وفخارنا في الكون جل عن المثيل
بشرى لمصر.......... ... ..........................
نحن السراة وشأننا حب الوطن ... ولشأننا السامي نزاحم من قطن
شاني حمانا ليس من أهل الفطن ... فهو الدعي وعرضه شرعا مباح
بشرى لمصر............ ... ............................
وطن عزيز لا يهان ولا يضام ... وحمى تعزز من علا علياه حام
مجد له لا زال يخترق الغمام ... عين السها لفخارة ذات التمام
بشرى لمصر............... ... ...............................
إلخ.
فكان الشيخ "رفاعة" من المجددين في الشعر على هذا النمط.
وكان صاحب الفضل في إضافة هذا اللون من الشعر الذي يمثل الحياة المصرية من بعض وجوهها.
لقد غرس "رفاعة" في الشعر الحديث هذا الغرض الذي كان نواة للأناشيد القومية التي تودع كل معاني الحماسة، والغيرة على الوطن والتي هي رمز لكفاح الدولة.
وكان من تجديد الأزهريين في الشعر الحديث أيضا ما اقتدر عليه المرحوم "السيد عبد الله نديم"، من إخضاع الزجل لمعاني الشعر الرفيعة، وإيداعه خيالاته الرائعة، وألوان الأدب في شتى صورها -واستخدامه الزجل في توجيه الشعب، وتقويم الأمة ودعوتها للنهوض سياسيا، وخلقيا واجتماعيا.
стр. 492
الثورة على الأوزان الشعرية:
ومما جنح إليه كثير من الشعراء المحدثين الثورة على الأوزان الشعرية زاعمين أن التزام وزن واحد، وقافية واحدة يصدعن الإطالة، ويعوق دون إحداث الملاحم في الشعر العربي، وقد أطلقوا على القصيدة التي تجمع أوزانا مختلفة "مجمع البحور"، والتي تضم أكثر من قافية "الشعر المرسل"، ولست أعرف لمذهبهم هذا من سبب، ولا لثورتهم تلك من علة، إلا عجزهم عن الإطالة وإعياء نفسهم عن الاسترسال، وضعف معينهم الشعري عن الإفاضة، والتدفق فيما اتحد نغمة ولحنا.
وقد كان من أثر ذلك أن اختلت نغمة الشعر واضطربت ألحانه، ومجتها الأسماع ولو أن هؤلاء الشعراء قنعوا بما استحدث من الأنواع التي يستريح الشاعر فيها من التزام القافية كالموشح، والمزدوج والمسمط التي اخترعت من قبل لحفظوا جمال الشعر، وأبقوا على روعته.
نعم إن المرحوم "شوقي بك" ارتضى لنفسه الجمع بين الأوزان المختلفة، والتنقل من بحر إلى بحر في رواياته الشعرية، ولكن ذلك مذهب في الشعر سائغ لا ينكسر، إذ أن "شوقي" لم يعمد إلى ذلك عن تقاصر منه أو إعياء، وهو صاحب المطولات التي تطول، وتطول حتى يخيل إليك أن صاحبها لا يفرغ منها، وهو في آخرها كأولها قوة وصفاء لفظ، وإشراق ديباجة، ولكنه عمد إلى ذلك في رواياته التمثيلية التي هي أداة التسلية ومجال التلهي، ومن شأن ما هو كذلك أن لا يكون على الطول الممل، والإسهاب المسئم.
على أن "لشوقي" مندوحة في هذا الصنيع إذ أن الروايات إنما تقوم على ألسنة مختلفة، وأبطال متعددة، ولكل منهم أن ينشد على وزن غير ما ينشد عليه الآخر، وأن يغاير بقافية غير قافيته.
стр. 493
والذي نراه صالحا، ومحققًا لما يريد المحدثون من استطاعة نظم الملاحم والقصص الطويل هو أن يجعل الشاعر ملحمته، أو قصته فصولا، وأبوابا يختار لكل فصل أو باب الوزن والقافية المناسبين له، وبذلك يجمع بين صيانة القصيد العربي، وما يريد من طول النفس، ويكون كل فصل من قصته قصيدة واحدة بوزنها١.
стр. 494
نظر علماء الأزهر إلى الشعر:
رسالة الأزهريين دينية خلقية، ينشرون دين الله في الأرض، ويحضون على الفضائل جهدهم، ويدعون إلى مكارم الأخلاق بكل أسلوب، ومن ثم كان طابعهم الجلال وسمتهم الزماتة والوقار، وحديثهم النقي العفيف، يحرصون كل الحرص على أن يكون شعرهم بعيدًا من الفحش لإمامتهم في الناس، ويجهدون أنفسهم في مجانبة ما لا يتفق مع هذه النزعة، أو يجافي ذلك الاتجاه.
وفي هذا الأفق ينظر علماء الأزهر إلى الشعر، وبهذه المثابة يرون رأيهم فيه، فلم يكن من الجائز في نظرهم أن يسرفوا في قول الشعر هجاء وملاحاة، أو يمنعوا في قرضه خوضا في عرض. أو تأريثا لعداوة، ولم يعهد فيهم أن يقولوا الشعر لا يتحرزون فيه عن ذكر الغافلات المقصورات في خدورهن، ورأوا من كرامة العلماء أن يعفوا عن المبالغة في المدح والإطراء، والتدلي إلى الكذب والتجني على الناس، وإذا حاموا حول ذلك في شعرهم، فبقصد واعتدال دون إغراق ولا مغالاة، وهذا الشعور من العلماء، وتلك النظرة منهم إلى الشعر كانت جناية في كثير من الأحيان على كثير من فنون الشعر وأغراضه، فقد أنفوا أن تفيض شاعريتهم في ألوان مختلفة تهتز لها الأسماع، وتخفق لها القلوب، فكان ذلك مضعفا لشعرهم فوق ما ضعف به من ضيق خيالهم، وأفقهم المحدود الذي يعيشون فيه.
والشعر في رأى الشاعر الذي لا يتزمت، ولا يتعفف خيال وتصوير وافتتان لا تحرج ولا تصون فيه، وأعذبه في رأيه أكذبه كما يقولون، ولكنه عندهم في هذا المتجه مجافاة لرسالتهم وزراية بمكانتهم، وذلك هو الذي حمل العلماء على أن يطووا صفحة فيها مجون وطرب، وفيها خفة وغزل، وألا ينشروا
стр. 495
من ذلك إلا الهين المقتصد، وذلك هو الذي حضهم على أن يخفوا عن الناس شعرا أو دعوه مكنون صدورهم، ومجلى أخيلتهم وخفقة أفئدتهم، وجعلهم يشعرون بأن من الشعر ما هو عورات يجب أن تستر، واستهتار لا ينبغي أن يظهر.
وهذا هو "السيد عبد الله نديم" الأزهري الخطيب الكاتب الشاعر تبحث عن شعره الذي تدفقت به شاعريته الفياضة، فلا تهدتدي إلا إلى غيض من فيض وقل من كثر حدث الأستاذ "أحمد سمير المترجم له في صدر مختاراته المعروفة "بسلافة النديم"، أن له ديوانين منظومين يشتملان على سبعة آلاف بيت.
ويقول في تصديره للسلافة، "ولما كان في يافا أول مرة بعث إلى محررًا يكلفني به أن أطلب "ديوان شعره الصغير" من صديقه المرحوم "عبد العزيز بك حافظ"، فلما قصدته وجدته مصابًا في قواه العقلية بما لم يدع للطب مجالا، ثم كتب إلى ثانيا بأن ديوانه الأوسط عند "م. بك. ف"، فطلبته منه فاعتذر بأنه ضاع، فلما أنبأت المترجم بذلك أرسل إلي في مكتوبه الثالث أنه إنما طلبهما ليحرقهما براءة منهما، ومن أمثالها؛ لأن فيهما هجوا كثيرا، وختم المكتوب بهذه العبارة، "وقد خلعت تلك الثياب الدنسة، وليست ثوب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ".
ذلك هو رأي أحد علماء الأزهر في الشعر، وتلك هي نظرته له فالهجاء في نظره رجس والملاحاة في رأيه ثوب من الدنس، ومن ثم فهو يريد أن يحرق هذا الشعر، وأن يجعل هذه الثروة القيمة حطبا للتاركي يذهب الله عنه الرجس ويطهره تطهيرًا.
وهذا شاعر آخر من شعراء الأزهر الفحول، وهو المرحوم "الشيخ علي الليثي" يلعن من يطبع ديوانه المخطوط المحفوظ؛ لأنه يخشى حسابه على ما أودعه من قول يزعم أن فيه منافاة للورع والتقية.
стр. 496
ولعلي لم أسمع أن شاعرا آخر معاصرا غير أزهري طاوعته نفسه أن يحرق شعره؛ لأن فيه هجوا، وملاحاة مهما كان شعره من الغثاثة، والضعف والانحلال طلبا للتطهير وبعدا من الرجس والدنس، ولعلي أيضا لم أسمع أن شاعرًا آخر غير أزهري لعن من يطبع ديوانه المخطوط المحفوظ لسبب من الأسباب.
