويين والأدباء، أمثال أبي العباس تعلب والمبرد والرياشي، وأبي عمرو بن العلاء وغيرهم من أعلام اللغويين ورواة الشعر، ويقول عنه تلميذه "الدكتور طه حسين باشا" في مقدمة كتاب "الأدب الجاهلي"، وكان يفسر لتلاميذه في الأزهر ديوان الحماسة لأبي تمام، أو كتاب الكامل للمبرد، أو كتاب الأمالي للقالي، ينحو في هذا لتفسير مذهب اللغويين والنقد من قدماء المسلمين في البصرة والكوفة، وبغداد مع ميل شديد إلى النقد والغريب، وانصراف شديد عن النحو والصرف.
وكان طروبا لرقة الحديث وعذوبة المنطق، وحسن صوت المتكلم، تعجبه الكلمة الهادئة الرصينة المستقدة في موضعها التي لا نبو في استعمالها، وأكثر ما يؤذيه الكلمة الخشنة والصوت الأجش:
وإذا استحسن كلمة أو عبارة في بيت بالغ في استحسانها، وإظهار التأثر والإعجاب بها وأعادها جملة مرات في صوت رقيق ونغمة عذبة، وطلب إلى تلامذته أن يسمعوا أو يعجبوا ويشاركوه في عجبه، وبذلك تولدت عندهم
стр. 458
حاسة النقد الذوقي، ونشأت عند كثير منهم ملكة الشعر الغنائي، والنثر الرقيق الذي يشبه الشعر في لطف موسيقاه.
وكان ملحنا في طريقة أدائه حتى ليظهر طربه ويستخف تلامذته من موسيقى توقيعه، ويرى أن الأوزان الشعرية ترجع في توقيعها، ونغمتها إلى ضروب السير للرجالة والركبان والفرسان، ويجتهد في تمثيل ذلك بصوته وتوقيعه وحركته.
أثره في الأدب وتلامذته:
كان "المرصفي" يعقد درسه في الرواق العباسي، وقد حدثنا أحد تلامذته الخلصاء الأدباء١ أن حلقة درسه كانت مهرجانا يضم الأدباء والشعراء على اختلاف بيئاتهم وألوانهم، فلم تكن مقصورة على الأزهريين فحسب، بل كانت ندوة يؤمها عشاق الأدب جميعا، وكان يقيم بجهة باب الفتوح على مقربة من الأزهر، وبلغت الصلة بينه وبين تلامذته وعشاقه حدًّا غريبا فهم لا يقنعون بما انتفعوا به في دروسهم، ولكنهم يصحبونه إلى منزله فلا يزالون في حديث أدبي موصول، ودراسة طريقة ممتعة، ويشق عليهم أن يدعوا لأستاذهم فرصة ينفرد بها، والحق أن "المرصفي" كان خفيف الروح جذابًا"، يميل إلى الدعابة والمفاكهة، ويتبسط مع تلامذته فيزيل ما بينه وبينهم من الفوارق، ويشعرون بجو روحي خالص تمتزج فيه مشاعرهم بمشاعره وخواطرهم بخواطره.
وكان يهتز للسؤال الأدبي اهتزازا، ويخف له ويرتاح لموقعه من نفسه
стр. 459
ويقرظ صاحبه حتى ليسمو بسؤاله، فإن سأله أحد تلامذته بما هو من النحو، أو علي شرف منه أعرض عنه، وقال: "نعم يا بن خروف".
تخرج علي الشيخ "سيد المرصفي"، فحول الأدباء والشعراء في مصر حتى ليجزم بعض تلامذته بأنه رأى جميع الأدباء والشعراء في درس "المرصفي"، ينتفعون بأدبه وتوجيهه.
ومن هؤلاء الذين غذاهم "المرصفي" بأدبه وعلمه، وبصرهم بمواقع الأدب، ومواطن الجمال فيه، وعلمهم النقد الأدبي الصحيح "السيد مصطفى لطفي المنفلوطي"، "والشيخ عبد العزيز البشري" "محمد مصطفى الهيهاوي" "والدكتور طه حسين باشا"، "والدكتور زكي مبارك" "والأستاذ أحمد حسن الزيات"، "والأستاذ محمد حسن نائل المرصفي" الذي أخرج مجلة الجديد وشهر زاد، وصحح كتاب كليلة ودمنه، وعني بضبط غريبه وتفسيره، وبيان ما فيه من أسماء الحيوان والطير، وكتب مقدمة الكتاب، وترجم لعبد الله بن المقفع الذي نقله إلى العربية، ومنهم أيضا "الأستاذ حسن السندوبي" صاحب صحيفتي "الثمرات والجوانب"، وصاحب كتاب "أعيان البيان"، والشعراء الثلاثة "وشرح المفضليات"، "وشرح البيان والتبيين"، "وشرح المقابسات" "وأدب الجاحظ" "ورسائل الجاحظ"، "وشرح ديوان امرئ القيس"، "وأخبار المراقسة وأشعارهم" "وأبو العباس المرسي"، ومنهم الأستاذ أحمد الزين الأديب الشاعر "والشيخ حسن القاياتي" الأديب الشاعر، "والشيخ محمود الزناتي" الذي شرح مختارات ابن الشجري، وبعض كتب أبي العلاء المعري، كما أنه له تصحيحات قيمة على كثير من كتب الأدب.
كما أن من تلامذته الأستاذ "محمود شاكر" الأديب الباحث الذي أخرج رسالة ممتازة عن المتنبي بمناسبة مرور ألف عام على وفاته.
ومن تلامذته المجيدين الكاتب المعروف "المرحوم محمد إبراهم هلال"
стр. 460
الذي كان يكتب في "الكشكول" بعنوان "المرآة"، وكتب به "البشري" فيما بعد.
ومنهم الأديب الشاعر المؤلف الأستاذ "كامل الكيلاني"، كما أن منهم المرحوم الأستاذ "فهيم قنديل" صاحب مجلة عكاظ.
هؤلاء جميعا وغيرهم نهلوا من أدب "المرصفي"، واهتدوا بهديه واتجهوا متجهه في النقد الأدبي الصحيح.
وكان "المرصفي" صاحب الفضل العظيم في لفت الأنظار إلى الأدب العربي القديم، واستخراج كنوزه، والاقتباس من روائعه.
ومما قاله أحد تلامذته "الدكتور طه حسين "باشا" أستاذنا الجليل "سيد بن علي المرصفي" أصح من عرفت بمصر فقها في اللغة، وأسلمهم ذوقا في النقد، وأصدقهم رأيا في الأدب، وأكثرهم رواية للشعر ولا سيما شعر الجاهلية، وصدر الإسلام، وقال:
"حب الأستاذ ودرسه قد أثر في نفسي تأثيرا شديدا، فصاغاها على مثاله، وكونا لها في الأدب والنقد ذوقا على مثال ذرقنه".
إيثار للبدوي الجزل على الحضرمي السهل، وكلف بمناحي الأعراب في فنون القول، ونبوعن تكلف المولدين لأنواع البديع، وانتحالهم لألوانه الفلسفية والمنطق، وتفطن شديد لحكم الضرورة في الشعر واللفظ السهل المهلهل يقع بين الألفاظ الجزلة الفخمة إلى غير ذلك، مما هو إلى مذهب القدماء من أئمة اللغة، ورواة الشعر أدنى منه إلى مذهب المحدثين من الأدباء والنقاد١.
وكان "المرصفي" شديد التمكن من رواية الشعر العربي القديم متوثقا من كل ما يرويه، مفاخرًا بذلك بين تلامذته، حتى لقد كان يقول: "إن أبا تمام
стр. 461
اختار من هذه القصيدة هذه الأبيات، وترك ما هو أجود منها وأكثر روعة.
وكان ينتقد أبا تمام في تصرفه في بعض القصائد بتقديم بعض أبياتها إذ يراها مروية على ترتيب آخر في كتب الأدب التي هي أوثق رواية مما اطلع عليه أبو تمام، كما كان يفعل مثل ذلك في شرح الكامل للمبرد.
استظهاره شعر اللصوص:
ومما امتاز به استظهاره شعر اللصوص، وكان يقول: إن لسان هؤلاء لم تشبه شائبة؛ لأنهم لم يتصلوا بالحضر، ولم تفسد ملكاتهم.
وهو يحب الشعر ويكلف به، ويحفظ من روائعه ما وسعه الجهد ويقول: تعلموا الشعر فإن لم تكونوا شعراء تكونوا لغويين".
نكاته ونوادره:
وكان ﵀ حاضر البديهة، محبا للنكتة طريف النادرة، وقد أثر عنه من ذلك العذب السائغ، لقيه في الطريق رجل فاستوقفه قائلا: "طلقت امرأتي ثلاث فما ترى أيها الشيخ؟ فصاح في وجهه لا أدري، لا أدري فلما كلمه من معه قال: أتريدون أن ينكحها على قفاي؟ ".
وفي أحد أعياد المسلمين أقيم حفل قريب من منزله، واجتمع الناس به فقام قس، وأخذ يقول: إن عيسى أفضل من محمد، فثار الجمع لذلك وألحوا في استحضار الشيخ -وكان قريبا من الحفل لمحاجة القس، وأرهفت الأسماع واشرأبت أعناق- فقال له "المرصفي": أليس عيسى بن مريم؟ قال: نعم قال: أليس محمد بن عبد الله؟ قال: نعم -قال: أتفضل ابن المرأة على ابن الرجل؟
وحين كان مصححا بدار الكتب طلب منه "السيد محمد الببلاوي" كتاب تهذيب اللغة للأزهري، فقال: "تريد تهذي باللغة؟
ولعل هذه النكتة وفدت عليه من اطلاعه على قول الأول
стр. 462
لا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تبالغ قبل في تهذيبها
فإذا عرضت الشعر غير مهذب ... عدوه منك وساوسا تهذي بها
وقال لأصحابه يومًا: كانوا يقولون: إن البلاغة في طبع المصريين أتدرون أن المنطق في طبعهم أيضًا؟ قيل: كيف ذلك؟ لقيتني فتاة فسألتني نشوقا هي كونت في نفسها قياسا، كأنها قالت: هذا شيخ وكل شيخ يستنشق فهذا يستنشق.
علمه في كتب اللغة والأدب:
عمد إلى كتاب "الكامل للمبرد"، "والأماني لأبي علي القالي"، فبذل أكبر الجهود في شرحهما، وهما من أمهات الكتب العلمية الأدبية، وأغزرها مادة وأوسعها علما وأكثرها نفعا، وهما ميدان للبلاغة على مختلف فنونها والأساليب في شتى ألوانها، والأقلام في أخصب عصورها.
تصدى "المرصفي" لهذين الكتابين، فتجلت مادته اللغوية ودرايته بالرواية، وقدرته على الشرح، وبعد غوره في النقد وشدة تفطنه لمواطن البلاغة وروعة البيان، وطريقته في تناول هذين الكتابين أن يتم القصائد، ويشرح الغريب شرحا دقيقا، ويتعرض لنسبة الشعر إلى قائله، ويراجع من أخطأ في النسبة، ويترجم لصاحب الشعر كما يترجم للخطيب أو الكاتب.
ومن أهم ما عنى به تصحيح الرواية، وتخطئة الشراح السابقين.
ومما يظهر في شرحه إكبابه على دراسة الغريب، والتقصي عن وجوه استعمال الكلمة الواحدة، فيفرق بين معنى الكلمة في أسلوب، ومعناها في أسلوب آخر فرقا دقيقا لا يهتدي إليه الأمثلة من غزيري المادة اللغوية، وممارسي الأساليب العربية.
وشرح الأمالي والعقد كلاهما مخطوط، أما شرح الكامل فقد طبع في ثمانية أجزاء.
стр. 463
وقد تعقب "المرصفي" أبا العباس فيما رآه خطأ في الرواية، أو اللغة أو المعنى أو النحو أو شرح الغريب أو تفسير الغامض، وكثيرا ما كان يقسو في نقد المبرد، فيرسل جملا فيها من الجرأة مما لا يتفق مع مقام هذا الإمام الجليل، كأن يقول: كذب المبرد في هذا والمبرد كاذب في هذا، وهذا مما تفرد به. إلخ.
"والمرصفي" يقول في مقدمة الرغبة: أسميته رغبة الآمل من كتاب الكامل مهتما ببيان ما حاد فيه أبو العباس عن سنن الصواب من خطأ في الرواية، وخطل في الدراية، ولا ينبئك مثل خبير، فمن تخطئته المبرد١ قوله أبو العباس قوله ﷺ : المتفيهقون، إنما هو بمنزلة قوله: الثرثارون توكيد له قال المرصفي ذلك صواب لو كان معناهما واحد، وليس كذلك وكأن أبا العباس ذهل عما ذكر من اشتقاقه، وبيان معناه وهو الامتلاء٢، ومما خطأ به رواية المبرد قوله حين روى أبو العباس البيت.
إن الكريم من تلفت حوله ... وإن اللئيم دائم الطرف أقود
قال المرصفي كذا أنشد أبو العباس، فغير لفظه ورواية الديوان
فمنهم جواد قد تلفت حوله ... ومنهم لئيم دائم الطرف أقود٣
وفي الرغبة كثير من هذا التغليظ وغيره، والحق أن المرصفي لم يطرد صواب ما أخذه على المبرد، وربما نزع في غير قوسه فراغ عن القصد سهمه كما وصف المبرد بذلك في مقدمة الرغبة، ومن ذلك ما أتى به المبرد هجاء، فجعله المرصفي مدحا، إذ قال -: قال أبو العباس المبرد-: ومما يستحسن من شعر إسحاق هذا -يريد ابن خلف- قوله في الحسن بن سهل.
стр. 464
باب الأمير عراء ما به أحد ... إلا امرؤ واضع كفاعلي ذقن
قالت وقد أملت ما كنت آمله ... هذا الأمير ابن سهل حاتم اليمين
كفيتك الناس لا تلقى أخا طلب ... يفيء دارك يستعدى على الزمن
إن الرجاء الذي قد كنت آمله ... وضعته ورجاء الناس في كفن
في الله منه وجدوى كفه خلف ... ليس السدى والندى في راحقا لحسن
"في الحسن بن سهل" يريد ابن عبد الله السرخسي، وزير المأمون بعد أخيه الفضل بن سهل، "باب الأمير" كأنه يريد أميرًا غير الحسن "ولا تلقى أخا طلب ... إلخ يريد الإرجاء السدي، وهو ندى الليل "والندى" ندى النهار ضربهما مثلا لجوده، وقد أخر هذا الاستثناء عن موضعه فيقل١، وقد عنى بتخطئته في مثل ذلك الأستاذ أحمد شاكر في تعليقه على الكامل.
على أن "المرصفي" وإن كان مضلعا في اللغة بارعا في النقد ثقة في الرواية لم يكن أول من وجه إلى المبرد ما وجه، فقد سبقه إلى ذلك كثيرون، ومنهم "أبو القاسم علي بن حمزة البصري" في كتابه التنبيه على أغاليط الرواة ما غلط فيه المبرد، ومنه نسخة مخطوطة بدار الكتب، وبالمكتبة نسخة منقولة عنها "والمرصفي"، قد يشير إلى نقد أبي القاسم المبرد وقد لا يشير.
أسرار الحماسة:
شرح هذا الكتاب على طريقته التي نهجها في الكتب الثلاثة، وقد رأى كما قال في المقدمة:
"إن أبا تمام سامحه الله تعالى كثيرا ما يعتمد على ذوقه، فأحيانا يقدم ويؤخر في أبياته، وأحيانا يبدل بعض كلمات العرب بكلماته، وبما حذف ما يحتاج
стр. 465
إليه المعنى، فيختل المبنى"، كما رأى أن أيدي الرواة عبثت بجميع ما اختاره أبو تمام، فمنهم من ابتدأ بشعر قيس بن الحطيم الأنصاري، ومنهم من افتتحه بشعر قريط بن أنيف العنبري، وكثيرا ما يفرقون بين أشعار القبائل، ويذكرون الأواخر أثناء الأوائل -وربما فرقوا بين كلمتين قيلتا في حادثة واحدة لشاعر، وباعدوا بين أنساب العمائر، وأحساب العشائر.
لذلك رتبه "المرصفي" ترتيبًا آخر، فقسم أشعار الحماسة قسمين أولهما: الموضوعات الأدبية وثانيهما: شعر الوقائع الجاهلية والإسلامية، قدم الشعر الجاهلي على الإسلامي، والأموي على العباسي ملتزما إيراد القصيدة متى عثر عليها كاملة، منبها إلى ما وقع فيه أبو تمام، مفسرا المعنى مبينا المغزى، غير تابع لقوم مدوا أيديهم على ذلك الديوان بالكتابة، وظنوا أنهم فوقوا سهام الصواب، وقد أخطأوا غرض الإصابة.
ولغزارة مادته اللغوية وسعة أفقه، وفيض علمه كان كثير النقد والتعليق والتخطئ، والتصويب لكثير من كتب اللغة والأدب، وقد اطلعت في مكتبته على طرف مما يقتنيه من هذه الكتب، فوجدته قد طرز هوامشها، وحواشيها بغرر من العلم وفنون من النقد، كتبها بخطه الأنيق البديع الذي يضارع أروع الخطوط المحدثة.
ونسخته من لسان العرب قد زينت هوامشها بكثير من التصحيحات والنقد والمحاكمة خصوصا فيما نقله "ابن منظور"، عن "ابن بري" "والجوهري" إذ كان "لابن بري" شرح على "صحاح الجوهري" يتعقبه فيه، ويكثر من تخطيئه "وابن منظور" ينقل العبارتين، فيقف "المرصفي" موقف الحكم بينهما.
وقد نقل "المرصفي" بخطه الجميل كثيرا من كتب الأدب، ودواوين الشعر في مختلف العصور، ونسخ كثيرا من كتب اللغة العربية والبلاغة، والفقه وغيرها، وقد كان يكتب المتن بمداد ذي لون، والشرح بمداد من لون آخر والتقرير بخط يخالف في حجمه، كل ذلك في شكل مقبول ووضع طريف،
стр. 466
وكثيرًا ما كلف أبناءه وتلامذته بنسخ ما يروقه من الكتب والدواوين.
ومما اطلعت عليه بخطه كراسة وضع في أطارها بالخط الضخم الرائع كلمات غربية عربية، ثم وضع داخل الصفحة شواهد من الشعر العربي المشتمل على هذه الكلمات منبها إلى مراجع هذه الأبيات، وقد يكتب الكلمات في الإطار، ويدع مقابلها فارغا من الشواهد، انتظارا للعثور عليه ومما كتبه.
الزرجون: قال أبو دهبل:
ثم ماشيتها إلى القبة الخـ ... ـضراء تمشي في مرمر مسنون
وقباب قد أمرجت وبيوت ... نظمت بالريحان والزرجون
الجفن: قال النمر التولبي "من مجموعة التعالبي":
ألم بصحبتي وهم هجود ... خيال طارق من أم حصن
ألم ترها تريك غداة باتت ... بملء العين من كرم وحسن
سقية بين أنهار ودور ... وزرع ثابت وكروم جفن
لها ما تشتهي على مصفى ... إذا شاءت وحواري بسمن
أسلوبه:
أما أسلوبه الأدبي فهو الأسلوب الرصين الفصيح العبارة المتخير اللفظ الحسن السبك الذي يطالعك منه غزارة البيان، وفيض اللغة والافتتان في الأخذ بأساليبها، ويغلب على "المرصفي" أن يتناول السجع في كتابته لكنه في رفق، ولطف لا غضاضة فيه ولا ثقل.