بل إن كثيرًا من الشعراء غير الأزهريين يقيمون حول شعرهم ضجة هائلة من الدعاية والترويج، ويجتهدون في طبع شعرهم محتالين على أرباب اليراعات أن يقدموا دواوينهم بعبارات التقريظ، والإطراء المبالغين، بل إن كثيرا من الشعراء غير الأزهريين يسعون لدى الشفعاء أن يتوسطوا لطبع لشعرهم، وعساهم ألا يقتصروا على طبع الشعر، بل يقدموا لكل قصيدة بصورة رمزية تمثل فتاة عارية أو صبيا ضارعا، أو منظرا مسرفا في فحشه وخلاعته، ويرى الأستاذ العقاد أن القدوة عند شعراء الأزهر في هذا المذهب ما يروى عن الإمام الشافعي، إذ يقول:
ولولا الشعر بالعلماء يزري ... لكنت اليوم أشعر من لبيد١
وقد يكون القدوة عندهم في ذلك ما حكم الدين به على الشعر، فهم يعلمون أن الإسلام إنما جاء بالجد الذي يحض على الثواب في الآخرة، ويحرم على المسلمين فضلا عن علمائهم الكذب في القول، وإشاعة الفاحشة، وقذف المحصنات والحديث عن الخمر والمحرمات، والولوع في الأغراض، وتأريث العداوات.
وهم يعلمون أن الله نزه محمدا ﷺ عن الشعر، فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ ، وأن الله ذم الشعراء بقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ ، وأن النبي ﷺ قال: "لأن يمتلئ جوف
стр. 497
أحدكم فيريه خير له من أن يمتلئ شعرا.
وهم يعلمون أيضا أن النبي ﷺ ، قال: "إن من البيان لسحرا وإن من الشعر حكما"، وأنه خلع على كعب بن زهير بردته التي اشتراها منه معاوية بثلاثين ألف درهم، وتوارثها الخلفاء من بعده يلبسونها في الجمع والأعياد.
وأنه كان يكثر من استنشاد الخنساء في رثاء أخيها صخر، ويقول: "هبه يا خناس"، وأنه دعا إلى الشعر واستعان به في دعوته، واتخذ حسان شاعرا له ينافح عنه، وكان يقول له: "شن الغارة على بني عبد مناف، فوالله لشعرك أشد عليهم من وقع الحسام في غبش الظلام"، وأنه استحسن شعر النابغة الجعدي ودعا له، وذلك حيث يقول النابغة: "أنشدت رسول الله ﷺ قولي:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا
فقال النبي ﷺ : "أين المظهر يا أبا ليلى؟ " فقلت: الجنة يا رسول
الله، فقال: أجل إن شاء الله. ثم قال: أنشدني -فأنشدته قولي:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر٢ تحمى صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال النبي ﷺ : "أجدت لا يفضض الله فاك"، قال الراوي: فنظرت إليه فكأن فاه البرد المنهل ما سقطت له سن، ولا انفلت٣ ترف غروبة٤.
стр. 498
كما يعلمون أن النبي ﷺ أثابه ودعا له، وأن الشعراء أنشدوا بين يديه واهتز لما أنشدوه، فهذه هي قتيلة أخذت النضر بن الحارث الذي كان غالبا في عداوة المسلمين بمكة يكثر أذاهم، ويلقن فتيان قريش الشعر في هجائهم أسره النبي في بدر وقتله، فجاءته أخته وأنشدته:
يا راكبا إن الأتيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق١
أبلغ به ميتا بأن تحية ... ما إن تزال بها النجائب تخفق٢
مني إليك وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخرى تخنق٣
هل يسمعني النضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميت لا ينطق٤
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله ارحام هناك تشقق٥
صبرا يقاد إلى المنية متعبا ... رسف المقيد وهو عان موثق٦
أمحمد ولدتك خير نجيبة ... في قومها والفحل فحل معرق٧
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق٨
فالنضر أقرب من قتلت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق
لو كانت قابل فدية لفديته ... بأعز ما يغلى به من ينفق٩
стр. 499
فقال رسول الله ﷺ : "لو سمعت هذا قبل قتله لمننت عليه".
وهم قد عرفوا أيضا أن كثيرا من شعراء الإسلام أنشدوا بين يدي النبي ﷺ غزلا، ومن ذلك ما أنشده كعب بن زهير إذ يقول:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول١
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول٢
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... لا يشتكي قصر منها ولا طول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول٣
كما عرفوا أن الخلفاء ارتاحوا للشعراء، واهتزوا له وحضوا على الحرص عليه وتأديب النشء به، فهذا عمر بن الخطاب يقول: رووا أولادكم ما سار من المثل وحسن من الشعر، وكتب إلى أبي موسى الأشعري يقول: مر من قبلك بتعلم الشعر، فإنه يدل على معالي الأخلاق، وصواب الراي ومعرفة الأنساب.
ويروى أن السيدة عائشة كانت تحفظ شعر لبيد وتقول: "رووا أولادكم الشعر تعذب ألسنتهم"، بل كانوا يجدون تعلمه ضروريا لتفهم القرآن، وقد قال ابن عباس ﵄: "إذا قرأتم شيئا في كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب".
стр. 500
هؤلاء العلماء عرفوا ذلك كله فيما توافد إليهم من التاريخ، والأدب فهم يعرفون أن موقف النبي ﷺ من الشعر، وموقف الخلفاء منه لم يكن بغضا كله ولا حبا كله، لم يرتاحوا للشعر في كل حال، ولم ينكروه وينفضوا عنه في كل حال، بل اهتزوا لما دعا منه لنصرة الدين، ومكارم الأخلاق وحض على المروءة والوفاء، والنجدة والأخذ بأسباب الفضائل، وارتاحوا لما كان غزلا عفيفا، وهوى بريئا لا يفضح النساء، ولا يكشف عن العورات ولا يتصل بالأعراض، بل يرمي إلى نبل الغاية وبراءة الهوى، وعفة القصد ولا يراد منه امرأة خاصة يكون الحديث عنها قذفا، وإفحاشا.
اهتزوا لهذا كله ولكنهم لم يستمعوا للشعر المفحش، ولم يطربوا لما تدلى إلى ضعة الأخلاق، ودناءة الأغراض.
فعلماء الأزهر الذين هم ورثة الأنبياء، والقائمون على دين الله سلكوا طريق الشعر على هذا النهج، وأباحوا منه لأنفسهم ما أباحه الإسلام، وحرموا منه على أنفسهم ما حرمه الدين، فنظرهم إلى الشعر فيه تقية وتورع، ومن ثم خلا شعرهم غالبا مما ينافي هذه المبادئ، ويحيد به عن الجادة.
ومن كانت رسالته بهذه المثابة، ومكانته على هذا الوضع، ونظرته في هذا الأفق لا يسمح لنفسه أن يشبب فيفحش، أو يهجو فيقذع، أو يمدح فيتضع أو يمعن في الحديث عن المحرمات والمجاهرة بالدعوة إلى الخمر، وهو العليم بأن ذلك تأثم واستهتار، فإن استجابت نفس بعض منهم لدواعي الشعر، وترنحت أعطافه بهوى ذلك الفن، وانساق في شعره مساق غيره من غير المتحرزين، فإنما يخفي ما يقوله ويكتمه عن الناس، وما ذلك فيهم إلا أقل من القليل.
وإني لأسائل نفسي هل كان شعراء الأزهر من فطرة غير فطر الناس، وهل خرجوا عن طبيعة البشر، فكان لهم إحساس خاص؟ هل يجمدون
стр. 501
حيث ترق العواطف، وينقبضون إذ ينطلق المحيا، ويعبسون للجمال إذا ابتسم له فم الزمان؟ هل مكنوا من الحواس والمشاعر فحرموها حسن التعبير، وعاشوا بها دون شرح وتصوير؟ هل حبسوا الخيال أن يطير في مجاليه، والقلب فلم يخفق بحب من يستهويه؟
أنا أفهم أن فريقا من شعراء الأزهر أحنقهم بعض الناس، فامتلأت نفوسهم بغضا له فهجوه، وصوروا بغضهم في شعر لاذع وهجر مرير، ومنهم من أحب من يجدر بحبه وإجلاله، فأفاض في شرح مكارمه وتصوير خلاله، وخلع عليه من ألقاب الرفعة وحلل الكمال ما يشاء الشعراء، ومنهم من ترنحت عواطفه لمعاني الجمال، وخفق فؤاده لإشراق القسمات ونور المحيا، وحومت روحه حول الخرد الغيد والظباء الكنس، وعبر عن ذلك بصور من شعره، وألوان من فنه -لم يكونوا جمادا ولا تماثيل ولم تكن لهم قلوب من الحجارة، ولا عواطف من غير عواطف الناس، هم أحبوا كما يحب كل إنسان، وهووا كما تهوى كل روح، وائتلفوا مع بعض الخلائق كما يأتلف كل خليل مع خليله، ولكن حبهم حب فضيلة ونبل، وهواهم هوى عفة وشرف، وغزلهم غزل كمال محتشم، وصبابة مخدرة، يتخيلونه في مطلع القصائد حينا، ويعبرون به عن شعورهم حينا آخر.