شعره:
أما شعره ففصيح التعبير متلائم النسج قوي الديباجة لكنه شعر علماء، وقد ينحو به نحو الصنعة، ويجهد في الجناس والتورية، ويتناول التاريخ في شعره
стр. 467
كسنة السابقين، ولكن ذلك لا يخرجه عن الوضوح والجزالة، وإيثار المعنى وتوخي الغرض.
نموذج من نثره:
مما قاله في مقدمة "أسرار الحماسة".
أما بعد. فلولا ما يؤثر عن سيدنا رسول الله ﷺ من قوله: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، لما كتبت في اللغة العربية آية تذكر أو حديثا يؤثر، أو حكمة غراء، أو رجزا تحدو به حداة الإبل، أو قصيدة تسير مسير المثل، ومعاذ الله أن يكون ذلك ضنة وبخلا، أو بما وجب سفاهة وجهلا، ولكن رأيت نفوس القوم مصروفة إلى تحقيق المسائل العلمية والمباحث العقلية، والعليم عندهم من نظر إلى الاستدلال، وأكثر طرق الاحتمال، وولد من الكلام ما لا يولد، وأوجد من الأفهام ما لا يوجد، ولو علموا "هداهم الله تعالى" ما علمناه من خصائص اللغة وأساليبها، وما أودعت من لطائف الأسرار في تراكيبها، لهجروا تلك الكتب ذوات التنافر والتعقيد، واغتنموا لغة القرآن المجيد، والحديث الحميد.
على أنها لغة أمين أميين لا يعلمون القراءة والكتابة، ويعلمون ما تحت السحاب وما فوق السحاب، ما تركوا من أودية المعاني واديا إلا بحثوه، ولا طرقوا من مبهمات الكلام غامضا إلا استنبئوه، وهم مع ذلك لم تجمعهم جامعة كلية، ولم تحوهم مدرسة نظامية، وإنما كان العربي في بدايته يتلقى من أمه وأبيه، وفصيلته التي تؤويه، حتى غذا بلغ أشده واستوى طفق ينتقل في الأحياء، تنقل الأفياء، يستمع ما يترنم به الفتيان وتشدو به الركبان فيحفظ منهم ما سمعه، ويعي ما جمعه. فيتفتق بذلك لسانه، ويقوى جنانه، "وإنما العلم بالتعلم وملاك الفهم التفهم".
стр. 468
نموذج من شعره: قال في عرس:
أهذه أنجم تزهو على الأنس ... أم ذي بدور بدت من مطلع الأنس
أم ذي محاسن أنوار تنظمها ... أيدي السرور تحلى بهجة العرس
لله ليلة أنس في ملاحتها ... وحسن بهجتها أقصى منى النفس
يريك منظرها من لطف رونقها ... روضا تنور زهرًا أطيب العرس
أعجب بها ليلة ما رامها أحد ... إلا تكشف عنه شقوة النحس
تقارن البدر فيها وهو مكتمل ... في دارة العز والإيناس بالشمس
وقال مقرظا كتابا في علم الإملاء ألفه "الشيخ حسن شهاب"، وسماه "دليل الكاتب".
لله حسن مؤلف في وضعه ... صور الحروف كفاية للطالب
يهدي إلى طرق الكتابة رسمه ... يا حبذا الهادي دليل "الكاتب
ومدح الخديو "عباسا" الثاني بقصيدة مطلعها:
سل النجم عن جفني محبك والكرى ... كفى شاهدا من سائل الدمع ما جرى
جرى فوق خدي ناحل رق جلده ... فأمسى ولا صبر لديه فيصبرا
وهنأ "الشيخ الإنبابي" إذ ولي مشيخة الأزهر بقصيدة كان يسميها المعلقة الثامنة -قال في مطلعها:
ملاك العلا في غرة ملكت يدي ... أمن شأن مثلي في العزازة أن يدي
أبت عزمتي أن آخذ الحمد هينا ... بغير سنان أو لسان محدد
إلى أن يقول:
أمرت العلا أرخ بسامي كماله ... تهنأت الدنيا ودين محمد
................... ... ٨٥٦ ٦٦ ٧٠ ٩٢
١٣١٤ هـ
стр. 469
وكان الشعراء هنأوا "الشيخ الشربيني" بتوليته مشيخة الأزهر، فكتب له مهنئا فكان مما قاله:
تحجب البدر يا للناس عن نظري ... هل عارف فيكم بالعين والأثر؟
ردوا علي فقلبي في هواه مضى ... وحلف الجفن في التسهيد والسهر
يا شيء ما لي فما أدري تحجبه ... أساحر بي وشي أم رمية القدر١
ولما قرأها "الشربيني"، وكان قد قرأ القصائد جميعا قال: علقوا قصيدة "المرصفي" فوق رأسي.
وللمرصفي ديوان مخطوط يجمع طائفة ضخمة من شعره الذي قاله في مختلف الأغراض، وله تخميس سماء "الدر الذي انسجم على لامية العجم"، التي قالها الوزير الكاتب مؤيد الدين "الحسين بن علي الطغرائي"، وأول اللامية:
أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل
ويقول "المرصفي" في مقدمة التخميس: إنه نظمه "قياما بواجب الأدب، وأخذا بنصرة لغة العرب وامتثالا لإشارة أعزائي الإخوان من بني الإنسان، وما هو إلا خطرات فكر نزهته في روض اليراع، فجنى من أدبه الغض ما استطاع، سميته بالدر الذي انسجم على لامية العجم" متخليا عن وصمة الخائل متحليا بحكمة القائل:
وما أعجبتني قط دعوى عريضة ... ولو قام في تصديقها ألف شاهد
ومن التخميس قوله:
стр. 470
أنا الإمام وكل الناس لي تبع ... لم يلحقوا شأو مجدي أن هم انتجعوا
لي المفاخر فيما بينهم جمع ... "مجدي أخير أو مجدي أولا شرع
والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل"
مجدي تعزز حتى اعتز بي وطني ... وتاه كبرا على بغداد أو عدن
لا أبتغي غيره والعز ينشدني ... "فيم الإقامة بالزوراء لا سكنى
بها ولا ناقتي فيها ولا جملي"
ويقول في آخره:
ويا بصيرا بحال الدهر أهله ... للأمر أهل النهى حتى تأمله
إن وشحوك بما استوضحت مشكله ... "قد رشحوك لأمر إن فطنت له
فارنا بنفسك أن ترعى من الهمل"
وقد طبع التخميس سنة ١٣١٢هـ، ويليه في كتيب واحد تخميس تلميذه "السيد طه أفندي أبو بكر" الذي سماه "بث الشجن على عينة أبي الحسن"، التي أنشأها ابن رزيق ومطلعها:
لا تعذليه فإن العذل يولعه ... قد قلت حقا، ولكن ليس يسمعه
стр. 471
الشيخ حسين والي:
المتوفى سنة "١٣٦٢هـ-١٩٤٣م":
نشأته وحياته:
نشأ في بيت كريم الأصل عريق في المجد، فهو ابن المرحوم الشيخ "حسين والي" بن "إبراهيم والي" بن "إسماعيل والي" بن "وهدان والي"، و"وهدان والي" الجد الثالث للمترجم له ينتسب إلى "السلطان عامر" ابن "مروان الحسيني"، وينتهي نسب "السلطان عامر"، هذا إلى الإمام علي كرم الله وجهه.
وقد ولد الفقيد ببلدة "ميت أبي علي" الملحقة بمركز "الزقازيق" من أعمال الشرقية سنة ١٨٩٦م -وكان والده من علماء الأزهر الفحول المعاصرين "للأشموني"، والإنبابي" "والطويل" وغيرهم، وكان مدرسا بالمدرسة التجهيزية، تثق به وزارة المعارف، فتسند إليه رياسة الامتحانات العامة، وتعهد إليه بتفتيش المدارس، كما كان من المقربين للخديو "توفيق باشا".
تعلم المترجم في مكتب القرية وحفظ فيه القرآن الكريم، ولما أوفى على التاسعة من عمره استصحبه والده إلى القاهرة، حيث كان يقيم بقصر عمه المرحوم "مصطفى بهجت باشا" بحي "السيدة زينب"، وهناك أدخل مدرسة ابتدائية أتم بها دراسته، ثم ألحق بالأزهر حول الثالثة عشرة من عمره، فتلقى العلوم على أساتذته بجد ومثابرة حتى نال شهادة العالمية، وقد عرف طول درسه بالبحث والتدقيق.
وعين بعد ذلك مدرسا في الأزهر، فدرس كثيا من علوم الفقه والشرع، وخاصة كتاب "الأم" في مذهب الشافعية إذ أذن له بتدريسه أستاذه
стр. 472
"الأشموني"، ولما يتجاوز الثلاثين من عمره، وكانت حلقة درسه مقصد الطلاب لثقتهم به، وتمكنه من مادته.
ولما كان من العلماء الأثبات الراسخين في الإفتاء كان المغفور له الشيخ "محمد عبده"، يحيل عليه استفتاءات ترد إليه من مختلف الأقطار الإسلامية، فكان مثار الإعجاب بدقته، وعمله ورسوخ قدمه حتى إن "مجلة المنار" أشارت إلى ما كان له من جهود في تحري الحقيقة، وتوخي الصواب فيما كان يصدره من فتاوى للمسلمين في شتى الأقطار.