ولقد كان العلماء الشعراء في حيرة من أمرهم، فدينهم يدفعهم إلى التوقر وعواطفهم تحضهم على العزل والتشبيب، وحياة أمثالهم "تتطلب تجاهل الحب، وعدم الانسياق فيه وغض النظر وكبت النفس، وترك ذلك لأهل الخلاعة"، ولكن ما جريرتهم، "وليس مرد العشق إلى الرأي فيملك، ولا إلى العقل فيدرك، إنما هو كما قال الشاعر:
ليس أمر الهوى يدبر بالرأ ... ي ولا بالقياس والتدبير
إنما الأمر في الهوى خطرات ... محدثات الأمور بعد الأمور
لا تدرك الأبصار مداخله، ولا تعي القلوب مسالكه، وهو كما قال
стр. 502
القائل -إن لم يكن طرفا من الجنون، فهو عصارة من السحر- فسواء أكان صاحبه فقيها أم دينا ورعا، أم داعرا فاجرا فهو إذا مس قلبه صرعه، وأذله:
لقد كنت ذا بأس شديد وهمة ... إذا شئت لمسا للثريا لمستها
أتتني سهام من لحاظ فأرشقت ... بقلبي ولو أسطيع ردا رددتها١
ومن ثم لم يكن لهم بد على رغم تدينهم من تصوير عواطفهم، وشرح وجدانهم بالشعر، ولكن لم يظهر من شعرهم الغزلي في أغلب الأمر إلا ما نقيت صفحته وطهر غرضه وشرف مغزاه، وعسى أن يكون من ذلك ما يقوله "عبد الله باشا فكري"، أحد شعراء الأزهر ممثلًا إلى حد كبير براءة شعره الغزلي، ومجانبة الإفحاش والإسراف، وذلك حيث يقول:
ما أحيلي يوم اجتمعنا بروض ... أوردتنا ظلا ظليلا غصونه
كان فيه الرقيب غير قريب ... والزمان الخئون نامت عيونه
فهجرنا مر المدامة فيه ... بحديث مستعذب مضمونه
إن في سكرنا من اللفظ واللحـ ... ـظ غناء عما تدير يمينه
فقد تهيأ له لقاء الحبيب في الروض الناضر وظل غصونه الظليل، وليست عين الرقيب قريبة، فترى ما عساه أن يكون بين المحب وحبيبه من لهو الهوى، وعبث الغرام، ولكنه كان في صون وتحرز وهجر "مر المدامة" إلى عذب حديثه، وآثر "السكر" من لفظه ولحظه على سكر الكأس تديرها يمينه.
"وعبد الله فكري باشا"، هو الذي يحدث في شعره بأن أسباب الفتنة تواتت له، وتيسرت له بالمحب مفاتن تغري النفس، ومباهج تنحل معها أواصر العفة والتصون، ولكنه لم يجاف الشرف، ولم ينأ عن التعفف، وذلك حيث يقول:
стр. 503
فقالت وقد مال الكرى بقوامها ... كما مال بالنشوان صرف من الخمر
وماست تزجي ردفها في مورد ... من اللاذقد وشته بالدر والتبر١
وتمسح عن أجفانها النوم سحرة ... فيرفض عنها كل فن من السحر٢
وبتنا كما شاء الهوى في صيانة ... وعفة ثوب لم يزر على وزر
وهذا هو "رفاعة رافع الطهطاوي" أحد علماء الأزهر وشعرائه يمثل عفة العلماء وقناعتهم في الملذات، ويمر مر الكرام بما يطيل الشعراء الوقوف عنده، وتسريح النظر فيه وذلك حيث يقول:
قد قلت لما بدا والكأس في يده ... وجوهر الخمر فيه شبه خديه
حسبي نزاهة طرفي في محاسنه ... ونشوتي من معاني سحر عينيه
فهو يقنع بنزاهة طرفه في محاسن محبوبه عن التمتع بهذه المحاسن، فلا يقبل فما ولا يهصر عودًا، ولا يذهب مذاهب العشاق، من الضم والعناق، ويغنيه من حبيبه النظر إلى مواطن جماله، والنشوة بمعاني سحر عينيه عن كل ما يلتمس سواه من لذة ومتاع.
وهذا هو "عبد الله فكري باشا" الذي يعف في الهجاء، ويتدلى إلى الملاحاة، ويذهب مذهب القصد والاعتدال، فيتحرج من الإسفاف في الهجاء والإقذاع فيه، انظر إليه إذ يقول:
رماني بهجر القول لا دردره ... ولو رمت هجر القول لم يستطع في
стр. 504
ولو شئت حكمت القوافي بيننا ... بماضي شباة القول فيهم مصمم١
ولكنني أنهى اللسان عن الخنا ... وألوي عنان الأعوجي المقوم٢
سأضرب صفح القول عنهم نزاهة ... وأطويه طي الأتحمي المسهم٣
وهذا مذهب فيه تقية وتورع وصون "للسان عن الهجر، والإفحاش حتى لو رام هجر القول لأباه فمه على رغم أن القوافي ماضية كالسيف".
"وعبد الله فكري" أيضا يضرب أبلغ الأمثال في صون قريضه عن مدح من لا يجدر بمدحه، وهو بمثل مذهب العلماء الشعراء في التسامي بشعرهم عن مدح من هان شأنه من الناس، والضن بالإطراء على غير من هو أهل لإطرائه، فهو يقول:
ولذت بأعطاف القريض وطالما ... رميت ذراة بالقلا والتجهم
ولكنني أرويه عن غير أهله ... وأهديه مدحا للخديو المعظم
كما يمثل مذهبهم أيضا في صدق الشعر، والنأي به عن الكذب والنفاق، وقصره
على ما الحب داع من دواعيه:
فخر القصائد أني لست أنظمها ... إلا وللحب داع من وداعيها
стр. 505
ولا تجافيت عنها قبل من حصر ... بحمد ربي ولا ضنت قوافيها
لكنها نفس حر لا تهم بما ... لا يستوي فيه باديها وخافيها
وعسى أن تجد بعض هؤلاء الشعراء يمدح من هان شأنه من الناس، ويهدي قصيده لمن هو غير أهل لمدحه، ولكن ذلك من بواعث الحاجة، ودوافع الحياة التي تتجاوز معها هذه المعاني، وتدفعهم إلى تقحمها دفعا.
стр. 506
الصبغة العامة في شعر الأزهريين:
لشعر الأزهريين طابع يسوده، وصبغة تتمثل فيه، تطالع من يبحث في دواوينهم، ويمعن النظر في شعرهم.
ولما كانت الحياة العلمية هي التي شغلتهم، واستنفدت جهدهم رأيناهم قد تأثروا بالعلم في أسلوبه وتعبيره، ونضجت أقلامهم بهذه النزعة العلمية، واستعملوا ألفاظها في تصوير خيالهم الشعري، كل حسب ما تأثر به من نحو أو صرف أو بيان، أو منطق أو فلسفة أو فقه، أو غير ذلك مما شغلوا به متفاوتين في هذا التأثر.
وكان ظهور هذه الأساليب، والمصطلحات العلمية في شعرهم طبعيا؛ لأنها ملكت عليهم قواهم، وكانت حديث ألسنتهم، ومجال دراستهم وأداة ثقافتهم، فلم يكن من المستطاع لهم أن يتخلوا عنها مهما جهدوا، ولا أن يتحرروا منها التحرر كله مهما حاولوا ذلك.
شاعت الألفاظ العلمية في شعرهم، وظهرت في قصائد هو فذهبت بغير قليل من جمال الشعر وبهائه، وروعته وروائه، فإن الألفاظ العلمية جافة غليظة لا تعطيك من الروعة والأخذ، وحسن الموقع ما تجده من الألفاظ الشعرية الرقيقة العذبة، وقد يكون لنضوب معينهم الشعري، وجدب خيالهم وافتقارهم من المعاني ما دفعهم إلى التحلي بهذه الألفاظ بجانب تأثرهم بها ظنا منهم أن في تناولها دليلا على قدرتهم وتمهرهم، على أن هذه النزعة سرت إليهم من شعراء المماليك، فقد كانوا مغرقين في إدخال المصطلحات العلمية في شعرهم.
هذا وقد حرر "ابن خلدون" في ذلك بحثا ممتعا ذهب فيه إلى أن "الفقهاء، وأهل العلوم قاصرون في البلاغة، وما ذلك إلا لما يسبق إلى محفوظهم، ويمتلئ به من القوانين العلمية، والعبارات الفقهية الخارجة عن أسلوب البلاغة
стр. 507
والنازلة عن الطبقة؛ لأن العبارات عن القوانين والعلوم لاحظ لها في البلاغة. فإذا سبق ذلك المحفوظ إلى الفكر وكثر، وتلونت به النفس جاءت الملكة الناشئة عنه في غاية القصور".
ويقول: "وأخبرني صاحبنا الفاضل: "أبو القاسم بن رضوان" قال: -ذكرت يوما صاحبنا "أبا العباس بن شعيب" كاتب السلطان "أبي الحسن"، وكان المقدم في البصر باللسان لعهده، فأنشدته مطلع قصيدة ابن النحوي، ولم أنبها له وهو هذا:
لم أدر حين وقفت بالأطلال ... ما الفرق بين جديدها والبالي
فقال لي على البديهة: هذا شعر فقيه. فقلت: ومن أين لك ذلك؟ فقال: من قوله: من الفرق إذ هي من عبارات الفقهاء، وليست من أساليب كلام العرب. فقلت: لله أبوك إنه ابن النحوي١.
وإنا نسوق أمثلة من شعرهم ناطقة بصحة هذه الدعوى.
يقول الشيخ "حسن قويدر الخليلي":
خاطرت لما أن رأيته خطر ... وحار فكري في بها ذاك الحور
وقلت: لا والله ما هذا بشر ... ومن بشمس قاسه أو بقمر
فليس عندي بالقياس بدري
فلكمة "بالقياس" من مصطلحات علم المنطق استعملها الشاعر في شعره، وهو الذي يقول أيضا:
والنوفر الرطب يقول جسمي ... كجسمه في حده والرسم
لكنني مخالف في الاسم ... من أجل هذا حكموا بوسمي
وغرقوني وسط هذا البحر
فكلمة "الحد والرسم" من أدوات علم المنطق عدا ما أشار إليه الشاعر
стр. 508
من قياس، فخلاصة المعنى تشير إلى تركيب الكلام تركيبا منطقيا على طريقة القياس الذي صغراه الشطران الأولان أي جسمي يماثله في الحد والرسم، وكبراء مطوية قائلة -وكل ما يماثله حدا ورسما يغرق في البحر، والنتيجة المشار إليها بالشطر الأخير قائلة-، فهذا النبات يغرق في البحر، ويقول الشيخ "مصطفى الصاوي" المتوفى سنة ١٢١٦هـ.
وغدا بنطق كماله يبدي لنا ... عين النتيجة ضمن شكل أنور
فالنتيجة والشكل كلاهما من مصطلحات علم المنطق.
ويقول الشيخ "محمد شهاب الدين المصري" في قصيدته التي أنشأها لتكتب على جامع القلعة:
عروس كنوز قد تحلت بعسجد ... مكللة تيجانها بالزبرجد
أم الجنة المبني عالي قصورها ... بأبهج ياقوت وأبهى زمرد
أم المكرمات الآصفية أبدعت ... هيولي أعاجيب بصورة مسجد
ويقول أيضا:
شخص ولكن هيولي روحه ملك ... وجسمه صورة في شكل قديس
فكلمة "هيولي" المتكررة إنما هي من مصطلح علم الفلسفة.
ويقول الشيخ "مصطفى الصاوي":
نزلنا بهذا القصر والنيل تحته ... فلله قصر قد تعاظم بالمد
وروي بالقصر عن معنييه ضد المد، وهو من مصطلح علم الصرف والبيت العظيم، كما روي بالمد عن معنييه ضد القصر الذي هو من مصطلح علم الصرف، وارتفاع الماء الذي هو ضد "الجزر".
ويقول "عبد الله فكري باشا":
جمعتهم الأقدار جمع سلامة ... والله في أقداره مختار
فقد روي "بجمع سلامة" عن معنييه جمع المذكر السالم الذي سلم بناء
стр. 509
مفرده من التغير وهو من مصطلح الصرف، وجمع السلامة من كل ما يسوء.
ويقول الشيخ "حسن العطار":
كر القلب وما كان التقى ... فيه من حين هواه ساكنان
وقد أخذ هذا المعنى من قول الشاعر:
يا ساكنا قلبي المعنى ... وليس فيه سواك ثان
بأي معنى كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان
ويقول الشيخ "حسن العطار" أيضًا:
وكيف أعبر عن حالة ... ضيرك مني بها أعرف
فقد روي في البيتين بمصطلحات النحو.
ويقول الشيخ "محمد شهاب الدين" المصري مادحا "مصطفى بك المختار" مدير ديوان المدارس إذ ذاك:
رأيت "حالا مضى" "فعل" ... "أبرز" في "شأنه" "الضمير"
فقد روي بالكلمات "حالا" و"مضى" و"فعل"، و"أبرز" و"شأنه" و"الضمير" عن معانيها النحوية.
وتدور في شعرهم أيضًا الألفاظ المصطلح عليها في علم الحديث، ومن ذلك ما يقوله الشيخ "مصطفى الصاوي".
"ويسند" "إرسال" السحاب لدمعه ... "مسلسل" أحزان بوجد مجدد
فالكلمات "يسند" و"إرسال" و"مسلسل" مصطلح علم الحديث، وألفاظه الشائعة فيه.
ومن ألفاظ علم الحديث المستعملة في شعرهم ما قاله الشيخ "محمد شهاب الدين" المصري يمدح "إبراهيم رأفت بك" الذي كان وكيلا لديوان المدارس:
إني على دعوى الهوى ... والحب لي حجج قويه
وحديث أشواقي إليـ ... ـك مسلسل بالأولية
стр. 510
ويقول الشيخ "عبد الهادي نجا الأبياري":
فارفع حديثك في ضعيف لحاظها ... يا عاذلي فحديث وجدي أرفع
وصحيح حبي مسند لضعيف جفنيها يعنعنه الهوى، وينعنع١ الأبيات الأربعة حافلة بالألفاظ الشائعة في هذا العلم التي هي من مصطلحاته وتعبيره.
وتجري في شعرهم ألفاظ علوم البلاغة، وتعبيراتها الخاصة بها كقول الشيخ "محمد
شهاب الدين المصري":
ما لأيديه في الحقيقة "شبه" ... إذ "مجاز" النوال فيهن "مرسل"
فالحقيقة والمجاز، والمرسل من مصطلح علم البيان، ويقول:
هو الفلك المحيط بكل معنى ... وفياض الفضائل في الأنام
"بيان" حلى "معناه" "بديع" ... وسحر حديثه حكم الكلام
فالبيان والمعاني الذي أشار إليه بمعناه، والبديع إنما هي أسماء لعلوم البلاغة.
وتجد في شعرهم كثيرًا من الألفاظ الفقهية، وما يجري على ألسنة الفقهاء كقول الشيخ "حسن قويدر الخليلي":
دعواكم يأيها الزهور ... كما زعمتم باطل وزور
وكلكم بنفسه مغرور ... وواجب في حقه التعزير
من جملة التعزير لوم الحر
فالتعزير الواجب الذي تحدث الشاعر عنه، إنما هو من تعبير الفقهاء، ويقول "السيد علي أبو النصر المنفلوطي":
وحبكم كل وقت ... فرائض لا نوافل
فلفظا الفرائض والنوافل من الألفاظ الجارية على ألسنة الفقهاء.
ومما استعملوه من مصطلح العروض في شعرهم ما يقوله "عبد الله فكري باشا" في الخديو "توفيق"، ووصف بوارجه.
стр. 511
دوارع يلقين المخاوف آمنًا ... بها سر بها من كل هول ومرغم١
من اللاء لا يتركن حصنا محصنا ... ولا أنف برج شامخ غير مرغم
يطارحن أسلوب المدافع في الوغى ... بكل رجيح "وزنه" عير أخرم٢
فقد روي بالوصف أخرم الذي يحتمل أن يكون مرادًا به ما هو من ألفاظ العروض، أو كمال القذيفة التي يطلقها مدفع البارجة.
بل إنك لتعثر في شعرهم على الحوار الذي يجري على ألسنة العلماء في تشقيق البحث، وتفريع المسائل بقولهم فإن قيل، وقلنا، واستمع إلى الشيخ "حسن قويدر الخليلي إذ يقول:
إن قيل: بدر قلت: ذا قريب ... وكامل في الحسن لا يغيب
والبدر فيه كلف يعيب ... وذا الرشا جماله عجيب٣
والفرق ظاهر لدى من بدري
فهاتان الكلمتان "إن قيل وقلت" كلتاهما مما يدور في أفواه العلماء الأزهريين في دراسة المسائل، وتقرير البحوث العلمية، ولا ننسى كلمة والفرق ظاهر أيضا، فإنها تنحدر من هذا الوادي.
ومما يحسن أن نشير إليه أن هذا الشاعر أخذ هذا المعنى من قول البهاء زهير في مثل هذا الغرض، وهو الموازنة بدره وبدر السماء، إذ قال: "البهاء زهير":
يهنيك بدرك حاضر ... يا ليت بدري كان حاضر
حتى يبين لناظري ... من منهما زاه وزاهر
بدري أرق محاسنا ... والفرق مثل الصبح ظاهر
стр. 512
وهذا التعبير "والفرق ظاهر" مع أن فيه تورية بين فرق الشعر، والفرق والذي هو الفصل بين الشيئين هو من مصطلح العلم وأسلوبه.