ولما أنشئت مدرسة القضاء الشرعي اختير مدرسا لعلوم الأدب العربي، والإنشاء والمنطق وأدب البحث، والمناظرة، وبعض العلوم الشرعية، فتلقى عنه هذه العلوم طائفة من نابغي القضاء الشرعي، "ومما يذكر عنه بمناسبة اشتغاله بالتدريس في مدرسة القضاء أنه كان جلدا على العمل دقيقا في مراجعة ما يكتب تلامذته، حتى إن حضره صاحب العزة الأستاذ "أحمد إبراهيم بك" ﵀ -وصف الفقيد لنا بهذا الوصف في مقام ذكر حسناته قال: إنه كان أحد اثنين عرفا بالتدقيق في العمل، والقيام بالواجب المدرسي، وهما الفقيد العظيم، والمغفور له الشيخ "محمد المهدي" الذي كان وكيلا لمدرسة القضاء الشرعي١.
على أنه كان موصول الأواصر بالأزهر، وهو يدرس بمدرسة القضاء إذ شغل منصب المفتش العام للأزهر، والمعاهد الدينية حين أنشئت وظائف التفتيش في الأزهر.
ومما يذكر أن له في الأزهر تشريعا صدر به قانون في سنة ١٩١١ لا يزال هذا التشريع متبعا حتى الآن في المعاهد الدينية -ثم إنه نقل من التفتيش إلى معهد طنطا حيث عين وكيلا له، وقد أظهر من حسن الإدارة، وبراعة التوجيه ما زاد في فضله.
стр. 473
وإذ تولى المغفور له "السلطان فؤاد" عرش مصر اختير لمنصب كاتم السر العام للأزهر والمعاهد الدينية، فاضطلع بأعماله الضخمة، وأعبائه الجسام على غير وجه، ومما يذكر له بالحمد والتقدير أنه في أثناء توليه هذا المنصب قررت لجنة ١ إصلاح المعاهد الدينية، وضع الأزهر تحت تفتيش وزارة المعارف كفاء عشرين ألف جنيه تأخذها المعاهد الدينية من وزارة المالية، وكان ذلك في وزارة المرحوم "يحيى إبراهيم باشا"، ولما رفع قرار اللجنة إلى مجلس الوزراء أصدر رأيه بالموافقة عليه، إلا أن "واليا" حملته الغيرة على استقلال الأزهر، فغضب له واستطاع بنفوذه البالغ، ولباقته الساحرة أن يصرف الأمر عن وجهه بعد ما تهيأ له من أسباب التنفيذ.
عضويته في جماعة كبار العلماء:
وفي سنة ١٩٢٤ تقدم ببحث علمي لينال عضوية الجماعة، فصدرت الإرادة الملكية بتعيينه في عضوية هذه الجماعة الموقرة.
في مجلس الشيوخ:
ثم اختير بعد ذلك عضوا في مجلس الشيوخ، فمثل الأزهر أكرم تمثيل ودوى صوته الديني في جنبات المجلس، فقاوم التبشير وحض على العناية بالقرآن الكريم في المدارس الإلزامية، ووقف للغة العربية موقف المدافع الغيور، فكان يثور حين يجد خطأ في الأداء منبها صاحبه إلى الصواب مهما علا شأنه.
ومما يذكر في هذا الصدد أنه دخل المجلس يوما، فقال لأعضائه: فيم تبحثون؟ فقالوا: نبحث قانون التسول، فقال لهم: التسول معناه الاستكراش واسترخاء البطن، فهل تريدون في ذلك بحثا؟ وكانت ملاحظة لغوية طريفة دلت على براعته التي شهد بها الجميع في كل مواقفه.
стр. 474
في المجمع اللغوي:
ولما أنشىء مجمع فؤاد الأول للغة العربية في ديسمبر سنة ١٩٣٢م كان أحد عشرين عضوا، وقع الاختيار عليهم للقيام برسالة المجمع، وقد شهد له بالفضل والتمكن في اللغة جميع علمائها الذين عرفوا فيه الدقة، وغزارة العلم وسعة الاطلاع.
صفاته وأخلاقه:
هذا وقد كان ﵀ جم الذكاء حاضر البديهة عذب الحديث آخذا بأسباب الجد عظيم الخلق، عفيف اللسان نزيه الرأي كريم التواضع، فأكرم بهاتيك أن تكون صفات العلماء.
مكانته اللغوية وأسلوبه:
كان ﵀ دائم البحث والتنقيب في كتب اللغة وعلومها والأدب وفنونه، وكان شديد الغيرة على اللغة العربية حريصا على تنقيتها مما يشوبها من الخطأ والدخيل، دائب السهر على سلامتها من كل يشوبها.
وقد أثر عنه إذ عين وكيلا لمعهد طنطا أنه كان نافذ الرقابة على العلماء والطلاب، ولما لاحظ بعض الخطأ في عبارتهم أراد أن ينقيها من هذا الزيف، وأن يضع حدا لما يشوب الألسنة من الخطأ، فكان يكتب ما يتداول من الكلمات على اللوح مبينا الخطأ هاديا إلى الصواب، وقد ظل يعرض هذه الكلمات في فناء المعهد مرتين في كل أسبوع، وذلك مما كان له أعظم الأثر في صحة العبارة، وسلامتها من كل شائبة.
وكان آية الآيات في غزارة المادة، ودقة البحث والتملئ من العلم، والتهدي إلى وجه الصواب فيما يتناوله من البحوث.
ومن يطلع على محاضر الجلسات للمجمع اللغوي، ويستقرئ ما دار فيها
стр. 475
من بحث وتنقيب يجده صاحب الفصل الضخم، والعلم الجم والرأي السديد، ويجد له من الجهد الموفور ما يرمي على جهد جماعة مجتمعة.
وكان الحكم الفصل في المجمع فيما يطرح من بحث، ويتناول من دراسة، قوى الحجة متين البرهان، مكنته سعة أفقه وطول اطلاعه على أسرار العربية، ودقائقها من أن يكون "فيصل هذه المناقشات يقول حين يدور الجدل في الاصطلاح، أو القاعدة القول الذي يقطع الشك، ويقف المناقشة على ما يحسن السكوت عليه١".
وقد شهد بوفرة علمه، وشدة تمكنه في اللغة وعلومها، وبراعته في البحث وتفوقه فيه، ما نشره في صحيفة المجمع من أبحاث لغوية بارعة، وخاصة ما كتبه بعنوان "سبيل الاشتقاق بين السماع والقياس"، المنشور في الجزء الثاني من صحيفة المجمع، فإنه نموذج القدرة الفائقة، والدرس الحصيف والبحث المتين.
وكان إلى جانب هذا أديبا عذب الأسلوب متخير اللفظ، فصيح العبارة محكم النسج، رائع البيان حتى فيما يكتبه من بحوث ودراسات علمية.
شعره:
وكان ينظم الشعر ويجيده على إقلال، إلا أنه كان منقطع النظير في التاريخ الشعري، فقد أنشأ فيه القصائد الطوال، وبلغ من البراعة فيه أن يجعل أحد مصراعي القصيدة رمزا للتاريخ الهجري، والمصراع الآخر رمزا للتاريخ الميلادي، ومن ذلك قصيدته التي سماها "شوارة عكاظ"، قالها في مدح الشيخ "محمد عبده"، وبدأها بالفخر بنفسه وهي تبلغ خمسين بيتا، يؤرخ المصراع الأول من كل منهما عام ١٨٩٨م، والمصراع الآخر عام ١٣١٦هـ، كما أن عنوانها يؤرخ عام إنشائها بالتاريخ الميلادي.
стр. 476
وللشيخ كتاب لم يطبع سماه "عصا موسى" في قريض العرب، والمولدين ذكر في هذا الكتاب قصيدة له سماها "مليكة شعر الدهر"، وتؤرخ هذه التسمية بحساب الجمل عام إنشائها، وهو ١٣١٠هـ -ويقول عن هذه القصيدة: إنها مائة تاريخ في ستين بيتا كل ثلاثة أبيات خمسة تواريخ تكتب في الأصل خطا واحدا، فتكون القصيدة عشرين خطا، وحينئذ تقرأ على أوجه متعددة لو قرأت على أصل كتابتها كانت مسدسة، وكان المصراع الأول منها، وما تحته من كل تسديس عشرين تاريخًا لعام ١٣١٠هـ، والصراع الثاني وما تحته كذلك عشرين تاريخا لعام ١٨٩٢م، والمصراع الثالث وما تحته كذلك عشرين تاريخا إلى سنة ١٩٠٦ قبطية، والمصاريع الثلاثة المذكورة مصرعة إلى انتهائها، والمصراع الرابع وما تحته كذلك عشرين تاريخا لسنة ٢٢٠٤ رومية لازمة فيه قافية النون، كل مصراع ما ذكر تاريخ، والمصراعان الخامس والسادس، وما تحتهما كذلك عشرين تاريخ لسنة ٥٦٥٣ عبرانية كل مصراعين تاريخ واحد لازمة في الخامس قافية الدال الموصولة بالهاء، وفي السادس قافية اللام.
ولست أدري إلى أي حد احتمل الشيخ عناء هذه الطريقة، وكيف أطاق هذا الجهد المضني، ولكنها قدرة وولوع.