ويقول الشيخ "حسن قويدر الخليلي" أيضًا:
فقال: لا بد من الفراق ... ولو رقانا اليوم ألف راق
قلت: إذن يا ناعس الأحداق ... فهل يكون بعده تلاق
فقال: إن العسر ضد اليسر
فكلمة "فقال" المكررة وقلت: من سدى التشقيق العلمي ولحمته مع ملاحظة أن لفظ الضد علمي أيضا.
وتلك هي كلمة نفرض فرضا التي هي مما يشيع في دراستهم، وتتناولها ألسنتهم وكلمة "والله أعلم" التي يختم بها العلماء الأجلاء بحوثهم العلمية تأليفا، ودراسة للتواضع ومجانبة الزهو يستعملها أحد شعراء الأزهر، وهو المرحوم الشيخ "محمد الأمير" المتوفى سنة ١٣٣٢هـ، حيث يقول في الحث على الزهد:
دع الدنيا فليس بها سرور ... يتم ولا من الأحزان تسلم
ونفرض أنه قد تم فرضا ... فغم زواله أمر محتسم
فكن فيها غريبا ثم هيئ ... إلى دار البقاء ما فيه مغنم
وإن لا بد من لهو فلهو ... بشيء نافع والله أعلم
وهذه كلمة على فرض أن ذلك قد كان، وتسليم قولك يستعملها الشيخ "عبد الهادي نجا الإبياري" في شعره كاملة غير منقوصة، وذلك حيث يقول:
أين كانت قل لي لديكم جوار ... من لدن آدم لهذا النهار
وعلى فرض أن ذلك قد كا ... ن وتسليم قولك الفشار١
стр. 513
ما الذي كان لي بهن من الآ ... راب حتى إذ بان بان مزاري
وبتسليم أن ذلك قد كا ... ن فقل لي فداك عصية جاري
وهاتان كلمتا زيد وعمرو الشائعتان في أفواه الأزهريين، وفي كتبهم للتمثيل للفاعل والمفعول، وغيرهما يأبى كثير من شعراء الأزهر إلا أن يسلكهما في شعره، ويديرهما في قريضه، كما يقول "عبد الله فكري باشا":
ترقت حلالها عن سواك وراقها ... علاك فلم تجنح لزيد ولا عمرو
ويقول "السيد علي الدرويش":
خليلي فيها غنياني على الطلا ... ولا تذكر إلى "حال" زيد ولا عمرو
فهو يريد أن يمتع نفسه بالغناء ليستمع له على الطلا، ولا يود أن يحدث بشيء عن حال زيد وعمرو من الناس، فقد سئم الحديث عنهما، وأراد أن يهجره إلى هذا المتاع، وقد يكون المعنى أنه يريد أن حرمة الغناء والشراب دون الغيبة بالحديث عن زيد وعمرو، أو أراد أن يفر من الجد، والدرس والكلام عن زيد وعمرو في مسائل النحو إلى ما ذكره من متعة الغناء والطلا، وأيا ما كان فقد تأثر بهذين اللفظين اللذين يدوران في المسائل النحوية، فتسللا إلى شعره.
استخدامهم الشعر في مسائل العلم:
ولما كان العلم هو شغل العلماء الأول، ومناط حرصهم ومثار اهتمامهم والمالك قواهم وجهودهم، بذلوا في تقييده وسائل مختلفة، واتخذوا الشعر إحدى هذه الوسائل، فأخضعوه للعلم وأودعوه مسائله ومشاكله، وعبروا به عن شوارده، وضمنوه ألغازا وحوارا وقواعد، وعساه أن يكون بهذه المثابة نظما لا شعرا، إذ أنه مقفر من الخيال، خلو من الفن عار من الروعة والسحر، ومن هذا الوادي كل ما نظموه في علومهم المختلفة.
стр. 514
فمن حوارهم العلمي الذي اتخذ الشعر أسلوبا له ما وقع بين الشيخ "محمد الأمير"، والشيخ "العوضي" المتوفى سنة ١٢١٤هـ، إذ يقول الأول:
حي الفقيه الشافعي وقل له ... ما ذلك الحكم الذي يستغرب
نجس عفوا عنه فإن يخلط به ... نجس فإن العفو باق يصحب
وإذا طرا بدل النجاسة طاهر ... لا عفو بأهل الذكاء تعجبوا
ويجيبه الثاني بقوله:
حييت إذ حييتنا وسألتنا ... مستغربا من حيث لا يستغرب
العفو عن نجس عراه مثله ... من جنسه لا مطلقا فاستوعبوا
والشيء ليس يصان عن أمثاله ... لكنه للأجنبي يجنب
وأراك قد "أطلقت ما قد قيدوا" ... وهو العجيب وفهم ذلك أعجب
اقتباسهم من القرآن والحديث:
ومن الظواهر العامة في شعرهم إشراق القرآن في مجاليه، وظهوره في كثير من نواحيه، واقتباسهم من القرآن في شعرهم أمر طبعي؛ لأنهم أشد عناية بحفظ القرآن، ودراسة تفسيره واستنباط الأحكام الشرعية منه، واكتناها لأسراره وفهما لمغزاه، وتأدبا بأدبه وتذوقا لبلاغته، كما اقتبسوا من الأدب النبوي كثيرا من آياته البينات التي جرت على ألسنتهم من طول ما أخذوا من أحكامه الشرعية وآدابه الرفيعة، فمن اقتباسهم من القرآن قول الشيخ "حسن قويدر الخليلي":
فقال طب نفسا فقد زال الألم ... والصفو من كل الجهات قد ألم
كأنه يتلو على القلب ألم ... نشرح لك الصدر بهذه النعم
روض ووجه حسن ونهر
стр. 515
ويقول الشيخ "حسن العطار":
مرج البحرين فيضا دمعه ... إذ رأى جفنيه لا يلتقيان
ويقول "السيد علي درويش" يمدح المرحوم محمد علي باشا، ويؤرخ مجيء الجراد عام البقر سنة ١٢٥٩هـ:
لواحة للأرض لا ... تبقي البنات ولا تذر
وصغيرة في حجمها ... لكنها إحدى الكبر
ويقول "عبد الله فكري باشا":
أليس بكاف عبده وهو قائم ... على كل نفس بالقضاء المحتم
كما يقول:
فمن بالعفو إني ... منه على غير ياس
وإن عتبت فحق ... "وما أبرئ نفسي"
ومن اقتباسهم من الحديث النبوي قول الشيخ "مصطفى الصاوي":
فالصبر عند الصدمة الأولى رضا ... ما حيلة المحتال إن لم يصبر
وقول "عبد الله فكري باشا":
ألا إن أوساط الأمور خيارها ... مقال نبي عن هدى الله مخبر
وخير عباد الله أنفعهم له ... كما جاء في قول النذير المبشر
وقول "السيد عبد الله نديم":
دع عنك لومي في شيء خصت به ... وانظر لنفسك تعذر مثلك الجاني
فتركك الشيء لا يعنيك منقبة ... بل ذاك للمرء يدعى حسن إيمان
стр. 516
شعراء الأزهر
مدخل
...
شعراء الأزهر:
قامت دولة الشعر في هذا العصر على كثير من الأزهريين، وكانوا المرحلة التي عبرها الشعر إلى مجده الذي بلغه "بالبارودي" و"شوقي" "وحافظ" "وإسماعيل صبري"، وغيرهم من شعراء العصر الفحول.
وفي الأزهر اليوم جمهرة من الشعراء النابهين، وفي شبابه من يعقد به الأمل، ويناط به الرجاء، ولولا أننا التزمنا الحديث عن الراحلين، وكففنا عن التحدث عن الأحياء، خشاة أن نتهم بالمجاملة، ونرمى بالتجني "وحاشا للمنصف أن تحثي على عطفيه تلك الظنون"، لولا ذلك لبسطنا شعر الأحياء الأزهريين، وأفضنا في دراسة نابهيهم وأفذاذهم.
ومما التزمناه في الحديث عن الشعراء أن قصرنا القول على أشهرهم، وأيسرهم ذكرا وأعظمهم قدرا، فلم نتبع كل نابه ولم نستقر كل مجيد، كما أننا توخينا في الشعراء الذين نتناولهم بالدرس والتحليل أن يكونوا أزهريين أقحاحا بدأوا ثقافتهم في الأزهر وأتموها فيه، ومن ثم لم نعرج على من كانت خاتمته الدراسية في المعاهد الأخرى، رغم أنها فروع من الأزهر، وأغصان من دوحته، فلم نتكلم عن المرحوم "حفني بك ناصف"، والمرحوم "محمد عبد المطلب"، والمرحوم "أحمد مفتاح"، وغيرهم ممن أتموا بعد المرحلة الأولى دراستهم في غير الأزهر.
وسنبدأ بذكر أشهر شعراء الأزهر حسب وفياتهم.
стр. 517
الخطأ والعامي في شعرهم:
ومن الإنصاف أن نقرر أن العامية قد تتسرب إلى شعرهم، والخطأ في النحو الصرف قد يجري على ألسنتهم، ولكن ذلك في قلة وندرة، فأما العامية في شعرهم فكما جاء في شعر السيد علي درويش، إذ يجمع "سقف" على "سقفان" في قوله في مسجد:
إذا سجدت حيطانه فهي ركع ... وتسمع تسبيح الحصا منه سقفان
وكإطلاقه لفظ "برادن" على من أصابه البرد، وذلك إذ يقول:
بردان لا نفع "للبردان" عندهما ... وجبة البرد تكسو كل عريان
فكلمة بردان عامية والفصيح بارد وبرد وبرود.
ومن العامية في شعرهم قول الشيخ محمد شهاب الدين:
وتفضل بجبر خاطر من هم ... أتقنوا صنعه وخذ منه شيا
ويقول السيد علي درويش:
ولا عجب إذا كان المربي ... مربي الروح بالعقل المصان
فهو يخطئ في مجيء اسم المفعول من صانه على مصان بدلا من مصون.
ويخطئ كذلك إذ يستعمل الفعل أحرمه من كذا بدلا من حرمه، وهو الفصيح ولا يقال: حرمه من كذا بل حرمه كذا، وذلك حيث يقول.
стр. 518
السيد إسماعيل الخشاب:
المتوفى سنة "١٢٣٠هـ-١٨١٥م"
نشأته وحياته:
هو، "السيد إسماعيل" بن "إسماعيل الوهبي الشهير بالخشاب"، كان أبوه نجارًا ثم أنشأ متجرًا للخشب بالقرب من باب زويلة بالقاهرة، وولد له الشاعر المترجم وهو أصغر إخوته، وشب مولعا بحفظ القرآن راغبًا في العلم مشوقا لتحصيله، فطلب العلم في الأزهر حتى صارت له مشاركة في كثير من علومه١.
وكان رقيق الحال حتى اضطر للتكسب في المحكمة الشرعية، وكان عاكفا على مطالعة الكتب الأدبية والتصوف، والتاريخ يستظهر كثيرا من أشعار العرب والمراسلات، والمكاتبات الأدبية، ويلم بطرف من حكايات المتصوفين وأقوالهم حتى أصبح فريد عصره في المحاضرات، واستحضار البدائع في المناسبات، وكثيرا ما يصفه "الجبرتي" بأنه البليغ النجيب، والنبيه الأديب نادرة الزمان فريد الأوان المتقن العلامة يتيمة الدهر، وبقية نجباء العصر.
وعرف بالشعر الرائق والنثر العذب، وكان نبيها أديبا عظيم الأخلاق لطيف السجايا كريم الشمائل، خفيف الروح، وذلك مما يسر له مخالطة الرؤساء والأمراء، ومصاحبة الكبراء والعظماء، فتنافسوا في صحبته وتباهوا بمجالسته حيث يرتاحون لخلقه، ويستطيبون منادمته، ويجدون من طيب فكاهته ولطف عبارته، وعذب بيانه ما يدفعهم إلى طلبه، والحرص عليه كما كان رقيقا مهذبا كريم النفس محبا للمجد متطلعا لمعالي الأمور.
وكان له قوة استحضار في إبداء المناسبات بحسب ما يقتضيه حال
стр. 519
المجلس، فكان يجانس ويشاكل كل جليس بما يدخل عليه السرور في الخطاب، ويخلب عقله بلطف محادثته كما يفعل بالعقول الشراب١.
ولما أنشأ الفرنسيون ديوانا للقضاء بين المسلمين عين في كتابة التارخي لحوادث الديوان، وما يقع فيه؛ لأن الفرنسيون كانت لهم عناية بالغة بتسجيل الحوادث يوما فيوما، وتدوين ما يجري منها في الدواوين، ومقر أحكامهم ثم يجمعون هذه الحوادث، ويطبعون منها نسخا يوزعونها على الجيش في مختلف مواضعه ومواطنه في الأمصار والقرى، فلما رتبوا ذلك الديوان كان الخشاب هو الذي يتولى كل ما يتصل بعمله، وظل ف يهذه الوظيفة إلى أن ولي "جاك منو"، وعلى رغم ذلك لم يتخل عن التكسب بالشهادة في المحكمة.
ولما عاد المرحوم "الشيخ حسن العطار" من طوافه بالبلاد التي كان قد ارتحل إليها امتزج بالخشاب، فصفا ودهما وطابت مخالطتهما، وصارا لا يفارق كل منهما صاحبه حتى ليحدث "الجبرتي"، بأنهما كثيرا ما كانا يبيتان معا، ويقطعان الليل بحديث أرق من نسيم السحر، وألطف من اتساق نظم الدرر، وكثيرًا ما كانا يتنادمان بداره لما بينهما من الصحبة الأكيدة، والمودة العتيدة ثم يتجاذبان أطراف الكلام، فيجولان في كل فن من الفنون الأدبية والتواريخ والمحاضرات.
ومع أن "الخشاب" أدرك في أواخر حياته "محمد علي باشا"، نراه لم يل في عهده عملا من الأعمال مع شهرته الأدبية، وبعد صيته في البيان؛ لأن والي مصر لم يكن إلى هذا العهد قد اتجه إلى استصناع الأدباء والشعراء، إذ كان مصروفا لغير ذلك من شئون الدولة، وإصلاحها الداخلي، وتأثيل ملكه الذي خلفه المماليك منهوك القوى محلول العزائم.
وبرح الداء "بالخشاب" فلزم فراشه حتى غلبه المنون في يوم السبت ثاني شهر ذي الحجة من سنة ثلاث ومائتين وألف من الهجرة.
стр. 520
وقد جزع عليه صديقه الوفي الشيخ "حسن العطار"، وجمع ما تفرق من شعره، فأودعه ديوانًا طبع في الآستانة.
شعره:
"الخشاب" أقدم شعراء العصر الحديث، وأقلهم حظا من الحضارة الغربية التي وفدت إلى مصر، ونبهت الأذهان والقرائح بعد أن استقر الحكم "لمحمد علي"، وأبنائه واتصلت مصر بالغرب اتصالا مختلفا، ولم يكن "الخشاب" قد تعلم اللغات الأجنبية، فيستعين بها على الاطلاع على ثقافة الغرب، وعلمه الجدي فتتسع مداركه وتترامي آفاقه خياله، وتأتيه من هذه الآداب سهولة الطبع ورقة التعبير، وعلى رغم ذلك يتسم شعره بالوضوح والسلاسة، ومجانبة التعقيد والإقلال من البهرج والطلاء، وهذه ظاهرة واضحة في شعره، فهو لم يتهالك على البديع، ولم يكلف بالصناعة ولم يتورط فيما تورط فيه غيره من الشعراء الصناع على قربه من الشعر الضعيف المنحل في عهد المماليك، ووثيق اتصاله بآداب ذلك العصر الواهن المتخاذل.
والذي يبدو أن في طبع "الخشاب" ميلا فطريا إلى الإشراق، والوضوح والبعد من التعمل، وقد تهيأ له من الاتصال بالفرنسيين في مصر ما طوع أدبه، وجلى شعره، ونحا به نحو السهولة والانطلاق، فقد أقاموه في ديوان القضاء أمينا لمحفوظاته، وكاتبا سلسلة التاريخ فيه ومسجلا لأحداثه تباع، وعاش طول حياته شديد المخالطة للكبراء والأمراء، والعظماء بين منادمة ومطارحة ومفاكهة، ولا ريب أن ذلك كله هيأ له تطويع أدبه، وسهولة قريضه وإشراق ديباجته، وصفاؤه من التعقيد والزخرف والصنعة.
وقد حدث "الجبرتي" أنه علق شابا من رؤساء كتاب الفرنسيين كان لطيف الطبع جميل الصورة عالما ببعض العلوم العربية، مائلا إلى اكتساب النكات الأدبية، فصبيح اللسان العربي يحفظ كثيرًا من شعر العرب، فلتلك المجانسة مال كل منهما للآخر، ووقع بينهما تواد وتصاف حتى لا يقدر أحدهما
стр. 521
على مفارقة صاحبه، فتارة يذهب الخشاب إلى دار صديقه، وتارة يذهب الشاب الفرنسي إلى دار الخشاب، فيتجاذبان أطراف الأحاديث، ويقع بينهما من لطف المحاورة ما يتعجب منه، يقول "الجبرتي": -وعند ذلك قال "الخشاب" الغزل الرائق والنظم الفائق١.