مؤلفاته:
ترك الشيخ مؤلفات قيمة كثيرة أعانه على تأليفها طول مثابرته، وفيض علمه وبعض هذه المؤلفات مطبوع ككتاب أدب البحث والمناظرة، وكتاب الاشتقاق ورسالة في التوحيد، ورسائل في الإملاء، وله غير ذلك مؤلفات جليلة لا تزال مخطوطة في فقه الشافعية الذي كان إماما فيه، وفي علم الحيوان، وفي علم الكلام وتاريخه، كما ألف في اللغة كتابا ضخما تناول فيه اللغة، وعوامل نشأتها وتطورها واختلافها ونمو اللغة وتعدد لهجاتها، وما أدخل على اللغة العربية من ألفاظ غريبة عنها مع تبيين أصل هذه الألفاظ.
стр. 477
هذه المؤلفات ثروة ذات خطر، وحبذا لو أتيحت مراجعتها، وطبعت لينتفع الناس بكنوزها.
نموذج من نثره:
مما نشر في الجزء الثاني من مجلة المجمع بعنوان "سبيل الاشتقاق بين القياس والسماع".
كان للعرب في الجاهلية كلام كثير، وشعر كثير لم يكن لهم علم أصح منه، ولم ينته إلينا جميع ما قالوه؛ لأن اعتمادهم كان على الرواية لا على دواوين معروفة، فإنهم كانوا أميين لا يعلمون الكتاب، ومن علمه منهم فهو قليل.
ولما جاء الإسلام لفت العرب عما كانوا عليه، وبهرهم القرآن بأساليبه وشغلهم بأحكامه، وتكاليفه، وغادر القادرون منهم الأرض الجرز إلى غيرها في شلمنون ساقتهم فشرقوا وغربوا إلى أن هلك منهم من لا يحصون موتا وقتلا، بيد أنه كان لمن بقي في بلاد العرب، ومن خرج فترات أو فرص حصل فيها إثبات طرف من الرواية، وطرف من الكلام والشعر عليه من الرونق ما لم يكن من قبل.
هذا ما صارت إليه لغة العرب من الكثرة، فلم ترثها من العرب إلا كما يرث الرجل من أبيه نحو الكفاف من الرزق.
ثم حدثت أطوار عبثت فيها يد الحدثان بطائفة من هذا، فبعضها أصابه الفناء، وبعضها أصابه التفريق، ولولا حسن التصرف وسعة الحيلة لكشفت الحاجة عن وجهها العابس.
إننا نجد مواطن غير تامة الإفادة، أو البيان في أمهات الكتب اللغوية التي بين أيدينا، وقد حشدت ما يرى كثيرا وهو قليل من الكثير الذي ذهب، ولو وصلت إلينا اللغة وافرة، لوجدنا طلبتنا فيما نحسب، ومن هذه المواطن ما انساقت إليه الفكرة الآن.
стр. 478
قد يذكر اللغوي الكلمة التي من شأنها أن تشتق، أو يشتق منها ولا يذكر الأصل أو الفرع، أو يقول مثل كلمة كذا لا فعل لها، أو المصدر ممات أو لا تقل كذا، والفطين المستنبط لا يقف عند ذلك، بل ينبعث للإحاطة بأسبابه وتوسيع البحث عنه، والنظر في الاشتقاق وأصول العربية، فإذا سلك هذا المنهج رأى أن بعض المحظور يصير غير محظور، وأن الشيء قد يمنع من جهة، ولا يمنع من جهة أخرى، وأن هناك ما يقدر على القياس، ولا يتكلم به لوجود مانع، وأن هناك ما يؤتي به على القياس، ويتكلم به وإن لم تتكلم به العرب؛ لأنه لا مانع، وما قيس على كلام العرب وسلم من موانع الاستعمال فهو من كلام العرب، وعلماء العربية لم يضعوا أصولهم لما سمع من العرب، وإنما وضعوها لما لم يسمع.
ومما ألقاه في إحدى جلسات المجمع ما يأتي:
سادتي:
أتشرف بأن أقوم بينكم لألقي كلمة في القرارات السبعة التي رآها مجمع اللغة العربية الملكي في دور الانعقاد الثاني، وبيان مأخذها وسبيل الانتفاع بها، وما رآها إلا عن نظر صحيح وحجج قائمة، وقد دعت إليها الدواعي وبعثت عليها البواعث، وإن المجمع لا تفتر له همة عن خدمة اللغة، ومعالجة إنمائها بالاشتقاق وغيره، وقيامها بالأغراض التي يتطلبها الزمان مع المحافظة عليها، حتى لا يكون هناك ميل عن سنن الطريق.
وإذا كان المجمع نعمة على اللغة وأهلها من نعم صاحب الجلالة، مولانا المعظم أيده الله وأبقاه، فإن من شكر النعمة الدأب في العمل، وإن شاء الله رأى الناس أن الطل صار وابلا.
وإنما ألقى كلمتي في ضوء من بحوثي التي سمعها المجمع، وعول عليها عند النظر في المسائل.
стр. 479
لقد سن المجمع طريقة لإكمال المواد اللغوية التي ورد بعضها، ولم ترد بقيتها حتى ينتفع بها يجيزه القياس من هذا.
إن كتب اللغة هي مثابة اللغويين والأدباء وغيرهم، وقد جمعت كثيرا وبينت كثيرا، وإن لبعضها إصلاحا مرشدا، ولكن فيها وراء ذلكم أصولا لم تذكر مشتقاتها، ومشتقات لم تذكر أصولها، وقد يذكر في بعض هذا أنه لا يقال كذا أو لا فعل لكذا، أو أن المصدر ممات، أو ما شأنه أن يمنع من سد الثلمة، ومرجع هذا الكلام العرب، والعرب أمراء الكلام يتصرفون فيه بالسليقة يتكلمون تارة بالكلمة، ومشتقاتها وتارة يتكلمون ببعض دون بعض، وطورا يحيون الكلمة يم يميتونها كالمرء يتذوق الشيء، فإذا لم يعجبه طعمه طرحه.
فهمنا هذا كما في كتب اللغة، وإن من اللغويين ذوي أحلام كشفوا الغطاء عن بعض ما نظن أنه محظور، فإذا هو مباح ولو من طريق القياس، فكان ذلكم من أسباب التكملة التي رآها المجمع، أما ترك الأمر على حاله، فإخفار لذمة اللغة.
ومن بحث في كتب اللغة بحث استقصاء، وكان بصيرا بأصول العربية والاشتقاق عرف مواطن الاتفاق والاختلاف، ومنزلة كل من المختلف فيه، وعرف أن كثيرا مما أشرت إليه يجوز في القياس، وإن لم تتكلم به العرب، فمما قيس على كلام العرب، ولم يمنع من التكلم به مانع كان من كلام العرب، فما وضعت أصول العربية والاشتقاق لما فاتوه، وإنما وضعت لما لم يقولوه.
لما رأى المجمع رأيه جعل المذكور في كتب اللغة سبيلا إلى غير المذكور، وآوى إلى ركن شديد مما حقق علماء العربية، فأزال توهم بعض الناس أن ما لم تنص عليه كتب اللغة مطروح، وأفاد أن أصول العربية هي الأدوات التي تستخرج بها الثروة اللغوية المذكورة.
стр. 480
ومن الأمثلة قول لسان العرب، "بخن فهو باخن" "طال"، والخاء من بخن مفتوحة، فإذا بحثت في كتب اللغة عن ضبط عين المضارع، وعن المصدر لم تجد، فيفهم من تفسير بخن بطال أن بخن فعل لازم، ويفهم من فتح عينه أن مصدره هنا على مثال فعول قياسًا، ويفهم من كون عينه حرف حلق أنها تفتح في المضارع قياسا، كدأب يدأب دءوبا، فيقال بخن يبخن بخونا.
نموذج من شعره:
قال يقرظ كتاب "شذا العرف في فن الصرف" لمؤلفه الشيخ الحملاوي، وهو من تاريخه الشعري:
شذا العرف بالطبع مبناه رق ... ١٠٠١ ٣٨١ ١١٤ ٩٨ ٣٠٠
وبرق اطصفا الصرف لطفا برق ... ٣٠٨ ١٨١ ٤٠١ ١٢٠ ٣٠٢
كتاب نقي أغار الحسود ... ٤٢٣ ١٦٠ ١٢٠٢ ١٠٩
وأخمل كل كتاب سبق ... ٦٧٧ ٥٠ ٤٢٣ ١٦٢
كتاب كريم عظيم مقام ... ٤٢٣ ٢٧٠ ١٠٢٣ ١٨١
صفا مثلما رق لطفا ورق ... ١٧١ ٦١١ ٣٠٠ ١٢٠ ١١٠
كتاب تباهي بأقعد وضع ... ٤٢٣ ٢٧٠ ١٠٢٠ ٨٧١
وأضحى حليفا لحسن نسق ... ٨٢٥ ١٢٩ ١٤٨ ٢١٠
به الصرف وافاه أسمى افتخار ... ٧ ٥٠١ ٩٣ ١١١ ١١٨٣
فأبدى زهاء عظيم الأفق ... ٩٧ ١٣ ١٠٢٠ ١٨٢
غوى الصرف زلفا فأرجعه ... ١٠١٦ ٤٠١ ١١٨ ٣٥٩
فصار برجعته كالفلق ... ٣٧١ ٦٨٠ ٢٦١
صنيع أخي الفضل وافى الأيادي ... ٢٣ ٦١١ ٩٤١ ٦٥ ٥٧
وأرقى جليل شريف الأرق ... ٣١٧ ٧٣ ٥٩٠ ٣٣٢
стр. 481
أغر البرايا النبيل الفريد ... ١٢٠١ ٢٤٥ ١٣٣ ٣٢٥
من البدر دون زكاء اتمحق ... ٩٠ ٢٣٧ ٦٠ ٧٢٦ ١٩٩
غياث العلا الحملاوي العزيز ... ١٥١١ ١٣٢ ١٢٦ ١٢٥
مناط النهى من به الفخر حق ... ١٠٠ ٩٦ ٩٠ ٧ ٩١١ ١٠٨
لعمرك هذا الذي عز جاها ... ٣٦٠ ٧٠٦ ٧٤١ ٧٧ ١٠
يبث ثناء المديح نطق ... ٥٠٤ ٥٥٦ ٩٣ ١٥٩
سنة ١٨٩٣ ... سنة ١٣١٢
وقال يهنئ الشيخ "حسونه النواوي" بتوليته مشيخة الأزهر من قصيدة عدتها خمسة وعشرون بيتا صدورها للتاريخ الهجري "١٣١٣"، وأعجازها للتاريخ الميلادي "١٨٩٥" على طريقة الرسم الكوفي.
لعمرك مجد الدهر حسونة الأسمى ... أخو المجد خدن العز رب العلا قدما
أشم الورى رأيا ومجدا ومحتدا ... وأفخمهم فضلا وأطودهم علما
وقال يهنئ الشيخ "محمد عبده" من قصيدة طويلة صدورها تاريخ لسنة "١٣١٧هـ"، وأعجازها لسنة "١٨٩٩م"، وهي على طريقة الرسم الكوفي أيضا:
توحد عزك لاذ ونهى ... جناه سواك ولاذ وعظم
فأنت مآل القوافي تزفم ... فرائد طالت بأغلى الكلم
منيع الذرى ووطيد السعو ... د منيع العلا وأغر الشيم
مسدد رأي إذا الرأي ند ... م وشهم عزيز إذا الخطب عم
стр. 482
الشعر في العصر الحديث
مدخل
...
الشعر في العصر الحديث:
مر بالشعر في هذا العصر ثلاثة أطوار، أو مراحل كان في كل منها مغايرًا للأخرى في ظواهرها تبعا لعوامل النشاط والخمود التي تهيأ له -فالطور الأول من ولاية "محمد علي باشا" سنة ١٨٠٥ إلى ولاية "إسماعيل باشا" سنة ١٨٦٣م، والطور الثاني من ولاية "إسماعيل باشا" إلى الاحتلال الإنكليزي سنة ١٨٨٢م، والطور الثالث من الاحتلال الإنكليزي إلى يومنا هذا.
الشعر في المرحلة الأولى:
وفدت هذه النهضة والشعر صورة من ماضيه في العصر السالف لا ابتكار في أغراضه، ولا تهذيب في أسلوبه، ولا تجديد في معانيه وأخيلته، وظلت مواهب الشعراء مجدبة لا تخصب، جامدة لا تلين وذلك؛ لأن عوامل النهضة المستحدثة لم تكن قد أثرت في الاتجاه الأدبي واللغوي في بواكيرها؛ ولأن ما جرى من الإصلاح لم يكن في وجازة مدته، وضيق أفقه يؤثر في طريقة التفكير، أو يغير من أسلوب الكلام.
ولم يكن "محمد علي" منصرف الهمة إذ ذاك إلى الآداب بله الشعر، فهو أمي ليس للشعر موضع من تفكيره، ولا نصيب من تقديره، وما كانت حكومته حينئذ عربية الصبغة، بل كانت تركية في كثير من مظاهرها، ولم يكن الوالي ذلك الوقت يعني إلا بتشجيع العلوم التي هي أساس الإصلاح المادي، ولم يلتفت إلا لإنهاض البلاد، وإنقاذها مما انحدرت إليه من تأخر إداري، وحيوي تمخض عنه العصر السابق.
بقي الشعر في هذه المرحلة على ما كان عليه من ارتصاد للبديع، وتهالك على الزخرف، وولوع بالتاريخ الشعري الذي اخترع في العصر الماضي، وأغرم الشعراء به، بل من القصائد ما يكون كل بيت، أو شطر منها تاريخا.
стр. 483
ولعل لرغبة الأمراء في تسجيل أعمالهم، وضبطها بسني حدوثها أثرا في إكثار الشعراء من ذلك، فقد رأينا التواريخ تكتب بالشعر على القبور، والمنشآت من مساجد ومنازل وسفن وغيرها، ويسجل بها ما يكون من قران، أو ختان حتى طبع الكتب كان يؤرخ بالشعر أيضا.
ومن شعراء الأزهر في هذه الفترة "السيد إسماعيل الخشاب"، "والسيد علي الدرويش"، "والشيخ حسن العطار" "والشيخ محمد شهاب الدين المصري".
الشعر في المرحلة الثانية:
كان عصر "إسماعيل" نهضة مشبوبة في شتى مظاهر الحياة، نهضة في العلم والفن والأدب، وقد أعان على ذلك نشاط المطابع في إخراج الكتب المؤلفة والمترجمة، وإحياء ما اندثر من الأدب العربي الخصب، وما تم من إنشاء دار الكتب التي سهلت للأدباء الاطلاع، ووفرت لهم اتساع الثقافة، وقد مكن الخديو "إسماعيل" الإفرنج، وغيرهم من التروح إلى وادي النيل والإقامة فيه، ونشط الأدباء وقربهم، وأنعم عليهم فتكاثر الشعراء والأدباء، ودخل الأدب شيء من صبغة المدنية الحديثة، والخيالات الشعرية التي نقلت بالمخالطة أو الأسفار، أو بمطالعة كتب الإفرنج الشعرية١.
وشاعت الحرية في عصر "إسماعيل"، وأحس الشعراء والأدباء بالقدرة على التعبير لا يحد من حريتهم عنت، ولا يحبس عواطفهم تضييق، أو إرهاق وبشيوع الحرية استيقظت الأفكار، ونهضت القرائح وتيسر للأديب، والشاعر أن يعبر عن إحساسه، وخوالج نفسه بألوان من التعبير وفنون من التصوير.
ونزع شعراء هذا العصر أيضا إلى تقليد الأساليب الغربية، وتأثروا بالحضارة الحديثة والعلم الجديد، وامتزجت خيالاتهم بخيالات الغرب التي
стр. 484
نقل منها إذ ذاك جانب غير قليل.
ولم يكن "إسماعيل" ليجفو الأدباء أو ينأى بجانبه عن الشعراء، بل كان هاشا لهم بارا بهم، يفيض عليهم في غير عسر ولا تضييق، حتى لقد ذكروا أنه أعطى بطرس البستاني ألفا وخمسمائة جنيه معونة له على طبع دائرة المعارف، وأجرى على "السيد جمال الدين الأفغاني" عشرة جنيهات شهريا من مال الدولة تقديرًا لفضله، وعوض على "إبراهيم المويلحي" خسارته التي خسرها في التجارة١.
وبلغ من حب "إسماعيل" للشعراء خاصة أن اصطفى منهم شاعرين لخاصته هما الشاعران الأزهريان "الشيخ علي الليثي، والشيخ علي أبو النصر المنفلوطي، بل لقد وكل تربية أبنائه إلى العالم الشاعر الأديب "الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري".
وكان ذلك حاثا للشعراء على أن يمتدحوا "إسماعيل"، وأن ينظموا الشعر في الولاء له، حتى لم تخل صحيفة الوقائع، وهي الصحيفة الرسمية من شعر يمدح به في شتى المواسم، والأعياد والمناسبات.
على أن هذه العوامل كلها لم تكن كفيلة بأن تغير صفحة الشعر تغييرا تاما، بل لقد ظل متورطا في الصناعات اللفظية والمحسنات البديعة، ولم يزل الشعراء عاكفين على التاريخ في قصائدهم، وإن كانوا قد اتجهوا نحو الفكرة في الشعر وتوخوا المعنى شيئا ما، واتسعت أفكارهم، وخفت تناولهم الزخرف وتزيينهم الألفاظ والأساليب.
أما "توفيق باشا"، فقد منح الأدب عناية، وتشجيعا عظيمين وأجدى على الشعراء وكافأهم، بل دل على ولوع بالشعر وارتياح له، وقد حدث "عبد الله فكري باشا" أن "توفيقا" أمره بأن يجمع من الحكم والأمثال، وجوامع الكلم أبياتا تكون زينته في المسامرة، وعونه في المطارحة والمحاضرة،
стр. 485
ومرشد المحاسن السجايا الفاخرة.
وارتياح "توفيق" للشعر هو الذي بدل عضبه على الثائرين على حكومته صفحا ورضا، واستجاب للشعر فعفا به وأغضى، كتب إليه "عبد الله فكري باشا"، وكان متهما باشتراكه في الثورة العرابية، ومشايعته الثائرين يستعطفه بقصيدته التي يقول في مطلعها:
كتابي توجه وجهة الساحة الكبرى ... وكبر إذا وافيت واجتنب الكبرا
وقف خاشعا واستوهب الإذن والتمس ... قبولا وقبل سدة الباب لي عشر
وبلغ لدى الباب الخديوي حاجة ... لذي أمل يرجو له البشر والبشرى
فلم يلبث "توفيق" أن هش له وعطف عليه، ورد إليه معاشه الذي كان قد حرمه إياه.
ويدل صنيع "توفيق" مع "السيد عبد الله نديم" هذه الدلالة فقد شفع له إذ مثل بين يديه بعد أن كان جاد في تعقبه مكافئا على العثور به، وهو خطيب الثورة الذي هيج النفوس وملأها حماسة وثورة، عفا عنه "توفيق" ارتياحا لأدبه وتقديرا لبيانه، وذلك هو المرحوم "أحمد شوقي بك" يحدث عما تقلب في أعطافه من رعاية "توفيق"، وحدبه إذ أمره بألا يتجه إلى والده في شيء من حاجاته، ورغائبه وأن يتجه بها جميعا إليه.