أفلام تكون هذه المخالطة من أسباب تنشيط شعره، وانطلاق قريضه وسعة خياله؟
وهل لنا أن نذهب إلى أن هذه المخالطة دلت "الخشاب" على كثير من أخلاق الفرنسيين، وعادتهم وأحوالهم، وطبائعهم فبسط ذلك في فكره وفسخ في مخيلته؟
يقول الخشاب في صديقه الفرنسي:
علقته لؤلؤي الثغر باسمه ... فيه خلعت عذاري بل حلا نسكي
ملكته الروح طوعا ثم قلت له ... متى ازديارك لي أفديك من ملك
فقال لي وحميا الراح قد عقلت ... لسانه وهو يثني الجيد من ضحك
إذا غزا الفجر جيش الليل وانهزمت ... منه عساكر ذاك الأسود الحلك
فجاءني وجبين الصبح مشرقة ... عليه من شغف آثار معترك
في حلة من أديم الليل رصعها٢ ... بمثل أنجمه في قبة الفلك
فحلت بدرا به حفت نجوم دجا ... في أسود من ظلام الليل محتبك٣
وافى وولى بعقل غير مختبل ... من الشراب وستر غير منهتك٤
стр. 522
فهذه أبيات عذبة سائغة لا تعقيد فيها ولا التواء، لم تشبها شائبة الصنعة، ولم يفسد جمالها المحسن البديعي الذي أسرف العصر في تناوله، وتاه في فيافيه.
هذا إلى ما ذهب إليه من غزو الفجر جيش الليل وانهزام عساكره، وقدوم صاحبه وصد أشرق جبين الصبح يبدو عليه من شغفه آثار معترك، وتشبيهه في حلته التي كأنها من أديم الليل تلمع فيها الأنجم التي رصعتها وحلتها بالبدر أشرق نوره، وحفت نجوم الدجى به في الليل الحالك الذي وثق سواده وأحكم.
هذا ويجوز أن تكون كلمة شغف محرفة، وأصلها "شفق" أي أن صاحبه وفد إليه، وعلى جبين الصبح آثار معترك من الشفق، لما بينهما من المنازعة والمغالبة، ويستأنس له بما ذهب إليه من قبل من غزو الفجر جيش الليل، وانهزام عساكره.
غير أنا نلاحظ أن الشاعر وصف جبين الصبح بلفظ مشرقة، فلم يطابق بين الموصوف والصفة في التذكير والتأنيث، وكان يجب أن يقول "مشرق" ففي اللسان "الجبين يذكر لا غير"، إلا أن يقال: إنه أنث الوصف باعتبار الجبين جبهة، وبذلك تتأتى المطابقة أو جرى على ما يذهبون إليه من أن كل ما لا يعقل يجوز تذكيره وتأنيثه؛ أو تقول: إن كلمة آثار فاعل "مشرقة"، ويكون مرجع الضمير لجبين الصبح لا لفاعل جاء.
وقال في فرنسي آخر اسمه "ريج".
أدرها على زهو الكواكب والزهر ... وإشراق ضوء البدر في صفحة النهر
وهات على نغم المثاني١ فعاطني ... على خدك المحمر حمراء كالجمر
وموه لجين الكأس من ذهب الطلا ... وخضب بناني من سنا الراح بالتبر
ومزق رداء الليل وامح بنورها ... دجاه وطف بالشمس فينا إلى الفجر
стр. 523
وأصل بنار الخد قلبي وأطفه ... ببرد ثناياك الشهية والثغر
أ "ريبج" ذكي أنفاسك التي ... أريج شذاها قد تبسم عن عطر
معنبرة يسري النسيم بطيبها ... فتغدو رياض الزهر طيبة النشر
رشافاتك١ الألحاظ عيناه غادرت ... فؤادي في دمعي دما سائلا يجري
طويل نجاد السيف ألمى٢ محجب ... شقيق المها٣ زاهي البها ناحل الخصر
رقيق حواشي الطبع يغني حديثه ... عن اللؤلؤ المنظوم والدر والنثر
ولما وقفنا للوداع عشية ... وأمسى بروحي يوم جد النوى سيري
تباكي لتوديع وأبدى شقائقا٤ ... مكللة٥ من لؤلؤ الطل بالقطر
فهذا شاب فرنسي آخر خالطه الخشاب وأدمن الود معه، وكانت لهما مجالس وسمر، وغدو ورواح، فصفا أنسهما، وطابت مودتهما ووجد الشاعر فيه ما ارتاح له وبهره منه فتك ألحاظه، وطول نجاده، وسمرة شفته وتحجبه، وأنه شبيه بالمها زها بهاؤه ونحل خصره، ورق طبعه، وأغنى عن اللؤلؤ المنظوم والدر المنثور عذب حديثه، ووصف يوم الوداع وما لقيه من هوله، وأن صاحبه تباكى فبلل بدمع كاللؤلؤ خدودا حمرًا كالشقائق.
هذه صورة ناطقة رسمها الشاعر فجاءت رائعة فاتنة، ولم تتعثر ريشته أو ينب رسمه، والشاعر في إيداعه هذه المعاني تلك الأبيات، وفي تعبيره عن هذا
стр. 524
كله لم يحم حول تعقيد أو التواء، ولم تهده صنعة أو طلاء اللهم إلا أنه يشك المحسن البديعي شكا خفيفا، ويتناوله برفق ولطف، فيستعمل الجناس بين كلمة زهر الكواكب التي هي جمع أزهر، والزهر للذي هو النبت المعروف.
ويلهمه اسم صديقه "ريج"، فيوقع الجناس بينه منادى بالهمزة، وبين أريج الشذى، وهو إن كان بهذا الجناس المتكرر يجاري شعراء عصره، لم يظهر بمظهر المتكلف، والمتهالك عليه.
ونلاحظ على أن الشاعر عبر بلفظ تباكى لتوديع -وكان المفهوم أن يقول "بكى"؛ لأن ذلك موقف البكاء لوجود دواعيه، أما "تباكى"؛ فتعبير يفيد أن صاحبه تكلف البكاء، ومن شأن هذا الوصف أن ينفي عنه صفة التأثر بالرحيل إلا أن يقال: إن صاحبه لشدة هول التوديع جمدت عيناه، فلم تبكيا فتكلف البكاء ليوائم بين حاله، وحال المودعين وفي الحديث: $"فإن لم تجدوا بكاء فتباكوا"، أي تكلفوا البكاء وتكلف البكاء يستدعيه، وهذا الوجه يثبت لصاحب الخشاب تأثرا أبلغ من تأثره، وأنه بلغ من الحزن ما جمدت به عيناه، ولم تسمح بالبكاء إلا أن يتكلفه تكلفا.
ومما قاله يتغزل به:
يا شقيق البدر نورًا وسنا ... وأخا الغصن إذا ما انعطفا
بأبي منك جبينا مشرقا ... لو بدا للنيرين انكسفا
بغيتي منك رضاب١ ورضا ... وعلى الدنيا ومن فيها العفا٢
فهذه أبيات رقيقة عذبة حلوة الروح خفيفة المذاق لم يشبهها تعقيد، ولم تتأثر بصنعة إلا الجناس المقبول في "رضاب"، و"رضا".
وقال يمدح الشيخ "محمد الأمير" العالم الفقيه المتوفى سنة "١٢٣٢ إلى ١٨١٧".
стр. 525
أدر لي في الربا القدحا ... وكن للعذل مطرحا
ونبه صاح ساقيها ... فضوء الصبح قد وضحا
وثغر الدهر مبتسم ... وشادي الورق قد صدحا
وخذها من يدي رشا ... مليح قد حوى ملحا
غزال إن يلح للبد ... ر أو غصن القا افتضحا
وأطرب مسمعيك بما ... به أستاذنا امتدحا
"محمد الأمير" المر ... تجي كم آملا منحا
إمام إن تزنه بكل ... م مولى ماجد رجحا
سراج في ذكائه الوها ... ج ليل المشكلات محا
فهذه الأبيات تقطر سلاسة ورقة، ويفيض ماء الشعر من أعطافها وتبدو صفحتها نقية من الزخرف، والطلاء حتى لتشبه أعذب ما ينظم الآن من الشعر العربي السهل على ما فيها من معان خصبة وتصوير بديع، كرجحان الإمام الممدوح حين تزنه بكل مولى ماجد، وجعل الشاعر ذكاء الممدوح سراجا وهاجا يمحو المشكلات التي جعل لها ليلا.
وكان "محمد بن الحسن بن عبد الله الطيب" المتوفى سنة خمس ومائتين وألف من الهجرة شاعرا يلتزم في شعره ما لا يلزم، فلما جمع شعره في ديوان كتب الخشاب على ظاهر هذا الديوان يداعب صاحبه، فقال:
قل للرئيس أبي الحسن محمد ... خدن١ المعالي والسرى الأمجد
والحاذق٢ الفطن اللبيب أخي الذ ... كاء اللوذعي٣ الألمعي٤ الأوحد
ألزمت نفسك في القريض مذاهبا ... ذهبت بشعرك في الحضيض الأوهد
стр. 526
وتركت ما قد كان فيه لازما ... هلا عكست فجئت بالقول السدى
كدرت منه بما ضعت بحوره ... فغدت مشارع١ ليس ينحوها الصدى٢
فإذا نظمت فكن لنظمك ناقدا ... نقد البصير بذهنك المتوقد
أولا فدع تكليف نفسك واسترح ... من قولهم ما شعره بالجيد
ولئن عنفت عليك فيما قلته ... فلقد بذلت النصح للمسترشد
فلما قرأ صاحب الديوان هذه الأبيات ضحك، ولم يزد على أن قال: "أنت في حل"، وكان "محمد بن الحسن" قد علق غلاما، فكتب إليه الخشاب.