وكان من آثار شيوع الثقافة وانتشار التعليم والصحابة، وسعة الحرية تلك الثورة العربية التي هزت الأفكار، وأيقظت القرائح والعقول.
ومن شعراء تلك المرحلة "محمود صفوت الساعاتي"، و"السيد علي أبو النصر المنفلوطي"، "والسيد صالح مجدي بك"، "وعبد الله فكري باشا" "والشيخ علي الليثي"، "وعثمان بك جلال".
стр. 486
المرحلة الثالثة:
اقترن عهد "توفيق" بالثورة العرابية التي كانت أثرا من آثار الشعور بالكرامة الوطنية، والنزوع إلى الحياة الكريمة، وكان الاحتلال الإنجليزي يدا امتدت إلى الحرية فسلبتها، وإلى العزة فجرحتها، وإذ ذاك صرخت الدماء، واشتعلت العزائم وهب الشعب المصري ينادي بالحرية، والحياة فطفق الأدباء والشعراء يعبرون عن نكبة الوطن بمختلف الأساليب، ويصورون حال الشعب بفنون من القول، ونزح كثير من المصريين إلى أوروبا لطلب العلم بها، والتحدث عن قضية مصر فيها، فنجم عن ذلك الاختلاط امتزاج في الفكر، والخيال كان مما ساعد على بلوغ هذه النهضة.
وكان لهذا الاحتلال السياسي أثره في نفوس الأدباء والشعراء، فصوروا هذه الكارثة السياسية، وحضوا على الجهاد والتحرر ما ساعفهم، والمجال وأصبحت السياسة غرضا جديدا من أغراض الشعر يتوخاه كل شاعر حسبما تسمح ملابساته وشئونه، والتفوا إلى ماضيهم الخالد ينشرون مجده، ويعرضون منه صفحات عساها تحفز الهمم لتصل الحاضر بالماضي.
وكان "للبارودي" أبلغ الأثر في توجيه النهضة الشعرية في هذا العصر فراح الشعراء يجرون على طريقته، ويترسمون سبيله ويتوخون محاكاته، فعكفوا على شعر الفحول من شعراء العرب في الجاهلية والإسلام، واستظهروا ما راق وطاب، فتهيأت لهم ملكات سليمة، وطباع طيعة "وجرى الشعر جزلا شريف اللفظ مشرق الديباجة متلاحم النسج، رصين القافية"١.
وبدأ الشعراء يهجرون الطلاء اللفظي، ويجافون الزخرف والمحسنات، لا يعملون فيها فكرا، ولا يبذلون لتحصيلها جهدا، إلا إن واتتهم عفوا ووفدت إليهم دون استكراه، وأصبح الشعراء على الإجمال يستنكفون من القيود التي كان سلفهم مقيدين بها من حيث الاستهلال، والتخلص
стр. 487
والجناس وصاروا إذا اهتموا بمديح، أو رثاء أو غزل، أو حكمة بدأوا بها رأسا، وإن كان كثير منهم لا يزالون يتحدون أساليب القدماء١.
أما معاني الشعر فقد زادت جدتها، واتسع أفقها بما تيسر لها من مظاهر جديدة ونهضة محدثة، وأدب أجنبي يفسح في الثقافة، ويزيد في ألوانها ويمد في خيالاتها، كل هذا كان نبعا صافيا نهل منه الشعراء، فأغناهم عن مجاراة الأقدمين في بكاء الأطلال، والديار والحنين إلى الظباء والعيس، فأصبحوا يصفون ما جد من المخترعات، وما استحدث من العلم وابتدع من الفنون.
وقد حفلت هذه الفترة بالشعراء الفحول الذين رفعوا مكانه الشعر، وردوا إليه حياته، وجماله من أمثال "محمود سامي البارودي"، "وأحمد شوقي" "وحافظ إبراهيم"، "وحفني ناصف"، "ومحمد عبد المطلب".
التجديد في الشعر:
كان من الطبعي أن يساير الشعراء روح العصر، وأن يتأثروا بالحضارة الحديثة التي وافتهم من الغرب، فيجددوا في أفكار الشعر وأساليبه، وخيالاته وطرق تصويره، ويجانبوا الغموض والتعقيد، ويعالجوا وصف المخترعات المحدثة والحياة الجديدة، ويتوخوا المعاني فيجعلوها موضع احتفالهم، والأغراض فتدور على شرحها والتعبير عنها أفكارهم، دون كلف باللفظ أو ولوع بالطلاء.
وكان من الشعراء المصريين في هذا العصر من بلغوا في هذا الشأن مبلغا سما به الشعر والشعراء، فكانوا مثلا كريما للشعراء الذين جمعوا إلى جزالة القديم، ورصانته تطور الحديث في كل مظاهره، وكان منهم جمهرة يعقد عليهم الأمل ويناط بهم الرجاء من أمثال "شوقي وحافظ وإسماعيل صبري" لولا
стр. 488
أن الموت استأثر بهم فقام من بعدهم فريق من الشعراء يهتدي مرة، ويضل أخرى، وتستقيم له الطريق حينا، وتلتوي به آخر.
وكان من آثار النهضة الجديدة في الشعر أن التفت كثير من الشعراء عن العكوف على طريقة العرب القديمة، فلجأوا إلى السهولة، ومجاراة العصر في الوصف، وتصوير الحضارات الطارفة، واستعملوا في شعرهم ما يتصل بشئون العصر من تعبير، أو تفكير، أو خيال، أو غرض، غير أن بعض الشعراء لا يزالون يتحدثون عن الأطلال والد من والأربع الخوالي، والناقة البيداء، والعرار وصبا نجد، وكأنهم لم يجدوا من بيئتهم الخصبة بخيالاتهم، ومشاهدها وصور الحياة فيها ما يشغلهم، ويكون مجالا لتفكيرهم، وأداة لخيالهم ومناطا لتصويرهم، وكأنهم يعيشون في عصر غير عصرهم، ويحدثون قوما لا صلة لهم بهم في الشعور والتصوير.
نحب تراثنا العربي المجيد، ونود أن نفاخر به في كل حين، وأن يستزيد الشعراء من استظهار هذه الثروة الخصبة ليستمدوا منها القوة والجزالة، ويستعينوا بها على تقوية الملكات وتنمية القرائح، لكن على أن يعين ذلك كله الشعراء على تأدية رسالتهم في هذه الحياة، فيوائموا العصر ويسارقوا الشعور، وإلا عاش الحاضر بماضي الآباء والأجداد، وعقم المعاصر عن إيجاد نهضة شعرية تكون للأدب حياة، وللشعراء مجدًا.
وهناك فريق من شعراء مصر انصرفوا عن القديم برمته، وأغضوا عن كل ما أعقبه الماضي من ثروة، وهاموا بالجديد وانفضوا عن القديم؛ لأنه قديم، كأن الجدة وحدها هي البريق الذي يخطف أبصارهم، نأى هؤلاء عن الشعر العربي القديم، وتخلوا عن أساليبه ففاتتهم جزالة النسج وأخطأوا النهج الواضح، وضلوا الأسلوب الرصين، وأصبحوا فراغا من القديم والجديد معا؛ لأن ما وافاهم من الجديد لم يكن إلا تخبطا وعثارا، وما كان هذا المسلك منهم إلا عيا في الملكات، وجمودا في القرائح، والمرهوبون من الشعراء الفحول من يجمعون بين جزالة القديم، وروعته وجدة المحدث وطرافته.
стр. 489
وإنك لتجزع لما يطالعك من شعر هؤلاء من خيال سقيم، وغرض تافه وإدعاء ممقوت، ومعنى سمج، وفكر ناب، وقد ملأوا الدنيا ضجيجا، ومفاخرة بدواوينهم الغثة التي يخلعون عليها ألقاب المجد ونباهة الشأن ورفعة المنزلة، مدعين أنها دراسات فنية دقيقة، وتصويرات رائعة رقيقة، وأنها الهامات من لدن الوحي الصادق، والعبقرية الملهمة.
وأول ما تشاهده في هذه الدواوين بوجه عام ذلك التنوق الظاهر في اختيار الأسماء، واختلاق الألقاب للدواوين والأشعار، فإنك تجد فيها "الينبوع والشفق الباكي، واللحن الضائع والغمام الحائر والأعشاب، وتجد بين أسماء القصائد والمقطوعات الحزن الوديع، وزهر الحب، واللهفة الخالدة والبسمة الحزينة، وحلم العذارى، وأنشودة الهاجر"، وهي ترجمة لبعض ما يترامون عليه ويدعون دراسته، والمعرفة برجاله من الأدب الأجنبي مما يصح أن يشعرك أيضا باتهامهم لأدبهم حتى احتاجوا إلى تزيينه بمثل الكلمات المجلوبة، والألقاب المموهة١.
هذه هي الألقاب التي يفتنون في اطلاقها على دواوينهم، وقصائدهم ومقطوعاتهم وذلك هو مظهر التجديد عندهم، على حين أن شعرهم من المعاني الخصبة، والأغراض الكريمة خواء.
стр. 490
شعراء الأزهر والتجديد في الشعر:
ومن التجديد المثمر الذي أدخل على الشعر العربي في العصر الحديث ما فعله الشيخ "رفاعه رافع الطهطاوي"، أحد زعماء النهضة الأدبية العلمية في هذا العصر، فإنه لما عاد من بعثه إلى "باريس" حاول إدخال نوع جديد في الشعراء المصري، إذ كان قد تعلم الفرنسية وآدابها، وأراد محاكاة بعض الشعراء هناك، وكان من أول آثره في ذلك أن نقل قصيدة "المارسيليز" التي هي تشيد فرنسا القومي إلى العربية في شعر تصرف فيه بعض التصرف، حيث قال:
فهيا يا بني الأوطان هيا ... فوقت فخاركم لكم تهيا
أقيموا الراية العظمى سويا ... وشنوا غارة الهيجا مليا
عليكم بالسلام أيا أهالي ... ونظم صفوفكم مثل اللآلى
وخوضوا في دماء أولي الوبال ... فهم أعداؤكم في كل حال
وجودكم غدا فيكم جليا ... فماذا تبتغي منا الجنود
وهم جمع وأخلاط عبيد ... كذا أهل الخيانة والوفود
كذاك ملوك بغي لم يسودا ... تعصبهم لنا لم يجد شيئا
إلخ.
وقد جرى على هذا النهج في إنشاء أناشيد وطنية مصرية، ومدائح لحكام مصر مزجها بذكر مجد البلاد، ومن ذلك منظومة طبعت بمطبعة بولاق سنة ١٢٢٧ من الهجرة قال فيها يمدح "سعيد باشا" الخديو:
بشرى لمصر سعدها بالعز لاح ... وسعيدها بالفوز ساعده الفلاح
أبناء مصر نحن موطننا أصيل ... حسب عريق زانه مجد أثيل
стр. 491
وفخارنا في الكون جل عن المثيل
بشرى لمصر.......... ... ..........................
نحن السراة وشأننا حب الوطن ... ولشأننا السامي نزاحم من قطن
شاني حمانا ليس من أهل الفطن ... فهو الدعي وعرضه شرعا مباح
بشرى لمصر............ ... ............................
وطن عزيز لا يهان ولا يضام ... وحمى تعزز من علا علياه حام
مجد له لا زال يخترق الغمام ... عين السها لفخارة ذات التمام
بشرى لمصر............... ... ...............................
إلخ.
فكان الشيخ "رفاعة" من المجددين في الشعر على هذا النمط.
وكان صاحب الفضل في إضافة هذا اللون من الشعر الذي يمثل الحياة المصرية من بعض وجوهها.
لقد غرس "رفاعة" في الشعر الحديث هذا الغرض الذي كان نواة للأناشيد القومية التي تودع كل معاني الحماسة، والغيرة على الوطن والتي هي رمز لكفاح الدولة.
وكان من تجديد الأزهريين في الشعر الحديث أيضا ما اقتدر عليه المرحوم "السيد عبد الله نديم"، من إخضاع الزجل لمعاني الشعر الرفيعة، وإيداعه خيالاته الرائعة، وألوان الأدب في شتى صورها -واستخدامه الزجل في توجيه الشعب، وتقويم الأمة ودعوتها للنهوض سياسيا، وخلقيا واجتماعيا.
стр. 492
الثورة على الأوزان الشعرية:
ومما جنح إليه كثير من الشعراء المحدثين الثورة على الأوزان الشعرية زاعمين أن التزام وزن واحد، وقافية واحدة يصدعن الإطالة، ويعوق دون إحداث الملاحم في الشعر العربي، وقد أطلقوا على القصيدة التي تجمع أوزانا مختلفة "مجمع البحور"، والتي تضم أكثر من قافية "الشعر المرسل"، ولست أعرف لمذهبهم هذا من سبب، ولا لثورتهم تلك من علة، إلا عجزهم عن الإطالة وإعياء نفسهم عن الاسترسال، وضعف معينهم الشعري عن الإفاضة، والتدفق فيما اتحد نغمة ولحنا.
وقد كان من أثر ذلك أن اختلت نغمة الشعر واضطربت ألحانه، ومجتها الأسماع ولو أن هؤلاء الشعراء قنعوا بما استحدث من الأنواع التي يستريح الشاعر فيها من التزام القافية كالموشح، والمزدوج والمسمط التي اخترعت من قبل لحفظوا جمال الشعر، وأبقوا على روعته.
نعم إن المرحوم "شوقي بك" ارتضى لنفسه الجمع بين الأوزان المختلفة، والتنقل من بحر إلى بحر في رواياته الشعرية، ولكن ذلك مذهب في الشعر سائغ لا ينكسر، إذ أن "شوقي" لم يعمد إلى ذلك عن تقاصر منه أو إعياء، وهو صاحب المطولات التي تطول، وتطول حتى يخيل إليك أن صاحبها لا يفرغ منها، وهو في آخرها كأولها قوة وصفاء لفظ، وإشراق ديباجة، ولكنه عمد إلى ذلك في رواياته التمثيلية التي هي أداة التسلية ومجال التلهي، ومن شأن ما هو كذلك أن لا يكون على الطول الممل، والإسهاب المسئم.
على أن "لشوقي" مندوحة في هذا الصنيع إذ أن الروايات إنما تقوم على ألسنة مختلفة، وأبطال متعددة، ولكل منهم أن ينشد على وزن غير ما ينشد عليه الآخر، وأن يغاير بقافية غير قافيته.
стр. 493
والذي نراه صالحا، ومحققًا لما يريد المحدثون من استطاعة نظم الملاحم والقصص الطويل هو أن يجعل الشاعر ملحمته، أو قصته فصولا، وأبوابا يختار لكل فصل أو باب الوزن والقافية المناسبين له، وبذلك يجمع بين صيانة القصيد العربي، وما يريد من طول النفس، ويكون كل فصل من قصته قصيدة واحدة بوزنها١.
стр. 494
نظر علماء الأزهر إلى الشعر:
رسالة الأزهريين دينية خلقية، ينشرون دين الله في الأرض، ويحضون على الفضائل جهدهم، ويدعون إلى مكارم الأخلاق بكل أسلوب، ومن ثم كان طابعهم الجلال وسمتهم الزماتة والوقار، وحديثهم النقي العفيف، يحرصون كل الحرص على أن يكون شعرهم بعيدًا من الفحش لإمامتهم في الناس، ويجهدون أنفسهم في مجانبة ما لا يتفق مع هذه النزعة، أو يجافي ذلك الاتجاه.
وفي هذا الأفق ينظر علماء الأزهر إلى الشعر، وبهذه المثابة يرون رأيهم فيه، فلم يكن من الجائز في نظرهم أن يسرفوا في قول الشعر هجاء وملاحاة، أو يمنعوا في قرضه خوضا في عرض. أو تأريثا لعداوة، ولم يعهد فيهم أن يقولوا الشعر لا يتحرزون فيه عن ذكر الغافلات المقصورات في خدورهن، ورأوا من كرامة العلماء أن يعفوا عن المبالغة في المدح والإطراء، والتدلي إلى الكذب والتجني على الناس، وإذا حاموا حول ذلك في شعرهم، فبقصد واعتدال دون إغراق ولا مغالاة، وهذا الشعور من العلماء، وتلك النظرة منهم إلى الشعر كانت جناية في كثير من الأحيان على كثير من فنون الشعر وأغراضه، فقد أنفوا أن تفيض شاعريتهم في ألوان مختلفة تهتز لها الأسماع، وتخفق لها القلوب، فكان ذلك مضعفا لشعرهم فوق ما ضعف به من ضيق خيالهم، وأفقهم المحدود الذي يعيشون فيه.
والشعر في رأى الشاعر الذي لا يتزمت، ولا يتعفف خيال وتصوير وافتتان لا تحرج ولا تصون فيه، وأعذبه في رأيه أكذبه كما يقولون، ولكنه عندهم في هذا المتجه مجافاة لرسالتهم وزراية بمكانتهم، وذلك هو الذي حمل العلماء على أن يطووا صفحة فيها مجون وطرب، وفيها خفة وغزل، وألا ينشروا
стр. 495
من ذلك إلا الهين المقتصد، وذلك هو الذي حضهم على أن يخفوا عن الناس شعرا أو دعوه مكنون صدورهم، ومجلى أخيلتهم وخفقة أفئدتهم، وجعلهم يشعرون بأن من الشعر ما هو عورات يجب أن تستر، واستهتار لا ينبغي أن يظهر.
وهذا هو "السيد عبد الله نديم" الأزهري الخطيب الكاتب الشاعر تبحث عن شعره الذي تدفقت به شاعريته الفياضة، فلا تهدتدي إلا إلى غيض من فيض وقل من كثر حدث الأستاذ "أحمد سمير المترجم له في صدر مختاراته المعروفة "بسلافة النديم"، أن له ديوانين منظومين يشتملان على سبعة آلاف بيت.
ويقول في تصديره للسلافة، "ولما كان في يافا أول مرة بعث إلى محررًا يكلفني به أن أطلب "ديوان شعره الصغير" من صديقه المرحوم "عبد العزيز بك حافظ"، فلما قصدته وجدته مصابًا في قواه العقلية بما لم يدع للطب مجالا، ثم كتب إلى ثانيا بأن ديوانه الأوسط عند "م. بك. ف"، فطلبته منه فاعتذر بأنه ضاع، فلما أنبأت المترجم بذلك أرسل إلي في مكتوبه الثالث أنه إنما طلبهما ليحرقهما براءة منهما، ومن أمثالها؛ لأن فيهما هجوا كثيرا، وختم المكتوب بهذه العبارة، "وقد خلعت تلك الثياب الدنسة، وليست ثوب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ".
ذلك هو رأي أحد علماء الأزهر في الشعر، وتلك هي نظرته له فالهجاء في نظره رجس والملاحاة في رأيه ثوب من الدنس، ومن ثم فهو يريد أن يحرق هذا الشعر، وأن يجعل هذه الثروة القيمة حطبا للتاركي يذهب الله عنه الرجس ويطهره تطهيرًا.
وهذا شاعر آخر من شعراء الأزهر الفحول، وهو المرحوم "الشيخ علي الليثي" يلعن من يطبع ديوانه المخطوط المحفوظ؛ لأنه يخشى حسابه على ما أودعه من قول يزعم أن فيه منافاة للورع والتقية.