إني أجلك أن تصبو بمبتذل ... على تسنمك العلياء من صغر
أمسك عليك وحاذر من إخاء فتى ... قميصه مذ نشا ينقد من دبر
وهذه قطعة رائعة تزخر بالمعاني الكريمة، وتفيض سلاسة ولطافة فلا ينبو منها لفظ، ولا يقلق فيها تعبير وتطرد أجزاؤها، وتتسلسل حتى لتكون كالعقد انتظمت
حباته قالها يرثي بها المرحوم الشيخ "أحمد بن موسى بن داود" المتوفى سنة ثمان ومائتين وألف من الهجرة.
تغير وجه الدهر وازور حاجبه ... وجاءت بأشراط المعاد عجائبه
وكدر صفو العيش وقع خطوبه ... وقد كان وردا صافيات مشاربه
فمالي لا أذري المدامع حسرة ... وأفق سطء المجد تهوي كواكبه٣
وما لي لا أبكي على فقد ذاهب ... موصلة لله كانت مذاهبه
أغرسنا شمس الضحى دون وجهه ... وفوق مناط الفرقدين مراتبه
حليف ندى كالسيل سيب يمينه ... وكالبحر تجري للعفاة مواهبه
له عفو ذي حلم ورأي أخي نهى ... يضيء لدى محلولك الخطب ثاقبه
على نهج أهل الرشد عاش وقد مضى ... مطهرة أردانه وجلاببه
стр. 527
فمن ذا الذي ندعو لكل ملمة ... وترجو إذا ما الأمر خيفت عواقبه
لقد هد ركن الدين حادث فقده ... وشابت له من كل طفل ذوائبه
وغادر ضوء الصبح أسود حالكا ... كأن الدجى ليست تزول غياهبه
ألم تر أن الأرض مادت بأهلها ... وأن الفرات العذب قد غص شاربه
سطت نوب الأيام بالعلم الذي ... تزال به عن كل شخص نوائبه
عجيب لهم أنى أقلوا سريره ... وفد ضم طودا أي طود يقاربه
وكيف ثوى البحر الخضم بحفرة ... وضاق بجداره الفضا وسباسبه
خليلي قوما فابكيا لمصابه ... بمنهل دمع ليس ترقا سواكبه
لقد آد١ إذا أودى٢ وأعقب مذ مضى ... أسى يجعل الأحشا جذاذا٣ تعاقبه
وأي شهاب ليس يخبو ضياؤه؟ ... وأي حسام لا تفل مضاربه؟
وأي فتى أيدي المنية أفلتت؟ ... وأي فتى وافته يوما مآربه؟
وماذا عسى نبغي من الدهر بعد ما ... أصمت٤ وأصمت٥ كل قلب مصائبه؟
فانظر كيف جاءت هذه القصيدة سهلة مشرقة لم تعكرها صنعة، ولم يذهب بروائها تكلف.
نقاء شعره من التاريخ:
ومما امتاز به "الخشاب" أنه لا يميل إلى التاريخ الشعري، ولا يتصل بل
стр. 528
في قليل أو كثير، وعلى رغم أنه أقرب شعراء العصر الحاضر إلى العصر السالف، وكان مقتضى ذلك أن ينحو منحى الشعراء في ذلك العصر فيفتن في التاريخ
الشعري، ويولع به كما أولعوا ويستعمله في الشطر أو البيت، أو القصيدة على رغم من معاصرته لهؤلاء الذين كلفوا به خلا شعره منه، فلا تكاد تعتر على تاريخ له في حادث أو أمر ذي بال، وإن هذه لحسنة من حسنات "الخشاب"، فقد نجا من قيوده وأغلاله، وكم طغت هذه الصناعة على الشعر، فذهبت بجماله
وكسبته الغموض والتعقيد، والالتواء واستبدت بالشاعر فصرفته عن روعة
التصوير وجمال المعنى، وحسن الأداء، ولكن "الخشاب" نجا من هذا، وكره هذه الطريق الملتوية فحاد عنها، وسلك مسلك السهولة والإشراق والوضوح.
стр. 529
الشيخ حسن العطار:
المتوفى سنة "١٢٥٠هـ-١٨٣٤م"
نشأته وحياته:
ولد بالقاهرة سنة نيف وثمانين ومائة وألف من الهجرة، ونشأ بها في ظل أبيه الشيخ "محمد كتن"، ويمت بنسبه إلى أسرة مغربية، وفدت إلى مصر وكان أبوه رقيق الحال "عطارا"، ملما بالعلم كما يدل عليه ما يقوله في بعض كتبه "ذاكرت بهذا الوالد ﵀"، وكان يستصحبه إلى متجره، ويستعين به في صغار شئونه -نشأ حاد الذكاء قوي الفطنة، إلى التعليم هواه، شديد الغيرة والتنافس، إذ يرى أترابه يترددون على المكاتب، ومن ثم يتسلل إلى الجامع الأزهر مستخفيا من أبيه، وقد عجب والده إذ رآه يقرأ القرآن في زمن وجيز، فشجعه ذلك على أن يدع ابنه الذكي الفطن المحب للعلم يختلف إلى العلماء، وينهل من وردهم ما يشاء، فجد في المثابرة والانتفاع من الفحول أمثال الشيخ "محمد الأمير"، والشيخ "الصبان"، وغيرهما حتى بلغ من العلم والتفوق فيه ما أهله للتدريس بالأزهر على تمكن وجدارة.
ولكن نفسه لم تقنع بهذه الغاية، بل مال إلى التبحر في العلوم، واشتغل بغرائب الفنون، والوقوف على أسرارها.
وكان منذ صباه ذا شغف بالأدب، جادا في مطالعته والتزود منه حتى أجاد النظم، والنثر في ريعان صباه وبواكير حياته.
وعني بالأدب الأندلسي عناية فائقة فأخذ يدرسه ويحاكيه، وكثيرا ما كان يأسف على انحطاط الأدب في عصره، ويصف شعراء زمانه بأنهم "اتخذوا الشعر حرفة، وسلكوا فيه طريقة متعسف، فصرفوا أكثر أشعارهم في المدح والاستجلاب والمنح، حتى مدحوا أرباب الحرف الجمع الدراهم، وكان منهم
стр. 530
من كان يصنع القطعة من الشعر في مدح شخص، ثم يغيرها في مدح آخر، وهكذا حتى يمتدح بها كثيرًا من الناس، وهو لا يزيد على أن يغير الاسم والقافية، وما أشبهه في ذلك إلا بمن يفرق أوراق الكدية١ بين صفوف المصلين في المساجد، وهكذا كان حال الرجل، فلا يكاد يتخذ وليمة أو عرسا أيبني بناء أو يرز بموت محب إلا بادره بشيء من الشعر قانعا بالشيء النزر".
ولما كانت تلك نظرته إلى الشعر والشعراء رأيناه قد أغفل شعره، ولم يحتفظ بما قاله في المدح، والهجاء اضطرارًا ورجا ألا يحفظ عنه، إلا ما لطف من النسيب"، مما ولع به "أيام الشباب حيث غض الشبيه، والزمن من الشوائب محض، ولأعين الملاح سهام بالفؤاد راشقة، وتثني قدود الغيد تظل له أعين الأحبة وامقة.
ذاك وقت قضيت فيه غرامي ... من شبابي في ستره بالظلام
ثم لما بدا الصباح لعيني ... من مثيبي ودعته بسلام"
ولما اضطربت الفتن بدخول الفرنسيين مصر رحل إلى الصيعد، ومعه جماعة من العلماء، ثم عاد إلى مصر بعد أن استقرت الأمور، وقد أداه حبه الحياة الاجتماعية وميله إلى المخالطة، وما عرف به من خفة الروح، وطيب المعاشرة، إلى الاتصال بالفرنسيين العلماء فاستفاد من فنونهم، وأفادهم اللغة العربية وكان يقول: "إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها"، وكان يتعجب مما وقف عليه من علوم الفرنسيين، ومن كثرة كتبهم وتحريرها وقربها من العقول وسهولة الاستفادة منها، وقد تحدثنا عن ذلك في صلة الأزهر بالحملة الفرنسية.
وهو الذي وقف في امتحان مدرسة الطب خطيبا يشيد بفائدة الطب في تقدم الإنسانية، ويفخر بأن أتيح للأزهر في تاريخ مدرسة الطب أول نشأتها